وتكميلها كان في ذلك كماله، وعنوان فلاحه، فإن حرص على ما لا ينفعه، أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك (١).
وفي الحديث إشارة إلى أنه لا ينبغي للعاقل أن يمضي جهده ويصرف وقته فيما لا نفع فيه، كما يجب عليه الابتعاد عن كل ما فيه ضرر في العاجل والآجل؛ لأن اجتناب الضار نفع للعبد، يدل على هذا قوله: "احرص على مما ينفعك".
° الوجه الثامن: وجوب الاستعانة بالله تعالى على أمور الدين والدنيا؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على ذلك إلا الله تعالى، والاستعانة بالله تعالى تتضمن الخضوع لله تعالى، والثقة به والاعتماد عليه.
ومناسبة أمره بالاستعانة بعد أمره بالحرص على ما ينفعه؛ أَنَّ حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله تعالى ومشيئته وتوفيقه، فأُمِرَ بالاستعانة ليجتمع له مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونة الله، فأمره بأن يعبده ويستعين به (٢).
وهناك ملحظ آخر في هذا الأمر وهو أن الإنسان بقوته وحرصه على النافع وإدراكه ما يريد قد يغفل عن الاستعانة وتغره نفسه بأن ما حصل له إنما هو بحوله وقوته، فناسب أمره بالاستعانة بعد أمره بتحصيل ما ينفعه؛ لئلا ينسى الاستعانة بالله تعالى ولو على الشيء اليسير (٣).
° الوجه التاسع: أنه ينبغي للإنسان أن يصبر ويثابر ويحذر العجز والبطالة وتعطيل الأسباب، فالعجز مذموم شرعًا وعقلًا، قال ابن القيم: (العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز. . .) (٤).
стр. 4832
° الوجه العاشر: إثبات القضاء والقدر وأنه لا ينافي فعل الأسباب والسعي في طلب الخيرات؛ لأن ما قدر لا بد أن يكون، فيجب الإيمان بالقدر والتسليم، وأفعالُ الله تعالى إنما تصدر عن حكمةٍ وعلم وفضل وعدل.
° الوجه الحادي عشر: النهي عن قول (لو) في الأمور المقدرة التي حصلت ومضت؛ لأنها اعتراض على القدر، وفيها التسخط والندم، وضيقة الصدر، وتجدد الأحزان على النفوس، وهذا باب ينبغي إغلاقه إذ لا نفع فيه، ثم هو يخل بتوحيد العبد وقوة إيمانه؛ لأن الأمور كلها بقضاء الله وقدره، وما وقع منها فلا بد من وقوعه، ولا يمكن رده، وهذا أمر يقع فيه كثير من الناس، فيعتقد أنه يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يضعف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه بالمقدور وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (١).
أما استعمالها تندمًا على فوات الطاعة وتمنيًا للخير أو في أمر مستقبل، فهذا جائز، كأن يقول: لو أَنَّ عندي مالًا لتصدقت على فلان، ومثل هذا إذا استعملت في الخبر المحض، مثل: لو حضرت الدرس لاستفدت، ومنه قوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" (٢)، فأخبر النبي ﷺ أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة ﵃ ما ساق الهدي ولَأحَلَّ معهم، أو أنه لو استقبل الإحرام بالحج ما ساق الهدي ولَأحْرَمَ بالعمرة. وقال آخرون: إنه من باب التمني، وهذا فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ لا يتمنى شيئًا قدَّر الله خلافه (٣).
° الوجه الثاني عشر: التحذير من كيد الشيطان؛ لأن له تأثيرًا علي بني آدم، ومن ذلك إدخال الوساوس.
° الوجه الثالث عشر: الإرشاد إلى الكلام الحسن، لقوله: "ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل". والله تعالى أعلم.
стр. 4833
الحث على التواضع
١٥٣٦/ ٩ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ اللهَ أَوْحى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الجنة وصفة نعيمها وأهلها"، باب (الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار) (٢٨٦٥)(٦٤) من طريق هشام، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا أن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم .. " الحديث، ورواه سعيد عن قتادة بهذا الإسناد ولم يذكر في حديثه: "كل مال نحلته عبدًا حلال".
ورواه مطر، حدثني قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار أخي بني مجاشع قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم خطيبًا فقال: "إن الله أمرني … " وساق الحديث بمثل حديث هشام عن قتادة، وزاد فيه: "وإن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد. . ." الحديث.
ورواه أبو داود (٤٨٩٥) من طريق الحجاج، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن عياض بن حمار، مقتصرًا على اللفظ الذي ساقه الحافظ هنا.
стр. 4834
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أوحى إليَّ) الوحي في اللغة: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره.
وشرعًا: إعلام الله تعالى لنبيٍّ من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه (١)، وهذا الوحي قد يكون وحي إلهام أو برسالة (٢).
قوله: (أن تواضعوا) أن مفسرة؛ لأنه تقدم عليها جملة فيها معنى القول دون حروفه، كقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ [طه: ٣٨ - ٣٩]، ويجوز أن تكون مصدرية بتقدير حرف الجر؛ أي: أمرني وإياكم بالتواضع.
والتواضع: مصدر تواضع؛ أي: أظهر الضَّعة، وهو مأخوذ من مادة (وض ع) التي تدل على الخفض للشيء وحطه (٣).
والتواضع: هو خفض الجناح وإلانة الجانب من غير خسة ولا مذلة، وهو ضد الكبر.
قوله: (حتى) غائية أو تعليلية، وعندي أنه أظهر.
قوله: (لا يبغي) بكسر الغين، وهو منصوب بـ (حتى)، والبغي: هو الظلم والاستطالة والتعدي على الغير، يقال: بغى على الناس بغيًا: ظلم واعتدى وعدل عن الحق (٤).
قوله: (ولا يفخر) بالنصب عطفًا على ما قبله، وهو بفتح الخاء المعجمة ماضيه فَخَرَ من باب نفع، والافتخار: هو المباهاة بالمكارم والمناقب من المال والولد والعلم والقوة والنسب وغير ذلك.
° الوجه الثالث: في الحديث حث على التواضع وأمر به، وهو خلق
стр. 4835
كريم من أخلاق المؤمنين، أوحاه الله تعالى إلى نبيه محمد ﷺ ، وهذا دليل أهميته والعناية بشأنه، والتواضع أن يتذلل العبد ويستسلم عند أوامر الله تعالى فيمتثلها، وعند نواهيه فيجتنبها، ويتواضع فيما بينه وبين الناس. قال الحسن: (التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلًا) (١).
وقال الجنيد بن محمد: (التواضع هو خفض الجناح ولين الجانب) (٢).
وللقرطبي في موضوع التواضع كلمة قيمة أنقلها بتمامها، يقول: (التواضع: الانكسار، والتذلُّل، ونقيضُه التكبُّر والترفع، والتواضعُ يقتضي متواضَعًا له؛ فإن كان المتواضَعُ له هو اللهُ تعالى، أو مَن أمر اللهُ بالتَّواضع له كالرسول، والإمام، والحاكم، والوالد، والعالم، فهو التواضعُ الواجبُ المحمودُ؛ الذي يرفع اللهُ تعالى به صاحبَه في الدنيا والآخرة، وأما التواضعُ لسائر الخلق فالأصلُ فيه: أنه محمودٌ، ومندوبٌ إليه، ومُرَغَّبٌ فيه إذا قُصِد به وَجْهُ الله، ومَن كان كذلك رفع اللهُ تعالى قدره في القلوب، وطيَّب ذِكْرَهُ في الأفواه، ورَفَع درجته في الآخرة، وأما التواضعُ لأهل الدنيا، ولأهل الظلم، فذلك هو الذلُّ الذي لا عِزَّ معه، والخِسَّةُ التي لا رفعةَ معها، بل يترتب عليها ذلُّ الآخرة، وكل صفقةٌ خاسرة -نعوذ بالله من ذلك-) (٣).
وقد أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يتواضع لعباد الله المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥] أي: ألِنْ لهم جانبك، وإطلاقُ العرب خفض الجناح كنايةً عن التواضع ولين الجانب أسلوبٌ معروف (٤)، وقد حث النبي ﷺ على التواضع ورغَّب فيه بقوله وفعله، أما القول فكما في حديث الباب، وأما الفعل ففي سيرته ﷺ نماذج كثيرة تدل على أنه ﷺ أشد الناس تواضعًا، وأقربهم إلى الضعيف والمسكين، وأبعدهم عن الترفع والتكبر، فعن أنس ﵁ قال: كانت الأَمة من إماء أهل المدينة
стр. 4836
لَتأْخُذُ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت (١). وعنه -أيضًا ﵁ أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: "يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك" فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها (٢). وعن الأسود قال: سألت عائشة ما كان النبي ﷺ يصنع في أهله؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة (٣). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لو دعيت إلى ذِراع أو كُراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ ذِراع أو كُراع لقبلت" (٤)، وكان ﷺ إذا مر بالصبيان سلَّم عليهم. روى مسلم عن سيار قال: كنت أمشي مع ثابت البناني، فمر بصبيان، فسلم عليهم، وحدّث ثابت أنه كان يمشي مع أنس فمر بصبيان فسلم عليهم، وحدّث أنس أنه كان يمشي مع رسول الله ﷺ فمر بصبيان فسلم عليهم (٥).
وإذا اتصف العبد بالتواضع خضع للحق وانقاد له، وقبله ممن قاله كائنًا من كان، والتواضع ضد الكبر، ومن تواضع فإنه لن يتكبر على أحد؛ لأن المتواضع لا يرى لنفسه مزية على غيره بحيث يتكبر عليه أو يعتدي عليه، وإنما البغي والتكبر ينشآن ممن يرى نفسه فوق الآخرين، فيحمله ذلك على الكبر.
والتواضع يرفع المرء قدرًا، ويزيده نُبلًا، وهو عنوان سعادة العبد ورفعته، ومحبة الناس له، وثناؤهم عليه وقد قال ﷺ : "مما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" (٦)، قال مصعب بن الزبير: (التواضع مصايد الشرف) وقيل في منثور الحكم: (من دام تواضعه كثر صديقه) (٧).
° الوجه الرابع: في الحديث نهي عن الافتخار والمباهاة بالمكارم
стр. 4837
والمناقب على سبيل الفخر والعلو على الناس، فهذا مذموم؛ لأنه ضد التواضع، وهو منشأ الكِبْرِ، والخَلْقُ من أصل واحد، والنظر إلى العَرَض الزائل ليس من شأن العاقل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (نهى الله سبحانه على لسان رسول الله ﷺ عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهي: الفخر والبغي؛ لأن المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق، فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا) (١).
وليس من الفخر التحدث بنعمة الله؛ لأن المتحدث بالنعمة قاصد الثناء على المنعم والإخبار عن صفات موليها، ومحض جوده وكرمه، فهو بذلك مثنٍ على الله تعالى بإظهار النعمة، شاكر له، ناشر لجميع ما أولاه.
وأما الفخر بالنعم فهو أن يستطيل بها على الناس، ويريهم أنه أعز منهم وأكبر، فيركب أعناقهم، ويستعبد قلوبهم، ويستميلها إليه بالتعظيم والخدمة (٢)، فينشأ من ذلك البغي والتكبر. والله تعالى أعلم.
стр. 4838
فضل الذَّبِّ عن عرض المسلم
١٥٣٧/ ١٠ - عَن أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁؛ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيبِ، رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
١٥٣٨/ ١١ - وَلِأحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوُهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هي أسماء بنت يزيد بن السَّكَنِ الأنصارية الأوسية ثم الأشهلية، أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ وروت عنه، قال ابن عبد البر: (كانت من ذوات العقل والدين)، وقال الذهبي: (كانت من المبايعات المجاهدات)، وكان يقال لها: خطيبة النساء، شهدت مع الرسول ﷺ بعض المشاهد، وحضرت وقعة اليرموك، وقتلت يومئذٍ تسعة من الروم بعمود فسطاطها، حدث عنها مولاها مهاجر، وشهر بن حوشب، ومجاهد وآخرون، ذكر الذهبي أنها عاشت إلى دولة يزيد بن معاوية (١).
° الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث أبي الدرداء ﵁ فقد رواه الترمذي في أبواب "البر والصلة"، باب (ما جاء في الذب عن عرض المسلم) (١٩٣١)، وأحمد (٥٤/ ٥٢٨) من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر النهشلي، عن مرزوق أبي بكر
стр. 4839
التيمي، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة"، وليس عند الترمذي ولا أحمد لفظة: (بالغيب).
قال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وقواه الحافظ العراقي (١).
وفي سنده مرزوق أبو بكر التيمي لم يذكروا في الرواة عنه سوى أبي بكر النهشلي، كما نص على هذا الذهبي (٢)، وعلى هذا فهو مجهول العين، إلا إن كان أبا بُكير التيمي الكوفي المؤذن، وهذا ثقة (٣).
ورواه الإمام أحمد (٤٥/ ٥٢٣ - ٥٢٤) من طريق ليث -وهو ابن أبي سليم- عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث بنحوه.
وهذا سند ضعيف، فيه ليث، وهو ضعيف باتفاق الأئمة؛ لسوء حفظه واختلاطه، قال ابن معين: (ضعيف، إلا أنه يكتب حديثه)، وقال أحمد: (مضطرب الحديث، ولكن حدث عنه الناس)، وقال -أيضًا-: (ضعيف الحديث جدًّا) (٤)، وقال الحافظ ابن حجر: (صدوق، اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فتُرك) وفيه -أيضًا- شهر بن حوشب، وهو متكلم فيه، فقد وثقه أحمد وابن معين، وقال أبو زرعة: (ليس به بأس) ونقل الترمذي عن البخاري: (شَهْرٌ حسن الحديث)، وقوَّى أمره، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن حبان: (كان ممن يروي عن الثقات المعضلات وعن الأثبات المقلوبات)، وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه من الحديث فيه من الإنكار ما فيه، وشهر هذا ليس بالقوي في الحديث، وهو ممن لا يحتج بحديثه ولا يُتدين به) (٥)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق كثير الإرسال والأوهام).
стр. 4840
ثم إن هذا الحديث في سنده اختلاف، فقد اختلف فيه على ليث -كما ذكر الدارقطني- ومن وجوه الاختلاف أن ابن القداح رواه عن شهر، عن أسماء -كما في الحديث الآتي- وهذا الاختلاف قد يكون من ليث ومن القداح على شهر، أو من شهر نفسه، فيكون قد اضطرب فيه، وقد توبع في روايته عن أم الدرداء، كما تقدم (١).
وأما حديث أسماء بنت يزيد فقد رواه أحمد (٤٥/ ٥٨٣) من طريق عبيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، عن النبي ﷺ قال: "من ذبَّ عن لحم أخيه كان حقًّا على الله أن يعتقه من النار".
وهذا سند ضعيف -أيضًا- فيه عبيد الله بن أبي زياد -وهو القدَّاح- فيه مقال، قال أحمد: (ليس به بأس)، وقال أبو حاتم: (ليس بالقوي ولا المتين، هو صالح الحديث، يكتب حديثه)، وقال أبو داود فيما روى عنه الآجري: (أحاديثه مناكير)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وقال في موضع آخر: (ليس بالقوي)، وقال ابن عدي: (قد حدث عنه الثقات، ولم أر في حديثه شيئًا منكرًا) (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (ليس بالقوي)، وفيه -أيضًا- شهر بن حوشب- تقدم.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل من أنكر الغيبة ودافع عن عرض أخيه المسلم في مجلس اغتيب فيه، وأن الله تعالى يرد النار عن وجهه يوم القيامة كما رد عن عرض أخيه، وهذا من مهمات الآداب وحقوق الإسلام التي يجب على حاضر مجلس الغيبة أن يتحلى به، وذلك لأن المغتاب ظالم لأخيه آكل لحمه، والواجب هو ردع الظالم ونصرة المظلوم.
وهذا الأدب الكريم ورد في أحاديث صحيحة من سنة النبي ﷺ القولية والفعلية والتقريرية.
стр. 4841
فمن القولية حديث أبي الدرداء وحديث أسماء ﵄، وإن كان في سندهما مقالٌ، لكن لهما ما يؤيد معناهما.
ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم-: ( … ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة … ) فهذا الحديث -كما يقول الحافظ ابن حجر- فيه إشارة إلى ترك الغيبة؛ لأن من أظهر مساوئ أخيه لم يستره (١).
وكذلك من ترك غيره يذكر مساوئ أخيه ولم ينكر ذلك لم يستره، ومن أنكر فقد ستر (٢).
وجاء في حديث عتبان بن مالك ﵁ الطويل: فقام رسول الله ﷺ فكبر، وقمنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلم، وحبسناه على خزيرة صنعناها له، فثاب رجال من أهل الدار حوله حتى اجتمع في البيت رجال ذوو عدد، قال قائل منهم: أين مالك بن الدُّخْشُنِ؟ فقال بعضهم: ذاك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال له رسول الله ﷺ : "لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله"، قالوا: الله ورسوله أعلم … الحديث (٣). قال ابن رجب: (فيه أن من رمى أحدًا بنفاق وذَكَرَ سُوءَ عمله، فإنه ينبغي أن تُرد غيبته ويُذكر صالح عمله. . .) (٤).
وفي حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة تبوك وتوبة الله عليه أنه قال: ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال -وهو جالس في القوم بتبوك-: "ما فعل كعب؟ " فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه بُرْدَاهُ ونظره في عِطْفَيهِ، فقال معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمت عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله ﷺ (٥).
قال ابن علان: (قوله: "فسكت رسول الله ﷺ " أي: مقرًا لإنكار معاذ
стр. 4842
على من فعل الغيبة أو تلبس بها، وتشريعًا لمثله بالرد على المغتاب) (١)، وقال في موضع آخر: (فسكت النبي ﷺ على رده عن كعب رضًا به، وتحريضًا على سلوك ذلك) (٢).
قال النووي: (اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها، ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق أو كان من أهل الفضل والصلاح كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر) (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4843
فضل العفو والتواضع
١٥٣٩/ ١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة"، باب (استحباب العفو والتواضع) (٢٥٨٨) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث، إلا أن في آخره: "إلا رفعه الله".
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ما نقصت صدقة من مال) الصدقة: هي المخرج من المال تقربًا إلى الله تعالى، وهي تشمل الزكاة الواجبة وصدقة التطوع.
والمعنى: أن الصدقة إذا أخرجت من المال، فإنها لا تنقصه بل إنها تزيده إما كمية بأن يفتح الله للعبد أبوابًا من الرزق، وإما كيفية بأن ينزل الله تعالى البركة التي تزيد على مقدار ما أخرج منه صدقة، فيجبر النقص الصوري بالبركة الخفية (١). قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
стр. 4844
قوله: (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) العفو: مصدر عفا يعفو عفوًا: إذا ترك وإذا طلب، قال الخليل: (العفو تركك إنسانًا استوجب عقوبة فعفوت عنه) (١).
والعِزُّ: مصدر عَزَّ يَعِز عَزًّا من باب ضرب، والعز خلاف الذل، وهو حالة تمنع الإنسان من أن يُغلب (٢).
والمعنى: أن من عرف بالعفو وترك المؤاخذة ساد وعظم في القلوب، وزاد عزة وكرامة ورفعة في الدنيا والآخرة (٣).
قوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه) هكذا في أكثر نسخ "البلوغ" وفي المخطوطة (٤)، وفي "الصحيح" (إلا رفعه الله) وثبت هذا في بعض النسخ، وقد تقدم قريبًا معنى التواضع، ويفسر هذا الحديث بمعنيين:
الأول: التواضع لله تعالى بالعبادة والخضوع والانقياد لأمره.
الثاني: التواضع لعباد الله من أجل الله، وكلاهما سبب الرفعة في الدنيا، بأن يرفع الله المتواضع ويجعل له منزلة عالية عند الناس ويرفعه في الآخرة فيثيبه على تواضعه بالجنة.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الصدقة وأنها لا تنقص المال كما يتوهم الإنسان، أو يَعِدُ به الشيطان، كما قال تعالى: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي: يخوفكم الفقر، لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله (٥). بل يزيد الله تعالى المال بركة وخيرًا، فعلى المؤمن أن يحرص على الصدقة وعلى البذل والإحسان.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل العفو عن المسيء والحث عليه؛ لأن الله تعالى وعد العافين عن الناس بالعِزِّ، والعفو من كمال الإيمان
стр. 4845
وحسن الإسلام، وهو من مظاهر حسن الخلق وسعة الصدر، وعدم الميل إلى الانتقام.
وفي العفو سلامة القلب، ونقاؤه من الغش والغل وإرادة الشر، ومن عفا حصل له من حلاوة العفو ما تزيد لذته ومنفعته عاجلًا أو آجلًا على المنفعة الحاصلة بالانتقام أضعافًا مضاعفة.
والعفو دليل على سلامة التفكير؛ لأن من الناس من لا يعفو عمن أساء إليه، لظنه أنه يلحقه بذلك ذلٌّ أمام من اعتدى عليه، وأنه إذا انتقم صار عزيزًا مهابًا، ولا ريب أن هذا الفهم بمعزل عن الصواب، وهو من خداع النفس الأمارة بالسوء، فإنه ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذلًّا يجده في نفسه، فإذا عفا أعزه الله تعالى، ثم إن العفو يثمر ثواب الله تعالى، كما يثمر ثناء الناس على العافي، ومحبتهم له، ونظرهم إليه بعين الإجلال والإكبار، فيزداد عزًا فوق العز الذي كان يتوقعه لو أنه انتصف من ظالمه.
ثم إن الإنسان إذا اشتغلت نفسه بالانتقام، وطلب المقابلة، ضاع عليه زمانه، وتفرق عليه قلبه، وفاته من المصالح ما لا يمكن استدراكه، فإذا عفا وصفح فرغ قلبه وجسمه لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام (١).
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: (من أعظم أنواع الإحسان: العفو عن المخطئين المسيئين، والإغضاء عن زلّاتهم، والعفو عن هفواتهم … فإنه إذا عفا عمن ظلمه وأساء إليه، زال أثر ذلك عن قلبه، وعلم أنه اكتسب عن ذلك من ربه أفضل جزاء وأعظم ثواب.
وأيضًا: فمن عفا عن عباد الله عفا الله عنه، ومن سمح عنهم سامحه الله) (٢).
° الوجه الخامس: الحديث دليل على فضل التواضع، وأنه سبب لرفعة
стр. 4846
المتواضع، قال ابن حبان: (الواجب على العاقل لزوم التواضع ومجانبة التكبر، ولو لم يكن في التواضع خصلة تحمله إلا أن المرء كلما كثر تواضعه ازداد بذلك رفعة لكان الواجب عليه ألا يتزيَّا بغيره).
ويقول -أيضًا-: (لا يمتنع من التواضع أحد، والتواضع يكسب السلامة، ويورث الألفة، ويرفع الحقد، ويذهب الصَّدَّ، وثمرة التواضع المحبة، كما أن ثمرة القناعة الراحة، وإن تواضع الشريف يزيد في شرفه، كما أن تكبر الوضيع يزيد في ضعته، وكيف لا يتواضع من خُلق من نطفة مَذِرَةٍ، وآخره يعود جيفة قذرة، وهو بينهما يحمل العذرة؟) (١).
стр. 4847
بعض مكارم الأخلاق
١٥٤٠/ ١٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أيّها النَّاسُ! أَفْشُوا السَّلَامَ، وَصِلُوا الأرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "صفة القيامة والرقائق والورع"، (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤)(٣٢٥١)، وأحمد (٣٩/ ٢٠١)، والحاكم (٤/ ١٥٩ - ١٦٠) وغيرهم، من طريق عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن سلام ﵁، قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ ، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أولُ شيء تكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلُّوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" وهذا لفظ الترمذي، وليس فيه: (وصلوا الأرحام) وإنما هي عند أحمد، وابن ماجه في الموضع الثاني، كما أن لفظة (بالليل) ليست عند الترمذي ولا أحمد، وإنما هي عند ابن ماجه، وبهذا يتبين أن اللفظ الذي ساقه الحافظ ليس هو لفظ الترمذي الذي عزا الحافظ الحديث إليه، وإنما هو لابن ماجه في الموضع الثاني.
وهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، قال الترمذي: (هذا حديث صحيح)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وقد تُكُلِّمَ في سماع زرارة بن
стр. 4848
أوفى من عبد الله بن سلام، فأثبت سماعه منه مسلم، وأبو حاتم لا يرى أنه سمع، ولم يصرح البخاري بسماعه وإلا لذكره فيمن سمع، وقد اختلف في التصريح بالسماع في هذا الحديث، والأكثرون على عدمه (١).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أفشوا السلام) بقطع الهمزة؛ أي: أشيعوا وأظهروا السلام على من عرفتم ومن لا تعرفون، يقال: فَشَا الشيء فَشْوًا وفُشُوًّا: ظهر وانتشر (٢).
قوله: (وصلوا الأرحام) أمرٌ مِن وصل يصل صلة ووصلًا، والوصل: ضد القطع والهجران، والمراد بذلك: الإحسان إلى الأقارب وإيصال الخير والنفع لهم بالمال أو بالخدمة أو بالزيارة أو بالسلام، أو بغير ذلك على حسب حال الواصل والموصول، وقد تقدم الكلام في ذلك.
قوله: (وأطعموا الطعام) أي: ابذلوا الطعام لمن يحتاجه من فقير وضعيف وغريب.
قوله: (وصلوا بالليل) أي: تهجدوا.
قوله: (والناس نيام) جملة حالية من فاعل (صلوا) والمراد بذلك وقت غفلة الناس ونومهم؛ لأنه أبعد عن الرياء والسمعة، وأعظم في الأجر، وأقرب إلى الخشوع وتواطؤ القلب واللسان.
قوله: (تدخلوا الجنة بسلام) بجزم المضارع بحذف النون؛ لأنه وقع جوابًا للطلب، والمعنى: تدخلوا الجنة متلبسين بالسلام من الله تعالى ومن الملائكة الكرام من مكروه أو تعب أو مشقة.
وجاء في رواية الترمذي: (تدخلون) بثبوت النون، فيكون الفعل مرفوعًا على اعتبار أن الجملة حال من واو الجماعة، كإعرابها صفة لوقوعها بعد نكرة في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] (٣).
стр. 4849
° الوجه الثالث: في الحديث أربع خصال من مكارم الأخلاق التي توجب محبة الله تعالى ومحبة الخلق لمن اتصف بها، ولهذا كانت من أسباب دخول الجنة، وهي إفشاء السلام ونشره بين الناس بحيث تسلم على كل من لقيت، سواء عرفته أم لم تعرفه، وتقدم هذا في باب "الأدب" أول كتاب "الجامع".
والثانية: صلة الأرحام، وذلك بإيصال ما تيسر من الخير لهم، ودفع ما أمكن من الشر عنهم، وهي تكون بالمال، وبالعون عند الحاجة، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، وبالسؤال عنهم، وهي تختلف باختلاف القدرة والحاجة، وتقدم تفصيل ذلك في باب (البر والصلة).
والثالثة: إطعام الطعام، وقد جعله الله تعالى من الأسباب الموجبة للجنة ونعيمها، المباعدة من النار وعذابها، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٨ - ٩] إلى قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] فوصف فاكهتهم وشرابهم جزاءً لإطعامهم الطعام. وقال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١١ - ١٦] وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (١)، وقال ﷺ : "أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفُكُّوا العاني" (٢)، وإطعام الطعام يحصل بإعداد الأكل وتقديمه للأسرة الفقيرة، أو الدعوة إليه، أو إعطاء الفقير أطعمة يستفيد منها في مستقبل الأيام، على أن الحديث عام في الفقير وغيره، لكن يتأكد الإطعام للجائع والجار، وللإطعام في رمضان مزية على غيره من الشهور، لشرف وقته، ومضاعفة أجره، وإعانة الصائمين على طاعتهم.
والرابعة: الصلاة بالليل، وهي أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة،
стр. 4850
وهي أفضل من صلاة النهار، وذلك -والله أعلم- لما فيها من صفاء المناجاة، وتواطؤ القلب واللسان، وقلة الشواغل، والإخلاص، والبعد عن الرياء؛ لأنها في وقت الراحة والسكون ومحبة النوم، فقيام الليل شاقٌّ، إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون، قيام الليل كما يقول المنادي:
يا رجالَ الليل جِدُّوا … رُبَّ داعٍ لا يُردُّ
ما يقومُ الليلَ إلا … من له عَزْمٌ وجِدُّ
قيام الليل -ولو كان قليلًا- من أهم المولدات الإيمانية، بما يضفي على صاحبه من نور الوجه، ويقظة القلب، وحلاوة الإيمان، وهو سبب من أسباب دخول الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٨]، وقال تعالى في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٦، ١٧].
فينبغي للمؤمنين أن يكون لهم نصيب من قيام الليل؛ لأن دقائق الليل غالية، فلا تُرْخَصُ بالغفلة، قال ابن عبد البر: (قيام الليل سنة مسنونة، لا ينبغي تركها، فطوبى لمن يُسِّرَ لها، وأُعينَ عليها، فإن رسول الله ﷺ قد عمل بها، ونَدَبَ إليها) (١). وقد مضى الكلام على ذلك في باب (صلاة التطوع). والحمد لله رب العالمين.
стр. 4851
الدين النصحية
١٥٤١/ ١٤ - عَنْ تَمِيمٍ الدَّاريِّ ﵁ قَال: قَال ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" ثَلَاثًا. قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: "للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو تميم بن أوس بن حارثة الداري، نسبة إلى الدار، وهم بطن من لَخْمٍ، ولَخْمٌ فخذ من يعرب بن قحطان، كان يكنى أبا رقية بابنة له لم يولد له غيرها، قدم تميم وأخوه نُعيم المدينة سنة تسع فأسلما، وذكر تميم للنبي ﷺ قصة الجساسة والدجال (١)، فحدث النبي ﷺ عنه بذلك على المنبر، وعُدَّ هذا من مناقبه الشريفة ﵁، ويسمى هذا عند المحدثين: رواية الأكابر عن الأصاغر، قال ابن الأثير: (كان له هيئة ولباس)، وقال الذهبي: (كان عابدًا تلَّاءً لكتاب الله)، روى ابن سعد بإسناد صحيح أنه كان يختم القرآن في سبع، وروى له الجماعة سوى البخاري، وليس له عند مسلم سوى حديث الباب. بقي في المدينة إلى مقتل عثمان ﵁، ثم انتقل إلى الشام، ونزل بيت المقدس إلى أن مات قريبًا من سنة أربعين (٢).
стр. 4852
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الإيمان"، باب (بيان أن الدين النصيحة) (٥٥) من طريق سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن عطاء بن يزيد، عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه" … وذكر تمام الحديث.
وهذا الحديث جعله البخاري ترجمة لأحد أبواب كتاب "الإيمان" (١) تنبيهًا على صلاحيته في الجملة، ولم يخرجه في "صحيحه" لأنه اختلف فيه على سهيل بن أبي صالح، بل إن البخاري لم يحتج بسهيل أصلًا، وإنما روى له مقرونًا وتعليقًا (٢).
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (الدين النصيحة) هذا من باب الحصر غير الحقيقي (٣)؛ أي: عماد الدين ومعظمه النصيحة، وهذا فيه مدح النصيحة حتى كأنها هي الدين كله، وإن كان الدين مشتملًا على خصال كثيرة غيرها (٤)، وقيل: لا حذف بل الدين محصور فيها؛ لأن من جملتها الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما والعمل بما جاء عنهما (٥).
والنصيحة مصدر نصحت لزيد أنصح نصحًا ونصيحة، وهي مشتقة من نصح الرجل ثوبه: إذا خاطه، والنِّصَاحُ: الخيط، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسدُّه من خلل الثوب وقيل: إنها مشتقة من نصحت العسل: إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول والعمل من الغش بتخليص العسل من الخَلْط الذي فيه (٦).
стр. 4853
وأما في الاصطلاح: فهي إرادة الخير للمنصوح له (١)، وذلك بدعائه إلى ما فيه الصلاح ونهيه عما فيه الفساد. قال الخطابي: (هذه الكلمة من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام؛ فإنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تُستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، حتى يُضَمَّ إليها شيء آخر) (٢).
قوله: (ثلاثًا) هذه اللفظة ليست في "صحيح مسلم" كما تقدم في السياق، وقد جاء في "مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم": (ثلاث مرات) (٣)، وجاء عند الترمذي: ("الدين النصيحة" ثلاث مرار) (٤)، وعند أبي داود: "إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة" (٥).
قوله: (لمن يا رسول الله؟) وجه هذا السؤال أن النصيحة من باب المضاف، فلهذا استفصل الصحابة ﵃ لمن تكون النصيحة.
وقوله: (يا رسول الله) هكذا في نسخ "البلوغ" وليست في "صحيح مسلم" كما تقدم.
قوله: (لله) أي: بالإيمان به وتوحيده في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته وإخلاص الدين له، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، والاعتراف بنعمه وشكره عليها قولًا وفعلًا واعتقادًا.
قوله: (ولكتابه) وذلك بالإيمان بأنه منزل من عند الله، وأنه كلامه لا يشبه شيئًا من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد منهم، ثم تعظيمه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف عند أوامره ونواهيه، وتفهم معانيه، والذَّبُّ عنه في تأويل المحرّفين له، وطعن الطاعنين عليه.
قوله: (ولرسوله) وذلك بالإيمان برسالته، وتصديقه فيما جاء به من عند الله، ومحبته، واتباعه، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته، ونشر رسالته، ونفي التهمة عن جميع ما قاله ونطق به.
стр. 4854
قوله: (ولأئمة المسلمين) الأئمة جمع إمام، والإمامة قسمان: إمامة الدين، وإمامة السلطة، فالإمامة في الدين هي بيد العلماء، والإمامة في السلطة هي بيد ولاة الأمور (١).
فالنصيحة للعلماء هي أخذ العلم عنهم ومعرفة قدرهم وفضلهم ومكانتهم في المجتمع وتنبيههم إذا وقعوا في خطأ بالحكمة والأسلوب الحسن، ومن النصح لهم أن يدافع الإنسان عن أعراضهم، وألا يتتبع زلاتهم وسقطاتهم فهم غير معصومين.
وأما النصيحة لولاة الأمور فهي السمع والطاعة لهم بالمعروف، ومعاونتهم على الحق وأمرهم به، وعدم الخروج عليهم، وإعلامهم بما غفلوا عنه برفق ولطف، وأن يكف عن مساويهم، وألا يُغَرُّوا بالثناء الكاذب عليهم، ويدعى لهم بظهر الغيب بالصلاح والتوفيق والهداية.
قوله: (وعامتهم) أي: عامة المسلمين، وهم من لم يكن أميرًا ولا عالمًا، ولم يعد اللام مرة أخرى لكونهم تبعًا لأئمتهم لا استقلال لهم، ومعنى نصيحتهم: محبة الخير لهم، وإرشادهم إلى ما يصلح دينهم ودنياهم بتعليم جاهلهم، وإرشاد ضالهم، وإعانتهم، وتَخَوُّلُهم بالموعظة الحسنة، والإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم.
° الوجه الرابع: في هذا الحديث بيان فضل النصيحة وأن الدين كله نصيحة؛ لأن النصيحة هي أساس الدين وعماده، وهي من أعظم مكارم الأخلاق، ومن أعظم خصال المؤمن، ومن الدلائل على صفاء قلبه، ومحبته الخير لإخوانه المسلمين، وببذل النصيحة تصلح المجتمعات، وتصلح الأسر، ويصلح الأفراد، وبالغفلة عنها والتساهل فيها تكثر الشرور ويعم الفساد.
وقد عد العلماء هذا الحديث من ركائز الإسلام ومبانيه العظام، قال ابن حجر: (هذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها: إنها أحد أرباع الدين) (٢)،
стр. 4855
وقال النووي: (وأما ما قاله جماعات العلماء أنه أحد أرباع الإسلام؛ أي: أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام فليس كما قالوا، بل المدار على هذا وحده) (١) يريد بذلك أن عماد الدين وقوامه هو النصيحة كما تقدم.
° الوجه الخامس: في الحديث بيانٌ لمن تكون النصيحة وبيانٌ لمراتبهم، وكون النصيحة بأنواعها الخمسة من الدين يضفي عليها ثوب العبادة، فيتقرب بها المسلم إلى الله تعالى مع الإخلاص وسلوك الأساليب المناسبة لكل مقام.
قال ابن بطال: (النصيحة فرض يجزئ فيه من قام به، ويسقط عن الباقين، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، وأما إن خشي الأذى فهو في سعة فيها) (٢).
° الوجه السادس: للنصيحة شروط تستفاد من عمومات الأدلة ومقاصد الشريعة، ينبغي مراعاتها، ليتحقق الغرض المقصود، ويستفيد الناصح والمنصوح، وأهم هذه الشروط:
١ - الإخلاص لله تعالى، وذلك بأن يكون القصد من النصيحة نفع المنصوح، وحثه على الخير وتحذيره من ضده، ومن علامة الإخلاص حرص الناصح على هداية المنصوح وإصلاحه، وترك المحاباة والمجاملة في النصيحة، وذلك بإهمال النصيحة أو التراخي فيها لقرابة أو صداقة أو نحو ذلك.
٢ - أن يكون الناصح عاملًا بما يقول، بأن يكون ملتزمًا بما ينصح به، لا يخالف قوله فعله؛ لأن من الممقوت شرعًا وعقلًا أن ينصح الإنسان عن شيء هو واقع فيه، وقد ذم الله تعالى هذا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
стр. 4856
٣ - الرفق في النصيحة، إذ لا يتصور نصح بلا رفق، وذلك بتلطيف العبارة وحسن الأسلوب، مع حسن خلق وبشاشة وجه، واحترام للشخص المنصوح، وعلى الناصح أن يتصف بالحلم ويتحلى بالصبر إن سَفِهَ عليه المنصوح أو عابه أو شتمه.
٤ - أن تكون النصيحة مبنية على علم وإدراك لمقاصد الشريعة والتيسير على الناس وترك التشدد ومراعاة أحوال الناس في حدود النصوص الشرعية؛ لأن النصيحة إما أمر بمعروف ودعوة إلى خير، أو نهي عن منكر وتحذير عن شر، ويدل على هذا عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
٥ - أن تكون النصيحة سرًّا بين الناصح والمنصوح، فلا ينصحه على ملأ من الناس؛ لأن الناصح لا يقصد إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها.
٦ - مراعاة الوقت المناسب والمكان الملائم للنصيحة وحال الشخص المنصوح ومعرفة منازل الناس وأقدارهم.
٧ - التثبت قبل النصيحة، وذلك بأن يكون الناصح متثبتًا من كون المنصوح بحاجة إلى النصح، فقد يكون بريئًا مما قيل عنه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (١) [الإسراء: ٣٦].
° الوجه السابع: للنصيحة فوائد عظيمة:
منها: أنَّ الدين لا يتم إلا بها، بل هي الدين كما ذكره ﷺ .
ومنها: أن النصيحة وظيفة شريفة، فإن عمل الناصح لله ولرسوله ولكتابه وللخلق واستعداده وتهيئته للنصيحة من أكبر الأعمال المقربة إلى رب العالمين،
стр. 4857
فما تقرّب أحد إلى الله بمثل توطين النفس على النصيحة الشرعية المذكورة، فالناصح في عبادة مستمرة إن قام أو قعد، أو عمل، أو ترك العمل.
ومنها: أن من عجز عن العمل الديني إذا كان ناصحًا لله ولرسوله، ناويًا الخير إذا تيسر له، فإنَّه لا حرج عليه، ويشارك العاملين في عملهم، فإنَّما الأعمال بالنيات.
ومنها: أنَّ الله ييسر للناصح الصادق أمورًا لا تخطر له على بال، وأنَّ الساعي في نفع المسلمين إذا كان قصده النصيحة، فإنَّه يفلح وينجح، فإنْ تم ما سعى له فعلًا وهو الغالب وإلا تمَّ أجرُهُ، فمن عجز عن بعض عمل قد شرع فيه تُمّم له ذلك العمل. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
ومنها: السلامة من الغش، فإن من غشّ المسلمين في دينهم ودنياهم فليس منهم، والغش من أشنع الخصال القبيحة في حق القريب والبعيد، والمخالف والموافق (١).
° الوجه الثامن: الحديث دليل على حرص الصحابة ﵁ على تعلم أمور الدين؛ لأنهم سألوا النبي ﷺ لمن تكون النصيحة؟.
° الوجه التاسع: في الحديث دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأن الرسول ﷺ لم يبين مواضع النصيحة حتى سأل الصحابة ﵃ النبي ﷺ لمن تكون النصيحة؟.
° الوجه العاشر: في الحديث دليل على أن للعالم أن يكل فهم ما يلقيه من العلم للسامع، فلا يزيد له في البداية حتى يسأله، لتتشوَّفَ نفسه حينئذٍ إليه، فيكون أوقع في النفس وأرسخ في الذهن مما لو فهمه من أول وهلة، وفيه أنه ينبغي للمتعلم مراجعة مُعلِّمِهِ عند الإبهام والالتباس وألا يستحيي من ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 4858
ما جاء في أن التقوى وحسن الخلق من أسباب دخول الجنة
١٥٤٢/ ١٥ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحاكِمُ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "البر والصلة"، باب (ما جاء في حسن الخلق) (٢٠٠٤)، وابن ماجه (٤٢٤٦)، والحاكم (٤/ ٣٢٤) من طريق عبد الله بن إدريس قال: حدثني أبي، عن جدي، عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق"، وسئل عن أكثر ما يدخل النار، فقال: "الفم والفرج".
قال الترمذي: (هذا حديث صحيح غريب)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي.
وعبد الله بن إدريس ثقة فقيه عابد -كما في "التقريب"- ووالده إدريس ثقة -كما في "التقريب"- أيضًا، وأما جده وهو يزيد بن عبد الرحمن الأودي، فإنه لم يوثقه إلا العجلي (١)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢)، وقال الذهبي: (وُثِّقَ) (٣)، وقال الحافظ في "التقريب": (مقبول).
стр. 4859
° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل تقوى الله تعالى، وأنها سبب دخول الجنة، والتقوى وصية الله تعالى لجميع خلقه، ووصية النبي ﷺ لأمته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّينَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقال النبي ﷺ : "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (١) بل هي دعوة الأنبياء، فكل نبي يقول لقومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٦]، وهي شعار الأولياء ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
وقد ذكر الله تعالى التقوى في آيات كثيرة جدًّا، جَلَّى فيها صفات أهلها، وأشاد بذكرهم، وبين ما عُلِّق على التقوى من خير، وما وُعِدَ عليها من ثواب، وما ارتبط بها من بشارات.
ولهذا كان السلف الصالح يتواصون بالتقوى، ويوضحون معالمها، فعن عاصم الأحول قال: لقي بكر بن عبد الله طلق بن حبيب، فقال له بكر: صف لنا من التقوى شيئًا يسيرًا نحفظه، فقال: (اعمل بطاعة الله، على نور من الله ترجو ثواب الله، والتقوى: ترك المعاصي على نور من الله، مخافة عقاب الله) (٢). وهذا من أحسن ما عرفت به التقوى.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: (أوصيك بتقوى الله: الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل) (٣).
وقال له رجل أوصني، قال: (أوصيك بتقوى الله وإيثاره تَخِفُّ عليك المؤونة، وتحسن لك من الله المعونة) (٤) فعلى المسلم أن يحرص على تحقيق
стр. 4860
هذه الخصلة العظيمة، وأن يتزود بها، فهي خير حلية، وهي خير زاد، فيتقي الله تعالى في نفسه، ويتقيه في أهله، ويتقيه في الناس أجمعين.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل حسن الخلق، وذلك بحسن المعاملة مع الخلق بالأقوال الطيبة والأفعال الحميدة ولين الجانب، وأن ذلك من أعظم أسباب دخول الجنة.
قال بعض العلماء: (إن الأخلاق الصالحة ثمرة العقول الراجحة، فمن لقي الناس بالإحسان، وعاملهم بالأخلاق الحسان، فهو الذي يَخِفُّ عليهم جانبه، وتُحمد أنحاؤه ومذاهبه، ولن يَعْدَمَ منهم حسن الثناء، ومن الله جزيل الجزاء) (١).
وقد ذكر الحافظ ابن رجب أن الخلق الحسن والمعاملة الطيبة من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أُفرد بالذكر للحاجة إلى بيانه؛ لأن كثيرًا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحقوق الله تعالى، دون حقوق عباده، ثم قال ﵀: (كثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته، إهمال حقوق العباد بالكلية أو التقصير فيها، والجمعُ بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جدًّا، لا يقوى عليه إلا الكُمَّل من الأنبياء والصديقين) (٢).
وبقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: (حسن الخلق وسوء الخلق: يكون مع الله ومع خلقه، فحسن الخلق مع الله القيام بعبوديته ظاهرًا وباطنًا مع قوة محبته والطمأنينة إليه واللهج بذكره وقوة الثقة به، ومع الخلق بذل الإحسان لهم ومنع الأذى عنهم واحتمال الأذى منهم، وسوء الخلق بعكس ذلك كله) (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4861
الحث على بسط الوجه وحسن الخلق مع الناس
١٥٤٣/ ١٦ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ". أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلى، وَصَحَّحَهُ الْحَاكمُ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه ابن أبي شيبة (٨/ ٣٣١ - ٣٣٢) في كتاب "الأدب" باب (ما ذكر في حسن الخلق وكراهية الفحش)، وأبو يعلى (٦/ ٨٧) من طريق عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه".
ورواه البزار (٢/ ١٩٢) "مختصر زوائده"، والحاكم (١/ ١٢٤) من طريق عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق".
وبهذا يتبين أن لفظ "البلوغ" هو لفظ البزار والحاكم، لا لفظ أبي يعلى.
وهذا الحديث سنده ضعيف جدًّا، من أجل عبد الله بن سعيد المقبري، قال البخاري: (لم يَصِحَّ حديث عبد الله)، وقال -أيضًا-: (قال يحيى القطان: استبان لي كذبه في مجلس)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال الدارقطني: (ضعيف الحديث)، وفي موضع آخر: (ضعيف ذاهب) (١)، وقال
стр. 4862
الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد) فتعقبه الذهبي بقوله: (عبد الله واهٍ).
وقد تابع عبدَ الله بنَ سعيدٍ عبدُ الله بن إدريس الأودي، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
أخرجه البزار في "مسنده" (١٧/ ٩٩)، وابن أبي الدنيا في "التواضع والخمول" (١٩٠) من طريق أسود بن سالم، ثنا عبد الله بن إدريس، به.
قال البزار: (لا نعلم رواه عن ابن إدريس إلا أسود بن سالم، وكان ثقة بغداديًّا).
وجد عبد الله بن إدريس هو يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي، وقد تقدم أنه لم يوثقه إلا العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وبقية رجال الإسناد ثقات، وذكره الحافظ في "الفتح" وقال: (سنده حسن) (١).
ورواه البزار (١٦/ ١٩٣) من طريق طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
وقال البزار: (طلحة لين الحديث)، وقال أحمد والنسائي: (متروك الحديث) (٢).
والحديث له شواهد تؤيد معناه، أما سنده فكما علمت، ومن شواهده حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْقٍ" وتقدم في باب "البر والصلة".
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إنكم لا تسعون الناس بأموالكم) ماضيه وَسِعَ يَسَعَ بفتح السين في المضارع، يقال: وسع الإناءُ المتاع؛ أي: استوعبه؛ والمعنى: أنه لا يتم لكم شمول الناس واستيعابهم بإعطاء المال، لكثرة الناس وقلة المال.
قوله: (ولكن لِيَسَعْهم منكم بسط الوجه) اللام مكسورة وهي لام
стр. 4863
الأمر، والفعل بعدها مفتوح السين ساكن العين؛ والمعنى: ولكن ليشملهم ويعمهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق، وعطف حسن الخلق على بسط الوجه من عطف العام على الخاص؛ لأن بسط الوجه من حسن الخلق، قال عبد الله بن المبارك في وصف حسن الخلق: (هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكفُّ الأذى) (١).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل بسط الوجه وطلاقته وبشاشته عند اللقاء وفضل حسن الخلق وحسن المعاشرة ومعاملة الناس بالكلام الطيب والفعل الحسن، وهذا في مقدور كل إنسان، وهو الذي يجلب المحبة ويديم الألفة بين أفراد المجتمع. والله تعالى أعلم.
стр. 4864
المؤمن مرآة أخيه
١٥٤٤/ ١٧ - وَعَنْهُ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُؤمِنُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ" أَخْرجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الأدب"، بابٌ (في النصيحة والحياطة) (٤٩١٨)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٢٣٩)، والبيهقي (١/ ١٦٧) من طريق كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه".
وهذا الحديث حسنه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (١) والحافظ ابن حجر هنا.
وفي سنده كثير بن زيد الأسلمي، وهو متكلم فيه، فقد قواه الإمام أحمد وابن معين، وضعفه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي (٢)، وقال الحافظ: (صدوق يخطئ).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (مرآة) بكسر الميم ومد الهمزة؛ أي: آلة لإرآءة محاسن أخيه ومعايبه، وهذا من التشبيه البليغ الذي حذفت منه الأداة ووجه الشبه؛ أي: المؤمن لأخيه المؤمن كالمرآة، بجامع رؤية المحاسن والمعائب، فإذا كانت
стр. 4865
المرآة يرتسم فيها ما هو مختفٍ عن صاحبه فيراه فيها، فكذا المؤمن يرشد أخاه إلى محاسن الأخلاق فيفعلها، وإلى مساوئ الأخلاق فيجتنبها.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على موقف المؤمن من أخيه وبيان مسؤوليته تجاهه وأن المؤمن إنما يعلم عيب نفسه بإعلام أخيه له، كما يعلم خلل وجهه بالنظر في المرآة، وهذا يفيد وجوب النصح للمؤمن وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإذا اطلع على شيء من عيوب أخيه وأخطائه نبهه عليها وأرشده إلى إصلاحها، لكن بينه وبينه؛ لأن النصيحة في الملأ فضيحة (١).
وقد تقدم قول الفضيل بن عياض: (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعيِّر)، وقال مسعر بن كدام: (رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي في سرٍّ بيني وبينه؛ فإن النصيحة في الملأ تقريع) (٢)، فعلامة النصح الستر، وعلامة التعيير الإعلان. والله تعالى أعلم.
стр. 4866
فضل المخالطة وترك العزلة
١٥٤٥/ ١٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ. وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابيَّ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه ابن ماجه في كتاب "الفتن"، باب (الصبر على البلاء) (٤٠٣٢) قال: حدثنا علي بن ميمون الرقي، ثنا عبد الواحد بن صالح، ثنا إسحاق بن يوسف، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن الذي يخالط الناس وبصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس. . ." الحديث.
وهذا سند ضعيف، فيه عبد الواحد بن صالح، وهو لا يعرف إلا في هذا الإسناد بهذا الحديث، وقد ذكر الذهبي أنه تفرد بالرواية عنه علي بن ميمون، وقال: (أتى بما لا يتابع عليه عن الثقات) (١). وقال الحافظ في "التقريب": (مجهول).
وقد حسن الحافظ إسناده -هنا- وفي "الفتح" أيضًا" مع أنه قال عن عبد الواحد: إنه مجهول! (٢).
стр. 4867
وقد رواه الترمذي (٢٥٠٧)، وأحمد (٩/ ٦٤) من طريق شعبة، عن سليمان الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ أُراه عن النبي ﷺ قال: "المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس. . ." الحديث.
قال الترمذي: (قال ابن عدي -أحد شيوخ الترمذي فيه-: كان شعبة يرى أنه ابن عمر)، وقد مرَّ في إسناد ابن ماجه التصريح بذلك.
ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٣٨٨) من طريق آدم قال: حدثنا شعبة به، إلا أنه قال: عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، وهذا سند صحيح، والشك فيمن روي عنه هذا الحديث من الصحابة لا يضر، فإنهم كلهم عدول، على أنه قد ورد في بعض المصادر بلا شك (١)، وسليمان الأعمش مدلس، لكنه صرح بالسماع من يحيى بن وثاب عند الإمام أحمد في "المسند"، وعند أبي داود الطيالسي (٣/ ٣٩٩) وغيرهما.
وبهذا يتبين أن لفظ "البلوغ" هو لفظ البخاري في "الأدب المفرد" وليس لفظ ابن ماجه.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل مخالطة الناس والاجتماع بهم وأن المؤمن الذي يداخل الناس ويجتمع بهم ويصبر على ما يصيبه من الأذى بسبب نصحهم وتوجيههم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس بل ينفرد عن مجالستهم وينزوي عنهم؛ لأنه لا يصبر على أذاهم.
وقد اختلف العلماء في العزلة والمخالطة أيهما أفضل للمؤمن على قولين:
الأول: استحباب العزلة، وهذا رأي سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن
стр. 4868
زيد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض وآخرين.
واستدلوا بالنصوص التي جاء فيها ذكر العزلة والبعد عن الناس، كقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨]، وبما ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ الناس خير؟ قال: "رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شِعْبٍ يعبد ربه ويدع الناس من شره" (١).
كما استدلوا بأن العزلة فيها مصالح من التفرغ للعبادة، والسلامة من المعاصي الحاصلة بالمخالطة؛ كالرياء والغيبة والنميمة والتساهل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتضييع الأوقات، وفضول الكلام.
والقول الثاني: استحباب المخالطة وترك العزلة، وهذا رأي سعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وسفيان بن عيينة وغيرهم (٢).
واستدلوا بأن الله تعالى أمر بالاجتماع وحث عليه، ونهى عن التفرق، فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وبحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سره بُحبُوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد" (٣).
والذي يظهر -والله أعلم- أنه لا بد من التفصيل، وهو أن الإنسان إذا خاف على دينه بكثرة الشرور وانتشار الفتن وضَعُفَ عن الإنكار فالعزلة أفضل، وإلا فالأصل هو مخالطة الناس والصبر على أذاهم، ولا سيما فيمن يأمر
стр. 4869
بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبين للناس أحكام دينهم، وهو من يكون له أثر في مجتمعه باحترامه وسماع كلمته وقبول نصحه، وإلا لو اعتزل الدعاة والمصلحون لانتشر الفساد وقوي أنصاره، ولَمَا وَجدْتَ للحق ناصرًا ولا لأهله معينًا، يقول محمد بن واسع: (لم يبق من العيش إلا ثلاث: الصلاة في الجماعة، ترزق فضلها، وتُكفى سهوها، وكفاف من معاش ليست لأحد من الناس فيه مِنَّة، ولا لله عليك فيه تبعة، وأخ محسن العشرة، إن زِغْتَ قوَّمك) (١).
وقد بيَّن الإمام الخطابي ضابط العزلة؛ وكأنه لا يراها بصفة دائمة، وإنما قصده الإقلال من المخالطة، وقد ذكر قول الإمام الشافعي لصاحبه: (يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط) (٢)، ثم قال الخطابي: (إن العزلة يجب أن تكون تابعة للحاجة، وجارية مع المصلحة) (٣)، وقال -أيضًا-: (ولسنا نريد -رحمك الله- بهذه العزلة التي نختارها مفارقةَ الناس في الجماعات والجمعات، وتركَ حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام، وردّ التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سُبُلها، ما لم يحل دونها حائلُ شُغلٍ، ولا يمنع عنها مانع عذر، إنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة، ونبذ الزيادة منها، وحطَّ العِلاوة التي لا حاجة بك إليها، فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم على ما يدعو إليه شَغَفُ النفوس، وإلفُ العادات، وترك الاقتصاد فيها، والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه، كان جديرًا ألا يحمد غِبَّه، وأن يستوخم عاقبته، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته، فإن ذلك لا يُلْبِثُه أن يقع في أمراض مُدنِفَةٍ، وأسقام متلفة، وليس من علم كمن
стр. 4870
جهل، ولا من جرب وامتحن كمن بَادَهَ وخاطر. ولله درُّ أبي الدرداء حين يقول: "وجدت الناس أُخْبُرْ تَقْلِهْ") (١). والله تعالى أعلم.