← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

استحباب مكافأة من أسدى إليك معروفًا ١٤٧٦/ ١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَن أَتَى إِلَيكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ". أَخْرَجَهُ الْبَيهَقِيُّ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الزكاة"، باب (عطية من سأل بالله) (١٦٧٢)، والنسائي (٥/ ٨٢)، وأحمد (٩/ ٢٦٦)، والحاكم (٢/ ٦٣ - ٦٤)، والبيهقي (٤/ ١٩٩) من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه". هذا لفظ أبي داود، ونحوه للنسائي وأحمد والبيهقي، إلا أنه في رواية البيهقي قال: "فأثنوا عليه" بدل "فادعوا له"، وبهذا السياق يتبين أن الحافظ قد اختصر الحديث، وقد ذَهَلَ الحافظ فعزا الحديث للبيهقي مع أنه رواه من هو أرفع منه، كما تقدم، إلا إن كان له بهذا غرض، فالله أعلم. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ للخلاف الذي بين أصحاب الأعمش فيه)، وسكت عنه الذهبي، وصححه النووي، وصححه -أيضًا- الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الأذكار" كما نقل ذلك ابن علان (١)، لكن الحديث من رواية الأعمش عن

стр. 4622

مجاهد، وقد تكلم الأئمة في عدد الأحاديث التي سمعها منه وأنها ستة أو سبعة، بل قال أبو حاتم كما في "العلل" (٢١١٩): (إن الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلَّس) (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من استعاذكم بالله) أي: من سألكم بالله تعالى أن تدفعوا عنه شركم أو شر غيركم. قوله: (فأعيذوه) أي: أجيروه وامنعوه مما استعاذ منه وكفوه عنه تعظيمًا وإجلالًا لمن استعاذ به. قوله: (ومن سألكم بالله) أي: قال: أسألكم بالله، وحذف المعمول يؤذن بالعموم؛ أي: سألكم أيَّ شيء من جليل أو حقير، ديني أو دنيوي أو علمي. قوله: (فأعطوه) أي: أعطوه ما سأل، والأمر للوجوب مع القدرة، ما لم يسأل إثمًا، أو قطيعة رحم، أو فيه ضرر على المسؤول؛ لأن في إعطائه إجابة لحاجته، وتعظيمًا لله تعالى الذي سأله به، وقد يكون الأمر للندب إذا سأل من لا فضل عنده، فإنه يستحب أن يعطيه على قدر حال المسؤول ما لا يضره ولا يضر عائلته (٢). قوله: (ومن دعاكم) أي: إلى طعام أو غيره كأن يدعوك لمساعدته ومعاونته. قوله: (فأجيبوه) أي: أجيبوا دعوته بحضور طعامه، أو بمساعدته على الأمر الذي طلب منكم مساعدته عليه. قوله: (ومن أتى إليكم معروفًا) هذا لفظ النسائي وأحمد والبيهقي، ولفظ أبي داود: "ومن صنع إليكم"، وأتى: ضبطت بالهمز بدون مد؛ أي:

стр. 4623

صنع وفعل معروفًا، وبالمد (آتى) أي: أعطاكم المعروف، وهو اسم جامع لكل إحسان، كما تقدم. قوله: (فكافئوه) أي: على إحسانه بمثله أو أحسن منه. قوله: (فإن لم تجدوا) هكذا في نسخ "البلوغ" بحذف المفعول، وهو ثابت في جميع الروايات، كلما تقدم؛ أي: فإن لم تجدوا شيئًا تكافئون به. قوله: (فادعوا له) أي: فبالغوا في الدعاء له جهدكم، وظاهره أن الدعاء يكون بعد فعل المعروف مباشرة. قوله: (تروا) بفتح التاء بمعنى تعلموا، بدليل رواية النسائي: "حتى تعلموا أن قد كافأتموه" (١)، وضبطها بعض الشراح بالضم، أي: تظنوا (٢). • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من استعاذ بالله تعالى من شخص بأن قال له: أعوذ بالله منك، وجبت إعاذته ودفع الشر عنه؛ لأنه يطلب النجاة والحماية، وقد استعاذ بعظيم حيث توسل بأعظم الوسائل وهو الله تعالى، وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الحديث في كتاب "التوحيد" وبوّب عليه باب (لا يُرد من سأل بالله) قال الشارح: (أي: إعظامًا وإجلالًا لله تعالى أن يُسأل به شيء ولا يجاب السائل إلى سؤاله ومطلوبه) (٣). ويستثنى من ذلك ما إذا استعاذ من فعل أمر واجب ولازم له، أو استعاذ من الإقلاع عن شيء محرم فإنه لا يعاذ، فالأول كما لو استعاذ بالله من أخذ الدين الذي عليه، والثاني كما لو استعاذ بالله من إنكار ما كان يفعله، فمثل هذا لا يعاذ. • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من سأل بالله تعالى فإنه يعطى ولا يرد، كأن يسأل من الزكاة وهو من أهلها، أو يسأل إعانة مالية والمسؤول قادر، أو يسأل الإنظار في دَين عليه وهو يستحق الإنظار؛ لأنه لما سأل بالله صارت إجابته من تعظيم الله تعالى مع ما فيها من قضاء حاجته.

стр. 4624

ويستثنى من ذلك ما لو سأل إثمًا؛ كنقود يشتري بها محرمًا من خمر أو غيره، أو كان في إجابته ضرر على المسؤول، كما لو سأله عن أمر يخص أهله أو بيته فإنه لا يجاب. • الوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية إجابة دعوة المسلم لوليمة أو غيرها إذا لم يكن ثم مانع من الحضور مما هو مبسوط في موضعه، والإجابة من أسباب الألفة، وسلامة الصدر، وإكرام الداعي، وتوثيق المحبة بين المسلمين، وقد تقدم هذا في أول كتاب "الجامع". وظاهر الحديث وجوب الإجابة في كل دعوة سواء أكانت دعوة زواج أو غيرها، وهذا مذهب عبد الله بن عمر ﵄، وهو قول جماعة من السلف، وهو قول الظاهرية. والجمهور على أن إجابة وليمة الزواج واجبة، وما عداها فهي مستحبة، وقد مضى بسط هذه المسألة في باب (الوليمة) من كتاب "النكاح" (١). • الوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية مكافأة المحسن على معروفه عند القدرة على ذلك، سواء أكان هذا المعروف هدية ومعونة على أمر، أو قضاء حاجة أو غير ذلك؛ لأن المكافأة على المعروف من المروءة التي يحبها الله ورسوله بدلالة هذا الحديث، وهذه المكافأة لها فائدتان: الأولى: تشجيع ذوي المعروف والإحسان على أفعال الخير والمداومة عليها. الثانية: أن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، فهو إذا أحسن إليه ولم يكافئه يبقى في قلبه شيء من التعلُّق به والرقة له، فشرع قطع ذلك بالمكافأة (٢)، ولو كان صاحب المعروف كافرًا، وهو أولى من مكافأة المسلم، إذ منّة المسلم أسلم من منّة الكافر (٣).

стр. 4625

أما الإعراض عمن أسدى إليك معروفًا وكأنه ما فعل شيئًا، فهذا ليس من مكارم الأخلاق ولا يهمل المكافأة على المعروف إلا اللئام من الناس. قال ابن حبان: (الواجب على المرء أن يشكر النعمة، ويحمد المعروف على حسب وسعه وطاقته، إن قدر فبالضِّعْفِ، وإلا فبالمثل، وإلا فبالمعرفة بوقوع النعمة عنده، مع بذل الجزاء له بالشكر، وقوله: جزاك الله خيرًا … ) (١). وقد استثنى العلماء من مشروعية المكافأة من لا تحسن مكافأته لكون العادة لم تجر بذلك، كالملك والرئيس والوزير فهذا يدعى له (٢). فإن لم يجد ما يكافئ به صاحب المعروف فإنه يدعو له ويجتهد ويبالغ في الدعاء حتى يرى أنه قد كافأه؛ لأنه لما رأى في نفسه تقصيرًا في المجازاة لعدم القدرة عليها أحال ذلك إلى الله تعالى ونِعْم المجازي هو (٣)، وهذا يفيد أن الدعاء يسمى مكافأة في حق من لا يقدر على المجازاة، فيدعو له بما يناسب المعروف أو بما يناسب المقام، ومن أبلغ الدعاء أن يقول له: جزاك الله خيرًا، وقد تقدم في هذا حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء" (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4626

باب الزهد والورع الزهد: مصدر زَهِدَ في الشيء، وزَهِدَ عنه يَزْهَدُ زَهَادة من باب سَلِمَ، وزُهْدًا -أيضًا- بمعنى تركه وأعرض عنه، فهو زاهد، وزَهَدَ يَزْهَدُ بفتحتين لغة (١). ومادة زهد تدل على القلة في كل شيء. قال ابن فارس: (الزاء والهاء والدال أصل يدل على قلة الشيء، والزهيد: الشيء القليل … ) (٢). وأما حقيقة الزهد فقد تنوعت عبارة السلف والعلماء الذين جاءوا من بعدهم في تفسير الزهد على أقوال كثيرة جدًّا، ومحصلها: أن الزهد انصراف عن الرغبة في الشيء إلى ما هو خير منه، وهو الزهد فيما يُشغل عن الآخرة، من الزهد في الدنيا وشؤونها والرغبة في الآخرة والإعداد لها، ويدخل في ذلك الزهد في الحرام والمكروهات وبعض المباحات التي قد تشغل عن الآخرة والقيام بالأعمال الصالحة. ولا يمنع ذلك العمل للدنيا يَتَقَوَّى به على طاعة الله، ويستغني عما في أيدي الناس بالبيع والشراء والزراعة والصناعة ونحو ذلك، لكن بشرط ألا تشغله هذه الأمور عن الإعداد للآخرة بل يكون قلبه زاهدًا فيها راغبًا فيما عند الله. يقول ابن الجَلاء: (الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال؛ لتصغر في عينيك، فيسهل عليك الإعراض عنها) (٣). وقال بعض السلف: (الزهد: عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف) (٤).

стр. 4627

وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا؟ فقال: (نعم على شريطة ألا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت) (١). وقال إبراهيم بن أدهم: (الزهد ثلاثة أصناف: زهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، فأما الزهد الفرض: فالزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهد السلامة: الزهد في الشبهات). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الزهد: ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة). وقال ابن القيم: (هذا من أحسن ما قيل في الزهد) (٢). والمراد بذلك فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله تعالى، أما ما ينفع في الدار الآخرة فالزهد فيه ليس من الدين، بل صاحبه داخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] (٣). وهو جهل وضلال؛ لقوله ﷺ : "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن" (٤). وأما الورع فهو مصدر وَرعَ يَرِعُ وَرَعًا ورِعَةً مثل: عِدة فهو وَرعٌ، وهذه المادة تدل على الكف والانقباض. قال ابن فارس: (ومنه -أي: من هذه المعنى- الوَرَعُ: العفة، وهي الكف عما لا ينبغي … ) (٥). وأما في الاصطلاح فقد تنوعت عبارة السلف والعلماء الذين جاءوا من بعدهم في تفسير الورع على عدة أقوال، ومحصلها: أن الورع يكون في المشتبهات التي قد يكون فيها حرام أو مكروه، فيتورع عما فيه شبهة خشية الوقوع في المحذور، ويكتفي بما اتضح له وبان وجهه حرصًا على سلامة دينه. قال سفيان الثوري: (ما رأيت أسهل من الورع ما حاك في نفسك

стр. 4628

فاتركه" (١). وقال بعض السلف: (لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس). ويروى حديثًا مرفوعًا (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الورع المشروع ترك ما قد يضر في الدار الآخرة)، فيدخل في ذلك المحرمات والشبهات؛ لأنها قد تضر، بدليل حديث النعمان ﵁ الآتي، وقال: (الورع المشروع هو الورع عما قد تخاف عاقبته، وهو ما يُعلم تحريمه وما يشك في تحريمه، وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله). والمراد بذلك: ترك المحرمات والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها كالواجبات (٣). مثل من يترك أخذ الشبهة ورعًا مع حاجته إليها، ويأخذ بدلها محرمًا بيّنًا تحريمه، أو يترك واجبًا تركه أعظم فسادًا من فعله مع الشبهة، كمن يكون عليه أو على أبيه ديون هو مطالب بها، وليس له وفاء إلا من مال فيه شبهة، فيتورع عنها ويدع ذمته وذمة أبيه مرتهنة (٤). وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات، ويفعل محرمات، ويرى ذلك من الورع (٥). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ولا ورع، وأما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد والورع، وأما المباحات فيصلح الزهد دون الورع (٦).

стр. 4629

وبهذا يتبين أن الزهد أعلى من الورع؛ لأن الورع ترك ما يضر، والزهد ترك ما لا ينفع؛ لأن الأشياء ثلاثة أنواع: منها ما يضر في الآخرة، ومنها ما ينفع، ومنها ما لا ينفع ولا يضر، فالوَرعُ يترك ما يضره في الآخرة، والزاهد يترك ما لا ينفعه في الآخرة، والذي يضره شركه من باب أولى، وعليه فكل زاهد ورع، وليس كل ورع زاهدًا (١).

стр. 4630

ما جاء في فضل ترك الشبهات ١٤٧٧/ ١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإصْبَعَيهِ إلَى أُذُنَيهِ-: "إن الْحَلَال بَيِّنٌ، وإنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَينَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقى الشُّبُهَاتِ، فَقَد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهاتِ، وَقَعَ فِي الْحَرَامِ؛ كَالرَّاعِي يَرْعى حَوْلَ الْحِمى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا وَإنَّ حِمى اللهِ: مَحَارِمُهُ، أَلا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ: الْقَلْبُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الإيمان"، باب (فضل من استبرأ لدينه) (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من طريق زكريا، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وأهوى النعمان بإصبعيه … ) هذا مما انفرد به مسلم، وهو يفيد أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، وفي هذا رد على الواقدي ومن تبعه القائلين بأن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله ﷺ (١)؛ لأن النعمان كان عمره ثماني

стр. 4631

سنوات عند وفاة الرسول ﷺ ، وفيه دليل على صحة تحمل الصبي المميز وأن ما تحمله في حال صغره وأَدَّاهُ بعد بلوغه فهو مقبول. قوله: (إن الحلال بيِّن) أي: ظاهر لا يَحتاج إلى بيان، ويشترك في معرفته كل أحد، وهو ما نص الله ورسوله على حله، أو أجمع المسلمون على حله بعينه، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ويدخل في هذا المأكولات والمشروبات والملبوسات التي استقر عند الناس حلها. قوله: (وإن الحرام بيِّن) أي: ظاهر، وهو ما نص الله ورسوله، أو أجمع المسلمون على حرمته بعينه، كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ويدخل في ذلك الزنا، وشرب الخمر، والميتة، والخنزير، ونكاح المحارم، والمكاسب المحرمة كالربا والميسر، ونحو ذلك. قوله: (وبينهما مشتبهات) هذا لفظ مسلم، وهي بضم الميم وسكون الشين وكسر الباء الموحدة، جمع مشتبهة، وقد ورد لفظ المفرد عند البخاري في "البيوع" (١)، ولفظ البخاري في "الإيمان": "وبينهما مُشَبَّهَات" بضم الميم وفتح الشين وتشديد الباء، وفيه روايات أخرى (٢). وهي من اشتبه الأمر: إذا لم يتضح، والمعنى: أن بين الحلال والحرام الواضحين أمورًا مشتبهة مترددة بين الحل والحرمة؛ لأنها ليست من الحلال البيِّن ولا من الحرام البيِّن. قوله: (لا يعلمهن كثير من الناس) أي: لا يعلم كثير من الناس حكم المشتبهات من التحليل والتحريم، وليس المراد لا يعلم كثير من الناس أنها مشتبهات، وقد جاء في رواية الترمذي: "لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام" (٣). ومفهوم قوله: (كثير) أن معرفة حكمها ممكن لكن للقليل من الناس، وهم المجتهدون، فالمشتبهات على هذا في حق غيرهم، وقد دخل فيمن لا يعلم المشتبهات صنفان: من يتوقف فيها لاشتباهها عليه، ومن يعتقدها على

стр. 4632

غير ما هي عليه، وقد يقع الاشتباه للمجتهد نفسه حيث لا يظهر له ترجيح أحد الدليلين. والاشتباه له أسباب كثيرة، منها: ١ - تعارض الأدلة بحيث لا يظهر للناظر فيها جمع ولا ترجيح، وهذا بالنسبة إلى المجتهد، فكل مسألة تعارضت فيها الأدلة على هذا الوجه فهي من المتشابه، لكن ينبغي أن يُعلم أن هذا أمر نسبي، فقد يحصل الاشتباه عند مجتهد، ولا يحصل عند مجتهد آخر، ومثال ذلك الأحاديث الواردة في أداء تحية المسجد التي ظاهرها أنها تُصلى كل وقت، مع أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر والصبح، وظاهرها العموم في كل صلاة، فظاهر الأول أنها واجبة، وظاهر الثاني أن فعلها حرام، فهذه قد تكون واضحة عند شخص، وقد تكون مشتبهة عند شخص آخر. ٢ - اختلاف العلماء في فهم الدليل بأن يكون فيه أمر أو نهي، فيختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه، مثل الأمر بغسل الجمعة، وهذا يحصل في حق المقلد، والوَرَعُ في حقه الوقوف عند الشبهة، وهو أن يغتسل؛ لأن القائل بعدم وجوب الغسل لا يقول بعدم جوازه، بل يقول: إنه مستحب. ٣ - خفاء النص وعدم بلوغه للمجتهد؛ لكونه لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ جميع حملة العلم، فتكون هذه المسألة التي لم يبلغ المجتهد فيها دليل من المشتبهات، فلا يفتي حتى يقف على دليل مانع أو مبيح (١). قوله: (فمن اتقى الشبهات) أي: ابتعد عنها واجتنبها فجعل بينه وبينها وقاية، ووضع الظاهر موضع الضمير تفخيمًا لشأن اجتنابها والحذر منها. قوله: (فقد استبرأ لدينه وعرضه) أي: طلب البراءة أو حصل عليها

стр. 4633

لحفظ دينه من الذم الشرعي، وحفظ عرضه بصونه عن كلام الناس بما يعيبه؛ لأن من عُرف بالوقوع في الشبهات فقد دخل عليه النقص في دينه، ولا يسلم عرضه من الطعن فيه باتهامه بمواقعة المحظورات. والعرض: موضع المدح والذم من الإنسان، وهو متعلق بالأمور التي بذكرها يرتفع أو يسقط، ومن جهتها يذم أو يحمد، وقال الفاكهاني: (أشبه ما يفسر به العرض هنا: النفس؛ أي: استبرأ لنفسه من أن يُلام على ما أتى، والله أعلم) (١). قوله: (ومن وقع في الشبهات) أي: تجرأ على الشبهات وأقدم عليها، وهذا يحتمل معنيين: الأول: من أكثر من تعاطي الشبهات صادف الحرام وهو لا يشعر به. الثاني: أنه يعتاد التساهل ويتمرن عليه وَيجْسُرُ على شبهة أخرى أغلظ منها، وهكذا حتى يقع في الحرام عمدًا. قوله: (كالراعي يرعى حول الحمى) هذا تمثيل وتشبيه للأمور المعنوية بالشيء المحسوس المشاهد، وهو نوع من البيان وضرب من وسائل الإيضاح، ومفعول (يرعى) محذوف للعلم به؛ أي: يرعى مواشيه. والحمى: بكسر الحاء، هو المكان المحمي، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، والمراد به: ما حُمي من الأرض لأجل الدواب، فيكون محظورًا على غير من حماه؛ لأنه ينفرد برعيه دون غيره. قوله: (يوشك أن يقع فيه) أي: يسرع ويقرب فيه بناء على تساهله في الصحافظة وجراءته على الرعي. ووجه هذا التمثيل أن الراعي يجره رعيه حول الحمى إلى وقوعه فيه، فيستحق العقاب من صاحب الحمى، فكذلك المكثر من الشبهات ينجر إلى فعل الحرام، فيستحق العقاب بسبب ذلك.

стр. 4634

قوله: (ألا وإن لكل ملك حمى) ألا: بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه يفيد التوكيد، ويؤتى بها إشارة إلى أن ما بعدها أمر ينبغي التنبه له، والواو: استئنافية، والمَلِكُ: بكسر اللام الواحد من ملوك العرب، وهذا يحتمل أن الرسول ﷺ قاله إقرارًا، وأن الملك له أن يحمي مكانًا معينًا ترعى فيه بهائم المسلمين التي في بيت المال كإبل الصدقة وخيل الجهاد، ويحتمل أنه إخبار عن الواقع وإن لم يكن إقرارًا له، وهذا أقرب؛ لأن الظاهر من هذا المثال بيان الواقع لا بيان حكم الحمى شرعًا؛ لأن من الحمى ما يكون ظلمًا وعدوانًا (١). قوله: (ألا وإن حمى الله محارمه) جمع محرمة: بفتح الميم وسكون الحاء وضم الراء أو فتحها وهي الحرمة التي لا يحل انتهاكها (٢). والمراد هنا: المعاصي التي حرمها الله تعالى ومنع عباده الوقوع فيها من مأمور به واجب أو وقوع في منهي عنه محرم. قوله: (ألا وإن في الجسد مضغة) مناسبة هذه الجملة لما قبلها أنه لما كان التورع والتهتك مما يتبع سلامة القلب وفساده نبّه على ذلك بهذه الجملة، وكررت (ألا) تنبيهًا على عظم شأن مدلولها وما دخلت عليه وأن هذا أمر له شأن ينبغي أن يتنبه له المخاطب، ويُستأنف الكلام لأجله. والمضغة: قدر ما يمضع من الطعام، وعبّر بها هنا عن مقدار القلب في الرؤية. قوله: (إذا صلحت صَلَحَ الجسد كله) صَلَحَ ومثله فَسَدَ بفتح العين، هو أكثر وأشهر، وتضم في المضارع، وحكى الفراء الضم في صلح، والتعبير بـ (إذا) لتحقق الوقوع غالبًا (٣). والمعنى: أن هذه المضغة إذا صلحت بالإيمان والعلم صلح الجسد كله بالأعمال والإخلاص؛ لأن الجسد تابع لهذا القلب.

стр. 4635

قوله: (ألا وهي القلب) فهو الملك والأعضاء كالرعية. • الوجه الثالث: هذا حديث عظيم من أمعن النظر فيه وجده حاويًا لعلوم الشريعة، إذ هو مشتمل على الحث على فعل الحلال واجتناب الحرام والإمساك عن الشبهات والاحتياط للدين والعرض وتعظيم القلب والسعي في صلاحه. • الوجه الرابع: في هذا الحديث تقسيم الأشياء في الشريعة من حيث الحل والحرمة إلى: حلال بَيِّنٍ، وحرام بَيِّنٍ، ومشتبهٍ ليس بواضح الحل ولا الحرمة. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن أحكام الأمور المشتبهة ليست معطلة لا تعلم، بل يعلمها بعض الناس، وهم العلماء المجتهدون لما عندهم من مزيد علم، فيعلمون ما هي عليه في حقيقة الأمر من تحليل أو تحريم، وهذا مرده إلى الاجتهاد والنظر في أحكام الشرع، وقد يرى هذا العالم حل ما يرى العالم الآخر تحريمه، بناءً على ما أداه إليه اجتهاده، وهذا يدل على فضل العلم والعلماء لعلمهم بما لم يعلمه غيرهم، وحَلِّهم ما أشكل على غيرهم. أما المقلد فإنه يقتدي بأفضل العَالِمَينِ المختلفين علمًا وورعًا؛ لأن مثل هذا يكون أقرب إلى الصواب في الغالب. • الوجه السادس: الحث على اتقاء الشبهات والبعد عنها، وهي ما حصل التردد في حله أو حرمته؛ لأن في ذلك احتياطًا للدين من أن يدخله نقص أو خلل، واحتياطًا للعرض من الوقوع فيه بالذم، فالأول فيما بينه وبين الله، والثاني فيما بينه وبين الناس، قال بعض السلف: (من عرَّض نفسه للتُّهم فلا يلومن من أساء الظن به) (١). وهذا يفيد أنه لا بد للمسلم من المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة الإنسانية، وأن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدِّين، وفي هذا فائدة عظيمة دلّت عليها رواية البخاري: (فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثم

стр. 4636

كان لِمَا استبان أترك … ) (١)، والمعنى: أن من ترك الإثم مع اشتباهه عليه فهو أولى بتركه إذا اتضح له أنه إثم. قال ابن رجب: (هذه الأمور المشتبهات: منها ما يقوى شبهه بالحرام، ومنها ما يبعد شبهه بالحرام، ومنها ما يتردد، لشبهه بين الحلال والحرام. فالأول: يقوى فيه التحريم، والثاني: يقوى فيه الكراهة، والثالث: يتردد فيه. واجتناب الكل حسن، وهو الأفضل والأولى) (٢). ويتأكد تأمل هذا المعنى في زماننا هذا حيث كثرت المكاسب المشبوهة في أمور البيع والشراء، وأقدم الناس على الحيل، وتهافتوا على جمع الدنيا بكل وسيلة من غير التفات إلى دين أو فضيلة أو خلق، إلا من رحم الله. • الوجه السابع: في الحديث دليل على خطر التساهل في الشبهات وأن الإقدام عليها مع كونها مشتبهة عنده سبب للوقوع في الحرام بالتدريج والتسامح، وفي هذا تعريض الإنسان دينه للنقص وعرضه للوقوع فيه، وقد نقل ابن المُنَيِّرِ عن بعض مشايخه أنه قال: (المكروه عَقَبَةٌ بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه) (٣) ويقول الحافظ ابن رجب: (من وقع في الشبهات كان جديرًا بأن يقع في الحرام بالتدريج؛ فإنه يسامح نفسه في الوقوع في الأمور المشتبهة، فتدعوه نفسه إلى مواقعة الحرام بعده؛ ولهذا جاء في رواية: "ومن خالط الريبة يوشك أن يَجْسُرَ" ويعني: يجسر على الوقوع في الحرام الذي لا ريب فيه) (٤).

стр. 4637

• الوجه الثامن: عظم شأن القلب والحث على إصلاحه، وأنه بصلاحه يصلح كل شيء من الإنسان، وبفساده يفسد كل شيء، وصلاح القلب بأن يكون سليمًا ليس فيه إلا محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله، وخشية ما يباعد من الله، وضد ذلك فساد القلب، وهو الذي استولى عليه اتباع الهوى وطلب ما يحبه ولو كرهه الله. يقول الحافظ ابن رجب: (ذكر النبي ﷺ كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها، وأنَّ ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلح القلب صلحت إرادته وصلحت جميع الجوارح، فلم تنبعث إلا إلى طاعة الله واجتناب سخطه، فقنعت بالحلال عن الحرام. وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها وانبعثت في معاصي الله وما فيه سخطه، ولم تقنع بالحلال، بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق) (١). • الوجه التاسع: في الحديث دليل على أن صلاح الباطن يستلزم صلاح الظاهر، وأن فساد الظاهر دليل على فساد الباطن، وقد يصلح الظاهر مع فساد الباطن كحال المنافقين والمرائين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا قام بالقلب التصديق به -يعني بالله والمحبة له؛ لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو من موجب ما في القلب ولازمه، ودليله ومعلوله. كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له -أيضًا- تأثيره فيما في القلب. فكل منهما يؤثر على الآخر. لكن ما في القلب هو الأصل، والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه) (٢). • الوجه العاشر: أن من طرق البيان ووسائل الإيضاح ضرب الأمثال وتشبيه المعقول بالمحسوس؛ لتقرير المعاني وترسيخها في الذهن. والله تعالى أعلم.

стр. 4638

ما جاء في ذم التعلق بالدنيا ١٤٧٨/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ، إنْ أُعْطيَ رَضِيَ، وَإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الرقاق"، باب (ما يُتقى من فتنة المال) (٦٤٣٥) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصِين (١)، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة … " الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (تَعِسَ) بفتح التاء الفوقية وكسر العين المهملة من باب تَعِبَ تَعَسًا فهو تَعِسٌ، لغة في تَعَسَ بالفتح من باب نفع تَعْسًا فهو تاعس؛ أي: أكب على وجهه (٢)، ومعناه هنا: هلك وخاب. قوله: (عبد الدينار) أي: طالب الدينار الحريص على جمعه القائم على حفظه، يرضى إذا وجد، ويغضب إذا فقد، وخص العبد بالذكر إشارة إلى شغفه وحرصه وانغماسه في محبة الدنيا فهو كالأسير الذي لا يجد مخلصًا، ولم يقل مالك ولا جامع الدنيا لأنه لا ذم في ذلك على الإطلاق، وإنما الذم فيما زاد على الحاجة.

стр. 4639

قوله: (والدرهم) بالعطف على الدينار، وقد جاء عند البخاري في "الجهاد" من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح التصريح بالمضاف إليه مع جميع الألفاظ: "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة … " (١). قوله: (والقطيفة) بالقاف والطاء المهملة والتحتية والفاء بوزن صحيفة، هو الدِّثَارُ الذي له خَمْلٌ، وجمعه قطائف وقُطُف -بضمتين- والدثار: ما يلقيه الإنسان عليه من كساء وغيره، والخَمْل: مثل فَلْس: الهُدْبُ (٢). قوله: (والخميصة) بالخاء المعجمة وبالميم والصاد المهملة، هي كساء أسود معلم الطرفين، ويكون من خَزٍّ أو صوف، فإن لم يكن معلمًا فليس بخميصة (٣). وهذه المذكورة هي من أقل المال، وإنما نبه النبي ﷺ بها على ما هو أعلى منها، وجملة (تعس) يحتمل أن تكون خبرًا من النبي ﷺ عن حال هذا الرجل، ويحتمل أن تكون من باب الدعاء على من هذه حاله حيث وصل به حب الدنيا إلى هذا الحال (٤). قوله: (إن أُعطي رضي … ) هذان الشرطان وجوابهما مسوقان لبيان شدة حرصه على ذلك (٥). وهذا الإعطاء يحتمل أن يكون قدريًّا، والمعطي هو الله تعالى، والمعنى: إن قدر الله له رزقًا رضي، وإن منع سخط، فيكون فيه سخط على قضاء الله وقدره، ويحتمل أن الإعطاء شرعي، والمعنى: إن أُعطي من مالٍ يستحقه من الأموال الشرعية رضي، وإن لم يعط سخط، وكلا المعنيين حق، وهما يدلان على أن هذا الشخص لا يرضى إلا للمال ولا يسخط إلا له (٦).

стр. 4640

• الوجه الثالث: في الحديث ذم التعلق بالدنيا، وأنه لا يليق بالمسلم الذي غايته أسمى، وهمته أعلى أن يجعل الدنيا أكبر همه وغاية قصده، فيكون همه تحصيل المال وتجميل الحال، ولا يرضى إلا للمال، ولا يسخط إلا له، فإن هذه صفة مَنْ ذمهم الله تعالى بقوله جل وعلا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ [التوبة: ٥٨] ومن كان بهذه الصفة استعبدت الدنيا قلبه وشغلته عن ذكر الله تعالى وعن عبادته، وصار عبدًا لما يهواه ورقيقًا له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلبَ واستعبده فهو عبد له، وهكذا طالب المال فإنه يستعبده ويسترقه. ومن المال ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله، ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه، ومنه ما لا يحتاج إليه، فهذا ينبغي له ألا يتعلق قلبه به وإلا صار مستعبدًا له، بل قد يكون معتمدًا على غير الله فيه، فهذا على خطر عظيم؛ لأن في قلبه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4641

الحَثُّ على قِصَرِ الأمل في الدنيا ١٤٧٩/ ٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَال: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إذَا أَمْسَيتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الرقاق"، باب (قول النبي ﷺ : "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل") (٦٤١٦) من طريق سليمان الأعمش قال: حدثني مجاهد، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: … وذكر الحديث (١). وفيه: " … وخذ من صحتك لمرضك … ". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (بمنكبي) بكسر الكاف والباء وتخفيف الياء التحتية على الإفراد، وهو مجمع رأس العضد والكتف، قال الحافظ: (وضُبط في بعض الأصول بالتثنية) (٢). وعليه فهو بفتح الباء وتشديد الياء التحتية؛ لأن ياء المتكلم أدغمت في ياء التثنية، وقد ضبطت هكذا في بعض نسخ "البلوغ". وإنما فعل النبي ﷺ ذلك مع ابن عمر ﵄ ليستيقظ ويقبل بقلبه على ما

стр. 4642

يلقيه عليه النبي ﷺ ، مع ما فيه من التأنيس والإشعار بالمحبة؛ لأن هذا لا يفعل غالبًا إلا مع من يميل إليه الفاعل. قوله: (غريب) مأخوذة من الغربة وهي البعد عن الأهل والأوطان. قوله: (أو عابر سبيل) السبيل هو الطريق، والمراد بـ (عابر السبيل) المسافر الذي يمر بطريقه على بعض البلدان والأماكن. وقد حذف من هذا التشبيه وجه الشبه وهو عدم الاستقرار والتفكير بالبقاء وطول الإقامة، و (أو) للتخيير، أو للإضراب بمعنى بل، حيث شُبِّهَ الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مأوى، ثم ترقى وأضرب عنه إلى عابر السبيل؛ لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر السبيل فإن من شأنه أن يهتم بسفره ولا يقيم لحظة أو يسكن لمحة (١). قوله: (وكان ابن عمر يقول) أي: عقب روايته لكلام النبي ﷺ . قوله: (إذا أمسيت) الفعل (أمسى) تام، والتاء: فاعل؛ أي: دخلت في المساء، وهو من زوال الشمس إلى نصف الليل. قوله: (فلا تنتظر الصباح) أي: لا تحدث نفسك بالبقاء إلى الصباح، بل انتظر الموت كل وقت، واجعله نصب عينيك، وقيل: فلا تنتظر بأعمال المساء الصباح؛ لأن كلّا منهما له عمل يخصه. قوله: (وإذا أصبحت) أي: دخلت في الصباح، والصباح من نصف الليل إلى الزوال (٢). قوله: (فلا تنتظر المساء) أي: لا تحدث نفسك بالبقاء إلى المساء، بل انتظر الموت كل وقت، وقيل: فلا تنتظر بأعمال الصباح المساء، كما تقدم. قوله: (وخذ من صحتك لسقمك) هكذا في "البلوغ": (لسقمك) وهي ليست عند البخاري، وإنما هي عند الترمذي من طريق آخر (٣). والسَّقَم:

стр. 4643

مصدر سَقِمَ من باب تَعِبَ: طال مرضه، وسَقُمَ سُقْمًا من باب قَرُبَ فهو سَقيم (١)، ولفظ البخاري -كما تقدم-: (وخذ من صحتك لمرضك) وهذا على حذف مضاف؛ أي: وقت صحتك، والمعنى: أن يغتنم الإنسان وقت الصحة بالأعمال الصالحة؛ لأن المرض قد يطرأ، فيعجز الإنسان عن الأعمال التي كان يعملها في حال الصحة. قوله: (ومن حياتك لموتك) أي: وخذ من زمن حياتك لموتك، وهذه الجملة إما أنها مؤكدة لما قبلها، وإما أنها مؤسسة، فيكون معناها أعم مما قبلها، وذلك بأن يراد بها الإكثار من الطاعات ولو في زمن المرض المتمكن فيه منها، فيكون فيه ترقٍّ وزيادة في التحريض على اغتنام الطاعة وعدم التواني فيها مع إمكانها ولو كان فيها نوع مشقة على النفوس لمرض أو غيره. • الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب اغتنام الأوقات، والحث على قِصَرِ الأمل، وتقديم التوبة والاستعداد للموت، وهذا الحديث من أبلغ الكلام في التذكير بالآخرة وعدم الاغترار بالدنيا، وذلك أن الدنيا فانية، مهما طال عمر الإنسان فيها، فهي دار ممر لا دار مقر، وكل نفس ذائقة الموت، وهذه حقيقة مشاهدة، نراها كلَّ يوم وليلة، ونحس بها كلَّ ساعة ولحظة، وإذا كان الإنسان لا يدري متى ينتهي أجله ويأتيه الموت، فعليه أن يستعد للرحيل، وأن يكون عابر سبيل، فلا يركن إلى الدنيا ولا يتعلق بها ولا يتخذها وطنًا ولا تحدثه نفسه بالبقاء فيها، فلا يتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه الذي سيفارقه مهما تكن راحته وهناؤه، وأن يكون فيها كالمسافر الذي يكتفي بسفره بالقليل الذي يساعده على بلوغ غايته وتحقيق مقصده. ولقد أدرك الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ﵄ موعظة رسول الله ﷺ

стр. 4644

إدراكًا علميًّا وعمليًّا، وأخذ منها هذه الوصايا الثلاث العظيمة وأرشد غيره إليها: الأولى: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء) ومعنى ذلك: حث المؤمن على قِصَرِ الأمل في هذه الحياة، وأنه ينبغي له إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظن أن أجله مدركه قبل ذلك. الوصية الثانية: (وخذ من صحتك لسقمك) والمعنى: أنه ينبغي للمؤمن أن يغتنم أوقات الصحة وسلامة البدن من العلل، وذلك بفعل الخير والإكثار من الطاعات، قبل أن يحول بينه وبينها السُّقْمُ، فيعجز عن الصيام والقيام وسائر الأعمال، إذا اعتراه مرض أو علة أو كِبَرٌ. الوصية الثالثة: (ومن حياتك لموتك) والمعنى: أنه ينبغي للمؤمن أن يغتنم زمن الحياة وساعات العمر بتقديم الزاد، ولا يفرط حتى يدركه الموت، ويحول بينه وبين الأعمال الصالحة، يقول سفيان الثوري: (من لعب بعمره ضيع أيام حرثه، ومن ضيع أيام حرثه ندم أيام حصاده) (١). وقد ورد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (٢). قال ابن الجوزي: (اعلم أنه قد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا للعبادة لاشتغاله بأسباب المعاش، وقد يكون متفرغًا من الأشغال ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا للعبد ثم غَلَبَ عليه الكسل عن نيل الفضائل، فذلك الغبن، كيف والدنيا سوق الرَّباح، والعمر أقصر، والعوائق أكثر) (٣). ويروى -أيضًا- عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لرجل وهو

стр. 4645

يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4646

ما جاء في التشبه ١٤٨٠/ ٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ، فَهُوَ مِنْهُمْ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "اللباس"، بابٌ (في لباس الشهرة) (٤٠٣١) من طريق أبي النضر، وأحمد (٩/ ١٢٣) من طريق محمد بن يزيد الواسطي، كلاهما عن عبد الرحمن بن ثابت، ثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. وهذا لفظ أبي داود. وهذا الحديث في سنده أبو منيب الجرشي، ولا يعرف اسمه، وقد وثقه العجلي وغيره، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان متكلم فيه، فوثقه جماعة، وضعفه آخرون، وممن وثقه علي بن المديني وأبو حاتم، وقال أبو داود وأبو زرعة: (لا بأس به)، وقال ابن معين في رواية: (صالح الحديث)، وقال مرة: (ليس به بأس)، وقال ابن عدي: (له أحاديث صالحة، وكان رجلًا صالحًا، ويكتب حديثه على ضعفه)، وقال أبو حفص عمرو بن علي: (حديث الشاميين كلهم ضعيف، إلا نفرًا، منهم: الأوزاعي، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وذكر قومًا) (١). وممن ضعفه الإمام أحمد فقال: (أحاديثه مناكير)، وقال مرة: (لم يكن

стр. 4647

بالقوي في الحديث)، وقال ابن معين: (ضعيف)، وقال مرة: (لا شيء)، وقال النسائي: (ضعيف) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وتغيّر بأخرة). والذي يستفاد من كلام الأئمة أن عبد الرحمن بن ثوبان لا بأس به وأنه صدوق في نفسه، وهو من جملة من يكتب حديثه للاعتبار. وهذا الحديث رواه عنه أثبات أصحابه، ومنهم -كما تقدم-: هاشم بن القاسم أبو النضر، وهو ثقة ثبت، كما في "التقريب"، ومحمد بن يزيد الواسطي، وهو ثقة ثبت عابد، كما في "التقريب" -أيضًا-، ثم إن الترمذي قد صحح له بعض الأفراد والغرائب، مثل: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين (٢)، فإنه قال: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح). لكن قد يشكل على هذا أمران: الأول: مقولة الإمام أحمد: (أحاديثه مناكير) (٣). الثاني: أن مثله لا يقبل تفرده، وقد يكون كلام الأئمة المتقدمين ليس فيه تعرض لما تفرد به، وهو وإن توبع في هذا الحديث لكنها متابعات معلولة، وممن تابعه الأوزاعي، عن حسان بن عطية، أخرجه الطحاوي في "المشكل" (١/ ٢١٣) عن أبي أمية، حدثنا محمد بن وهب بن عطية، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن حسان به. وهذا سند ضعيف؛ لتفرد الوليد بهذا الطريق؛ ولأن شيخ الطحاوي وهو أبو أمية الطرسوسي له أوهام إذا حدث من حفظه، كما ذكر ابن حبان في "الثقات" (٩/ ١٣٧)، وقد خالف الوليدَ في وصله عيسى بن يونس، فرواه عن

стр. 4648

الأوزاعي، عن سعيد بن جبلة، عن طاوس، عن النبي ﷺ مرسلًا (١)، رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٢٢)، (١٢/ ٣٤٩)، وتابع عيسى بنَ يونس ابنُ المبارك، فرواه في "الجهاد" (١٠٥) عن الأوزاعي، عن سعيد به. ورواه من طريق ابن المبارك القضاعي في "مسند الشهاب" (٣٩٠). كما تابع عيسى سفيانُ الثوري فرواه عن الأوزاعي عن سعيد به. رواه ابن أبي شيبة (١٢/ ٣٥٠). وهذا مرسل ضعيف، لضعف سعيد بن جبلة، فقد ترجم له ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولم يذكر روايًا عنه سوى الأوزاعي (٢). وقد حسن هذا الإسناد الحافظ ابن حجر (٣)، والذي يظهر أن تفرد مثل سعيد عن مثل طاوس لا يبلغ هذا. ثم إن صَدَقَةَ السَّمين قد أغرب فروى هذا الحديث عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا نحوه. رواه البزار (١٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، والهروي في "ذم الكلام" (٤٧٤)، والذهبي في "السير" (١٦/ ٢٤٢) قال البزار: (هذا الحديث قد خولف صدقة في إسناده، فرواه غيره عن الأوزاعي بغير هذا الإسناد مرسلًا، ولم يتابع صدقة على روايته هذه عن الأوزاعي بهذا الإسناد) وصدقة هذا ضعفه ابن معين والإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو زرعة والنسائي وغير واحد (٤). والمقصود أن الحديث ورد له متابعات وشواهد، ولكنها لا تخلو من مقال: وقد ورد في عبارات بعض أهل العلم ما يدل على تقوية هذا الحديث، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إسناده جيد)، وفي موضع آخر: (حديث

стр. 4649

جيد)، وذكر أن الإمام أحمد وغيره احتج بهذا الحديث (١). وقال العراقي: (إسناده صحيح) (٢)، وقال الحافظ ابن حجر: (إسناده حسن) (٣). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من تشبّه) التشبّه في اللغة: مصدر تشبّه تشبُّهًا مثل تقدَّم تقدُّمًا، ومادة التفعُّل تدل على معنى زائد على مجرد المماثلة والمشابهة، وهو القصد والتعمد والمحاكاة. وأما في الاصطلاح فليس ثَمَّ فرق ظاهر بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، ولذا لم يعرف المتقدمون التشبه، باستثناء تعريف محمد الغَزِّي الشافعي -المتوفى سنة (١٠٦١ هـ) - بقوله: (التشبه عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شِبْهَ المتشبَّه به وعلى هيئته وحليته ونعته ووصفه، أو هو عبارة عن تكلف ذلك وتقصده وتعلمه، وقد يعبر عن التشبه بالتشكل والتمثل والتَّزَيِّ والتحلي والتخلق) (٤). وهذا تعريف عام، مع ما فيه من طول، وما قد يَرِدُ عليه. والأحسن أن يقال في تعريفه: هو تكلف المسلم مشابهة غيره من الكفار أو المبتدعة فيما هو من خصائصهم من عبادات أو عادات. وهذا التعريف مختص بالتشبه بالكفار والمبتدعة؛ لأنه هو المقصود هنا بدليل سياق الحديث. قوله: (فهو منهم) أي: مثلهم في الحال والمآل، وهو يفيد العموم، فمن تشبه بالصالحين كان صالحًا وحشر معهم، ومن تشبه بالكفار أو بالفساق فهو منهم، هذا ظاهر الحديث.

стр. 4650

• الوجه الثالث: ظاهر الحديث دليل على أن من تكلف مشابهة أحد فهو مثله، سواء تشبه بصالح أو بفاسق أو بمبتدع أو بكافر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم -أي: الكفار- وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١])، وقال في موضع آخر: (موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقًا) (١). وقال الصنعاني: (الحديث دال على أن من تشبه بالفساق كان منهم أو بالكفار أو بالمبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة) (٢). وهذا الكلام أَخْذٌ بظاهر الحديث، وقد يقال: إنه من أحاديث الوعيد التي تُمرُّ كما جاءت، ولا يتعرض لمعناها، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (هذا من نصوص الوعيد، وقد جاء عن سفيان الثوري وأحمد كراهة تأويلها، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر، وهو يدل على أنه ينافي كمال الإيمان الواجب) (٣). • الوجه الرابع: جاء في القرآن آيات كثيرة تتضمن النهي عن طاعة الكفار وتبعيتهم، والتحذير منهم، وذكر بعض خصالهم التي تنفر المؤمنين منهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾ [آل عمران: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الآيات في هذا الموضوع قسمان: ١ - قسم بين أن مخالفتهم في عامة الأمور أصلح للمسلمين، وهذا تدل عليه جميع الآيات. ٢ - وقسم بين أن مخالفتهم مطلوبة وواجبة شرعًا، وهذا تدل عليه بعض الآيات (٤).

стр. 4651

وورد في السنّة أحاديث في هذا المعنى، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: "أن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها" (١)، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب، وأرخوا اللحى" (٢)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم" (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم" قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " (٤). وهذا الحديث وإن كان خبرًا عن أكثر الأمة إلا أنه جاء في سياق الذم المفيد للنهي والمنع، كما ورد في غيره مما يفعله الناس بين يدي الساعة؛ كشرب الخمر، وأكل الربا، والسلام للمعرفة، وظهور الكاسيات العاريات. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أن التشبه بالكفار منهي عنه (٥). • الوجه الخامس: الضابط في موضوع التشبه هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أن كل فعل مأخوذ من الكفار مما هو من خصائص دينهم أو عاداتهم فهو تشبه، فينهى عنه المسلم، كما نهى الرسول ﷺ عبد الله بن عمرو عن لبس المعصفر وقال: "إن هذه ثياب الكفار". أما بالنسبة لأمور العقائد والعبادات والأعياد، فالنهي عن التشبه بهم فيها يقتضي التحريم، وقد يصل إلى درجة الكفر إذا كان مع القصد؛ لأن القصد يجعل مثل هذه الأعمال صادرة عن اعتقاد واستحسان لما هم عليه من الباطل، وهذا يتضمن المحبة والمودة، وهذا من نواقض الإسلام.

стр. 4652

أما ما كان من قبيل العادات والأزياء فهو محرم يقتضي الحكم بفسق صاحبه، ولا يصل إلى درجة الكفر، والنبي ﷺ لما قال لابن عمرو: "إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها" لم يبين له أن هذا كفر، وهذا مقيد -أيضًا- بعدم القصد، وإطلاق التشبه عليه إنما هو باعتبار الصورة الظاهرة، والنهي عن هذا باعتبار سد الذريعة، وقد أطلق بعض أهل العلم الكفر على من تشبه بالكفار في عاداتهم الخاصة، ومرادهم مع وجود القصد والنية، وذلك لأن المتشبه بهم قد أخل بأحد أصلي الإيمان وهو المحبة؛ لأن المحبة لله تعالى ولدينه -والتي هي أصل كل الأعمال الشرعية- تقتضي بغض كل ما سوى الإسلام من الكفر وأعماله، وانخرامها بمحبة فعل الكفار بيّن واضح. أما ما كان من قبيل الأمور الدنيوية البحتة التي لا تمس العقيدة والأخلاق والسمت الخاص في اللباس ونحوه، كالعلوم والصناعات عمومًا، وصناعة الأسلحة، ومكائد الحرب والقتال، ونحو ذلك، فلا بأس من الاستفادة من تجارب الكفار وخبراتهم، إذا لم يوجد في البيئة الإسلامية الإمكانات التي تقوم بتحقيق هذه المطالب، وتسعى لتوفيرها، والنبي ﷺ قد أمر بحفر الخندق في غزوة الأحزاب (١) ولم تكن العرب تعرف ذلك، وهذه الاستفادة من الكفار مشروطة بألا توقع المسلمين في الذل والصَّغَار، وألا تتعارض مع النصوص أو القواعد الشرعية. ويكون التشبه بهم مكروهًا إذا كان في صورة فعل ثبت أصله في ديننا كما ثبت في دين الكفار، وشرعت المخالفة في وصفه وصورته، مثل صيام يوم عاشوراء فإنه شرع لليهود، وشرعه النبي ﷺ لأمته، لكن مع المخالفة بصيام يوم قبله، فإفراده بالصوم مكروه -على ما ذكره الفقهاء- لأنه يشبه بذلك صيام اليهود (٢).

стр. 4653

° الوجه السادس: ينبغي أن يعلم أن أحكام التشبه على جهة التفصيل لا يمكن الإحاطة بها؛ لأن هذا يختلف باختلاف نوع التشبه وما يتضمن من المفاسد ولا سيما في هذا الزمان، بل لا بد من عرض كل مسألة على نصوص الشريعة وقواعدها ومقاصدها، والقاعدة في هذا أن كل تشبه تضمن مفسدة فإن المسلم ممنوع منه، وتكون قوة المنع بحسب عظم هذه المفسدة. أما ما زال عن كونه شعارًا للكفار بسبب انتشاره بين المسلمين وزوال اختصاص الكفار به فهذا يجوز فعله ما لم يكن حرامًا لعينه، وهذا خاص بالعادات، أما العبادات وما في بابها فهو خاص بهم على كل حال. ومن أمثلة هذا ما ذكر ابن حجر من أن الطيالسة (١) كانت شعارًا لليهود، وقد ارتفع في زمانه ذلك، فصار لبسها داخلًا في عموم المباح، ومثل لبس البنطال عند بعض المعاصرين، فهذا قد زال اختصاص الكفار به فأصبح مباحًا على هذا القول، والنفس لا تطمئن إلى إباحته. لكن قد ينهى عن مثل ذلك؛ سدًّا للذريعة، ولما يترتب عليه من مفاسد، أهمها: إحساس المسلمين بالنقص والضعف، ثم الإعجاب بما عليه الكفار الذي يؤدي إلى محبتهم والثقة بهم، مع ما يلاحظ من التبعة والمسؤولية على من بادر من آحاد المسلمين، وكان سببًا في فتح الباب ونشر عادات الكفار بين المسلمين (٢). ويبدو أن الفقهاء المتقدمين لم يكثروا من تفصيلات الأحكام الفقهية في موضوع التشبّه بالكفار -مع كثرة النصوص في هذا الباب- ولعلّ السبب في ذلك -والله أعلم- أن التشبه لم يكن موجودًا في زمانهم بمثل ما هو عليه الآن من هذا التوسع والانتشار. ° الوجه السابع: موضوع التشبه قد عمت به البلوى في هذه الأزمنة، ولا سيما في زينة المرأة ولباسها، والتبست أحكامه على كثير من الناس، ومن

стр. 4654

أسباب انتشار ظاهرة التشبه الكيد للإسلام وأهله من قِبَلِ الكفار وأتباعهم من المنافقين الذين يعيشون بين المسلمين، وهم حريصون على تشبُّه المسلمين بالكفار واقتباس مناهجهم وأوضاعهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ثم هذا الانفتاح الباهر على العالم الخارجي واختلاط المسلمين بغيرهم في ديارهم، وما تقوم به وسائل الإعلام بجميع أنواعها بنقل كل ما عند الآخرين إلى ديار المسلمين، ثم ضعف المسلمين الذي أدى بهم إلى الشعور بالضعف والانهزامية والإعجاب بما عليه الآخرون، ومن ثم غلبة الكفار عليهم، وقد عقد العلامة ابن خلدون في "مقدمته" فصلًا خاصًّا ذكر فيه أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب، إضافة إلى سوء التربية وفساد التوجيه للأجيال القادمة. ولا ريب أن هذا التشبه له آثار وخيمة وعواقب سيئة على الأفراد والمجتمعات الإسلامية، ومنها: ١ - موالاة غير المسلمين، وذلك لأن المشابهة في الظاهر تورث مودة ومحبة وموالاة في الباطن، وهذا من أخطر آثار التشبه، وقد بيّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بيانًا شافيًا. ٢ - الشعور بالنقص والصغار المؤدي إلى الضعف والانهزامية، وكون المسلم تابعًا لا متبوعًا، وهذا يؤدي إلى الإعجاب بهم واستحسان مناهجهم وأوضاعهم. ٣ - البعد عن منهج الله تعالى وشرعه، ونسيان أخلاق الإسلام وآدابه؛ لأن الأخلاق والعادات الوافدة تزاحم الأخلاق الإسلامية وتحل محلها. ° الوجه الثامن: تجتاح العالم الإسلامي -اليوم- موجة من التبعية الجارفة والتقليد الأعمى في كل شيء، ومن ذلك فصل الدين عن السياسة، واستيراد المناهج والكتب والنظم التعليمية التي وضعت في بيئة غير مسلمة، ولا تمت إلى الإسلام بأي صلة، ومن ذلك التشبه بالكفار في الأزياء واللباس وحلق اللحى وإعفاء الشوارب، والاكتفاء بالسلام بالإشارة، ووصل الشعر، والعمل بالتقويم النصراني دون التقويم الهجري، ومشابهة اليهود والنصارى في

стр. 4655

جعل العطلة الأسبوعية يوم السبت ويوم الأحد؛ لأن عطلة اليهود يوم السبت، وعطلة النصارى يوم الأحد تعظيمًا لهما، وفرض اللغة الأجنبية في مراحل التعليم على جميع الطلبة مما يؤدي إلى الضعف في اللغة العربية، والتقليد في تسمية المواليد، والأعياد الوطنية التي صارت تزداد يومًا بعد يوم بين المسلمين، وتجد من يشجع عليها وينادي بها، ثم هذا الدخيل من اللغات الأجنبية في أسماء المحلات التجارية ومعارض الألبسة ولا سيما معارض ألبسة النساء. بل صار المسلمون يتشبهون بالكفار حتى فيما تراجعوا عنه وأثبتوا فشله، وتحدثوا عن خطره، وكأن المسلمين يبدأون من حيث انتهى القوم، ومن ذلك المناداة بالاختلاط في التعليم في الصفوف الأُول، ليكون سلمًا لما بعده، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه، والله تعالى أعلم.

стр. 4656

ما جاء في فضل حفظ أوامر الله ونواهيه ١٤٨١/ ٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا، فَقَال: "يَا غُلَامُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلتَ فَاسْألِ اللهَ، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب (صفة القيامة، والرقائق والروع) (٢٥١٦)، وأحمد (٤/ ٤٠٩) من طرق، عن الليث بن سعد، قال: حدثني قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك … " وذكر الحديث، وتمامه: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجَفَّتِ الصحف". هذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن صحيح). وفي سنده قيس بن الحجاج وهو الكلاعي السُّلَفي المصري، قال عنه أبو حاتم: (صالح)، وقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق)، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين، غير حنش الصنعاني فهو من رجال مسلم.

стр. 4657

ورواه الفريابي في "القدر" (١٥٦) وعنه الآجري في "الشريعة" ص (١٩٨) من طريق أبي عبد السلام الشامي، عن يزيد بن أبي حبيب، عن حنش به. وأبو عبد السلام الشامي لم أعرفه (١). وحديث الباب مروي عن ابن عباس ﵄ من عدة طرق، وفي ألفاظها اختلاف، قال ابن منده عن طريق حنش الصنعاني: (هذا إسناد مشهور، رواه ثقات، وقيس بن الحجاج مصري روى عنه جماعة، ولهذا الحديث طرق عن ابن عباس ﵄، وهذا أصحها) (٢). وقال ابن رجب: (أجود أسانيده من رواية حنش عن ابن عباس ﵄، وهو إسناد حسن لا بأس به) (٣). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا) أي: راكبًا معه بدليل رواية أحمد: (كنت رديف النبي ﷺ )، وقوله هنا: (خلف) يشعر بذلك. قوله: (يا غلام) بالضم؛ لأنه نكرة مقصودة، والغلام: يطلق على الولد الصغير من زمن الفطام إلى سبع سنين، كذا قال ابن سيده، ونقل الحافظ عن الزمخشري أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد ذلك غلام فهو مجاز (٤)، وإنما قال النبي ﷺ ذلك لابن عباس لأنه كان صغيرًا عمره نحو عشر سنين. قوله: (إني أعلمك كلمات) الغرض من هذه الجملة تهيئة ذهن ابن عباس ﵄ لما سيقال له؛ ليكون ذلك أوقع في نفسه، وجاء بها بصيغة القلة؛ ليؤذنه بأنها قليلة اللفظ، فيسهل حفظها، وهي وإن كانت ألفاظها قليلة، لكن معانيها كثيرة ومقاصدها غزيرة. قوله: (احفظ الله) أي: بحفظ حدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه، وذلك بملازمة تقواه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

стр. 4658

قوله: (يحفظك) هذا هو الجزاء، فمن حفظ حدود الله تعالى حفظه الله في دينه ودنياه، وحِفْظُهُ في دينه أن يحفظ عليه إيمانه من الشبهات المضلة والشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان، ويحفظ له دنياه بحفظه في بدنه وأهله وأولاده وذريته، وحفظه في ماله، فيوفقه لاكتسابه من حِلِّه وإنفاقه في مواضعه، ومن هذا حفظه في صحة بدنه وأعضائه وسلامة فكره وقوة عقله. قوله: (احفظ الله تجده تجاهك) بضم التاء وفتح الهاء، أصله: وُجاهك بضم الواو أو كسرها، ثم قلبت تاء، ومعناها: أمامك، كما جاء في رواية عند أحمد (١)، والمعنى: تجده يحوطك ويرعاك في أمور دينك ودنياك، يدلك على كل خير، ويذود عنك كل شر، وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها. قوله: (وإذا سألت فاسأل الله) هكذا في بعض نسخ "البلوغ"، ثبات الواو، وفي المخطوطة بحذفها، وهو الموافق لما في "جامع الترمذي"، والمعنى: إذا أردت أن تسأل شيئًا من أمور دينك أو دنياك فاسأل الله وحده دون غيره. قوله: (وإذا استعنت فاستعن بالله) أي: إذا طلبت الإعانة على أمر من أمور الدين أو الدنيا فاستعن بالله وحده؛ لأنه القادر على كل شيء، وغيره العاجز، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (الاستعانة: هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك) (٢). • الوجه الثالث: في الحديث درس تربوي وهو التواضع للصغار وتعليمهم ما ينفعهم، ونظير هذا ما تقدم في حديث عمر بن أبي سلمة ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "يا غلام سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك" (٣). وفي هذا دلالة بيّنة على أن النبي ﷺ لم يقصر عنايته بالتوجيه على

стр. 4659

البالغين، بل إن عنايته امتدت لتشمل الأطفال، فعلى الآباء والمربين العناية بالناشئة منذ نعومة أظفارهم؛ لينشأوا على صفاء العقيدة وعلى الأخلاق الكريمة والمُثُل العليا. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل ابن عباس ﵄ حيث رآه النبي ﷺ أهلًا لهذه الوصايا العظيمة مع صغر سنه. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن من حفظ حدود الله تعالى وراعى حقوقه حفظه الله في دينه ودنياه؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. أما من أضاع حدود الله تعالى وقصر في أوامر ونواهيه، فإنه لا يحصل له الحفظ من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، قال بعض السلف: (من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله غني عنه) (١). • الوجه السادس: في الحديث تحقيق التوحيد بالاستغناء بالله تعالى عن خلقه، وذلك بإفراد الله تعالى بالسؤال، وهذا يتضمن النهي عن سؤال غيره من الخلق، والله تعالى قد أمر بسؤاله، فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. وسؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلًا وشرعًا؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وهذا لا يصلح إلا لله تعالى وحده، وهذا غاية المحبة الصادقة، وهذه حقيقة العبادة؛ ولأن سؤال الله تعالى عبودية عظيمة؛ لأنها إظهار الافتقار إليه والاعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم؛ لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها فكيف يقدر على ذلك في حق غيره، وسؤاله إقامةً له مقام من يقدر وليس بقادر.

стр. 4660

• الوجه السابع: في الحديث تحقيق التوحيد بالاستغناء بالله تعالى عن خلقه، وذلك بإفراده بالاستعانة، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] فلا يستعان بغيره؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وَكَلَهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولًا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾) (١). ومن اضطر إلى الاستعانة بالمخلوق فعليه أن يجعل ذلك سببًا ووسيلة لا ركنًا يعتمد عليه (٢).
следующие страницы →