← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

ما جاء في الغيبة ١٥٠٤/ ١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرهُ". قِيلَ: أفَرَأَيتَ إِنْ كَانَ فِي أخِي مَا أَقُولُ؟ قَال: "إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب"، باب (تحريم الغيبة) (٢٥٨٩) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أتدرون ما الغيبة) الهمزة للاستفهام، وقد خرج الاستفهام عن معناه الأصلي، وهو طلب العلم بالمجهول إلى غرض آخر، وهو التشويق إلى معرفة الشيء. وما: اسم استفهام خبر مقدم، والغيبة: مبتدأ مؤخر لأن الاستفهام له الصدارة، والأصل: الغيبة ما هي؟ والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب سدت مسد مفعولي (تدرون)؛ لأنه عُلق عن العمل بالاستفهام. وقوله: (ما الغيبة) أي: ما حقيقتي الشرعية. قوله: (قالوا: الله ورسوله أعلم) رَدُّوا العلم إلى الله ورسوله عملًا بالأدب ووقوفًا عند حد العلم.

стр. 4727

قوله: (قال: ذكرك أخاك … ) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي ذكرك أخاك، والمراد بالأخ: الأخ في الدين، وهذا اللفظ يشمل الأخ الحي والميت، وهل يشمل الصغير والمجنون؟ محل بحث (١). والغيبة: هي الاسم من الفعل اغتابه اغتيابًا، وهو مأخوذ من مادة: (غَيَبَ) التي تدل على تستر الشيء عن العيون (٢)؛ لأن الغِيبة التي هي الوقيعة في الناس لا تقال إلَّا في غَيبة الشخص. وأما في الاصطلاح فهي كما قال رسول الله ﷺ : "ذكرك أخاك بما يكره"، وعبر عن هذا بعض العلماء بقوله: ذكر العيب بظهر الغيب (٣). والاشتقاق اللغوي يفيد أن الغيبة مختصة بعدم حضور الإنسان في مجلس الغيبة، وبهذا جزم أهل اللغة وأكثر الأئمة. قوله: (بما يكره) ما: إما أن تكون مصدرية؛ أي: بمكروه، أو اسمًا موصولًا؛ أي: بالذي يكرهه، وبين المعنيين فرق، سواء أكان الذي يكرهه في دينه أو دنياه، وسواء كان في بدنه أو ماله أو أهله أو ولده أو ثوبه أو مركبه أو غير ذلك مما يتعلق به (٤). وهذا التفسير عن النبي ﷺ للغيبة يعد تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، وهذا المعنى موضع إجماع بين أهل العلم. قوله: (فقد بهته) أي: كذبت وافتريت عليه مع الغيبة، فَحُذِفَ الشق الثاني لأنه معلوم، يقال: بَهَتَ فلان فلانًا: إذا كذب عليه، وبَهِتَ وبُهِتَ: إذا تحير. يقول ابن فارس: (الباء والهاء والتاء أصل واحد، وهو كالدَّهَشِ والحيرة … ) (٥)، وعلى هذا فالبهتان: هو الكذب والافتراء الباطل الذي يُتحير منه لفظاعته.

стр. 4728

• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من الغيبة وأنها من الأخلاق السيئة التي تفتح أَبوابًا من الشر، وتسبب الخصام والنفور، وتنشر العداوة والبغضاء، وتقطع أواصر المحبة بين الناس، وذلك لأن النبي ﷺ بيَّن حقيقتها لأجل أن تُجتنب، وهي دليل على خسة المغتاب ودناءة نفسه، وقلة ورعه، وسلاطة لسانه .. وقد نهى الله تعالى عن الغيبة وحذر منها أبلغ تحذير في قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وهذا من أحسن القياس التمثيلي وأبلغه: ١ - لأن الغيبة تمزيق العرض، كما أن أكل اللحم تمزيقه مع الجلد، وهذا أقبح. ٢ - أن الله تعالى جعل اللحم لحم الأخ لا لحم حيوان؛ لأنه أشد كراهة. ٣ - جَعْلُ الأخ ميتًا لكونه لا يدافع عن نفسه؛ لأن المغتاب لا يعلم بالغيبة بحيث يدافع عن نفسه، ثم إن لحم ما يُستطاب أكله يصير مستقذرًا بالموت. ٤ - وصف ذلك بالكراهة مبالغة في التنفير عنه. قال ابن كثير عند هذه الآية: (الغيبة محرمة بالإجماع) (١)، وقال القرطبي: (الإجماع على أنَّها من الكبائر، وأنه يجب التوبة منها إلى الله تعالى) (٢)، وكأن القرطبي لم يلتفت إلى قول من قال: إنها من الصغائر لندرة القائلين بهذا، وقد نقل النووي وابن حجر ﵀ العسقلاني وابن حجر ﵀ الهيتمي والسفاريني وآخرون (٣) الإجماع على أنَّها من الكبائر التي لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الصدقة ولا غيرها من الأعمال الصالحة، لقوله ﷺ : وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" (٤).

стр. 4729

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عند الآية المذكورة: (وفي هذه الآية دليل على التحذير الشديد من الغيبة وأنها من الكبائر؛ لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر) (١). والغيبة تختلف مراتبها بتفاوت الشخص المغتاب وما حصل له من الإيذاء، وما يترتب عليها من المفاسد، فغيبة العامي من سائر الناس ليست كغيبة العالم - مثلًا - لأن غيبة عامة الناس إنما تسيء إليه، لكن غيبة العالم إساءة إليه وإلى ما يحمله من علم الشريعة وإلى مكانته عند الناس (٢). وللغيبة أسباب كثيرة منها: ١ - ضعف الورع؛ لأن الإنسان إذا قل ورعه لم يبال بما يتكلم به، ولم يقم وزنًا لأحكام الشرع، ولا سيما فيما يتعلق بالأوامر والنواهي. ٢ - الحسد. ٣ - مجالسة الرفقاء والأصدقاء. ٤ - إرادة الإنسان رفع نفسه بوضع غيره. ٥ - اللعب والهزل والمفاكهة. وللغيبة آثار سيئة، فهي بالإضافة إلى ضررها على المغتاب بوقوعه في عرض أخيه، فهي تفتح أَبوابًا كثيرة من الشر، وتسبب العداوة والبغضاء والخصام، وهي مرض اجتماعي يقطع أواصر المحبة بين الناس، وهي دليل على خسة المغتاب ودناءة نفسه وسقوط همته. • الوجه الرابع: استدل العلماء بقوله: "ذكرك أخاك" على أن تحريم الغيبة مختص بالمؤمن، وأن الكافر تجوز غيبته، وهذا اختيار الصنعاني (٣). وفرّق آخرون بين الكافر الحربي فتجوز غيبته، وبين الذِّمِّيُّ فهو كالمسلم؛ لأن الشرع حرم عرضه وماله ودمه، وهذا قول الغزالي والزركشي،

стр. 4730

ورجحه ابن حجر ﵀ الهيتمي (١). قالوا: وذكر الأخ في الآية والحديث للعطف والتذكير بالسبب الباعث على تركها، وهو الأُخُوَّةُ والإيمان. أما الفاسق المجاهر بالذنب أو إيذاء المسلمين بقلمه أو لسانه أو فكره، أو صاحب البدعة المجاهر ببدعته، فيجوز ذكره بما فيه، ولا يعد غيبة إذا أخلص هذا المتكلم فيه لله تعالى قاصدًا التحذير منه أو إزالة ما هو عليه من المنكر، والدليل قوله ﷺ : "ائذنوا له، بئس أخو العشيرة" (٢). وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز غيبة أهل الفساد وأهل الرِّيَبِ، وذلك لأن النصح الواجب لا يعد من الغيبة، وقد قيل للإمام أحمد: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف، أحبُّ إليك أو يتكلمُ في أهل البدع؟ قال: (إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل) (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 4731

ما جاء في جملة من مساوئ الأخلاق ١٥٠٥/ ١٨ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ؛ التَّقْوَى هَاهُنَا" وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب"، باب (تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله) (٢٥٦٤) من طريق أبي سعيد مولى عامر بن كريز، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. وهذا الحديث له روايات وألفاظ، وهو حديث جليل ينبغي للإنسان أن يعتمده منهجًا له يسير عليه في حياته؛ لأنه جامع لكثير من مساوئ الأخلاق التي يحرص المسلم على تجنبها والبعد عنها مع إفادة الآخرين بذلك، وبهذا يحظى بأضدادها من مكارم الأخلاق. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا تحاسدوا) أي: لا يحسد بعضكم بعضًا، وأصله تتحاسدوا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا، وكذا الألفاظ الآتية. وتقدم تعريف الحسد،

стр. 4732

وهو أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره من علم أو مال أو جاه أو غير ذلك. قوله: (ولا تناجشوا) تقدم تعريف النجش في "البيوع" وأنه الزِّيادة في ثمن السلعة من شخص لا يريد شراءها، وإنما لنفع البائع أو مضرة المشتري. قوله: (ولا تباغضوا) أي: لا يبغض بعضكم بعضًا، والبغض: بالضم ضد الحب، وهو النفرة من الشيء لمعنى فيه مستقبح، ويرادفه الكراهة، والبغضاء: شدة البغض، والنهي عن التباغض معناه لا تتعاطوا أسباب التباغض؛ لأن الحب والبغض من المعاني القلبية التي لا قدرة للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرف فيها، وإنما تحصل بأسباب تؤدي إليها. قوله: (ولا تدابروا) التدابر: الإعراض وترك الكلام والسلام، وقيل للإعراض: تدابر؛ لأن من أبغضته أعرضت عنه، ومن أعرضت عنه وليته دبرك، وكذا يصنع هو بك، ومن أحببته أقبلت عليه بوجهك لتسره وشرك. قوله: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) وذلك بأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، ونحو ذلك مما تقدم في "البيوع". قوله: (وكونوا عباد الله إخوانًا) عباد: منادى بحرف نداء مقدر؛ أي: يا عباد الله، ويجوز كونه خبرًا لكان، وإخوانًا: خبر على الأول، أو خبر ثانٍ على الثاني. ومعناها: اتصفوا بما تصيرون به إخوانًا، وهذه الجملة فيها معنى التعليل لما تقدم، كأنه قال: إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخوانًا، ومفهومه إذا لم تتركوها تصيرون أعداء، والمراد بالعبودية هنا: العبودية الخاصة، وهي عبودية الطاعة. قوله: (ولا يخذله) بضم الذال من خذله يخذله من باب قتل: إذا ترك نصرته وإعانته وتأخر عنه. قوله: (ولا يحقره) بكسر القاف من حقره يحقره من باب ضرب: إذا أهانه واستصغره ولم يعبأ به.

стр. 4733

قوله: (التقوى هاهنا) التقوى: مصدر اتقى تقاة وتقوى على وزن فَعْلَى، وأصله وَقْيًا؛ لأنه من وقى، فأبدلت الواو أول الكلمة تاء، فأصبح تقيًّا، ثم أبدلت الياء واوًا؛ لأنه اسم على وزن فعلى لامه ياء (١). والتقوى: فعل المامور واجتناب المحظور، وقد بيّن المراد باسم الإشارة بقوله: (ويشير إلى صدره ثَلاثَ مَرَّاتٍ) أي: إن أصل التقوى وحقيقتها في القلب الذي هو في الصدر، وما يظهر على الجوارح من طاعة الله تعالى فهو أثر لها، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، وعدل عما يقتضيه الظاهر من الإتيان بالماضي إلى الإتيان بالمضارع في قوله: (ويشير) إشارة إلى استحضار تلك الحالة، وهي الإشارة إلى الصدر؛ لأنه محل القلب. وقوله: (ثلاث مرات) هكذا في بعض نسخ "البلوغ"، وفي المخطوطة التي سبق وصفها، وهو الموافق لما في "صحيح مسلم"، وفي بعضها: (ثلاث مرارٍ). قوله: (بحسب امرئ من الشر) بسكون السين المهملة، والباء زائدة، وحسب مبتدأ؛ أي: كافيه من خلال الشر ورذائل الأخلاق. قوله: (أن يحقر أخاه المسلم) المسلم: صفة، وذكر هذا الوصف مع تقدمه فيه تأكيد لحرمة المسلم وتحذير من احتقاره، وأَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر، والمعنى: كافيه من خلال الشر وسيئ الأخلاق أحتقار أخيه المسلم، لما في ذلك من إهمال حق أخيه والإعراض عنه ورضاه عن نفسه بهذا الخلق الممقوت؛ لأنه دليل التكبر والترفع عن الآخرين. قوله: (كل المسلم على المسلم حرام) أي: محظور وممنوع. قوله: (دمه وماله وعرضه) بدل بعض من كل. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم التحاسد بين المسلمين

стр. 4734

بأن يحسد كل واحد من الشخصين الآخر، لما فيه من الاعتراض على الله في قسمته، ولما فيه من انطواء القلب على عدم محبة الخير وكراهته لأخيه المسلم، وإذا نُهي عن التحاسد الذي فيه معنى المكافأة والمجازاة وهو ما كان بين اثنين، فالنهي عنه من طرف واحد آكد. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم التناجش عند البيع والشراء لما فيه من الغش والخديعة لمن يرغب شراء السلعة، وقد تقدم الكلام عليه في "البيوع" (١). • الوجه الخامس: في الحديث دليل على تحريم التباغض بين المسلمين؛ لأن هذا مناف للمحبة التي أوجبها الله تعالى بين المسلم وأخيه، والبغض المنهي عنه هو ما كان في غير ذات الله تعالى، بل على أهواء النفوس أو أمور الدنيا، أما البغض في ذات الله تعالى، فهو من أوثق عرى الإيمان، وليس داخلًا في النهي؛ كبغض العصاة؛ لأن الإنسان يجتمع فيه الخير والشر والفجور والطاعة، فيستحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، ومن العداوة والعقاب بحسب ما فيه من الشر (٢). وإذا نهي عن التقابل في المباغضة فالانفراد بالبغض من طرف واحد أولى. • الوجه السادس: في الحديث دليل على تحريم تعاطي أسباب البغض ووسائله والحرص على ما يسبب التآلف والاجتماع؛ لأن ما نُهي عنه يُنهى عن وسائله؛ كالغيبة، والنميمة، والإفراط في المزاح، والظنون السيئة، ولعب الميسر وغير ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١]. • الوجه السابع: الحديث دليل على تحريم التدابر والتقاطع والتهاجر بين المسلمين.

стр. 4735

• الوجه الثامن: في الحديث دليل على تحريم بيع المسلم على بيع أخيه، ومثله شراؤه على شرائه؛ لأن هذا من أسباب العداوة والتقاطع بين المسلمين، وقد مضى تفصيل ذلك في "البيوع". • الوجه التاسع: في الحديث حث للمسلمين على أن يكونوا إخوة متحابين متآلفين، وأن من تحقيق العبودية لله تعالى رعاية الأخوة الإيمانية القائمة على رابطة العقيدة ولو تباعدت الأوطان واختلفت الألسن والألوان. • الوجه العاشر: في الحديث دليل على أن ظلم المسلم لأخيه أو خذلانه أو احتقاره ينافي صدق الأخوة الإسلامية. • الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على أن التقوى محلها القلب، وإذا تحققت تقوى القلب ظهرت آثارها على الجوارح؛ لأنها تابعة للقلب ومنقادة له، كما قال النبي ﷺ : "إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١)، وما يظهر على الجوارح من صلاح واستقامة في القول والعمل فهو دليل على تقوى القلب، وما يظهر من فساد أو انحراف في القول والعمل فهو دليل على ضعف تقوى القلب. قال الإِمام النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: (الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنَّما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى، وخشيته، ومراقبته. ومقصود الحديث أن الاعتبار في ذلك كله بالقلب) (٢). وقال الحافظ ابن رجب ﵀: (والتقوى أصلها في القلب، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، وإذا كان أصل التقوى في القلوب، فلا يطلع أحد على حقيقتها إلَّا الله ، كما قال النبي ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (٣). وحينئذٍ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة، أو مال، أو جاه، أو رياسة في الدنيا، قلبه خرابًا من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك

стр. 4736

قلبه مملوءًا من التقوى، فيكون أكرم عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعًا) (١). • الوجه الثاني عشر: بيان خطورة احتقار المسلم لأخيه وأن ذلك كاف للمحتقِر من الشر، وإن لم يكن عنده شر سواه، وهذا ينافي الأخوة الإيمانية، وهو لا يصدر غالبًا إلَّا عن كبر أو جهل. • الوجه الثالث عشر: في الحديث دليل على حرمة المسلم وعظم شأنه عند الله تعالى حيث حرم دمه وماله وعرضه. والله تعالى أعلم.

стр. 4737

ما جاء في الاستعاذة من بعض المنكرات ١٥٠٦/ ١٩ - عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ ﵁ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأخْلَاقِ، وَالأعمَالِ، والأهْوَاءِ، وَالأَدْوَاءِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَاللَّفْظُ لَهُ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو قطبة -بضم القاف وإسكان الطاء- بن مالك الثعلبي من بني ثعلبة بن ذبيان، ولذا يقال له: الذبياني. قال البخاري وأَبو حاتم: له صحبة، سكن الكوفة، وروى عنه الحجاج بن أيوب مولى أبي ثعلبة، وابن أخيه زياد بن علاقة، وعبد الملك بن عمير، وقد روى له مسلم دون البخاري. ففي "صحيح مسلم" من طريق زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك ﵁ قال: (صليت وصلى بنا رسول الله ﷺ فقرأ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١]، حتَّى قرأ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]، قال: فجعلت أرددها، ولا أدري ما قال) (١)، ليس له في الكتب الستة إلَّا هذان الحديثان: هذا الحديث، وحديث الباب (٢). • الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب (الدعوات عن رسول الله ﷺ ) (٣٥٩١) قال: حدَّثنا سفيان بن وكيع، قال: حدَّثنا أحمد بن بشير وأَبو

стр. 4738

أسامة، ورواه ابن حبان (٣/ ٢٤٠)، والطبراني في "الكبير" (١٩/ ١٩) وفي "الدعاء" (١٣٨٤)، والحاكم (١/ ٥٣٢) من طريق أبي أسامة، كلاهما عن مسعر، عن زياد بن علاقة، عن عمه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث، وهذا لفظ الحاكم. قال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن غريب، وعَمُّ زياد بن علاقة هو قطبة بن مالك صاحب النبي ﷺ ). وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي. وأَبو أسامة ثقة ثبت، وقد تفرد به عن مسعر، قال أَبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٣٧) (غريب من حديث مسعر، تفرد به عنه أَبو أسامة … ). وقد رواه عن أبي أسامة جمع، ولم أر أحدًا جمع بينه وبين أحمد بن بشير إلَّا شيخ التِّرمِذي وهو سفيان بن وكيع بن الجراح الرؤاسي، وهو متكلم فيه. قال البخاري: (يتكلمون فيه لأشياء لقنوه)، وضعفه أَبو زرعة والنَّسائي. وقال الآجري: (امتنع أَبو داود من التحديث عنه). وقال ابن حبان: (كان شيخًا فاضلًا صدوقًا، إلَّا أنَّه ابتلي بورَّاقٍ كان يدخل عليه الحديث) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (كان صدوقًا، إلَّا أنَّه ابتلي بورَّاقِه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنُصِحَ فلم يقبل، فسقط حديثه). • الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (جنبني) دعاء من التجنيب؛ أي: باعدني. قوله: (منكرات الأخلاق) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الأخلاق المنكرة؛ لأن من الأخلاق ما هو حسن، ومنها ما هو منكر، والأخلاق المنكرة: هي ما ينكر من الأخلاق شرعًا وعادةً.

стр. 4739

قوله: (والأعمال) عطف على الأخلاق؛ أي: ومنكرات الأعمال، وهو -أيضًا- من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الأعمال المنكرة، والمراد بها: ما ينكر من الأعمال شرعًا وعرفًا. والمراد بمنكرات الأخلاق: سوء المعاملة مع الخلق، ومنكرات الأعمال هي المعاصي، وقيل: منكرات الأخلاق هي الأعمال الباطنة؛ كالعجب والفخر والحسد والكبر والحقد ونحو ذلك، ومنكرات الأعمال هي الأفعال الظاهرة؛ كالزنا وشرب الخمر (١). قوله: (والأهواء) عطف -أيضًا- على الأخلاق؛ أي: الأهواء المنكرة، والإضافة بيانية؛ لأن الأهواء كلها منكرة، وهي جمع هوىً، وهو ما تشتهيه النفس من غير نظر إلى مقصد يحمد عليه شرعًا. وقيل: إن الإضافات كلها من باب واحد، فهي من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ لأن الإنسان له أهواء، فمن الناس من يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ ، ومنهم من يكون هواه تبعًا لنفسه وما تشتهيه، وعلى هذا فما وافق الشرع فهو معروف، وضده المنكر. قوله: (والأدواء) جمع داء؛ أي: وأعوذ بك من الأدواء المنكرة، وهي منكرات الأدواء، والمراد بها: الأمراض المزمنة المستعصية أو المنفرة؛ كالسرطان والبرص والجذام. • الوجه الرابع: ذكر الحافظ هذا الحديث لبيان فضل هذا الدعاء واستحباب دعاء المؤمن بهذه الألفاظ، وهي أن الله تعالى يباعد بينه وبين منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، وهذا يفيد أن المؤمن يحرص على اجتناب الأخلاق الذميمة والأعمال المنكرة، ويحذر من اتباع الهوى والوقوع في الشهوات. وقد ثبت عنه ﷺ أنَّه دعا ربه بأن يهديه لأحسن الأخلاق وأن يصرف

стр. 4740

عنها سيئها، وذلك في حديث علي ﵁ أنَّه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السمرات والأرض … " وذكر الحديث إلى قوله: "واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت … " (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4741

ما جاء في النهي عن المراء والمزاح وإخلاف الوعد ١٥٠٧/ ٢٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ فيه ضَعفٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب "البر والصلة"، باب (ما جاء في المراء) (١٩٩٥) من طريق اللَّيث -وهو ابن أبي سليم- عن عبد الملك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٣٩٤) من طريق ليث به. قال التِّرمِذي: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وعبد الملك عندي هو ابن بشير). وهذا سند ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، ضعفه أحمد وأَبو حاتم وابن معين وآخرون (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا تمار أخاك) بضم أوله، وهو مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، والكسرة قبلها دليل عليها، وهو من المماراة، تقول: ماريته أُماريه مماراة ومِراءً: جادلته، وحقيقة المراء: طعنك

стр. 4742

في كلام غيرك لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه. ولا يكون المراء إلا اعتراضًا، بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضًا (١). قوله: (ولا تمازحه) من المُزاح -بضم الميم- اسم مصدر من مَزَحَ من باب نفع، مَزْحًا ومَزاحَةً -بالفتح- والمِزاحُ -بالكسر- مصدر مازحه ممازحة ومِزاحًا. والمزاح: هو المداعبة والهزل، والمعنى: لا تمازح أخاك المسلم مزاحًا يفضي إلى إيذائه من هتك العرض ونحوه. قوله: (ولا تعده موعدًا فَتُخْلِفَهُ) بنصب المضارع (تخلفَه) بـ (أن) المضمرة وجوبًا بعد فاء السببية في جواب النهي. والمراد بالوعد: ما يشمل زمان الموعد ومكانه. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على عناية الإسلام بالألفة والمحبة بين المسلمين حيث جاء بما يزيد المحبة ويقوي الألفة، كما جاء بالنهي عما يسيء إلى هذه المحبة، ومن هذا النهيُ عن المراء والجدال الذي يفعله الإنسان مع جليسه؛ ليظهر له الخلل في كلامه أو العيب في رأيه وفكرته، فهذا خلق ذميم، يورث البغضاء والكراهية، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا لكن المعنى الذي دلّ عليه مستفاد من نصوص أخرى، قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، يقول ابن حبان: (المراء أخو الشنآن، كما أن المناقشة أخت العداوة، والمراء قليل نفعه كثير شره، ومنه يكون السباب، ومن السباب يكون القتال، ومنه يكون هراقة الدم، وما مارى أحد أحدًا إلَّا وقد غيَّر المراء قلبيهما) (٢).

стр. 4743

وهذا كله في الجدال المذموم، وهو الذي يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب، ويكون المراد منه مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، فإن كان المراد منه إظهار الحق وهداية الخلق فهو محمود. يقول الإِمام النووي: (اعلم أن الجدال قد يكون بحق، وقد يكون بباطل … فإن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محمودًا، وإن كان الجدال في مدافعة الحق، أو كان جدالًا بغير علم كان مذمومًا، وعلى هذا التفصيل تنزل النصوص الواردة في إباحته وذمه) (١). • الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن المسلم منهي عن المزاح، والمراد به ما فيه إفراط بحيث يداوم عليه صاحبه، وهذا يورث كثرة الضحك، وقسوة القلب، وإضاعة الأوقات، ويؤدي إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، يقول عمر بن الخطاب ﵁: (من كثر ضحكه قلَّت هيبته، ومن مزح استُخِفَّ به، ومن أكثر من شيء عُرف به) وقيل في منثور الحكم: (المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب)، وقال بعض الحكماء: (من كثر مِزاحه زالت هيبته) (٢). قال ابن عبد البر: (وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح، لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض، واستجلاب الضغائن، وإفساد الإخاء) (٣). فإن كان مزاحًا خفيفًا لطيفًا بأدب واحترام، وفيه مؤانسة، وتطييب نفس المخاطب، وإذهاب السآمة عنه فلا بأس به إذا لم يطل زمنه. قال النووي: (المزاح المنهي عنه، هو الذي فيه إفراط، ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك، وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى والفكر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الحقد،

стр. 4744

ويسقط المهابة والوقار. فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله، فإنه ﷺ إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة، وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهذا لا منع منه قطعًا، بل هو سنّة مستحبة إذا كان بهذه الصفة، فاعتمد ما نقلناه عن العلماء، وحققناه في هذه الأحاديث، وبيان أحكامها، فإنه مما يعظم الاحتياج إليه، وبالله التوفيق) (١). • الوجه الخامس: في الحديث نهي عن إخلاف الوعد وهو مقيد بمن هو عازم على إخلاف الوعد، وقد تقدم ذلك مبسوطًا عند شرح حديث أبي هريرة ﵁ رقم (١٤٩٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4745

ما جاء في ذم البخل وسوء الخلق ١٥٠٨/ ٢١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ، وسُوءُ الْخُلُقِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب "البر والصلة"، باب (ما جاء في البخل) (١٩٦٢)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٢٨٢) من طريق صدقة بن موسى، عن مالك بن دينار، عن عبد الله بن غالب الحُدَّاني (١)، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. قال التِّرمِذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث صدقة بن موسى)، وهذا الحديث تفرد به التِّرمِذي عن أصحاب الكتب الستة. وصدقة بن موسى ضعيف، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: (ليس حديثه بشيء)، وقال أَبو حاتم: (لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بالقوي)، وقال ابن معين -أيضًا- وأَبو داود والنَّسائي: (ضعيف). وقال ابن عدي: (ما أقرب صورته وصورة حديثه من حديث صدقة بن عبد الله الذي أمليت قبله، وبعض أحاديثه مما يتابع عليه، وبعضه لا يتابع عليه) (٢).

стр. 4746

وقال الدَّارَقُطني: (متروك) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق له أوهام). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (خصلتان) مثنى خصلة وهي الصفة، وهي خلق في الإنسان يكون فضيلة أو رذيلة، وهو مبتدأ، والجملة بعده صفة مسوغة للابتداء بالنكرة، والخبر (البخل وسوء الخلق) وقيل: (خصلتان) خبر مقدم، و (البخل وسوء الخلق) مبتدأ مؤخر. قوله: (لا تجتمعان في مؤمن) هذا نفي بمعنى النهي؛ أي: نهي المؤمن أن يكون بخيلًا، وأن يسوء خلقه. والمراد بذلك اجتماعهما فيه مع بلوغ النهاية بحيث لا ينفك عنهما، ويوجد منه الرضا بهما، أما ما يحصل في أوقات نادرة ويندم ويلوم نفسه، أو تدعوه نفسه إلى ذلك، فينازعها فإنه بمعزل عن ذلك (٢). قوله: (البخل) مصدر بَخُلَ -بفتح فضم- من باب قَرُبَ، ومن باب تعب، مصدره البَخَل بالفتح. والبخل في الشرع: منع الواجب، وعند العرب: منع السائل مما يفضل عنده (٣). وأشد درجات البخل أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة إليه. قوله: (وسوء الخلق) هو الوصف المضاد لحسن الخلق؛ أي: قبح السلوك والتعامل مع الآخرين من زوجة وولد وأخ وصديق وغير ذلك. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المؤمن الحق لا يتصف بهاتين الخصلتين الذميمتين، وهما: البخل وسوء الخلق وقبح التعامل مع الآخرين؛ لأن البخل لا يكون إلَّا من قلة الثقة بالله تعالى، والمؤمن واثق بربه، طامعٌ بفضله وعطائه، والبخل يجر إلى سوء الخلق، والمؤمن رحيب الصدر، حسن

стр. 4747

الخُلُق، ويدل الحديث بالمفهوم على أن من اتصف بهما فقد نقص إيمانه؛ لأن من مقتضيات الإيمان أنَّه ينهى صاحبه عن سيئ الأخلاق، كما يأمره بالجود والكرم. والله تعالى أعلم.

стр. 4748

ما جاء في أن إثم المتسابين على البادئ منهما ١٥٠٩/ ٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُسْتبَّانِ مَا قَالا، فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ المْظْلُومُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب"، باب (النهي عن السباب) (٢٥٨٧) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكره. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (المستبان) بتشديد الباء تثنية اسم الفاعل؛ أي: المتشاتمان، وهما اللذان يسب كل منهما الآخر. والمستبان: مبتدأ أول، و (ما) مبتدأ ثانٍ، (فعلى البادئ) خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، والمعنى: أن المتسابين إذا تسابا وتشاتما بكلام سيئ فإن الإثم على البادئ منهما (١). قوله: (ما لم يعتد المظلوم) ما: مصدرية ظرفية؛ أي: مدة عدم اعتداء المظلوم، فإذا اعتدى المظلوم صار عليه الإثم، والمراد باعتدائه: تجاوزه حد الانتصار. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أنَّه إذا وقع بين شخصين سباب

стр. 4749

ومشاتمة، فإن الإثم يكون على البادئ بالسباب، فيتحمل إثمه وإثم أخيه، وكل ما جرى بسببه فهو عليه، وليس على المجيب المنتصر لنفسه شيء من الإثم؛ لأنه مظلوم، والله تعالى قد أذن له في الانتصار ممن ظلمه، ومجازاة الساب بمثل ما سبّه به من غير زيادة على ذلك، كأن يقول الساب: أخزاك الله، فيقول له الآخر: بل أنت أخزاك الله … قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. والأفضل من ذلك الصبر والصفح والعفو، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. فإن زاد المجيب المنتصر في مجازاته وآذى الظالم بأكثر مما قاله صار ظالمًا ويتحمل إثم زيادته. والله تعالى أعلم.

стр. 4750

التحذير من إلحاق المشقة بالمسلم أو إدخال الضرر عليه ١٥١٠/ ٢٣ - عَنْ أَبِي صِرْمَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ ضَارَّ مُسْلمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللهُ عَلَيهِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أَبو صرمة -بكسر الصاد وسكون الراء- بن أبي قيس الأنصاري المازني - من بني مازن بن النجار - مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: قيس بن مالك، وقيل: لبابة بن قيس، وقيل: مالك بن أسعد، وقيل غير ذلك، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، روى عنه زياد بن نُعيم الحضرمي، ومحمد بن قيس المدني، ولؤلؤة مولاة الأنصار، وغيرهم، وكان شاعرًا محسنًا، ذكر ابن الأثير شيئًا من شعره (١). • الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه أَبو داود في كتاب "الأقضية"، (أَبواب القضاء) (٣٦٣٥)، والتِّرمِذي (١٩٤٠)، وأحمد (٢٥/ ٣٤) من طريق اللَّيث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن لؤلؤة، عن أبي صرمة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ضارَّ ضارَّ الله به، ومن شاقَّ شاقَّ الله

стр. 4751

عليه"، هذا لفظ التِّرمِذي، وليس في المصادر المذكورة لفظة: (مسلمًا)، وذكر الشارح أنَّه جاء في رواية (١). قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وفي سنده: لؤلؤة، وهي مجهولة، ذكرها الحافظ الذهبي في "المجهولات" (٢). وضعف هذا الحديث ابن القطان؛ لأنه يرى ضعف لؤلؤة؛ لتفرد محمد بن حبان بالرواية عنها، والمستور الذي يقبل خبره هو من روى عنه أكثر من واحد، أما من لم يرو عنه إلَّا واحد فلا يقبل (٣). • الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (من ضار مسلمًا) بتشديد الراء؛ أي: من أوصل ضررًا إلى مسلم وأدخل عليه مضرة في نفسه أو أهله أو ماله بغير حق، سواء أكان جارًا أم غيره. قوله: (ضارَّه الله) أي: أوقع به الضرر وجازاه من جنس ما فعل بأخيه، ومن ضاره الله ترحل عنه الخير وتوجه إليه الشر. قوله: (ومن شاق مسلمًا) بتشديد القاف؛ أي: أوصل مشقة وألحقها بمسلم من غير حق، وقيل: من المشاقة وهي المنازعة؛ أي: نازع مسلمًا ظلمًا وتعديًا. قوله: (شق الله عليه) أي: أدخل عليه ما يشق عليه. والضرر والمشقة متقاربان، لكن الضرر يستعمل في إتلاف المال، والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن؛ كتكليف عمل شاق (٤). • الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم الإيذاء وإدخال الضرر والمشقة على المسلم، سواء أكان ذلك في بدنه أو أهله أو ماله أو ولده، وأن من أدخل الضرر على المسلم فإن الله تعالى يجازيه من جنس عمله، سواء كان

стр. 4752

هذا الضرر بتفويت مصلحة من المصالح، أو بحصول مضرة بوجه من الوجوه، ومن ذلك التدليس والغش في المعاملات، وكتم العيوب، والخطبة على خطبة أخيه، أو خطبة الوظائف التي فيها أهل لها قائم بها. ومن ذلك مضارة الشريك لشريكه والجار لجاره وأذيته بقول أو فعل، ومن ذلك -أيضًا- الإضرار بالزوجة إما بالميل عنها إلى الأخرى بما يضرها ويجعلها كالمعلقة، أو بمراجعتها -إن كانت مطلقة- بقصد الإضرار بها. وهذا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد لكن ما يدل عليه من تحريم الإيذاء وإدخال الضرر مستفاد من أدلة أخرى ومن قواعد الشريعة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال تعالى: ﴿أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، والضرر نوع من الظلم الذي حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين العباد محرمًا. والله تعالى أعلم.

стр. 4753

ما جاء في ذم الفحش والبذاءة ١٥١١/ ٢٤ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ اللهَ يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ". أَخْرَجَهُ التّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب "البر والصلة"، بابٌ (في حسن الخلق) (٢٠٠٢) من طريق ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مَمْلَكٍ، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيءَ". قال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح). وفي إسناده يعلى بن مملك، وقد ذكره البخاري في "تاريخه" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (١)، وقال النَّسائي: (ليس بذلك المشهور)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢) والظاهر أنَّه في عداد المجاهيل؛ فإنه لم يُذكر في الرواة عنه غير ابن أبي مليكة، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان (٣) وقال الحافظ: (مقبول)، ومن قال عنه الحافظ: (مقبول)، فهو عند المتابعة، وقد تابعه عطاء الكيخاراني كما سيأتي - إن شاء الله - في خامس أحاديث (مكارم الأخلاق). والجملة الأولى من الحديث سيذكرها الحافظ في باب (الترغيب في مكارم الأخلاق) وقد عزاها لأبي داود والتِّرمِذي، وسيأتي الكلام عليها.

стр. 4754

• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن الله يبغض) هكذا في نسخ "البلوغ" بدون لام، وفي "جامع التِّرمِذي": (ليبغض) باللام، وقد ذكر الشارح أن النسخ جاءت بإثبات اللام وحذفها (١). والبغض: من صفات الله تعالى التي تُثبت لله تعالى على ما يليق بجلاله كما جاء في الكتاب والسنّة، قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣]، والمقت أشد البغض (٢)، وفي الحديث الصحيح: "إن الله تعالى إذا أبغض عبدًا نادى جبريل إني أبغض فلانًا فأبغضه" (٣). قوله: (الفاحش) أي: ذو الفحش في كلامه وخصاله، يقال: فَحُشَ الشيء فُحْشًا مثل قبح قبحًا: إذا جاوز الحد فهو فاحش، وأفحش الرجل: أتى بالفحش، وهو الكلام السيئ فالفاحش: هو الذي يتكلم بالكلام القبيح، ويرسل لسانه بما لا ينبغي من السب والشتم والقذف والكذب وكل كلام يعد من اللغو الذي لا فائدة فيه. قوله: (البذيءَ) وصف على وزن فعيل، يقال: بذا على القوم يبذو بَذاءً - بالفتح والمد -: سَفِهَ وأفحش في منطقه وإن كان كلامه صدقًا فهو بذيٌّ، وامرأة بذية كذلك، ويجوز سكون الياء وبعدها همزة، وقد ضبطه المنذري بهذا، لكن ذكر ابن الأثير أن الهمز ليس بالكثير (٤)، وعلى هذا المعنى فيكون تأكيدًا لما قبله، ويؤيد هذا سقوط العطف بينهما، لكن يشكل عليه الحديث الآتي. وقد ذهب بعض الشراح إلى أن المراد بالبذيء من لا حياء له، والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الفحش لفظ عام يطلق على كل ما خرج عن مقداره

стр. 4755

حتَّى يُستقبح، وهذا يكون في القول والفعل والوصف، ولهذا يقولون: هو طويل فاحش الطول، واستعماله في القول أكثر، وعلى هذا فالفحش يتعلق بمقدار الكلام وزيادته عن المطلوب، والبذاءة تتعلق بالوصف وهو قبح الكلام وبذاءة اللسان. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الله تعالى يبغض من كان بهذا الوصف السيئ وهو أن يكون الإنسان فاحش القول بذيء الكلام؛ لأن هذه الصفات دليل على نقص الإيمان وعلى التساهل في الكلام وما يترتب عليه، فعلى المؤمن أن يحذر آفات اللسان، فإن اللسان صغير جِرْمُهُ عظيم طاعته وجُرْمُهُ، ومن تكلم في غير نفع ندم، ومن صمت نجا. قال يونس بن عبيد: (ما من الناس أحد يكون لسانه منه على بالٍ إلَّا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله) (١). وقال إبراهيم النخعي: (يهلك الناس في خلتين: فضول المال، وفضول الكلام) (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 4756

ما ينبغي للمؤمن أن يتنزه عنه ١٥١٢/ ٢٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ -رَفَعَهُ-: "لَيسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَانِ، وَلَا اللَّعَانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ". وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب "البر والصلة"، باب (ما جاء في اللعنة) (١٩٧٧)، وأحمد (٦/ ٣٩٠)، والحاكم (١/ ١٢) من طريق محمد بن سابق، عن إسرائيل، عن الأعمَش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. قال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه). وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه). وفي إسناده محمد بن سابق التميمي مولاهم، متكلم فيه، فقد وثقه العجلي، وقال يعقوب بن سفيان: (كان شيخًا صدوقًا ثقة، وليس ممن يوصف بالضبط للحديث)، وقال النَّسائي: (لا بأس به)، وقال أَبو حاتم: (يكتب حديثه ولا يحتج به)، وقواه الإِمام أحمد، وضعفه ابن معين وابن القطان، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد احتج به الشيخان، وذكر الحافظ أن

стр. 4757

البخاري روى له حديثًا واحدًا (١). لكن في الحديث علة، فقد ضعفه أَبو بكر بن أبي شيبة فقال فيما نقله عنه الخطيب: (إن كان حفظه -يعني محمد بن سابق- فهو حديث غريب)، ثم نقل عن علي بن المديني أنَّه قال عن هذا الإسناد: (هذا منكر من حديث الأعمَش) (٢)، ولعل التِّرمِذي بكلامه السابق يشير إلى هذا، ولما ترجم الذهبي في "الميزان" لابن سابق عدّ هذا الحديث مما ينكر عليه. وذكر الخطيب أنَّه رواه ليث بن أبي سليم، عن زبيد اليامي، عن أبي وائل، عن عبد الله إلَّا أنَّه وقفه ولم يرفعه، ولما ذكر الدَّارَقُطني الاختلاف في رفعه ووقفه قال: (الموقوف أصح) (٣). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ليس المؤمن) أي: الكامل الإيمان، فالنفي للكمال لا لأصل الإيمان. قوله: (بالطعان) صيغة مبالغة من الطعن؛ أي: الكثير الطعن، يقال: طعنت عليه وفيه من باب قتل، ومن باب نفع لغة: قدحت وعبت، وهو طعان في أعراض الناس (٤). فالطعان: هو كثير الوقوع في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما. قوله: (ولا باللعان) صيغة مبالغة من اللعن؛ أي: الكثير اللعن بحيث لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى إلَّا ويقرن ذلك باللعن. واللعن من الله: الطرد والإبعاد، ومن الخلق: السب والدعاء، لكن مفهوم الصيغة غير مراد؛ لأن اللعن محرم قليله وكثيره، وقد ثبت عن أبي

стр. 4758

هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا" (١). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة" (٢). وسيأتي شرحه - إن شاء الله تعالى -. ولعل صيغة المبالغة فيها إيماء إلى أن الكامل من الناس قلّ أن يخلو عن المنقصة في الكلية؛ لأن غلبة الحال قد تحمل عليه أحيانًا. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنَّه ليس من صفات المؤمن الكامل الإيمان أن يكون كثير القدح والعيب في أعراض الناس، وليس من صفات المؤمن الكامل أن يكون كثير الشتم واللعن، بل إن قوة إيمانه تحمله على التحلي بمكارم الأخلاق، والبعد عن سيئها. والله تعالى أعلم.

стр. 4759

النهي عن سَبِّ الأموات ١٥١٣/ ٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَسبُّوا الأمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث تقدم شرحه في "الجنائز" برقم (٥٩٧) وقد رواه البخاري في آخر كتاب "الجنائز"، باب (ما ينهى من سب الأموات) (١٣٩٣) من طريق الأعمَش، عن مجاهد، عن عائشة ﵂ به مرفوعًا. • الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم سب الأموات والوقوع في أعراضهم، وأن هذا من مساوئ الأخلاق؛ لأن النهي في قوله: "لا تسبوا" للتحريم كما هو الأصل في النهي، وقد استدل بالحديث من منع سب الأموات مطلقًا، سواء أكان الميت مسلمًا أم كافرًا، عدلًا أم فاسقًا، بناءً على أن (أل) للاستغراق. وقال آخرون: إن الحديث مختص بأموات المسلمين، وأن (أل) في (الأموات) عهدية وليست استغراقية؛ لأن الكفار ممن يُتقرب إلى الله بسبهم، ولأنه قال: "قد أفضوا إلى ما قدموا" وهذا فيه إشعار بأن المراد المسلم. وذهب فريق ثالث إلى التفصيل في المسألة، وهو أن أموات الكفار يجوز ذكر مساوئهم بشرط ألا يتأذى به قريبه الحي المسلم، فإن كان لا يتأذى بسببه أحد، أو كان الكافر مؤذيًا للمسلمين متعرضًا لحرماتهم فلا مانع من سبه.

стр. 4760

وأما المسلم فلا يجوز سبه والوقوع في عرضه؛ لأن له حرمة، وهذا من باب الغيبة، إلَّا إن كان فاسقًا وظهرت مصلحة راجحة في سبه، فإنه يجوز ذكر مساوئه للتحذير منه والتنفير عنه، لا لقصد سب الميت، ولكن لقصد تنفير الأحياء عنه وتحذيرهم منه، وقد ورد ما يدل على ذلك كحديث أَنس الآتي. وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياءً أو أمواتًا؛ لأن المصلحة في حفظ السنّة تقتضي ذلك، فإن لم يكن مصلحة وجب الكف عنه؛ لأنه أفضى إلى ما قدم. فإن قيل: ما الجمع بين هذا الحديث وبين حديث أَنس ﵁ قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ : "وجبت" ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: "وجبت" فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ فقال: "هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنَّة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض" (١). فالجواب: أن العلماء اختلفوا في هذا الإشكال على أجوبة عدة .. فقيل: إن حديث أَنس ﵁ محمول على ما قبل الدفن، وحديث الباب على ما بعده، وذلك ليتعظ فُسَّاق الأحياء، فإذا صار إلى قبره أُمسك عنه لإفضائه إلى ما قدم، وقيل: إن الذي أُثني عليه بالشر كان معلنًا به ولا غيبة له، وقيل: إن النهي متأخر فيكون ناسخًا، وضعفه الحافظ ابن حجر ﵀ (٢). • الوجه الثالث: أشار الحديث إلى الحكمة التي من أجلها نهي عن سب الأموات، وهي أنهم قد أفضوا ووصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر، فلا ينفع سبهم فيهم، كما ينفع في الحي؛ لأن الحي ينزجر ويرتدع عن المعصية إذا انْتُقد فيها ويحذر الناس منه، وأما بعد موته فقد أفضى إلى ما قدم. والحكمة الثانية: أن سب الأموات قد يفضي إلى إيذاء الأحياء من

стр. 4761

أقاربهم، كما في حديث المغيرة: "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء" (١). ولا يفهم من ذلك جواز سب الأموات عند عدم تأذي الأحياء كمن لا قرابة له، أو له قرابة ولكن لا يبلغهم ذلك؛ لأن سب الأموات منهي عنه للحكمة الأولى، فإذا أدى إلى أذية الأحياء كان محرمًا من جهتين. والحكمة الثالثة: أن سب الأموات من باب الغيبة التي وردت الآيات والأحاديث بتحريمها، كما تقدم؛ لأن قوله ﷺ : "الغيبة ذكرك أخاك بما يكره" يدخل فيه الحي والميت، وقد بوَّب البخاري في كتابه "الأدب المفرد"، باب (الغيبة للميت) (٢). قال ابن بطَّال: (سب الأموات يجري مجرى الغيبة في الأحياء) (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 4762

ما جاء في التحذير من النميمة ١٥١٤/ ٢٧ - عَنْ حُذَيفَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (ما يكره من النميمة) (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥) من طريق منصور، عن إبراهيم، عن همام قال: كنا مع حذيفة ﵁، فقيل له: إن رجلًا رفع الحديث إلى عثمان، فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنَّة قتات" هذا لفظ البخاري. ورواه مسلم -أيضًا - (١٦٨) من طريق واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن حذيفة ﵁ بلفظ: "لا يدخل الجنَّة نمّام". • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يدخل الجنَّة) تقدم الكلام على هذه الجملة عند الحديث و (١٤٦٤) من هذا الجزء. قوله: (قتات) بالفتح والتشديد صيغة مبالغة، وأُتي بصيغة المبالغة لعظم الوعيد، وإلا فأصل النَّمِّ منهي عنه؛ لأنه من الكبائر (١)، كما سيأتي، والقتات من قَتَّ يَقُتُّ قتًا: إذا نمَّ، فالقتات هو النمام، كما في الرواية الأخرى (٢).

стр. 4763

وقال ابن الأثير: قَتَّ الحديث: إذا زوَّره وهيأه وسواه (١). وعلى هذا فالقتات والنمام بمعنى واحد، وهو الذي ينقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد، وقيل: بينهما فرق لطيف، وهو أن النمام يكون مع القوم يتحدثون، فينم عليهم، ويكشف من حديثهم ما يكرهون كشفه، والقتات هو الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون به، ثم ينم وينقل حديثهم (٢). • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم النميمة وعظم شأنها وأنها من كبائر الذنوب؛ لما فيها من الإفساد وما يترتب عليها من المضار، فهي تزيل كل محبة، وتبعد كل مودة، وتقطع التآخي والتآلف، وتجلب الخصام والنفور، وتذكي نار العداوة بين المتصافيين، وتفرق المجتمعات وتفسدها، وكلما عظم أمرها واشتد خطرها، كان إثمها أعظم وجرمها أكبر، فهي بين الأقارب وذوي الأرحام والجيران أشد منها بين الناس البعيدين. وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمها والوعيد في حق متعاطيها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقال تعالى: " ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١١]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]. وعن ابن عبَّاس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله" (٣). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن محمدًا على قال: "ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ النميمة القالة بين الناس" (٤). والعَضْهُ: بفتح العين وسكون الضاد بوزن الوجه على الأشهر في كتب الحديث، مصدر عَضَهَ يَعْضَهُ عَضْهًا بمعنى

стр. 4764

كذب وسحر ونمَّ، فالمراد بها هنا السحر، ويجوز كسر العين وفتح الضاد على وزن العِدَة - وهو الأشهر في كتب اللغة - قال الكسائي: العِضَة: الكذب والبهتان (١). وقوله: (القالة) تفسير للنميمة؛ أي: نقل القول وإيقاع الخصومة بين الناس، وهذا يدل على أن النميمة نوع من أنواع السحر في المعنى؛ لأنها تفعل ما يفعل الساحر من التفريق بين القلوب والإفساد بين الناس، ولهذا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الحديث في كتاب "التوحيد" في باب (بيان شيء من أنواع السحر). والواجب على المؤمن أن يحذر أشد الحذر من هذه الخصلة الذميمة، وألا يأذن لأحد أن يتكلم بالنميمة في مجلسه، فضلًا أن يقع فيها هو، فقد قال الحسن البصري: (من نَمَّ إليك نَمَّ عليك) (٢)، وعليك ألا تصدق نمامًا لأنه فاسق، وأن تنهاه وتنصحه وتقبح فعله وأن تبغضه في ذات الله تعالى، وألا تظن بأخيك الغائب سوءًا، فإن الظن أكذب الحديث. والله تعالى أعلم.

стр. 4765

ما جاء في فضل من كَفَّ غضبه ١٥١٥/ ٢٨ - عَنْ أنَّسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ، كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الأَوْسَطِ". ١٥١٦/ ٢٩ - وَلَهَ شَاهِدٌ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عِنْدَ ابْنِ أبِي الدُّنْيَا. • الكلام عليهما من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجهما: حديث أَنس ﵁ رواه العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٤) والطبراني في "الأوسط" (١٨٩/ ٢) من طريق هلال بن بشر قال: حدَّثنا عبد السلام بن هاشم البزاز، عن خالد بن بُرْدٍ، عن قَتَادة، عن أَنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دفع غضبه دفع الله عنه عذابه، ومن حفظ لسانه ستر الله عورته". وهذا سند ضعيف جدًّا؛ لضعف خالد بن برد، ولما ذكر البخاري في "تاريخه" هذا الحديث في ترجمة خالد بن برد قال: (لا يتابع عليه) (١)، وقال العقيلي: في حديثه اضطراب. وقال الذهبي: (مجهول، وعنه عبد السلام بن هاشم بخبر منكر). وقال في ترجمة عبد السلام: (الأعور، شيخ مقل، حدث بعد المائتين، قال أَبو حاتم: ليس بالقوي، وقال عمرو بن علي الفلاس: لا أقطع على أحد بالكذب إلَّا عليه) (٢).
следующие страницы →