← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

قوله: (أربع) أي: أربع كلمات، وإنما قال: أربع ولم يقل أربعة؛ لأن المعدود مؤنث (١). قوله: (لا يضرك بأيهن بدأت) أي: بأي الكلمات بدأت أولًا، قال الطيبي: (قوله: "لا يضرك" بعد إيراد الكلمات على النسق والترتيب يشعر بأن العزيمة أن يراعى الترتيب، والعدول عنه رخصة ورفع للجناح) (٢). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هذه الجمل الأربع، وأنها من أحب كلام البشر إلى الله تعالى وأحقه قبولًا وأكثره ثوابًا؛ لاشتمالها على أمور عظيمة، وهي تنزيه الله تعالى، ووصفه بكل ما يجب له من صفات الكمال، وإفراده بالوحدانية والأكبرية، وأن فضلها وحصول ثوابها لا يقتضي ترتيبها كما جاءت في الحديث، بل لا بأس بتقديم بعضها على بعض؛ لأن كل جملة منها مستقلة بمعناها عن الأخرى، لكن لو حافظ على سياق الحديث لكان أولى؛ لأن فيه تقديم التنزيه -وهو تخلية عن كل قبيح- على إثبات الحمد والوحدانية والأكبرية، وهذه تحلية بكل صفات الكمال، والتخلية -بالخاء- مقدمة على التحلية -بالحاء- لكنه لما كان منزهًا ذاتًا عن كل قبيح لم تضر البداءة بالتحلية وتقديمها على التخلية (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 4902

فضل لا حول ولا قوة إلا بالله ١٥٥٦/ ١٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيسٍ! ألا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. زَادَ النّسَائيُّ: "وَلَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إلّا إِلَيهِ". * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الدعوات"، باب (الدعاء إذا علا عَقَبَةً) (٦٣٨٤)، ومسلم (٢٧٠٤) من طريق أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا. . . وساق الحديث إلى أن قال: ثم أتى عليَّ وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: "يا عبد الله بن قيس، قل: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة" أو قال: "ألا أدلك على كلمة هي من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" هذا لفظ البخاري. ورواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٣٥٨) وهو ضمن "السنن الكبرى" (٩/ ١٤٠ - ١٤١) من طريق إسرائيل، وأحمد (١٣/ ٤٤٧) من طريق معمر، كلاهما عن أبي إسحاق، عن كُميل بن زياد النخعي، عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا أنا أمشي مع رسول الله ﷺ قال: "يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا منجى (١) من الله إلا إليه".

стр. 4903

وهذا لفظ النسائي، ورواه أحمد مطولًا، وفيه: "ولا ملجأ. . ." وفي ثبوت هذه الزيادة نظر؛ لأن حديث أبي هريرة له طرق أخرى، وليس فيها هذه اللفظة، ويقوي هذا عدم ثبوتها في رواية "الصحيحين". وقول الحافظ: إن هذه الزيادة من حديث أبي موسى وهم منه، فإن النسائي روى حديث أبي موسى في عشرة مواضع من "السنن الكبرى" (١) وليس في واحد منها هذه الزيادة. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يا عبد الله بن قيس) هذا اسم أبي موسى الأشعري ﵁. قوله: (ألا أدلك) ألا: بفتح الهمزة وتخفيف اللام، كلمة تنبيه؛ لأن المتكلم ينبه السامع على أمر عظيم الشأن، ومعنى (أدلك): أعلمك وأرشدك. قوله: (كنز من كنوز الجنة) أصل الكنز في اللغة: ما يدفن من الأموال والأمتعة، والمراد هنا: أن هذا القول يعد لقائله ويدخر له من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في دار الدنيا، بمعنى أن قائل هذه الكلمة يحصل ثوابًا نفيسًا يدخر له في الجنة أحوج ما يكون إليه. وتسميتها كنزًا هو من إطلاق السبب على المسبب، وهو أنها لما كانت سببًا للثواب في الجنة المعبر عنه بالكنز أطلق عليها اسمه من باب المجاز. قوله: (ولا ملجأ من الله) أي: لا مفر ولا مهرب من قضاء الله أو من عذاب الله، وملجأ يحتمل أنه مصدر ميمي، و (من الله) متعلق به، فيكون منصوبًا على أنه اسم (لا)، ويحتمل أن يكون اسم مكان فهو مبني على الفتح، و (من الله) متعلق بمحذوف صفة له (٢). قوله: (إلا إليه) أي: إلا بالالتجاء إليه والتحصن برضاه. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هذه الكلمة العظيمة (لا حول

стр. 4904

ولا قوة إلا بالله) وأن ثوابها مدخر لقائلها في الجنة أحوج ما يكون إليه، وذلك لأنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر؛ لأنه ضعيف ليس له قدرة ولا تصرف إلا بالله تعالى. وفي هذا تحقيق التوحيد الربوبية الذي هو دليل وبرهان على توحيد العبادة وهو توحيد الألوهية، فإن من أقر بأن الله تعالى هو صاحب الحول والقوة، بيده كل شيء كان هذا داعيًا له لإفراد ربه بالعبادة، فهي كلمة عظيمة ولا سيما عند الشدائد والكروب والنوازل، فمن قالها فهو حري بأن الله تعالى يعينه وييسر له أموره. يقول ابن القيم عن هذه الكلمة العظيمة: (وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، والدخول على الملوك ومن يُخاف، وركوب الأهوال، ولها -أيضًا- تأثير في دفع الفقر) (١). ° الوجه الرابع: في الحديث رد على القدرية (٢) القائلين إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر؛ لأن الحديث دل على أن العبد ليس له قدرة ولا تصرف إلا بالله تعالى. والله تعالى أعلم.

стр. 4905

ما جاء في أن الدعاء هو العبادة ١٥٥٧/ ١١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. ١٥٥٨/ ١٢ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أنَسٍ بِلَفْظِ: "الدُّعاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ". ١٥٥٩/ ١٣ - وَلهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَفَعَهُ: "لَيسَ شَيءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعاءِ". وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث النعمان بن بشير ﵄ فقد رواه أبو داود في كتاب "الصلاة"، باب (الدعاء) (١٤٧٩)، والترمذي (٣٢٤٧) (٣٣٧٢)، والنسائي في "الكبرى" (١٠/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، وابن ماجه (٣٨٢٨) من طريق ذر بن عبد الله المُرْهبي، عن يُسَيْع الحضرمي، عن النعمان بن بشير ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: " ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] ". قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وزاد في الموضع الثاني: (وقد رواه منصور والأعمش، عن ذر، ولا نعرفه إلا من حديث ذر، وهو ذر بن عبد الله الهَمْداني، ثقة، والد عمر بن ذر). وصححه النووي في "الأذكار"، وقال الحافظ ابن حجر: (إسناده جيد) (١).

стр. 4906

وأما حديث أنس ﵁ فقد رواه الترمذي (٣٣٧١) من طريق ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبان بن صالح، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة". قال الترمذي: (هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة). وهذا سند ضعيف فيه ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ وقد تفرد به، كما قال الترمذي، وضعفه الحافظ المنذري في "الترغيب" (١)، حيث صدره بـ (روي) وقد ذكر في مقدمة كتابه أن من دلالة الحديث الضعيف عنده تصديره بلفظ (روي)، وعلى هذا فالظاهر أن لفظ الحديث هو اللفظ الأول وليس هذا. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه الترمذي (٣٣٧٠)، وابن ماجه (٣٨٢٩)، وأحمد (١٤/ ٣٦٠)، وابن حبان (٣/ ١٥١ - ١٥٢)، والطبراني في "الأوسط" (٢٥٤٤) (٣٧١٨)، والحاكم (١/ ٤٩٠) كلهم من طريق عمران القطان، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء". قال الترمذي: (هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمران القطان)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي. والحديث مداره على عمران بن دَاوَر القطان، كما قال الترمذي، وقال الطبراني: (لم يَرْو هذا الحديث عن قتادة إلا عمران القطان)، وهو متكلم فيه، فقد ضعفه ابن معين وأبو داود والنسائي، وقال الفلاس: (كان ابن مهدي يحدث عنه، وكان يحيى لا يحدث عنه، وقد ذكره يحيى يومًا فأحسن الثناء عليه) وقال أحمد: (أرجو أن يكون صالح الحديث)، وقال ابن عدي: (هو ممن يكتب حديثه)، وقال الدارقطني: (كان كثير الوهم والمخالفة) (٢)، وقال

стр. 4907

الحافظ في "التقريب": (صدوق يهم، ورُمي برأي الخوارج). ولما رواه العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٣٠١) قال: (لا يتابع عليه، ولا يعرف بهذا اللفظ إلا عن عمران)، ونقله عنه الحافظ (١)، وعلى هذا فتفرد مثل عمران عن قتادة يجعل حديثه منكرًا. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (إن الدعاء هو العبادة) هذا لفظ ابن ماجه، وعند الثلاثة بدون (إن)، وهذا أسلوب قصر؛ لأنه أتى بضمير الفصل مع تعريف المسند والمسند إليه؛ ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء، وهذا حصر حقيقي؛ لأن العبد إذا انقطع أمله مما سوى الله وأظهر العجز والاحتياج من نفسه وأفرد ربه بالدعاء ولم يلتفت قلبه إلى غيره فقد اعترف لله تعالى بالكمال وإجابة الدعاء وأنه سميع بصير، رحيم عليم، غني كريم، على كل شيء قدير، وهذه حقيقة العبادة وخلاصة التوحيد. وقيل: إن الحصر غير حقيقي (٢)، ومعناه: أن الدعاء معظم العبادة، أو أفضل العبادة (٣)، وقد تقدم نظير هذا عند حديث: (الدين النصيحة). قوله: (الدعاء مخ العبادة) بضم الميم وتشديد الخاء المضمومة، ومخ الشيء: خالصه وما يقوم به كمخ الدماغ الذي هو نِقْيُهُ، ومخ العين: شحمها، والمعنى: أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ، وإنما كان الدعاء مخ العبادة لأمور ثلاثة: الأول: أنه امتثال لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فهو محض العبادة وخالصها. الثاني: لأن العبد إذا رأى نجاح الأمور من الله تعلق به وقطع أمله عما سواه.

стр. 4908

الثالث: أن الغرض من العبادة الثواب عليها، وهو المطلوب بالدعاء (١). قوله: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) وذلك لأنه عبادة، والعبادة هي التي خلق الله تعالى الخلق من أجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ ولأن الدعاء يدل على قدرة الله تعالى وكماله، وعجز الداعي واحتياجه، كما تقدم. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الدعاء وعظيم منزلته عند الله تعالى حيث صار الدعاء هو العبادة، وذلك لأن الداعي قد أتى بأوصاف العبادة ولوازمها، فإن الدعاء يجتمع فيه من أنواع التعبد ما لا يجتمع في غيره، ففيه عبودية القلب بالقصد والرجاء والرغبة والرهبة، وفيه عبودية اللسان بالحمد، والثناء، والطلب، والابتهال، والتضرع، وفيه عبودية البدن بالانكسار والاستكانة بين يدي الله تعالى، والتذلل له (٢). وفي الدعاء أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وفي الدعاء يظهر افتقار العبد وضعفه وحاجته، وفيه تتجلى قدرة الله تعالى وتعلق القلوب به، وهرب الخلائق إليه. والدعاء مستحب عند جمهور العلماء، وحكى الخطابي وجوبه (٣)، وقد أمر الله تعالى به في قوله سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] وأكثر المفسرين على أن المراد بالعبادة في قوله: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي وتوحيدي (٤)، فالداعي مطيع لله، مستجيب لأمره. قال الشوكاني: (فأفاد أن الدعاء عبادة، وأن ترك دعاء الرب سبحانه استكبار، ولا أقبح من هذا الاستكبار، وكيف يستكبر العبد عن دعاء من هو

стр. 4909

خالقه ورازقه وموجده من العدم وخالق العالم كله ورازقه ومحييه ومميته ومثيبه ومعاقبه، فلا شك أن هذا الاستكبار طرف من الجنون وشعبة من كفران النعم) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4910

استحباب الدعاء بين الأذان والإقامة ١٥٦٠/ ١٤ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الدُّعَاءُ بَينَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ لَا يُرَدُّ". أَخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، وَغَيرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَغَيرهُ. * الكلام مع عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث تقدم تخريجه والكلام عليه في باب "الأذان" (٢٠٣)، وقد أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٦٧)، وهو في "السنن الكبرى" (٩/ ٢٢)، وابن ماجه (٦٧)، وابن حبان (٣/ ٥٩٤) من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة"، وعند ابن خزيمة في رواية: " … فادعوا"، وأخرجه أحمد (٢٠/ ٤١) بهذه الزيادة بهذا الإسناد، وهذا سند صحيح، رجاله ثقات، قال ابن القطان: (هذا إسناد جيد، وبُريد ثقة، فاعلمه) (١). وقد مضي زيادة كلام في تخريجه في الموضع المشار إليه. * الوجه الثاني: الحديث دليل علي فضل الدعاء بين الأذان والإقامة وأن المسلم مأمور بذلك لقوله: "فادعوا"، كما في بعض الروايات، فيستحب الدعاء والإكثار منه في هذا الوقت؛ لأن صاحبه حري بالإجابة، فإن من أُلهم الدعاء فقد أُريد به الإجابة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

стр. 4911

[غافر: ٦٠]، ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وهذا كله من كرم الله تعالى وفضله علي عباده. ولعل الحكمة في استحباب الدعاء في هذا الوقت -والله أعلم- أن الإنسان ما دام ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والصلاة موطن استجابة دعاء العبد؛ لأن العبد يناجي ربه فيها (١). فينبغي للمسلم أن يبادر إلي حضور الصلاة، فإن المتقدم إلي المسجد يتابع المؤذن، ويدعو بين الأذان والإقامة، وفي ذلك ثواب عظيم، بخلاف المتأخر فقد لا يتابع المؤذن، ولا يدعو بين الأذان والإقامة؛ لغفلته أو لانشغاله، أو لغير ذلك من الصوارف، فيفوته بذلك خير كثير، والله المستعان.

стр. 4912

ما جاء في رفع اليدين حال الدعاء ١٥٦١/ ١٥ - عَنْ سَلْمَانُ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ رَبَّكُمْ حَييٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إذا رَفَعَ إِلَيهِ يَديهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا". أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب، "الصلاة"، باب (الدعاء) (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، والحاكم (١/ ٤٩٧) من طريق جعفر بن ميمون، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ربكم ﵎ حيي كريم … " الحديث. وهذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي: "صفرًا خائبتين، وعند ابن ماجه: "صفرًا" أو قال: "خائبتين". والحديث قال عنه الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه)، وقال الحافظ: (سنده جيد) (١). وفي سنده جعفر بن ميمون التميمي بياع الأنماط، وهو متكلم فيه، قال أحمد: (ليس بقوي في الحديث)، وقال ابن معين: (ليس بذاك) وقال في موضع آخر: (صالح الحديث)، وقال مرة: (ليس بثقة)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال أبو حاتم: (صالح)، وقال البخاري: (ليس بشيء)، وقال

стр. 4913

الدارقطني: (يعتبر به) (١)، وقال الحافظ في التقريب: (صدوق يخطئ). وقد تابع جعفرَ بن ميمون سليمانُ التيمي، فرواه محمد بن الزبرقان عنه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان مرفوعًا، رواه ابن حبان (٣/ ١٦٣)، والطبراني في "الدعاء" (١٨٠)، والحاكم (١/ ٥٣٥)، كما تابعه أبو المعلى يحيى بن ميمون، عن أبي عثمان، رواه الخطيب في "تاريخه" (٨/ ٣١٧) والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ١٨٦). وقد رواه الإمام أحمد (٣٩/ ١١٩)، والحاكم (١/ ٤٩٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص (٤٨٤) من طريق يزيد بن هارون، ورواه الإمام أحمد في "الزهد" ص (١٥١) من طريق يحيى بن سعيد، ورواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٣٤٠) من طريق معاذ بن معاذ، ثلاثتهم عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي موقوفًا. وقد تابع سليمانَ التيمي علي وقفه حميدُ الطويل كما في "حديث علي بن حجر" (١٢٧)، وعند البيهقي ص (٩١)، ويزيد بن أبي صالح عند وكيع في "الزهد" (٥٠٤) وهنَّاد في "الزهد" -أيضًا- (١٣٦١)، كما تابعه ثابت البناني، وسعيد الجُريري، كما عند البيهقي (٩١ - ٩٢) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد وسعيد عن أبي عثمان، عن سلمان أنه قال: (أجد في التوراة: إن الله حيي كريم .. الحديث). وهذه اللفظة تفرد بها حماد. وبهذا يتبين أن سليمان التيمي قد اختلف عليه في رفعه ووقفه، ولعل الوقف في رواية سليمان وفي الحديث أشبه بالصواب. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (حيي) هو فعيل من الحياء؛ أي: ذو حياء، والله تعالى يوصف بالحياء على ما يليق بجلاله كسائر صفاته (٢).

стр. 4914

قوله: (كريم) هو الذي يعطي من غير سؤال، فكيف بعد السؤال؟. قوله: (يستحي) جملة مستأنفة بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث، يعني: حياؤه وكرمه يمنعه من أن يخيب عبده السائل (١). قوله: (صفرًا) بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء؛ أي: خاليتين، يقال: صَفِرَ الشيء يَصْفَرُ من باب تَعِبَ: إذا خلا، وبيت صِفْر؛ أي: خالٍ من المتاع (٢)، والمعنى: لم يعطه ما سأله. قال الطيبي: (هذا الوصف يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع) (٣). * الوجه الثالث: الحديث دليل علي ثبوت صفة الحياء لله تعالي علي ما يليق بجلاله وكماله كسائر صفاته التي ليس فيها شبيه ولا مثيل من خلقه، قال تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشوري: ١١] وقد وصف الله نفسه بالحياء، ووصفه رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. قال ابن القيم: (حياء الله تعالى لا تدركه الأفهام، ولا تكيفه العقول، فإنه حياء كرم وبِرٍّ وجود وجلال) (٤). * الوجه الرابع: الحديث دليل علي استحباب رفع اليدين في الدعاء وأن هذا من أسباب الإجابة، وهو -أيضًا- استكانة وعبودية واستطعام، فإن العبد يتفاءل برفع يديه أن الله تعالى يجيب دعاءه، ويضع فيهما حاجته التي سأل ربه (٥). وقد تواتر رفع اليدين حال الدعاء عن النبي ﷺ في أحاديث ومواطن كثيرة، ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ في دعائه ﷺ علي الصفا والمروة (٦)، وحديث أسامة ﵁ في وقوفه ﷺ في عرفة (٧)، وحديث ابن عمر ﵄ في

стр. 4915

دعائه ﷺ بعد رمي الجمرتين (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ في دعائه ﷺ لقبيلة دوس (٢)، وغير ذلك. ورفع اليدين في الدعاء من المسائل التي تواترت فيها الأحاديث تواترًا معنويًّا، فقد ذكر السيوطي في رسالة له ما يقرب من ستين حديثًا، لكنها في مواضع مختلفة، فكل واحد منها لم يتواتر لفظًا، وإنما القدر المشترك فيها وهو الرفع تواتر باعتبار المجموع (٣). فكل موضع رفع فيه النبي ﷺ فإننا نرفع فيه، تأسيًا به ﷺ ، وكل موضع دعا فيه ولم يرفع، فإنه لا يشرع لنا الرفع كدعائه ﷺ في الطواف وأثناء السعي والدعاء بين السجدتين وآخر التشهد وبعد الفراغ من الصلاة، وهكذا في خطبة الجمعة، فإنه لم يرفع، فلا يشرع للخطيب ولا للحاضرين الرفع إلا إذا استسقى، وكذا دخول الخلاء والخروج منه، يقول العز بن عبد السلام: (لا يستحب رفع اليدين في الدعاء إلا في المواطن التي رفع فيها رسول الله ﷺ يديه) (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4916

ما جاء في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء ١٥٦٢/ ١٦ - عَن عُمَرَ ﵁ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَدَّ يَدَيهِ فِي الدُّعاءِ، لَمْ يَرُدَّهُمَا، حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْهَا: ١٥٦٣/ ١٧ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (١). وَمَجْمُوعُهَا يَقْتَضِي أنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ. * الكلام عليهما من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث عمر ﵁ فقد رواه الترمذي في أبواب "الدعوات"، باب (ما جاء في رفع الأيدي عند الدعاء) (٣٣٨٦) والبزار في "مسنده" (١/ ٢٤٣)، من طريق حماد بن عيسى الجهني، عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. وفي رواية: لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه. هذا الحديث مداره علي حماد بن عيسى الجهني غريق الجحفة، وقد ضعفه الأئمة، قال ابن معين: (شيخ صالح)، وقال أبو حاتم وأحمد والدارقطني: (ضعيف الحديث)، وقال أبو داود: (ضعيف، روي أحاديث مناكير) (٢).

стр. 4917

قال الترمذي: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد تفرد به، وهو قليل الحديث، وقد حدث عنه الناس، وحنظلة بن أبي سفيان الجمحي هو ثقة، وثقه يحيى بن سعيد القطان)، وكلام الترمذي هذا يفيد ضعف الحديث، وقد جاء في بعض النسخ غير المعتمدة: (صحيح غريب) وهذا لا يصح، ولهذا فإن المزي لم ينقل عن الترمذي سوى قوله: (غريب) (١)، وقال البزار: (هذا الحديث إنما رواه عن حنظلة حماد بن عيسى، وهو ليِّن الحديث، وإنما ضعف حديثه بهذا الحديث، ولم نجد بُدًّا من إخراجه؛ إذ كان لا يُروي عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، أو من وجه دونه)، وقال أبو زرعة: (هو حديث منكر أخاف ألا يكون له أصل) (٢)، وقال ابن الجوزي: قال يحيى بن معين: (هو حديث منكر) (٣). وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه أبو داود (١٤٨٥) من طريق عبد الملك بن محمد بن أيمن، عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، عمن حدثه، عن محمد بن كعب القرظي، حدثني عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تستروا الجدر، من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه، فإنما ينظر في النار، سلوا الله ببطون كفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم". قال أبو داود: (روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب، كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف أيضًا). وذلك أن هذا الإسناد مسلسل بالمجاهيل، فعبد الملك بن محمد بن أيمن قال عنه الحافظ: (روي له أبو داود حديثًا منقطعًا وضعفه، وقال أبو الحسن بن القطان: حاله مجهولة) (٤)، وقال في "التقريب": (مجهول).

стр. 4918

وشيخه عبد الله بن يعقوب قال عنه الذهبي: (لا أعرفه) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (مجهول). وشيخ عبد الله بن يعقوب لم يسمَّ فهو مبهم، وقد يكون صالح بن حسان، أو عيسى بن ميمون -كما سيأتي-، وكلاهما متروك. ورواه ابن ماجه (٣٨٦٦) من طريق صالح بن حسان، عن محمد بن كعب به، وصالح بن حسان قال عنه البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال ابن عدي: (هو إلي الضعف أقرب منه إلي الصدق) (٢)، وقال ابن حبان: (كان صاحب قينات وسماع، وكان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، حتى إذا سمعها مَنِ الحديث صناعته شهد لها بالوضع) ثم ذكر له هذا الحديث (٣). وقال ابن أبي حاتم في "العلل": (سألت أبي عن حديث رواه سعيد بن محمد الوراق، عن صالح بن حسان … فقال: هذا حديث منكر) (٤). وقد تابع صالحَ بنَ حسانٍ عيسى بن ميمون، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس ﵄، رواه محمد بن نصر في "الوتر" (٥)، وعيسي بن ميمون قال عنه البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (ليس بثقة)، وقال ابن معين: (ليس حديثه بشيء)، وقال ابن حبان: (لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد) (٦). وبهذا يتبين ضعف الحديثين -حديث عمر وابن عباس ﵄ وأنه لا يصلح تقوية أحدهما بالآخر؛ لشدة ضعفهما. وأما قول الحافظ: (ومجموعها يقتضي أنه حديث حسن) فلا ريب أنه

стр. 4919

يريد الحسن لغيره، لا الحسن لذاته، وهذا غير وارد هنا؛ لأن حديث ابن عباس ضعيف -كما تقدم في كلام أبي داود- بل قال عنه أبو حاتم -كما تقدم- (هذا حديث منكر) فمثله لا يصلح في باب الشواهد ولا المتابعات. * الوجه الثاني: يستدل العلماء بحديث عمر وابن عباس ﵄ علي مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء، وهذا القول هو أحد الروايتين عن الإمام أحمد داخل الصلاة وخارجها، وقد ذكر المرداوي في "الإنصاف" أنها هي المذهب (١)، وهو أحد الوجهين عند الشافعية (٢)، قال ابن مفلح: (ويمسح وجهه بيديه، فعله أحمد) (٣)، وقال الموفق بعد أن ذكر الاستحباب عن أحمد وذكر الحديث قال: (ولأنه دعاء يرفع يديه فيه، فيمسح بهما وجهه، كما لو كان خارجًا عن الصلاة، وفارق سائر الدعاء، فإنه لا يرفع يديه فيه) (٤). والقول الثاني: أنه لا يشرع مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، وهذا مروي عن الإمام أحمد -أيضًا- فقد نقل ابن هانئ أنه رفع يديه ولم يمسح (٥)، وقال أبو داود: (سمعت أحمد وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ من الوتر فقال: لم أسمع فيه بشيء، ورأيت أحمد لا يفعله) (٦). وقد ذكر الموفق هذه الرواية ثم قال: (ولأنه دعاء في الصلاة، فلم يستحب مسح وجهه بها كسائر دعائها) (٧). وهذا القول هو الوجه الثاني في مذهب الشافعية. ومما تقدم يتبين أن رواية ترك المسح في المذهب سندها قول أحمد وتركه له، وسند رواية المسح: فعل أحمد له، وعلى هذا فالظاهر أن تركه

стр. 4920

للمسح المطابق لقوله: (لم أسمع فيه بشيء) أولى أن تكون الرواية فيه هي المذهب لا الرواية الثانية (١). وقال المروزي: سئل مالك ﵀ عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء فأنكر ذلك، وقال: (ما علمت) (٢). وروي البيهقي بسنده إلى علي الباشاني قال: سألت عبد الله -يعني ابن المبارك-: عن الذي إذا دعا مسح وجهه، قال: (لم أجد له ثبتًا) قال علي: ولم أره يفعل ذلك، قال: وكان عبد الله يقنت بعد الركوع في الوتر، وكان يرفع يديه (٣). وقال البيهقي: (فأما مسح الوجه باليدين عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يروي عن بعضهم في الدعاء خارجها، وقد روي فيه عن النبي ﷺ حديث فيه ضعف، وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس، فالأولى ألا يفعله، ويقتصر على ما فعله السلف من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة، وبالله التوفيق) (٤). وجاء في "فتاوى العز بن عبد السلام": (ولا يستحب رفع اليدين في الدعاء إلا في المواطن التي رفع فيها رسول الله ﷺ يديه، ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدعاء إلا جاهل) (٥)، هكذا قال، مع أن الإمام أحمد وغيره قد فعله، كما تقدم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما مسح وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا تقوم بهما حجة، والله أعلم) (٦).

стр. 4921

قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (الأفضل الترك، فإن فعله في بعض الأحيان فالأمر واسع، وأما القول بأنه بدعة فهو محل نظر، والأقوي والأقرب عندي أنه ﷺ لم يفعل هذا؛ لأنه لو فعله لنقله رواة الأخبار الصحيحة). والراجح -والله أعلم- أنه لا يشرع المسح لا في الصلاة ولا خارجها، فإن عمدة القائلين بمشروعيته أن الأحاديث الواردة فيه إذا جمع بعضها إلي بعض قويت ونهضت علي الاستدلال بها، وتقدم رد هذا، والمعول على الأحاديث الصحيحة وليس فيها مسح الوجه، والله أعلم.

стр. 4922

ما جاء في فضل الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ - ١٥٦٤/ ١٨ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "الوتر"، باب (ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ ) (٤٨٤)، وابن حبان (٣/ ١٩٢) من طريق محمد بن خالد بن عثمة قال: حدثنا موسى بن يعقوب الزَّمْعِي، قال: حدثني عبد الله بن كيسان أن عبد الله بن شداد أخبره، عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. وهذا لفظ ابن حبان، وليس عند الترمذي لفظة: (إن). والحديث سنده ضعيف؛ لأن في إسناده عبد الله بن كيسان وهو مجهول، قال ابن القطان: (لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه إلا موسى بن يعقوب الزمعي) (١). وفي سنده -أيضًا- موسى بن يعقوب الزمعي متكلم فيه، وأكثر النقاد على تضعيفه، ووثقه بعضهم، فقد وثقه ابن معين، وقال أبو داود: (صالح)،

стр. 4923

وقال ابن عدي: (لا بأس به عندي)، لكنه استنكر حديثه هذا، وضعفه ابن المديني فقال: (ضعيف الحديث، منكر الحديث)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال الدارقطني: (لا يحتج به) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق سيئ الحفظ). ثم إن في سنده اختلافًا، فقد رواه ابن حبان من طريق خالد بن مَخْلَد قال: حدثنا موسى بن يعقوب الزمعي، حدثنا عبد الله بن كيسان قال: حدثني عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبيه … فزاد (عن أبيه)، ولما ذكر الدارقطني الاختلاف في إسناده قال: (والاضطراب فيه من موسى بن يعقوب، ولا يحتج به) (٢). * الوجه الثاني: يستدل العلماء بهذا الحديث علي فضل الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ وأن أولى الناس بالنبي ﷺ وأحقهم بالشفاعة وأقربهم منه منزلة يوم القيامة الذين يكثرون الصلاة عليه ﷺ . وقد روي مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صلي عليَّ واحدة صلي الله عليه عشرًا" (٣). وهذه الصلاة من الله تعالى فسرت بالرحمة وتضعيف الأجر، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقد تكون الصلاة علي حقيقتها بكلام تسمعه الملائكة تعظيمًا للمصلي وتشريفًا له، كما في حديث: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4924

سيد الاستغفار ١٥٦٥/ ١٩ - عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ، أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إلهَ إلا أنتَ، خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي؛ فإنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أَنْتَ". أَخْرَجَهُ الْبُخارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الدعوات"، باب (أفضل الاستغفار) (٦٣٠٦) من طريق الحسين بن ذكوان المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن بُشير بن كعب العدوي، قال: حدثني شداد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي … " وذكر الحديث، وتمامه: قال: "ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة". * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (سيد الاستغفار) أي: سيد ألفاظ، قال الطيبي: (السيد هنا مستعار من الرئيس المقدم الذي يصمد إليه في الحوائج لهذا الدعاء الذي هو جامع لمعاني التوبة كلها) (١). و (الاستغفار) مصدر استغفر، وهو مأخوذ من

стр. 4925

مادة (غَفَرَ) التي تدل على الستر والتغطية، والاستغفار: طلب مغفرة الذنوب بسترها في الدنيا والتجاوز عنها في الآخرة (١). قوله: (أن يقول العبد) لفظة: (العبد) ليست عند البخاري، كما تقدم في السياق، وقد ثبتت في رواية أحمد والنسائي (٢). قوله: (اللهم) الميم المشددة عوض عن حرف النداء؛ أي: يالله، وهذه الصيغة تستعمل في الطلب، كما هنا، وفي غيره مثل: اللهم إني أصبحت أُشْهِدُك. قوله: (أنت ربي) أي: لا غيرك، واستفيد الحصر من تعريف المسند والمسند إليه. قوله: (لا إله إلا أنت) أي: ليس لي معبود ولا مألوه إلا أنت. قوله: (خلقتني) كذا في "صحيح البخاري"، وذكر الحافظ أنه وجد في نسخة معتمدة: (أنت خلقتني) بزيادة الضمير، وقدم ذكر التوحيد على طلب المغفرة؛ لأن التوحيد أعظم الأسباب التي تستجلب بها المغفرة، وعدمه مانع من المغفرة بالكلية (٣). قوله: (وأنا عبدك) معطوف علي قوله: (أنت ربي) كأنه قال: اللهم أنت ربي وأنا عبدك؛ أي: تألهًا وخلقًا، وأجاز الطيبي أن تكون حالًا مؤكدة، أو حالًا مقدرة، أي: أنا عابد لك، كقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢] ويؤيد هذا ما بعده (٤). قوله: (وأنا على عهدك ووعدك) أي: أنا علي ما عاهدتك عليه من الإيمان بك وإخلاص الطاعة لك، وأنا مقيم علي حقيقة وعدك لي بالتوبة والأجر. أو أنا مقيم علي ما عهدت إليَّ من أمرك ومتمسك به، وعلي وعدك؛

стр. 4926

أي: مصدق بوعدك في المثوبة والأجر (١). قوله: (ما استطعت) ما: مصدرية؛ أي: بحسب استطاعتي، لا بحسب ما ينبغي لك وتستحقه علي، والاستطاعة هي القدرة علي الشيء، وفي هذا إعلام من النبي ﷺ لأمته أن العبد لا يقدر علي الإتيان بجميع ما أُمر به، ولا الوفاء بكمال طاعة الله، ولا القيام بما يجب من شكر النعم. قوله: (أعوذ بك) أي: ألتجئ إليك وأعتصم بك، فأنت المستعاذ به. قوله: (من شر ما صنعت) أي: من شر الذي صنعته، علي أن (ما) موصول اسمي، أو من شر صنعي علي أنه موصول حرفي، وهذا هو المستعاذ منه، وخص الشر؛ لأن صنع الخير محبوب لله تعالي، والعبد مأمور بفعله عهدًا وميثاقًا ووعدًا، بخلاف الشر فإنه معاهد علي تركه واجتنابه. قوله: (أبوء لك بنعمتك عليَّ) يقال: باء يبوء: رجع وانقطع؛ أي: اعترف لك طوعًا بنعمتك عليَّ، فكأنه رجع إلي الإقرار والاعتراف، ولفظ النعمة يفيد العموم في جميع نعم الله تعالى علي عباده ظاهرها وباطنها؛ لأنه مفرد مضاف كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. قوله: (وأبوء بذنبي) أي: أرجع علي نفسي بالإقرار والاعتراف بإثمي ومعصيتي، وقال صاحب كتاب "الأفعال": (باءَ بالذنب: أَقَرَّ) (٢). وقال الخطابي: (معناه الإقرار بها -أيضًا- كالأول، ولكن فيه معنى ليس في الأول، تقول العرب: باء فلان بذنبه: إذا احتمله كرهًا، لا يستطيع دفعه عن نفسه) (٣). ولفظ الذنب وإن كان مفردًا، فإنه يعم كل ذنب من فعل محظور أو ترك واجب؛ لأنه مفرد مضاف كالذي قبله، والمعنى: أنا معترف لك بإنعامك عليَّ الذي يستوجب عليّ حمدًا، ومعترف بذنبي الذي يستوجب مني استغفارًا.

стр. 4927

قوله: (فاغفر لي) لفظ "الصحيح": (اغفر لي) بدون فاء، لكن جاء في طبعة الناصر لـ "الصحيح" ما يدل علي صحة سماعها (١)، وقوله: (اغفر) فعل دعاء من: غفر يغفر غفرًا، من باب ضرب، وأصل الغفر: الستر والتغطية، والمغفرة من الله تعالى ستره للذنوب، ووقاية العبد آثامها، بعفوه عنها بفضله ورحمته. قوله: (فإنه لا يغفر النفوب إلا أنت) ضمير الهاء للشأن والأمر. * الوجه الثالث: الحديث دليل علي فضل الاستغفار وأنه من أعظم أسباب مغفرة الذنوب إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، ومن ذلك أن يسلم العبد من الإصرار علي المعصية؛ وهذا هو الاستغفار التام، أما الاستغفار مع إصرار القلب علي الذنب فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه، وإن شاء رده، وقد يكون الإصرار مانعًا من الإجابة. وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار فتارة بالأمر به، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وتارة بمدح أهله، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وتارة بالوعد بالمغفرة لمن استغفره، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] (٢). يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: (أي: من تجرأ علي المعاصي واقتحم علي الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا تامًّا، يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، والإقلاع، والعزم علي ألا يعود، فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة، فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة، ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلًا عن توفيقه؛ لأنه قد غفره وإذا غفره، غفر ما يترتب عليه) (٣).

стр. 4928

* الوجه الرابع: الحديث دليل علي أن هذه الصيغة الواردة في هذا الحديث هي أفضل صيغ الاستغفار، وذلك لأن فيه الثناء علي الله تعالى، ثم الاعتراف بربوبيته وألوهيته وأنه لا معبود بحق غيره، وأن العبد مقيم الوعد ثابت العهد بحسب طوقه واستطاعته، ثم فيه الاستعاذة بالله سبحانه من شر ما صنع العبد من ارتكاب للآثام أو تقصير في طاعة أو شكر علي نعمة، ثم فيه الإقرار بترادف النعم وما يصيب العبد من الذنوب والمعاصي، وختمه بسؤال المغفرة من الله الذي لا يغفر الذنوب سواه، قال الحافظ ابن رجب: "أفضل أنواع الاستغفار أن يبدأ العبد بالثناء علي ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة" (١). * الوجه الخامس: في الحديث الاعتراف بنعم الله تعالى علي عبده وترادف فضله وإحسانه، وهذا يتضمن شكر المنعم ؛ لأن من أعظم الدواعي لشكر النعم تذكر النعمة والاعتراف بها، ومن مظاهر التقصير في الشكر الغفلة عن النعم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] وهذا يفيد أنهم لن يقوموا بالشكر علي الوجه المطلوب؛ لأن من لا يحصي نعمة الله عليه كيف يقوم بشكرها؟. وفيه الاعتراف بالذنب الذي يستدعي من العبد لزوم الاستغفار، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (متى شهد العبد هذين الأمرين استقامت له العبودية، وترقي في درجات المعرفة والإيمان، وتصاغرت إليه نفسه، وتواضع لربه، وهذا هو كمال العبودية، وبه يبرأ من العجب والكبر، وزينة العمل) (٢). وقال ابن القيم: (العبد يسير إلي الله بين مَشَاهِدِ مِنَّتِهِ عليه ونعمه وحقوقه، وبين رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته، وهو يعلم أن ربه لو عذبه أشد العذاب لكان قد عدل فيه، وأن أقضيته كلها عدل فيه، وأن ما هو فيه من الخير فمجرد فضله ومنته وصدقته عليه، ولهذا كان في حديث سيد

стр. 4929

الاستغفار: "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي" فلا يري نفسه إلا مقصرًا مذنبًا، ولا يري ربه إلا محسنًا متفضلًا) (١). * الوجه السادس: الحديث دليل علي إثبات قوة العبد وقدرته واستطاعته، وأنه غير مجبور علي ذلك، بل له استطاعة هي مناط الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وفي هذا رد علي القدرية المجبرة الذين يقولون: إن العبد مجبر علي عمله، وليس له فيه إرادة ولا قدرة، وإنما يعاقبه الله علي فعله هو، لا علي فعل العبد. وهذا مذهب باطل يرده الشرع والعقل والواقع أما الشرع فإن الله تعالى أثبت للعبد إرادة ومشيئة، وأضاف العمل إليه، قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. وأما الواقع فإن كل إنسان يعلم الفرق بين أفعاله الاختيارية التي يفعلها بإرادته كالأكل والشرب والبيع والشراء، وبين ما يقع عليه بغير إرادته كالارتعاش من الحُمَّى والسقوط من السطح، فهو في الأول فاعل مختار بإرادته من غير جبر، وفي الثاني غير مختار ولا مريد لما وقع عليه (٢). والله تعالي أعلم.

стр. 4930

من الأدعية الجامعة في الصباح والمساء ١٥٦٦/ ٢٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُ هؤلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلكَ الْعَافِيَةَ فِي دِيني، وَدُنيَايَ، وَأَهْلِي، وَمَالِي. اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، واحْفَظْنِي مِنْ بَينِ يَديَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَال مِنْ تَحْتِي". أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الأدب"، باب (ما يقول إذا أصبح) (٥٠٧٤)، ورواه النسائي في "الصغرى" (٨/ ٢٨٢) وفي "السنن الكبرى" (٩/ ٢١٠)، وابن ماجه (٣٨٧١)، وأحمد (٨/ ٤٠٣)، والحاكم (١/ ٥١٧ - ٥١٨) من طريق عُبادة بن مسلم الفَزَاري، عن جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: لم يكن رسول الله ﷺ هؤلاء الدعوات … الحديث. وهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي، وقال النووي: (رويناه بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه) (١).

стр. 4931

* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يَدَعُ) أي: يترك، من ودع الشيء: إذا تركه، وقد زعم النحاة أن العرب أماتت ماضيَ (يَدَعُ) ومصدره واسم الفاعل مع ثبوتها (١)، ولو عبروا بالقلة لكان أحسن، وتقدم الكلام على هذا في أول "الجمعة" عند الحديث (٤٤٥). قوله: (حين يمسي) أي: يدخل في المساء، وهو مضارع أمسي وهو تام، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، ومثله (حين يصبح)، والمساء: خلاف الصباح، قال ابن القوطية: (المساء ما بين الظهر إلي المغرب)، وقال بعضهم: إلى نصف الليل (٢)، وقال في "القاموس" (الصُّبْحُ: الفجر أو أول النهار، والمساء: ضد الصباح). قوله: (العافية في ديني) السلامة في ديني من المعاصي والآثام والمخالفات والبدع، وجاء عند أبي داود والنسائي وابن ماجه: "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي … ". قوله: (ودنياي) أي: أسألك العافية في دنياي من المصائب والشرور المكدرة، والمعيشة المنغصة، والانهماك فيها الذي يلهي عن الله تعالى وعن الدار الآخرة. قوله: (وأهلي) يطلق الأهل على الزوجة، والمراد هنا: الزوجة والأولاد؛ لأن الأهل يطلق -أيضًا- على سكان الدار، والمراد سؤال العافية لأهله من الأمراض والانحراف وسوء العشرة وألا يري فيهم ما يسوؤه. قوله: (ومالي) أي: وأسألك العافية في مالي من الآفات والشبهات المؤثرة علي سلامة الكسب. قوله: (استر عوراتي) العورة: اسم لكل ما يستحيي منه إذا ظهر من

стр. 4932

الذنوب والعيوب؛ أي: عيوبي وزلاتي، والدعاء بسترها يتضمن الدعاء بمغفرتها. قوله: (وآمن روعاتي) جمع روعة وهي الفزع؛ أي: فزعاتي التي تخيفني، تقول: راعني الشيء روعًا من باب ضرب: أفزعني، ويروعني مثله (١). وإيراد هذا وما قبله بصيغة الجمع إشارة إلي كثرتها، وبالأمن منها يتم كمال الإنسان وخَلاصه؛ ولأنه يدخل في الحديث روعات يوم القيامة. قوله: (واحفظني من بين يدي … ) إلخ، أي: ادفع عني البلاء من جهاتي الست، فلا يصيبني شر من أي جهة منها، وعمم الجهات لأن الآفات تأتي منها. قوله: (وأعوذ بعظمتك) أي: وأستجير وأتحصن بعظمتك وجلالك، والعظمة: صفة من صفات الله تعالى، وهي تعني جميع معاني العظمة والجلال؛ كالقوة والعزة وكمال القدرة وسعة العلم، وغير ذلك من أوصاف العظمة التي لا يستحقها أحد سواه. وبالغ في الدعاء لجهة السفل فخصها بالعظمة لعظم شأنها؛ لأن الاغتيال أمره خطير بأن تُخسف به الأرض، كما صنع الله بقارون، أو بالغرق كما صنع الله بفرعون، فالكل اغتيال من التحت. قوله: (أن أغتال من تحتي) بضم الهمزة للمتكلم، وهو مبني لما لم يسم فاعله، من الاغتيال وهو أخذ الشيء غِيلة؛ أي: خفية. وقد فسر جبير بن أبي سليمان -أحد رواة الحديث- الاغتيال من الجهة التحتية بالخسف، قال في "القاموس": (خسف الله بفلان الأرض: غيبه فيها) (٢)، قال عُبادة بن مسلم: (فلا أدري قول النبي ﷺ أو قول جبير) (٣)،

стр. 4933

وقد فسره -بذلك أيضًا- وكيع بن الجراح، كما جاء مصرحًا به عند أبي داود. * الوجه الثالث: استحباب الدعاء بهؤلاء لكلمات الجامعة في الصباح والمساء تأسيًا بالنبي ﷺ ، ولما في هذا الدعاء من الخير العظيم الجامع لسعادة الدنيا والآخرة؛ لأن فيه الدعاء بسلامة الإنسان في دينه ودنياه وأهله وماله من الشرور وأسبابها، وفيه الدعاء بحفظ الإنسان من جميع الجهات؛ لأن العبد بين أعدائه من شياطين الإنس والجن كالشاة بين الذئاب إذا لم يكن له حافظ من الله فما له من قوة. إن على العبد أن يأخذ بأسباب حفظ الله تعالى له، ويحرص عليها، وأعظمها: توحيد الله تعالى، وفعل ما يحبه، واجتناب ما يسخطه، ومن ذلك: المحافظة علي مثل هذه الأدعية الجامعة، وأذكار الصباح والمساء؛ ليحظي العبد من ربه بحفظ دينه وإيمانه من الشبهات المردية، والبدع المضلة، والشهوات المحرمة، وبحفظ دينه عند موته، فيتوفاه علي الإسلام، كما يحظي من ربه بحفظ دنياه وبدنه وولده وأهله وماله وذريته، ولا حافظ للعبد في دينه ودنياه وجميع شؤونه إلا الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَي كُلِّ شَئٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧] ومن تخلي الله عن حفظه فإنه هالك ضائع، ولا حافظ له من بعبد الله، وعلي حسب ما عند العبد من الإيمان واليقين والتوكل يكون حفظ الله له، وتكون مدافعة الله عنه بلطفه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]. * الوجه الرابع: جاءت الأذكار والأدعية في الكتاب والسنة، منها ما هو مطلق لم يقيد بوقت، كما تقدم في بعض الأحاديث، ومنها ما هو مقيد بوقت، ومنه الصباح والمساء وما جاء في معناهما، كحديث ابن عمر ﵄ هذا، وحديث أبي هريرة ﵁ الآتي، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]،

стр. 4934

والبكرة: أول النهار، والأصيل: آخر النهار، ما بين العصر والمغرب (١). وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] قال الخليل: (العَشِيُّ: آخر النهار) (٢)، وقال الأزهري: (العَشِيُّ عند العرب: ما بين أن تزول الشمس إلي أن تغرب) (٣) واقتصر عليه ابن جرير (٤)، وقال الجوهري: (من صلاة المغرب إلي العَتَمَةِ) (٥) وقال ابن فارس: (العين والشين والحرف المعتل أصل صحيح يدل علي ظلام وقلة وضوح في الشيء، ثم يُفَرَّعُ منه ما يقاربه، من ذلك العِشَاءُ، وهو أول ظلام الليل … والعَشِيُّ: آخر النهار، وقد قيل: كل ما كان بعد الزوال فهو عَشِيٌّ .. ) (٦). وقد فُسِّرَ التسبيح الذي جاء مقيدًا بالغداة والعشي بأن المراد به: الصلاة المكتوبة، قال به مجاهد ومقاتل (٧)، وفي قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] قال ابن عباس ﵄: (يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة) (٨) والصلاة تسمي تسبيحًا، لأن الله يوحد فيها وينزه (٩). وما ورد من ذكر المساء والصباح في الأحاديث الشريفة فقد أريد به أن يكون من أوراد طرفي النهار، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما أن طرفي النهار ما بين الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب، قال ابن القيم: (وهذا تفسير ما جاء في الأحاديث أن من قال كذا وكذا حين يصبح وحين يمسي، أن المراد به: قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وأن محل هذه الأذكار بعد الصبح وبعد العصر) (١٠).

стр. 4935

فظهر بذلك أن وقت أذكار الصباح بعد الصبح وقبل طلوع الشمس، وأذكار المساء بعد العصر وقبل غروب الشمس. ولعل الحكمة في هذا -والله أعلم- أن يكون مفتتح الأعمال وابتداؤها ذكر الله تعالى، فيرجي أن يكتب للعبد سائر يومه طاعةً وذكرًا؛ لأن من كان أول عمله طاعة وآخره طاعة، فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين (١)، إضافة إلي ما في الأذكار من فوائد عظيمة ومصالح جمة، ذكرها العلامة ابن القيم، ومنها: ١ - أن الأذكار سبب انشراح الصدر وسرور القلب ولذته بذكر الله تعالي. ٢ - أن ذكر الله تعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده. ٣ - أن العبد إذا تعرف إلي الله تعالى بذكره في الرخاء عرفه الله في الشدة. ٤ - أن الذكر جلاب للنعم دافع للنقم. ٥ - أن الذكر حرز من الشياطين يحفظ الإنسان في نفسه وأهله وولده وماله (٢) والله تعالى أعلم.

стр. 4936

استحباب الاستعاذة من هذه الأربع ١٥٦٧/ ٢١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفَجْأَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. * الكلام مع عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الرقائق"، باب (أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء) (٢٧٣٩) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك … " الحديث. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أعوذ بك) أي: ألتجئ وأعتصم بك. قوله: (من زوال نعمتك) أي: ذهابها من غير بدل، والنعمة مفرد مضاف، فتعم النعم الظاهرة والباطنة، فالظاهرة هي التي تعرف كالأكل والشرب والسكن واللباس، ونعمة الجوارح وسائر النعم التي تري في الكون، والباطنة هي لا تعرف، وإنما يعرفها الإنسان من نفسه؛ كالقوة والصحة والفهم وقوة الإيمان واليقين ومحبة الله وتعظيمه وغير ذلك، وأعظم النعم نعمة الإسلام والإيمان. قوله: (وتحول عافيتك) بفتح التاء والمهملة وتشديد الواو مضمومة

стр. 4937

مصدر تحوَّل، والتحول هو الانتقال؛ أي: وانتقال عافيتك عني بحصول المرض بدل الصحة، والفقر بدل الغِنَي، والعافية: ضد المرض، أو هي السلامة من جميع مكاره الدارين، وهذا أحسن (١). والفرق بين الزوال والتحول: أن الزوال في شيء كان ثابتًا ثم فارقه، والتحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره، فمعني زوال النعمة: ذهابها من غير بدل، وتحول العافية إبدال الصحة بالمرض والغني بالفقر (١)، وقد يكون المعنى واحدًا، وتغيير اللفظ له معنى بلاغي، وهو التفنن في التعبير. قوله: (وفجأة نقمتك) ضبطت في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي لـ "الصحيح" بضم الفاء وبفتح الجيم ممدودة، ويروي بفتح الفاء وإسكان الجيم من غير مد على وزن جَلْسة (٢). قال أهل اللغة: (فَجَأ الأمرُ، وفَجِئَ فُجَاءَةً: جاء بغتة، وفَجَأْتُهُ، وفَجِئْته: مثله) (٣). والنقمة: بكسر النون وسكون القاف بوزن النعمة اسم من الانتقام، وهو المكافأة بالعقوبة والأخذ بغتة، وخصها بالذكر لأنه أشد. قوله: (وجميع سخطك) هذا تعميم بعد تخصيص، وهو يحتمل أنه استعاذة بالله من الأسباب الموجبة لسخط الله تعالى، وإذا انتفت الأسباب المقتضية للسخط حصلت أضدادها؛ لأن الرضا ضد السخط كما في حديث: "أعوذ برضاك من سخطك" (٤)، ويحتمل أن تكون الاستعاذة علي ظاهرها؛ أي: من السَّخَطِ نفسه. * الوجه الثالث: الحديث دليل علي استحباب الدعاء بهؤلاء الكلمات

стр. 4938

الجامعة؛ لاشتمالها علي المعاني السامية والمطالب العظيمة التي بها سعادة الإنسان في الدنيا وفلاحه في الآخرة. وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من أربعة أمور: الأول: الاستعاذة من زوال النعم التي بها قوام الإنسان وصلاحه، وهذا يتضمن السؤال بالتوفيق لشكرها، والسلامة مما يكون سببًا في زوالها من الذنوب والمخالفات. الثاني: الاستعاذة من تحول العافية وانتقالها بحلول المرض بدل الصحة والفقر بدل الغني، والعافية نعمة كبري يطمح إليها الإنسان؛ ليتوج بها نفسه، ليحيا حياة سعيدة معمورة بطاعة الله تعالى، فيسأل الله تعالى أن يبقي هذه النعمة في دينه ودنياه وأهله وأولاده. الثالث: الاستعاذة بالله تعالى من بغتة النقمة والأخذ بالعقوبة حيث لا يكون عنده سابق تحذير أو إنذار. الرابع: الاستعاذة بالله تعالى من سخطه علي عبده ومن الأسباب الموجبة لذلك من الوقوع في مخالفة الشرع من ترك واجب أو فعل محرم. والله تعالى أعلم.

стр. 4939

استحباب الاستعاذة من غلبة الدين ١٥٦٨/ ٢٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّينِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ". رَوَاهُ النَّسائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه النسائي في كتاب "الاستعاذة"، باب (الاستعاذة من غلبة الدين) (٨/ ٢٦٥) من طريق عبد الله بن وهب، وأحمد (١١/ ١٨٩) من طريق ابن لهيعة، والحاكم (١/ ١٠٤) من طريق ابن وهب -أيضًا- كلاهما عن حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات … الحديث. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح علي شرط مسلم، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي. والحديث في إسناده ابن لهيعة عند أحمد، وهو سيئ الحفظ، ومداره على حيي بن عبد الله وهو المعافري متكلم فيه، فقد قال عنه البخاري: (فيه نظر) (١)، وقال أحمد: (أحاديثه مناكير)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، وقال ابن عدي: (أرجو أنه لا بأس به إذا روي عنه ثقة) (٢)، وقال الحافظ: (صدوق يهم).

стр. 4940

وقول الحاكم: إنه على شرط مسلم، فيه نظر، فإن حيي بن عبد الله لم يخرج له مسلم. كما يفهم من ترجمته في "التهذيب" (١). ولبعض جمل هذا الحديث شواهد صحيحة، فقد روي البخاري (٦٣٤٧)، ومسلم (٢٧٠٧) من طريق سفيان حدثني سُمَيٌّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء. قال سفيان: الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن هي. وقد رجح الحافظ أنها: "شماتة الأعداء" (٢)، وروي البخاري الحديث في "القدر" (٦٦١٦) بلفظ: "تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء … " الحديث. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من غلبة اللين) بفتح الغين المعجمة واللام، والدين: بفتح الدال هو القرض وكل ما لزمك لغيرك من المال كثمن مبيع ونحوه. وغلبة الدين: ثقله وشدته بحيث يعجز الإنسان عن قضائه. قوله: (وغلبة العدو) أي: انتصاره عليَّ وقهره إياي وتحكمه فيَّ، والعدو: ضد الولي، وهو يقال للواحد والاثنين والجمع، ويقال للأنثي: عدوة، وقد يجمع على عِدًى وأعداء (٣). قوله: (وشماتة الأعداء) الشماتة: بالفتح الفرح على ما ينزل بالمعادي ويصيبه من المصائب، والمعنى: أعوذ بك أن يفرحَ عليَّ عدوي ويسَرَّ بسبب نكبة في بدني أو أهلي أو مالي. * الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الاستعاذة من الأمور المذكورة لشدة وقعها على الإنسان وعظيم أثرها؛ لأن الدين إذا كثر وعجز المدين عن القضاء وقع في الهم والغم والتعب والقلق في بدنه وقلبه وفكره،
следующие страницы →