← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

أنَّه يسامحه، فقد يكون المُخْبَرُ رجلًا كريمًا يقيل العثرة، ويتجاوز عن الزلة، وينبغي أن يفهم الناس أن هذا هو الأصل. أما إذا كان يعلم أنَّه لن يسامحه بل قد يزداد حقدًا وعداوة أو أنَّه إذا أخبره بكلام مجمل طلب التفاصيل التي لو سمعها لزاد كراهية وبغضًا، فإنه يكفي والحال هذه توبته بينه وبين الله، والدعاء لمن اغتابه وذكره بخير ليكون هذا بهذا. والله تعالى أعلم.

стр. 4797

التحذير من اللَّدَدِ في الخصومة ١٥٢٧/ ٤٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللهِ الأَلدُّ الخَصِمُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأحكام"، باب (الألد الخصم وهو الدائم الخصومة) (٧١٨٨)، ومسلم (٢٦٦٨) من طريق ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة يحدث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم بزيادة: (إنَّ) في أوله، وهو للبخاري -أيضًا- في "المظالم" (٢٤٥٧). وكأن الحافظ ذَهَلَ عن كون الحديث في البخاري فاقتصر في عزوه إلى مسلم. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أبغض الرجال) تقدم معنى البغض، والوجال: لفظ عام يشمل المؤمن والكافر. قوله: (الألد) بفتح الهمزة واللام وتشديد الدال هو الشديد الخصومة، وهو اسم فاعل من لدَّ يلَدُّ لدًّا من باب تعب فهو ألدُّ، والمرأة لدَّاء، والجمع لُدٌّ من باب أحمر وهم حُمْر (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].

стр. 4798

وهذا الوصف مأخوذ من اللديدين وهما جانبا الوادي؛ لأن المخاصم كلما منع من جانب جاء من جانب آخر، وقيل: لإعماله لديديه في الخصومة، وهما جانبا الفم (١). وقال أَبو عبيدة: هو الشديد الخصومة الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل (٢). قوله: (الخَصِمُ) بكسر الصاد، ويجوز تسكينها، فالذي بالسكون مصدر خَصَمَهُ خَصْمًا؛ أي: غلبه في الخصام، ولذا يستوي فيه المذكر والمؤنث، المفرد والمثنى والجمع، فيكون بلفظ واحد، وهذا هو الأكثر. قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ٢١] ومن العرب من يثنيه ويجمعه، فيقول: هذان خصمان، وهؤلاء خصوم. قال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]. أما الذي بكسر الصاد فهو وصف للشخص العالم بالحجة المختص بالخصومة، يقال: خَصِمَ الرجل يَخْصَمُ من باب تعب: إذا أحكم الخصومة فهو خَصِمٌ وخصيمٌ (٣). والخَصِمُ صيغة مبالغة إما بمعنى دائم الخصومة كما قال البخاري، فتكون الصيغة للكثرة، أو بمعنى شديد الخصومة فتكون الصيغة للشدة. ولما كان الألد صفة، والخصم اسم؛ لأنه مصدر، كان في الأصل أن يكون تابعًا لخصم؛ لأنه نعت له فيقال: الخصم الألد، لكن لما كَثُر استعمال هذا الوصف عومل معاملة الأسماء، فجعل التابع متبوعًا، وحُذي به حذو قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧]؛ [فاطر: ٢٧] والأصل: سود غرابيب (٤). • الوجه الثالث: في الحديث تحذير من شدة الخصومة وكثرتها، وهو

стр. 4799

كون الإنسان كلما فرغ من خصومة شرع في أخرى، ولا يكاد أحد يتخلص منه، فيضر نفسه ويؤذي غيره، وهذا مما يؤدي إلى بغض الله تعالى للعبد؛ لأن الغالب في شدة الخصومة أن صاحبها لا يريد الوصول إلى الحق، وإنما يريد الظهور على خصمه وغلبته ولو بالباطل. والذم في هذا الحديث مراد به من خاصم بالباطل، واستعمل الكذب والتدليس وشهادة الزور للظهور على خصمه، أما الذي يدافع عن حقه، ويستعين بالحجج الشرعية والطرق الصحيحة للوصول إلى حقه، فهذا لا يدخل في باب الخصومة المذمومة. والواجب على المؤمن أن يكون بعيدًا عن كثرة الخصومات، بعيدًا عن اللدد، سمحًا طيب الكلام، وألا يكون ذا لجاجة في الخصومة فيبغضه الله ويبغضه الناس، يقول الحافظ ابن رجب: (إذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة، سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل، ويخيِّل للسامع أنَّه حق، ويوهن الحق، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك من أقبح المحرمات وأخبث خصال النفاق) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4800

باب الترغيب في مكارم الأخلاق الترغيب مصدر رغَّبه في الشيء ترغيبًا؛ أي: أوجد فيه الرغبة إليه، ويكون ذلك بتحسينه وتزيينه؛ لأن النفس لا ترغب إلَّا فيما فيه سعادتها وصلاح أمرها. والمكارم: جمع مكرمة بضم الراء، والمكرمة: فعل الخير، والإضافة فيها من باب إضافة الصفة للموصوف؛ أي: الأخلاق الكريمة، وسر هذه الإضافة أنَّه لما كان الكرم لُباب الأخلاق الفاضلة وصفت الأخلاق به وشرفت بالانتساب إليه (١). وقد ذكر المؤلف في هذا الباب جملة من الأحاديث المتعلقة بمحاسن الأخلاق؛ كالصدق وغَضِّ البصر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحياء، واجتناب سوء الظن، والتواضع، والعفو، وغير ذلك، وقد ذكر قبل ذلك جملة من الأحاديث في مساوئ الأخلاق. وقد أحسن المؤلف صنعًا وأجاد تبويبًا في هذا المنهج؛ لأن المطلوب من الإنسان أن يتخلى عن مساوئ الأخلاق وقبائحها، ليتحلى بمكارم الأخلاق ومحاسنها على قاعدة (التخلي قبل التحلي). وقد جاء في هذا الموضوع حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" وفي رواية: "مكارم الأخلاق" (٢) قال ابن عبد البر: (ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كله،

стр. 4801

والدين والفضل والمروءة والإحسان والعدل، فبذلك بعث ليتمه ﷺ … ). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (الأخلاق الكاملة والآداب السامية تجعل صاحبها مستقيم الظاهر والباطن، معتدل الأحوال، مكتمل الأوصاف الحسنة، طاهر القلب، نقيّه من كلِّ درن وآفة ونقص، قوي القلب، متوجهًا قلبه إلى أعلى الأمور وأنفعها، قائمًا بالحقوق الواجبة والمستحبة، محمودًا عند الله وعند خلقه، قد حاز الشرف والاعتبار الحقيقي، وسلم من كلِّ دنس وآفة، قد تواطأ ظاهره وباطنه على الاستقامة، وسلوكِ طريق الفلاح، وعلُوُّ مكانة المتخلق بأخلاق القرآن وآدابه لا يمتري فيه من له أدنى مُسْكَةٍ من عقل؛ لأنَّ العقل من أكبر الشواهد على حسن ما جاء به الشرع. ولهذا ينبّه الله أولي العقول والألباب، ويوجّه إليهم الخطاب؛ لأنَّه كلَّما كمل عقل الإنسان عرف كمال ما جاء به الشرع، وأنَّه يستحيل وجود قانون أو نظام أو غيرها يقارب ما جاء به القرآن كمالًا وفضلًا، ورفعة وعلوًا ونزاهةً، ويعرف ذلك بتتبع ما جاء به القرآن) (١).

стр. 4802

ما جاء في الحث على الصدق والنهي عن ضده ١٥٢٨/ ١ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَيكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، وما ينهى عن الكذب) (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٥٧) (١٥٥) من طريق شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عليكم بالصدق) أي: الزموا الصدق، وهو اسم فعل أمر مبني على السكون، والفاعل أنتم، والباء زائدة، والصدق: مفعول به لاسم الفعل، وتكثر زيادة الباء - هنا - لضعف اسم الفعل عن العمل، وقد لا تزاد كقوله تعالى: ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. والصدق لغة: القوة، قال ابن فارس: (الصاد والدال والقاف أصل يدل

стр. 4803

على قوة في الشيء قولًا وغيره، من ذلك الصدق: خلاف الكذب، سمي لقوته في نفسه؛ ولأن الكذب لا قوة له، بل هو باطل، وأصل هذا من قولهم: شيء صَدْقٌ؛ أي: صُلْب، ورُمْحٌ صَدْقٌ … ) (١). والصدق في الاصطلاح: هو الإخبار على وفق الواقع، وهذا هو صدق اللسان، وهو أشهر أنواع الصدق. وقيل: الصدق: الإخبار بما يوافق الاعتقاد، وهذا أدق من الأول، لكن لا بد من تقييده بالصحيح، فيخرج الاعتقاد الذي لا يصح؛ كاعتقاد وجود آلهة مع الله، فقول المنافق: محمد رسول الله، هو صدق باعتبار المُخْبَرِ عنه، لكنه كذب باعتبار المتكلم؛ لمخالفته لاعتقاده، ولهذا سماهم الله كاذبين في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]. وقيل: الصدق: الإخبار بما يوافق الاعتقاد والمخبر عنه، وهذا أدق مما قبله (٢). قوله: (فإن الصدق يهدي إلى البر) جملة تعليلية سيقت لبيان ثمرة الصدق وعاقبته الحميدة، ومعنى (يهدي) يرشد ويوصل، والهداية: الدلالة الموصلة إلى المطلوب. والبر: اسم جامع للخير كله من فعل الحسنات وترك السيئات، ويطلق على العمل الصالح الدائم المستمر معه إلى الموت. قوله: (وإن البر يهدي إلى الجنَّة) هذا فيه بيان مآل صاحب الصدق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ [الانفطار: ١٣]. قوله: (وما يزال الرجل) أل للجنس، وذكره لأنه أشرف من المرأة في الجملة، وإلا فالمرأة مثله في ذلك.

стр. 4804

قوله: (يصدق) أي: يلازم الصدق في أقواله وأفعاله. قوله: (ويتحرى الصدق) أي: يقصده ويعتني به ويجتهد فيه. قوله: (حتَّى يكتب عند الله) أي: يحكم له بوصف الصديقين وثوابهم، وفي رواية للبخاري: "حتَّى يكون" والمراد إظهار ذلك للمخلوقين، إما للملأ الأعلى، وإما أن يُلقى ذلك في قلوب الناس وألسنتهم، وإلا فحكم الله له بذلك سابق. قوله: (صِدِّيقًا) الصِّدِّيق: من يتكرر منه الصدق حتَّى يصير سجية له وخلقًا، وهذا من صيغ المبالغة (١). قوله: (وإياكم والكذب) تقدم إعرابه عند حديث "إياكم والحسد"، والكذب: هو الإخبار على خلاف ما في الواقع. قوله: (الفجور) أصل الفجر: الشق، والفجور: شق ستر الديانة والصلاح بفعل المعاصي واقتراف السيئات، ويطلق على الميل إلى الفساد والانبعاث في المعاصي، وهو اسم جامع للشر. قوله: (يهدي إلى النار) أي: الفجور يوصل إلى النار؛ لأن المعاصي يقود بعضها بعضًا، وهي سبب الهلاك والورود إلى النار، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٤]. قوله: (كذابًا) صيغة مبالغة لمن يكثر الكذب منه ويتكرر حتَّى يعرف به. • الوجه الثالث: عناية الدين الإسلامي بالحث على الصدق وبيان ثمرته، والتحذير من الكذب وبيان عاقبته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، قال ابن بطَّال: (الصدق أرفع خلال المؤمنين، ألا ترى قوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فجعل الصدق مقارنًا للتقوى) (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا

стр. 4805

سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ [النحل: ١٠٥]. • الوجه الرابع: الحث على الصدق وملازمته وتحريه وبيان ثمرته وعاقبته الحميدة في الدنيا والآخرة، فالصدق أصل البر الذي هو الطَّرِيق إلى الجنَّة، والرجل إذا لازم الصدق كتب مع الصديقين عند الله تعالى، وفي ذلك إشعار بحسن خاتمته وإشارة إلى أنَّه يكون مأمون العاقبة. ومن ثمرات الصدق: أن الصدق في الأقوال وسيلة للصدق في الأفعال والصلاح في الأحوال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. ومن ثمرات الصدق: أن الصدوق مقبول الحديث عند الناس، مقبول الشهادة عند القاضي، محبوب مجلسه، مرغوب حديثه، والكذوب بخلاف ذلك كله. ومن ثمرات الصدق: أن الله تعالى أخبر أنَّه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلَّا صدقه، قال تعالى: ﴿قَال اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩] (١). قال ابن حبان: (الصدق يرفع المرء في الدارين، كما أن الكذب يهوي به في الحالين، ولو لم يكن الصدق خصلة تُحمد إلَّا أن المرء إذا عُرف به قُبل كذبه، وصار صدقًا عند من يسمعه، لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه حتَّى يستقيم له على الصدق ومجانبة الكذب) (٢). وقد ذكر ابن القيم أن الصدق يكون في الأقوال والأعمال والأحوال، ثم بين ذلك فقال: (فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال، كاستواء السنبلة على ساقها.

стр. 4806

والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد. والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوسع، وبذل الطاقة) (١). • الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الصدق خلق كريم يحصل بالاكتساب والمجاهدة لقوله: "وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق" وكذا الكذب، فإن الإنسان إذا أكثر منه وتعوَّده صار له خلقًا وسجية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الرجل الصادق البار يظهر على وجهه من نور صدقه، وبهجة وجهه سيما يعرف بها، وكذلك الكاذب الفاجر، وكلما طال عمر الإنسان ظهر هذا الأثر فيه حتَّى إن الرجل يكون في صغره جميل الوجه، فإذا كان من أهل الفجور مصرًا على ذلك، يظهر عليه في آخر عمره من قبح الوجه ما أثره باطنه والعكس. وقد رُوي عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال: "إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وسوادًا في الوجه، ووهنًا في البدن، وبغضًا في قلوب الخلق") (٢). • الوجه السادس: بيان مضرة الكذب وشؤم عاقبته فهو أصل الفجور الذي هو طريق إلى النار، والكذب نوع من أنواع النفاق كما تقدم في حديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب … "، قال ابن بطَّال: (هذه الصفة ليست صفة عِلْية المؤمنين، بل هي من صفات المنافقين وعلاماتهم) (٣)، وقد اختلف الفقهاء في الكذب - في غير شهادة الزور، هل هو من الكبائر أو من الصغائر؛ على قولين، هما روايتان عن الإِمام أحمد، واحتج من جعله من الكبائر بأن الله تعالى جعله في كتابه من صفات شرِّ البرية، وهم الكفار والمنافقون، فلم

стр. 4807

يصف به إلَّا كافرًا أو منافقًا، وجعله عَلَمَ أهل النار وشعارهم، وجعل الصدق عَلَمَ أهل الجنَّة وشعارهم (١)، وهذا الخلاف في غير الكذب على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ ، قال ابن حجر الهيتمي: (ولا ريب أن تعمد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض، وإنما الكلام في الكذب عليهما فيما سوى ذلك)، وكان قد ذكر أن الكذب على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ من الكبائر (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4808

اجتناب سوء الظن ١٥٢٩/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث تقدم تخريجه في باب (الرَّهَبِ من مساوئ الأخلاق) وقد رواه البخاري (٦٠٦٦)، ومسلم (٢٥٦٣) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . وذكر الحديث، وتقدم سياقه بتمامه. • الوجه الثاني: تقدم هذا الحديث في باب (مساوئ الأخلاق) وذكره هنا في (مكارم الأخلاق) لأن الظن له اعتباران، فإن أخذ به الإنسان وصار يرتب عليه الأحكام والنتائج فهو من مساوئ الأخلاق، وإن تباعد المؤمن عن ذلك وترك الظنون السيئة وحمل الناس على المحامل الحسنة - ما لم يقم دليل - فهذا من مكارم الأخلاق ومن محاسنها، وبهذا يتبين دقة المؤلف حينما ذكر الحديث في الموضعين. ولو لم يكن في حسن الظن إلَّا راحة البال وهدوء النفس لكان ذلك كافيًا في الأخذ بهذا الخلق، ولو لم يكن في سوء الظن إلَّا الهم والعناء وإشغال البال لكان ذلك كافيًا في الحذر من هذا الخلق المسمى والله أعلم.

стр. 4809

الحذر من الجلوس في الطرقات إلا بحقها ١٥٣٠/ ٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا؛ نَتَحَدَّثُ فيهَا. قَال: "فَأمَّا إِذَا أَبَيتُمْ، فَأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ". قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟. قَال: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الاستئذان"، باب (قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧]) (٦٢٢٩)، ومسلم (٢١٢١) من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس في الطرقات"، قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول الله ﷺ : "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه … " الحديث. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إياكم والجلوس) هذا أسلوب تحذير، وقد تقدم إعرابه. قوله: (بالطرقات) هكذا في بعض نسخ البلوغ، وهو المثبت في "صحيح البخاري" في "الاستئذان" كما في طبعة الناصر، وهو الذي مشى عليه الحافظ في الشرح، وقال: (في رواية الكشميهني: "في الطرقات") (١) وهي رواية

стр. 4810

مسلم، وفي رواية للبخاري في "المظالم": "على الطرقات"، وهي في بعض نسخ البلوغ، والطرقات: جمع طريق، وهو يُذكَّر كما في هذه الرواية، ويؤنث كما في الرواية الآتية. قوله: (ما لنا بُدٌّ) بضم الباء الموحدة وتشديد المهملة؛ أي: لا محيد لنا عن ذلك، ولا يعرف استعمال هذه اللفظة إلا مقرونًا بالنفي (١). قوله: (فأما إذا أبيتم) هكذا في نسخ البلوغ، والذي في "الصحيحين": "فإذا أبيتم إلا المجلس" وهو مصدر ميمي بمعنى الجلوس، وقد وقع عند البخاري في "المظالم": "فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها" (٢). قوله: (فأعطوا الطريق حقه) أي: ما يطلب فيه من الآداب الكريمة والأخلاق العالية، وفي التعبير بالحق إشارة إلى تأكيد الأمور المذكورة والاهتمام بها والحرص على تطبيقها. قوله: (غض البصر) الغض هو النقص والخفض من الطرف والصوت، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]؛ والمراد: كَفُّهُ عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه بخفضه إلى الأرض أو بصرفه إلى جهة أخرى. قوله: (وكف الأذى) أي: الامتناع عن أذية المارة بالقول أو بالفعل، أما القول فهو الغيبة أو الاحتقار أو بفضول الكلام الذي يحصل من الجالسين الذين يتحدثون في شأن من يمر بهم من الناس، أو نحو ذلك، وأما الفعل فهو مضايقة الناس في طريقهم بحيث يملأ الجالسون الطريق فلا يمر أحد إلا بمشقة، ومثل هذا إيقاف سياراتهم في طريق الناس مما يكون سببًا في التضييق على المارة أو على سياراتهم. قوله: (ورد السلام) أي: إذا سلم أحد المارة، فإن الجالس يرد عليه؛ لأن هذا من حق الطريق، والظاهر أن التنبيه على هذا لكون الاجتماع مظنة

стр. 4811

الانشغال عن أداء هذا الحق، وقد تقدم في أول "الجامع" حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: "يسلم المار على القاعد … ". قوله: (والأمر بالمعروف) وهو اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ورسوله من قول أو فعل أو اعتقاد. قوله: (والنهي عن المنكر) وهو اسم جامع لكل ما يكرهه الله ورسوله من قول أو فعل أو اعتقاد. ° الوجه الثالث: في الحديث النهي عن الجلوس في الطرقات؛ لأن الطريق إنما جعلت للمرور بها لا للجلوس فيها؛ ولأن الجالس في الطريق قد يتعرض للفتنة، وقد يحصل منه الأذى إما بالقول أو بالفعل؛ ولأن الجالس يلزم نفسه بحقوق إخوانه المسلمين وهي لا تلزمه لو جلس في بيته، وقد لا يقوم بها على وجه الكمال، والمسلم مأمور بالابتعاد عن مواطن الفتن ومأمور بألا يلزم نفسه بشيء قد لا يقوى عليه. وفي هذا دليل بيِّن على كمال هذا الدين ورعايته لمصالح العباد، ومن ذلك عنايته بالطرقات وصيانة حقوق المرور بها حيث نهى الناس عن الجلوس بها، ومن أبى إلا الجلوس طُلب منه القيام بالحقوق المذكورة في هذا الحديث. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث طلب من الجالس في الطريق القيام به؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تطابق على وجوبه الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة، وهو -أيضًا- من النصيحة التي هي الدين، ومصالحه جمة، ومنافعه عظيمة، ولا يسقط عن المكلف؛ لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وواجبه: الأمر والنهي، لا القبول. قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ﴾ (١) [المائدة: ٩٩]. ° الوجه الخامس: استدل العلماء بهذا الحديث على قاعدة: "دفع

стр. 4812

المفسدة مقدم على جلب المصلحة"؛ لأن النبي ﷺ حذر الصحابة ﵃ ومن بَعْدَهم من الجلوس في الطرقات مع ما فيه من الأجر لمن قام بحق الطريق، وذلك أن الاحتياط لطلب السلامة آكد من الطمع في زيادة الأجر (١). قال الطبري: (فيه الدلالة على الندب إلى لزوم المنازل التي يسلم لازمها من رؤية ما يُكره رؤيته، وسماع ما لا يحل له سماعه، مما يجب عليه إنكاره، ومن معاونة مستغيثٍ يلزمه إعانته، وذلك أن الرسول ﷺ إنما أذن في الجلوس بالأفنية والطرق بعد نهيه عنه، إذا كان من يقوم بالمعاني التي ذكرها ﷺ ) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4813

فضل الفقه في الدين ١٥٣١/ ٤ - عَنْ مُعَاويَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا، يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه" وأولها في كتاب "العلم"، باب (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) من طريق الزهري، قال: قال حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبًا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله معطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله". ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من يرد الله) بضم الياء من الإرادة، والمراد بها: الإرادة الشرعية، وهي التي يلزم أن يكون المراد فيها محبوبًا لله تعالى، ولا يلزم وقوعه، وأما الكونية فهي التي يلزم فيها وقوع المراد، ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله تعالى، فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة. قوله: (خيرًا) أي: منفعة، وهو نكرة في سياق الشرط، فيفيد العموم، فيشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه. قوله: (يفقهه في الدين) أي: يجعله عالمًا بالأحكام الشرعية ذا بصيرة فيها، والفقه في اللغة: الفهم، والمراد هنا: ما يتعلق بفهم الكتاب والسنة،

стр. 4814

وهذا يشمل الفقه في أصول الإيمان وشرائع الإسلام وحقائق الإحسان، وما يتبع ذلك من الوسائل المعينة على الفقه في الدين كعلوم العربية بأنواعها. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل العلماء على سائر الناس؛ لأنهم الذين يخشون الله تعالى، فيجتنبون معاصيه، ويديمون طاعته، لمعرفتهم بعظم النعمة والوعد والوعيد، قال الحسن البصري: (إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه) (١). ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل التفقه في الدين على سائر العلوم، وأنه من أعظم مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وأنه لا يُعطى إلا من أراد الله به خيرًا، وهذا يفيد أن العلم النافع علامة على سعادة العبد، وأنه يرجى له بذلك حسن الخاتمة؛ لأن العلم النافع يقود إلى خشية الله تعالى وإلى طاعته وتقواه. ° الوجه الخامس: يدل مفهوم الشرط في قوله: "من يرد الله به خيرًا" على أن من لم يتفقه في دين الله وأعرض عن العلوم النافعة مع قدرته على ذلك واحتياجه إليه أن الله لم يرد به خيرًا؛ لحرمانه الأسباب التي تُنال بها الخيرات، وتُكتسب بها السعادة. والله تعالى أعلم.

стр. 4815

فضل حسن الخلق ١٥٣٢/ ٥ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ شَيءٍ فِي المِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث تقدم تخريجه في "مساوئ الأخلاق" من رواية الترمذي (٢٠٠٢) من طريق ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا. وقد تقدم أن يعلى بن مملك متكلم فيه، لكن لم ينفرد به، فقد تابعه عطاء الكيخاراني، فقد رواه أبو داود (٤٧٩٩)، وأحمد (٤٥/ ٥٠٩) من طريق شعبة، عن القاسم بن أبي بَزَّة، والترمذي (٢٠٠٣) من طريق مطرف بن طريف، وأحمد (٤٥/ ٤٨٧) من طريق الحسن بن مسلم، ثلاثتهم عن عطاء الكَيخَارَاني (١)، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق" هذا لفظ أبي داود (٢). وهذا الحديث سنده صحيح، وعطاء بن نافع الكيخاراني وثقه ابن معين والنسائي (٣).

стр. 4816

° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ما من شيء) ما: نافية عاملة عمل ليس، و (من) زائدة لتأكيد العموم المستفاد من (شيء)؛ لأنه نكرة في سياق النفي، و (شيء) اسم (ما) مجرور لفظًا مرفوع محلًا. قوله: (في الميزان) أي: ميزان الأعمال يوم القيامة، والميزان لغة: ما تقدر به الأشياء خفة وثقلًا، وشرعًا: ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد. قوله: (أثقل) بالنصب خبر (ما) العاملة، وبالرفع خبر المبتدأ على أن (ما) غير عاملة، وتقدم الكلام على (حسن الخلق) في أول باب (الأدب). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل حسن الخلق وعظيم منزلته عند الله تعالى، وأنه من أفضل ما يكون في ميزان العبد يوم القيامة؛ لأن الله تعالى يحب حسن الخلق ويرضى عن صاحبه، وهذه إحدى الفضائل الكثيرة والفوائد العظيمة لحسن الخلق. فعلى العبد أن يكون حسن الخلق مع الله تعالى ومع عباده، وحسن الخلق مع الله تعالى هو الرضا بحكمه وشرعه وقضائه وتدبيره، وحسن الخلق مع عباد الله كما قال عبد الله بن المبارك في وصفه: (هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى) (١)، وقال حبيب بن أبي ثابت: (من حسن خلق الرجل: أن يحدث صاحبه وهو يبتسم) (٢). يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي مبينًا فوائد حسن الخلق: (هذا هو مادة الأخلاق الجميلة كلِّها، وقد اتفق الشرع والعقل على حسنه، ورفعة قدره، وعلو مرتبته، ومداره على قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ أي: خذ ما تيسر وعَفَى وتَسَهَّلَ من أخلاق الناس، ولا تطالبهم بما لا تقتضيه طباعهم، ولا تسمح به أخلاقهم. هذا فيما يأتيك منهم.

стр. 4817

وأما ما تأتي إليهم فالأمر بالعرف، وهو نصحهم وأمرهم بكلِّ مستحسن شرعًا، وعقلًا وفطرة، وأعرض عمن جهل عليك بقوله أو فعله، فللَّه ما أحلى هذه الأخلاق وما أجمعها لكلِّ خير، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. ويُمِدّه الصبرَ والحلمَ وسعةَ العقل، وفضل هذا الخلق ومرتبته فوق ما يصفه الواصف. ومن فوائد هذا المقام الجليل: أن صاحبه مستريح القلب، مطمئن النفس قد وطَّن نفسه على ما يصيبه من الناس من الأذى، وقد وطّن نفسه أيضًا على إيصال النفع إليهم بكلِّ مقدوره، وقد تمكّن من إرضاء الكبير والصغير والنظير، وقد تحمَّل مَنْ لا تَحْمِلُهُ مِن ثقله الجبال، وقد خفت عنه الأثقال، وقد انقلب عدوه صديقًا حميمًا، وقد أمن من فلتات الجاهلين ومضرة الأعداء أجمعين، وقد سهل عليه مطلوبه من الناس، وتيسر له نصحهم وإرشادهم والاقتداء بنبيه في قوله تعالى في وصفه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]) (١). هذا وقد مضى شيء من الكلام على حسن الخلق في أول باب "الأدب". ° الوجه الرابع: الحديث دليل على ثبوت الميزان الذي توزن به أعمال العباد يوم القيامة لإظهار العدل وبيان الفضل، وهو ميزان حقيقي حسي، له كفتان، وقد جاء ذكره في عديد من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾ [الأعراف: ٨]، وسيأتي في آخر الكتاب حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".

стр. 4818

وظاهر الحديث أن الذي يوزن هو حسن الخلق الذي هو عمل العبد وهو وإن كان وصفًا قائمًا بغيره إلا أن الله تعالى يجعل الأعمال أجسامًا توضع في الميزان، وفي المسألة كلام ليس هذا موضع بسطه، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- مزيد بيان عند شرح حديث أبي هريرة ﵁ آخر الكتاب. والله تعالى أعلم (١).

стр. 4819

ما جاء في أن الحياء من الإيمان ١٥٣٣/ ٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْحَيَاءُ مِنَ الإيمَانِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الإيمان"، باب (الحياء من الإيمان) (٤٤) من طريق مالك بن أنس، ومسلم (٣٦) من طريق ابن عيينة، كلاهما عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ مَرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : "دعه؛ فإن الحياء من الإيمان". ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يعظ أخاه في الحياء) أي: يعاتبه على حيائه، لما روى البخاري في "الأدب" (٦١١٨) من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن شهاب بلفظ: مرَّ النبي ﷺ على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي -حتى كأنه يقول: أضرَّ بك- فقال رسول الله ﷺ : "دعه؛ فإن الحياء من الإيمان". قوله: (الحياء) هو مصدر حيي منه حياءً، وهو مأخوذ من مادة (حَيِيَ) التي تدل على الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة، قال الجوهري: (واستحياه واستحيا منه بمعنى واحد من الحياء، ويقال: استحيت، بياء واحدة) (١).

стр. 4820

والحياء شرعًا: خلق يبعث على فعل الحسن وترك القبيح. وفسروا الخلق بأنه تغير وانكسار، يعتري الإنسان، ويحمله على فعل ما يجمل ويزين وترك ما يدنس ويشين. والحياء من الله يوجب للعبد توقي الذنوب وفعل الواجبات والمستحبات، والحياء من الناس يوجب للعبد احترامهم وإنزالهم منازلهم وألا يقابلهم بما لا ينبغي. قال ابن القيم: (الحياء مشتق من الحياة، والغيث يسمى (حيًّا) بالقصر؛ لأن به حياة الأرض والنبات والدواب، وكذلك بالحياء حياة الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه ميت في الدنيا وشقي في الآخرة) (١). والحياء قسمان: غريزي، ومكتسب، والمكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزي، إذ ليس ذلك من كسبنا ولا في وسعنا، غير أن هذا الغريزي يَحْمِلُ على المكتسب ويعين عليه (٢)، وقد يحمد الإنسان عليه إذا التزم به (٣). قوله: (من الإيمان) أي: شعبة من شعب الإيمان؛ لقوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٤). وإنما كان الحياء شعبة من الإيمان؛ لأن الحياء هو السبب الأقوى في قيام العبد بجميع شعب الإيمان، ومنهم من قال: إن المراد أن الحياء أثر من آثار الإيمان (٥). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الحياء وأنه من خصال الإيمان وحسن الإسلام ومكارم الأخلاق، وفي وصف النبي ﷺ الحياء بأنه

стр. 4821

من الإيمان وبأنه خير كله دليل بيِّن على قيمة الحياء وعظيم أثره على سلوك الإنسان، فإن الحياء يكسو صاحبه ثوب الوقار والسكينة، ويكشف عن قيمة إيمان العبد ومقدار أدبه، وسمو أخلاقه، وهو أعظم الأخلاق قدرًا وأكثرها نفعًا، إن الحياء أن يتحرى الإنسان الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، وأن يبتعد عن الأخلاق السيئة، وأن يعرف للناس منازلهم، وينزلهم مراتبهم، يطهر فاه من الفحش، وينزه لسانه عن العيب، ويقتصد في حديثه، ويخجل أن يؤثر عنه سَوْأَة، أو يسمع عنه ما يخدش سمعته، وإذا رأيت الرجل يتحرج من فعل ما لا ينبغي أو ترى حمرة الخجل تصبغ وجهه إذا بدر منه ما لا يليق فاعلم أنه حيُّ الضمير، نَقِيُّ المعدن، زكي العنصر، وإذا رأيت الشخص صفيقًا بليد الشعور لا يبالي ما يفعل أو يترك، فهذا امرؤ لا خير فيه، وليس له من الحياء وازع يعصمه عن اقتراف الآثام وارتكاب الدنايا (١). وقد تقدم في كلام ابن القيم أن الحياء مشتق من الحياة، فعلى حسب حياة القلب يكون خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب، وكلما كان القلب حيًّا كان الحياء أتم، قال عمر ﵁: (من قلَّ حياؤه قلَّ ورعه، ومن قلَّ ورعه مات قلبه) (٢)، وقال ابن مسعود ﵁: (من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله) (٣). ومما يعين على هذا الخلق الكريم مراقبة الله تعالى وشكر نعمه التي لا تعد ولا تحصى، فمن علم أن الله تعالى ناظر إليه قريب منه أورثه هذا العلم الحياء منه، ومن علم أن الله تعالى هو المنعم المتفضل استحيا أن يستعين بنعمه على معاصيه (٤). ومن الحياء ما يُذم وهو ما يقع سببًا لترك أمر شرعي، كأن يمنع من

стр. 4822

التفقه في الدين والسؤال عما يشكل أو حضور حلقات العلم، أو يمنع من الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر ونحو ذلك، فهذا ليس حياء شرعيًّا، وإنما هو ضعف وخَوَر وذلة ومهانة، قال مجاهد: (لا يتعلم العلم مُسْتَحْيٍ ولا مستكبر) (١)، وسيأتي زيادة في الموضوع في شرح الحديث الآتي -إن شاء الله-. والله تعالى أعلم.

стр. 4823

ما جاء في أن الحياء من تُراث الأنبياء ١٥٣٤/ ٧ - عَنِ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ مِمَّا أَدْركَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في آخر كتاب "أحاديث الأنبياء" (٣٤٨٣) (٣٤٨٤) من طريق زهير بن معاوية ومن طريق شعبة، وفي كتاب "الأدب"، باب (إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) (٦١٢٠) من طريق زهير، كلاهما عن منصور، عن ربعي بن حراش، حدثنا أبو مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . . وذكر الحديث. إلا أنه في الموضع الأول ليس فيه لفظة: (الأولى) وهي ثابتة في الموضع الثاني، ويبدو أن الحافظ ابن حجر في شرحه للصحيح ذَهَلَ في الموضع الأول عن ثبوتها عند البخاري، فعزاها لأحمد وأبي داود وغيرهما (١)، وتبعه على هذا الشراح كالمغربي، ومن بعده الصنعاني (٢)، وكذا شراح "الأربعين" (٣). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن مما أدرك الناس) أي: مما وصل إلى الناس وظَفِرُوا به،

стр. 4824

والجار والمجرور خبر (إن)، واسمها قوله: (إذا لم تستحي) على تقدير القول؛ أي: قولهم: إذا لم تستح أو على إرادة: هذا اللفظ. قوله: (من كلام النبوة) على حذف مضاف؛ أي: كلام أصحاب النبوة الأولى، أو ذوي النبوة الأولى، وقد يقال: إنه لا حذف وإنما جاء التعبير بالصفة وهي النبوة عن الموصوف وهم الأنبياء، وتكون إضافة الكلام إلى النبوة للإشعار بأن ذلك من نتائج الوحي وثمراته (١). والمراد بالنبوة الأولى: النبوة السابقة قبل نبينا ﷺ ، والمعنى: أنه أمر استقر في جميع الشرائع ولم يُنسخ؛ لأنه أمر قد علم صوابه وظهر فضله. قوله: (إذا لم تستحْي) جاء في بعض نسخ "البلوغ" "إذا لم تستحِ" بحذف ياء المضارع للجازم مع كسر الحاء مخففة إذا كان من الفعل استحى، وجاء في أكثرها بإثبات الياء مخففة مع سكون الحاء، أو كسرها، وهو المثبت في "الصحيح"، على أنه من الفعل استحيَى، ويكون الجازم حَذَفَ الياء الثانية التي هي لام الفعل (٢)، وذلك أنه قد تقدم أنه يقال: استحييت بيائين، ومضارعه يَسْتَحْيي، واسْتَحَيتُ بياء واحدة، ومضارعه يَسْتَحِي، وأصله: اسْتَحْيَيتُ، فَأَعَلُّوا الياء الأولى، وألقوا حركتها وهي الفتحة على الحاء، واستحيا أصله استحيَيَ على وزن استفعل، فقلبت الياء الثانية ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها. قوله: (فاصنع ما شئت) هذه رواية "الصحيحين" وفي رواية للبخاري: "فافعل ما شئت" (٣) والصُّنْع أخص من العمل (٤). وقد اختلف العلماء في معنى هذه الجملة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد؛ والمعنى: إذا لم يكن

стр. 4825

عندك حياء فاعمل ما شئت، فإن الله يجازيك عليه، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥]، وعلى هذا يكون الحديث تعظيمًا لأمر الحياء، وهذا التفسير اختيار أبي العباس ثعلب. والقول الثاني: أنه أمر، ومعناه الخبر؛ والمعنى: أن من لم يستح صنع ما شاء؛ لأن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء انهمك في كل محظور، وهذا اختيار أبي عبيد القاسم بن سَلَّام، وابن قتيبة، ومحمد بن نصر المروزي، وغيرهم (١). والقول الثالث: أنه أمر بمعنى الإباحة والإذن؛ أي: أمر بفعل ما شاء على ظاهر لفظه؛ والمعنى: انظر إلى بها تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحيا منه فافعله، وإن كان مما يستحيا منه فدعه (٢)، وهذا قول جماعة من الأئمة، منهم إسحاق المروزي الشافعي، وحُكي مثله عن الإهام أحمد (٣). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل خلق الحياء، وأنه من مكارم الأخلاق المأثورة عن النبوات السابقة، قال الخطابي: (معناه: أن الحياء لم يزل ممدوحًا على ألسن الأنبياء الأولين ومأمورًا به، لم ينسخ فيما نسخ من الشرائع، فالأولون والآخرون فيه على منهاج واحد) (٤)، وهذا مما يؤكد قيمة الحياء وعظيم أثره على سلوك الإنسان، ومعاملته مع الله تعالى ومع خلقه، وأنه يعصم العبد عن القبيح من الأقوال والأفعال، ومن فقد الحياء وقع في الذنوب والمعاصي ومساوئ الأخلاق، كما تقدم. إن الحياء خلق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين من هذه الأمة، يقول أبو سعيد الخدري ﵁ كان

стр. 4826

رسول الله ﷺ أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها (١). ويقول ﷺ : "إن موسى ﵇ كان حَيِيًّا سِتِّيرًا، لا يُرى من جلده شيء استحياءً من الله .. " (٢)، ويقول أبو بكر ﵁ وهو يخطب في الناس: (يا معشر المسلمين: استحيوا من الله، فوالذي نفسي بيده إني لَأَظَلُّ حين أذهب الغائط في الفضاء متقنعًا بثوبي استحياءً من ربي (٣). وتقدم قول عمر ﵁: (من قلَّ حياؤه قل ورعه، ومن قلَّ ورعه مات قلبه). كما تقدم قول ابن مسعود ﵁: (من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله). وقال الفضيل بن عياض: (خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل) (٤). وقد ذكر ابن القيم أن من عقوبات المعاصي: ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمع (٥)، ثم قال: (والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، حتى إنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبيح ما يفعله، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه مطمع) (٦). والله تعالى أعلم.

стр. 4827

ما جاء في فضل المؤمن القوي ١٥٣٥/ ٨ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُؤْمِنُ الْقَويُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِن الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإن أَصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "القدر"، بابٌ (في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله) (٢٦٦٤) من طريق عبد الله بن إدريس، عن ربيعة بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (المؤمن القوي) أي: في إيمانه وما يقتضيه إيمانه، وهو الذي كمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر. وليس المراد قوة البدن فحسب إلا إذا كان في قوة البدن ما يزيد في إيمانه وما يقتضيه؛ لأن القوي وصف عائد على موصوف وهو المؤمن، فيكون المراد القوي في إيمانه وما يقتضيه. قوله: (خير) اسم تفضيل حذفت ألفه تخفيفًا، وهو خبر المبتدأ (المؤمن)

стр. 4828

والغرض من هذه الجملة تحريك الهمة والحث والترغيب في اكتساب أنواع القوة، من قوة البدن وقوة العلم وقوة الإيمان والعمل الصالح، وهذه الخيرية باعتبار ما تقدم من تأثيره على غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر. قوله: (وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف) اسم تفضيل، وبعده المفضل عليه. قوله: (وفي كل خير) أي: وفي كل من المؤمن القوي والمؤمن الضعيف خير؛ لاشتراكهما في أصل الإيمان، و (خير) هنا مصدر لا اسم تفضيل. وهذا نوع من البلاغة يسمى الاحتراس؛ لئلا يتوهم القدح في المفضول، وهو المؤمن الضعيف ويُظن أنه لا خير فيه. قوله: (احرص) بكسر الراء من باب ضرب، وفتحها لغة من باب تعب، وهو من الحرص الذي هو بذل الجهد واستفراغ الوسع، وذلك بفعل الأسباب المشروعة التي تنفع العبد في دنياه وأُخراه. قوله: (على ما ينفعك) أي: من أمور دينك ودنياك، من العلم النافع والعمل الصالح وسلوك الأسباب الدنيوية اللائقة بالحال؛ لطلب المعاش الذي يستعين به على صيانة دينه وعياله. قوله: (واستعن بالله) أي: اطلب الإعانة في جميع أمورك من الله تعالى لا من غيره. قوله: (ولا تَعْجَزْ) ضبطت هذه اللفظة في بعض نسخ "الصحيح" بكسر الجيم، وفي بعضها بالفتح، وفي بعضها بالوجهين، والكسر هو الأفصح على أنها من باب ضرب، قال تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾ [الجن: ١٢]، وحكي الفتح من باب تَعِبَ (١)، وقد

стр. 4829

قيل: إن هذا لغة لبعض قيس عيلان، ذكرها أبو زيد الأنصاري، وهي غير معروفة عندهم، قال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول: لا يقال: عَجِزَ الرجل -بالكسر- إلا إذا عظمت عَجِيزته، قال ابن القوطية: (عَجَزَ عجزًا: ضد حَزَمَ وفي "الصحاح": العجز: الضَّعف) (١). والمعنى: لا تفرط في طلب ما ينفعك في دينك ودنياك متكلًا على القدر، فتنسب للتقصير، وتلام على التفريط شرعًا وعادة، بل اعتمد على الله مع اتخاذ الأسباب. قوله: (وإن أصابك شيء) أي: وإن غلبك شيء من المقدورات ولم يحصل لك المقصود بعد بذل الجهد والاستطاعة. قوله: (فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا) أي: لأن هذا القول لا يجدي عنك شيئًا؛ لأنه غفلة عن حقائق الأمور وهو أن كل شيء بقدر مقدور. قوله: (كذا وكذا) كناية عن مبهم، وهي فاعل (كان) التامة، وجملة (كان) مع فاعلها جواب (لو). قوله: (ولكن قل: قَدَّرَ اللهُ … ) ضُبط في نسخ البلوغ بفتح القاف والدال المفتوحة المشددة وفتح الراء على أنه فعل ماض، وما بعده مرفوع على أنه فاعل؛ أي: قَدَّرَ الله هذا الشيء وقضى، فنفذ قضاؤه وقدره، وضبطه بعضهم بفتح القاف والدال وضم الراء على أنه اسم، وهو خبر لمبتدأ محذوف، وهو مضاف لما بعده مجرور بهذا المضاف؛ أي: هذا الحاصل قدر الله وقضاؤه (٢). والقدر يطلق على التقدير الذي هو فعل الله تعالى، ويطلق على المقدور الذي وقع بتقدير الله وهو المراد هنا.

стр. 4830

قوله: (وما شاء فعل) جملة شرطية؛ أي: وما شاء الله فعله؛ لأن الله تعالى لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. قوله: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) أي: وساوس الشيطان وأوهامه التي يلقيها على الإنسان من نقص إيمانه بالقدر واعتراضه عليه، وفتح أبواب الهم والحزن المضعف للقلب. ولو: اسم (إنَّ) قصد حكايتها؛ أي: فإن هذا اللفظ يفتح عمل الشيطان. ° الوجه الثالث: إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأنها متعلقة بمحبوبات الله تعالى وبمن قام بها من عباده، وأنها تتفاضل فمحبته للمؤمن القوي أعظم من محبته للمؤمن الضعيف. ° الوجه الرابع: أن الناس يتفاوتون في قوة الإيمان وضعفه، وهذا يؤيد القول الصحيح: إن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن قوة الإيمان زيادة، وضعفه نقص. ° الوجه الخامس: أن المؤمنين يتفاوتون في الخير ومحبة الله تعالى والقيام بدينه، وأن الله تعالى يحب بعض المؤمنين أكثر من بعض، وأن المؤمن وإن ضعف ففيه خير بإيمانه وطاعته. ° الوجه السادس: أنه ينبغي لمن فاضل بين الأشخاص أو الأجناس أو الأعمال أن يذكر وجه التفضيل وجهة التفضيل، وألا يهمل ذكر الفضل المشترك بين الفاضل والمفضول؛ لئلا يتطرق القدح إلى المفضول (١). ° الوجه السابع: الحث على الحرص على الاجتهاد في طلب الأمور النافعة من أمور الدين وأمور الدنيا، وكمال العبد في هذين الأمرين: أن يكون حريصًا وأن يكون حرصه على ما ينتفع به؛ لأن العبد محتاج إلى الأمور الدنيوية كما هو محتاج إلى الأمور الدينية، فمتى حَرَصَ العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها وسلك أسبابها وطرقها، واستعان بربه في حصولها

стр. 4831

وتكميلها كان في ذلك كماله، وعنوان فلاحه، فإن حرص على ما لا ينفعه، أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك (١). وفي الحديث إشارة إلى أنه لا ينبغي للعاقل أن يمضي جهده ويصرف وقته فيما لا نفع فيه، كما يجب عليه الابتعاد عن كل ما فيه ضرر في العاجل والآجل؛ لأن اجتناب الضار نفع للعبد، يدل على هذا قوله: "احرص على مما ينفعك". ° الوجه الثامن: وجوب الاستعانة بالله تعالى على أمور الدين والدنيا؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على ذلك إلا الله تعالى، والاستعانة بالله تعالى تتضمن الخضوع لله تعالى، والثقة به والاعتماد عليه. ومناسبة أمره بالاستعانة بعد أمره بالحرص على ما ينفعه؛ أَنَّ حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله تعالى ومشيئته وتوفيقه، فأُمِرَ بالاستعانة ليجتمع له مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونة الله، فأمره بأن يعبده ويستعين به (٢). وهناك ملحظ آخر في هذا الأمر وهو أن الإنسان بقوته وحرصه على النافع وإدراكه ما يريد قد يغفل عن الاستعانة وتغره نفسه بأن ما حصل له إنما هو بحوله وقوته، فناسب أمره بالاستعانة بعد أمره بتحصيل ما ينفعه؛ لئلا ينسى الاستعانة بالله تعالى ولو على الشيء اليسير (٣). ° الوجه التاسع: أنه ينبغي للإنسان أن يصبر ويثابر ويحذر العجز والبطالة وتعطيل الأسباب، فالعجز مذموم شرعًا وعقلًا، قال ابن القيم: (العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز. . .) (٤).

стр. 4832

° الوجه العاشر: إثبات القضاء والقدر وأنه لا ينافي فعل الأسباب والسعي في طلب الخيرات؛ لأن ما قدر لا بد أن يكون، فيجب الإيمان بالقدر والتسليم، وأفعالُ الله تعالى إنما تصدر عن حكمةٍ وعلم وفضل وعدل. ° الوجه الحادي عشر: النهي عن قول (لو) في الأمور المقدرة التي حصلت ومضت؛ لأنها اعتراض على القدر، وفيها التسخط والندم، وضيقة الصدر، وتجدد الأحزان على النفوس، وهذا باب ينبغي إغلاقه إذ لا نفع فيه، ثم هو يخل بتوحيد العبد وقوة إيمانه؛ لأن الأمور كلها بقضاء الله وقدره، وما وقع منها فلا بد من وقوعه، ولا يمكن رده، وهذا أمر يقع فيه كثير من الناس، فيعتقد أنه يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يضعف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه بالمقدور وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (١). أما استعمالها تندمًا على فوات الطاعة وتمنيًا للخير أو في أمر مستقبل، فهذا جائز، كأن يقول: لو أَنَّ عندي مالًا لتصدقت على فلان، ومثل هذا إذا استعملت في الخبر المحض، مثل: لو حضرت الدرس لاستفدت، ومنه قوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" (٢)، فأخبر النبي ﷺ أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة ﵃ ما ساق الهدي ولَأحَلَّ معهم، أو أنه لو استقبل الإحرام بالحج ما ساق الهدي ولَأحْرَمَ بالعمرة. وقال آخرون: إنه من باب التمني، وهذا فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ لا يتمنى شيئًا قدَّر الله خلافه (٣). ° الوجه الثاني عشر: التحذير من كيد الشيطان؛ لأن له تأثيرًا علي بني آدم، ومن ذلك إدخال الوساوس. ° الوجه الثالث عشر: الإرشاد إلى الكلام الحسن، لقوله: "ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل". والله تعالى أعلم.

стр. 4833

الحث على التواضع ١٥٣٦/ ٩ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ اللهَ أَوْحى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الجنة وصفة نعيمها وأهلها"، باب (الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار) (٢٨٦٥) (٦٤) من طريق هشام، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا أن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم .. " الحديث، ورواه سعيد عن قتادة بهذا الإسناد ولم يذكر في حديثه: "كل مال نحلته عبدًا حلال". ورواه مطر، حدثني قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار أخي بني مجاشع قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم خطيبًا فقال: "إن الله أمرني … " وساق الحديث بمثل حديث هشام عن قتادة، وزاد فيه: "وإن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد. . ." الحديث. ورواه أبو داود (٤٨٩٥) من طريق الحجاج، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن عياض بن حمار، مقتصرًا على اللفظ الذي ساقه الحافظ هنا.

стр. 4834

° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أوحى إليَّ) الوحي في اللغة: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره. وشرعًا: إعلام الله تعالى لنبيٍّ من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه (١)، وهذا الوحي قد يكون وحي إلهام أو برسالة (٢). قوله: (أن تواضعوا) أن مفسرة؛ لأنه تقدم عليها جملة فيها معنى القول دون حروفه، كقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ [طه: ٣٨ - ٣٩]، ويجوز أن تكون مصدرية بتقدير حرف الجر؛ أي: أمرني وإياكم بالتواضع. والتواضع: مصدر تواضع؛ أي: أظهر الضَّعة، وهو مأخوذ من مادة (وض ع) التي تدل على الخفض للشيء وحطه (٣). والتواضع: هو خفض الجناح وإلانة الجانب من غير خسة ولا مذلة، وهو ضد الكبر. قوله: (حتى) غائية أو تعليلية، وعندي أنه أظهر. قوله: (لا يبغي) بكسر الغين، وهو منصوب بـ (حتى)، والبغي: هو الظلم والاستطالة والتعدي على الغير، يقال: بغى على الناس بغيًا: ظلم واعتدى وعدل عن الحق (٤). قوله: (ولا يفخر) بالنصب عطفًا على ما قبله، وهو بفتح الخاء المعجمة ماضيه فَخَرَ من باب نفع، والافتخار: هو المباهاة بالمكارم والمناقب من المال والولد والعلم والقوة والنسب وغير ذلك. ° الوجه الثالث: في الحديث حث على التواضع وأمر به، وهو خلق

стр. 4835

كريم من أخلاق المؤمنين، أوحاه الله تعالى إلى نبيه محمد ﷺ ، وهذا دليل أهميته والعناية بشأنه، والتواضع أن يتذلل العبد ويستسلم عند أوامر الله تعالى فيمتثلها، وعند نواهيه فيجتنبها، ويتواضع فيما بينه وبين الناس. قال الحسن: (التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلًا) (١). وقال الجنيد بن محمد: (التواضع هو خفض الجناح ولين الجانب) (٢). وللقرطبي في موضوع التواضع كلمة قيمة أنقلها بتمامها، يقول: (التواضع: الانكسار، والتذلُّل، ونقيضُه التكبُّر والترفع، والتواضعُ يقتضي متواضَعًا له؛ فإن كان المتواضَعُ له هو اللهُ تعالى، أو مَن أمر اللهُ بالتَّواضع له كالرسول، والإمام، والحاكم، والوالد، والعالم، فهو التواضعُ الواجبُ المحمودُ؛ الذي يرفع اللهُ تعالى به صاحبَه في الدنيا والآخرة، وأما التواضعُ لسائر الخلق فالأصلُ فيه: أنه محمودٌ، ومندوبٌ إليه، ومُرَغَّبٌ فيه إذا قُصِد به وَجْهُ الله، ومَن كان كذلك رفع اللهُ تعالى قدره في القلوب، وطيَّب ذِكْرَهُ في الأفواه، ورَفَع درجته في الآخرة، وأما التواضعُ لأهل الدنيا، ولأهل الظلم، فذلك هو الذلُّ الذي لا عِزَّ معه، والخِسَّةُ التي لا رفعةَ معها، بل يترتب عليها ذلُّ الآخرة، وكل صفقةٌ خاسرة -نعوذ بالله من ذلك-) (٣). وقد أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يتواضع لعباد الله المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥] أي: ألِنْ لهم جانبك، وإطلاقُ العرب خفض الجناح كنايةً عن التواضع ولين الجانب أسلوبٌ معروف (٤)، وقد حث النبي ﷺ على التواضع ورغَّب فيه بقوله وفعله، أما القول فكما في حديث الباب، وأما الفعل ففي سيرته ﷺ نماذج كثيرة تدل على أنه ﷺ أشد الناس تواضعًا، وأقربهم إلى الضعيف والمسكين، وأبعدهم عن الترفع والتكبر، فعن أنس ﵁ قال: كانت الأَمة من إماء أهل المدينة
следующие страницы →