أقاربهم، كما في حديث المغيرة: "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء" (١). ولا يفهم من ذلك جواز سب الأموات عند عدم تأذي الأحياء كمن لا قرابة له، أو له قرابة ولكن لا يبلغهم ذلك؛ لأن سب الأموات منهي عنه للحكمة الأولى، فإذا أدى إلى أذية الأحياء كان محرمًا من جهتين.
والحكمة الثالثة: أن سب الأموات من باب الغيبة التي وردت الآيات والأحاديث بتحريمها، كما تقدم؛ لأن قوله ﷺ : "الغيبة ذكرك أخاك بما يكره" يدخل فيه الحي والميت، وقد بوَّب البخاري في كتابه "الأدب المفرد"، باب (الغيبة للميت) (٢). قال ابن بطَّال: (سب الأموات يجري مجرى الغيبة في الأحياء) (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4762
ما جاء في التحذير من النميمة
١٥١٤/ ٢٧ - عَنْ حُذَيفَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (ما يكره من النميمة) (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥) من طريق منصور، عن إبراهيم، عن همام قال: كنا مع حذيفة ﵁، فقيل له: إن رجلًا رفع الحديث إلى عثمان، فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنَّة قتات" هذا لفظ البخاري.
ورواه مسلم -أيضًا - (١٦٨) من طريق واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن حذيفة ﵁ بلفظ: "لا يدخل الجنَّة نمّام".
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا يدخل الجنَّة) تقدم الكلام على هذه الجملة عند الحديث و (١٤٦٤) من هذا الجزء.
قوله: (قتات) بالفتح والتشديد صيغة مبالغة، وأُتي بصيغة المبالغة لعظم الوعيد، وإلا فأصل النَّمِّ منهي عنه؛ لأنه من الكبائر (١)، كما سيأتي، والقتات من قَتَّ يَقُتُّ قتًا: إذا نمَّ، فالقتات هو النمام، كما في الرواية الأخرى (٢).
стр. 4763
وقال ابن الأثير: قَتَّ الحديث: إذا زوَّره وهيأه وسواه (١). وعلى هذا فالقتات والنمام بمعنى واحد، وهو الذي ينقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد، وقيل: بينهما فرق لطيف، وهو أن النمام يكون مع القوم يتحدثون، فينم عليهم، ويكشف من حديثهم ما يكرهون كشفه، والقتات هو الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون به، ثم ينم وينقل حديثهم (٢).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم النميمة وعظم شأنها وأنها من كبائر الذنوب؛ لما فيها من الإفساد وما يترتب عليها من المضار، فهي تزيل كل محبة، وتبعد كل مودة، وتقطع التآخي والتآلف، وتجلب الخصام والنفور، وتذكي نار العداوة بين المتصافيين، وتفرق المجتمعات وتفسدها، وكلما عظم أمرها واشتد خطرها، كان إثمها أعظم وجرمها أكبر، فهي بين الأقارب وذوي الأرحام والجيران أشد منها بين الناس البعيدين.
وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمها والوعيد في حق متعاطيها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقال تعالى: " ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١١]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].
وعن ابن عبَّاس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله" (٣).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن محمدًا على قال: "ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ النميمة القالة بين الناس" (٤). والعَضْهُ: بفتح العين وسكون الضاد بوزن الوجه على الأشهر في كتب الحديث، مصدر عَضَهَ يَعْضَهُ عَضْهًا بمعنى
стр. 4764
كذب وسحر ونمَّ، فالمراد بها هنا السحر، ويجوز كسر العين وفتح الضاد على وزن العِدَة - وهو الأشهر في كتب اللغة - قال الكسائي: العِضَة: الكذب والبهتان (١).
وقوله: (القالة) تفسير للنميمة؛ أي: نقل القول وإيقاع الخصومة بين الناس، وهذا يدل على أن النميمة نوع من أنواع السحر في المعنى؛ لأنها تفعل ما يفعل الساحر من التفريق بين القلوب والإفساد بين الناس، ولهذا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الحديث في كتاب "التوحيد" في باب (بيان شيء من أنواع السحر).
والواجب على المؤمن أن يحذر أشد الحذر من هذه الخصلة الذميمة، وألا يأذن لأحد أن يتكلم بالنميمة في مجلسه، فضلًا أن يقع فيها هو، فقد قال الحسن البصري: (من نَمَّ إليك نَمَّ عليك) (٢)، وعليك ألا تصدق نمامًا لأنه فاسق، وأن تنهاه وتنصحه وتقبح فعله وأن تبغضه في ذات الله تعالى، وألا تظن بأخيك الغائب سوءًا، فإن الظن أكذب الحديث. والله تعالى أعلم.
стр. 4765
ما جاء في فضل من كَفَّ غضبه
١٥١٥/ ٢٨ - عَنْ أنَّسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ، كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الأَوْسَطِ".
١٥١٦/ ٢٩ - وَلَهَ شَاهِدٌ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عِنْدَ ابْنِ أبِي الدُّنْيَا.
• الكلام عليهما من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
حديث أَنس ﵁ رواه العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٤) والطبراني في "الأوسط" (١٨٩/ ٢) من طريق هلال بن بشر قال: حدَّثنا عبد السلام بن هاشم البزاز، عن خالد بن بُرْدٍ، عن قَتَادة، عن أَنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دفع غضبه دفع الله عنه عذابه، ومن حفظ لسانه ستر الله عورته".
وهذا سند ضعيف جدًّا؛ لضعف خالد بن برد، ولما ذكر البخاري في "تاريخه" هذا الحديث في ترجمة خالد بن برد قال: (لا يتابع عليه) (١)، وقال العقيلي: في حديثه اضطراب. وقال الذهبي: (مجهول، وعنه عبد السلام بن هاشم بخبر منكر). وقال في ترجمة عبد السلام: (الأعور، شيخ مقل، حدث بعد المائتين، قال أَبو حاتم: ليس بالقوي، وقال عمرو بن علي الفلاس: لا أقطع على أحد بالكذب إلَّا عليه) (٢).
стр. 4766
ورواه العقيلي -أيضًا- من طريق سليمان بن داود والحسن بن بحر اللؤلؤي، قالا: حدَّثنا عبد السلام بن هاشم، قال: حدَّثنا خالد بن برد، عن أبيه، عن أَنس ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، وزاد: "من اعتذر إلى أخيه قبل الله معذرته" قال العقيلي: (هذا أولى).
ورواه ابن أبي شيبة في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (١٣/ ١٧٨)، - ومن طريقه أَبو يعلى (٤٣٣٨)، والبيهقي في "الشعب" (١٤/ ٤١٦ - ٤١٧) - عن زيد بن الحباب، عن الربيع بن سليم، عن أبي عمرو - وهو مولى أَنس بن مالك - أنَّه سمع أَنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "من خزن لسانه ستر الله عورته، ومن كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن اعتذر إلى الله قبل الله منه عذره".
وهذا سند ضعيف جدًّا، في إسناده الربيع بن سليم الكوفي، قال الأزدي: (منكر الحديث)، وقال ابن معين: (ليس بشيء)، وقال أَبو حاتم: (شيخ)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١).
وفيه أَبو عمرو مولى أَنس بن مالك غير معروف، ذكره ابن أبي حاتم بهذه الرواية ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٢). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: (هذا حديث منكر) (٣).
والحديث له طرق أخرى كلها ضعيفة، وقد ذكر ابن كثير في "تفسيره" وقال: (هذا حديث غريب، وفي إسناده نظر) (٤).
وأما حديث ابن عمر ﵄ فقد رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت وآداب اللسان" رقم (٢١) من طريق المغيرة بن إبراهيم، عن هشام بن
стр. 4767
إبراهيم، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كف لسانه ستر الله عورته، ومن ملك فضبه وقاه الله عذابه، ومن اعتذر إلى الله قَبِل الله عذره".
وهذا سند ضعيف جدًّا، فيه هشام بن أبي إبراهيم، ولا يحتمل تفرده عن أصحاب ابن عمر ﵄. وقد ترجم له البخاري في "تاريخه" (١)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢) باسم هشام بن أبي إبراهيم، وقد ذكر المحقق أنَّه في إحدى النسخ: (هشام بن إبراهيم). قال عنه أَبو حاتم: (مجهول)، وكذا قال الذهبي (٣)، ولما عزاه العراقي في "تخريج الإحياء" إلى ابن أبي الدنيا قال: (إسناده حسن) (٤)، وهذا فيه نظر؛ لما تقدم.
وللحديث شاهد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك لسانه ستر الله عورته، ومن ملك غضبه كف الله عنه عذابه … " رواه البيهقي في "الشعب" (١٤/ ٤١٨).
وفيه القاسم بن مهران قال عنه الحافظ: (شيخ مستور)، وقال في "تعجيل المنفعة": (ليس بمشهور) (٥)، وقال الذهبي: (لا يعرف) (٦).
• الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل من كف غضبه عند حدوث أسبابه ودواعيه ومنعه من الاسترسال إلى طلب الانتقام ورد الفعل والتشفي، وقد مضى الكلام في هذا. والله تعالى أعلم.
стр. 4768
ما جاء في بعض مساوئ الأخلاق
١٥١٧/ ٣٠ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ خِبٌّ، وَلَا بَخِيلٌ، وَلَا سَيِّئ المَلَكَةِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفَرَّقَهُ حَدِيثَينِ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث فرّقه التِّرمِذي في حديثين، الأول في "أَبواب البر والصلة"، باب (ما جاء في الإحسان إلى الخدم) (١٩٤٦) من طريق همام بن يحيى، عن فرقد السَّبَخِي، عن مرة، عن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنَّة سيئ الملكة".
قال التِّرمِذي: (هذا حديث غريب، وقد تكلم أيوب السختياني وغير واحد في فرقد السبخي من قبل حفظه).
وروى الحديث الثاني في باب (ما جاء في البخل) (١٩٦٣) من طريق صدقة بن موسى، عن فرقد السبخي، عن مرة الطيب، عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنَّة خِبٌّ ولا منَّان ولا بخيل".
قال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن غريب).
والحديث مداره على فرقد بن يعقوب السبخي (١)، وقد ضعفه أيوب وابن معين والبخاري وأَبو حاتم والنَّسائي ويعقوب بن شيبة وآخرون (٢).
стр. 4769
وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد: سألت أبي عن فرقد السبخي، فقال: ليس هو بقوي في الحديث، قلت: هو ضعيف؛ قال: هو ليس بذاك (١). وذكر ابن عدي في "الكامل" هذا الحديث من مناكير فرقد (٢)، وفي الحديث الثاني صدقة بن موسى الدقيقي أَبو المغيرة ضعيف أيضًا. قال ابن معين: (ليس حديثه بشيء). وقال التِّرمِذي: (ليس عندهم بذاك القوي)، وقال أَبو حاتم: (لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بقوي). وقال ابن حبان: (كان شيخًا صالحًا إلَّا أن الحديث لم يكن من صناعته) (٣).
وفي الحديث علة أخرى وهي الانقطاع؛ لأن مرة الطيب لم يدرك أبا بكرٍ ﵁، فقد قال البزار: (روايته عن أبي بكر مرسلة، ولم يدركه) وقال أَبو زرعة وأَبو حاتم: (حديثه عن عمر مرسل) (٤). وقال أَبو حاتم مرةً: (لم يدرك عمر) (٥). وقال العلائي: (وقد روى عن أبي بكر، فيكون مرسلًا أيضًا) (٦).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا يدخل الجنَّة) تقدم الكلام على هذه الجملة عند الحديث (١٤٦٤) من هذا الجزء.
قوله: (خب) بفتح الخاء وكسرها (٧) وتشديد الباء الموحدة، هو الرجل الخداع الذي يفسد بين الناس بالخداع، وفعله خَبَّ خَبًّا من باب قتل، ورجل خَبٌّ من التسمية بالمصدر.
قوله: (ولا سيئ الملكة) بفتح الميم واللام بمعنى المُلك، وهو مصدر مَلَكَهُ يَمْلِكُهُ مِلْكًا - مثلثة - ومَلَكَةً - محركة - ومَمْلُكَةً بضم اللام أو يثلث: احتواه قادرًا على الاستبداد به (٨). قال ابن الأثير: (يقال: فلان حسن الملكة
стр. 4770
إذا كان حسن الصنع إلى مماليكه، وسيئ الملكة؛ أي: الذي يسيء صحبة المماليك) (١).
• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من هذه الأخلاق السيئة والصفات الذميمة.
الصفة الأولى: أن يكون الإنسان خداعًا محتالًا، لا يعيش إلَّا بالخديعة، ولا يمشي إلَّا بالحيلة، فيأكل أموال الناس بطرق من الخداع، من الكذب والتدليس، أو يفسد بين المرء وزوجه أو بين الناس عمومًا، أو يخادع الناس بالمصاهرة منهم، فيظهر الدين والغنى والخصال المرغبة في إجابة خطبته وهو ليس كذلك.
الثانية: أن يكون الإنسان بخيلًا، والبخل صفة ذميمة لا تجتمع مع الإيمان، وهو دليل على سوء الظن بالله تعالى، وعلى قلة العقل، وسوء التدبير، وما أحسن قول حبيش بن مُبَشِّر الثقفي الفقيه: (قعدت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والناس متوافرون، فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلًا صالحًا بخيلًا) (٢).
الثالثة: أن يكون مسيئًا إلى مماليكه ومن تحت يده من عَمالة ونحوهم، فيكلفهم من العمل ما يشق عليهم، أو يترك الإنفاق عليهم، أو يماطلهم في القيام بحقوقهم وأداء أجرتهم، ومثل المماليك البهائم التي تحت يده، فيقصر عليها في إطعامها وسقيها، أو عدم وضعها في مكان يحميها من شدة الحر وشدة البرد، وقد مضى ما يتعلق بهذا في "النفقات". والله تعالى أعلم.
стр. 4771
ما جاء من الوعيد في تَسَمُّعِ حديث الآخرين
١٥١٨/ ٣١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنيهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". يَعْنى: الرَّصَاصُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "التعبير"، باب (من كذب في حُلُمِهِ) (٧٠٤٢) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من تحلم بحُلُمٍ لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صُبَّ في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صوَّر صورة عذب وكلّف أن ينفخ فيها وليس بنافخ".
• الوجه الثاني: في شرح الفاظه:
قوله: (من تسمّع) هكذا في نسخ "البلوغ، والذي في البخاري: (استمع)، ثم رأيت لفظ (تسمع) عند الإِمام أحمد في "المسند" (١). وتسمع: فعل ماض من باب التفعل الذي يفيد معنى القصد والتكلف، والمعنى: من اجتهد وتكلف في استماع حديث قوم، بحيث يكون مختفيًا مسترقًا.
قوله: (وهم له كارهون) جملة حالية، وصاحب الحال فاعل (تَسَمَّعَ)، ويجوز أن يكون صفة لقوم، والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف؛ لأن الكراهة حاصلة لا محالة، وخرج بهذا الوصف من كان راضيًا فلا يأتي فيه
стр. 4772
هذا الوعيد، أما من جهل ذلك فيمتنع حسمًا للمادة (١).
قوله: (يعني الرصاص) هذا تفسير من الحافظ إذ ليس في سياق الحديث.
قوله: (صب) بضم الصاد مبنيًّا لما لم يسم فاعله؛ أي: أفرغ وألقي.
قوله: (الآنك) بمد الهمزة وضم النون، هو الرصاص المذاب.
• الوجه الثالث: في الحديث وعيد شديد لمن يسمع حديث قوم وهم لا يحبون أن يسمع حديثهم، وأن هذا من الأخلاق السيئة التي هي من كبائر الذنوب لثبوت هذا الوعيد العظيم، ومثل هذا لا يكون إلَّا على كبيرة، والجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما تسمع بأذنه عوقب فيها، وتعرف الكراهة بالتصريح أو بالقرائن كإغلاق الباب أو خفض الصوت.
وهذا من أدب المجالسة ومن حماية الإسلام لحقوق الناس، والغالب أن هذا الخلق الذميم يكون في حال المفاجأة عندما يتناجى اثنان، أو يتسمع كلام الناس في وسائل الاتصال كالهاتف. والله تعالى أعلم.
стр. 4773
فضل من شغله عيبه عن عيوب الناس
١٥١٩/ ٣٢ - عَنْ أنَّسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ". أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بإسْنادٍ حَسَنٍ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البزار (١٢/ ٣٤٨)، وابن عدي في "الكامل" (٧/ ٨١) من طريق الوليد بن المهلب، ثنا النضر بن مُحْرِز الأزدي، عن محمد بن المنكدر، عن أَنس ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ على ناقته العضباء، وليست بالجدعاء، فقال: "يا أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا قد وجب … " وساق الحديث إلى أن قال: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتواضع لله في غير منقصة … " وذكر تمام الحديث.
وهذا سند ضعيف جدًّا، فيه الوليد بن المهلب الأزدي، قال عنه ابن عدي: (أحاديثه فيها بعض النكرة). وقال الذهبي: (لا يعرف، وله ما ينكر) (١)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢).
وفيه النضر بن محرز، قال فيه أَبو حاتم: (مجهول). وقال ابن حبان: (منكر الحديث جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به، وهو الذي روى عن محمد بن المنكدر عن أَنس … ) وذكر الحديث (٣). وقال الذهبي: (هذا حديث واهي
стр. 4774
الإسناد، فالنضر قال أَبو حاتم: مجهول، والوليد لا يعرف، ولا يصح لهذا المتن إسناد) (١). وقال الحافظ ابن حجر: (المتن موضوع، وهو من كلام الحسن) (٢)، وبهذا يتبين أن حكم الحافظ عليه - هنا - بحسن الإسناد ليس في محله.
• الوجه الثاني: في هذا الحديث توجيه رشيد وحث للإنسان على أن يشغل وقته بإصلاح نفسه وذلك بالتحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن رذائل الذنوب والمعوقات عن السير إلى الله تعالى، والاستعداد للدار الآخرة، ولا ريب أن من تخلى عن مساوئ الأخلاق فإنه يتحلى بمكارم الأخلاق.
هذا هو المنهج السليم والسلوك المستقيم الذي يسلم فيه الإنسان من الاشتغال بعيوب الناس وتتبّع عوراتهم. والحديث وإن كان إسناده ضعيفًا جدًّا لكن معناه صحيح، دلّت عليه عمومات الشريعة.
ولابن القيم كلمة قيمة يوضح فيها صفات السائر إلى الله وإلى الدار الآخرة فيقول: (طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة - بل وإلى كل علم، وصناعة، ورئاسة بحيث يكون رأسًا في ذلك، مقتدى به فيه - يحتاج أن يكون شجاعًا مقدامًا، حاكمًا على وهمه، غير مقهور على سلطان تَخَيُّله، زاهدًا في كل ما سوى مطلوبه، عاشقًا لما توجه إليه، عارفًا بطريق الوصول إليه، والطرق القواطع عنه، مقدام الهمة، ثابت الجأش، لا يثنيه عن مطلوبه لوم لائم، ولا عذل عاذل، كثير السكون، دائم الفكر، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائمًا بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تستفزه المعارضات، شعاره الصبر، وراحته التعب، محبًّا لمكارم الأخلاق، حافظًا لوقته، لا يخالط الناس إلَّا على حذر، كالطائر الذي يلتقط الحب بينهم، قائمًا على نفسه بالرغبة والرهبة، طامعًا في نتائج
стр. 4775
الاختصاص علي بني جنسه، غير مرسلٍ شيئًا من حواسه عبثًا، ولا مسرحًا خواطره في مراتب الكون.
وملاك ذلك هجر العوائد، وقطع العلائق الحائلة بينك وبين المطلوب) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4776
ما جاء في ذم التكبُّر
١٥٢٠/ ٣٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَال فِي مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانُ". أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (١٠/ ٢٠٠)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٥٤٩)، والحاكم (١/ ٦٠) من طريق يونس بن القاسم الحنفي اليمامي، سمعت عكرمة بن خالد المخزومي يقول: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث.
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). أما الذهبي فقال: (على شرط مسلم)، وهذا فيه نظر، فإن يونس بن القاسم لم يخرج له الشيخان شيئًا من روايته عن عكرمة بن خالد، وإنما روى له البخاري في "الأدب" (١).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من تعاظم نفسه) لفظ الحاكم: "ما من رجل يتعاظم" وصيغة (تفاعل) ليست على بابها، وإنَّما هي من باب فَعَلَ مثل: توانيت بمعنى وَنَيتُ مع المبالغة، فتعاظم بمعنى عَظُمَ في نفسه.
стр. 4777
وعند أحمد والبخاري في "الأدب المفرد": "من تعظم" والمعنى: من تكبّر واعتقد في نفسه أنَّه عظيم يستحق التعظيم فوق ما يستحق غيره، وهذا التعاظم منشؤه من الكبر الذي هو استعظام النفس ورؤية قدرها فوق قدر الغير، والكبر نوعان: كبر على الحق، وكبر على الخلق، كما قال النبي ﷺ : "الكبر بطر الحق، وغمط الناس" (١).
قوله: (واختال في مشيته) أي: تبختر وأظهر التكبّر.
• الوجه الثالث: في الحديث ذم التكبّر والتعاظم، وأن هذا من مساوئ الأخلاق التي ينبغي للمؤمن أن يتنزّه عنها، وأن يتصف بالتواضع ولين الجانب، وأن يعرف قدر نفسه، وأن يتأمل عيوبه، والكبر خلق مذموم، جعل الله تعالى جزاءه الطرد من رحمته. قال ﷺ : "لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" (٢)، وعن حارثة بن وَهْب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " .. ألا أخبركم بأهل النار؛ كل عُتُلٍّ جَوَّاظ مستكبر" (٣) وعن أبي سعيد وأَبي هُرَيرَةَ ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "العِزُّ إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته" (٤)، إن المتكبر بعيد عن الخير، قريب من الشر، لا ينقاد للحق، ولا يكظم الغيظ، قد تسبب في بغض الناس له وتفرقهم عنه. قال الحسن: "من خَصَفَ نعليه ورَقَعَ ثوبه، وعفَّر وجه لله فقد برئ من الكبر) (٥). وقال محمد بن الحسين بن علي: (ما دخل قلب امرئ شيءٌ من الكبر قط إلَّا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك، قلّ أو كَثُر) (٦).
وقال الأحنف بن قيس: (عجبًا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين) (٧).
ولابن القيم كلمة قيمة في منشأ الكبر وصفات المتكبر فهو يقول: (الكبر
стр. 4778
أثر من آثار العُجْبِ والبغي من قلبٍ قد امتلأ بالجهل والظلمِ، وترحلت منه العبودية، ونزل عليه المقت، فنظره إلى الناس شَزَرٌ، ومشيه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستئثار لا الإيثار ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيهًا، لا يبدأ من لقيه بالسلام، وإن رد عليه رأى أنَّه قد بالغ في الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خلقه، ولا يرى لأحد عليه حقًّا، ويرى حقوقه على الناس، ولا يرى فضلهم عليه، ويرى فضله عليهم، ولا يزداد من الله إلَّا بعدًا، ومن الناس إلَّا صغارًا أو بغضًا) (١).
وبما أن الكبر ضده التواضع، فإنه سيأتي الكلام على التواضع في باب "الترغيب في مكارم الأخلاق" - إن شاء الله - والله تعالى أعلم.
стр. 4779
ما جاء في ذَمِّ العَجَلَةِ
١٥٢١/ ٣٤ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيطَانِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال: حَسَن.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب "البر والصلة"، باب (ما جاء في التأني والعجلة) (٢٠١٢) من طريق عبد المهيمن بن عبَّاس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأَناةُ من الله، والعجلة من الشيطان".
وقد اختلفت نسخ التِّرمِذي في الحكم على هذا الحديث ففي بعضها: (حسن غريب) وهو الذي ذكره المزي (١)، وفي بعضها: (هذا حديث غريب، وقد تكلم أهل العلم في عبد المهيمن بن عبَّاس بن سهل وضعفه من قبل حفظه).
فالحديث ضعيف جدًّا من أجل عبد المهيمن، فقد قال البخاري وأَبو حاتم: (منكر الحديث). وقال النَّسائي: (ليس بثقة). وفي موضع آخر: (متروك الحديث). وقال الساجي: (عنده نسخة عن أبيه عن جده فيها مناكير) (٢).
وقد جاء معنى هذا الحديث فيما رواه أَبو يعلى (٤/ ٢٠٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ١٠٤) من طريق اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن
стр. 4780
سعد بن سنان، عن أَنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "التأني من الله، والعجلة من الشيطان".
وهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه سعد بن سنان أو سنان بن سعد متكلم فيه، فقد ضعفه الإِمام أحمد. وقال النَّسائي: (منكر الحديث). وقال ابن معين: "ثقة)، ووثقه العجلي. وقال الإِمام أحمد: (روى خمسة عشر حديثًا منكرة كلها، ما أعرف منها واحدًا)، وقال أيضًا: (تركت حديثه، حديثه مضطرب، وقال: يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه أحاديث أَنس). قال الحافظ ابن رجب: (مراده أن الأحاديث التي يرويها عن أَنس مرفوعة إنما تشبه كلام الحسن البصري أو مراسيله) (١)، وقال الحافظ: (صدوق له أفراد).
وروى الحديث الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٢/ ٦٨٧) من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن النبي ﷺ . هكذا مرسلًا.
• الوجه الثاني: في الحديث ذم العجلة والتسرع في الأمور دون روية أو تثبت، وبيان أنَّها من عمل الشيطان؛ لأن الشيطان يروج شره على الإنسان عند العجلة من حيث لا يشعر، وضد العجلة الأناة والتأني والتبين، وهذه أخلاق كريمة وصفات عالية، ويكفيها شرفًا وفضلًا أن الله تعالى يحب من اتصف بها ففي "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلْمُ والأَنَاةُ" (٢).
إن في العجلة كثرة الزلل، والوقوع في الخطأ وما لا تُحمد عقباه، وفيها الندم على ما قد يقع على غير الوجه المطلوب حين لا ينفع الندم، والعجلة دليل السفه، وخفة الحلم، وضعف العقل.
فعلى المؤمن أن يحذر هذا الخلق السيئ، ويعود نفسه على التأني في
стр. 4781
طلب الأشياء أو الحكم عليها، وما أحوج المؤمن في هذا الزمان إلى الأناة عند نقل الأخبار أو الحكم على ما يسمع، فكم من أناس زلّت أقدامهم في هذا الباب نتيجة العجلة، وعدم الروية والنظر.
يقول ابن حبان: (إن العاجل لا يكاد يَلحق، كما أن الرافق لا يكاد يُسبق، والساكت لا يكاد يندم، ومن نطق لا يكاد يسلم، وإن العَجِلَ يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، وَيحْمَدُ قبل أن يُجَرِّبَ، ويَذُمُّ بعد ما يَحْمَدُ، يَعْزِمُ قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم، والعَجِلُ تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تكنِّي العجلة: أم الندامات) (١).
إن العجلة تؤثر على حياة الإنسان ونشاطاته في اتجاهين:
الأول: الاتجاه المادي، حيث تفوِّت على المرء كثيرًا من المصالح، أو تؤدي به إلى أمراض ومصائب وإلى كوارث وخسائر متفاوتة في جسمه وولده وماله ومقتنياته، فالعجلة في تناول الأشياء، أو في مشيه، أو في قيادته لسيارته، أو في صنعه لطعامه أو في معاقبته لولده، أو في كلامه ومخاطبته، كل ذلك له آثار مادية بالغة مشهودة.
الثاني: الاتجاه النفسي، حيث تفوت العجلة على الإنسان الراحة النفسية والطمأنينة والاستقرار، والعجلة دائمًا في ذاتها وفي أثرها تؤدي إلى قلق الإنسان وانزعاجه، وتورث الأسف والأسى في مشاعره وأحاسيسه، مما يقوض صحة الإنسان النفسية واستقراره الداخلي، ومن أهم الأعراض النفسية المترتبة على العجلة الندامة والأسف بعد فوات الأوان، وهو مرض يعرض لكل الناس بقلة وكثرة (٢).
وإذا كانت العجلة طبعًا في الإنسان وسجية له أمكن أن يغير ذلك إلى الرفق والتأني، وذلك بكفِّ النفس عن العجلة، وردعها عن السرعة، وتعويدها على التروي والأناة والاستفادة من المواقف والمناسبات في مثل ذلك، ثم
стр. 4782
يتأمل ما في الرفق من المصالح وما في العجلة من المفاسد، ومحبةُ الله ورسوله لمن اتصف بالحلم والأناة فيها أعظم الدفع والحفز للالتزام بهما والتربي عليهما (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4783
ما جاء في ذم سوء الخلق
١٥٢٢/ ٣٥ - عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الشؤْمُ: سُوءُ الخُلُقِ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْف.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٤١/ ٩٩)، والطبراني في "الأوسط" (٥/ ١٨٣) من طريق أبي بكر بن عبد الله، عن حبيب بن عبيد قال: قالت عائشة ﵂ قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث.
وهذا سند ضعيف؛ لأن فيه أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني ضعيف. قال أحمد: (ليس بشيء). وقال أَبو داود: (سُرق له حلي، فأنكر عقله). وقال النَّسائي وأَبو حاتم: (ضعيف)، وقال الدَّارَقُطني: (متروك)، وفي موضع آخر: (ضعيف)، وقال ابن عدي لما ساق جملة من مناكيره ومنها حديث الباب: (ولأبي بكر بن مريم غير ما ذكرت من الحديث، والغالب على حديثه الغرائب، وقلّ ما يوافق عليه الثقات، وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه، ولكن يكتب حديثه) (١).
وفي الحديث علة أخرى وهي الانقطاع، فإن حبيب بن عبيد وهو الرحبي الحمصي لم يسمع من عائشة ﵂ (٢).
стр. 4784
ورواه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (٢) من طريق محمد بن مصعب القرقساني، عن حبيب بن عبيد - قال: حسبت أنَّه ذكر معه حكيم بن عمير - عن عائشة ﵂.
ولما ذكر الدَّارَقُطني هذا الاختلاف قال: (والقول الأول أصح) (١).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الشؤم) بضم الشين وسكون الهمزة، وقد تسهل وتبدل بالواو، ضد اليُمن والبركة.
قوله: (سوء الخلق) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الخلق السيئ، وهو من باب الحصر المجازي؛ أي: معظم الشؤم سوء الخلق، مثل: البر حسن الخلق، الحج عرفة، الدين النصيحة، على أحد الوجهين، كما سيأتي إن شاء الله.
وسوء الخلق: هو الوصف المضاد لحسن الخلق، وسوء الخلق يقوم على أربعة أركان: الجهل والظلم والشهوة والغضب.
• الوجه الثالث: هذا الحديث وإن كان ضعيفًا لكن معناه صحيح، وهو أن الخلق السيئ شؤم على صاحبه وعذاب عليه وعلى من حوله من الأهل والأولاد والجيران والأصدقاء والزملاء، فهو يضر نفسه ويضر غيره، قد كَثُر معادوه، وقلّ مصافوه. قال بعض البلغاء: (الحَسَنُ الخلق من نفسه في راحة، والناس منه في سلامة، والسعى الخلق الناس منه في بلاء، وهو من نفسه في عناء) (٢).
وقد يتغير حسن الخلق والوطَاءِ إلى الشراسة والبذاء لأسباب عارضة، وأمور طارئة، تجعل اللين خشونة، والوطَاءَ غلظة، والطلاقة عبوسًا، ومن هذه الأسباب:
١ - الولاية التي تُحْدِثُ في الأخلاق تغيرًا، وعلى الخُلطاء تنكرًا، إما من لؤم طبع، وإما من ضيق الصدر.
стр. 4785
٢ - العزل، فمن عُزل من عمل أو وظيفة فقد يسوء خلقه، ويضيق صدره، إما لشدة أسفٍ، أو لقلة صبر.
٣ - الغنى، فقد تتغير به أخلاق اللئيم بطرًا، وتسوء طرائقه أشرًا.
٤ - الفقر، فقد يتغير به الخلق، إما أنفة من ذل الاستكانة، أو أسفًا على فائت الغنى.
٥ - الهموم التي تُذْهِلُ اللُّبَّ، وتشغل القلب، فلا تتبع الاحتمال، ولا تقوى على صبر.
٦ - الأمراض التي يتغير بها الطبع، كما يتغير الجسم.
٧ - علوُّ السن، وحدوث الهَمِّ لتأثيره في البدن وأخلاق النفس (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4786
ما جاء في التحذير من كثرة اللعن
١٥٢٣/ ٣٦ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ اللَّعَّانِين لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب"، باب (النهي عن لعن الدواب وغيرها) (٢٥٩٨) من طريق زيد بن أسلم وأبي حازم، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إن اللعانين) جمع لعان صيغة مبالغة، ومعناها: كثير اللعن، وذكرت هذه الصيغة دون اسم الفاعل اللاعن؛ لأن المؤمن قد يلعن من أمر الشرع بلعنه، وقد يقع منه اللعن فلتة وندرة ثم يراجع (١).
قوله: (شفعاء) جمع شفيع اسم فاعل من شفع في الأمر: إذا أعان صاحبه في تحصيل مطلبه ممن هو عنده، والمعنى: أن اللعانين لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار.
قوله: (ولا شهداء) جمع شهيد بمعنى شاهد، والمعنى: أن اللعانين لا يكونون يوم القيامة شهداء على الأمم بتبليغ رسلهم لهم ما أرسلوا به.
стр. 4787
قوله: (يوم القيامة) ظرف متعلق بالفعل قبله، فيدل على أن نفي الشفاعة والشهادة مراد به يوم القيامة، فإن كان متعلقًا بالشفاعة وحدها احتمل أن يراد بنفس الشهادة: الشهادة في الدنيا، بمعنى لا تقبل شهادتهم؛ لأن الإكثار من اللعن دليل على التساهل في أمور الدين، وعلى هذا يكون المراد نفي الشهادة في الدنيا والآخرة، واحتمل معنى ثالث وهو أنهم لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله (١).
• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من كثرة اللعن، وبيان أن اللعانين ليس لهم منزلة عند الله تعالى يوم القيامة، فلا تقبل شفاعتهم في إخوانهم لدخول الجنَّة، ولا تقبل شهادتهم على الأمم السابقة في أن رسلهم بلغوا الرسالة.
فعلى المؤمن أن يحذر من هذا الخلق السيئ وأن يطهر لسانه من اللعن والسب والشتم؛ لأنه قد استهان كثير من الناس بلفظ اللعن، فصار يصدر لأقل سبب، بل من الناس من يلعن الآدمي والحيوان والجماد، وكل هذا سببه اعتياد اللسان على اللعن، إما من عدم المبالاة، أو من الجهل بما يترتب عليه، وقد عظَّم النبي ﷺ شأن لعن المؤمن فقال: "لعن المؤمن كقتله" (٢) يقول القرطبي: (وقوله: "لعن المؤمن كقتله" أي: في الإثم، ووجهه: أن من قال لمؤمن: لعنه الله؛ فقد تضمن قوله ذلك إبعاده عن رحمة الله تعالى التي رحم بها المسلمين، وإخراجه من جملتهم في أحكام الدنيا والآخرة، ومن كان كذلك فقد صار بمنزلة المفقود عن المسلمين بعد أن كان موجودًا فيهم، وإذا لم يُنْتَفَعُ بما انتفع به المسلمون، ولا انتفعوا به، فأشبه ذلك قتله، وعلى هذا فيكون إثم اللاعن كإثم القاتل، غير أن القاتل أدخل في الإثم؛ لأنه أفقد المقتول حسًّا ومعنًى، واللاعن أفقده معنًى، فإثمه أخف منه، لكنهما قد اشتركا في مطلق الإثم، فصدق عليه أنَّه مثله، والله أعلم) (٣).
стр. 4788
وعن عمران بن حصين ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: "خذوا ما عليها ودعوها؛ فإنها ملعونة" قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد (١). فانظر كيف أَدَّبَ النبي ﷺ هذه المرأة وعاقبها بحرمانها من الانتفاع بناقتها لما لعنتها (٢)، وعلل لذلك بأنها ناقة ملعونة، فما يدل على عظم هذا الأمر. والله تعالى أعلم.
стр. 4789
التحذير من عيب الشخص بذنبه
١٥٢٤/ ٣٧ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ، لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب "صفة القيامة والرقائق والورع" (٢٥٠٥) عن أحمد بن منيع قال: حدَّثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث.
قال التِّرمِذي: (قال أحمد: من ذنب قد تاب منه، ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل … ).
فالحديث في سنده انقطاع كما ذكر التِّرمِذي، وصرح به الحافظ، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (خالد بن معدان عن معاذ بن جبل مرسل، لم يسمع منه، وربما كان بينهما اثنان) (١).
لكن ليست علته الانقطاع فحسب، بل هو موضوع؛ لأن في سنده محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني ضعفه أحمد وأَبو حاتم. قال أحمد:
стр. 4790
(ضعيف الحديث، ما أراه يُسوى شيئًا). وقال أَبو حاتم: (ليس بالقوي) (١). وقال عنه ابن معين: (ليس بثقة)، وفي رواية: (يكذب)، وقال أَبو داود: (كذاب)، وقال النَّسائي: (متروك)، وقال الدَّارَقُطني: (لا شيء) (٢).
وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" وقال: (هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، والمتهم به محمد بن الحسن) (٣).
• الوجه الثاني: هذا الحديث وإن كان بهذا الوصف لكن معناه صحيح، وهو التحذير من تعيير الناس وعيبهم بذنوبهم وما يظهر عليهم من الانحراف؛ لأنه إن كان تائبًا منه لم يجز تعييره بذنبه السابق؛ لأن من تاب تاب الله عليه، وإن كان لم يتب وجب نصحه وتوجيهه بالكلام الطيب لا بالتعيير؛ لأن التعيير يوجب العداوة والبغضاء، ولا يؤدي المقصود.
ثم إن التعيير فيه معنى العُجْبِ بالنفس، فإن الإنسان لا يعيب أحدًا بعينه إلَّا لما يجد في نفسه من العجب بسلامته من ذلك العيب، وقد يرى أن سلامته قد جاءته من قوته وإرادته لا من الله تعالى الذي عصمه من هذا الذنب.
ومن مظاهر التعيير إظهار السوء وإشاعته في قالب النصح، فهذا ليس غرضه النصح، وإنَّما غرضه التعيير والأذى بإظهار العيوب والمساوئ للناس، ولو كان غرضه النصح لما أشاع ذلك ولا أظهره؛ لأن النصيحة هي ما كانت سرًّا بين الآمر والمأمور، والناصح ليس غرضه إشاعة عيب من أراد نصحه، وإنَّما غرضه الإصلاح وإزالة المفسدة.
قال الفضيل: (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير) (٤) فعلامة النصح: الستر، وعلامة التعيير: الإعلان، يقول الحافظ ابن رجب: (كان السلف يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه، ويحبون أن يكون سرًّا بين الآمر والمأمور، فإن هذا من علامات النصح) (٥). والله تعالى أعلم.
стр. 4791
التحذير من الكذب ليضحك الناس
١٥٢٥/ ٣٨ - عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ويلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ، فَيَكْذِبُ؛ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيلٌ لَهُ". أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وإسْنَادُهُ قَويٌّ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أَبو داود في كتاب "الأدب"، بابٌ (في التشديد في الكذب) (٤٩٩٠)، والتِّرمِذي (٢٣١٥)، والنَّسائي في "الكبرى" (١٠/ ٧٤)، وأحمد (٣٣/ ٢٢٤) من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث.
قال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن).
وقد تقدم الكلام على بهز وأبيه حكيم بن معاوية في "الزكاة" عند الحديث (٦٠٥) وخلاصة ما قيل فيهما: أنهما صدوقان. قال أَبو حاتم في بهز: (شيخ يكتب حديثه، ولا يحتج به). وقال ابن معين: "ثقة"، وقد احتج به أحمد وإسحاق وابن المديني وآخرون.
وأما أَبوه حكيم فقد وثّقه العجلي، وقال النَّسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ويل) هي كلمة وعيد لمن اتصف بالصفة المذكورة، أو اسم واد في جهنم، وهي مبتدأ سوغ الابتداء بها دلالتها على الدعاء، مثل: (سلام عليكم)، والجار والمجرور بعده خبر.
стр. 4792
قوله: (ليضحك به القوم) بضم الياء وكسر الحاء من أضحك الرباعي المتعدي، والقوم: بالنصب مفعول به، ويجوز فتح الياء والحاء من المضارع من ضحك الثلاثي اللازم، والقوم: بالرفع فاعل، والضمير (به) يعود إلى المتحدث، فتكون الباء سببية، أو يعود إلى الكذب.
قوله: (ويل له ثم ويل له) هكذاب (ثم) في نسخ "البلوغ"، والذي في المصادر المذكورة: (ويل له وويل له)، وفي بعضها بدون حرف العطف، وهذا التكرار فيه إيذان بشدة هلكته وعِظَمِ الأمر الذي وقع فيه؛ لأن الكذب وحده رأس كل مذموم، وجماع كل فضيحة، فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب ويجلب النسيان ويورث الرعونة كان أقبح القبائح (١).
• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من الكذب ووعيد بالهلاك لمن يتعاطى الكذب من أجل المزاح وإضحاك الناس، وهذا من الأخلاق السيئة التي يجب على المؤمن أن يتنزه عنها، وأن يبتعد عن الكذب، ويطهر لسانه منه في كل حال من الأحوال إلَّا ما أذن فيه الشرع.
ومن اعتاد الكذب والمزاح سهل على لسانه وتهاون به، والإسلام أباح الترويح عن النفس، ولكنه لم يرض لذلك وسيلة سوى الصدق المحض؛ لأن في الحلال مندوحة عن الحرام، وفي الحق إغناء عن الباطل، ومن الناس من لا يبالي في الكذب في مجال المزاح والتسلية، وهذا خطأ يرتكبه الإنسان؛ إما لضعف إيمانه أو لجهله بشؤم الكذب وسوء عاقبته، وبعض الناس يفعل هذا عمدًا لأجل أن يتصدر في المجالس، ويستظرفه الناس، ويستطرفوا حديثه، ويلتفتوا إليه. والله تعالى أعلم.
стр. 4793
كفارة الغيبة
١٥٢٦/ ٣٩ - عَنْ أنسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "كفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ". رَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أبي أُسَامَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الحارث بن أبي أسامة، كما في "بغية الباحث" (٢/ ٩٧٤)، و"المطالب العالية" (١١/ ٧٢٦) قال: حدَّثنا رجل، حدَّثنا عنبسة بن عبد الرحمن، حدَّثنا خالد بن يزيد، عن أَنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته".
وهذا الحديث إسناده تالف، ومتنه باطل، أما متنه فسيأتي، وأما سنده ففيه الرجل المبهم، ويحتمل أنَّه داود بن المحبَّر؛ لأنه من شيوخ الحارث المباشرين، وقد أكثر النقل عنه، وقد ضعفه الإِمام أحمد، وقال: (شبه لا شيء، كان لا يدري الحديث)، ومثل هذا قال البخاري، وقال -أيضًا-: (منكر الحديث)، وقال الدَّارَقُطني: (متروك الحديث) (١).
وفيه عنبسة بن عبد الرحمن، قال البخاري: (ذاهب الحديث). وقال أبو حاتم: (كان يضع الحديث). وقال ابن حبان: (صاحب أشياء موضوعة لا يحل الاحتجاج به). وقال أَبو حاتم: (غير ثقة، ذاهب الحديث، منكر الحديث). وقال ابن المديني: (ذهب حديثه). وقال الحافظ: (متروك). وفيه خالد بن يزيد ولم أتحقق منه؛ لأن هناك أكثر من واحد مترجم في "الجرح
стр. 4794
والتعديل" (٣/ ٣٥٨) من طبقته، وقد يكون أحدهم، وهو دائر بين كونه مجهولًا أو مستورًا.
وروى الحديث ابن أبي الدنيا في "ذم الغيبة" (٢٥٣) وفي "الصمت" (٢٩١) ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٣٤٢)، وأخرجه أَبو الشيخ في "التوبيخ والتنبيه" (٢١١) وغيرهم من طريق عنبسة به.
وبهذا يتبين أن قول الحافظ هنا: بسند ضعيف، ومثله قول العراقي في "تخريج الإحياء" (١) أن هذا تسامح في النقد والحكم.
والحديث له طرق كلها ضعيفة، وله شواهد لا يصح منها شيء (٢).
• الوجه الثاني: يستدل العلماء بهذا الحديث على أن كفارة الغيبة أن يستغفر المغتاب لمن اغتابه؛ ليكون ذلك إحسانًا إليه في مقابلة مظلمته، ولا يلزم استحلاله ولا الاعتذار منه، وهذا القول رواية عن الإِمام أحمد، ورجح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن مفلح، والسفاريني وآخرون، ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا قول الأكثرين (٣).
وأيدوا قولهم هذا بأمور ثلاثة:
الأول: أن إعلام المغتاب لمن اغتابه مفسدة محضة؛ لأن فيه زيادة إيذاء له؛ لأن تضرر الإنسان بما علمه من شتمه أبلغ من تضرره بما لا يعلم.
الثاني: أن إعلامه قد يكون سببًا للعداوة؛ لأن النفوس لا تقف غالبًا عند العدل والإنصاف.
الثالث: أن في إعلامه زوال ما بينهما من كمال الألفة وقوة المحبة، فتتجدد القطيعة، ويقع التباعد بدل التقارب.
стр. 4795
ولا ريب أن ما يترتب عليه هذه المفاسد أعظم من شر الغيبة، وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب والتراحم والتعاطف، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها لا على تحصيلها وتكميلها.
والقول الثاني: أنَّه لا يكفي الاستغفار بل لا بد من الاستحلال ممن اغتابه لتصح توبته، وششحب للمغتاب أن يبرئ أخاه المسلم من هذا الذنب؛ ليفوز بثواب العفو ومحبة الله تعالى للعافين.
وهذا قول الإِمام أبي حنيفة والشَّافعي ومالك، ورواية مخرجة عن الإِمام أحمد على مسألة توبة القاذف، هل يشترط فيها إعلام المقذوف والتحلل منه أم لا؟ (١).
ورجح هذا القول الغزالي والقرطبي والنووي وآخرون (٢).
واستدلوا بحديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" (٣).
قالوا: ولأن الذنب حق آدمي، فلا يسقط إلَّا بإحلاله منه وإبرائه؛ ولأن في هذه الجناية حقين: حقًّا لله وحقًّا للآدمي، فالتوبة منها بتحلل الآدمي لأجل حقه، والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه.
وقاسوا هذا على الحقوق المالية التي لا تتم التوبة منها إلَّا بردها إلى أربابها.
قالوا: وحديث الباب موضوع، ومتنه باطل؛ لأن الغيبة حق آدمي فلا يسقط إلَّا بالإبراء (٤).
والذي يظهر - والله أعلم - أنَّه لا بد من الاستحلال ولا سيما إذا علم
стр. 4796
أنَّه يسامحه، فقد يكون المُخْبَرُ رجلًا كريمًا يقيل العثرة، ويتجاوز عن الزلة، وينبغي أن يفهم الناس أن هذا هو الأصل. أما إذا كان يعلم أنَّه لن يسامحه بل قد يزداد حقدًا وعداوة أو أنَّه إذا أخبره بكلام مجمل طلب التفاصيل التي لو سمعها لزاد كراهية وبغضًا، فإنه يكفي والحال هذه توبته بينه وبين الله، والدعاء لمن اغتابه وذكره بخير ليكون هذا بهذا. والله تعالى أعلم.
стр. 4797
التحذير من اللَّدَدِ في الخصومة
١٥٢٧/ ٤٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللهِ الأَلدُّ الخَصِمُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأحكام"، باب (الألد الخصم وهو الدائم الخصومة) (٧١٨٨)، ومسلم (٢٦٦٨) من طريق ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة يحدث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث.
وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم بزيادة: (إنَّ) في أوله، وهو للبخاري -أيضًا- في "المظالم" (٢٤٥٧).
وكأن الحافظ ذَهَلَ عن كون الحديث في البخاري فاقتصر في عزوه إلى مسلم.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أبغض الرجال) تقدم معنى البغض، والوجال: لفظ عام يشمل المؤمن والكافر.
قوله: (الألد) بفتح الهمزة واللام وتشديد الدال هو الشديد الخصومة، وهو اسم فاعل من لدَّ يلَدُّ لدًّا من باب تعب فهو ألدُّ، والمرأة لدَّاء، والجمع لُدٌّ من باب أحمر وهم حُمْر (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].
стр. 4798
وهذا الوصف مأخوذ من اللديدين وهما جانبا الوادي؛ لأن المخاصم كلما منع من جانب جاء من جانب آخر، وقيل: لإعماله لديديه في الخصومة، وهما جانبا الفم (١).
وقال أَبو عبيدة: هو الشديد الخصومة الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل (٢).
قوله: (الخَصِمُ) بكسر الصاد، ويجوز تسكينها، فالذي بالسكون مصدر خَصَمَهُ خَصْمًا؛ أي: غلبه في الخصام، ولذا يستوي فيه المذكر والمؤنث، المفرد والمثنى والجمع، فيكون بلفظ واحد، وهذا هو الأكثر. قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ٢١] ومن العرب من يثنيه ويجمعه، فيقول: هذان خصمان، وهؤلاء خصوم. قال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
أما الذي بكسر الصاد فهو وصف للشخص العالم بالحجة المختص بالخصومة، يقال: خَصِمَ الرجل يَخْصَمُ من باب تعب: إذا أحكم الخصومة فهو خَصِمٌ وخصيمٌ (٣).
والخَصِمُ صيغة مبالغة إما بمعنى دائم الخصومة كما قال البخاري، فتكون الصيغة للكثرة، أو بمعنى شديد الخصومة فتكون الصيغة للشدة.
ولما كان الألد صفة، والخصم اسم؛ لأنه مصدر، كان في الأصل أن يكون تابعًا لخصم؛ لأنه نعت له فيقال: الخصم الألد، لكن لما كَثُر استعمال هذا الوصف عومل معاملة الأسماء، فجعل التابع متبوعًا، وحُذي به حذو قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧]؛ [فاطر: ٢٧] والأصل: سود غرابيب (٤).
• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من شدة الخصومة وكثرتها، وهو
стр. 4799
كون الإنسان كلما فرغ من خصومة شرع في أخرى، ولا يكاد أحد يتخلص منه، فيضر نفسه ويؤذي غيره، وهذا مما يؤدي إلى بغض الله تعالى للعبد؛ لأن الغالب في شدة الخصومة أن صاحبها لا يريد الوصول إلى الحق، وإنما يريد الظهور على خصمه وغلبته ولو بالباطل.
والذم في هذا الحديث مراد به من خاصم بالباطل، واستعمل الكذب والتدليس وشهادة الزور للظهور على خصمه، أما الذي يدافع عن حقه، ويستعين بالحجج الشرعية والطرق الصحيحة للوصول إلى حقه، فهذا لا يدخل في باب الخصومة المذمومة.
والواجب على المؤمن أن يكون بعيدًا عن كثرة الخصومات، بعيدًا عن اللدد، سمحًا طيب الكلام، وألا يكون ذا لجاجة في الخصومة فيبغضه الله ويبغضه الناس، يقول الحافظ ابن رجب: (إذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة، سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل، ويخيِّل للسامع أنَّه حق، ويوهن الحق، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك من أقبح المحرمات وأخبث خصال النفاق) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4800
باب الترغيب في مكارم الأخلاق
الترغيب مصدر رغَّبه في الشيء ترغيبًا؛ أي: أوجد فيه الرغبة إليه، ويكون ذلك بتحسينه وتزيينه؛ لأن النفس لا ترغب إلَّا فيما فيه سعادتها وصلاح أمرها.
والمكارم: جمع مكرمة بضم الراء، والمكرمة: فعل الخير، والإضافة فيها من باب إضافة الصفة للموصوف؛ أي: الأخلاق الكريمة، وسر هذه الإضافة أنَّه لما كان الكرم لُباب الأخلاق الفاضلة وصفت الأخلاق به وشرفت بالانتساب إليه (١).
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب جملة من الأحاديث المتعلقة بمحاسن الأخلاق؛ كالصدق وغَضِّ البصر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحياء، واجتناب سوء الظن، والتواضع، والعفو، وغير ذلك، وقد ذكر قبل ذلك جملة من الأحاديث في مساوئ الأخلاق.
وقد أحسن المؤلف صنعًا وأجاد تبويبًا في هذا المنهج؛ لأن المطلوب من الإنسان أن يتخلى عن مساوئ الأخلاق وقبائحها، ليتحلى بمكارم الأخلاق ومحاسنها على قاعدة (التخلي قبل التحلي).
وقد جاء في هذا الموضوع حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" وفي رواية: "مكارم الأخلاق" (٢) قال ابن عبد البر: (ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كله،