ما جاء في فضل حفظ أوامر الله ونواهيه
١٤٨١/ ٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا، فَقَال: "يَا غُلَامُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلتَ فَاسْألِ اللهَ، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب (صفة القيامة، والرقائق والروع) (٢٥١٦)، وأحمد (٤/ ٤٠٩) من طرق، عن الليث بن سعد، قال: حدثني قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك … " وذكر الحديث، وتمامه: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجَفَّتِ الصحف". هذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن صحيح).
وفي سنده قيس بن الحجاج وهو الكلاعي السُّلَفي المصري، قال عنه أبو حاتم: (صالح)، وقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق)، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين، غير حنش الصنعاني فهو من رجال مسلم.
стр. 4657
ورواه الفريابي في "القدر" (١٥٦) وعنه الآجري في "الشريعة" ص (١٩٨) من طريق أبي عبد السلام الشامي، عن يزيد بن أبي حبيب، عن حنش به. وأبو عبد السلام الشامي لم أعرفه (١).
وحديث الباب مروي عن ابن عباس ﵄ من عدة طرق، وفي ألفاظها اختلاف، قال ابن منده عن طريق حنش الصنعاني: (هذا إسناد مشهور، رواه ثقات، وقيس بن الحجاج مصري روى عنه جماعة، ولهذا الحديث طرق عن ابن عباس ﵄، وهذا أصحها) (٢). وقال ابن رجب: (أجود أسانيده من رواية حنش عن ابن عباس ﵄، وهو إسناد حسن لا بأس به) (٣).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا) أي: راكبًا معه بدليل رواية أحمد: (كنت رديف النبي ﷺ )، وقوله هنا: (خلف) يشعر بذلك.
قوله: (يا غلام) بالضم؛ لأنه نكرة مقصودة، والغلام: يطلق على الولد الصغير من زمن الفطام إلى سبع سنين، كذا قال ابن سيده، ونقل الحافظ عن الزمخشري أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد ذلك غلام فهو مجاز (٤)، وإنما قال النبي ﷺ ذلك لابن عباس لأنه كان صغيرًا عمره نحو عشر سنين.
قوله: (إني أعلمك كلمات) الغرض من هذه الجملة تهيئة ذهن ابن عباس ﵄ لما سيقال له؛ ليكون ذلك أوقع في نفسه، وجاء بها بصيغة القلة؛ ليؤذنه بأنها قليلة اللفظ، فيسهل حفظها، وهي وإن كانت ألفاظها قليلة، لكن معانيها كثيرة ومقاصدها غزيرة.
قوله: (احفظ الله) أي: بحفظ حدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه، وذلك بملازمة تقواه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
стр. 4658
قوله: (يحفظك) هذا هو الجزاء، فمن حفظ حدود الله تعالى حفظه الله في دينه ودنياه، وحِفْظُهُ في دينه أن يحفظ عليه إيمانه من الشبهات المضلة والشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان، ويحفظ له دنياه بحفظه في بدنه وأهله وأولاده وذريته، وحفظه في ماله، فيوفقه لاكتسابه من حِلِّه وإنفاقه في مواضعه، ومن هذا حفظه في صحة بدنه وأعضائه وسلامة فكره وقوة عقله.
قوله: (احفظ الله تجده تجاهك) بضم التاء وفتح الهاء، أصله: وُجاهك بضم الواو أو كسرها، ثم قلبت تاء، ومعناها: أمامك، كما جاء في رواية عند أحمد (١)، والمعنى: تجده يحوطك ويرعاك في أمور دينك ودنياك، يدلك على كل خير، ويذود عنك كل شر، وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها.
قوله: (وإذا سألت فاسأل الله) هكذا في بعض نسخ "البلوغ"، ثبات الواو، وفي المخطوطة بحذفها، وهو الموافق لما في "جامع الترمذي"، والمعنى: إذا أردت أن تسأل شيئًا من أمور دينك أو دنياك فاسأل الله وحده دون غيره.
قوله: (وإذا استعنت فاستعن بالله) أي: إذا طلبت الإعانة على أمر من أمور الدين أو الدنيا فاستعن بالله وحده؛ لأنه القادر على كل شيء، وغيره العاجز، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (الاستعانة: هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك) (٢).
• الوجه الثالث: في الحديث درس تربوي وهو التواضع للصغار وتعليمهم ما ينفعهم، ونظير هذا ما تقدم في حديث عمر بن أبي سلمة ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "يا غلام سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك" (٣).
وفي هذا دلالة بيّنة على أن النبي ﷺ لم يقصر عنايته بالتوجيه على
стр. 4659
البالغين، بل إن عنايته امتدت لتشمل الأطفال، فعلى الآباء والمربين العناية بالناشئة منذ نعومة أظفارهم؛ لينشأوا على صفاء العقيدة وعلى الأخلاق الكريمة والمُثُل العليا.
• الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل ابن عباس ﵄ حيث رآه النبي ﷺ أهلًا لهذه الوصايا العظيمة مع صغر سنه.
• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن من حفظ حدود الله تعالى وراعى حقوقه حفظه الله في دينه ودنياه؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
أما من أضاع حدود الله تعالى وقصر في أوامر ونواهيه، فإنه لا يحصل له الحفظ من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، قال بعض السلف: (من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله غني عنه) (١).
• الوجه السادس: في الحديث تحقيق التوحيد بالاستغناء بالله تعالى عن خلقه، وذلك بإفراد الله تعالى بالسؤال، وهذا يتضمن النهي عن سؤال غيره من الخلق، والله تعالى قد أمر بسؤاله، فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].
وسؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلًا وشرعًا؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وهذا لا يصلح إلا لله تعالى وحده، وهذا غاية المحبة الصادقة، وهذه حقيقة العبادة؛ ولأن سؤال الله تعالى عبودية عظيمة؛ لأنها إظهار الافتقار إليه والاعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم؛ لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها فكيف يقدر على ذلك في حق غيره، وسؤاله إقامةً له مقام من يقدر وليس بقادر.
стр. 4660
• الوجه السابع: في الحديث تحقيق التوحيد بالاستغناء بالله تعالى عن خلقه، وذلك بإفراده بالاستعانة، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] فلا يستعان بغيره؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وَكَلَهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولًا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾) (١).
ومن اضطر إلى الاستعانة بالمخلوق فعليه أن يجعل ذلك سببًا ووسيلة لا ركنًا يعتمد عليه (٢).
стр. 4661
فضل الزهد في الدنيا وفيما في أيدي الناس
١٤٨٢/ ٦ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَال: جَاءَ رَجُل إِلى النّبيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّني عَلَى عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ أَحَبَّني اللهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَال: "ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيما عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ".
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ حَسنٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه ابن ماجه في كتاب "الزهد"، باب (الزهد في الدنيا) (٤١٠٢)، والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١١)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٣١)، والحاكم (٤/ ٣١٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٥٢) (٧/ ١٣٦) كلهم من طريق خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال رسول الله ﷺ : "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك"، هذا لفظ ابن ماجه.
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، ورده الذهبي بقوله: (خالد وضَّاع)، وحسّنه النووي في "الأربعين" (١)، وفي هذا نظر، كما قال الحافظ ابن رجب، فإن الحديث مداره في هذا الإسناد على خالد بن عمرو القرشي، وقد قال فيه الإمام أحمد (منكر الحديث)، وقال مرة: (ليس بثقة، يروي أحاديث بواطيل)، وقال البخاري وأبو زرعة: (منكر الحديث)،
стр. 4662
وقال أبو حاتم: (متروك الحديث، ضعيف) (١). وقد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: (لا إله إلا الله -تعجبًا منه- من يروي هذا أو عمن هذا؟ فقلت: خالد بن عمرو، فقال: وقعنا في خالد بن عمرو، ثم سكت) (٢). قال ابن رجب: (مراده الإنكار على من ذكر له شيئًا من حديث خالد هذا، فإنه لا يُشتغل به) (٣).
وقد تابع خالدًا محمدُ بن كثير الصنعاني المصِّيصي عن الثوري مثله، رواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٣١)، قال ابن عدي: (لا أدري ما أقول في رواية ابن كثير عن الثوري لهذا الحديث، فإن ابن كثير ثقة، وهذا الحديث عن الثوري منكر). وقال أبو حاتم كما في "العلل" (١٨١٥) عن حديث ابن كثير هذا: (هذا حديث باطل، يعني بهذا الإسناد)، قال ابن رجب: (يشير إلى أنه لا أصل له عن محمد بن كثير، عن سفيان). وقال العقيلي: (ليس له في حديث الثوري أصل، وقد تابعه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذه عنه ودلسه؛ لأن المشهور به خالد هذا).
وقال الدارقطني في "الأطراف" (١/ ٣٩٧): (لم يروه عن الثوري، عن أبي حازم غير خالد بن عمرو القرشي، ومحمد بن كثير المصيصي).
• الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الزهد في الدنيا وأنه سبب في محبة الله تعالى للعبد، والزهد فيها هو قطع تعلق القلب بها والركون إليها وإن عمل فيها بما أباح الله من تجارة أو زراعة أو صناعة ونحو ذلك، فهذا لا ينافي الزهد إذا كان القلب غير معلق بالدنيا وإنما، هو معلق بالآخرة والاستعداد لها.
يقول ابن القيم: (لا يستقيم الزُّهد في الآخرة إلا بالزُّهد في الدنيا، ولا يستقيم الزُّهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين:
стр. 4663
نظرٌ في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخِسَّتها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغُصَص والنَغَص والأنكادِ، وآخِرُ ذلك الزوالُ والانقطاع، مع ما يُعقِبُ من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفكُّ من همٍّ قبل حصولها، وهمٍّ في حال الظَّفرِ بها، وغمٍّ وحزنٍ بعد فواتها. فهذا أحدُ النظرين.
النظرُ الثاني في الآخرة، إقبالها ومجيئها ولا بدَّ، ودوامها وبقائها، وشرفِ ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما هاهنا؛ فهي كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٧]؛ فهي خيراتٌ كاملة دائمة، وهذه خيالاتٌ ناقصةٌ منقطعةٌ مضمحلة.
فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقلُ إيثارهُ، وزَهِدَ فيما يقتضي الزُّهدَ فيه) (١).
وقد كَثُر في القرآن الإشارة إلى مدح الزهد في الدنيا وذم الرغبة فيها، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧].
يقول أبو سليمان الداراني: (اختلفوا علينا في الزهد بالعراق، فمنهم من قال: الزهد في ترك لقاء الناس، ومنهم من قال: في ترك الشهوات، ومنهم من قال: في ترك الشبع، وكلامهم قريب بعضه من بعض، قال: وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله ، قال الحافظ ابن رجب: (وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن، وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه) (٢). وقال رجل لمحمد بن واسع: أوصني. قال: أوصيك أن تكون مَلِكًا في الدنيا والآخرة؛ قال: كيف لي بذلك؟ قال: ازهد في الدنيا (٣).
стр. 4664
• الوجه الثالث: يذكر العلماء هذا الحديث لبيان فضل زهد المرء عما في أيدي الناس والاستغناء عنهم، وأن هذا سبب لمحبة الناس إياه؛ لأن الطباع قد جبلت على استثقال من يسأل الناس، ويطمع فيما في أيديهم، فمن رغب عما في أيديهم أحبوه، وإذا أحبوه حصل له خيرهم، وسلم من شرهم، وإذا طلب ما في أيديهم كرهوا لقاءه، وكرهوا قربه، ولم يسلم من شرهم.
قال الحسن: (لا تزال كريمًا على الناس ما لم تَعاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك، وكرهوا حديثك، وأبغضوك) (١).
وقال ابن رجب: (تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه؛ لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبون، كرهوا ذلك) (٢).
ولا يمنع هذا أن يسألهم ما له فيه حق كالزكاة إذا كان من أهلها وأراد أن ينبههم إلى ذلك، وكذا القرض والاستدانة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، مع نية السداد، وقد فعل النبي ﷺ هذا وهو إمام الزاهدين. والله تعالى أعلم.
стр. 4665
من أسباب محبة الله تعالى للعبد
١٤٨٣/ ٧ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِيِ وَقَّاصٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إن اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الزهد والرقائق" (٢٩٦٥) من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا بكير بن مسمار، حدثني عامر بن سعد، قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فنزل، فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره فقال: اسكت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث.
ورواه أحمد في "المسند" (٣/ ٥١) عن أبي بكر الحنفي به، ولفظه: (والناس يتنازعون في الملك في المدينة).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (التقي) أي: الزكي وهو الممتثل لأوامر الله تعالى المجتنب لنواهيه، وهي صفة مشبهة على وزن (فعيل) وأصله: وَقِيٌّ، فأبدلت الواو تاءً، ثم أدغمت ياء فعيل بلام الكلمة (١).
قوله: (الغني) هو المكتفي بما في يده وإن قل، فلا يطمع بما في أيدي الناس، وقال النووي: المراد بالغني غني النفس، كما في قوله ﷺ : "ليس
стр. 4666
الغنى عن كثرة العَرَضِ ولكن الغنى غنى النفس" (١).
قوله: (الخفي) بالخاء المعجمة، وذكر القرطبي أن جمهور الرواة قيدوه بذلك من الخفاء (٢)، وذكر القاضي عياض أن بعض رواة مسلم رووا هذه اللفظة بالحاء المهملة (الحفي) ومعناها بالخاء المعجمة: المعتزل عن الناس الذي يخفى عليهم مكانه، وقيل: هو الخامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بها وبأمور نفسه التي تعنيه دينًا ودنيا (٣).
ومعناها بالحاء المهملة: المتحفي بأهله، الوصول إليهم بماله، الساعي في حوائجهم، ويؤيد المعنى الأول فعل سعد بن أبي وقاص ﵁.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على إثبات صفة المحبة لله تعالى، والمحبة من صفات الله تعالى الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وهي محبة حقيقية تليق بالله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وأما تفسيرها بالثواب أو بالرضا ونحو ذلك، فهذا تعطيل؛ لأنه خلاف ظاهر النصوص، وخلاف طريقة السلف، وليس عليه دليل.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من أسباب محبة الله تعالى للعبد أن يتصف بهذه الصفات الثلاث:
الأولى: أن يكون متقيًا لله تعالى قائمًا بأوامره مجتنبًا نواهيه، مستقيمًا على طاعة الله تعالى، صادقًا في قوله، مخلصًا في عمله، وسيأتي الكلام على التقوى - إن شاء الله - عند شرح الحديث (١٥٤٢).
الثانية: أن يكون غنيًّا بالله تعالى مستغنيًا عما في أيدي الناس، راضيًا بما قسم الله له، فلا يتعلق قلبه بما في أيدي الناس ولا يتعلق بالدنيا، بل
стр. 4667
رزقه الله القناعة والكفاف، كما قال النبي ﷺ : "قد أفطح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه" (١). وهذا هو الغنى حقيقة، إنه غنى النفس؛ لأن غني النفس راضٍ بقضاء الله وقدره، قد كفت نفسه عن المطامع، وصارت عزيزة لم تذلها المطامع والتطلعات إلى ما في أيدي الناس، ومثل هذا يحصل له من الثناء وعلو المكانة أكثر من الغنى بكثرة العرض (٢).
الثالثة: أن يكون خفيًّا، لا يتعرض للشهرة، ولا يرغب فيها، لكن لو اشتهر بدون قصد منه، اشتهر بطاعة الله وعبادته، أو اشتهر بالعلم، أو بالجاه، أو بالبذل والعطاء، أو نحو ذلك، فهذا من البشرى التي عجلت له.
• الوجه الخامس: استدل العلماء بهذا الحديث على فضل اعتزال الناس على مخالطتهم إما مطلقًا أو عند فساد الناس والزمان وخوف الفتنة في الدين (٣). قال الخطابي: (كان سعد ﵀ ممن اعتزل أيام الفتنة، فلم يكن مع أحد من الفريقين، فأرادوه على الخروج فأبى وضرب لذلك مثلًا) (٤).
والعزلة عن الناس فيها فوائد، ومنها: التفرغ لعبادة الله تعالى، والتخلص من المعاصي التي يتعرض لها الإنسان بالمخالطة من الرياء والغيبة، والسلامة من قرناء السوء وعشاق الدنيا، وحفظ الوقت، وحفظ اللسان من فضول الكلام.
وسيأتي تفصيل مسألة العزلة في آخر باب (الترغيب في مكارم الأخلاق) إن شاء الله. والله تعالى أعلم.
стр. 4668
ما جاء في فضل ترك المرء ما لا يعنيه
١٤٨٤/ ٨ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْءِ، تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال: حَسَنٌ.
° الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "الزهد عن رسول الله ﷺ " (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦) من طريق أبي عمرو الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن المعافري، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ … وذكر الحديث.
قال الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه)، وبهذا يتبين وَهْمُ الحافظ في نقل تحسينه عن الترمذي، فإن قوله: (هذا حديث غريب) هو الذي نقله عنه المزي (١)، وابن رجب (٢).
وهذا الحديث في سنده قرة بن عبد الرحمن، وهو متكلم فيه، فقد قال الإمام أحمد: (منكر الحديث جدًّا)، وقال أبو زرعة: (الأحاديث التي يرويها مناكير)، وقال أبو حاتم والنسائي: (ليس بقوي)، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: (ضعيف)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: (يكتب
стр. 4669
حديثه) (١).
وقد رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٠٣) - ومن طريقه الترمذي (٢٣١٨) - عن الزهري، عن علي بن حسين، عن رسول الله ﷺ مرسلًا.
قال الترمذي: (هذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة). وممن رجح إرساله أحمد وابن معين، والبخاري، والبيهقي (٢).
وقد تابع مالكًا في روايته عن الزهري، عن علي بن حسين مرسلًا جمع من الرواة، منهم: معمر بن راشد عند عبد الرزاق (٢٠٦١٧)، ويونس بن يزيد عند ابن وهب في "الجامع" (٢٩٧، ٤٤٣) وعند القضاعي في "مسند الشهاب" (١٩٣) وآخرون، وقد ذكر الدارقطني في "العلل" (٣/ ١٠٨ - ١١٠) (٨/ ٢٥ - ٢٨) (١٣/ ٢٥٨) أوجه الاختلاف في هذا الحديث، ثم قال: (والصحيح حديث الزهري عن علي بن الحسين مرسلًا). وقال ابن رجب: (قد خلط الضعفاء في إسناده على الزهري تخليطًا فاحشًا، والصحيج مرسل).
• الوجه الثاني: هذا الحديث من الكلمات الجامعة النافعة؛ لأنه أصل كبير في تأديب النفس وتهذيبها، وبيان المنهج الذي ينبغي للمسلم أن يسير عليه في حياته، وهو وإن كان فيه المقال المتقدم لكنه درس تربوي لكثير من الناس، وعموماتُ الشريعة تدل على معناه، فإنه يدل على أن من حسن إسلام المرء وإيمانه إعراضه عما لا يعنيه ولا يهمه من الأقوال والأفعال في أمور الدين والدنيا؛ لأن المسلم يكفيه ما يعنيه واشتغاله بما أوجب الله عليه من الطاعات وأعمال البر والإحسان، وما يتعلق بضرورة حياته من أمور معاشه من مطعم ومشرب ومسكن، وتربية أولاده، أما تدخُّله في شؤون غيره فهذا دليل على ضعف العقل وقلة البصيرة في الدين؛ لأن مفهوم الحديث: أن من لم يترك ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال فإنه مسيء في إسلامه.
وكما أن ترك المسلم ما لا يعنيه من حسن الإسلام وعلو الهمة؛ فإن فيه
стр. 4670
سلامة العِرْضِ، وراحة القلب، وحفظ الوقت الذي هو حياة الإنسان ورأس ماله؛ لأن ما يعنيه شيء يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، وفيه أيضًا حفظ اللسان من لغو الكلام؛ لأن هذا أكثر ما يراد بترك ما لا يعني، وقد دل على هذا نصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].
قال عمر بن عبد العزيز ﵀: (من عَدَّ كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه). قال ابن رجب: (وهو كما قال، فإن كثيرًا من الناس لا يعد كلامه من عمله، فيجازف فيه ولا يتحرى) (١).
وقال بعض الحكماء: (من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه، ومن لم يستغن بما يكفيه فليس في الدنيا شيء يغنيه) (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 4671
الحث على تقليل الأكل
١٤٨٥/ ٩ - عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
° الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "الزهد عن رسول الله ﷺ "، باب (ما جاء في كراهية كثرة الأكل) (٢٣٨٠)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ٢٦٨)، وأحمد (٢٨/ ٤٢٢) من طريق يحيى بن جابر الطائي قال: سمعت المقدام بن معدي كرب الكندي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطن، حسب ابن آدم أُكُلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعام، وثلث لشراب، وثلث لنفسه".
هذا لفظ أحمد، وفي سياق الإسناد عنده جاء التصريح بسماع يحيى بن جابر من المقدام، ولفظ الترمذي: "ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أُكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه".
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وفي بعض النسخ: (حسن)، وهذا هو الذي اعتمده الحافظ هنا، وذكر المزي كلا الوجهين (١).
стр. 4672
وقد أعلّ هذا الحديث بأن العلماء تكلموا في سماع يحيى بن جابر الطائي من المقدام، فقد قال أبو حاتم: (يحيى عن المقدام مرسل)، وهذا هو ظاهر صنيع البخاري في "تاريخه" وعلى هذا مشى المزي، ومن بعده الحافظ ابن حجر (١).
والذين رووا الحديث كلهم قالوا: عن المقدام، إلا أحمد ففي إسناده التصريح بالسماع كما تقدم، وقد رواه الطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، والخطيب في "الموضح" (٢/ ١٢٥) من طريق أبي المغيرة وفيه: عن -وهو الذي رواه عنه أحمد- فإذا أضيف إلى هذا جزم الحفاظ بان رواية يحيى عن المقدام مرسلة تبين أن ما في "المسند" محل نظر.
ولهذا الحديث طرق أخرى كلها ضعيفة، وقد صحح الترمذي هذا الحديث، وكأنه لم يلتفت إلى انقطاعه، وحسّنه الحافظ في "فتح الباري" (٢) مع أنه نص -كما تقدم- على انقطاعه.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (وعاء) بكسر الواو هو الظرف، والتعبير بلفظ الوعاء فيه توهين شأنه حيث جعل البطن كالأوعية التي تتخذ ظروفًا لحوائج البيت.
قوله: (شرًّا من بطن) أي: أشد ضررًا عليه من ملء بطنه، وهو صفة لوعاء، وجعله شر الأوعية لأنها استعملت فيما هي له، والبطن خلق لأن يتقوم به الصلب بالطعام، وامتلاؤه يفضي إلى المضرة، فيكون شرًّا منها (٣).
• الوجه الثالث: في الحديث بيان الأدب الشرعي الذي ينبغي أن يكون عليه الآكل في مقدار أكله، وأنه يكفيه أكلات أو لقيمات يقمن صلبه، وهذا من الزهد المحمود، فإن كان لا بد من الشبع فليجعل الأكل بمقدار الثلث، والثلث الثاني للشرب، والثلث الثالث للنفس، قال ابن رجب: (هذا الحديث
стр. 4673
أصل جامع لأصول الطب كلها) (١).
والحديث وإن كان ضعيفًا لكن معناه صحيح تؤيده الأدلة، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وذلك لأن المقصود من الأكل حفظ صحة البدن وقوته؛ لأن بها بقاء الحياة، وفي التقليل من الأكل مصالح عظيمة، من أهمها: خفة البدن، ونشاطه في أمور دينه ودنياه، والسلامة من الأمراض التي تكون من كثرة الأكل.
قال ابن القيم: (مراتب الغذاء ثلاثة: أحدها: مرتبة الحاجة، والثاني: مرتبة الكفاية، والثالثة: مرتبة الفضيلة، فأخبر النبي ﷺ أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه … فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه … وهذا من أنفع ما للبدن والقلب) (٢). وقال ابن رجب: (قلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك) (٣).
• الوجه الرابع: في الحديث ذم الشبع والتحذير من ملء البطن، وذلك لأن الشبع وكثرة الأكل يولد العطش، فيشرب كثيرًا، فيرتخي جسده وتتخثر أعضاؤه، وفي ذلك مدعاة للكسل والفتور، والإخلاد إلى الراحة، وحب النوم، والتكاسل عن طاعة الله تعالى، وكثرة الأسقام التي تنشأ عن الشبع عاجلًا أو آجلًا ظاهرًا أو باطنًا، وربما صار يبحث عن مشروبات تكفيه مؤنة عسر الهضم الذي ابتلي به، يقول ابن رجب: (من وفَّى نفسه حظها من عيش جسده بالشهوات الحسية كالطعام والشراب، فسد قلبه وقسا، وجلب له ذلك الغفلة وكثرة النوم، فنقص حظ روحه وقلبه من طعام المناجاة وشراب المعرفة، فخسر خسرانًا بيّنًا) (٤).
وفي الشبع تحريك نوازع الشر في الإنسان، فكم من معصية جلبها الشبع
стр. 4674
وفضول الطعام، وقد ثبت في "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" (١).
قال ابن رجب: (المراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع فيأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشره والنَّهَمِ، فيأكل في سبعة أمعاء) (٢).
وهذا الذم للشبع إذا كان دائمًا أو غالبًا، أما إذا كان في بعض الأحيان فلا بأس به، فقد شرب أبو هريرة ﵁ بحضرة النبي ﷺ من اللبن حتى قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكًا (٣).
وهذا كله يتعلق بكمية الطعام التي يأكلها الإنسان، أما نوعية الطعام فينبغي للآكل أن يحرص على الغذاء الذي تتوفر فيه العناصر المهمة لإبقاء البدن قويًّا منيعًا ضد الأمراض، والخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس - اليوم - إما في كمية الطعام التي يأكلها وإدخال الطعام على الطعام، أو في عدم التوازن الغذائي بعدم العناية بالأطعمة التي تنفع البدن، وثَمَّ أمر الثالث موعد الأكل.
• الوجه الخامس: في الحديث دليل على كمال هذه الشريعة حيث جاءت بما فيه صلاح الناس في دينهم ودنياهم وأبدانهم، فجاءت بهذه التوجيهات المتعلقة بحفظ الصحة، وذلك بمراعاة مقدار الطعام الذي يأكله الإنسان، ولو أخذ الناس بذلك لسلموا من الأمراض والأسقام التي تعود في الغالب إلى كثرة الطعام أو إدخاله على الطعام قبل الانهضام. والله تعالى أعلم.
стр. 4675
ما جاء في فضل التوبة
١٤٨٦/ ١٠ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَويٌّ.
° الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب (صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﷺ ) (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، وأحمد (٢٠/ ٣٤٤) من طريق زيد بن الحُباب، حدثنا علي بن مسعدة، عن قتادة، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث.
زاد أحمد: "ولو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابنِ آدم إلا التراب".
قال الترمذي: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة، عن قتادة).
وعلي بن مسعدة متكلم فيه، فقد وثقه أبو داود الطيالسي، وقال أبو حاتم: (لا بأس به)، وقال ابن معين: (صالح)، وفي رواية: (لا بأس به)، وقال البخاري: (فيه نظر)، وقال أبو داود: (ضعيف)، وقال النسائي: (ليس بالقوي) (١).
стр. 4676
ولما ساق ابن عدي هذا الحديث وحديثًا آخر في ترجمته، قال: (وله غير ما ذكرت عن قتادة، وكلها غير محفوظة) (١).
وحُكْمُ الترمذي عليه بالغرابة؛ يعني أن علي بن مسعدة قد تفرد به دون أصحاب قتادة، ولا يحتمل تفرده، ولهذا قال الإمام أحمد: (هذا حديث منكر) (٢) ورواه أحمد في "الزهد" ص (١٢١) من طريق الخفَّاف، عن سعيد، عن قتادة .. وهذا يفيد أنه من قوله.
وأما قول الحافظ: (وسنده قوي) فهذا فيه نظر، لما تقدم.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كل بني آدم) هذه صيغة عموم.
قوله: (خَطَّاءٌ) صيغة مبالغة من الثلاثي خَطِئَ، قال أبو عبيدة: (خَطِيءَ خَطئًا من باب علم، وأخطأ بمعنى واحد لمن يذنب على غير عمد) (٣).
وجاء بالإفراد نظرًا إلى لفظ (كل)، وفي رواية: (خطاؤون) نظرًا إلى معنى (كل) وهو الجمع.
قوله: (وخير الخطائين التوابون) جمع تواب صيغة مبالغة؛ أي: الرجاعون إلى الله تعالى بالتوبة من المعصية إلى الطاعة، والتوبة هي: الاعتراف والندم والإقلاع والعزم على ألا يعود.
• الوجه الثالث: يستدل العلماء بهذا الحديث على أن من شأن ابن آدم الخطأ والوقوع في الذنب؛ لما جبل عليه هذا النوع من الخلق من الضعف، وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما إليه دعاه، وترك ما عنه نهاه، وهذا أمر لا يسلم منه أحد من البشر، لكن منهم المقل ومنهم المكثر، ومن فضل الله ورحمته أن فتح باب التوبة لجبر هذا الخلل الذي يقع من الإنسان.
стр. 4677
وقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنّة في وجوب التوبة على كل مسلم وبيان فضلها وأثرها، ووصف الأنبياء بها، ومحبة الله تعالى للتائبين، ووعده بقبولها، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢].
وروى مسلم في "صحيحه" عن أبي بردة ﵁ قال: سمعت الأَغَرَّ -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ يحدث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس توبوا إلى الله؛ فإني أتوب - في اليوم - إليه مائة مرة" (١).
قال القرطبي: (اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين) (٢)، وقال في موضع آخر: (لا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة وأنها فرض متعين) (٣).
فالواجب على المؤمن إذا تلبس بمعصية أن يبادر بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه الله ظاهرًا وباطنًا، ندمًا على ما مضى، وتركًا في الحال، وعزمًا على ألا يعود (٤)؛ لأن الإنسان لا يدري في أي لحظة يموت؛ ولأن السيئات تجر أخواتها، وإذا كانت التوبة واجبة على الفور، فإن تأخير التوبة ذنب يجب التوبة منه.
فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي زيد على هذه الشروط الثلاثة شرط رابع، وهو أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كان مالًا أو نحوه ردَّه إليه، وإن كان غيبة استحله منها إن لم يترتب على ذلك مفسدة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.
стр. 4678
ما جاء في فضل الصمت
١٤٨٧/ ١١ - عَنْ أنس ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصَّمْتُ حِكَمٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ". أَخْرَجَهُ الْبَيهَقِيُّ في "الشُّعَبِ" بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وَصَحَّحَ أنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الحَكِيم.
° الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٦٩) ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٩/ ٢٨٤) من طريق إبراهيم بن غسان الغلابي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن سعد الكاتب، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث.
وهذا سند ضعيف؛ لأن فيه عثمان بن سعد الكاتب، وهو ضعيف، قال ابن معين: (ليس بذاك)، وقال أبو زرعة: (لين)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال مرة: (ليس بثقة)، وقال ابن حبان: (كان ممن لا يميز شيخه من شيخ غيره، ويحدث بما لا يدري، ويجيب عما يُسأل، فلا يجوز الاحتجاج به) (١).
ثم إنه قد خولف في إسناده، فقد رواه ابن حبان في "روضة العقلاء" ص (٤١)، والحاكم (٢/ ٤٢٢، ٤٢٣)، والبيهقي في "الشعب" (٩/ ٢٨٣) من طريق حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس أن لقمان كان عند داود وهو يسرد (٢) الدروع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان يتعجب منه ويريد أن
стр. 4679
يسأله، فتمنعه حكمته أن يسأل، فلما فرغ منها صَبَّهَا على نفسه، وقال: نعم درع الحرب هذه، فقال لقمان: إن الصمت من الحكم وقليل فاعله، كنت أريد أن أسألك فسكت حتى كفيتني.
وهذا السياق للحاكم والبيهقي، أما ابن حبان فقد ساقه مختصرًا مقتصرًا على مقولة لقمان.
قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي.
وقال البيهقي عن الإسناد الأول: (غلط في هذا عثمان بن سعد … )، وقال عن رواية ثابت هذه: (هذا هو الصواب عن أنس أن لقمان قال: الصمت حِكَمٌ وقليل فاعله).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الصمت) مصدر صَمَتَ يَصْمُتُ من باب قتل: إذا سكت، والصمت: هو الإمساك عن قول الباطل دون الحق.
وبهذا يفرق بين الصمت والسكوت، فإن السكوت إمساك عن الكلام حقًّا كان أو باطلًا، أما الصمت فهو إمساك عن الكلام الباطل دون الحق.
قوله: (حِكَمٌ) بكسر الحاء وفتح الكاف جمع حكمة، وقد جاءت بلفظ الجمع عند البيهقي وغيره، وهو المثبت في المخطوطة، ووقع في بعض نسخ "البلوغ" بلفظ المفرد، وهي التي عليها شرح المغربي، ثم الصنعاني (١).
والحِكْمة مشتقة من الحَكَمَة - بالتحريك - وهي لجام الدابة التي تذللها لراكبها حتى تمنعها الجماح ونحوه، والحكمة تحفظ صاحبها من أخلاق الأرذال، وتمنعه من التكلم بما لا يعني (٢).
قوله: (وقليل فاعله) أي: قلّ من الناس من يحرص على الصمت ويتخلق به.
стр. 4680
قوله: (من قول لقمان الحكيم) لقمان: اسم أعجمي على ما ذكر الألوسي في "تفسيره"، وهو مختلف في نسبه، فقيل: لقمان بن عنقاء بن سدون، ويقال: لقمان بن ثاران، حكاه السهيلي، وكان في زمان بني إسرائيل، وقد قيل: إنه تولى القضاء، والمشهور أنه كان عبدًا حبشيًّا نجارًا، وورد أنه رعى الغنم، وقد نقل ابن كثير وغيره روايات عن الصحابة ﵁ ومن بعدهم حول شخصية لقمان.
وقد وقع خلاف بين السلف في نبوته، والجمهور على أنه ليس بنبي، وإنما هو عبد صالح آتاه الله الحكمة، وهي الصواب في القول والعمل والفهم السليم لما يصلح الناس في دينهم ودنياهم، وقد ذكره الله تعالى في القرآن، وأثنى عليه، وحكى من كلامه فيما وعظ به ولده الذي هو أحب الخلق إليه، وهو أشفق الناس عليه (١).
• الوجه الثالث: في مقوله لقمان الحكيم بيان فضل الصمت وحفظ اللسان من اللغو والكذب والغيبة والنميمة وقول الزور وفضول الكلام وغير ذلك مما نهى عنه الشارع الحكيم.
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالأمر بالصمت وحفظ اللسان، فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (٢). وعن أبي موسى ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : أي المسلمين أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٣).
ومن المأثور عن علي ﵁ أنه قال: (اللسان قِوام البدن، فإذا استقام اللسان استقامت الجوارح، وإذا اضطرب اللسان لم تقم له الجوارح) (٤).
стр. 4681
وفي الصمت فضائل عظيمة، فهو دليل كمال الإيمان، وحسن الإسلامِ، ورجاحة العقل، وحسن الخلق، وطهارة النفس، وفيه السلامة من فضول القول، والعصمة من زيغ المنطق؛ لأن الصمت قلة وزْرٍ، وخفة من الذنوب، ورحم الله امرأ قال خيرًا فغنم، أو سكت فسلم.
وقد ذكر العلماء أن للكلام شروطًا أربعة:
١ - أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إما جلب منفعة أو دفع مضرة.
٢ - أن يكون الكلام بقدر الحاجة؛ لأن الكلام ليس له نهاية.
٣ - أن يكون الكلام في موضعه بحيث يتوخى به إصابة غرضه.
٤ - أن يتخير الألفاظ المناسبة للمقام (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4682
باب الرَّهَبِ من مساوئ الأخلاق
الرَّهَبُ - بالتحريك - مصدر رَهِبَ يَرْهَبُ رَهَبًا من باب تَعِبَ؛ أي: خاف، ومادة رهب -كما يقول ابن فارس - تدل على معنيين، أحدهما: الخوف، والآخر: الرقة والخفة (١).
وفي بعض النسخ: الترهيب، وهو مصدر رهَّبه من الشيء بمعنى أخافه خوفًا شديدًا.
والمساوئ: بفتح الميم جمع مساءة بمعنى سيئة، وهي القبيح من القول والفعل.
والمراد بمساوئ الأخلاق: الأخلاق الذميمة من الأقوال والأفعال التي نهى الشارع عنها، وحذر منها كالحسد والظلم والرياء وإخلاف الوعد والخيانة والغضب وغير ذلك.
وقد جاءت الشريعة الإسلامية بالحث على مكارم الأخلاق، والتحذير من مساوئ الأخلاق.
وقد أراد المؤلف بهذا الباب أن يذكر جملة من الأحاديث في مساوئ الأخلاق؛ لبيان أن من حلية طالب العلم أن يستقيم على الأخلاق الكريمة، وأن يبتعد عن الأخلاق الذميمة حتى يكون ممن استنار بنور الإيمان، واستفاد من علمه، وهذا أقرب إلى سعادته في الدنيا وفلاحه في الدار الآخرة، وانتفاع الناس بعلمه وأخلاقه. وعن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: (ليتق الرجل دناءة الأخلاق، كما يتقي الحرام) (٢).
стр. 4683
التحذير من الحسد
١٤٨٨/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إيَّاكُمْ وَالحَسَدَ، فَإنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَناتِ، كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
١٤٨٩/ ٢ - وَلابْنِ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ أنسٍ نَحْوُهُ.
° الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما الحديث الأول فرواه أبو داود في كتاب "الأدب"، بابٌ (في الحسد) (٤٩٠٣) من طريق سليمان بن بلال، عن إبراهيم بن أبي أسيد (١)، عن جده، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث، وفي آخره: أو قال: (العُشْبَ).
وهذا سند ضعيف، فيه إبراهيم بن أبي أسيد المدني البرَّاد، قال أبو حاتم: (شيخ مدني، محله الصدق) (٢)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق).
وفيه جد إبراهيم هذا، فهو مجهول؛ لأنه لم يسمَّ، ولذا قال البخاري عن هذا الحديث: (لا يصح) (٤).
стр. 4684
وأما حديث أنس ﵁ فقد رواه ابن ماجه (٤٢١٠) من طريق عيسى بن أبي عيسى الحناط، عن أبي الزناد، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما بطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جُنَّة من النار".
وهذا سند ضعيف جدًّا، فيه عيسى الحناط الغفاري أبو موسى ويقال: أبو محمد المدني، قال أحمد وابن معين: (ليس بشيء)، وقال أبو داود والنسائي والدارقطني: (متروك الحديث)، وقال أبو حاتم: (ليس بالقوي، مضطرب الحديث)، وقال ابن عدي: (أحاديثه لا يتابع عليها متنًا ولا سندًا) (١).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (إياكم والحسد) هذا أسلوب تحذير، فـ (إياكم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف وجوبًا، والتقدير: إياكم أُحذر، والأصل: أحذركم، ثم قدم الضمير لإفادة الحصر، ولما كان ضميرًا متصلًا لا يستقل بنفسه أُتي بالضمير المنفصل الذي يفيد معناه، والحسد: الواو عاطفة، والحسدَ: مفعول به لفعل محذوف وجوبًا تقديره: احذروا الحسد، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها.
والحسد: هو تمني زوال النعمة عن المحسود، سواء أحصلت له أو لم تحصل، وسواء أكانت دينية أو دنيوية.
أما تمني مثلها فهو غبطة، فإن كان في الدين كالعلم الشرعي والعبادة فهو محمود. واعتبار الحسد هو تمني زوال النعمة هو المشهور عن العلماء في تعريفه، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حُسْنِ حال المحسود (٢)، وقال ابن رجب: (الحسد مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل) (٣).
стр. 4685
قوله: (فإن الحسد يأكل الحسنات) أي: يذهبها، وهو تعليل للتحذير، وهذا فيه استعارة مَكْنية حيث شبه الحسد بحيوان، ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الأكل.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم الحسد وقبحه؛ لما فيه من الاعتراض على الله تعالى في مشيئته، ولما فيه من انطواء النفس على كراهة الخير لأخيه المسلم، ومحبة زوال النعم عنه، وهو دليل على دناءة في النفس، وسوء في الخلق.
وقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنّة في ذم الحسد والنهي عنه، قال تعالى في ذم اليهود: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]،، وقال النبي ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا … " الحديث رواه مسلم، وسيأتي شرحه إن شاء الله.
ومن أهم أسباب الحسد: العداوة والبغضاء، وخبث النفس وشحها بالخير على عباد الله، وحب الترفع على الآخرين، وذلك حينما يظهر من المحسود فضل يعجز عنه الحاسد، فيكره تقدمه فيه. ولذا قال معاوية ﵁: (كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها) (١)، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (لكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلَّت .. وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد، وقد قال يعقوب ليوسف ﵇: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيدًا … ﴾ [يوسف: ٥]) (٢). ويقول الغزالي: (اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تُدَاوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقًا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به فيهما، ومهما عرفت هذا عن بصيوة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك، فارقت الحسد لا محالة.
стр. 4686
أما كونه ضررًا عليك في الدين: فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى، وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده، وعدله الذي أقدمه في ملكه … وقد انضاف إلى ذلك أنك غششت رجلًا من المؤمنين وتركت نصيحته، وفارقت أولياء الله وأنبياءه في حبهم الخير لعباده تعالى، وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم، وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب، وتمحوها كما يمحو الليل النهار.
أما كونه ضررًا عليك في الدنيا: فهو أنك تتالم بحسدك في الدنيا أو تتعذب به ولا تزال في كَمَدٍ وغَمِّ؛ إذ أعداؤك لا يُخلّيهم الله تعالى عن نعم يفيضها عليهم، فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها، وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم، فتبقى مغمومًا محرومًا متشعب القلب ضيق الصدر …
وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح؛ لأنّ النعمة لا تزول عنه بحسدك، بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل غير معلوم قدره الله سبحانه، فلا حيلة في دفعه بل كل شيءٍ عنده بمقدار، ولكل أجل كتاب) (١).
وسيأتي - إن شاء الله - مزيد كلام عند شرح حديث أبي هريرة ﵁ المشار إليه. والله تعالى أعلم.
стр. 4687
فضل من يملك نفسه عند الغضب
١٤٩٠/ ٣ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (الحذر من الغضب) (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩) من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ليس الشديد) أي: القوي في بدنه وعضلاته.
قوله: (بالصُّرَعَةِ) بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن هُمَزَة، صيغة مبالغة، وهو القوي الذي يصرع الناس كثيرًا، ويطرحهم ويغلبهم لقوته وشدته.
أما الصُّرْعَةُ بضم الصاد وسكون الراء فهو بضد المعنى المتقدم؛ لأن المراد به من يصرعه غيره كثيرًا، وكل ما جاء بهذا الوزن - بالضم والسكون - فهو وصف للمفعول به كخُدْعَةٍ وضُحْكَةٍ وغيرهما، فإن كان بالضم والفتح فهو وصف للفاعل كخُدَعَةٍ وضُحَكَةٍ وسُخَرَةٍ (١).
قوله: (إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) هذا أسلوب قصر،
стр. 4688
أداته: إنما، وفيه قصر الشدة على من يملك نفسه عند الغضب، من قصر الصفة على الموصوف.
والمعنى: ليس القوي الممدوح هو القوي الذي لا يصرعه الرجال ولا يغلبونه، بل يصرعهم ويطرحهم، وإنما هو الذي يملك نفسه عند الغضب؛ لأن الغضب في حكم الأعداء الكثيرين، وغَلَبَةُ النفس عما تشتهيه في حكم من هو شديد القوة في غلبة الجماعة الكثيرين فيما يريدون منه، وسرعة الغضب والانقياد له عنوان ضعف الإنسان ولو ملك السواعد القوية والجسد الصحيح.
والغضب: نقيض الرضا، وهو مصدر غضب يغضب غضبًا، قال ابن فارس: (الغين والضاد والباء أصل صحيح يدل على شدة وقوة، يقال: الغَضْبة: الصخرة الصلبة، قالوا: ومنه اشتق الغضب؛ لأنه اشتداد السُّخْط).
والغضب: ثوران دم القلب لإرادة الانتقام (١). والفرق بينه وبين الغيظ، قيل: متلازمان، والصحيح أن بينهما فرقًا، وهو أن الغضب ما يظهر على الجوارح ويتبعه الانتقام، والغيظ فعل النفس، ولا يظهر على الجوارح (٢).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن مجاهدة النفس عند الغضب أشد من مجاهدة العدو؛ لأنه ﷺ جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة، فهو أقوى وأكمل من الذي يصرع الناس ويطرحهم بقوته، وفي هذا دليل على أنه ينبغي لمن غضب وأرادت منه النفس المبادرة إلى الانتقام ممن أغضبه أن يجاهدها ويمنعها عما طلبت، فَيُثَبِّتُ نفسه، ويتذكر عاقبة الغضب وما يترتب عليه، ويتذكر فضل كظم الغيظ في قوله تعالى في ذكر صفات من أعدت لهم الجنة: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وهذا أسلوب من أساليب علاج الغضب وهو العلاج بالكظم، ومعناه: إحداث مقاومة ذاتية داخلية،
стр. 4689
تؤدي إلى إضعاف انفعال الغضب وتهدئته، وتمنع من رد الفعل أو التشفي (١).
وكظم الغيظ: رده في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته، فضبطه ومنعه كظم له، يقال: كَظَمَ غيظه: اجترعه، وأصل الكظم: شَدُّ رأس القربة عند امتلائها (٢).
وليس معنى كظم الغيظ حفظه في القلب فيتحول إلى ضغينة، فخير من ذلك ألا يُكظم أصلًا وأن يُترك يتفجر، إنما المقصود ضبطه إلى أن يهدأ، وتصريفه في هدوء حتى ينتهي بالعفو عن المسيء (٣).
ولا ريب أن الكظم وتعويد النفس على اجتراع الغضب نوع من الغلبة المتميزة والانتصار الذي لم يعهده الناس؛ لأن القوة عندهم بالغلبة في المصارعة ونحوها.
وفي هذا تنبيه إلى أهمية الوظيفة التي يقوم بها من يكبح غضبه ويكظم غيظه، حيث إن هذه نوع من المصارعة والمواجهة مع الغضب والنفس والشيطان، يخرج فيها المرء منتصرًا على أهم أعدائه، وقد ذكر البخاري في "صحيحه" تعليقًا عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] قال: (الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله وخضع لهم عدوهم) (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 4690
الظلم ظلمات يوم القيامة
١٤٩١/ ٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "المظالم"، باب (الظلم ظلمات يوم القيامة) (٢٤٤٧)، ومسلم (٢٥٧٩) من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجِشُون، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "إن الظلم ظلمات … ".
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الظلم) بالضم اسم من ظَلَمَهُ ظُلْمًا بالفتح من باب ضرب، وأصل المادة تدل على أصلين، يقول ابن فارس: (الظاء واللام والميم أصلان صحيحان أحدهما: خلاف الضياء والنور، والآخر: وضع الشيء في غير موضعه تعديًا) (١).
والظلم: التصرف في حق الغير بغير حق، أو مجاوزة حد الشارع، وهو بهذا يشمل جميع المعاصي، ويعم أنواع الرذائل، وصاحبه إما ظالم لنفسه، أو ظالم لغيره، فظلم النفس هو التقصير في طاعة الله تعالى، وأعظمه وأشده الشرك بالله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
стр. 4691
ثم الإخلال بحقوق النبي ﷺ الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وظلم الغير عبارة عن التفريط في حقه؛ كقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وإيذاء الجار، والإخلال بحقوق الزوجة، ومن الظلم مماطلة الغني في أداء حقوق الناس من دين أو غيره.
والظلم: وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به، وهو ضد العدل، فكل انحراف عن العدل فهو ظلم؛ لأن العدل وضع الشيء موضعه، والقيام بالحقوق الواجبة، حقوق الله تعالى وحقوق المخلوقين من الوالدين والأرحام والزوجين وسائر الناس.
وظلم الناس أنواع كثيرة يجمعها قوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا … " (١).
قوله: (ظلمات يوم القيامة) جمع ظلمة، وهي شدة الظلام بحيث لا يرى الإنسان ما حوله، وهذا على ظاهره، فيكون الظلم ظلمات متوالية على صاحبه بحيث لا يهتدي يوم القيامة سبيلًا، وقيل: المراد بالظلمات: الشدائد والأهوال على حد قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] أي: من شدائدهما، وقيل: إنها عبارة عن الأنكال والعقوبات، والصواب الأول حملًا للكلام على ظاهره.
• الوجه الثالث: في هذا الحديث الموجز البليغ تحذير من الظلم، وبيان لشؤمه وسوء عاقبته يوم القيامة، حيث يفقد الظالم النور الذي يستضيء به المؤمن يوم القيامة، فيكون في ظلام دامس لا يرى طريقه بقدر ما حصل منه من ظلم، إذ لا نور يوم القيامة إلا من أعطاه الله نورًا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]،، وسيأتي لهذا الحديث مزيد كلام في شرح حديث أبي ذر ﵁ إن شاء الله -. والله تعالى أعلم.
стр. 4692
التحذير من الشُّحّ
١٤٩٢/ ٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب"، باب (تحريم الظلم) (٢٥٧٨) من طريق داود بن قيس، عن عبيد الله بن مِقْسَم، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم".
وقد تقدم في الباب قبله حديث ابن عمر ﵄، ولفظه: "الظلم ظلمات يوم القيامة".
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (اتقوا الظلم) أي: اجتنبوا الظلم، وابتعدوا عنه.
قوله: (الشح) بالشين المعجمة، وهي مثلثة، والضم أعلى، يقال: شَحَّ يَشُحُّ من باب قتل، وفي لغة من بابي ضرب وتعب فهو شحيح (١).
يقول ابن فارس: (الشين والحاء الأصل فيه المنع، ثم يكون منعًا مع
стр. 4693
حرص، ومن ذلك الشح، وهو البخل مع حرص) (١).
فالشح: هو البخل مع الحرص الشديد، وعلى هذا فالشح أشد من البخل؛ لأنه بخل مع حرص، فهو شحيح قبل حصول المال بخيل بعد حصوله، وقيل: إن الشح عام، والبخل يكون بالمال (٢)، قال ابن رجب في تعريف الشح: (هو تشوق النفس إلى ما حرم الله ومنع منه، وعدم قناعة الإنسان بما أحلَّه الله من مال أو فرج أو غيرهما، … والبخل هو إمساك الإنسان ما في يده .. ) (٣) وقد جاء عن السلف تفسير الشح بهذا المعنى، وأنه تناول الإنسان ما ليس له ظلمًا وعدوانًا، ولم أر هذا في كتب اللغة، ولعل مراد السلف أن البخل المتناهي يبلغ بصاحبه إلى أن يأكل مال أخيه وتطمح عينه إلى ما ليس له (٤).
وقد مضى الكلام على الشح والبخل في باب (النفقات) (٥).
قوله: (أهلك من كان قبلكم) أي: من الأمم، ونسبة الهلاك إلى الشح من باب المجاز العقلي، لعلاقة السببية، مثل: أنبت الربيع العشب، وبنى الأمير قصرًا.
والمراد بالهلاك: الهلاك الحسي في الدنيا، وقيل: الهلاك في الآخرة، ويؤيد الأول تمام الحديث: "حملهم على أن سفكوا دماءهم … " أي: قتل بعضهم بعضًا بسبب طلب المال والحرص عليه، "واستحلوا محارمهم" أي: استباحوا ما حرم الله عليهم من أكل الأموال وسفك الدماء، ومن ذلك أنهم احتالوا على بيع ما حرم الله عليهم أكله؛ كالشحوم جملوها فباعوها. وهذا هلاك في الدنيا ويتبعه هلاك في الآخرة، إذ لا مانع من حمل الحديث على المعنيين.
стр. 4694
• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من الظلم وأمر باجتنابه والابتعاد عنه؛ لأن عاقبته خطيرة كما تقدم.
• الوجه الرابع: التحذير من الشح وبيان أنه إذا فشا في المجتمع فهو علامة الهلاك؛ لأنه سبب من أسباب الظلم والبغي والعدوان وسفك الدماء، فهو يحمل على القتل وأخذ المال ويحمل على السرقة والخيانة، كما يحمل على قطيعة الرحم، فلا يصل الشحيح أرحامه، ولا يحسن إليهم لحبه المال وحرصه عليه، وقد يظلمهم بالتعدي على أموالهم إما بجحدها أو سرقتها أو أخذها.
ويروى عن ابن عمر ﵄ أنه قال لجلسائه يومًا: أيهما أشد، البخل أو الشح؟ فاختلفوا، فقال لهم: (الشح أشد من البخل؛ لأن الشحيح يَشُحُّ على ما في يديه فيحبسه، ويشح على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وأما البخيل فهو يبخل على ما في يديه) (١).
إن الشح خصلة ذميمة تنافي كمال الإيمان، وتؤدي إلى التعدي على ما حرم الله ومنع منه من مال أو غيره، حتى قيل: إن الشح رأس المعاصي كلها، وقد عَلَّقَ الله الفلاح على الوقاية والسلامة منه، فقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
يقول الحافظ ابن رجب: (حصر الله الفلاح في وقاية شُحِّ نفسه، وتَطَلُّعِهَا إلى ما مُنعت منه، وحرصها على ما يضرها مما تشتهيه: من عُلُوِّ وترفع، ومالٍ وجاهٍ وأهل ومسكن، ومأكل ومشرب وملبس وغير ذلك، فإنها تتطلع إلى ذلك كله وتشتهيه، وهو عين هلاكها، ومنه ينشأ البغي والحسد والحقد، فمن وُقي شح نفسه فقد قهوها وقصرها على ما أُبيح لها وأُذن لها فيه، وذلك عين الفلاح) (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 4695
ما جاء في ذم الرياء
١٤٩٣/ ٦ - عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
° الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٣٩/ ٣٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٢/ ٢٠١) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث، وتمامه: "يقول الله لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء".
وفي سند هذا الحديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق تغيّر حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا).
وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب قال عنه: (ثقة ربما وهم).
ومحمود بن لبيد مختلف في صحبته، فقد ذكر البخاري ما يدل على أن له صحبة، ونفى ذلك أبو حاتم، وقال الحافظ: (محمود بن لبيد ولد في عهد النبي ﷺ ، ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية) (١)، وقد تقدمت ترجمته في كتاب "الطلاق" (٢).