← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الوجه الثاني: ساق الحافظ حديث حذيفة وعلي ﵄؛ لأن فيهما تقييدين للحديث السابق. أما القيد الأول فقوله: (إذا لم نجد الماء)، وهذا القيد دل عليه كتاب الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وهذا بإجماع المسلمين، وكذا المرض. والقيد الثاني قوله: «وجعلت تربتها» و «جعل التراب لي طهوراً»، وهذا تقييد لقوله في حديث جابر المتقدم: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، فإن (أل) في الأرض لاستغراق أفراد الجنس - كما تقدم - فيشمل جميع أفراد الأرض، كالرمل والتراب والحجارة، وهنا قيَّده بالتراب، والتراب: ما كان له غبار. وهذا القيد يَستدل به من يقول: إنه لا بد في التيمم من التراب الذي له غبار يعلق باليد منه شيء، ويكون هذا مخصصاً للعموم السابق في حديث جابر ﵁؛ لأنه خَصّصَ الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه، ويكون الصعيد في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ المراد به: التراب، وقد ورد عن ابن عباس أنه قال: (أطيب الصعيد تراب الحرث) (١)، وهذا قول الإمام الشافعي وأحمد وأصحابهما (٢)، ودليلهم على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، و (من) تبعيضية، ولا يمكن أخذ البعض من الصعيد إلا إذا كان تراباً له غبار. والقول الثاني: أنه لا يشترط التراب، بل يجوز التيمم على كل ما تصاعد على وجه الأرض، من تراب أو رمل أو حجارة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي: وجهاً من الأرض طهوراً، قال الزجاج: (لا أعلم بين أهل اللغة اختلافاً في أن الصعيد وجه الأرض) (٣)،

стр. 492

واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني (١). وقالوا: إن (مِنْ) في الآية لا يتعين أن تكون تبعيضية، بل يجوز أن تكون بيانية أو ابتدائية، أي: إن المسح يكون من هذا الصعيد، أو إن ابتداء المسح منه، بمعنى: أن تصل أيديكم إليه ثم ترفعوها، والقرينة على ذلك عموم الحديث، فإنه نص صريح في أن من أدركته الصلاة في أيِّ أرض فهي له طهور. ثم إن آية النساء ليس فيها (من)، قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وآية النساء سبقت آية المائدة بسنوات. ولأن الرسول ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك وقطعوا تلك الرمال في طريقهم، لم يرد أنهم حملوا التراب معهم ولا أمرهم به، بل كانوا يتيممون بما تيسر لهم من الأرض. وأما القول بتخصيص الحديث فهو مردود لأمرين: الأول: أن التربة فرد من أفراد الأرض، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصاً له عند الجمهور، فإذا قلت: أكرم الطلبة وأكرم زيداً، لم يكن تخصيصاً لزيد بالإكرام؛ لأنه ذُكِرَ بحكم العام، لكن لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: لا تكرم محمداً، كان ذلك تخصيصاً؛ لأنك ذكرته بحكم غير حكم العام. الثاني: أن الاحتجاج بلفظ (التراب) من باب مفهوم اللقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند الجمهور من الأصوليين، والله أعلم (٢).

стр. 493

بيان كيفية التيمم وأنه لا فرق بين الحدث الأكبر والأصغر ١٢٩/ ٤ - وعَنْ عَمّارِ بْنِ يَاسرٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النّبيُّ ﷺ في حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرّغْتُ في الصّعِيدِ كَمَا تَمَرّغُ الدّابّةُ، ثمّ أَتَيْتُ النّبيَّ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إنّما كان يكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هكَذَا»، ثمّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثمّ مَسَحَ الشِّمالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتّفقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَضَرَبَ بِكَفّيْهِ الأرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثمّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفّيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عمار بن ياسر بن عامر العنسي، أبو اليقظان، مولى بني مخزوم، أسلم قديماً هو وأبوه وأمه، وعذبهم المشركون، وكان النبي ﷺ يمر بهم وهم يعذبون في مكة فيقول: «صبراً يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» (١)، وقد شهد مع النبي ﷺ الغزوات كلها، وعن علي ﵁ قال: جاء عمار يستأذن على النبي ﷺ فقال: «ائذنوا له، مرحباً بالطيِّب المطيَّب» (٢)، وقد تواترت

стр. 494

الأحاديث عن النبي ﷺ أن عماراً تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنه قتل مع علي ﵁ في صِفِّين، سنة سبع وثلاثين (١) ﵁. الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «التيمم» باب «التيمم ضربة» (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨) من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال: كنت جالساً مع عبد الله - أي: ابن مسعود - وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهراً، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا بَرَدَ عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد، فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار: بعثني رسول الله ﷺ … الحديث، واللفظ لمسلم. وأما رواية البخاري فقد أخرجها في: باب «المتيمم هل ينفخ فيهما؟» من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصلّ، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «كان يكفيك هكذا» فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، هذا لفظ البخاري، وفي مسلم نحوه، ولفظه: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك .. ». الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (بعثني في حاجة) أي: أرسلني في غرض، وكان مع إحدى السرايا.

стр. 495

قوله: (فتمرغت في الصعيد) أي: تقلبت على الأرض كما تتقلب الدابة، ليشمل التراب جميع جسده، قياساً منه للتيمم من الجنابة على الغسل منها، والصعيد: وجه الأرض أو التراب، على الخلاف المتقدم. قوله: (يكفيك) أي: يغنيك عن التمرغ في الصعيد أو عن الاغتسال بالماء. قوله: (أن تقول بيديك) أي: تفعل بكفيك، فأطلق القول وأراد به الفعل. قوله: (هكذا) ها: للتنبيه، والكاف للتشبيه؛ أي: مثل ما أقول بيدي. قوله: (وظاهرَ كفيه) بنصب (ظاهر) معطوفاً على مفعول (مسح) والتقدير: ومسح ظاهر كفيه، أي: مسح ظاهر كل منهما براحة اليد الأخرى، كما ورد مفسراً عند أبي داود. قوله: (ووجهه) بالنصب أي: ومسح وجهه. الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز التيمم من الجنابة إذا لم يجد الماء، وأن التيمم ليس خاصاً بالحدث الأصغر، بل يكون مع الحدث الأكبر، وقد دل على ذلك القرآن - أيضاً - في قوله تعالى بعد طهارة الماء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، فذكر الله تعالى سببين لطهارة التيمم، أحدهما: الحدث الأصغر ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، والثاني: الحدث الأكبر ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهو الجماع، كما تقدم في باب «الغسل». الوجه الخامس: أن كيفية التيمم من الجنابة مثل كيفية التيمم عن الحدث الأصغر، فيضرب الأرض بكفيه ضربة واحدة، ويمسح يده اليسرى على باطن كفه اليمنى؛ وظاهر كفيه ووجهه، وعند أبي داود: (ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه)، ولفظ الإسماعيلي: (إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك وبشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك)، وهي

стр. 496

أوضح في المراد (١). وفي الرواية الأولى المتفق عليها تقديم مسح اليدين على مسح الوجه، وفي الثانية عند البخاري: تقديم مسح الوجه على الكفين، وهي الموافقة للقرآن في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، فقدم في الحديث مسح الوجه على مسح اليدين؛ لأنه ظاهر القرآن، والموافق للترتيب في الوضوء، حيث يقدم غسل الوجه على غسل اليدين، ولأن أكثر الروايات في حديث عمار بتقديم الوجه. أما رواية تقديم اليدين فلأن الواو لا يلزم أن تكون للترتيب في كل المواضع؛ لأنها لمطلق الجمع. الوجه السادس: الحديث دليل على جواز تخفيف الغبار الكثير العالق باليدين من ضرب الأرض بالنفخ، ثم مسح الوجه والكفين بهما. وقد بوب البخاري - كما تقدم - على حديث عبد الرحمن بن أبزى، وفيه الرواية المذكورة بقوله: (باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟). قال الحافظ: (وإنما ترجم بلفظ الاستفهام لينبه على أن فيه احتمالاً كعادته؛ لأن النفخ يحتمل أن يكون لشيء عَلِقَ بيده خشي أن يصيب وجهه الكريم، أو عَلِقَ بيده من التراب شيء له كثرة فأراد تخفيفه، لئلا يبقى له أثر في وجهه، ويحتمل أن يكون لبيان التشريع .. ) (٢)، والله أعلم.

стр. 497

بيان صفة أخرى للتيمم ١٣٠/ ٥ - وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «التّيَمّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ». رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيُ، وَصَحّحَ الأئِمّةُ وَقْفَهُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٠)، والحاكم (١/ ٢٨٧)، وابن عدي (٥/ ١٨٨) من طريق علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه علي بن ظبيان بن هلال العبسي، وهو ضعيف جداً، اتهمه ابن معين، وقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال في موضع آخر: (ليس بثقة، ولا يكتب حديثه)، وقال أبو زرعة: (واهي الحديث جداً)، وقال أبو حاتم: (متروك)، وقال ابن عدي: (الضعف على حديثه بيّن) (١). وقد تابعه على رفعه سليمان بن أرقم، وسليمان بن أبي داود، وكلاهما ضعيف، لا يحتج بروايته، كما قال البيهقي وغيره. والصحيح أنه موقوف على ابن عمر ﵄، قال الدارقطني: (ووقفه يحيى بن القطان وهُشيم وغيرهما، وهو الصواب)، ثم ساقه بسنده من طريق هشيم ويحيى موقوفاً، وساقه البيهقي (١/ ٢٠٦) من طريق يحيى بن سعيد موقوفاً.

стр. 498

وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن حديث رواه محمد بن ثابت عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في التيمم ضربتين، قال: (هذا خطأ إنما هو موقوف) (١). ولا حجة في هذا الموقوف؛ لأن الحجة فيما روى الصحابي، لا فيما رأى إذا خالف النص، وقد تقدم في حديث عمار أن التيمم ضربة واحدة. قال الحافظ: (إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه .. ) (٢). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن التيمم يكون بضربتين: ضربة لمسح الوجه، وضربة لمسح الكفين، وبهذا أخذ من قال: إن التيمم ضربتان، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي (٣)، قال ابن قدامة: (المسنون عند أحمد التيمم بضربة واحدة، فإن تيمم بضربتين جاز، وقال القاضي: الإجزاء يحصل بضربة؛ والكمال ضربتان) (٤)، والراجح الاقتصار على ضربة واحدة، لما تقدم. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن التيمم في اليدين يمتد إلى المرفقين، وقد ورد في حديث عمار في الصحيحين بذكر الكفين، وورد عند أبي داود من حديث سلمة بن كهيل: (الكفين والوجه والذراعين)، وورد عنده - أيضاً - من طريق سلمة: (إلى نصف الساعدين) (٥)، وورد عنده وعند النسائي في حديث عمار أن الصحابة ﵃ تيمَّموا وهم مع النبي ﷺ فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط (٦). والصواب أن التيمم يكون في الكفين فقط، تيسيراً من الله تعالى، وأما

стр. 499

حديث الباب فتقدم أنه موقوف ولا حجة فيه، وأما حديث عمار فالمعوَّل على رواية الصحيحين، وأما غيرها فلا يعول عليه؛ لأن سلمة شك فيه، فقال له منصور بن المعتمر ذات يوم: (انظر ما تقول، فإنه لا يذكر الذراعين غيرُك)، ذكره أبو داود، وذكر النسائي: أن سلمة شك لا يدري فيه إلى المرفقين أو إلى الكفين (١). وأما المسح إلى الآباط: فإما أن يكون مشروعاً كذلك، ثم نسخ تخفيفاً على هذه الأمة ورحمة بها، أو أنهم فعلوه باجتهادهم وعدم سؤالهم فوقعوا فيه خطأً، وهذا هو الأقرب، لقوله: (تيممنا .. ) فهو حكاية لفعلهم، والله أعلم. وقد جاء ذكر اليد مطلقة في آية التيمم في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، واليد عند الإطلاق هي الكف فقط، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ويد السارق تقطع من الكف إجماعاً (٢). أما في الوضوء فقد جاء تقييدها في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ولا يجوز حمل المطلق على المقيد هنا؛ لأن من شرط ذلك أن يتفقا في الحكم، وهنا لم يتفقا؛ لأن الحكم في آية الوضوء غسل، وفي آية التيمم مسح، والله أعلم.

стр. 500

التيمم رافع للحدث بمنزلة الوضوء ١٣١/ ٦ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الصّعِيدُ وَضُوءُ المُسْلمِ، وإنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيَتّقِ الله، ولْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ». رَوَاه الْبَزّارُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْقَطّانِ، ولكِنْ صَوّبَ الدّارقُطْنِي إرْسَالَهُ. ١٣٢/ ٧ - وللتّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرّ نَحْوُهُ، وَصَحّحَهُ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو ذر جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ - على المشهور - أسلم قديماً، وكان من كبار الصحابة ﵃، وقصة إسلامه في الصحيحين من رواية ابن عباس ﵄ عند البخاري، ومن رواية عبد الله بن الصامت عند مسلم (١)، وبينهما اختلاف ظاهر، وقد عذّب في سبيل إسلامه وأوذي كثيراً، وكان زاهداً صادقاً عالماً عاملاً شجاعاً يصيب في الرمي، قال فيه النبي ﷺ : «ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر» (٢)، مات ﵁ في الرّبذة سنة اثنتين وثلاثين (٣).

стр. 501

الوجه الثاني: في تخريجهما: أما الأول: فقد أخرجه البزار (١/ ١٧٥) «مختصر زوائده» قال: حدثنا مقدم بن محمد بن علي بن مقدم المقدمي، حدثني عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم، ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .. فذكره، وفي آخره: «فإن ذلك خير». قال البزار: (لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ومقدم ثقة معروف النسب)، وقال الهيثمي: (رجاله رجال الصحيح) (١)، وصححه ابن القطان (٢)، وقال الدارقطني: (الصواب عن ابن سيرين مرسلاً) (٣). أما الثاني وهو حديث أبي ذر: فقد أخرجه أبو داود، في «الطهارة» باب «الجنب يتيمم» (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (١/ ١٧١)، وأحمد (٣٥/ ٤٤٨) من طريق أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر ﵁ قال: اجتمعت غُنيمة (٤) عند رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا ذر ابْدُ فيها» (٥)، فبدوت إلى الرّبذة، فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست، فأتيت رسول الله ﷺ فقال: «أبو ذر»، فسكتُّ، فقال: «ثكلتك أمك أبا ذر، لأمك الويل»، فدعا لي بجارية سوداء فجاءت بُعسّ (٦) فيه ماء، فسترتني بثوب واستترت بالراحلة واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلاً، فقال: «الصعيد وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك، فإن ذلك خير»، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي مختصر، وهو آخر الحديث، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). وعمرو بن بُجْدان: وثقه ابن حبان (٧)، والعجلي (٨)، وترجمه البخاري (٩)، وابن أبي حاتم (١٠)، فلم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، والأكثرون

стр. 502

على أنه مجهول الحال، قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: عمرو بن بجدان معروف؟ قال: (لا)، وقال ابن القطان: (لا يعرف) (١)، وقال الذهبي: (مجهول الحال) (٢)، وقال الحافظ في «التقريب»: (لا يعرف حاله). ولعل تصحيح الترمذي لهذا الحديث باعتبار شواهده، ومنها: حديث أبي هريرة المتقدم؛ لأن الأكثرين قد جزموا بجهالة عمرو بن بجدان. وقد صححه - أيضاً - ابن حبان (٤/ ١٣٥)، والحاكم (١/ ١٧٠)، وظاهر صنيع الحافظ تصحيحه، فإنه نقل - هنا - تصحيح الترمذي وأقره؛ وكذا فعل في «فتح الباري»، وزاد ابن حبان، والدارقطني (٣)، والحديث أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٦) وسكت عنه، والذي يظهر - والله أعلم - أن الحديث بالاعتبارات المذكورة لا ينزل عن درجة الحسن. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (الصعيد وضوء المسلم) مبتدأ وخبر، ولفظ أبي داود من حديث أبي ذر: (الصعيد الطيب .. ) أي: الطاهر المطهر، والصعيد: تقدم معناه. ووضوء: بفتح الواو؛ لأن التراب بمنزلة الماء في صحة التطهر به، وقيل: بضم الواو؛ أي: استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوضوء المسلم من باب التشبيه البليغ، وعلى كل منهما فهو يفيد أن التيمم رافع للحدث، كما سيأتي - إن شاء الله ـ. قوله: (ولو إلى عشر سنين) المراد منه الكثرة لا التحديد، والمعنى: أن له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن بلغت مدة عدم الماء عشر سنين. قوله: (فليتق الله) مناسبتها لبيان عظم شأن الطهارة وأن أمرها عظيم. قوله: (وليمسه بشرته) بضم الياء من المضارع، وماضيه أمسّ، تقول: مسست الجسد بماء، وأمسست الجسد ماء، والمعنى: إذا وجدت الماء

стр. 503

الكافي لطهارتك فاضلاً عن حاجتك الضرورية وكنت قادراً على استعماله فعليك أن تتطهر به. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن التيمم مطهر ورافع للحدث وليس مبيحاً لما تجب له الطهارة فقط؛ لأن الرسول ﷺ سماه وضوءاً فقال: (التيمم وضوء المسلم). وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، وجماعة (١). والقول الثاني: أن التيمم مبيح للصلاة ونحوها، لا رافع للحدث، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، والمشهور من مذهب الإمام أحمد (٢). واستدلوا بقوله: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته)، ووجه الدلالة: أنه أمره إذا وجد الماء أن يمسه بشرته، وهذا يدل على أن التيمم لم يرفع حدثه، وإنما أباح له فعل ما شُرعت الطهارة له، ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده. والقول الأول أظهر، وهو أن التيمم يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى أن يجد الماء أو يستطيع استعماله، ويؤيد ذلك ما يلي: ١ - قوله تعالى بعد ذكر التيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فأخبر الله تعالى أنه يريد أن يطهرنا بالتراب كما يطهرنا بالماء، وَوَصَفَ النبي ﷺ التيمُّمَ بأنه طهور. ٢ - أن التيمم بدل عن طهارة الماء، والقاعدة الشرعية أن البدل له حكم المبدل، فإذا كانت طهارة الماء ترفع الحدث، فكذلك التيمم يرفع الحدث.

стр. 504

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقيل: بل التيمم يقوم مقام الماء مطلقاً ويستبيح به كما يستباح بالماء، ويتيمم قبل الوقت، كما يتوضأ قبل الوقت، ويبقى بعد الوقت، كما تبقى طهارة الماء بعده، وإذا تيمم لنافلة صلّى به الفريضة، كما أنه إذا توضأ لنافلة صلّى به الفريضة، وهذا قول كثير من أهل العلم، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثانية، وقال أحمد: هذا هو القياس ..... وهذا القول هو الصحيح، وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار … ). ثم قال: (فالتيمم رافع للحدث، مطهر لصاحبه، لكن رفعه مؤقت إلى أن يقدر على استعمال الماء، فإنه بدل عن الماء، فهو مطهر ما دام الماء متعذراً .. )، وقال: (والله قد جعله طهوراً للمسلمين عند عدم الماء، فلا يجوز لأحد أن يضيق على المسلمين ما وسع الله عليهم، وقد أراد رفع الحرج عن الأمة فليس لأحد أن يجعل فيه حرجاً .. ) (١). الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من تيمم للجنابة ثم قدر على استعمال الماء أنه يلزمه الغسل، وهو قول كافة العلماء، والله تعالى أعلم.

стр. 505

حكم من تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت ١٣٣/ ٨ - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَجُلانِ في سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصلاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمّما صَعيداً طَيِّباً، فَصَلّيَا، ثُمّ وَجَدَا المَاءَ في الوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصلاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمّ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلاتُكَ»، وَقَالَ للآخَرِ: «لَكَ الأجْرُ مَرّتَيْنِ». رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، وَالنّسائيُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٣٣٨) في «الطهارة»، باب في «المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت»، والنسائي (١/ ٢١٣) من طريق عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁. وعبد الله بن نافع هو ابن أبي نافع الصائغ المخزومي مولاهم، متكلم فيه، قال أبو زرعة: (لا بأس به)، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: (ليس بالحافظ، هو لين في حفظه، وكتابه أصح) (١) وقال عنه الحافظ في التقريب: (ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين). والحديث فيه مقال من حيث الإرسال والوصل، كما أُعل بالانقطاع بين

стр. 506

الليث وبكر، كما سيأتي، فقد قال أبو داود: (وغير ابن نافع يرويه عن الليث، عن عَميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ ، وقال: (وذِكْرُ أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ، وهو مرسل) أي: من مراسيل عطاء. وغرض أبي داود بذلك بيان أن غير ابن نافع وهو عبد الله بن المبارك ويحيى بن بكير قد رويا هذا الحديث عن الليث بن سعد بسنده إلى عطاء بن يسار مرسلاً، ولم يذكرا أبا سعيد، وبذلك يتضح أن أصحاب الليث اختلفوا عليه في هذا الحديث، فعبد الله بن نافع روى الحديث عنه عن بكر بن سوادة متصلاً، لكن فيه انقطاع بإسقاط الواسطة بين الليث وبين بكر بن سوادة، وهو عَمِيرة بن أبي ناجية، وعبد الله بن المبارك رواه عن الليث مرسلاً بإسقاط أبي سعيد، غير منقطع، وروايته أخرجها النسائي (١/ ٢١٣)، وأخرجها الدارقطني (١/ ١٨٩)، إلا أنه لم يذكر الواسطة، فظاهره الانقطاع. ويحيى بن بكير روى الحديث عن الليث بسنده مرسلاً غير منقطع، وهو من أثبت الناس في حديث الليث، وروايته أخرجها البيهقي (١/ ٢٣١)، والحاكم (١/ ١٧٨). وعلى هذا فعبد الله بن نافع تفرد بوصله، وقد خالفه ابن المبارك ويحيى بن بكير فروياه مرسلاً من مراسيل عطاء، وتابعهما وكيع عند ابن أبي شيبة (١)، فلم يذكروا أبا سعيد ﵁، وابن المبارك رواه موصولاً بذكر عميرة، ومنقطعاً كرواية ابن نافع بإسقاطه، لكنه خالفه فأرسله، ويحيى لم يروه إلا موصولاً بذكر عميرة. لكن قد يرد على قول أبي داود: إن ذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ، أن ابن السكن روى الحديث في صحيحه - كما قال ابن القطان - من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن الليث، عن عمرو بن الحارث وعَمِيرة بن أبي ناجية جميعاً، عن بكر بن سوادة، عن عطاء، عن أبي سعيد أن رجلين

стр. 507

خرجا في سفر .. الحديث (١). فوصله ما بين الليث وبكر؛ بعمرو بن الحارث الثقة، وقرنه بعميرة، وأسنده بذكر أبي سعيد، وعلى هذا فهو متصل لا مرسل، وقال الألباني عن هذا الموصول: (إسناده صحيح) (٢). لكن يلاحظ أن الأئمة - كأبي داود - لم يذكروا هذه المتابعة، ولذا قال الدارقطني: (تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلاً؛ خالفه ابن المبارك وغيره) (٣)، وكذا قال الطبراني (٤)، وعلى هذا فرواية ابن السكن شاذة، لأنها مخالفة رواية الثقات عن الليث - كما تقدم - والوهم فيها قد يكون من أبي الوليد أو ممن هو دونه، والله أعلم. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (فتيمما صعيداً طيباً) أي: قصدا الصعيد الطاهر على الوجه المخصوص، فالمراد بالتيمم هنا: المعنى الشرعي. قوله: (فأعاد أحدهما .. ) إما ظناً منه أن الأولى بطلت بوجود الماء في الوقت، وإما احتياطاً، ولم يعد الآخر لاعتقاده أن تلك الصلاة صحيحة؛ لأنه تيمم وصلّى حال فقد الماء. قوله: (أصبت السنة) أي: وافقت الحكم المشروع بالكتاب والسنة، وفيه تصويب لاجتهاده وتخطئة لاجتهاد الآخر. قوله: (وأجزأتك صلاتك) أي: كفتك عن القضاء، وهذا من عطف اللازم على الملزوم؛ لأنه يلزم من الإصابة الإجزاء. قوله: (لك الأجر مرتين) مرة لصلاته الأولى بالتيمم، ومرة لصلاته الثانية بالوضوء، فإن كلاًّ منهما صحيحة. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من تيمم وصلّى ثم وجد الماء

стр. 508

في أثناء الوقت فإنه لا إعادة عليه، بل لا ينبغي له أن يعيد؛ لأن السنة عدم الإعادة، لقوله لمن اكتفى بصلاته الأولى: (أصبت السنة)، وهذا الحديث وإن أُعِلَّ بالإرسال لكن يؤيده ما روى نافع أن ابن عمر ﵄ تيمم وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلين ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة ولم يُعد (١). الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من تيمم وصلّى ثم وجد الماء فأعاد الصلاة، فإنه يؤجر على ذلك، بشرط أن يكون معتقداً أن هذا هو الواجب عليه، لكونه لم يعلم بالسنة فاجتهد في ذلك، وهو قد أخطأ السنة لأن السنة عدم الإعادة. أما إن فعل ذلك عالماً بالحكم الشرعي وأن السنة عدم الإعادة، لكنه أعاد طلباً للأجر مرتين فهو مسيء؛ لأنه مخالف للسنة عمداً. الوجه الخامس: اعلم أن من تيمم لفقد الماء ثم وجده فلا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يجده بعد الصلاة وبعد خروج الوقت، فهذا لا إعادة عليه إجماعاً، حكاه ابن المنذر (٢)، ونقله عنه الموفق ابن قدامة (٣). الثانية: أن يجد الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت، فهذا لا إعادة عليه، بل ولا تشرع له الإعادة، على الراجح من أقوال أهل العلم، وهو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، ورجحه ابن المنذر (٤)، ويؤيد ذلك أن هذا قد أدى فرضه كما أُمِرَ، فمن ادعى نقض ذلك وإيجاب الإعادة عليه فعليه الدليل. الثالثة: أن يجد الماء وهو يصلي، كأن يبعث أحداً في طلب الماء فيأتي وهو في الصلاة، فهذه الحالة فيها قولان:

стр. 509

الأول: أنه يبطل التيمم وتبطل الصلاة، وعليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن حزم، وحكاه ابن المنذر عن الثوري (١)، وهو قول الشيخ عبد العزيز بن باز، ودليل ذلك ما يلي: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وهذا قد وجد الماء في أثناء الصلاة فبطل حكم التيمم، وإذا بطل حكم التيمم بطلت الصلاة؛ لأنه يعود إليه حدثه. ٢ - عموم حديث أبي هريرة المتقدم: «فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته»، وهذا قد وجد الماء قبل نهاية الصلاة فعليه أن يمسه بشرته، وهذا يقتضي بطلان التيمم. والقول الثاني: أنه لا يبطل تيممه، ولا يلزمه إعادة الصلاة، وهو قول الجمهور، ومنهم المالكية، والشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، لكن قيل: إنه رجع عنها (٢)، وحكاه ابن المنذر (٣) عن أبي ثور واختاره. واستدلوا بأن هذا المتيمم قد دخل في الصلاة على وجه مأذون فيه شرعاً، وهو قد تطهر وفرغ من طهارته ثم شرع في صلاته، وهو في صلاته غير مخاطب بالطهارة، فلا يجوز نقض طهارةٍ قد مضى وقتها، وإبطالُ ما أدى من الصلاة كما فرضت عليه وأُمر به، إلاّ بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولم يوجد شيء من ذلك. والقول الأول أرجح، وأحوط، وهو أنه لا يمضي بل يقطع الصلاة ويتوضأ لقوة الأدلة، فإن هذا واجدٌ الماء، وأيده ابن القيم بناء على قاعدة

стр. 510

ذكرها وهي: (أن ما بطل حكمه من الأبدال بحصول مُبْدَلِهِ لم يبق متعبداً به بحال، فإن وجود المبدل بعد الشروع فيه كوجوده قبل الشروع فيه، وما لم يبطل حكمه رأساً بل بقي معتبراً في الجملة لم يبطله وجود المبدل بعد الشروع فيه .. ) (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 511

حكم المريض إذا كان يضره الماء ١٣٤/ ٩ - وعَنْ ابنِ عَبّاسٍ ﵄ في قولِهِ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]، قَالَ: (إذَا كانَتْ بالرّجُل الْجِراحَةُ في سَبِيلِ اللهِ وَالقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إنْ اغْتَسَل: تَيَمّمَ). رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفاً، وَرَفَعَهُ الْبَزّارُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٧٧) موقوفاً من طريق جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] قال: (إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل تيمم) هذا لفظ الدارقطني. وقد تابع عطاء بن السائب على وقفه عزرة بن عبد الرحمن بن زرارة، كما عند البيهقي (١/ ٢٢٤) من طريق شعبة، أخبرني عاصم بن الأحول، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: في المجدور وأشباهه إذا أجنب قال: «يتيمم بالصعيد». وعزرة ثقة، كما في «التقريب». وأخرجه مرفوعاً ابن خزيمة (١/ ١٣٨)، والحاكم (١/ ٢٧٠)، والبيهقي (١/ ٢٢٤) من طريق جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ يرفعه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] قال: «إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري، فيجنب، فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم».

стр. 512

قال ابن خزيمة: (هذا خبر لم يرفعه غير عطاء بن السائب)، والراوي عن عطاء بن السائب هو جرير بن عبد الحميد، وقد ذكر ابن عدي وابن معين أنه سمع من عطاء بعد الاختلاط (١)، فيظهر أنه وهم في رفعه وأن الصواب وقفه، وقد رجح أبو حاتم وأبو زرعة وقفه (٢). الوجه الثاني: أن تفسير ابن عباس ﵄ للمرض بما ذكر في الحديث من الجراحة في سبيل الله والقروح ليس على سبيل الحصر وإنما على سبيل التمثيل، وإلا فكل مريض يضره استعمال الماء فله أن يتيمم ولو لم يصل الاستعمال إلى الموت، بل لو خاف أن يتعفن الجرح أو يزيد أو يتأخر الشفاء أو تطول عليه مدة المرض ونحو ذلك فإنه يتيمم، لعموم قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ … ﴾ [المائدة: ٦]. الوجه الثالث: حصول الجنابة لصاحب الجرح كما هو ظاهر الحديث ليس بشرط في التيمم، بل لو أحدث حدثاً أصغر فالحكم واحد، وذِكْرُ الجنابة في الحديث على سبيل المثال. الوجه الرابع: ذكر السفر في الآية الكريمة مبني على الغالب؛ أن السفر مظنة فقد الماء، فإذا فقده المسافر أو وجد ما يتعلق بحاجته من شرب أو طبخ ونحوهما جاز له التيمم، أما السفر نفسه فليس عذراً يبيح التيمم، فإذا وجد المسافر الماء ولا ضرر عليه في استعماله لم يجز له أن يتيمم، والله تعالى أعلم.

стр. 513

حكم المسح على الجبيرة ١٣٥/ ١٠ - وعَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ فَسَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَندٍ وَاهٍ جِدّاً. ١٣٦/ ١١ - وعَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ في الرّجُلِ الّذِي شُجَّ، فَاغْتَسَل فَمَاتَ ـ: (إنّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ اخْتِلافٌ عَلَى رُواتِهِ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث علي ﵁: فقد أخرجه ابن ماجه (٦٥٧) من طريق إسرائيل بن يونس، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب ﵁. وهذا إسناد واه جداً، كما قال الحافظ؛ لأن فيه عمرو بن خالد القرشي الواسطي، قال عنه البيهقي بعد سياقه الحديث: (عمرو بن خالد الواسطي معروف بوضع الحديث، كذّبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من أئمة الحديث، ونسبه وكيع بن الجراح إلى وضع الحديث، قال: وكان بجوارنا، فلما فُطن له تحول إلى واسط، وتابعه على ذلك عمر بن موسى بن وجيه، فرواه عن زيد بن علي مثله، وعمر بن موسى متروك منسوب إلى الوضع، نعوذ بالله من الخذلان) (١).

стр. 514

وقال البخاري عنه: (منكر الحديث). وقال الحاكم: (يروي عن زيد بن علي الموضوعات)، وقال أبو حاتم: (هذا الحديث باطل لا أصل له، وعمرو بن خالد متروك الحديث) (١)، وقال ابن حزم: (هذا خبر لا تحل روايته إلا على بيان سقوطه … ) (٢). وأما حديث جابر ﵁: فقد أخرجه أبو داود (٣٣٦) في «الطهارة» بابٌ في «المجروح يتيمم» فقال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، ثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجَّه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخبر بذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ (٣) السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر» أو «يعصب» شك موسى «على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده». وقد اختصره الحافظ وساق القدر المقصود، وظاهر سياقه أنه موقوف على جابر ﵁، مع أنه مرفوع، كما في هذا السياق، ولعل المصنف لم يذكر أنه مرفوع من أجل الاختصار. وهذا الحديث رواته ثقات، إلا الزبير بن خريق فهو لين الحديث، وقد تفرد به، قال أبو بكر بن أبي داود: (لم يروه عن عطاء، عن جابر غير الزبير بن خريق، وليس بالقوي) (٤). وقد اختلف في إسناده، فقد رواه الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، أخرجه أبو داود (٢٣٧) فجعله من مسند ابن عباس، وأخرجه - أيضاً - ابن ماجه (٥٧٢)، وأحمد (٥/ ١٧٣)، وابن خزيمة (١/ ١٣٨)

стр. 515

وغيرهم، ولفظه: (أن رجلاً أجنب في شتاء، فسأل، فأُمر بالغسل فاغتسل فمات، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «ما لهم قتلوه قتلهم الله - ثلاثاً ـ، قد جعل الله الصعيد - أو التيمم - طهوراً»؛ شك ابن عباس، ثم أثبته بعد). ورواية الأوزاعي أرجح من رواية الزبير لأمرين: الأول: أن الأوزاعي أوثق من الزبير بدرجات. الثاني: أن الزبير زاد في الحديث (المسح على الجبيرة) وتفرد بها؛ فهي زيادة ضعيفة منكرة - كما قال الألباني ـ (١) وأصل الحديث محفوظ بتعدد طرقه وشواهده، لكن بدون هذه الزيادة، كما تقدم في سياقه عن ابن عباس. لكن اختلف فيه على الأوزاعي، فبعضهم رواه عنه عن عطاء، كما في هذا السياق، وبعضهم رواه عنه قال: بلغني عن عطاء (٢). قال الدارقطني: (وأرسل الأوزاعي آخره، عن عطاء، عن النبي ﷺ ، وهو الصواب). وقد ورد هكذا عند ابن ماجه (٥٧٢)، والحاكم (١/ ١٧٨)، والدارقطني (١/ ١٩٠)، لكن ظاهره الانقطاع، كما قال البوصيري؛ فإن الأوزاعي صرح بعدم سماعه من عطاء، وبين ذلك ابن أبي العشرين، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة فقالا: (رواه ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس .. ) (٣). على أن ابن ماجه قد رواه من طريق ابن أبي العشرين، فلم يذكر إسماعيل وهو ابن مسلم المكي، فإن صح ذكره؛ فالإسناد ضعيف؛ لأن إسماعيل هذا قال عنه ابن معين: (ليس بشيء)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وابن أبي العشرين هو عبد الحميد بن حبيب الدمشقي؛ صدوق ربما أخطأ، قال أبو حاتم: (كاتب ديوان، ولم يكن صاحب حديث) (٤)، ثم

стр. 516

إنه قد خالف من هو أوثق منه، كما صرح به ابن عبد البر (١). قال صاحب «المنهل العذب المورود»: (يحتمل أن الأوزاعي روى الحديث عن عطاء بواسطة وبغير واسطة) (٢). وقد رواه الحاكم في «المستدرك» (١/ ١٧٨) وعنه البيهقي في «الخلافيات» (٢/ ٤٩٣) من طريق بشر بن بكر: حدثني الأوزاعي، حدثني عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس … وهذا سند صحيح إن كان بشر قد حفظه، لكن قال الحاكم عقبه: (وقد رواه الهِقْل بن زياد - وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي - ولم يذكر سماع الأوزاعي من عطاء). والحاكم يشير بذلك إلى أن بشراً قد خالف غيره؛ فهو معلول، فقد قال سلمة بن قاسم عن بشر هذا: (يروي عن الأوزاعي أشياء تفرد بها)، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (ثقة يُغْرِبُ). وعليه فهذا الإسناد ليس بصحيح؛ لأنه خالفه من هو أكثر منه عدداً وأحسن حالاً. والخلاصة: أن حديث الباب حديث ضعيف، لا تقوم به حجة، قال البيهقي: (لا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأصح ما فيه حديث عطاء بن أبي رباح، الذي تقدم، وليس بالقوي، وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم، مع ما روِّينا عن ابن عمر في المسح على العصابة، والله أعلم) (٣)، وأثر ابن عمر سيأتي ذكره - إن شاء الله - في الكلام على الأحكام. الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (إحدى زندي) بفتح الزاي المعجمة وسكون النون ثم دال مفتوحة، وآخره ياء مشددة تثنية زَنْد، وهو ما انحسر عنه اللحم من الذراع. وقال الجوهري: (الزند مَوْصِلُ طرف الذراع في الكف، وهما زندان: الكوع،

стр. 517

والكرسوع) (١)، فالكوع: طرف الزّنْد الذي يلي الإبهام، والكرسوع: طرف الزند الذي يلي الخنصر، وهو الناتئ عند الرسغ. قوله: (الجبائر) جمع جبيرة وهي ما يجبر به العظم المكسور من أعواد تشد عليه أو خرقة تلف عليه، ويدخل في ذلك الوسائل الطبية كالجبس على الكسور واللزقات على أجزاء من البدن أو على الجروح ونحو ذلك. قوله: (بسند واهٍ جداً) بكسر الجيم منصوب على المصدرية بفعل محذوف أي: أجد جداً، ومعناه: بالغ الغاية في الضعف. والواهي: هو الذي لا يصلح لا في الشواهد ولا في المتابعات. قوله: (الذي شج) بضم الشين المعجمة مبني للمجهول، يقال: شجه شجاً من باب (قتل) على القياس، وفي لغة من باب (ضرب): إذا شق جلده، والشجة: الجراحة، وإنما تسمى بذلك إذا كانت في الوجه أو الرأس، والجمع شجاج، وشجات على لفظ المفرد. الوجه الثالث: هذان الحديثان - حديث علي وجابر ﵄ في موضوع المسح على الجبيرة، وفيهما ما تقدم من الضعف الشديد، وليس في المسح على الجبيرة دليل سالم من المعارضة، ولهذا اختلف أهل العلم في هذه المسألة: فمنهم من قال: إن حديث جابر ﵁ بطريقيه مع حديث عليٍّ ﵁ على ما فيهما من الضعف يتعاضدان على شرعية المسح على الجبائر، وهذا القول ذكره الصنعاني (٢) والشوكاني (٣) والشيخ عبد العزيز بن باز، مع ما يؤيدهما مما سيأتي. ومن أهل العلم من قال: إنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، لضعفها الشديد وهؤلاء فريقان:

стр. 518

الأول: قال: يسقط تطهير محل الجبيرة؛ لأنه عاجز عنه، فلا مسح ولا تيمم، وهذا قول ابن حزم الظاهري، وذَكَرَ عن الشعبي ما يوافق قوله، ومثله عن داود وأصحابه، فقد قال: (برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١)، فسقط بالقرآن والسنة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعاً، والشرع لا يلزم إلا بقرآن أو سنة، ولم يأت قرآن ولا سنة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله، فسقط القول بذلك)، وقد رد ابن حزم القول بأن مسح الجبائر مقيس على المسح على الخفين وقال: (إنه قياس باطل) (٢). الفريق الثاني: أنه يتيمم عوضاً عما تُرك غسله، ولا يمسح على الجبيرة، وهو قول لبعض الشافعية (٣). والأظهر في هذه المسألة والأقرب إلى القواعد بغض النظر عن الأحاديث الواردة في الباب أنه يمسح على الجبائر وما في بابها، وهو قول الجمهور من الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية، واختاره ابن المنذر (٤) وحكاه عن ابن عمر وعطاء وعبيد بن عمير وإبراهيم والحسن وجماعة آخرين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٥). ويؤيد هذا القول ما يلي: ١ - القياس على المسح على الخفين، فإن هذا عضو وجب غسله، وسُتر بما يسوغ ستره شرعاً، فجاز المسح عليه كالخفين. فالمسح على الخفين يقوي القول بالمسح على الجبائر؛ لأن المسح على الخفين مسح لغير ضرورة، بل هو من باب الإرفاق ورحمة الله تعالى بعباده

стр. 519

والإحسان إليهم، والتيسير عليهم، فإذا جاز المسح على الخفين من غير ضرورة، فلأن يجوز على الجبائر التي هي موضع ضرورة من باب أولى. ولهذا لم يشرع التوقيت لمسح الجبيرة، بل يمسح عليها مدة الحاجة، بخلاف المسح على الخفين فإنه مؤقت - كما تقدم في بابه - لأنه مسح اختياري. ٢ - أن طهارة المسح بالماء في محل الغسل الواجب عليه أولى من طهارة المسح بالتراب في غير محل الغسل الواجب؛ لأن الماء أولى من التراب، وما كان في محل الفرض فهو أولى به مما يكون في غيره (١). ٣ - ما أخرجه البيهقي من طريق موسى بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه توضأ وكفه معصوبة، فمسح على العصائب، وغسل سوى ذلك (٢). ولا حاجة إلى التيمم مع المسح، بل يكفي المسح على الراجح من قولي أهل العلم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)؛ لأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف للقواعد الشرعية؛ لأنه يجب تطهير هذا العضو إما بكذا وإما بكذا، أما إيجاب تطهيره بطهارتين فهذا لا نظير له في الشرع، لكن إن كان العضو مكشوفاً ويضره الغسل والمسح فهذا يتيمم له، وذلك أن العضو الذي أصيب بجرح ونحوه له حالتان: الأولى: أن يكون مستوراً، فهذا حكمه المسح على الجبيرة. الثانية: أن يكون مكشوفاً، فهذا له ثلاث حالات: ١ - ألا يضره الغسل، فهذا يغسل إذا كان في أعضاء الوضوء. ٢ - أن يضره الغسل دون المسح، فيمسح عليه. ٣ - أن يضره الغسل والمسح، فهذا يتيمم له، والله تعالى أعلم.

стр. 520

ما جاء في أن التيمم لا يُصلى به إلا صلاة واحدة ١٣٧/ ١٢ - وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: (مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلّيَ الرّجُلُ بالتَّيَمُّمِ إلاّ صَلَاةً وَاحِدةً، ثُمّ يَتَيَمَّمُ لِلصّلَاةِ الأُخْرَى). رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيُّ بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدّاً. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٥)، وعبد الرزاق (١/ ٢١٤)، والبيهقي (١/ ٢٢١)، من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، وقال الدارقطني عَقِبَهُ: (الحسن بن عمارة ضعيف). وهذا الإسناد ضعيف جداً - كما قال الحافظ - لأن الحسن بن عمارة بن المضَرِّب البجلي متروك الحديث؛ قاله الإمام أحمد وأبو حاتم ومسلم والنسائي والدارقطني. وقال ابن المديني: (كان يضع الحديث)، وقال شعبة: (يكذب)، وقال أيضاً: (روى أحاديث عن الحكم، فسألنا الحكم عنها فقال: ما سمعت منها شيئاً)، وقال الساجي: (ضعيف متروك، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه) (١). والحديث ذكره الألباني، وحكم عليه بأنه موضوع، وأنه لا يصح عن ابن عباس ﵄، بل ثبت عنه خلافه، كما نقله ابن حزم (٢).

стр. 521

وقد ورد في الباب آثار عن الصحابة ﵃ ولم يصح منها إلا أثر ابن عمر ﵄، قال: يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث (١). قال البيهقي: (هذا إسناد صحيح، وقال: أصح حديث في الباب: حديث ابن عمر ﵄، وبه تقع الكفاية، إذ لا يعرف له عن الصحابة ﵃ مخالف، والله أعلم) (٢). الوجه الثاني: هذا الأثر دليل على أنه لا يجوز للمتيمم أن يصلي بالتيمم الواحد إلا صلاة واحدة، سواء أكانت الصلاة الثانية في الوقت نفسه كالقضاء مثلاً، أم كانت كل واحدة منهما في وقت، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد في المشهور عنه (٣)، هو مبني على أن التيمم مبيح لا رافع. والقول الثاني: أنه يجوز للمتيمم أن يصلي ما شاء من الصلوات، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، ورجحه ابن المنذر (٥) وابن حزم (٦) والصنعاني (٧)، وهذا مبني على أن التيمم رافع للحدث إلى وجود الماء، وقد تقدم بيان ذلك، وهو الأظهر إن شاء الله، والله تعالى أعلم.

стр. 522

كتاب الحيض الحيض لغة: مصدر حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً فهي حائض: إذا جرى دمها وسال، فأصل الكلمة مأخوذة من السيلان والانفجار. وشرعاً: دم طبيعة يخرج من قعر الرحم، يعتاد الأنثى إذا بلغت، في أوقات معلومة. ومعنى (دم طبيعة) أي: فطرة وخلقة، وليس بدم فساد ناشئ من مرض أو جرح أو نحوهما، بل هو دم جَبَلَ الله عليه بناتِ آدم ﵇، كما قال النبي ﷺ : «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» (١)، ولما كان الحيض دم طبيعة اختلفت فيه النساء اختلافاً ظاهراً. وهذا يُخرج دم الاستحاضة، فليس بدم طبيعة، بل هو دم فساد، يخرج من عرق انقطع وسال دمه. وقولنا: (يخرج من قعر الرحم) فيه بيان مصدر دم الحيض، وهو الرحم، أما دم الاستحاضة فمصدره أدنى الرحم دون قعره، أو الفرج دون الرحم، كما سيأتي إن شاء الله. ومعنى (يعتاد الأنثى إذا بلغت): أن الحيض علامة على البلوغ. ومعنى (في أوقات معلومة) أي: تعرفها المرأة، والغالب أن الحيض يحدث مرة كل شهر، إما في أوله أو وسطه أو آخره حسب عادة المرأة، وقد يتقدم وقد يتأخر.

стр. 523

والحكمة من هذا الحيض أن الله تعالى جعل في الأنثى إفرازات دموية يتغذى بها الجنين في بطن أمه، ينفذ إلى جسمه من طريق السُّرة، فإذا وضعت المرأة حملها تحول بقدرة الله تعالى لبناً يتغذى به الولد، ولذا قل أن تحيض الحامل، وقل أن تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من حمل أو رضاع بقيت هذه الإفرازات لا مصرف لها، فتستقر في مكان، ثم تخرج في أوقات معلومة. وأصل ذلك أن الرحم بقدرة الباري يتكون فيه أغشية مَخْملية يتبطن بها الرحم، وهي مُعَدَّةٌ لاحتضان البويضة والحيوان المنوي، فإذا لم يتم التلقيح في الميعاد المحدد بحكمة الله تمزقت الأغشية وخرج إثْر ذلك دم الحيض، وبعد الطهر يبدأ الرحم في عمل غشاء جديد، وهكذا يكون في كل دورة بقدرة الله (١). ومما يجب على المرأة معرفته أَنَّ تَدَفُّقَ دم الحيض مع ما فيه من إزعاج لها هو العلامة الصحيحة لصلاح الرحم ودورته وأنه صالح لأن يكون وعاءً سليماً للإنجاب والذرية. واعلم أن باب الحيض من أصعب أبواب الفقه وأكثرها غموضاً، لا من جهة الأحكام المترتبة عليه، فكثير منها اتفاقي واضح، وإنما ذلك لأن المرأة ينزل منها دماء غير دم الحيض، فيشتبه الأمر عليها وعلى المفتي، ولأن الحيض قد يتقدم وقد يتأخر، وقد يزيد وقد ينقص، مع ما ظهر في هذا العصر من أسباب، وأهمها استعمال وسائل منع الحمل ومنع الحيض، وغير ذلك مما صار له أثر كبير على اضطراب الدورة وكثرة الإشكالات عند النساء مما يحير المفتي. والله المستعان.

стр. 524

حكم المستحاضة التي لا عادة لها ١٣٨/ ١ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: إنّ فَاطمَةَ بِنْتَ أَبي حُبَيْشٍ كانت تُسْتَحاضُ، فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ دَمَ الحيضِ دَمٌ أسودُ يُعْرَفُ، فإذا كانَ ذلكَ فأَمْسِكي عَنِ الصَّلاةِ، فإذا كانَ الآخَرُ فتَوَضَّئي، وصَلِّي». رَواهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسائيُّ، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّان، والحَاكِمُ، واستنكَرَه أبو حَاتِمٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في «الطهارة»، باب «من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة»، وفي باب «من قال: توضأ لكل صلاة» (٢٨٦، ٣٠٤)، والنسائي (١/ ١٨٥)، وابن حبان (١٣٤٨)، والحاكم (١/ ١٧٤)، وفي آخره عند أبي داود، والنسائي، والحاكم: «فإنما هو عرق»، كلهم من طريق محمد بن أبي عدي من حفظه، عن محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت حبيش ﵂ … فذكره، وهذا الحديث في سنده ومتنه اختلاف. أما الاختلاف في سنده فقد قيل فيه: عن ابن شهاب، عن عروة، عن فاطمة ﵂، وقيل: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن فاطمة. فعلى الأول هو من مسند فاطمة، وعلى الثاني من مسند عائشة، ومدار هذين الإسنادين كما عند أبي داود وغيره على محمد بن أبي عدي، حدَّث بالأول من كتابه، والثاني من حفظه، كما ذكره أبو داود عن محمد بن عمرو، عن ابن شهاب به، ورجح بعضهم الإسناد الأول لأنه من كتابه.

стр. 525

وردّ ابن حزم هذا الاضطراب فقال: (إن هذا كله قوة للخبر، وليس هذا اضطراباً؛ لأن عروة رواه عن فاطمة وعائشة معاً، وأدركهما معاً، فعائشة خالته أخت أمه، وفاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد ابنة عمه، وهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومحمد بن أبي عدي الثقة الحافظ المأمون .. ) (١). أما الاختلاف في المتن فقد ورد الحديث في الصحيحين، وليس فيه قوله فإنه: «أسودُ يُعْرَفُ» كما أن السياق المذكور صريح باعتبار التمييز لا العادة، وظاهر قصة فاطمة في الصحيحين أنه ﷺ ردها إلى العادة، ولا يمكن التعدد في هذه القصة، وقد ورد في الصحيحين من طريق هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله، إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما ذلكِ عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي»، وهذا لفظ البخاري (٢). قال ابن رجب: (والأظهر - والله أعلم - أن النبي ﷺ إنما ردها إلى العادة لا إلى التمييز، لقوله: «فإذا ذهب قدرها») (٣). وعلى هذا فقوله في حديث الباب فإنه: «أسود يعرف»، لم يرد في الصحيحين، بل انفرد به محمد بن عمرو، وهو ممن لا تحتمل مخالفته، ولذا قال أبو حاتم: (لم يُتَابَعْ محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر) (٤)، وظاهره أن المقصود المتن. وقال النسائي بعد سياقه الحديث: (وقد روى هذا الحديث غير واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي، والله تعالى أعلم) (٥). والحديث صححه جماعة، منهم: ابن حبان، والحاكم، وقد صححه

стр. 526

على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي، وكذا صححه ابن حزم، والنووي (١)، وقد تعقب الألبانيُّ الحاكمَ والذهبيَّ بأن الحديث لا يصل إلى رتبة الصحيح، بل هو من قبيل الحسن؛ لأن فيه محمد بن عمرو وهو ابن علقمة، وإنما أخرج له البخاري مقروناً بغيره، ومسلم متابعة، وفي حفظه ضعف يسير، فيكون حديثه في رتبة الحسن (٢)، قال الحافظ عنه في «التقريب»: (صدوق له أوهام). والحديث مع ما فيه من المقال فقد عمل به أهل العلم ﵏، وحملوه على المستحاضة المبتدأة التي ليس لها عادة ترجع إليها، ولكنها مميزة، فقالوا: ترجع إلى التمييز، وهذا أولى من ردها إلى عادة غالب النساء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن فاطمة بنت حبيش) تقدم ذكرها في «نواقض الوضوء». قوله: (تستحاض) أي: يصيبها حيض كثير، فالسين والتاء للمبالغة، والاستحاضة: استمرار خروج دم المرأة كل الوقت أو أكثره. ودم الاستحاضة قد يكون من الرحم أو من أدنى الرحم أو من الفرج، والاستحاضة لها أسباب متعددة ذكرها الأطباء، منها: ١ - وجود أورام بجسم الرحم. ٢ - وجود قرحة في عنق الرحم. ٣ - وجود ورم في عنق الرحم. ٤ - وجود التهابات أو أورام أو أجسام غريبة في الفرج. وقد قررت الندوة الثالثة للفقه الطبي في الكويت في ٢٠ شعبان ١٤٠٧ هـ: (الاستحاضة طبياً: الدم المرَضِيّ غيرُ السّوي، وأسبابها المرضية شتى) (٣).

стр. 527

قوله: (أسود يُعرف) بضم الياء وفتح الراء مبني للمجهول، مأخوذ من المعرفة، أي: تعرفه النساء بلونه وثخانته كما تعرفه بالعادة، ويجوز ضم الياء وكسر الراء مأخوذ من الإعراف، أي: له عَرْف - بفتح فسكون - والعَرْفُ: الرائحة. قوله: (فإذا كان ذلكِ) بكسر الكاف، والمشار إليه: الدم الأسود، والمخاطب: فاطمة، وكان: تامة بمعنى: حصل، واسم الإشارة: فاعل. قوله: (فأمسكي عن الصلاة) رواية الصحيحين: «فاتركي الصلاة». قوله: (فإذا كان الآخر) أي: غير الأسود، بأن كان أصفر أو أشقر أو أكدر. قوله: (فإنما هو عرق) على حذف مضاف، أي: دم عرق، ومعناه: أن غير الأسود ليس بحيض فاغتسلي وتوضئي؛ لأنه دم عرق انفجر، لا دم حيض، فلا يمنع صلاة ولا صوماً ولا غيرهما مما يحل للطاهرات. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المستحاضة التي زاد دمها وكثر أنها تنظر في الدم إذا اشتبه عليها الحيض، فتميز أيام حيضها بلون دم الحيض الأسود، فالأسود حيض تجلس له، وما عداه استحاضة. وقد حمل جماعة من أهل العلم هذا الحديث على المرأة المبتدأة التي أطبق عليها الدم أول ما بدأت تحيض، فهذه ترجع إلى التمييز بكل حال؛ لأنه ليس لها عادة ترجع إليها. وقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني فسألت ابن عباس ﵄، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار فلتغتسل وتصلي (١). قال في «تاج العروس»: (دم بحراني: شديد الحمرة .... ومن المجاز: دم بحراني: أي أسود، نسب إلى بحر الرحم، وهو عمقه) (٢).

стр. 528

فهذا الأثر يؤيد حديث الباب ويدل على أن المستحاضة التي ليس لها عادة ترجع إليها أنها ترجع إلى التمييز. أما إن كان لها عادة تعرفها، ثم طرأت عليها الاستحاضة فهذه فيها قولان: الأول: أنها ترجع إلى عادتها ولا تنظر إلى التمييز، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قول الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية (١)، لما ثبت من قوله ﷺ لفاطمة: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي»، ولم يستفصل الرسول ﷺ هل هي مميزة أو لا؟. القول الثاني: أنها تعمل بالتمييز وتقدمه على العادة، واستدلوا بهذا الحديث، قالوا: ولأن عادتها قد تتغير فتكون في آخر الشهر بدلاً من أول الشهر، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية والشافعية على بعض التفاصيل عندهم والتي موضعها كتب الفقه، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). والقول بالرجوع إلى العادة أرجح؛ لأنه هو الثابت في الصحيحين، ولأنه أسهل على المرأة وأبعد لها عن الاضطراب. فإن كان لا تمييز لها ولا عادة عملت بعادة غالب النساء ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية، لحديث حمنة بنت جحش ﵂، كما سيأتي إن شاء الله. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من الفروق بين دم الحيض ودم الاستحاضة: اللون وأن دم الحيض أسود، ودم الاستحاضة أحمر يميل إلى الصفرة، وقد ورد ذلك - أيضاً - في حديث عائشة ﵂ قالت: اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة من أزواجه، فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي (٣)، قال ابن رجب: (وفي حديث

стр. 529

عائشة ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عن دم الحيض بلونه وصفرته) (١)، وهذا الفرق هو الذي ورد في السنة صراحة، وقد ذكر العلماء ثلاثة فروق أخرى وهي: ١ - أن دم الحيض ثخين ودم الاستحاضة رقيق، ولعل سبب ذلك ما ذكره الدكتور محمد البار حيث يقول: (وعند فحص دم الحيض بالمجهر فإننا نرى كرات الدم الحمراء والبيضاء وقطعاً من الغشاء المبطِّن للرحم) ويقول: (وينزل دم الحيض محتوياً على قطع من الغشاء المبطِّن للرحم مفتتة) (٢). ٢ - أن دم الحيض كريه الرائحة، ودم الاستحاضة لا رائحة له. ذكر ذلك بعض الفقهاء، والدكتور البار (٣). ٣ - أن دم الحيض لا يتجمد ودم الاستحاضة يتجمد، وهذا قد يستفاد من قوله ﷺ : «إنما ذلك عرق» ودماء العروق تتجمد، وقد نقل الدكتور البار عن بعض الأطباء الغربيين: أن دم الحيض لا يتجمد؛ لأنه قد تجمد في الرحم ثم انفجر وسال، فإن ظهر أثناء الحيض دم متجمد فإن ذلك دم غير طبيعي (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 530

ما جاء في اغتسال المستحاضة ووقته ١٣٩/ ٢ - وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ: (لِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ، فإذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ المَاءِ، فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلاً وَاحِداً، وَتَغْتَسِلْ للمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلاً وَاحِداً، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلاً، وَتَتَوَضّأْ فِيما بَيْنَ ذلِكَ). الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي أسماء بنت عُميس - بضم العين المهملة - وفي نسبها اختلاف كثير، وهي من السابقين إلى الإسلام، هاجرت ﵂ إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له هناك ثلاثة أولاد، ثم هاجرت إلى المدينة، وقد ورد في صحيح البخاري من حديث أبي موسى ﵁ وهو حديث طويل، وفيه: لما قال لها عمر ﵁: (سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم)، فذكرتْ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهلَ السفينة هجرتان … » (١). فلما استشهد زوجها يوم مؤتة تزوج بها أبو بكر الصديق ﵁، فولدت له محمداً وقت الإحرام في حجة الوداع، ولما توفي الصدِّيق غسَّلته أسماء (٢)، ثم تزوجها علي ﵁. وقد نقل الذهبي عن الشعبي أنه قال: أول من أشار بنعش المرأة - يعني
следующие страницы →