← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

ثم الإخلال بحقوق النبي ﷺ الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وظلم الغير عبارة عن التفريط في حقه؛ كقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وإيذاء الجار، والإخلال بحقوق الزوجة، ومن الظلم مماطلة الغني في أداء حقوق الناس من دين أو غيره. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به، وهو ضد العدل، فكل انحراف عن العدل فهو ظلم؛ لأن العدل وضع الشيء موضعه، والقيام بالحقوق الواجبة، حقوق الله تعالى وحقوق المخلوقين من الوالدين والأرحام والزوجين وسائر الناس. وظلم الناس أنواع كثيرة يجمعها قوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا … " (١). قوله: (ظلمات يوم القيامة) جمع ظلمة، وهي شدة الظلام بحيث لا يرى الإنسان ما حوله، وهذا على ظاهره، فيكون الظلم ظلمات متوالية على صاحبه بحيث لا يهتدي يوم القيامة سبيلًا، وقيل: المراد بالظلمات: الشدائد والأهوال على حد قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] أي: من شدائدهما، وقيل: إنها عبارة عن الأنكال والعقوبات، والصواب الأول حملًا للكلام على ظاهره. • الوجه الثالث: في هذا الحديث الموجز البليغ تحذير من الظلم، وبيان لشؤمه وسوء عاقبته يوم القيامة، حيث يفقد الظالم النور الذي يستضيء به المؤمن يوم القيامة، فيكون في ظلام دامس لا يرى طريقه بقدر ما حصل منه من ظلم، إذ لا نور يوم القيامة إلا من أعطاه الله نورًا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]،، وسيأتي لهذا الحديث مزيد كلام في شرح حديث أبي ذر ﵁ إن شاء الله -. والله تعالى أعلم.

стр. 4692

التحذير من الشُّحّ ١٤٩٢/ ٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب"، باب (تحريم الظلم) (٢٥٧٨) من طريق داود بن قيس، عن عبيد الله بن مِقْسَم، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم". وقد تقدم في الباب قبله حديث ابن عمر ﵄، ولفظه: "الظلم ظلمات يوم القيامة". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (اتقوا الظلم) أي: اجتنبوا الظلم، وابتعدوا عنه. قوله: (الشح) بالشين المعجمة، وهي مثلثة، والضم أعلى، يقال: شَحَّ يَشُحُّ من باب قتل، وفي لغة من بابي ضرب وتعب فهو شحيح (١). يقول ابن فارس: (الشين والحاء الأصل فيه المنع، ثم يكون منعًا مع

стр. 4693

حرص، ومن ذلك الشح، وهو البخل مع حرص) (١). فالشح: هو البخل مع الحرص الشديد، وعلى هذا فالشح أشد من البخل؛ لأنه بخل مع حرص، فهو شحيح قبل حصول المال بخيل بعد حصوله، وقيل: إن الشح عام، والبخل يكون بالمال (٢)، قال ابن رجب في تعريف الشح: (هو تشوق النفس إلى ما حرم الله ومنع منه، وعدم قناعة الإنسان بما أحلَّه الله من مال أو فرج أو غيرهما، … والبخل هو إمساك الإنسان ما في يده .. ) (٣) وقد جاء عن السلف تفسير الشح بهذا المعنى، وأنه تناول الإنسان ما ليس له ظلمًا وعدوانًا، ولم أر هذا في كتب اللغة، ولعل مراد السلف أن البخل المتناهي يبلغ بصاحبه إلى أن يأكل مال أخيه وتطمح عينه إلى ما ليس له (٤). وقد مضى الكلام على الشح والبخل في باب (النفقات) (٥). قوله: (أهلك من كان قبلكم) أي: من الأمم، ونسبة الهلاك إلى الشح من باب المجاز العقلي، لعلاقة السببية، مثل: أنبت الربيع العشب، وبنى الأمير قصرًا. والمراد بالهلاك: الهلاك الحسي في الدنيا، وقيل: الهلاك في الآخرة، ويؤيد الأول تمام الحديث: "حملهم على أن سفكوا دماءهم … " أي: قتل بعضهم بعضًا بسبب طلب المال والحرص عليه، "واستحلوا محارمهم" أي: استباحوا ما حرم الله عليهم من أكل الأموال وسفك الدماء، ومن ذلك أنهم احتالوا على بيع ما حرم الله عليهم أكله؛ كالشحوم جملوها فباعوها. وهذا هلاك في الدنيا ويتبعه هلاك في الآخرة، إذ لا مانع من حمل الحديث على المعنيين.

стр. 4694

• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من الظلم وأمر باجتنابه والابتعاد عنه؛ لأن عاقبته خطيرة كما تقدم. • الوجه الرابع: التحذير من الشح وبيان أنه إذا فشا في المجتمع فهو علامة الهلاك؛ لأنه سبب من أسباب الظلم والبغي والعدوان وسفك الدماء، فهو يحمل على القتل وأخذ المال ويحمل على السرقة والخيانة، كما يحمل على قطيعة الرحم، فلا يصل الشحيح أرحامه، ولا يحسن إليهم لحبه المال وحرصه عليه، وقد يظلمهم بالتعدي على أموالهم إما بجحدها أو سرقتها أو أخذها. ويروى عن ابن عمر ﵄ أنه قال لجلسائه يومًا: أيهما أشد، البخل أو الشح؟ فاختلفوا، فقال لهم: (الشح أشد من البخل؛ لأن الشحيح يَشُحُّ على ما في يديه فيحبسه، ويشح على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وأما البخيل فهو يبخل على ما في يديه) (١). إن الشح خصلة ذميمة تنافي كمال الإيمان، وتؤدي إلى التعدي على ما حرم الله ومنع منه من مال أو غيره، حتى قيل: إن الشح رأس المعاصي كلها، وقد عَلَّقَ الله الفلاح على الوقاية والسلامة منه، فقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. يقول الحافظ ابن رجب: (حصر الله الفلاح في وقاية شُحِّ نفسه، وتَطَلُّعِهَا إلى ما مُنعت منه، وحرصها على ما يضرها مما تشتهيه: من عُلُوِّ وترفع، ومالٍ وجاهٍ وأهل ومسكن، ومأكل ومشرب وملبس وغير ذلك، فإنها تتطلع إلى ذلك كله وتشتهيه، وهو عين هلاكها، ومنه ينشأ البغي والحسد والحقد، فمن وُقي شح نفسه فقد قهوها وقصرها على ما أُبيح لها وأُذن لها فيه، وذلك عين الفلاح) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4695

ما جاء في ذم الرياء ١٤٩٣/ ٦ - عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٣٩/ ٣٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٢/ ٢٠١) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث، وتمامه: "يقول الله لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء". وفي سند هذا الحديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق تغيّر حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا). وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب قال عنه: (ثقة ربما وهم). ومحمود بن لبيد مختلف في صحبته، فقد ذكر البخاري ما يدل على أن له صحبة، ونفى ذلك أبو حاتم، وقال الحافظ: (محمود بن لبيد ولد في عهد النبي ﷺ ، ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية) (١)، وقد تقدمت ترجمته في كتاب "الطلاق" (٢).

стр. 4696

وإذا لم يثبت سماعه من النبي ﷺ فحديثه من مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة حجة، فالحديث حسن، وقال المنذري: (إسناده جيد) (١)، وقال العراقي: (رجاله ثقات) (٢). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أخوف ما أخاف عليكم) أي: أَشَدُّ خَوْفٍ أخافه عليكم، والخطاب للمسلمين، وليس لعموم الناس. قوله: (الشرك الأصغر) بالرفع خبر إن، وهو ما جاء في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر، ووجه كون الرياء من الشرك أن المرائي إذا عبد الله تعالى فهو بمراءاته الناس أشرك بتلك العبادة من يرائيهم. قوله: (الرياء) بالرفع بدل من الشرك أو عطف بيان، وهو مصدر راءاه يرائيه رياءً ومراءاة، وهو مأخوذ من الرؤية. واصطلاحًا: إظهار الشخص العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدونه عليها (٣). والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء في الفعل، والسمعة في القول؛ كالقراءة والذكر والوعظ والإرشاد، وأبواب الرياء كثيرة. نسأل الله السلامة. • الوجه الثالث: الحديث دليل على شدة خطر الرياء، وأنه أشد ما يُخاف على المسلم، وذلك لخفائه وتطلع النفس إليه، وارتباطه بالقلب؛ إذ لا يُعلم ما في قلب صاحبه، وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه قَصَدَ بعمله غير الله تعالى، ولهذا وردت تسميته في بعض الأحاديث بالشرك الخفي؛ لأن صاحبه يظهر أن عمله لله تعالى، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وقد دلت النصوص على بطلان العمل الذي صاحبه رياء، قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ﴾

стр. 4697

صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وثبت في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سَمَّعَ سَمَّعَ الله به، ومن راءى راءى الله به" (٢). فالرياء محبط للأعمال، مبطل ثوابها؛ لأن المرائي عابد لغير الله تعالى، وقد ذمه الله تعالى في كتابه وجعله من صفات المنافقين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]،، والرياء يجرد الأعمال من تأثيرها الطيب على سلوك المسلم وتنعدم آثارها، ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧]. وليس من الرياء حَمْدُ الناسِ العبدَ على عمل الخير دون قصد منه، بل هذا من عاجل بشرى المؤمن، كما ورد في حديث أبي ذر ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" (٣). ومثل هذا نشاط العبد في عمل الخير عند رؤية العابدين؛ كنشاط بعض الناس في رمضان عندما يرى من يتلو القرآن، أو يصلي القيام، ونحو ذلك. • الوجه الرابع: العبادة إذا خالطها رياء فهي من حيث البطلان وعدمه قسمان: الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس، كمن صلى لقصد رؤية الناس أنه يصلي وهو في الواقع ليس كذلك، فهذا شرك، والعبادة باطلة، كما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁، وهذه حال المنافقين في صلاتهم، أما

стр. 4698

المؤمن فلا يكاد يصدر منه ذلك في فرض صلاة ولا صوم. الثاني: أن يكون الباعث على العبادة وجه الله تعالى، ثم يطرأ الرياء في أثناء العبادة، فإن دافع الرياء ولم يسكن إليه، بل أعرض عنه وكرهه، فهذا لا يؤثر مطلقًا؛ لأنه جاهد نفسه، وقد قال النبي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أوتتكلم" (١). وإن استرسل مع الرياء واطمأن إليه، بطلت العبادة إذا كان آخرها مبنيًّا على أولها كالصلاة، فإن كان آخرها لا يُبنى على أولها، بطل ما فيه رياء، دون ما ليس فيه رياء، مثل: رجل عنده مائة ريال للصدقة، فتصدق بخمسين وراءاى في الخمسين الثانية، فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة. ويذكر بعض العلماء قسمًا ثالثًا: وهو أن يكون الباعث على العبادة وجه الله تعالى ثم يطرأ الرياء بعد الفراغ منها، فهذا لا يؤثر، لكن قد يكون من باب نقل العمل من السر إلى العلانية (٢). • الوجه الخامس: شفقة النبي ﷺ على أمته ورحمته بهم وتحذيره مما يخاف عليهم، حيث خاف النبي ﷺ من وقوع الرياء في الأمة خوفًا شديدًا. وقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل على أمته على خبر ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما بعلمه لهم … " الحديث (٣). ومعالجة الرياء تحتاج مجاهدة شديدة، وذلك بالخوف منه؛ لأن من خاف شيئًا صار منه على حذر، ثم بدفع ما يعرض من خاطر الرياء، وأن يعود المسلم نفسه على إخفاء العبادة والبعد عن الناس، ولا سيما في نوافل الطاعات، مع صدق الالتجاء إلى الله تعالى بسؤاله العافية. • الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الشرك ينقسم إلى أكبر

стр. 4699

وأصغر، فالأكبر أن يسوي غير الله تعالى بالله فيما هو من خصائص الله، وذلك بأن يجعل له ندًّا يدعوه كما يدعو الله أو يخافه أو يرجوه أو يحبه أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة. وهذا الشرك لا يُبقي مع صاحبه من التوحيد شيئًا؛ لأنه ينقل عن الملة ويحبط الأعمال وصاحبه مخلد في النار. أما الأصغر فهو كما تقدم: كل ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر، ويدخل في هذا جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك؛ كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة؛ مثل الحلف بغير الله، ويسير الرياء ونحو ذلك، والشرك الأصغر لا ينقل عن الملة ولا يوجب الخلود في النار، ويحبط العمل الذي قارنه، كما تقدم في الرياء (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4700

علامات النفاق ١٤٩٤/ ٧ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ١٤٩٥/ ٨ - وَلَهُمَا: مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو: "وإذا خَاصَمَ فَجَرَ". ° الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه البخاري في كتاب "الإيمان"، باب (علامة المنافق) (٣٣)، ومسلم (١٠٧) (٥٩) من طريق أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. وأما حديث عبد الله بن عمرو فقد رواه البخاري في الباب نفسه (٣٤)، ومسلم (١٠٦) (٥٨) من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كلذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" هذا لفظ البخاري. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (آية المنافق) أي: علامة المنافق، والعلامة هي ما يستدل بها

стр. 4701

على الشيء، و (أل) في المنافق للجنس، وكان القياس جمع المبتدأ (آية) ليطابق الخبر الذي هو ثلاث، وقد أجيب عن ذلك بعدة أجوبة، أحسنها: أن (الثلاث) اسم جمع، ولفظه مفرد، أو أن (آية) مفرد مضاف، فيعم، كأنه قال: آياته ثلاث (١). والمنافق: اسم فاعل من نافق الرباعي، وهو مشتق من أحد جحري اليربوع الذي يقال له: النافقاء؛ لأن اليربوع إذا حفر جحره جعل له مخرجًا يرققه ويخففه، فإذا أُتي من قبل القاصعاء الذي يظهره ويقصع منه؛ أي: يخرج، ضرب النافقاء برأسه فانتفق؛ أي: خرج، فكما أن اليربوع يكتم النافقاء، ويظهر القاصعاء، كذلك المنافق يكتم الكفر، ويظهر الإيمان. والمراد بالنفاق في هذا الحديث: نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك. قوله: (إذا حدث كذب) أي: إذا تكلم مع غيره أخبر بخلاف الواقع، ومجيء (إذا) الشرطية في الجمل الثلاث فيه تنبيه على أن هذه عادة المنافق؛ لأن (إذا) تدل على تحقق الوقوع، وقال الخطابي: (كلمة "إذا" تقتضي تكرار الفعل) (٢). قوله: (وإذا وعد أخلف) أي: إذا وعد بشيء في المستقبل (أخلف) أي: جعل الوعد خلافًا وذلك بأن لا يفي به، وعطف هذا على ما قبله مع أن إخلاف الوعد من الكذب؛ لأن الخلف قد يكون بالفعل وهو غير الكذب، أو للتنبيه على زيادة قبحه، فيكون من باب عطف الخاص على العام. قوله: (وإذا اؤتمن خان) بضم التاء مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وهو من الائتمان؛ أي: وإذا جعل أمينًا على شيء خان في هذه الأمانة وتصرف فيها على خلاف الشرع، وقال ابن سيده: (الخيانة: أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح)، وهذا أعم (٣).

стр. 4702

قوله: (وإذا خاصم فجر) أي: إذا خاصم شخصًا مال عن الحق واحتال في رده وإبطاله وتكلم بالباطل؛ لأن الفجور: هو الميل عن القصد. ولا منافاة بين قوله في حديث ابن عمرو: أربع، وفي حديث أبي هريرة: ثلاث؛ لأن مفهوم العدد غير حجة ما لم توجد قرينة؛ ولأن الشيء الواحد قد يكون له علامات، فتارة يذكر بعضها، وتارة تذكر جميعها أو أكثرها، وقال القرطبي: (يحتمل أن يكون النبي ﷺ قد استجد له من العلم بخصال المنافقين ما لم يكن عنده، إما بالوحي، وإما بالمشاهدة لتلك منهم) (١). والمنافق له خصال أُخر مذمومة، وقد يكون تخصيص هذه الخصال بالذكر؛ لأنها أظهر عليهم من غيرها عند مخالطتهم المسلمين، أو لأنها هي التي يضرون بها المسلمين. • الوجه الثالث: شفقة النبي ﷺ على أمته ونصحه لهم حيث حذرهم من النفاق بذكر علامات المنافق وأوصافه، ليكون المسلم على بينة من ذلك، ويحذر أن يقع في شيء من هذه العلامات، وقد كان الصحابة ﵁ يخافون النفاق على أنفسهم. قال البخاري: (قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه … ) (٢). ومما يدل على خطر النفاق العملي أنه وسيلة وذريعة إلى النفاق الأكبر وهو نفاق الاعتقاد، كما أن المعاصي بريد الكفر، فيخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقًا خالصًا، نسأل الله السلامة. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم الكذب في الحديث وأنه من علامات النفاق؛ لأن الكاذب في حديثه قد أساء إلى نفسه في هذا الخلق السيئ والصفة الذميمة، وأساء إلى مخاطبه حيث أوهمه أنه صادق في حديثه معه مع أنه كاذب، وأساء إلى مجتمعه حيث صار عضوًا فاسدًا بسبب هذه الخصلة.

стр. 4703

• الوجه الخامس: في الحديث دليل على تحريم إخلاف الوعد وأنه من خصال المنافقين، واخلاف الوعد يصدق على من يعد ومن نيته ألا يفي بوعده، وهذا أشد من الخُلْفِ؛ لأنه جمع بين الكذب والخلف، كما يصدق على من وعد ومن نيته أن يفي لكن بدا له أن يخلف الوعد من غير عذر، أما من عزم على الوفاء ومنعه مانع فهذا غير ملوم ولا يكون منافقًا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق، ولكن ينبغي للمسلم أن يحترز من صورة النفاق، كما يحترز من حقيقته، ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذورًا من غير ضرورة (١). والوفاء بالوعد من جملة الأخلاق الكريمة التي جاء بها الإسلام وحث عليها وحذر من ضدها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]. قال القرطبي عن هذه الآية: (صِدْقُ الوعد من خلق النبيين والمرسلين، وضده وهو الخُلْفُ مذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين … ) (٢)، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوفاء بالوعد، وأن إخلافه محرم إلا لعذر، قال ابن العربي: (أجلُّ من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبد العزيز) وهو وجه في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وهو قول في مذهب المالكية، صححه ابن الشَّاط في حاشيته على "الفروق" (٤). وما انتشرت ظاهرة إخلاف الوعد والتهاون به إلا من ضعف الالتزام بالأحكام الشرعية وعدم رعاية نصوص الشريعة، وما أمرت به من مكارم الأخلاق، وما حذرت عنه من مساوئ الأخلاق، وانظر إلى ما يترتب على إخلاف الوعد أو التأخر عن الموعد من الانتظار وإضاعة الوقت بالنسبة

стр. 4704

للآخرين، وحرمانهم من الاستفادة من أوقاتهم، وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت هارون المستملي يقول لأبي: بم تعرف الكذابين؟ قال: "بالمواعيد أو بِخُلْفِ المواعيد" (١). • الوجه السادس: في الحديث دليل على تحريم الخيانة فيما يؤتمن عليه الإنسان وعدم النصح فيه، وأن الواجب عليه أن يؤدي ما اؤتمن عليه وأن يقوم به خير قيام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧]، ويدخل في الحديث الخيانة في الأموال، والحقوق، والأسرار، وما اؤتمن عليه المربون من ناشئة المسلمين وفلذات أكبادهم. • الوجه السابع: في الحديث دليل على تحريم الفجور في الخصومة عند القاضي أو غيره، وذلك بأن يخرج عن الحق عمدًا، ويميل إلى الباطل، فينكر ما وجب عليه أداؤه، أو يدّعي ما ليس له، ومن أعظم الفجور أن يحلف كاذبًا ليأخذ حق أخيه. • الوجه الثامن: في الحديث نوع من أنواع طرق التعليم وهو ذكر العدد قبل تفسير المعدود، وهذا عند البلاغيين من الإيضاح بعد الابهام، والغرض منه زيادة تطلع السامع وتشوقه إلى التفصيل، وهذا مما يقرر المعنى، ويثبته في الذهن. والله تعالى أعلم.

стр. 4705

النهي عن سباب المسلم وقتاله ١٤٩٦/ ٩ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولَ اللهِ ﷺ : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقتَالُهُ كُفْرٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (ما يُنهى من السباب واللعن) (٦٠٤٤)، ومسلم (٦٤) من طريق أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (سباب) بكسر السين وتخفيف الموحدة، وهو مصدر سب يَسُبُّ سبًّا وسبابًا، والسب: هو الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه في حضرته، فإن كان في غيبته فهو غيبة (١)، وصيغة الفِعَالِ إما أنها على بابها؛ أي: المشاتمة بين اثنين، ويكون الإثم على البادئ كما سيأتي إن شاء الله، أو أنها للمبالغة؛ أي: سب المسلم، وعلى هذا فالسبُّ والسباب بمعنى واحد، وقيل السباب أشد من السب، وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه (٢). وقوله: (المسلم) المراد به المسلم الكامل الإسلام، ومفهومه أن سب الكافر ليس كذلك، وكذا الفاسق، كما سيأتي.

стр. 4706

قوله: (فسوق) مصدر فسق يفسُق بالضم من باب قعد، وبالكسر على لغة حكاها الأخفش (١)، والفسق: الخروج عن طاعة الله ورسوله، تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت عن قشرها. قال ابن عطية: (الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ، فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان) (٢). وقال الراغب: (الفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيرًا) (٣). قوله: (وقتاله) صيغة الفعال إما أنها على بابها فهي مصدر قاتله يقاتله إذا حاربه ونازله، أو أنها للمبالغة؛ أي: قتله، والقتل: إزهاق الروح بالضرب أو بغيره، والفرق بين القتال والقتل: أنه في القتال إذا كف المقاتل وجب تركه والكف عنه، بخلاف القتل، ولهذا كل من جاز قتله جاز قتاله، وليس كل من جاز قتاله جاز قتله، وقد تقدم هذا في باب (قتال الجاني) (٤). قوله: (كُفْرٌ) أي: خروج عن الدين إذا كان مستحلًا له، فإن كان غير مستحلٍّ له لم يخرج به من الإيمان، ولكنه خصلة من خصال الكفر، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] (٥) فسماهم الله مؤمنين مع وجود الاقتتال، وعبر هنا بالكفر وفي الأول بالفسوق؛ لأن القتال يفضي إلى إزهاق الروح فهو أشد من السباب. • الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم حق المسلم حيث حكم الشرع على أن سب المسلم أخاه وعيبه ووصفه بما يكره أنه فسوق وخروج عن طاعة الله ورسوله، ومفهوم الحديث أن الكافر يجوز سبه إذا كان حربيًّا؛ إذ لا حرمة له، أما المعاهد ففي سبه أذية له، وقد نُهي عن أذيته، فيكون المفهوم

стр. 4707

غير مراد في حقه، وأما الفاسق المعلن بفجوره فإنه يجوز سبه لبيان حاله والتحذير منه على قول الأكثرين (١). • الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من قاتل أخاه المسلم، فإنه يكفر كفرًا يخرجه عن الملة، ويوجب الخلود في النار إذا كان مستحلًا لذلك، أما إذا قاتله لهوى في نفسه ولم يستحل دمه، فإنه يكون كافرًا كفرًا أصغر لا يخرج من الملة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] فسماهم الله تعالى مؤمنين مع حصول الاقتتال، والكفر الأصغر هو الموجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود. قال الحافظ ابن حجر: (لم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4708

التحذير من ظن السوء بالمسلم ١٤٩٧/ ١٠ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فَإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَديثِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه" ومنها في كتاب "الأدب"، باب (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢]) (٦٠٦٦)، ومسلم (٢٥٦٣) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره، وتمامه: "ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشو ا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا" وسيعيد الحافظ هذا الحديث مرة أخرى في باب (الترغيب في مكارم الأخلاق). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إياكم والظن) تقدم إعراب هذه الجملة عند أول حديث في هذا الباب، والمراد بالظن هنا: التهمة، وهو ظن السوء بالمسلم من غير برهان واتهامه بلا بينة، كان يتهم إنسانًا بفعل سيئ من غير أن يظهر له ما يقتضيها، والدليل على هذا سياق الحديث: "ولا تحسسوا ولا تجسسوا". وأصل الظن: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. قوله: (فإن الظن أكذب الحديث) فيه إظهار في موضع الإضمار، وإنما كان الظن بمعنى الاتهام أكذب الحديث؛ لأن الكذب مخالفة الواقع من غير استناد

стр. 4709

إلى دليل، والظن الذي لا يستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه هو من الكذب؛ لأن الظان إذا اعتمد على ما لا يُعتمد عليه وجعله أصلًا وجزم به صار كاذبًا. وإنَّما صار الظن أشد من الكذب لأمرين: ١ - أن الكذب مستقبح في أصله مستغنى عن ذمه، بخلاف هذا فإن صاحبه يرى بزعمه أنَّه مستند إلى شيء، فناسب وصفه بأنه أشد الكذب مبالغة في ذمه والتنفير منه. ٢ - أن الاغترار بالظن أكثر من الاغترار بالكذب المحض، وذلك لخفائه غالبًا ووضوح الكذب. وسماه النبي ﷺ حديثًا في قوله: "أكذب الحديث" لأنه حديث نفس يثمر غالبًا قولًا أو فعلًا غير مطابق للواقع. • الوجه الثالث: في الحديث تحذير من الظن الذي لم يُبْنَ على دليل ولا قرائن قوية وأمارات صحيحة بحيث يعتمد الإنسان على هذا الظن المجرد ويبني عليه الأحكام ويرتب عليه النتائج، وأن هذا من مساوئ الأخلاق، وأن الواجب الحمل على المحامل الحسنة إلَّا أن تقوم البينة العادلة والقرائن القوية على خلاف ذلك، وإلَّا فإن الأصل البراءة والحذر من سوء الظن بغير حق؛ لأن سوء الظن فيه مفاسد عظيمة، من إساءة الظن بالمسلم، وبغضه وعداوته، ثم إن الظان قد يقول ما لا ينبغي، أو يفعل ما لا ينبغي، ومن الظن السيئ ظن بعض الرجال بزوجته، وبناء الأحكام على أمور لا حقيقة لها ولا وجود، فيترتب على ذلك نتائج وخيمة، ومن الظن السيئ أن يتكلم أخوك بكلام فتحمله على أسوأ المحامل. وعلى هذا فالمراد بالحديث تحقيق الظن وتثبيته وتقريره في النفس، أما مبادئ الظنون التي لا تُملك، بحيث تعرض في النفس ولا تستقر فإنه معفو عنها؛ لقوله ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما لم تتكلم أو تعمل" (١)، يقول

стр. 4710

الخطابي: (قوله: "إياكم والظن" يعني تحقيق الظن والحكم بما يقع في القلب منه، كما يحكم بيقين العلم في الأمور المعلومة، وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر لا يملك دفعها، والأمر والنهي إنما يردان بتكليف الشيء المقدور عليه، دون غيره مما لا يُملك ولا يستطاع) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4711

ما جاء من الوعيد فيمن غَشَّ رعيته ١٤٩٨/ ١١ - عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتهِ، إلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأحكام"، باب "من استُرعي رعية فلم ينصح) (٧١٥٠)، ومسلم (١٤٢) من طريق أبي الأشهب، عن الحسن قال: عاد عبيد الله بن زياد (١) معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه. قال معقل: إني محدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ لو علمت أن لي حياةً ما حدثتك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث، واللفظ لمسلم. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يسترعيه الله) أي: يفوض إليه رعايتها، بأن يكون واليًا وأميرًا على قوم، والجملة صفة لـ (عبد). قوله: (رعية) بفتح الراء وكسر العين المهملة وتشديد الياء بمعنى مرعية، وهم عامة الناس الخاضعون لأمير. قوله: (يموت) خبر (ما)، أو أنَّه صفة ثانية لـ (عبد) والخبر محذوف.

стр. 4712

قوله: (يوم يموت) بالنصب على الظرفية وهو مقدم على عامله، والمراد به: وقت خروج روحه وما قبل ذلك من حين المعاينة التي لا يقبل عندها توبة. قوله: (وهو غاش لرعيته) جملة حالية من ضمير (يموت) الأول، والغاش: بتشديد الشين بصيغة اسم الفاعل من غش الثلاثي، وهو ضد النصح، مأخوذ من الغشش وهو المشرب الكدر؛ أي: خائن لا يقوم بمصالحهم، ولا يفي بحقوقهم. قوله: (إلَّا حرم الله عليه الجنَّة) تقدم الكلام على مثل هذه الجملة عند الحديث (١٤٦٤) من هذا الجزء. • الوجه الثالث: في الحديث وعيد شديد وزجر أكيد عن غش الإِمام لرعيته وعدم النصح لها وأن هذا من كبائر الذنوب؛ لأن من مات على هذه الحال فإن الله تعالى يمنعه من دخول الجنَّة. وغش الإِمام لرعيته يتناول أمورًا كثيرة، منها: التهاون في تطبيق شرع الله تعالى، وعدم الحكم بين الرعية بما أنزل الله، والتهاون في إقامة دين الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم الاهتمام بأمور الرعية أو مصالحها والاحتجاب عن الناس وعن رفع حوائجهم. ومن الغش ترك المفسدين يعيثون في الأرض بإفساد الأخلاق ونهب الأموال والاعتداء على الأعراض بدون رادع من حَدٍّ أو تعزير. ومن الغش المحاباة في المناصب وتولية من ليس كفؤًا لها من إمارة أو قضاء أو وزارة أو غير ذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 4713

ما جاء من الوعيد في إدخال المشقة على المسلمين ١٤٩٩/ ١٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيئًا، فَشَقَّ عَلَيهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيهِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الإمارة"، باب (فضيلة الإِمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية … ) (١٨٢٨) من طريق حرملة، عن عبد الرحمن بن شُماسة قال: أتيت عائشة ﵂ أسألها عن شيء، فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم (١) لكم في غَزَاتِكُمْ هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئًا إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ ، يقول في بيتي هذا: … وذكرت الحديث، وتمامه: "ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من أمر أمتي) من: ابتدائية، ويصح كونها بيانية لـ (شيئًا) فالجار والمجرور في محل نصب حال، وأصله صفة فلما قدم أعرب حالًا (٢). قوله: (شيئًا) نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، فيشمل اللفظ الولاية

стр. 4714

العامة وما دونها من الولاية الخاصة؛ كالإمارة والوزارة وإدارة المدرسة وشؤون العمل ونحو ذلك. قوله: (فشق عليهم) أي: فأدخل عليهم المشقة. قوله: (فاشقق عليه) أي: أوقعه في المشاق، إما في مشاق الدنيا كتسليط الأعادي، أو بآفات في بدنه أو أهله أو في قلبه، وإما في مشاق الآخرة من شدة الحساب وأليم العذاب. • الوجه الثالث: في الحديث وعيد شديد لمن ولي أمرًا من أمور المسلمين صغيرًا كان أم كبيرًا وأدخل عليهم المشقة، وذلك بدعاء الرسول ﷺ عليه بأن الله تعالى يجازيه من جنس ما عمل. والحديث عام في كل ولاية، ففي الولاية العظمى يحذر الوالي من إدخال المشقة والمضرة على الناس في شؤون حياتهم وأمور معاشهم، وإنَّما يعمل على تيسير الأمور والرفق بالرعية ومعاملتهم باللين في كل ما يصدر من ترتيبات وتعليمات. وفي الولايات الصغرى يحذر كل موظف أو مسؤول من أن يسيء إلى من تحت يده من المراجعين أو ذوي الحاجات أو يدخل عليهم المشقة، أو يكون سببًا في أذية أحد منهم، فإن الأذية أمرها عظيم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وإن من توفيق الله تعالى لمن ولي شيئًا من أمور المسلمين أن يكون حسن الخلق سهل التعامل، يتقرب إلى الله تعالى بعمله وبخدمته إخوانه المسلمين، ويكون رفيقًا بمراجعيه سريع الإنجاز لأعماله، يبذل وقته وجهده في قضاء الحاجات، أخلاقه مهذّبة، ألفاظه طيبة، ومثل هذا يكسب ثقة الناس ويظفر بمحبتهم ودعائهم له، وهذا من الذكر الحسن الذي تتناقله الألسن، ويقر في الأذهان. والله تعالى أعلم.

стр. 4715

النهي عن ضرب الوجه ١٥٠٠/ ١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ: "إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ" مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث تقدم تخريجه والكلام عليه في باب (حَدِّ الشارب) من كتاب "الحدود"، وقد رواه البخاري في كتاب "العتق"، باب (إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه) (٢٥٥٦) من طريق معمر، عن همام، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث. ورواه مسلم (٢٦١٢) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وهذا اللفظ للبخاري، وله طرق أخرى بعدة ألفاظ. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الإنسان إذا أراد أن يضرب أحدًا فعليه أن يجتنب الضرب في الوجه، وهذا نهي عام يعم الحدود والتعزيرات، والإنسان والحيوان، وذلك لأن الوجه مجمع المحاسن، وهو لطيف، فيظهر فيه أثر الضرب، وقد يُتلف منه عضوًا كالعين أو الأذن، أو يؤثر عليها الضرب، وربما شأنه، والشين فيه لا يمكن ستره، بخلاف ما يخفى من الأعضاء. والله تعالى أعلم.

стр. 4716

ما جاء فِي الحد من الغضب ١٥٠١/ ١٤ - وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُولَ اللهِ" أَوْصِنِي. قَال: "لَا تَغْضَبْ"، فَرَدَّدَ مِرَارًا. قَال: "لَا تَغْضَبْ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (الحذر من الغضب) (٦١١٦) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصين، عن أبي صالح، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أن رجلًا … وذكر الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أوصني) أي: دلني على ما ينفعني في ديني ودنياي، وذلك بوصية جامعة لخصال الخير. قوله: (لا تغضب) أي: لا تتعرض لشيء يسبب لك الغضب، ولا تنفذ آثاره بالغير، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه؛ لأنه أمر غريزي وطَبْعٌ جِبِلِّيٌّ لا يمكن زواله (١). وقد تقدم تعريف الغضب. قوله: (فردد مرارًا) أي: كرر السائل طلب الوصية مرارًا بقوله: أوصني، وكأن هذا السائل لم يقتنع بقول النبي ﷺ : "لا تغضب" فطلب وصية أبلغ منها، وأنفع، فلم يزده النبي الله عليها، وأعادها له ثانيًا وثالثًا؛ لبيان عظيم نفعها؛ لي فيها من جلب المصالح ودفع المفاسد.

стр. 4717

• الوجه الثالث: في الحديث دليل على حرص الصحابة ﵃ على الخير؛ لأن هذا الصحابي طلب من النبي ﷺ أن يوصيه وصية جامعة لخصال الخير؛ ليحفظها عنه ويعمل بها. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن معالجة الغضب تكون بقطع أسبابه وجوالبه وممهداته، وتدريب النفس على التحمل، وتخفيف الغضب بالرياضة والتمارين والاكتساب، فيبتعد عن الأسباب المثيرة للغضب؛ كالسباب والمِراءِ والمنازعات وصحبة السفهاء، وكون الإنسان يغضب لأتفه الأمور التي يراها في بيته أو من أهله أو أولاده، وعلى الإنسان أن يتدرب على حل مشكلاته التي تعترضه بدلًا من الغضب والهياج كلما صادفته مشكلة أو اعترضه عائق، وهذا التوجيه النبوي في حديث الباب هو ما يسمى عند علماء النفس بالجانب الوقائي، وهذا يُعنى بمعالجة الغضب قبل حدوثه. وقد تقدم عند شرح الحديث الثالث في هذا الباب معالجة الغضب أثناء حدوثه بالكظم وهو إضعاف الغضب وتهدئته، فهاتان حالتان. وبقيت الحالة الثالثة وهي معالجته بعد حدوثه، وذلك بالأمور الآتية: ١ - الاستعاذة من الشيطان الرجيم؛ لأنه مصدر الغضب ومعززه، وقد ورد عن سليمان بن صرد ﵁ قال: استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه، قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقال الرجل: وهل ترى بي من جنون؟. وفي رواية للبخاري: فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي ﷺ وقال: "تعوَّذ بالله من الشيطان"، فقال " أَتُرى بي بأسًا؟ أمجنون أنا؟ اذهب (١). فالاستعاذة وترديدها مع تذكرها والتفكر فيها علاج مباشر لسببٍ رئيسٍ لحدوث الغضب وهو الشيطان، ولكن هذا الجانب من العلاج يحتاج إلى

стр. 4718

استعداد وقوة وتعويد للنفس على استعماله وممارسته، ومن فقد ذلك لم يقدر على هذا العلاج، ولهذا فإن هذا الرجل لم يُبْدِ استعداده للمعالجة، ولم يدرك قيمة الاستعاذة ومعانيها الإدراك الكامل، فقال: وهل ترَى بي من جنون؟. قال النووي: (فهو كلام من لم يفقه في دين الله تعالى، ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة، وتوهم أن الاستعاذة خاصة بالمجنون، ولم يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان … ويحتمل أن هذا القائل كان من المنافقين أو من جفاة الأعراب، والله أعلم، أوكان غلب عليه الغضب حتَّى أخرجه عن الاعتدال) (١). ٢ - تغيير الحالة التي هو عليها حال الغضب إلى حالة أقرب منها إلى التواضع والخضوع؛ لأن الكبر والاستعلاء قرينان للغضب، وقد أرشد إلى هذا النبي ﷺ ، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فمن أحس بشيء فليلصق بالأرض … " (٢)، وذلك لأنه منها خلق، وفيها يعاد مهما تكبّر وتعالى وتجبّر. ٣ - إطفاء الغضب بالماء وذلك بالوضوء؛ لأن الغضب يثير حرارة في الجسم، والماء يخمد الحرارة، ويبرد الجسم، فيعود إلى طبعه حيث يمر الماء على الجوارح المتأثرة من الوجه والفم واليدين والرجلين، وهي الأعضاء المستعدة للحركة والبطش والانتقام، وقد دل على ذلك حديث عطية السعدي بينه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنَّما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" (٣).

стр. 4719

٤ - السكوت وقطع الكلام استجابة لأمر رسول الله ﷺ بالسكوت في حال الغضب؛ لأن من أعظم وسائل استمرار الغضب الرغبة الشديدة في الكلام، بل إن الكلام في حال الغضب يحول مساره، فمن حيث الأسلوب يكون هَواشًا (١) ومجادلة، ومن حيث المقدار يكون صُراخًا وهديرًا، ومن حيث الموضوع يكون سِبابًا وشتمًا، ولا يقطع ذلك كله إلَّا الالتزام بالسكوت، وقد دلَّ على ذلك حديث ابن عبَّاس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "عَلِّموا ويسِّروا ولا تعسروا، وإذا غضبت فاسكت، وإذا غضبت فاسكت، وإذا غضبت فاسكت" (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4720

التحذير من أخذ المال بغير حق ١٥٠٢/ ١٥ - عَنْ خَوْلَةَ الأنصَارَيَّةِ ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي أم محمد خولة بنت قيس بن قَهْد - بالقاف - الأنصارية النجارية ﵂، ويقال: خولة بنت ثامر، أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ ، وتزوجت حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ﵁، فولدت له يعلى وعُمارة وابنتين، ولما استشهد تزوجت بعده حنظلة بن النعمان بن عجلان الأنصاري الزُّرقي فولدت له محمدًا، وكانت تُكنْى به (١). • الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "فرض الخمس"، باب (قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] (٣١١٨) من طريق ابن أبي عياش -واسمه نعمان- عن خولة الأنصارية ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : … وذكرت الحديث. • الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (يتخوضون) بالخاء والضاد المعجمتين، من الخوض وهو

стр. 4721

الدخول في الماء؛ أي: يتصرفون في أموال المسلمين بالباطل بكثرة المآكل والمشارب، وجودة الشِيَاتِ والملابس والمراكب، والتعبير بالتخوض يفيد أنهم يتصرفون فيها تصرفًا غير مبني على أصول شرعية، بل هو بمجرد التشهي. قوله: (في مال الله) المال: كل ما يتموله الإنسان من عقار أو منقول، قيل: إن المراد أموال المسلمين التي تصرف في المصالح العامة، وقيل: المراد العموم في كل مال، سواء أكان ماله أم مال غيره (١). قوله: (فلهم النار يوم القيامة) هذا حكم مرتب على الوصف المناسب وهو الخوض في مال الله، ففيه إشعار بالعِلِّيَّةِ. • الوجه الرابع: الحديث دليل على عظم شأن المال، ووجوب صرفه في الوجوه الشرعية المباحة؛ لأن الله تعالى جعل المال قيامًا لأمور الناس الدينية والدنيوية، وفيه تحذير من بذل الأموال في غير محلها، أو أخذ الإنسان شيئًا منها وهو غير مستحق لها، أو أخذه أكثر مما يستحق. قال ابن بطَّال: (معنى حديث خولة في هذا الباب -أي: تبويب البخاري- أن من أخذ من المقاسم شيئًا بغير قسم رسول الله ﷺ أو الإِمام بعده فقد تخوض في مال الله بغير حق، ويأتي بما غلَّ يوم القيامة. وفيه ردع للولاة والأفراد أن يأخذوا من مال الله شيئًا بغير حقه، ولا يمنعوه من أهله) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4722

ما جاء في تحريم الظلم ١٥٠٣/ ١٦ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوي عَنْ رَبِّهِ - قَال: "يَا عِبَادِي" إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالمُوا". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب"، باب (تحريم الظلم) (٢٥٧٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث. وهو حديث طويل، جاء في آخره: قول سعيد بن عبد العزيز - وهو التنوخي الدمشقي -: كان أَبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ينبغي أن يعرف أن هذا الحديث شريف القدر عظيم المنزلة، ولهذا كان الإِمام أحمد يقول: "هو أشرف حديث لأهل الشام، وذلك لاشتماله على قواعد عظيمة وأصول الدين وفروعه وآدابه) (١). وقد اقتصر الحافظ على هذه الجملة؛ لأن مقصوده سياق ما يتعلق بالظلم؛ لكونه من مساوئ الأخلاق.

стр. 4723

• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (فيما يروي عن ربه) أي: فيما يخبر به عن ربه ﵎، وهذه إحدى صيغ الحديث القدسي. قوله: (قال) أي: قال الله تعالى. قوله: (يا عبادي) جمع عبد، والمراد بالعباد هنا: جميع الثقلين مؤمنهم وكافرهم، بدليل بقية الحديث، وهذه العبودية العامة، والأضافة للتشريف. قال أَبو علي الدقاق: (ليس شيء أشرف من العبودية ولا اسم أتمَّ للمؤمن من الوصف به، ومن ثَمَّ قُرن بالإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]) (١). قوله: (إني حرمت الظلم على نفسي) تقدم أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومعنى: حرمته: تنزّهت عنه وتعاليت مع قدرته تعالى عليه، لكنه لا يفعله؛ لأنه سبحانه يضع الأمور في مواضعها، ولهذا وعد المؤمنين الجنَّة وتوعد الكافرين بالنار، ولا يمكن أن يعذب أحدًا بذنب غيره. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيئًا﴾ [يونس: ٤٤]، والمراد بالنفس: الذات المتصفة بصفات الكمال. قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ونفسه هي ذاته المقدسة) (٢). قوله: (وجعلته بينكم محرمًا) أي: حكمت بتحريمه عليكم، فالمراد بالجعل هنا: الشرعي لا الكوني؛ لأن الظلم يقع بين الناس. قوله: (فلا تظالموا) بفتح التاء وتخفيف الظاء على الأشهر، وأصله: تتظالموا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: لا يظلم بعضكم بعضًا، وهذا توكيد لقوله: (وجعلته بينكم محرمًا) وزيادة في تغليظ تحريمه، ويجوز "تظَّالموا" بتشديد الظاء وإدغام إحدى التاءين فيها.

стр. 4724

• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الله تعالى حرم الظلم على نفسه فهو سبحانه منزَّه عنه مع قدرته عليه، ولكنه لا يفعله فضلًا منه وجودًا وكرمًا وإحسانًا إلى عباده، ويلزم من نفي الظلم إثبات ضده، وهو كمال عدله، فالله تعالى لا يظلم أحدًا، بل هو حَكَمْ عدل محسن، وحكمه وجزاؤه لعباده إما فضل لمن عمل الحسنات، فيجازي على الحسنة بعشر أمثالها، أو عدل في السيئات، فيجازي على السيئة بمثلها. قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]، ظلمًا: بزيادةٍ في سيئاته أو معاقبته بذنب غيره، ولا هضمًا: بنقص من حسناته. قال ابن رجب: (وكونه خلق أفعال العباد، وفيها الظلم، لا يقتضي وصفه بالظلم ، كما أنَّه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خلقه وتدبيره، فإنه لا يوصف إلَّا بأفعاله، ولا يوصف أفعال عباده، فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله، والله أعلم) (١). • الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الظلم وقبحه؛ لأن الله تعالى حرمه على نفسه وحرمه على عباده، فلا يجوز لعبد أن يظلم نفسه ولا يظلم غيره، فلا يظلم نفسه بالشرك أو ما دونه من المعاصي صغائرها وكبائرها، ولا يظلم غيره في مال أو دم أو عرض، ومن الظلم أخذ مال اليتيم، أو المماطلة في أداء حقوق الناس مع القدرة على الوفاء، أو ظلم المرأة حقها من صداق أو كسوة، أو ظلم الأجير بعدم إعطائه أجرته أو المماطلة في أدائه. قال ابن رجب: (ظلم العباد شَرٌّ مكتسب؛ لأن الحق فيه لآدمي مطبوع على الشح، فلا يترك من حقه شيئًا، لا سيما مع شدة حاجته يوم القيامة، فإن الأم تفرح يومئذ إذا كان لها حق على ولدها، لتأخذه منه. ومع هذا، فالغالب أن الظالم تعجل له العقوبة في الدنيا وإن أُمهل؛ كما قال ﷺ : "إن الله ليملي

стр. 4725

للظالم حتَّى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]) (١) ومن سلم من ظلم غيره، وسلم الناس من ظلمه، فقد عُوفي وعُوفي الناس منه. والله تعالى أعلم.

стр. 4726

ما جاء في الغيبة ١٥٠٤/ ١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرهُ". قِيلَ: أفَرَأَيتَ إِنْ كَانَ فِي أخِي مَا أَقُولُ؟ قَال: "إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب"، باب (تحريم الغيبة) (٢٥٨٩) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أتدرون ما الغيبة) الهمزة للاستفهام، وقد خرج الاستفهام عن معناه الأصلي، وهو طلب العلم بالمجهول إلى غرض آخر، وهو التشويق إلى معرفة الشيء. وما: اسم استفهام خبر مقدم، والغيبة: مبتدأ مؤخر لأن الاستفهام له الصدارة، والأصل: الغيبة ما هي؟ والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب سدت مسد مفعولي (تدرون)؛ لأنه عُلق عن العمل بالاستفهام. وقوله: (ما الغيبة) أي: ما حقيقتي الشرعية. قوله: (قالوا: الله ورسوله أعلم) رَدُّوا العلم إلى الله ورسوله عملًا بالأدب ووقوفًا عند حد العلم.

стр. 4727

قوله: (قال: ذكرك أخاك … ) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي ذكرك أخاك، والمراد بالأخ: الأخ في الدين، وهذا اللفظ يشمل الأخ الحي والميت، وهل يشمل الصغير والمجنون؟ محل بحث (١). والغيبة: هي الاسم من الفعل اغتابه اغتيابًا، وهو مأخوذ من مادة: (غَيَبَ) التي تدل على تستر الشيء عن العيون (٢)؛ لأن الغِيبة التي هي الوقيعة في الناس لا تقال إلَّا في غَيبة الشخص. وأما في الاصطلاح فهي كما قال رسول الله ﷺ : "ذكرك أخاك بما يكره"، وعبر عن هذا بعض العلماء بقوله: ذكر العيب بظهر الغيب (٣). والاشتقاق اللغوي يفيد أن الغيبة مختصة بعدم حضور الإنسان في مجلس الغيبة، وبهذا جزم أهل اللغة وأكثر الأئمة. قوله: (بما يكره) ما: إما أن تكون مصدرية؛ أي: بمكروه، أو اسمًا موصولًا؛ أي: بالذي يكرهه، وبين المعنيين فرق، سواء أكان الذي يكرهه في دينه أو دنياه، وسواء كان في بدنه أو ماله أو أهله أو ولده أو ثوبه أو مركبه أو غير ذلك مما يتعلق به (٤). وهذا التفسير عن النبي ﷺ للغيبة يعد تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، وهذا المعنى موضع إجماع بين أهل العلم. قوله: (فقد بهته) أي: كذبت وافتريت عليه مع الغيبة، فَحُذِفَ الشق الثاني لأنه معلوم، يقال: بَهَتَ فلان فلانًا: إذا كذب عليه، وبَهِتَ وبُهِتَ: إذا تحير. يقول ابن فارس: (الباء والهاء والتاء أصل واحد، وهو كالدَّهَشِ والحيرة … ) (٥)، وعلى هذا فالبهتان: هو الكذب والافتراء الباطل الذي يُتحير منه لفظاعته.

стр. 4728

• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من الغيبة وأنها من الأخلاق السيئة التي تفتح أَبوابًا من الشر، وتسبب الخصام والنفور، وتنشر العداوة والبغضاء، وتقطع أواصر المحبة بين الناس، وذلك لأن النبي ﷺ بيَّن حقيقتها لأجل أن تُجتنب، وهي دليل على خسة المغتاب ودناءة نفسه، وقلة ورعه، وسلاطة لسانه .. وقد نهى الله تعالى عن الغيبة وحذر منها أبلغ تحذير في قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وهذا من أحسن القياس التمثيلي وأبلغه: ١ - لأن الغيبة تمزيق العرض، كما أن أكل اللحم تمزيقه مع الجلد، وهذا أقبح. ٢ - أن الله تعالى جعل اللحم لحم الأخ لا لحم حيوان؛ لأنه أشد كراهة. ٣ - جَعْلُ الأخ ميتًا لكونه لا يدافع عن نفسه؛ لأن المغتاب لا يعلم بالغيبة بحيث يدافع عن نفسه، ثم إن لحم ما يُستطاب أكله يصير مستقذرًا بالموت. ٤ - وصف ذلك بالكراهة مبالغة في التنفير عنه. قال ابن كثير عند هذه الآية: (الغيبة محرمة بالإجماع) (١)، وقال القرطبي: (الإجماع على أنَّها من الكبائر، وأنه يجب التوبة منها إلى الله تعالى) (٢)، وكأن القرطبي لم يلتفت إلى قول من قال: إنها من الصغائر لندرة القائلين بهذا، وقد نقل النووي وابن حجر ﵀ العسقلاني وابن حجر ﵀ الهيتمي والسفاريني وآخرون (٣) الإجماع على أنَّها من الكبائر التي لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الصدقة ولا غيرها من الأعمال الصالحة، لقوله ﷺ : وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" (٤).

стр. 4729

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عند الآية المذكورة: (وفي هذه الآية دليل على التحذير الشديد من الغيبة وأنها من الكبائر؛ لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر) (١). والغيبة تختلف مراتبها بتفاوت الشخص المغتاب وما حصل له من الإيذاء، وما يترتب عليها من المفاسد، فغيبة العامي من سائر الناس ليست كغيبة العالم - مثلًا - لأن غيبة عامة الناس إنما تسيء إليه، لكن غيبة العالم إساءة إليه وإلى ما يحمله من علم الشريعة وإلى مكانته عند الناس (٢). وللغيبة أسباب كثيرة منها: ١ - ضعف الورع؛ لأن الإنسان إذا قل ورعه لم يبال بما يتكلم به، ولم يقم وزنًا لأحكام الشرع، ولا سيما فيما يتعلق بالأوامر والنواهي. ٢ - الحسد. ٣ - مجالسة الرفقاء والأصدقاء. ٤ - إرادة الإنسان رفع نفسه بوضع غيره. ٥ - اللعب والهزل والمفاكهة. وللغيبة آثار سيئة، فهي بالإضافة إلى ضررها على المغتاب بوقوعه في عرض أخيه، فهي تفتح أَبوابًا كثيرة من الشر، وتسبب العداوة والبغضاء والخصام، وهي مرض اجتماعي يقطع أواصر المحبة بين الناس، وهي دليل على خسة المغتاب ودناءة نفسه وسقوط همته. • الوجه الرابع: استدل العلماء بقوله: "ذكرك أخاك" على أن تحريم الغيبة مختص بالمؤمن، وأن الكافر تجوز غيبته، وهذا اختيار الصنعاني (٣). وفرّق آخرون بين الكافر الحربي فتجوز غيبته، وبين الذِّمِّيُّ فهو كالمسلم؛ لأن الشرع حرم عرضه وماله ودمه، وهذا قول الغزالي والزركشي،

стр. 4730

ورجحه ابن حجر ﵀ الهيتمي (١). قالوا: وذكر الأخ في الآية والحديث للعطف والتذكير بالسبب الباعث على تركها، وهو الأُخُوَّةُ والإيمان. أما الفاسق المجاهر بالذنب أو إيذاء المسلمين بقلمه أو لسانه أو فكره، أو صاحب البدعة المجاهر ببدعته، فيجوز ذكره بما فيه، ولا يعد غيبة إذا أخلص هذا المتكلم فيه لله تعالى قاصدًا التحذير منه أو إزالة ما هو عليه من المنكر، والدليل قوله ﷺ : "ائذنوا له، بئس أخو العشيرة" (٢). وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز غيبة أهل الفساد وأهل الرِّيَبِ، وذلك لأن النصح الواجب لا يعد من الغيبة، وقد قيل للإمام أحمد: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف، أحبُّ إليك أو يتكلمُ في أهل البدع؟ قال: (إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل) (٣). والله تعالى أعلم.
следующие страницы →