← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

* الوجه الخامس: في الحديث تحذير بليغ من منع صاحب الحق حقه والمماطلة في أداء الديون والحقوق إلى أربابها، ويزداد الأمر قبحًا إذا كان الإنسان مع هذه الخصلة الذميمة يطلب ما ليس له به حق، ويحاول الاستيلاء على حق الآخرين بلا مسوغ شرعي، فهذا عين الظلم والعدوان؛ لأنه مانع للحق الذي عليه، ومغتصب لما ليس له بحق. * الوجه السادس: في الحديث حث على قلة الكلام وعدم التوسع فيه، وألا يكون الإنسان ثرثارًا مهذارًا ليس له هم إلا الخَرْطُ (١) والكلام في الناس؛ لأن الإكثار من الكلام الذي لا فائدة فيه يقسي القلب، ويفضي إلى الكذب والخطأ وعدم التثبت، وهو سبب من أسباب تنافر القلوب والوقوع في الفتن، وهو اشتغال بما يضر ولا ينفع عما ينفع، وفيه إضاعة للأوقات التي ينبغي صرفها فيما ينفع، فينبغي للمؤمن أن يحذر ذلك كله، وألا يتكلم إلا بما فيه نفع، وألا ينقل مما يسمع إلا الكلام النافع، ويحذر أن يحدث بكل ما سمع. * الوجه السابع: في الحديث تحذير من كثرة السؤال كسؤال الدنيا من غير حاجة ولا ضرورة، أو السؤال عما لا يعني الإنسان وعما ليس منه فائدة؛ لأنه ضياع للوقت وربما أدى إلى ما لا تُحمد عقباه، والمؤمن الحق يشتغل بما يعنيه وما ينفعه ويدع ما لا يعنيه وما لا ينفعه. * الوجه الثامن: في الحديث نهي عن إضاعة المال، وذلك بصرفه في غير الوجوه الشرعية أو بإهماله وعدم العناية به، وهذا يقع ممن يكون ناظرًا على وقف قلَّ ريعه، فتراه يهمله حتى تنقطع منفعته بالكلية، وإضاعة المال ضرر اقتصادي ينبئ عن سوء التصرف. وفي جميع ما تقدم دليل بيّن على كمال الشريعة برعايتها لحفظ الوقت واللسان والمال والشرف وحقوق الآخرين. والله تعالى أعلم.

стр. 4587

ما جاء في فضل رضا الوالدين ١٤٦٦/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "رِضَا اللهِ فِي رِضَا الْوَالِدَينِ، وَسَخَطُ اللهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَينِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "البر والصلة"، باب (ما جاء من الفضل في رضا الوالدين) (١٨٩٩)، وابن حبان (٢/ ١٧٢) من طريق خالد بن الحارث، والحاكم (٤/ ١٥١، ١٥٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: "رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد" هذا لفظ الحديث عند الترمذي وابن حبان والحاكم بلفظ الإفراد، وقد جاء بلفظ التثنية عند البيهقي في "شعب الإيمان" (١٣/ ٥٢٦، ٥٢٧). وقد تابع ابنَ الحارث وابنَ مهدي على رفع الحديث أبو إسحاق الفزاري، كما في "الفوائد" لأبي الشيخ، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (١)، كما تابعهما آخرون، لكنها متابعات لا يُفرح بها، لأن رواتها ما بين صدوق، وذي خطأ، ومن لا يعرف. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)

стр. 4588

وسكت عنه الذهبي، وهذا فيه نظر؛ فإن عطاء وهو العامري الطائفي ليس من رجال مسلم، كما يفهم من ترجمته في "التهذيب" وغيره (١)، وقد ذكره البخاري في "تاريخه، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال ابن القطان: (مجهول الحال) (٣)، وتبعه على هذا الذهبي فقال: (عطاء العامري والد يعلى عن أويس الثقفي لا يعرف إلا بابنه) (٤). وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥)!. وفي الحديث علة أخرى وهي أن الترمذي لما رواه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة موقوفًا على عبد الله بن عمرو ولم يرفعه. قال الترمذي: (وهذا أصح، … ولا نعلم أحدًا رفعه غير خالد بن الحارث، عن شعبة … )، وقال في "العلل" (٦): (أصحاب شعبة لا يرفعون هذا الحديث، ورفعه خالد بن الحارث)، وقد تقدم متابعة ابن مهدي والفزاري لخالد بن الحارث على رفعه. وقد تابع محمد بن جعفر على وقفه جمع من الثقات الأثبات، منهم آدم بن أبي أياس عند البخاري في "الأدب المفرد" (٢) وهو ثقة، والنضر بن شُميل عند البغوي في "شرح السنة" (١٣/ ١١)، وسفيان الثوري، كما عند ابن وهب في "الجامع" (٩٢)، ومسلم بن إبراهيم الأزدي وهو ثقة مأمون، أخرج حديثه المزي في "تهذيب الكمال" (١٣٣/ ٢٥) فهؤلاء خمسة من الثقات رووه موقوفًا، وسادسهم هشيم بن بشير، فقد رواه عن يعلى بن عطاء موقوفًا في أصح الروايتين عنه، كما عند الخطيب في "الجامع" (٢/ ٢٣٠). والذي يظهر -والله أعلم- قوة القول بأن الحديث موقوف، لما يلي: ١ - أن رواة الموقوف كلهم ثقات أثبات، بينما رواة المرفوع فيهم الصدوق وذو الخطأ ومن لا يعرف.

стр. 4589

٢ - أن محمد بن جعفر الذي رواه موقوفًا من أثبت الناس في شعبة، قال عبد الله بن المبارك: (إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غُنْدَر حكم فيما بينهم)، وكذا آدم بن أبي إياس فقد عدّه الإمام أحمد من الستة أو السبعة الذين يضبطون الحديث عن شعبة (١)، وسفيان الثوري قرين لشعبة بل هو أثبت من شعبة. ٣ - أن الترمذي صحح وقفه كما تقدم، وكذا البغوي (٢). ٤ - يبدو أن رواية الرفع لم تشتهر عن غير خالد بن الحارث إلا في أواخر القرن الثالث، وهذا مما يشكك في ثبوت الرفع عن غير خالد، فهذا الترمذي يقول عن وقفه: (وهذا أصح) والبزار يقول: (سمعت بعض أصحابنا يذكره عن سهل بن حماد، عن شعبة مرفوعًا وأنكرته عليه) بينما اشتهرت رواية الوقف عند المتقدمين وأخرجوها مثل ابن وهب، والبخاري في "الأدب المفرد" والترمذي. * الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل بر الوالدين والعمل على رضاهما وإدخال السرور عليهما؛ لأن النبي ﷺ جعل رضا الرب ومحبته لعبده في رضا والديه وبرهما، وجعل غضب الرب في غضب الوالدين بسبب عقوقه لهما؛ وذلك لأن الله تعالى أمر بالإحسان إلى الوالدين، فمن أحسن إليهما فقد أطاع الله، ومن أساء إليهما فقد أغضب الله. * الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب برّ الوالدين، وتحريم عقوقهما؛ لأن رضاهما عن الولد لا يتم إلا ببرهما والرفق بهما والإحسان إليهما والتلطف معهما في أقواله وسكناته ونظره، وألا يتعرض لسبهما ولا لعنهما ولا سيما في حال الكبر، ومِنْ برّهما موافقتهما على أغراضهما، فإذا أمرا أو أحدهما بأمر وجبت طاعتهما ما لم يكن فيه معصية، ومن برّهما الترحم عليهما والدعاء لهما وصلة صديقهما من بعدهما.

стр. 4590

وقد عظم الله حق الوالدين، فأمر بعبادته وتوحيده وجعل برهما مقرونًا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ﴾ [لقمان: ١٤]. ولا عجب في هذا، فإن للوالدين من الفضل والمعروف ما ليس لأحد غيرهما من الخلق كائنًا من كان، فهما السبب المحسوس المباشر في وجود الولد، وقد عانيا من المشقات على ولدهما الشيء الكثير، من حمل ووضع وإرضاع من قبل الأم، ومن تربية وإنفاق وعناية في حال الطفولة من قبلهما، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فسوى بينهما في الوصاية، وخص الأم بما انفردت به. * الوجه الرابع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الأم تفضل على الأب في البر، ونقل بعضهم الإجماع على هذا؛ لأن النبي ﷺ جعل لها ثلاثة أرباع البر والطاعة، وجعل للأب ربعًا، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ : من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك" قال: ثم مَنْ؟ قال: "أمك" قال: ثم مَنْ؟ قال: "أمك" قال: ثم مَنْ؟ قال: (ثم أبوك" (١) قال القرطبي: (معنى ذلك: أن حقهما -وإن كان واجبًا- فالأم تستحق الحظ الأوفر من ذلك، وفائدة ذلك المبالغة في القيام بحق الأم، وأن حقها مقدم عند تزاحم حقها وحقه) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4591

فضل محبة الإنسان لأخيه أو لجاره ما يحب لنفسه ١٤٦٧/ ٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِي ﷺ قَال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتى يُحِبَّ لِجَارِهِ -أَوْ لأَخِيهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الإيمان"، بابٌ (من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (١٣) من طريق شعبة وحسين المعلم، ومسلم (٧٢) (٤٥) من طريق حسين المعلم، كلاهما عن قتادة، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث. وهذا لفظ مسلم، وفي لفظ آخر من طريق شعبة سمعت قتادة يحدث عن أنس: "لا يؤمن أحدكم … " ولفظ البخاري: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه". * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يؤمن عبد) هذا لفظ مسلم، وفي لفظ لهما: (أحدكم) والمراد بالإيمان: الإيمان الكامل التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل ولو لم يكن بهذه الصفة (١). قوله: (حتى يحب لجاره أو لأخيه) بالشك من الراوي، والمراد بالمحبة -هنا-: المودة، والمراد بـ (أخيه): المسلم، وكذا أخته المسلمة، وهذا التقييد مأخوذ من التعبير بلفظ (أخيه)، وهذا اللفظ يشمل الجار وغير الجار، أما

стр. 4592

على رواية: الجاره) فهو عام في الجار المسلم والكافر، والصالح والفاسد، والقريب والأجنبي، فصار كل واحد من اللفظين أعم من الآخر من وجه، والظاهر أن المراد لفظة (أخيه) لأنها أعم؛ لأن الغالب في بلاد الإسلام أن الجار مسلم (١). وحذف المعمول يؤذن بالعموم؛ أي: حتى يحب لجاره أو لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات، وقد جاء التصريح بذلك في رواية عند النسائي من طريق حسين المعلم عن قتادة: (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير) (٢). وهذا إذا كان جاره أخًا له، فإن كان كافرًا أحبّ له الدخول في الإسلام مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الإيمان. قوله: (ما يحب لنفسه) أي: مثل ما يحب لنفسه من الخير، ولم يَنُصَّ على أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من كمال إيمان العبد أن يحب لجاره ولأخيه المسلم ما يحب لنفسه، بحيث يسره ما يسره، ويسوءه ما يسوءه، ويعامله بما يحب أن يعامله به، يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويرشده إلى ما ينفعه، ويحذره مما يضره. وهذا يدل على أنه ينبغي أن يكون المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، فيحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه من حيث إنها نفس واحدة، ويكره له ما يكره من الشر، وهذا يتضمن أن يُفَضِّلَ أخاه على نفسه؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه، فقد أحب أن يكون غيره أفضل منه (٣). وإلى هذا أشار الفضيل بن عياض بقوله لسفيان بن عيينة: (إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أديت لله الكريم النصيحة، فكيف وأنت تود أنهم دونك) (٤).

стр. 4593

وعن الأحنف بن قيس أنه سئل ممن تعلمت العلم؟ فقال: (من نفسي)، قيل: وكيف ذلك؟ قال: (كنت إذا كرهت شيئًا من غيري لم أفعل بأحد مثله) (١). يقول الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه لحديث الباب: (وهذا يدل على أن المؤمن يسره ما يسر أخاه المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير، وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغِلِّ والغِشِّ والحسد، فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير، أو يساويه فيه؛ لأنه يحب أن يمتاز عن الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء) (٢). وعلى هذا فمن رأى من نفسه حسدًا أو غشًّا أو غِلًّا لأحد من إخوانه أو من جيرانه فليعرف أن هذا نقص في الإيمان ودليل على عدم كماله، وما أحسن مقولة الإمام الجليل أبي محمد عبد الله بن أبي زيد إمام المالكية في زمنه: (جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" وقوله ﷺ : "من حسن إسلام المرء شركه ما لا يعنيه" وقوله ﷺ للذي اختصر له الوصية: "لا تغضب". وقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ") (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 4594

عظم شأن الزنا بحليلة الجار ١٤٦٨/ ٦ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الذنْب أَعْظَمُ؟ قَال: "أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَال: "ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ خَشْيَةَ أَنْ يأْكُلَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَال: "ثُمَّ أَنْ تُزَانيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه" وأولها في كتاب "التفسير"، باب (قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢])، ومسلم (٨٦) من طريق أبي وائل، عن عمرو بن شُرحبيلَ، عن عبد الله -يعني ابن مسعود ﵁ قال: … وذكر الحديث. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أي الذنب أعظم؟) في رواية لهما: "أي الذنب أكبر؟ " ووجه هذا السؤال أن الذنوب متفاوتة، فبعضها أعظم من بعض، ويترتب على ذلك تفاوت العقاب. قوله: (أن تجعل لله ندًّا) قدمه لأنه أعظم الذنوب، وهو جحد التوحيد، والنِّدُّ: بكسر النون وتشديد الدال هو الشبيه والمثيل والنظير، وجعل الند لله تعالى هو صرف أنواع العبادة أو شيء منها لغير الله. قوله: (وهو خلقك) الجملة حال من (الله) أو من فاعل (تجعل) أي: والحال أنه انفرد بخلقك، وغيره مخلوق مرزوق مُدَبَّر، فهذا من أعجب العجب وأسفه السفه.

стр. 4595

قوله: (ثم أيُّ) أي: ما الذنب الذي يلي الشرك في العِظَمِ عند الله، فـ (ثم) لتراخي الرتبة؛ أي: ثم بعد الشرك، و (أيُّ) قيل: إنه منون؛ لأنه اسم معرب غير مضاف، وقيل: غير منون؛ لأنه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف لفظًا، والتقدير: ثم أيُّ الذنب أعظم؟ وعلى هذا فيوقف عليه بدون تنوين، وهذا هو الأقرب (١). قوله: (خشية أن يطعم معك) وفي رواية البخاري: "تخاف أن يطعم معك" أي: من جهة إيثار نفسك عليه عند عدم وجود ما يكفي من الطعام، أو من جهة البخل مع الوجدان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: من فقر حاصل، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أي: خشية فقر محتمل منتظر. قوله: (ثم أن تزاني حليلة جارك) تزاني: تُفَاعِل، وهو يقتضي أن يكون هذا الفعل من الجانبين، ومعنى ذلك: أن تطاوعه المرأة على الفاحشة، فيزني بها برضاها، وذلك يقتضي الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزنا، وذلك أفحش. وحليلة الجار: زوجته، وهي فعيلة بمعنى فاعلة من حَلَّ يَحِلُّ -بالكسر- إذ كلٌّ منهما حلال للآخر، أو من حَلَّ يَحُلُّ -بالضم- لأنها تحل معه ويحل معها. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن أكبر الذنوب وأعظمها جرمًا الشرك بالله تعالى، بان يجعل لله تعالى ندًّا في العبادة من الحب والخوف والرجاء وغير ذلك من العبادات، قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] أي: أشباهًا ونظراء تصرفون لهم العبادة أو شيئًا منها وأنتم تعلمون أن هذه الأنداد ليست مماثلة لله تعالى، وتعلمون -أيضًا- أن الله هو المستحق للعبادة.

стр. 4596

* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الشرك من العالم بحقيقة التوحيد أقبح من غيره، لقوله: "وهو خلقك"، قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأنتم تعلمون أنه لا ربَّ لكم يرزقكم غيره، قاله ابن عباس ﵄ وغيره (١). * الوجه الخامس: عظم شأن القتل بغير حق وأنه يلي الشرك، ويتضاعف الإثم والعقاب إذا كان المقتول ذا رحم من القاتل، كابنه الذي هو محبوب طبعًا مرحوم عادة، ويتضاعف مرة أخرى حينما يكون الهدف هو قطع المقتول من رزق الله تعالى الذي أُجري على يد القاتل، وهذا نهاية الشح، وغاية سوء الظن بالله تعالى، مع ما فيه من غلبة الجهل وغلظ الطبع والقسوة، فلما اجتمعت هذه الأوصاف صار هذا القتل يلي الشرك بالله تعالى. * الوجه السادس: قبح الزنا وشناعته، ويعظم إثمه إذا كانت المزني بها امرأة الجار؛ لأنه زنا، ولأنه خيانة للجار، فإن الجار يتوقع من جاره حفظه والذَّبَّ عنه وعن حريمه، فإذا قابل هذا بالزنا بزوجته كان من أقبح القبائح وأعظم صور الخيانة، وفيه -أيضًا- إبطال ما أوصى الله به من حفظ حق الجار والإحسان إليه. وفي قوله: "أن تزاني" دليل على أنها إذا لم تطاوعه فالذنب أعظم. قال النووي: (في هذا الحديث أن أكبر المعاصي الشرك، وهذا ظاهر لا خفاء فيه، وأن القتل بغير حق يليه … وأما ما سواهما من الزنا واللواط وعقوق الوالدين … وغير ذلك من الكبائر فلها تفاصيل وأحكام يعرف بها مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المرتبة عليها، وعلى هذا يقال في كل واحدة منها هي من أكبر الكبائر … ) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4597

ما جاء في أن التسبب إلى شتم الوالدين من الكبائر ١٤٦٩/ ٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مِنَ الْكَبَائِرِ: شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ". قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟ قَال: "نَعَمْ. يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أَمَّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه في وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (لا يسب الرجل والديه) (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠) من طريق سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ … " الحديث، وهذا لفظ مسلم. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من الكبائر) رواية البخاري: "من كبر الكبائر" ولا تنافي بينهما؛ لأنه لا يخرج الشتم بذلك عن كونه بعضًا منها، وقال القرطبي: (لأن شتم المسلم الذي ليس بأبٍ كبيرة، فشتم الآباء أكبر منه) (١). وقد تقدم تعريف الكبيرة في "الأيمان والنذور" وأنها كل ذنب أطلق عليه الشرع أنه كبير أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب عليه، أو علق عليه حدًّا،

стр. 4598

أو شدد النكير عليه وغلظه، وشهد بذلك كتاب أو سنَّة أو إجماع. قوله: (شتم الرجل والديه) الشتم: هو السبُّ، يقال: شتمه يَشْتِمه من باب ضرب: إذا سبّه، والاسم الشتيمة (١). وفي رواية البخاري: "أن يلعن الرجل والديه" والمراد بالرجل: المكلف، ومثله المرأة المكلفة، وهذا من باب المجاز العقلي حيث أُسند الفعل إلى غير من هو له؛ لعلاقة السببية، بدليل سياق الحديث (٢). قوله: (وهل يسب الرجل والديه) استفهام معناه الإنكار والاستبعاد أن يصدر ذلك من ذي عقل، لرواية: "وكيف يلعن الرجل والديه؟ ". ويَسُبُّ بضم السين، ماضيه سَبَّ من باب رَدَّ، والسب: الشتم والقطع والطعن (٣). قوله: (قال: نعم) أي: يسب الرجل والديه، ولكن بالتسبب فيه لا بالمباشرة. قوله: (يسب أبا الرجل فيسب أباه) هذا تفسير لما قبله وبيان لصفة التسبب، والضمير في قوله: (فيسب) يعود على المسبوب أبوه، والضمير في قوله: (أباه) يعود على أبي الساب، والمعنى: يشتم الإنسان والد شخص آخر، فيشتم هذا الآخر والد الذي سب أباه، فيكون المبتدئ قد تسبب في شتم والده هو، ووقع في إثم من سب والده. وقد يكون تقديم الأب في الذكر أن الغالب عدم ذكر النساء حتى في مقام المدح (٤). * الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم حق الأبوين وأن التسبب إلى أذيتهما وشتمهما من كبائر الذنوب، وإذا كان هذا في التسبب إلى شتمهما ولعنهما فإن لعنهما مباشرة أقبح وأفحش.

стр. 4599

وفي قول الصحابة ﵃: (وهل يسب الرجل والديه؟) دليل على ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من المبالغة في برّ الوالدين، ومن الملازمة لمكارم الأخلاق والآداب (١) * الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز العمل بالظن الغالب؛ لأن الذي يسب أبا الرجل قد لا يجازيه بالسب بل يسكت، لكن الغالب أن يجازيه فيجيبه بنحو قوله. * الوجه الخامس: استدل العلماء بهذا الحديث على قاعدة: سد الذرائع وأن من آل فعله إلى محرم حرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد المحرم؛ لأن الرسول ﷺ نهى الرجل عن الابتداء بالسب، لئلا يؤول هذا السب إلى سبّ والديه، وهذا محرم، وإن لم يكن قصد ذلك (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4600

تحريم الهجر فوق ثلاث ليال ١٤٧٠/ ٨ - عَنْ أَبي أَيُّوبَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هذَا، ويُعْرِضُ هذَا، وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (الهجرة) (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يحل لمسلم) هذا من صيغ النهي؛ لأن نفي الحل دليل على التحريم، وقيده بالمسلم لأنه هو الذي يقبل خطاب الشرع وينقاد لمقتضاه. قوله: (أن يهجر) بضم الجيم، ماضيه هجر من باب قتل، ومادة هجر تعني القطيعة التي هي ضد الوصل، والتهاجر: التقاطع (١)، والاسم: الهِجرة، والمراد هنا: أن يترك المسلم كلام أخيه المسلم إذا تلاقيا ويعرض كل واحد منهما عن صاحبه (٢). وهذا مأخوذ من قوله ﷺ : "فيعرض هذا ويعرض هذا"، وأما ترك

стр. 4601

السلام فهو مأخوذ من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاث، فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرار، كل ذلك لا يرد عليه، فقد باء بإثمه" (١). قوله: (أخاه) في الدين، وفي التعبير بالأخوة إيماء إلى الحث على التواصل والتحذير من القطيعة. قوله: (فوق ثلاث ليال) في حديث أنس ﵁: "فوق ثلاثة أيام" (٢)، وهذا يفيد أن المرخص فيه ثلاثة أيام بلياليها. قوله: (يلتقيان … ) جملة مستأنفة لمعنى الهجر بذكر بعض أفراده. قوله: (فيعرض هذا ويعرض هذا) أي: يوليه عُرْضَهُ -بضم العين- وهو جانبه، وهذا هو الغالب في حال المتهاجرين عند اللقاء أن كلًّا منهما يعرض عن صاحبه، وفي رواية لمسلم: "فيصد هذا ويصد هذا". قوله: (وخيرهما … ) أي: أفضلهما عند الله من يبدأ صاحبه بالسلام؛ لأن هذا المبتدئ فعل حسنة، وتسبب إلى فعل حسنة، وهي الجواب مع ما يدل عليه الابتداء من حسن الطوية وترك ما يكرهه الشارع من الهجر والجفاء. * الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم هجر المسلم أخاه المسلم أكثر من ثلاث ليال، وهذا منطوق الحديث، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا هجرة بعد ثلاث" (٣)، وقد ورد في تحريم الهجر أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن وغيرها. ومفهومه إباحة الهجر في الثلاث فما دونها، مراعاةً للطباع البشرية؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخُلُقِ، فعُفِيَ عن الهجر في الثلاث ليذهب ذلك العارض. وذلك لأن الأصل في الهجر بين المسلمين المنع، وما أبيح منه فهو لحاجة،

стр. 4602

والحاجة تقدر بقدرها، وقد جعل الإسلام الثلاث هي مقدار ما أبيح، وهذا له نظائر كالإحداد على القريب، والترخيص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثًا في مكة، وذلك لأن الغالب أن الهجر وموجبه يزول في الثلاث أو يقل. * الوجه الرابع: حمل العلماء هذا الحديث وما في معناه على الهجر لحظ النفس لاستصلاح أمر دنيوي، قد يكون سببه التقصير في حق الصحبة وآداب المعاشرة، ومن هذا هجر الوالد لولده، والصديق لصديقه ونحو ذلك. أما الهجر لحق الله تعالى، فهذا من عمل أهل التقوى، وهو غير مؤقت بوقت، وإنما هو معلق بسبب يزول بزواله؛ كهجر العصاة وقرناء السوء الذين تضر صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة. قال ابن مفلح: (يسن هجر من جهر بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية) (١). والمقصود بهذا زجر المهجور وتأديبه وتأديب غيره ممن يفعل فعله، وهو بهذا الاعتبار من جنس الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وهو -أيضًا- من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء على الفساد، وهذا يختلف باختلاف الحال، فإن كان في الهجر صلاح لدين الهاجر والمهجور وجب الهجر، وإن كان لا يتأدب بالهجر بل يزيد الشر أو تكون المفسدة راجحة لم يجز الهجر، بل يكون التألف لبعض الناس أنفع من الهجر، وقد يكون الهجر لآخرين أنفع، ومن أدلة ذلك هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، كما في حديث كعب بن مالك ﵁. قال ابن عبد البر: (وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت منه بدعة أو فاحشة، يرجو أن يكون هجرانه تأديبًا له وزجرًا عنها، والله أعلم) (٢). * الوجه الخامس: حرم الإسلام الهجر بين المسلم وأخيه لما يترتب عليه من المفاسد والآثار السيئة، ومنها:

стр. 4603

١ - أن المتهاجرين محرومان من آثار فعل الخير، فصلاتهما لا ترفع، وعملهما موقوف حتى يصطلحا، وهذه من أعظم الآثار وأشدها، وقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مسلم، لا يشرك بالله إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا" (١). ٢ - الهجر تعطيل للنصيحة التي حثّ عليها الإسلام واعتبرها هي الدين؛ لأن المتهاجرين لا يمكن أن يتناصحا. ٣ - أن الهجر تعطيل لحق المسلم على أخيه مما أوجبه الإسلام وحثّ عليه، من السلام وتشييع جنازته وعيادته إذا مرض واجابة دعوته ونحو ذلك. ٤ - أن الهجر يفضي إلى أمر قبيح مذموم وهو فرح أحدهما إذا أصاب الآخر نقمة، وغمّه إذا أصابته نعمة، وهذا بعيد عن آداب الإسلام التي تقوم على نشر المحبة وبث الألفة بين المسلمين. ٥ - أن الهجر يفضي إلى قطع يد المساعدة عن المهجور، وهو عقوق إن كان المهجور أحد الوالدين، وقطيعة الرحم إن كان من الأقارب، والجنة لا يدخلها قاطع. ٦ - أن الهجر يفضي إلى إطلاق اللسان بالسب والعيب وإفشاء العيوب بالصدق أو الكذب، فالأمر دائر بين الغيبة والبهتان، وكلاهما من كبائر الذنوب. * الوجه السادس: استدل أكثر العلماء بقوله ﷺ : "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" أن السلام يقطع الهجر ويرفع الإثم ويزيله، ووجه الاستدلال: أن حصول الخير للبادئ بالسلام دليل على انتهاء الهجران من جانبه، ويبقى جانب الآخر، إن رد السلام انتهى الهجران من جانبه، وإلا فيبقى على

стр. 4604

إثمه (١). وهذا يروى عن الحسن ومالك في رواية ابن وهب، وقال به طائفة من الحنابلة (٢)، ونسبه النووي إلى الشافعية (٣)، وقد جاء عن الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد وقد سأله رجل عن ابنة عم له تنال منه وتظلمه وتشتمه وتقذفه، فقال: (سَلِّمْ عليها إذا لقيتها، اقطع المصارمة، المصارمة شديدة)، قال ابن مفلح: (فظاهره أن السلام يقطع المصارمة مطلقًا) (٤)، وقد يقال: إن كلام الإمام أحمد في السلام على هذه المرأة لكونها أجنبية عنه، إذ لا يمكن مجالستها ونحو ذلك مما يقطع الهجر. والقول الثاني: أنه لا ينقطع الهجر إلا بعودهما إلى ما كان عليه قبل الهجر من السلام والكلام والمجالسة ونحو ذلك، واستدلوا بقوله ﷺ : "فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا" وهذا مروي عن مالك، ونسبه الحافظ إلى أحمد، وابن القاسم المالكي، قال الإمام أحمد: (لا يبرأ من الهجرة إلا بعود الحال التي كان عليها أولًا) (٥). القول الثالث: التفصيل بين الأقارب والأجانب، فالأجانب يزول الهجر بمجرد السلام، والأقارب بعود المودة السابقة لوجوب صلة الرحم. والذي يظهر -والله أعلم- أن السلام لا يكفي، وليس في الحديث ما يدل على أنه يكفي، وإنما هو إثبات فضيلة من يحاول إزالة الهجر ويبدأ بالسلام، وهو أول طريق لإزالة الهجر، لكنه لا يكفي لإزالة الهجر، بل لا بد أن تعود حالهما إلى ما كانت عليه قبل الهجر، لا سيما إذا كانت من عادتهما الاجتماع والكلام والمصافحة، وما أحسن قول الإمام أحمد ﵀ في رواية

стр. 4605

الأثرم: وسئل عن السلام يقطع الهجران؟ فقال: (قد يسلم عليه وقد صدَّ عنه) (١)، وقال أيضًا: (ينظر في ذلك إلى ما كان عليه قبل أن يهجره، فإن كان قد علم منه مكالمته والإقبال عليه، فلا يخرجه من الهجرة إلَّا سَلَامٌ ليس معه إعراض ولا إدبار) (٢). أما المكاتبة والمراسلة في حال الغيبة ففيها وجهان عند الشافعية، أحدهما: لا يزول بها الهجر؛ لأنه لم يكلمه، وأصحهما: يزول لزوال الوحشة (٣). وفي زماننا هذا تقل قيمة الخلاف في مسألة المكاتبة لوجود وسائل الاتصال كالهاتف ونحوه. والله تعالى أعلم.

стр. 4606

الترغيب في بدل المعروف ١٤٧١/ ٩ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (كل معروف صدقة) (٦٠٢١) من طريق أبي غسان (١)، قال: حدثني محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث. وهذا الحديث من أفراد البخاري (٢)، ورواه مسلم (١٠٠٥) من حديث حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كل معروف صدقة" فاللفظ متفق عليه، وإنما اختلف صحابيه، ولهذا لم يعزه الحافظ للمتفق عليه؛ لأن اصطلاح المتفق عليه خاص بما اتحد فيه اسم الصحابي، هذا اصطلاح المحدثين كما ذكر الحافظ في "نُكَتِهِ على كتاب ابن الصلاح" (٣). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (كل معروف) كل: من صيغ العموم، بل هي من أبلغها، وهذا يفيد أن المعروف وإن قلَّ فهو صدقة. والمعروف: اسم جامع لكل ما فيه نفع للآخرين من قول أو فعل،

стр. 4607

فيدخل في ذلك كل نفع بدني أو مالي أو عملي أو توجيه لخير ديني أو مصلحة دنيوية، مثل الكلمة الطيبة والإحسان إلى الخلق بالمال أو بالجاه أو بالمساعدة أو إرشاد الضال. قوله: (صدقة) أصل الصدقة ما يخرجه المرء من ماله لله تعالى، ويدخل في ذلك الصدقة الواجبة والمندوبة، والإخبار عن المعروف بأنه صدقة هو من باب التشبيه البليغ، والمعنى: أن فعل المعروف له أجر كأجر الصدقة. * الوجه الثالث: هذا الحديث من جوامع الكلم التي أعطيها النبي ﷺ فتجتمع المعاني الكثيرة والوصايا النافعة تحت ألفاظ مختصرة واضحة؛ لأن فيه حثًّا وترغيبًا في بذل المعروف وكل ما فيه نفع للآخرين من كلمة طيبة كتشميت العاطس، والبدء بالسلام ورده، والثناء على المسلم بحق ونصحه وإرشاده، ومن المعروف الشاشة عند اللقاء، والمواساة، والشفاعة الحسنة، وفيه دليل على أن الإنسان يُثاب على ذلك كما يثاب على الصدقة من ماله، وهذا يدل على أن الصدقة ليست قاصرة على بذل المال الذي قد لا يكون إلا عند أهل اليسار، بل تكون الصدقة في الأفعال وغيرها مما هو في مقدور كل أحد في غالب الأحيان، وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل سُلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" (١). وهذا من فضل الله على عباده حيث يسر لهم أبواب الخير، ورتب عليها الأجور، وأصول ذلك ثلاثة: ١ - عمل بدني: كالصلاة والصيام والتلاوة وطلب العلم وتعليمه. ٢ - بذل مالي: كالزكاة والصدقة والنفقة. ٣ - مركب منهما: وهو الحج والجهاد في سبيل الله. والله تعالى أعلم.

стр. 4608

استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء ١٤٧٢/ ١٠ - عَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيئًا، وَلَوْ أَن تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ". * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث ذكر الحافظ من رواه مع الحديث الذي يليه، وقد رواه مسلم في كتاب "البر والصلة"، باب (استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء) (٢٦٢٦) من طريق أبي عامر -يعني الخزاز- عن أبي عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : … وذكر الحديث. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا تحقرن) بكسر القاف، ماضيه حَقَرَ المتعدي من باب ضرب، وماضيه اللازم من باب ظَرُفَ، يقال: حَقُرَ الشيء -بالضم- حقارة: هان قدره فلا يُعبأ به فهو حقير، ويعَدَّى بالحركة فيقال: حَقَرته واحتقرته (١). قوله: (من المعروف شيئًا) أي: أيَّ شيء مهما قلّ؛ لأنك إذا حقرته تركته مع أنه قد يكون سببًا للوصول إلى مرضاة الله تعالى، كما قال ﷺ : " … وإن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات" (٢). قوله: (ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) لو: تفيد التقليل (٣)، وهي داخلة

стр. 4609

على فعل مقدر لتبقى على اختصاصها، وهو الدخول على الفعل، والتقدير: ولو كان ذلك المعروف. وقوله: (طلق) بفتح الطاء وسكون اللام، وقد اقتصر صاحب "المختار" على هذه اللغة، وقال في "القاموس": (طُلْقُ الوجهِ: مثلثة، وككَتِفٍ وأَمير … ) (١)، ومعنى هذا: أن فيه خمس لغات: طُلْقٌ: بتسكين اللام وتثليث الطاء، والرابعة: طَلِقٌ، بفتح الطاء وكسر اللام، والخامسة: طَليقٌ بزيادة ياء، وطلق الوجه: ضاحكه ومشرقه، يقال: طَلُقَ الوجه -بالضم- طلاقة إذا كان ضاحكًا مشرقًا. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب طلاقة الوجه وبشاشته عند اللقاء وأن هذا من المعروف الذي ينبغي للمسلم أن يحرص عليه؛ لما فيه من إيناس الأخ المسلم وإدخال السرور عليه ودفع الإيحاش عنه، وبهذا يحصل التآلف والتقارب بين المسلمين، ومع هذه الفائدة العظيمة فإنه لا يكلف الإنسان شيئًا، فهو فعل هين عظيم الأجر، كثير الفائدة، وهو فضل وإنعام من الله تعالى يتفضل به على من يشاء من خلقه. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على فعل المعروف ولا سيما ما كان متعلقًا بالآخرين لما يترتب عليه من المصالح العظيمة، وألا يحقر من المعروف شيئًا. ° الوجه الخامس: الحديث دليل على كمال هذه الشريعة وشمولها، وأنها جاءت بكل ما فيه صلاح الناس وتوحيد كلمتهم وجمع شملهم وإشاعة المحبة بينهم. والله تعالى أعلم.

стр. 4610

الوصية بالإحسان إلى الجار ولو بالقليل ١٤٧٣/ ١١ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرانَكَ". أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. ° الكلام عليه من تخريجه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب"، باب (الوصية بالجار والإحسان إليه) (٢٦٢٥) (١٤٢) من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد العَمِّي، حدثنا أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة … " الحديث. ورواه من طريق شعبة، عن أبي عمران الجوني، ولفظه: إن خليلي أوصاني: "إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا طبخت مرقة) جمعها مَرَقٌ، والمرق هو الماء الذي طبخ فيه اللحم ونحوه، قال ابن منظور: (المرق: الذي يؤتدم به، واحدته مرقة) (١). وفيه مجاز مرسل، علاقته اعتبار ما يكون، كقوله تعالى عن صاحب السجن: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] فالخمر لا تعصر لأنها سائل، وإنما الذي يعصر هو العنب، فإطلاق الخمر وإرادة العنب مجاز مرسل، علاقته اعتبار ما يكون، ومعنى الحديث: إذا طبخت ذا مرق من لحم أو

стр. 4611

غيره، وقد روى الإمام أحمد من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "إذا طبختم اللحم فأكثروا المرق -أو الماء-، فإنه أوسع -أو أبلغُ- للجيران" (١). قوله: (فأكثر ماءها) لأنه إذا كَثُر الماء كثر الائتدام به، وهو إساغة الخبز وتليينه، أو شربه لطعمه وفائدته، والأمر بإكثار الماء فيه إشارة إلى تيسير الأمر على البخيل؛ لأن هذه الزيادة المأمور بها إنما هي فيما ليس له ثمن وهو الماء فيهون الأمر، بخلاف ما لو كان الأمر بإكثار اللحم - مثلًا - فإن هذا لا يسهل على كل أحد (٢). قوله: (وتعاهد جيرانك) قال في "القاموس": (تعهده وتعاهده واعتهده: تَفقده وأحدث العهد به) (٣). والمعنى: أعطهم منها شيئًا، والأمر للندب، للإجماع على أن الإهداء ليس بواجب، ولفظ: (تعاهد) موضوع للمشاركة في الفعل، بمعنى أن هذا مطلوب من كل الجيران مع الباقين. وقوله في الرواية الثانية: (بمعروف) فيه إيماء إلى أنه ينبغي أن يكون المرسل به إلى الجيران شيئًا به نفع في الائتدام، فإن لم يتيسر إلا القليل فليهده ولا يحتقره، لحديث أبي ذر المتقدم: "لا تحقرن من المعروف شيئًا". • الوجه الثالث: في الحديث حث على مكارم الأخلاق وإرشاد لمحاسنها لما يترتب على ذلك من المحبة والأُلفة، فالجار مأمور بالإهداء إلى جاره ولو كان ذلك شيئًا يسيرًا، ولا سيما إذا كان جاره يتأذى بقتار قدره، أو تصل إليه رائحة طعامه، وقد يكون ممن لا يقدر على التوصل لمثل ذلك، فتتعلق نفسه ونفس أطفاله بهذا الطعام، وإهداء شيء يسير منه له أعظم الأثر في إدخال السرور على جاره وعلى عياله، وهذه ظاهرة اجتماعية كانت موجودة بصورة جلية إلى زمن قريب، أما الآن فهي أقل بكثير مما مضى.

стр. 4612

• الوجه الرابع: يقاس على ما في الحديث كل ما ينبغي إهداؤه، ولا سيما ما قد يظهر له رائحة كبعض الفواكه والأطعمة. • الوجه الخامس: للهدية أثر كبير في بث الإخاء ونشر المودة وتوثيق الصداقة والمحبة ولا سيما بين الجيران؛ لأن الجيران قد يقع بينهم شيء من الأذى والوحشة بسبب الصبيان أو حالات الجوار، والإهداء من أسباب الألفة والتقارب وإزالة الوحشة، ولهذا رغب فيها الإسلام، وقد قالت عائشة ﵂ يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيِّهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا" (١). فندب الإهداء إلى الأقرب، وذلك لأن الأقرب يرى ما يدخل في بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوف لها بخلاف الأبعد؛ ولأن الأقرب أسرع إجابة لما قد يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة. ولو أهدى إلى الأبعد وترك الأقرب جاز؛ لأن الهدية في الأصل ليست بواجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبًا. • الوجه السادس: ينبغي للجار المهدي ألا يمنع جاره شيئًا استقلالًا له واحتقارًا له بل يجود بما تيسر. وينبغي للجار المُهدى إليه أن يقبل ذلك بكل سرور ويكافئ عليه ولو بالشكر والدعاء، وألا يستقل ما يأتي من جاره، فإن العدم أقل من ذلك، وقد يكون استقلالها سببًا في قطعها؛ لأن الهدية وإن كانت قليلة فهي دليل على تعلق قلب المُهدي بجاره. والله تعالى أعلم.

стр. 4613

ما جاء في فضل الستر والتيسير على المسلمين وقضاء حوائجهم ١٤٧٤/ ١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الذكر والدعاء"، باب (فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر) (٢٦٩٩) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا … " وساق الحديث، وتمامه: "ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطَّأَ به عمله لم يسرع به نسبه". وأخرج البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠) بعض جمله من حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة".

стр. 4614

• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من نفّس) بفتح النون وتشديد الفاء وآخره سين؛ أي: أزال وفرّج وكشف، مأخوذ من تنفيس الخِناق -وهو ما يَعْصِرُ الحلق- أي: إرخائه حتى يأخذ له نفسًا، والمراد إزالة الضيق، ولفظ البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: (من فرّج) وهو من التفريج، وهو أبلغ من التنفيس؛ لأنه يزيل عنه أثر الكربة بحيث يزول همه وغمه. قوله: (عن مؤمن) خصه بالذكر لمزيد شرفه وحرمته، مما يدل على أن الثواب فيما يُفعل معه من الإحسان آكد، وإلا فالذمي مثله لعموم: "إن الله كتب الاحسان على كل شيء" (١) ويليه المستأمن ثم الحربي. وقد عبر هنا بالإيمان وفي الجمل الآتية بالإسلام إما للتفنن، أو لأن الكربة تتعلق بالباطن فناسب الإيمان المتعلق به أيضًا (٢). قوله: (كربة) بضم فسكون، والجمع (كُرَب) بضم ففتح، والكربة هي الشدة العظيمة، وأصل الكربة: ما أهمَّ النفس، وغمَّ القلب، ولما كانت الكربة تقارب أن تُزهق النفس لشدة غمها، كأنها عطلت مجال التنفس منه ناسب التعبير بـ (نَفَسَ) بدل أزال وفرّج (٣). وقوله: (من كرب يوم القيامة) ولم يقل كرب الدنيا والآخرة كما في التيسير والستر، إما لأن الكربة هي الشدة العظيمة -كما مر- وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة إلى الستر، فإن الإنسان قد لا يخلو منهما ولو بتعسير بعض المطالب، وإما لأن كرب الدنيا ليست بشيء بالنسبة إلى كرب الآخرة، فجعل الله جزاءه تنفيس كرب الآخرة (٤).

стр. 4615

قوله: (ومن يسر على معسر) المعسر: من أثقلته الديون وعجز عن وفائها، والتيسير عليه إما بإبراء أو هبة أو صدقة، أو بإنظار إلى ميسرة بنفسه أو بوساطته. قوله: (يسر الله عليه) فيه حذف المعمول المشعر بالعموم؛ أي: يسر الله عليه أموره ومطالبه ومقاصده، أمور دينه ودنياه. قوله: (ومن ستر مسلمًا) أي: ستر عورته الحسية بأن أعطاه ما يسترها به، والمعنوية بأن عَرَفَ منه معصية فيما مضى ولم يرفعه إلى الحاكم، وخص العلماء هذا بمن لم يعرف منه أذى أو فساد (١). قوله: (ستره الله) أي: حفظه من الزلات في الدنيا وإن فرط منه شيء لم يفضحه في الدنيا ولم يؤاخذه في الآخرة. قوله: (والله في عون العبد) الواو: للاستئناف، وهو تذييل لما قبله لشموله لدفع المضرة وهو ما في الخصلة الأولى والثانية، وجلب النفع وهذا في الثالثة، ولهذا جاء التعبير بالجملة الاسمية دون الشرطية كما في الجمل الثلاث؛ ليقوى الحكم ببناء الخبر على المبتدأ (٢). وعون الله للعبد: إعانته وتسديده على قضاء شؤونه النافعة. قوله: (ما كان العبد … ) مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام كون العبد في عون أخيه. قوله: (في عون أخيه) أي: إعانة أخيه بقلبه أو بدنه أو ماله أو غيره، وهذا مطلق في سائر الأحوال والأزمان، فيشمل المساعدة المادية بالمال، والمعنوية لنيل غايته وقضاء حاجته، كما يشمل الشفاعة له لدى سلطان أو غيره لقضاء حاجته أو تسهيل مهمته.

стр. 4616

• الوجه الثالث: هذا حديث عظيم قال عنه النووي: إنه جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، زاد ابن علان: (والفضائل والفوائد والأحكام) (١). فقد دلّ هذا الحديث على فضل التعارف والتقارب بين المسلمين؛ لأن أفراد المجتمع المسلم أعضاء من جسد واحد، وأن المسلم يشاطر أخاه فرحه وحزنه، فَيُسَرُّ لما يحظى به من فرح وسرور وما يتمتع به من صحة وسعادة، ويتألم لما فيه من ضيق وأذى وما يصيبه من مرض أو فاقة. • الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل من نفّس عن أخيه المسلم كربة ومصيبة من مصائب الدنيا التي توقعه في غم وهم وضيق، وتفريج الكربة إما بإعطائه من ماله إن كانت كربته من حاجة كدَيْن لزمه أداؤه، أو نفقة أعسر بها، أو ببذل جاهه في طلبه له من غيره، وإما أن يكون تفريج الكربة بالسعي لإزالة مظلمة عنه بسبب ظلم وقع عليه، فيسعى في رفعها أو تخفيفها، وهذا باب واسع، وضابطه: إزالة كل ما ينزل بالعبد أو تخفيفه. • الوجه الخامس: الحديث دليل على فضل التيسير على المعسر إما بإنظاره، وهذا واجب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وإما بأن يضع الدائن عن مدينه أو يضع جزءًا منه، أو يُعطى ما يزول به إعساره، فكل هذا من التيسير المندوب إليه، وهو داخل في تفريج الكرب، ولكنه خصه بالذكر لأنه أبلغ، وقد ثبت فيه فضل عظيم وأجر جزيل، ومن ذلك حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا، قالوا: تَذَكَّرْ، قال: كنت أُداين الناس، فآمر فتياني أن يُنظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، قال الله : تجوزوا عنه" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه:

стр. 4617

تجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه" (١). • الوجه السادس: الحديث دليل على فضل الستر على المسلم إذا وقع منه زلة وهو لا يُعرف بين الناس بشيء من المعاصي والفسوق وانتهاك الحرمات، وعليه أن يعظه وينصحه، أما في معصية رآه عليها وهو متلبس بها، فتجب المبادرة إلى الإنكار عليه ومنعه منها إن قدر، أو رفعه إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة. أما من كان معروفًا بالفسق مشتهرًا بالمعصية، فهذا ينبغي كشف حاله وعدم الستر عليه؛ لأن الستر عليه يشجعه على الفساد ويغريه بالإجرام، ومثل هذا لا يُشفع له إذا أُخذ ولو لم يبلغ السلطان، بل يترك حتى يقام عليه الحد أو يؤدب؛ ليكشف ستره، ويرتدع أمثاله. • الوجه السابع: الحديث دليل على فضل إعانة المسلم أخاه في أمور دينه ودنياه، وأن من كان في عون أخيه كان الله في عونه بتيسير أموره وتسهيل مطالبه، وهذا يشمل العون الحسي في العمل ونحوه، والعون المالي بمد يد المساعدة المالية بأن يسعى بجاهه لدى سلطان أو غيره في قضاء حاجة أخيه. وقد ثبت في "الصحيحين" حديث أبي موسى ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا جاءه سائل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه ثم قال: "اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء" (٢). ويؤخذ من هذا أنه ينبغي للمسلم أن يشتغل بقضاء حاجة أخيه فيقدمها على حاجة نفسه لينال من الله تعالى كمال الإعانة في حاجاته. • الوجه الثامن: في الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وذلك بأن يجازي الله تعالى العبد من جنس فعله، وهذه سنّة الله مع خلقه شرعًا وقدرًا، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. والله تعالى أعلم.

стр. 4618

ما جاء في فضل الدلالة على الخير ١٤٧٥/ ١٣ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الإمارة"، باب (فضل إعانة الغازي في سبيل الله) (١٨٩٣) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أُبْدِعَ بي فاحملني، فقال: "ما عندي"، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدلّه على من يحمله، فقال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أُبدع) بضم الهمزة؛ أي: هلكت دابتي وهي مركوبي، وهو رباعي مبني لما لم يسم فاعله. قوله: (من دل على خير) نكرة في سياق الشرط، فتعم كل خير ديني أو دنيوي مما لا يقع تحت الحصر، فيدخل في ذلك إرشاد الغير إلى فعل الخير، كما يدخل في ذلك الوعظ والتذكير وتأليف الكتب في العلوم النافعة. قوله: (فله مثل أجر فاعله) أي: إن للدالِّ من الثواب مثل ما للفاعل من الثواب. • الوجه الثالث: هذا حديث عظيم من جوامع الكلم، يدل على أن من أرشد غيره إلى خير أو دلّه على هدى كان له من الأجر مثل ما للفاعل، وهذا

стр. 4619

مثل حديث أبي هريرة ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: "من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (١). وهذا يشمل الدعوة بالقول؛ كالتعليم والموعظة والإفتاء، والدعوة بالفعل وهي القدوة الحسنة؛ لأن الذي يُقتدى به إذا فعل شيئًا أو ترك شيئًا تبعه الناس، فكأنه بهذا الصنيع دعا الناس إلى فعله أو تركه، وقد دلَّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقد فهم سلف هذه الأمة من هذه الآية أن الخيرية قد حصلت للأمة لكونهم أنفع الناس للناس، وذلك بدلالة الناس على الخير، وتحذيرهم من ضده (٢). وهذا فيه فوائد عظيمة، ومنها: أن هذا المرشد إلى الخير ينال من الأجر مثل أجر من أرشده، ومنها: أن الإرشاد إلى الخير تحقيق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مشاركة عظيمة في إصلاح المجتمعات، ومنها: التعاون على البر والتقوى، ونشر آداب الإسلام وأحكامه بين أفراد المجتمع، وهذا يحقق للمجتمع حياة السعادة والرشاد. ومن هذه الأدلة وغيرها قرر المحققون من أهل العلم في أبواب المفاضلة بين الأعمال تفضيل الأعمال المتعدية على الأعمال القاصرة، مثل خدمة الفقراء، وتعليم العلم، والاشتغال بالتأليف والعناية بمصالح الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والشفاعة، وذلك لما يحصل بالأعمال المتعدية من عموم النفع، ولما يحصل بها من استمرار الأجر، فإن صاحب النفع لا ينقطع عمله، ما دام نفعه الذي نُسب إليه، وهذه وظيفة الأنبياء والمرسلين، ومن اقتدى بهم من الدعاة المخلصين (٣). فينبغي للمسلم ولا سيما طالب العلم أن يحرص على الدلالة على الخير

стр. 4620

ودعوة الناس إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وألا يحقر نفسه أو ييأس من صلاح المدعو واستقامته، بل يرشد الناس بقدر ما عنده من العلم، والتوفيقُ بيد الله تعالى، لينال بذلك الأجر العظيم، ويتأكد هذا في حق المعلم وإمام المسجد وغيرهما ممن يخاطبون عموم الأمة ولا سيما شبابها وناشئتها، وقد قال النبي ﷺ : "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْرِ النَّعَمِ" (١). لكن ينبغي أن يعلم أن التنويه بأهمية العمل المتعدي لا يعني إغفال العمل القاصر، أو التقليل من شأنه؛ لأن هذا الفهم أدَّى إلى خللٍ عند بعض طلاب العلم، فأهمل التعبد الخاص والعناية بخاصة أهله وأولاده بحجة الانشغال بالدعوة وتعليم العلم، والتوسط هو الحق، وهو المسلك الرشيد، تأمل قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] وهذا شامل لإحسانهم بعبادة ربهم، وإحسانهم إلى عباد الله (٢)، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٩] فسمى الله العبادة إحسانًا، وبدأ بالإحسان إلى النفس ونوَّه به في آيتين، ثم نوَّه بالاحسان إلى الغير في آية واحدة. والله تعالى أعلم.

стр. 4621

استحباب مكافأة من أسدى إليك معروفًا ١٤٧٦/ ١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَن أَتَى إِلَيكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ". أَخْرَجَهُ الْبَيهَقِيُّ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الزكاة"، باب (عطية من سأل بالله) (١٦٧٢)، والنسائي (٥/ ٨٢)، وأحمد (٩/ ٢٦٦)، والحاكم (٢/ ٦٣ - ٦٤)، والبيهقي (٤/ ١٩٩) من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه". هذا لفظ أبي داود، ونحوه للنسائي وأحمد والبيهقي، إلا أنه في رواية البيهقي قال: "فأثنوا عليه" بدل "فادعوا له"، وبهذا السياق يتبين أن الحافظ قد اختصر الحديث، وقد ذَهَلَ الحافظ فعزا الحديث للبيهقي مع أنه رواه من هو أرفع منه، كما تقدم، إلا إن كان له بهذا غرض، فالله أعلم. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ للخلاف الذي بين أصحاب الأعمش فيه)، وسكت عنه الذهبي، وصححه النووي، وصححه -أيضًا- الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الأذكار" كما نقل ذلك ابن علان (١)، لكن الحديث من رواية الأعمش عن

стр. 4622

مجاهد، وقد تكلم الأئمة في عدد الأحاديث التي سمعها منه وأنها ستة أو سبعة، بل قال أبو حاتم كما في "العلل" (٢١١٩): (إن الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلَّس) (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من استعاذكم بالله) أي: من سألكم بالله تعالى أن تدفعوا عنه شركم أو شر غيركم. قوله: (فأعيذوه) أي: أجيروه وامنعوه مما استعاذ منه وكفوه عنه تعظيمًا وإجلالًا لمن استعاذ به. قوله: (ومن سألكم بالله) أي: قال: أسألكم بالله، وحذف المعمول يؤذن بالعموم؛ أي: سألكم أيَّ شيء من جليل أو حقير، ديني أو دنيوي أو علمي. قوله: (فأعطوه) أي: أعطوه ما سأل، والأمر للوجوب مع القدرة، ما لم يسأل إثمًا، أو قطيعة رحم، أو فيه ضرر على المسؤول؛ لأن في إعطائه إجابة لحاجته، وتعظيمًا لله تعالى الذي سأله به، وقد يكون الأمر للندب إذا سأل من لا فضل عنده، فإنه يستحب أن يعطيه على قدر حال المسؤول ما لا يضره ولا يضر عائلته (٢). قوله: (ومن دعاكم) أي: إلى طعام أو غيره كأن يدعوك لمساعدته ومعاونته. قوله: (فأجيبوه) أي: أجيبوا دعوته بحضور طعامه، أو بمساعدته على الأمر الذي طلب منكم مساعدته عليه. قوله: (ومن أتى إليكم معروفًا) هذا لفظ النسائي وأحمد والبيهقي، ولفظ أبي داود: "ومن صنع إليكم"، وأتى: ضبطت بالهمز بدون مد؛ أي:

стр. 4623

صنع وفعل معروفًا، وبالمد (آتى) أي: أعطاكم المعروف، وهو اسم جامع لكل إحسان، كما تقدم. قوله: (فكافئوه) أي: على إحسانه بمثله أو أحسن منه. قوله: (فإن لم تجدوا) هكذا في نسخ "البلوغ" بحذف المفعول، وهو ثابت في جميع الروايات، كلما تقدم؛ أي: فإن لم تجدوا شيئًا تكافئون به. قوله: (فادعوا له) أي: فبالغوا في الدعاء له جهدكم، وظاهره أن الدعاء يكون بعد فعل المعروف مباشرة. قوله: (تروا) بفتح التاء بمعنى تعلموا، بدليل رواية النسائي: "حتى تعلموا أن قد كافأتموه" (١)، وضبطها بعض الشراح بالضم، أي: تظنوا (٢). • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من استعاذ بالله تعالى من شخص بأن قال له: أعوذ بالله منك، وجبت إعاذته ودفع الشر عنه؛ لأنه يطلب النجاة والحماية، وقد استعاذ بعظيم حيث توسل بأعظم الوسائل وهو الله تعالى، وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الحديث في كتاب "التوحيد" وبوّب عليه باب (لا يُرد من سأل بالله) قال الشارح: (أي: إعظامًا وإجلالًا لله تعالى أن يُسأل به شيء ولا يجاب السائل إلى سؤاله ومطلوبه) (٣). ويستثنى من ذلك ما إذا استعاذ من فعل أمر واجب ولازم له، أو استعاذ من الإقلاع عن شيء محرم فإنه لا يعاذ، فالأول كما لو استعاذ بالله من أخذ الدين الذي عليه، والثاني كما لو استعاذ بالله من إنكار ما كان يفعله، فمثل هذا لا يعاذ. • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من سأل بالله تعالى فإنه يعطى ولا يرد، كأن يسأل من الزكاة وهو من أهلها، أو يسأل إعانة مالية والمسؤول قادر، أو يسأل الإنظار في دَين عليه وهو يستحق الإنظار؛ لأنه لما سأل بالله صارت إجابته من تعظيم الله تعالى مع ما فيها من قضاء حاجته.

стр. 4624

ويستثنى من ذلك ما لو سأل إثمًا؛ كنقود يشتري بها محرمًا من خمر أو غيره، أو كان في إجابته ضرر على المسؤول، كما لو سأله عن أمر يخص أهله أو بيته فإنه لا يجاب. • الوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية إجابة دعوة المسلم لوليمة أو غيرها إذا لم يكن ثم مانع من الحضور مما هو مبسوط في موضعه، والإجابة من أسباب الألفة، وسلامة الصدر، وإكرام الداعي، وتوثيق المحبة بين المسلمين، وقد تقدم هذا في أول كتاب "الجامع". وظاهر الحديث وجوب الإجابة في كل دعوة سواء أكانت دعوة زواج أو غيرها، وهذا مذهب عبد الله بن عمر ﵄، وهو قول جماعة من السلف، وهو قول الظاهرية. والجمهور على أن إجابة وليمة الزواج واجبة، وما عداها فهي مستحبة، وقد مضى بسط هذه المسألة في باب (الوليمة) من كتاب "النكاح" (١). • الوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية مكافأة المحسن على معروفه عند القدرة على ذلك، سواء أكان هذا المعروف هدية ومعونة على أمر، أو قضاء حاجة أو غير ذلك؛ لأن المكافأة على المعروف من المروءة التي يحبها الله ورسوله بدلالة هذا الحديث، وهذه المكافأة لها فائدتان: الأولى: تشجيع ذوي المعروف والإحسان على أفعال الخير والمداومة عليها. الثانية: أن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، فهو إذا أحسن إليه ولم يكافئه يبقى في قلبه شيء من التعلُّق به والرقة له، فشرع قطع ذلك بالمكافأة (٢)، ولو كان صاحب المعروف كافرًا، وهو أولى من مكافأة المسلم، إذ منّة المسلم أسلم من منّة الكافر (٣).

стр. 4625

أما الإعراض عمن أسدى إليك معروفًا وكأنه ما فعل شيئًا، فهذا ليس من مكارم الأخلاق ولا يهمل المكافأة على المعروف إلا اللئام من الناس. قال ابن حبان: (الواجب على المرء أن يشكر النعمة، ويحمد المعروف على حسب وسعه وطاقته، إن قدر فبالضِّعْفِ، وإلا فبالمثل، وإلا فبالمعرفة بوقوع النعمة عنده، مع بذل الجزاء له بالشكر، وقوله: جزاك الله خيرًا … ) (١). وقد استثنى العلماء من مشروعية المكافأة من لا تحسن مكافأته لكون العادة لم تجر بذلك، كالملك والرئيس والوزير فهذا يدعى له (٢). فإن لم يجد ما يكافئ به صاحب المعروف فإنه يدعو له ويجتهد ويبالغ في الدعاء حتى يرى أنه قد كافأه؛ لأنه لما رأى في نفسه تقصيرًا في المجازاة لعدم القدرة عليها أحال ذلك إلى الله تعالى ونِعْم المجازي هو (٣)، وهذا يفيد أن الدعاء يسمى مكافأة في حق من لا يقدر على المجازاة، فيدعو له بما يناسب المعروف أو بما يناسب المقام، ومن أبلغ الدعاء أن يقول له: جزاك الله خيرًا، وقد تقدم في هذا حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء" (٤). والله تعالى أعلم.
следующие страницы →