فضل المخالطة وترك العزلة
١٥٤٥/ ١٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ. وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابيَّ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه ابن ماجه في كتاب "الفتن"، باب (الصبر على البلاء) (٤٠٣٢) قال: حدثنا علي بن ميمون الرقي، ثنا عبد الواحد بن صالح، ثنا إسحاق بن يوسف، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن الذي يخالط الناس وبصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس. . ." الحديث.
وهذا سند ضعيف، فيه عبد الواحد بن صالح، وهو لا يعرف إلا في هذا الإسناد بهذا الحديث، وقد ذكر الذهبي أنه تفرد بالرواية عنه علي بن ميمون، وقال: (أتى بما لا يتابع عليه عن الثقات) (١). وقال الحافظ في "التقريب": (مجهول).
وقد حسن الحافظ إسناده -هنا- وفي "الفتح" أيضًا" مع أنه قال عن عبد الواحد: إنه مجهول! (٢).
стр. 4867
وقد رواه الترمذي (٢٥٠٧)، وأحمد (٩/ ٦٤) من طريق شعبة، عن سليمان الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ أُراه عن النبي ﷺ قال: "المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس. . ." الحديث.
قال الترمذي: (قال ابن عدي -أحد شيوخ الترمذي فيه-: كان شعبة يرى أنه ابن عمر)، وقد مرَّ في إسناد ابن ماجه التصريح بذلك.
ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٣٨٨) من طريق آدم قال: حدثنا شعبة به، إلا أنه قال: عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، وهذا سند صحيح، والشك فيمن روي عنه هذا الحديث من الصحابة لا يضر، فإنهم كلهم عدول، على أنه قد ورد في بعض المصادر بلا شك (١)، وسليمان الأعمش مدلس، لكنه صرح بالسماع من يحيى بن وثاب عند الإمام أحمد في "المسند"، وعند أبي داود الطيالسي (٣/ ٣٩٩) وغيرهما.
وبهذا يتبين أن لفظ "البلوغ" هو لفظ البخاري في "الأدب المفرد" وليس لفظ ابن ماجه.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل مخالطة الناس والاجتماع بهم وأن المؤمن الذي يداخل الناس ويجتمع بهم ويصبر على ما يصيبه من الأذى بسبب نصحهم وتوجيههم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس بل ينفرد عن مجالستهم وينزوي عنهم؛ لأنه لا يصبر على أذاهم.
وقد اختلف العلماء في العزلة والمخالطة أيهما أفضل للمؤمن على قولين:
الأول: استحباب العزلة، وهذا رأي سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن
стр. 4868
زيد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض وآخرين.
واستدلوا بالنصوص التي جاء فيها ذكر العزلة والبعد عن الناس، كقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨]، وبما ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ الناس خير؟ قال: "رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شِعْبٍ يعبد ربه ويدع الناس من شره" (١).
كما استدلوا بأن العزلة فيها مصالح من التفرغ للعبادة، والسلامة من المعاصي الحاصلة بالمخالطة؛ كالرياء والغيبة والنميمة والتساهل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتضييع الأوقات، وفضول الكلام.
والقول الثاني: استحباب المخالطة وترك العزلة، وهذا رأي سعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وسفيان بن عيينة وغيرهم (٢).
واستدلوا بأن الله تعالى أمر بالاجتماع وحث عليه، ونهى عن التفرق، فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وبحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سره بُحبُوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد" (٣).
والذي يظهر -والله أعلم- أنه لا بد من التفصيل، وهو أن الإنسان إذا خاف على دينه بكثرة الشرور وانتشار الفتن وضَعُفَ عن الإنكار فالعزلة أفضل، وإلا فالأصل هو مخالطة الناس والصبر على أذاهم، ولا سيما فيمن يأمر
стр. 4869
بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبين للناس أحكام دينهم، وهو من يكون له أثر في مجتمعه باحترامه وسماع كلمته وقبول نصحه، وإلا لو اعتزل الدعاة والمصلحون لانتشر الفساد وقوي أنصاره، ولَمَا وَجدْتَ للحق ناصرًا ولا لأهله معينًا، يقول محمد بن واسع: (لم يبق من العيش إلا ثلاث: الصلاة في الجماعة، ترزق فضلها، وتُكفى سهوها، وكفاف من معاش ليست لأحد من الناس فيه مِنَّة، ولا لله عليك فيه تبعة، وأخ محسن العشرة، إن زِغْتَ قوَّمك) (١).
وقد بيَّن الإمام الخطابي ضابط العزلة؛ وكأنه لا يراها بصفة دائمة، وإنما قصده الإقلال من المخالطة، وقد ذكر قول الإمام الشافعي لصاحبه: (يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط) (٢)، ثم قال الخطابي: (إن العزلة يجب أن تكون تابعة للحاجة، وجارية مع المصلحة) (٣)، وقال -أيضًا-: (ولسنا نريد -رحمك الله- بهذه العزلة التي نختارها مفارقةَ الناس في الجماعات والجمعات، وتركَ حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام، وردّ التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سُبُلها، ما لم يحل دونها حائلُ شُغلٍ، ولا يمنع عنها مانع عذر، إنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة، ونبذ الزيادة منها، وحطَّ العِلاوة التي لا حاجة بك إليها، فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم على ما يدعو إليه شَغَفُ النفوس، وإلفُ العادات، وترك الاقتصاد فيها، والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه، كان جديرًا ألا يحمد غِبَّه، وأن يستوخم عاقبته، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته، فإن ذلك لا يُلْبِثُه أن يقع في أمراض مُدنِفَةٍ، وأسقام متلفة، وليس من علم كمن
стр. 4870
جهل، ولا من جرب وامتحن كمن بَادَهَ وخاطر. ولله درُّ أبي الدرداء حين يقول: "وجدت الناس أُخْبُرْ تَقْلِهْ") (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4871
ما جاء في الدعاء بحسن الخلق
١٥٤٦/ ١٩ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَحَسِّنْ خُلُقِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٦/ ٣٧٣) من طريق محاضر بن المورِّع، وابن حبان (٣/ ٢٣٩) من طريق محمد بن فضيل، كلاهما عن عاصم الأحول، عن عوسجة بن الرَّمَّاح، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم أحسنت خلقي، فأحسن خلقي"، هذا لفظ أحمد، ولفظ ابن حبان: "اللهم حَسَّنْتَ خلقي، فَحَسِّنْ خلقي".
وهذا الإسناد فيه محاضر بن المورع متكلم فيه، فقد قال النسائي: (ليس به بأس، وقال أبو زرعة: (صدوق)، وقال أحمد: (لم يكن من أصحاب الحديث، كان مغفلًا جدًّا)، وقال أبو حاتم: (ليس بالمتين) (١).
وفيه عوسجة بن الرماح، وثقه ابن معين، وروى له النسائي في "عمل اليوم والليلة"، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢)، وقال الدارقطني: (شبه مجهول، لا يروي عنه غير عاصم، لا يحتج به، لكن يعتبر به) (٣).
стр. 4872
وللحديث شاهد من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أحسنت خَلْقي فأحسن خُلُقِي".
رواه أحمد (٤٠/ ٤٥٧) من طريق عاصم بن سليمان، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة ﵂، وهو حديث صحيح، لكن فيه اختلاف على عاصم بن سليمان وهو الأحول، ومن صور هذا الاختلاف روايته السابقة.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (اللهم أحسنت) في بعض نسخ البلوغ: "اللهم كما أحسنت. ." وهي ليست في المصادر المذكورة، ولا في المخطوطة التي سبق وصفها (١)، وإنما هي في "مسند الطيالسي" (٢) فيما وقفت عليه.
قوله: (خَلْقي) بفتح الخاء وسكون اللام هي صورة الإنسان الظاهرة.
قوله: (خُلُقي) بضمتين، هي الصورة الباطنة في النفس التي تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الدعاء بحسن الخُلق؛ لأن حسن الخُلق من أعظم خصال المؤمن، ومن أكبر أسباب سعادته في الدنيا وفلاحه في الآخرة، وأن العبد يتوسل إلى الله تعالى الذي أحسن صورته الظاهرة وجملها وكملها أن يحسن صورته الباطنة، وأن يهديه لمكارم الأخلاق وجميل الصفات.
وهذا الدعاء منه ﷺ فيه الاعتراف بنعمة ربه عليه، وطلب استمرار ودوام هذه النعمة، وفيه تعليم للأمة، وإلا فهو ﷺ أشرف العباد خَلْقًا وخُلُقًا، يقول البراء بن عازب ﵁: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا وأحسنه خُلُقًا (٣)، وليس بالطويل البائن ولا بالقصير) (٤).
وقد تقدم في "صفة الصلاة"، حديث علي ﵁ الطويل في دعاء
стр. 4873
الرسول ﷺ في أول صلاته: ". . . واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. . ." (١).
وينبغي للمؤمن إذا صار عنده شيء من سوء الخلق وسوء التعامل مع أهله وأولاده أو أفراد مجتمعه أن يضرع إلى الله تعالى ويسأله أن يهديه لأحسن الأخلاق، ثم عليه أن يجاهد نفسه ويعودها الخير؛ لأن الخلق يكتسب بالمجاهدة ورياضة النفس.
واعلم أن الفقهاء يذكرون هذا الحديث في كتاب الطهارة عند الكلام على سنن الوضوء، ومنها: استحباب النظر في المرآة وقول ما ورد، يريدون بالقول هذا الحديث (٢)، مع أن الحديث ليس مقيدًا بوقت النظر في المرآة، نعم ورد ذلك في بعض طرقه، ولكنه لا يصح من ذلك شيء (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4874
باب الذكر والدعاء
الذكر مصدر ذَكَرَ ذِكْرًا، وهو ما يجري على اللسان والقلب من تسبيح الله وتحميده والثناء عليه بالألفاظ التي ورد عن الشارع الترغيب في قولها والإكثار منها، كما سيأتي في هذا الباب.
والذكر يكون بالقلب، وذلك بتعظيم الله تعالى ومحبته، والشوق إليه، وخوفه، ورجائه، ومعرفة حقه على عبده، ويكون باللسان بالنطق بالأذكار المشروعة، ويكون بالقلب واللسان وهذا أفضل؛ لأنه عمل جارحة اللسان مع حضور الجنان في ذكر الرحمن (١)، يقول ابن القيم: (أفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده) (٢).
ويكون الذكر -أيضًا- بالجوارح وذلك بأن تصير مستغرقة في الطاعات، ولهذا سمى الله الصلاة ذكرًا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] لكن يطلق عرفًا على التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل (٣).
والذكر مع عظم فضله وجزيل أجره وكثرة فوائده هو من أيسر العبادات، فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها (٤).
وأما الدعاء فهو مصدر دعا يدعو دعاءً ودعوًا: إذا نادى، والاسم: الدعوة.
стр. 4875
وشرعًا: الالتجاء إلى الله تعالى بطلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه (١).
والدعاء نوعان:
١ - دعاء عبادة.
٢ - دعاء مسألة.
فدعاء العبادة: شامل لجميع أنواع العبادة من صلاة وصوم وحج وتلاوة وذكر؛ لأن العابد يقصد بعبادته من صلاته وصومه وحجه رضا ربه ونيل ثوابه والسلامة من عقابه، وهذا دعاء، ودعاء العبادة يتضمن الثناء على الله بما هو أهله، ويكون مصحوبًا بالخوف والرجاء.
وأما دعاء المسألة فهو طلب الداعى من ربه ما ينفعه أو كشف ما يضره أو دفعه.
وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة؛ لأن دعاء المسألة -كما تقدم- هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه، ومن يملك الضر والنفع، فإنه هو المعبود حقًّا، والمعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضُّر (٢).
وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، قال ابن القيم: (لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ولهذا أَمَرَ بإخفائه وإسراره) (٣).
стр. 4876
ما جاء في فضل الذكر
١٥٤٧/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعَالى: أنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكرنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه ابن ماجه في كتاب "الأدب"، باب (فضل الذكر) (٣٧٩٢) من طريق محمد بن مصعب، وأحمد (١٦/ ٥٦٨) من طريق محمد بن مصعب، وأبو المغيرة، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن الله يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه"، هذا لفظ ابن ماجه وأحمد.
وهذا الإسناد فيه محمد بن مصعب القرقساني، متكلم فيه، فقد ضعفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم، قال البخاري: (كان ابن معين سيئ الرأي فيه)، وقال أبو داود سمعت أحمد يقول: (حديثه عن الأوزاعي مقارب، وأما عن حماد بن سلمة ففيه تخليط، قلت لأحمد: تحدث عنه؟ قال: نعم)، وقال في موضع آخر: (لا بأس به). وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق كثير الغلط)، وأبو المغيرة -وهو عبد القدوس بن الحجاج- ثقة (١).
ورواه أحمد (١٦/ ٥٧١)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٤٠٦) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ورواه البيهقي -أيضًا- (٢/ ٤٠٥) من طريق
стр. 4877
ربيعة بن يزيد، كلاهما عن إسماعيل، عن كريمة، قالت سمعت أبا هريرة. . .
ورواه ابن حبان (٣/ ٩٧) من طريق أيوب بن سويد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن كريمة بنت الحسحاس قالت: سمعت أبا هريرة في بيت أم الدرداء يحدث عن النبي ﷺ قال: "قال الله ﵎: أنا مع عبدي ما ذكرني. . ." الحديث، وهو لفظ "البلوغ".
وهذا سند لا بأس به، أيوب بن سويد، صدوق يخطئ، وكريمة بنت الحسحاس ثقة، ولما ذكر الدارقطني الاختلاف في هذا الحديث عن إسماعيل بن عبيد الله ذكر أن روايته عن إسماعيل، عن كريمة، عن أبي هريرة هي الصواب (١)، قال البيهقي: (هكذا روياه -أي: ابن جابر وربيعة بن يزيد- عن إسماعيل، ورواه الأوزاعي عن إسماعيل، عن أم الدرداء، عن أبي هريرة موقوفًا مرة، ومرة مرفوعًا، وروايتهما أصح من رواية الأوزاعي) (٢).
وهذا الحديث علقه البخاري في كتاب "التوحيد"، باب (قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] (٣).
وقد جاء هذا المعنى من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. . ." الحديث، رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، ولا أدري لماذا عدل عنه الحافظ إلى الحديث المذكور؟ ولو أشار إليه كما هي عادته في مثل هذا، لكان أولى.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أنا مع عبدي) المراد: المعية الخاصة وهي معية الإعانة والهداية والتوفيق المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]،
стр. 4878
وعلامتها: أن تأتي في سياق المدح أو الثناء، فإن جاءت في سياق المحاسبة والمجازاة فهي عامة، وهي معية العلم والإحاطة؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] (١).
قوله: (ما ذكرني) ما: مصدرية ظرفية تؤول وما بعدها بالظرف والمصدر؛ أي: مدة ذكره إياي، وفي الرواية الأخرى: "إذا هو ذكرني".
قوله: (وتحركت بي شفتاه) مثنى شفة وهي معروفة، ولا تكون الشفة إلا للإنسان، وأصلها شَفَهَة بدليل جمعها على شفاه، ولامها محذوفة، والهاء عوض عنها (٢).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الاشتغال بذكر الله تعالى، وأن ذكره سبب فوز العبد بمعية الله له وتوفيقه وإعانته، وسماع كلامه وإثابته وإجابة دعائه، وهذه المعية لا تخالف علوه واستواءه على عرشه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] فإن الله تعالى معنا حقيقة، وهو مستو على عرشه فوق خلقه حقيقة. والله تعالى أعلم.
стр. 4879
ما جاء في أن الذكر نجاة من عذاب الله
١٥٤٨/ ٢ - عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ؛ مِنْ ذِكْرِ اللهِ". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ بإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" في كتاب "الدعاء"، بابٌ (في ثواب ذكر الله (١٠/ ٣٠٠)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٦٦) من طريق أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما عمل ابن آدم عملًا أنجى له من النار من ذكر الله" قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثلاث مرات".
وهذا سند ضعيف؛ لأن فيه انقطاعًا، فإن طاوسًا لم يسمع من معاذ ﵁، كما قال علي بن المديني (١).
وفيه أبو الزبير وهو موصوف بالتدليس وقد عنعنه، ثم إن في سنده اختلافًا، فقد رواه عباد بن العوام، عن يحيى، عن أبي الزبير، عن معاذ، فلم يذكر فيه طاوسًا، وقد ذكر الدارقطني هذا الاختلاف، كما ذكر الاختلاف في رفعه ووقفه على معاذ ﵁، وقال: (الموقوف أصح) (٢).
стр. 4880
وقال في "الأطراف": (تفرد به أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن معاذ مسندًا) (١).
° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل ذكر الله تعالى وأنه سبب من أسباب النجاة من النار، وهذه من أعظم فضائل الذكر؛ لأن النجاة من النار هي مقصود وغاية كلِّ عبد مؤمن، وقد هيأ الله تعالى لعباده المؤمنين الأسباب التي تنال بها الجنة ويتوقى بها من النار، ومنها ذكر الله تعالى. والله تعالى أعلم.
стр. 4881
فضل مجالس الذكر
١٥٤٩/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا جَلَس قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللهَ إلّا حَفَّتْ بِهِمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الذكر والدعاء"، باب (فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر) (٢٦٩٩) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" وساق الحديث. . وفيه: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة. ." الحديث، وروى مسلم -أيضًا- (٢٧٠٠) من طريق شعبة، سمعت أبا إسحاق، يحدث عن الأغر أبي مسلم، أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده".
ورواه ابن ماجه (٣٧٩١) من طريق عمار بن زريق، عن أبي إسحاق به. ولفظه: "ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وتغشَّتهم الرحمة، وتنزلت عليه السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده" وبهذا يتبين أن لفظ "البلوغ" أقرب إلى لفظ ابن ماجه.
стр. 4882
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ما جلس قوم مجلسًا) لفظ (القوم) اسم جنس جمعي يصدق على ثلاثة فأكثر، وهم جماعة الرجال في الأصل دون النساء، لكن في عامة القرآن ومثل هذا الحديث يراد به العموم من الرجال والنساء، وحقيقته للرجال، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في كتاب "القضاء".
وقوله: (مجلسًا) نكرة في سياق النفي، فيعم جميع المجالس: المساجد وغيرها، إلا أن المساجد أفضل لشرفها؛ إذ العبادة فيها أفضل من غيرها، وقد جاء التنصيص عليها في حديث أبي هريرة ﵁ الذي تقدم في باب (البر والصلة) وفيه: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله. . ." (١)، وذكر النووي أن التقييد في هذا الحديث خرج مخرج الغالب لا سيما في الزمان الأول، فلا يكون له مفهوم يعمل به (٢).
قوله: (يذكرون الله) الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، فيشمل الموعظة ودروس العقيدة والفقه والحديث وغيرها، وكذا المحاضرة وغيرها مما فيه ذكر الله تعالى (٣)؛ لأن ما ذكر في الحديث من الفضائل مرتب على الاجتماع على الذكر مطلقًا، وأما ما ورد في حديث أبي هريرة المذكور من تلاوة كتاب الله فهو من باب ذكر العام ببعض أفراده، وهو لا يقتضي التخصيص كما علم في الأصول، وإنما ذلك لكمال الفضل في تلاوة القرآن ومدارسته، على أن الحافظ ابن حجر يميل إلى أن المراد بمجالس الذكر المجالس المشتملة على ذكر الله تعالى أو تلاوة كتابه والدعاء بخير الدنيا والآخرة، وأما دخول الدروس العلمية ففيه نظر (٤)، هكذا قال، مع أن دخولها ظاهر جدًّا، والله أعلم.
قوله: (إلا حَفَّتْ بهم الملائكة) هكذا في المخطوطة وفي بعض نسخ "البلوغ" وفي بعضها: "حفَّتهم الملائكة" وهو المثبت في "الصحيح" وهو
стр. 4883
بتشديد الفاء؛ أي: أحدقت وأحاطت وطافت بهم الملائكة يستمعون الذكر ويكونون شهداء لهم، وهم الموكلون بحضور مجالس الذكر، فتكون (أل) للعهد، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم. . ." الحديث (١).
وفي التعبير بـ (حفتهم) إشارة إلى القرب الشديد من الذاكرين بحيث لم يدعوا للشيطان فرجة يتوصل منها، ومن ذلك: حافة الطريق وهو جانبه، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ أي: مطبقين به.
قوله: (وغشيتهم الرحمة) أي: عمتهم وأحاطت بهم من كل جانب.
قوله: (ونزلت عليهم السكينة) قيل: إن المراد بها الرحمة، واختار هذا القاضي عياض، فإنه قال: (وهذا هو أليق الوجوه هنا) (٢)، والقول الثاني: أن المراد بها الوقار والطمأنينة، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]، قال النووي: (وهذا أحسن) وضعف القول بأنها الرحمة؛ لعطف الرحمة عليها (٣).
يقول الشيخ محمد بن عثيمين: (السكينة شيء يقذفه الله في القلب فيطمئن ويوقن ويستقر، فلا يكون عنده قلق ولا شك ولا ارتياب. .) (٤).
قوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) أي: أثنى عليهم لشرف عملهم فيمن عنده من الملائكة والأنبياء مباهاة بهم.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل مجالس الذكر وشرفها عند الله تعالى حيث حظي أهلها بهذه الخصال الأربع العظيمة من حَفِّ الملائكة، وغشيان الرحمة، ونزول السكينة، وذكر الله إياهم في الملأ الأعلى، وهذه خصال عظيمة ومنح جسيمة، تدل على رضا الله تعالى عنهم ومحبته لهم، وإذا
стр. 4884
كانت كل خصلة من هذه الخصال العظيمة كافية في انفرادها على إثارة الرغبة والنشاط إلى مجالس الذكر فكيف باجتماعها؟! فلا ينبغي للمؤمن الموفق الحريص على نفع نفسه أن يفرط في مجالس الذكر؛ لأن مجالس الذكر هي مجالس الملائكة، وفيها اشتغال بالذكر عن الكلام الباطل من الغيبة والنميمة واللغو ومدح الناس وذمهم وغير ذلك مما فيه كسب الإثم وإضاعة الأوقات.
وهذا يؤكد أنه ينبغي أن تكون المجالس في المساجد أو غيرها عامرة بذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره، وألا يغلب عليها اللغو والهزل ولا سيما أن الناس في هذا الزمان كثر فراغهم وقتل أوقاتهم ووجدت الأماكن التي يقضى فيها هذا الفراغ كساعات الليل الطوال.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على وجود الملائكة وأن لهم أعمالًا يقومون بها، ومن ذلك الملائكة الموكلون بحلق الذكر، وهم زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، ولا وظيفة لهم إلا حلق الذكر، وفي هذا دليل على محبة الملائكة بني آدم واعتنائهم بهم، كما أن فيه دليلًا على أن الأعمال الصالحة كمجالس الذكر تقرب الملائكة منا وتقربنا منهم، وفي حديث أبي هريرة المتقدم بلفظ مسلم: "إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضُلًا يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر، قعدوا معهم وحَفَّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا. . .". والله تعالى أعلم.
стр. 4885
ما جاء في المجلس الخالي من ذكر الله والصلاة على نبيه ﷺ -
١٥٥٠/ ٤ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إلَّا كَانَ عَلَيهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال: حَسَنٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "الدعوات عن رسول الله ﷺ "، بابٌ (في القوم يجلسون ولا يذكرون الله) (٣٣٨٠)، وأحمد (١٥/ ٤٧٥) من طريق سفيان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَةً، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم" (١).
هذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ﵁)، وهذا هو الذي نقله عنه المنذري، ومن بعده النووي (٢)، ثم المزي، ثم الحافظ ابن حجر، وفي بعض النسخ: (حسن صحيح).
وفي سنده صالح مولى التوأمة (٣)، وهو ضعيف، لاختلاطه، وقد تميز
стр. 4886
من سمع منه قبل الاختلاط ومن سمع منه بعد الاختلاط (١)، ورواية سفيان -وهو الثوري- عنه بعد الاختلاط (٢).
لكن لم ينفرد به سفيان فقد تابعه جماعة رووا عن صالح قبل اختلاطه، منهم عبد الرحمن بن أبي ذئب، رواه أحمد (١٥/ ٥٢٤)، وزياد بن سعد عند أحمد -أيضًا- (١٦/ ٢٦٥)، وعمارة بن غزية عند الطبراني (٣/ ١٦٦٣)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٤٤٩)، والبيهقي في "الشعب" (٤/ ٢٠٢) لكن لفظ ابن أبي ذئب وزياد انتهى عند قوله: "عليهم ترة" ولم يذكرا ما بعده، وهذا يدل على اضطراب صالح مولى التوأمة في متنه، فإن اختلاف الثقات عنه يدل على أنه لم يتقن الحديث.
وقد توبع -أيضًا- صالح مولى التوأمة، فقد رواه عن أبي هريرة جماعة منهم أبو صالح ذكوان السمان فيما رواه الإمام أحمد (٤٣/ ١٦) من طريق شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وسنده صحيح، وليس فيه: (فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم) وفيه: (وإن دخلوا الجنة للثواب).
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه ينبغي أن تعمر المجالس بذكر الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ ، وذكر الله تعالى أعم من أن يكون بتلاوة القرآن أو بالأذكار المشروعة أو بتعليم العلوم النافعة، وفي هذا بيان فضل المجالس التي يذكر فيها الله تعالى ويصلى على نبيه ﷺ ، وفيه تحذير من المجالس التي لا يذكر الله فيها ولا يصلى على نبيه ﷺ ، وأن هذه المجالس يندم أهلها يوم القيامة حين لا ينفع الندم على ما فاتهم من هذا الخير العظيم وإن دخلوا الجنة، فإنه قد فاتهم ما فيه زيادة في الدرجات.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما اجتمع قوم فتفرقوا عن غير ذكر الله إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار، وكان ذلك المجلس عليهم
стр. 4887
حسرة" (١).
وهذا كله في المجالس المباحة التي ليس فيها غيبة ولا نميمة ولا لغو، فإن كانت كذلك فالأمر عظيم نسأل الله السلامة.
إن الوقت هو حياة الإنسان، والمرء لا بد له من جليس، ولا بد له من مجالس قهرية كانت أم اختيارية، لذا يلزم العاقل الحريص على ساعات عمره أن يجالس من يستفيد منهم وينتفع بهم، ويحذر مجالسة الكسالى والفارغين الذي لا همَّ لهم إلا القيل والقال وقضاء الفراغ وقتل الأوقات، وقد يكون مع هذا لهو وطرب، وهذه المجالس كثيرة في دنيا الناس اليوم، سواء أكانت جلسات عائلية أو جلسات دورية كل أسبوع أو كل ليلة، وهي المجالس التي لا حظ للملائكة فيها. وتأمل كلام ابن القيم الموجز الشامل حيث يصور المجالس في زمانه فيقول: (الاجتماع بالإخوان قسمان:
أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.
الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاح والتواصي بالحق والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات:
إحداها: تَزَيُّنُ بعضهم لبعض. الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة.
الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود.
وبالجملة فالاجتماع والخِلْطَةُ لِقَاحٌ: إما للنفس الأمارة، وإما للقلب والنفس المطمئنة، والنتيجة مستفادة من اللقاح؛ فمن طاب لقاحه طابت ثمرته. وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من المَلَكِ، والخبيثة لقاحها من الشيطان، وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات، وعكس ذلك) (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 4888
فضل التهليل عشر مرات
١٥٥١/ ٥ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَال: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُس مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الدعوات"، باب (فضل التهليل) (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣) من طريق عمر بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: من قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل".
وقال عمر بن أبي زائدة: حدثنا عبد الله بن أبي السَّفَر، عن الشعبي، عن ربيع بن خثيم بمثل ذلك، قال: فقلت للربيع ممن سمعته؟ قال: من عمرو بن ميمون، قال: فأتيت عمرو بن ميمون فقلت: ممن سمعته؟ قال: سمعته من ابن أبي ليلى، قال: فأتيت ابن أبي ليلى، فقلت: ممن سمعته؟ قال: من أبي أيوب الأنصاري يحدثه عن رسول الله ﷺ .
هذا السياق لمسلم، وأما البخاري فقد ساقه مختصرًا، ولفظه: "من قال عشرًا كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل".
وقد تبين أن عمر بن أبي زائدة أسنده عن شيخين أحدهما: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون موقوفًا، والثاني: عن عبد الله بن أبي السفر،
стр. 4889
عن الشعبي، عن الربيع، عن عمر بن ميمون، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب مرفوعًا (١).
° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل هذا الذكر وأن من قاله عشر مرات عارفًا عاملًا بمقتضاه صار له من الأجر مثل أجر من أعتق أربعة من المماليك من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
وخص ولد إسماعيل بالذكر؛ لأن إسماعيل هو أبو العرب، والعرب أشرف الناس نسبًا، وأما العجم فلهم آباء آخرون. والله تعالى أعلم.
стр. 4890
فضل التسبيح
١٥٥٢/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَال: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الدعوات"، باب (التسبيح) (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١) من طريق مالك، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة. . ." الحديث.
وهذا لفظ البخاري، وهو عند مسلم بلفظ: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال: سبحان الله وبحمده. . ." الحديث.
وأوله عند البخاري -أيضًا- (٦٤٠٣) لكنه جعله حديثين.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (سبحان الله وبحمده) سبحان: علم للتسبيح، وأصله اسم مصدر منصوب بفعل محذوف متروك إظهاره، تقديره: أسبح الله سبحانًا، ثم نُزِّلَ
стр. 4891
سبحان منزلة الفعل فَسَدَّ مسده، وهو لا يستعمل إلا مضافًا في الغالب (١)، ومعناه: تنزيهًا لك يا رب عن منقص في الصفات أو في مماثلة المخلوقات.
وبحمده: الحمد ذكر أوصاف المحمود الكاملة وأفعاله الحميدة مع محبته وتعظيمه، والواو للمعية، فيكون الذاكر جمع بين التنزيه والوصف بالكمال الذاتي والفعلي؛ أي: نزهتك تنزيهًا مقرونًا بالحمد، وقد مضى مثل هذا في "صفة الصلاة".
قوله: (في يوم) قال بعض الشراح: إن المراد باليوم كمال الدورة لا للنهار، وعلى هذا فلو قال هذا الذكر في الليل حصل له الأجر المرتب عليه، وقال ابن علان: الأقرب أن المراد اليوم الشرعي وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، حملًا للفظ الشرعي على المتعارف عنده (٢).
قوله: (مائة مرة) مفعول مطلق منصوب، و (مرة) مضاف إليه.
قوله: (حطت خطاياه) ببناء الفعل لما لم يسم فاعله، وحذف الفاعل هنا للعلم به؛ لأن من المعلوم أن هذا الفعل لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ومعنى (حطت) محيت وأزيلت، والخطايا جمع خطية بالتشديد كعطايا وعطية، والمراد بها عند جمهور أهل العلم الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى (٣).
قوله: (وإن كانت مثل زيد البحر) الزبد: بالفتح ما يعلو ماء البحر من الرغوة عند تموجه واضطرابه، والمراد بالبحر: جنس البحر، إذ لا بحرَ معهود، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وهذا كناية عن المبالغة والكثرة.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل التسبيح بهذه الصيغة
стр. 4892
(سبحان الله وبحمده) مائة مرة في اليوم، وجزاء من أتى بذلك أن الله تعالى يمحو خطاياه مهما بلغت من الكثرة ولو كان مثل زيد البحر، وهذا ثواب عظيم وعطاء جزيل من رب كريم، وهو دليل بَيِّنٌ على سعة فضل الله تعالى وكرمه.
وظاهر إطلاق الحديث أن هذا الأجر يحصل لمن قال ذلك في كل يوم، سواء أقالها متوالية أو متفرقة في مجالس، أو بعضها أول النهار وبعضها آخره، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية، وقد جاء في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه" (١).
° الوجه الرابع: اختلف العلماء في الأذكار المقدرة بأعداد معينة هل يزاد عليها أم لا؟.
فذهب جماعة من أهل العلم ومنهم الإمام القرافي (٢) إلى أن الأذكار التي ورد فيها عدد مخصوص مع ثواب مخصوص لا يحصل الأجر لمن عملها إلا إذا تقيد بالعدد الوارد، فإن زاد في أعدادها أو نقص فاته الثواب؛ لأن الشرع حدد العدد، وقد يكون هذا لحكمة وخاصية تفوت بها بمجاوزة ذلك العدد، واختار هذا الصنعاني (٣).
وقال آخرون ومنهم النووي (٤) والعراقي (٥): يحصل الثواب مع الزيادة؛ لأنه لما أتى بالأصل وهو العدد المقيد حصل له الثواب، ولا تكون الزيادة مزيلة للثواب بعد حصوله، وهؤلاء يستدلون بما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁: "ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك".
والظاهر أن المانعين يحملون الزيادة في هذا الحديث على أعمال الخير، لا من نفس التهليل، واختار هذا الشوكاني (٦).
стр. 4893
وذهب فريق ثالث إلى التفصيل وهو أنه إن زاد لنحو شَكٍّ عُذِرَ، وإن زاد لقصد التعبد فلا؛ لأنه مستدرك على الشارع، ومال إلى هذا ابن علان (١).
وفصل آخرون من وجه آخر وهو أن ينوي الامتثال عند الحد المخصوص، ثم يزيد فهذا يثاب، وإن زاد بغير نية بأن يكون الثواب على عشرة فيرتبه هو على مائة فيتجه عدم الثواب (٢).
والذي يظهر -والله أعلم- أنه ينبغي الاقتصار على العدد الوارد في الأذكار وإلا لما كان لتخصيصها معنى، ثم إن التقيد بالعدد فيه حضور القلب والعناية بالذكر، وحديث أبي هريرة ﵁ معناه محتمل.
° الوجه الخامس: نقل ابن بطّال عن بعض أهل العلم أن هذه الفضائل التي جاءت عن النبي ﷺ مثل: "من قال سبحان الله وبحمده غفر له. . ." وما شاكلها إنما هي لأهل الشرف في الدين والكمال والطهارة من الجرائم العظام، ولا يظن أن من فعل هذا وأصر على ما شاء من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أنه يلحق بالسابقين المطهرين، وينال منزلتهم في ذلك بحكاية أحرف ليس معها تُقًى ولا إخلاص، ولا عمل. . .) (٣) والله تعالى أعلم.
стр. 4894
فضل التسبيح والتحميد بهذه الصفة
١٥٥٣/ ٧ - عَنْ جُويرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ ﵂ قَالتْ: قَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِماتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِه، وَرِضَا نفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
تقدمت ترجمة جويرية ﵂ في كتاب "العتق" في شرح ألفاظ الحديث (١٤٤٤).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الذكر والدعاء"، باب (التسبيح أول النهار وآخره) (٢٧٢٦) من طريق محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس ﵄، عن جويرية ﵂ أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم، قال النبي ﷺ : "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات. ." الحديث.
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (بعدك) بكسر الكاف، لأنه خطاب لجويرية ﵂؛ أي: بعد مفارقتك وخروجي من عندك، بدليل السياق.
قوله: (لو وزنت بما قلت. . .) أي: لو قوبلت بما قلت من الأذكار
стр. 4895
لساوتهن في أجرهن وقابلتهن في فضلهن، وقيل: غلبتهن وزادت عليهن في الوزن، كما يقال: حاججته؛ أي: غلبته في الحجة، ويؤيد هذا ما جاء عند النسائي من حديث ابن عباس ﵄: "لقد تكلمت بأربع كلمات أعدتهن ثلاث مرات، هن أفضل مما قلت. . ." (١).
قوله: (ثلاث مرات) منصوب على أنه مفعول مطلق نائب عن المصدر.
قوله: (سبحان الله وبحمده) في رواية عند مسلم: "سبحان الله".
قوله: (عدد خلقه) منصوب على أنه مصدر، وهو صفة لمصدر محذوف؛ أي: تسبيحًا عدد خلقه (٢)، وكذا الباقي، وقيل: منصوب على الظرفية، وهو رأي السيوطي على تقدير: قَدْرَ عدد خلقه. . . وكذا الباقي، فلما حذف الظرف قام المضاف إليه مقامه وأعرب بإعرابه (٣).
قوله: (ورضا نفسه) أي: رضا ذاته؛ لأن النفس تطلق على الذات، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقد تقدم أن المراد بالنفس ذات الله تعالى المقدسة المتصفة بصفات الكمال.
أي: وعدد من ﵃ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ورضاه عنهم لا ينقضي ولا ينقطع، وقيل: إن المعنى أنك تسبح الله وتحمده حمدًا يقع منه موقع الرضا أو ما يرضاه لنفسه (٤).
قوله: (وزنة عرشه) أصل زنة: وِزْن، كعدة أصلها وعد بكسر الواو وسكون الزاي، فحذفت الفاء حملًا على المضارع ثم حركت العين بكسرة الفاء لتدل عليها، وجيء بتاء التأنيث عوضًا عن الفاء المحذوفة.
والمراد بزنة عرشه: زنة ما لا يعلم قدر وزنه إلا الله وهو العرش.
стр. 4896
قوله: (ومداد كلماته) بكسر الميم مصدر المد بمعنى المدد وهو ما كثرت به الشيء، والمراد: ما يكتب به كالحبر، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] أي: لو كان ماء البحر مدادًا تكتب به كلمات الله تعالى لنفد ماء البحر ولم تنفد كلمات الله؛ لأن كلمات الله لا منتهى لها.
والمراد بـ (كلماته) كلامه وقوله الذي لا نفاد له؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء.
وما جاء في هذا الحديث مراد به المبالغة في الكثرة؛ لأنه ذكر أولًا ما يحصره العدد الكثير من عدد الخلق، ثم زنة العرش، ثم ارتقى إلى ما هو أعظم من ذلك وهو ما لا يحصيه عدد ولا يحده مقدار وهو كلمات الله، ولذا صرح في الأولى بالعدد وفي الثالثة بالزنة، ولم يصرح في الآخرين بشيء منهما إيذانًا بأنهما لا يدخلان في جنس العدد والموزون ولا يحصرهما تقدير، فحصل الترقي من عدد الخلق إلى رضا النفس ومن زنة العرش إلى مداد الكلمات (١).
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل هذا الذكر (سبحان الله وبحمده عدد خلقه) ثلاث مرات، (سبحان الله وبحمده رضا نفسه) ثلاث مرات، (سبحان الله وبحمده زنة عرشه) ثلاث مرات، (سبحان الله وبحمده مداد كلماته) ثلاث مرات، فيكون الجميع اثنتي عشرة مرة.
وظاهر هذا الذكر أنه مطلق لم يقيد بوقت معين، وقد ذكره النووي ضمن الأذكار غير المقيدة (٢)، لكن ظاهر الحديث أنه في أول النهار.
° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الأجر ليس على قدر النصب، بل لله أن يأجر على العمل القليل بالأجر الجزيل، وذلك أنه ارتفع فضل التسبيح الأقل زمنًا على الأكثر زمنًا؛ لأن النبي ﷺ خرج من عند أم المؤمنين ﵂ بكرة حين صلى الصبح، ثم رجع إليها ضحى (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4897
ما جاء في تفسير الباقيات الصالحات
١٥٥٤/ ٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: لَا إِله إلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَاللهُ أكبَرُ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ". أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه النسائي في "الكبرى"، كما في "تحفة الأشراف" (٣/ ٣٦٢)، وابن حبان (٣/ ١٢١)، والحاكم (١/ ٥١٢) من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استكثروا من الباقيات الصالحات"، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: "التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إِلا بالله" هذا لفظ ابن حبان.
وهذا سند ضعيف، فيه دراج بن سمعان أبو السمح صدوق، لكنه ضعيف في شيخه أبي الهيثم سليمان بن عمرو العُتْواري، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: (الشأن في دراج)، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (حديثه منكر)، وحكى ابن عدي عن أحمد أنه قال: (أحاديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد فيها ضعف)، وقال أبو داود: (أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد).
стр. 4898
وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال أبو حاتم: (في حديثه صنعة) (١)، وقال الدارقطني: (مصري متروك)، ووثقه ابن معين في رواية عنه، وابن حبان وابن شاهين (٢).
والحافظ عزا الحديث للنسائي ولم أجده في "عمل اليوم والليلة" المطبوع ضمن "السنن الكبرى" وإنما فيه حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا جُنتكم" قالوا: يا رسول الله أَمِنْ عدو حضر؟ قال: "لا، ولكن جُنتكم من النار، قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مجنِّبات ومعقبات، وهن الباقيات الصالحات".
رواه النسائي (٩/ ٣١٣) من طريق عبد العزيز بن مسلم، قال: حدثنا ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وهذا الحديث في سنده اختلاف، وقد أعله البخاري وأبو حاتم والدارقطني بالإرسال (٣).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الباقيات) أي: الكلمات التي تبقى لصاحبها من حيث الثواب.
قوله: (الصالحات) أي: للتقرب بها إلى الله تعالى.
قوله: (ولا حول) هذه هي الحوقلة أو الحولقة، وأصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره أو يفسر بالحيلة.، وهو ما يتوصل به إلى حالٍ ما خُفْيةً، والمعنى: لا يتوصل إلى تدبير أمر وتغيير حال إلا بمشيئتك ومعونتك، و (لا) نافية للجنس، و (حولَ) اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف تقديره: لا حول لنا أو لا حول موجود، وذكر العيني أن الجار
стр. 4899
والمجرور هو الخبر (١)، وقيل: لا تحول للعبد عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله. قال النووي: (هي كلمة استسلام وتفويض وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر، وليس له حيلة في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بإرادة الله تعالى) (٢).
قوله: (ولا قوة) بالبناء على الفتح على أن (لا) عاملة عمل (إن) كالأولى، والواو عاطفة، من باب عطف الجمل أو المفردات (٣).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هذا الذكر وأن هذه الألفاظ مما يبقى أثره ونفعه للمؤمن بعد موته، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦]؛ أي: إن صاحبها ينتظر الثواب وينبسط أمله على خيرٍ من حال ذي المال والبنين دون عمل صالح (٤).
وقد جاء عن كثير من السلف تفسير الباقيات الصالحات بهذا الذكر منهم أمير المؤمنين عثمان وابن عباس وابن عمر ﵃، وسعيد بن المسيب والحسن وقتادة ومجاهد وآخرون، وعزاه بعض المفسرين إلى الجمهور (٥).
والقول الثاني: أن الباقيات الصالحات الصلوات الخمس، وهذا مروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف، كما قال ابن كثير.
والقول الثالث: أن الباقيات الصالحات هي الأعمال الصالحة كلها، وهذا مروي عن ابن عباس -أيضًا- وهو قول قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا اختيار ابن جرير (٦)، وهذا هو الأقوى في نظري، وما جاء في حديث الباب هو فرد من أفراد الأعمال الصالحة. والله تعالى أعلم.
стр. 4900
ما جاء في أحب الكلام إلى الله تعالى
١٥٥٥/ ٩ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ، لَا يَضُرُّكَ بَأَيِّهِنَّ بَدَأَتَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلهَ إلا اللهُ، وَاللهُ أكبَرُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الآداب"، باب (كراهية التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه) (٢١٣٧) من طريق منصور، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن عَميلة، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله كبر، لا يضرك بأيهن بدأت، ولا تسمينَّ غلامك يسارًا ولا رباحًا ولا نجيحًا ولا أفلح؛ فإنك تقول: أثَمَّ هو؟ فلا يكون، فيقول: لا، إنما هن أربع فلا تزيدُنَّ عليَّ" (١).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أحب الكلام) إما أن يراد كلام البشر؛ لأن القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، وهذا قول النووي (٢)، أو أن المراد الكلام المتضمن للأذكار والدعاء والقُرَب، وهذا رأي القرطبي (٣).
стр. 4901
قوله: (أربع) أي: أربع كلمات، وإنما قال: أربع ولم يقل أربعة؛ لأن المعدود مؤنث (١).
قوله: (لا يضرك بأيهن بدأت) أي: بأي الكلمات بدأت أولًا، قال الطيبي: (قوله: "لا يضرك" بعد إيراد الكلمات على النسق والترتيب يشعر بأن العزيمة أن يراعى الترتيب، والعدول عنه رخصة ورفع للجناح) (٢).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هذه الجمل الأربع، وأنها من أحب كلام البشر إلى الله تعالى وأحقه قبولًا وأكثره ثوابًا؛ لاشتمالها على أمور عظيمة، وهي تنزيه الله تعالى، ووصفه بكل ما يجب له من صفات الكمال، وإفراده بالوحدانية والأكبرية، وأن فضلها وحصول ثوابها لا يقتضي ترتيبها كما جاءت في الحديث، بل لا بأس بتقديم بعضها على بعض؛ لأن كل جملة منها مستقلة بمعناها عن الأخرى، لكن لو حافظ على سياق الحديث لكان أولى؛ لأن فيه تقديم التنزيه -وهو تخلية عن كل قبيح- على إثبات الحمد والوحدانية والأكبرية، وهذه تحلية بكل صفات الكمال، والتخلية -بالخاء- مقدمة على التحلية -بالحاء- لكنه لما كان منزهًا ذاتًا عن كل قبيح لم تضر البداءة بالتحلية وتقديمها على التخلية (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4902
فضل لا حول ولا قوة إلا بالله
١٥٥٦/ ١٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيسٍ! ألا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
زَادَ النّسَائيُّ: "وَلَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إلّا إِلَيهِ".
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الدعوات"، باب (الدعاء إذا علا عَقَبَةً) (٦٣٨٤)، ومسلم (٢٧٠٤) من طريق أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا. . . وساق الحديث إلى أن قال: ثم أتى عليَّ وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: "يا عبد الله بن قيس، قل: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة" أو قال: "ألا أدلك على كلمة هي من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" هذا لفظ البخاري.
ورواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٣٥٨) وهو ضمن "السنن الكبرى" (٩/ ١٤٠ - ١٤١) من طريق إسرائيل، وأحمد (١٣/ ٤٤٧) من طريق معمر، كلاهما عن أبي إسحاق، عن كُميل بن زياد النخعي، عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا أنا أمشي مع رسول الله ﷺ قال: "يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا منجى (١) من الله إلا إليه".
стр. 4903
وهذا لفظ النسائي، ورواه أحمد مطولًا، وفيه: "ولا ملجأ. . ." وفي ثبوت هذه الزيادة نظر؛ لأن حديث أبي هريرة له طرق أخرى، وليس فيها هذه اللفظة، ويقوي هذا عدم ثبوتها في رواية "الصحيحين".
وقول الحافظ: إن هذه الزيادة من حديث أبي موسى وهم منه، فإن النسائي روى حديث أبي موسى في عشرة مواضع من "السنن الكبرى" (١) وليس في واحد منها هذه الزيادة.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يا عبد الله بن قيس) هذا اسم أبي موسى الأشعري ﵁.
قوله: (ألا أدلك) ألا: بفتح الهمزة وتخفيف اللام، كلمة تنبيه؛ لأن المتكلم ينبه السامع على أمر عظيم الشأن، ومعنى (أدلك): أعلمك وأرشدك.
قوله: (كنز من كنوز الجنة) أصل الكنز في اللغة: ما يدفن من الأموال والأمتعة، والمراد هنا: أن هذا القول يعد لقائله ويدخر له من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في دار الدنيا، بمعنى أن قائل هذه الكلمة يحصل ثوابًا نفيسًا يدخر له في الجنة أحوج ما يكون إليه.
وتسميتها كنزًا هو من إطلاق السبب على المسبب، وهو أنها لما كانت سببًا للثواب في الجنة المعبر عنه بالكنز أطلق عليها اسمه من باب المجاز.
قوله: (ولا ملجأ من الله) أي: لا مفر ولا مهرب من قضاء الله أو من عذاب الله، وملجأ يحتمل أنه مصدر ميمي، و (من الله) متعلق به، فيكون منصوبًا على أنه اسم (لا)، ويحتمل أن يكون اسم مكان فهو مبني على الفتح، و (من الله) متعلق بمحذوف صفة له (٢).
قوله: (إلا إليه) أي: إلا بالالتجاء إليه والتحصن برضاه.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هذه الكلمة العظيمة (لا حول
стр. 4904
ولا قوة إلا بالله) وأن ثوابها مدخر لقائلها في الجنة أحوج ما يكون إليه، وذلك لأنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر؛ لأنه ضعيف ليس له قدرة ولا تصرف إلا بالله تعالى.
وفي هذا تحقيق التوحيد الربوبية الذي هو دليل وبرهان على توحيد العبادة وهو توحيد الألوهية، فإن من أقر بأن الله تعالى هو صاحب الحول والقوة، بيده كل شيء كان هذا داعيًا له لإفراد ربه بالعبادة، فهي كلمة عظيمة ولا سيما عند الشدائد والكروب والنوازل، فمن قالها فهو حري بأن الله تعالى يعينه وييسر له أموره.
يقول ابن القيم عن هذه الكلمة العظيمة: (وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، والدخول على الملوك ومن يُخاف، وركوب الأهوال، ولها -أيضًا- تأثير في دفع الفقر) (١).
° الوجه الرابع: في الحديث رد على القدرية (٢) القائلين إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر؛ لأن الحديث دل على أن العبد ليس له قدرة ولا تصرف إلا بالله تعالى. والله تعالى أعلم.
стр. 4905
ما جاء في أن الدعاء هو العبادة
١٥٥٧/ ١١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
١٥٥٨/ ١٢ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أنَسٍ بِلَفْظِ: "الدُّعاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ".
١٥٥٩/ ١٣ - وَلهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَفَعَهُ: "لَيسَ شَيءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعاءِ". وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث النعمان بن بشير ﵄ فقد رواه أبو داود في كتاب "الصلاة"، باب (الدعاء) (١٤٧٩)، والترمذي (٣٢٤٧)(٣٣٧٢)، والنسائي في "الكبرى" (١٠/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، وابن ماجه (٣٨٢٨) من طريق ذر بن عبد الله المُرْهبي، عن يُسَيْع الحضرمي، عن النعمان بن بشير ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: " ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] ".
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وزاد في الموضع الثاني: (وقد رواه منصور والأعمش، عن ذر، ولا نعرفه إلا من حديث ذر، وهو ذر بن عبد الله الهَمْداني، ثقة، والد عمر بن ذر).
وصححه النووي في "الأذكار"، وقال الحافظ ابن حجر: (إسناده جيد) (١).