← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي، وكذا صححه ابن حزم، والنووي (١)، وقد تعقب الألبانيُّ الحاكمَ والذهبيَّ بأن الحديث لا يصل إلى رتبة الصحيح، بل هو من قبيل الحسن؛ لأن فيه محمد بن عمرو وهو ابن علقمة، وإنما أخرج له البخاري مقروناً بغيره، ومسلم متابعة، وفي حفظه ضعف يسير، فيكون حديثه في رتبة الحسن (٢)، قال الحافظ عنه في «التقريب»: (صدوق له أوهام). والحديث مع ما فيه من المقال فقد عمل به أهل العلم ﵏، وحملوه على المستحاضة المبتدأة التي ليس لها عادة ترجع إليها، ولكنها مميزة، فقالوا: ترجع إلى التمييز، وهذا أولى من ردها إلى عادة غالب النساء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن فاطمة بنت حبيش) تقدم ذكرها في «نواقض الوضوء». قوله: (تستحاض) أي: يصيبها حيض كثير، فالسين والتاء للمبالغة، والاستحاضة: استمرار خروج دم المرأة كل الوقت أو أكثره. ودم الاستحاضة قد يكون من الرحم أو من أدنى الرحم أو من الفرج، والاستحاضة لها أسباب متعددة ذكرها الأطباء، منها: ١ - وجود أورام بجسم الرحم. ٢ - وجود قرحة في عنق الرحم. ٣ - وجود ورم في عنق الرحم. ٤ - وجود التهابات أو أورام أو أجسام غريبة في الفرج. وقد قررت الندوة الثالثة للفقه الطبي في الكويت في ٢٠ شعبان ١٤٠٧ هـ: (الاستحاضة طبياً: الدم المرَضِيّ غيرُ السّوي، وأسبابها المرضية شتى) (٣).

стр. 527

قوله: (أسود يُعرف) بضم الياء وفتح الراء مبني للمجهول، مأخوذ من المعرفة، أي: تعرفه النساء بلونه وثخانته كما تعرفه بالعادة، ويجوز ضم الياء وكسر الراء مأخوذ من الإعراف، أي: له عَرْف - بفتح فسكون - والعَرْفُ: الرائحة. قوله: (فإذا كان ذلكِ) بكسر الكاف، والمشار إليه: الدم الأسود، والمخاطب: فاطمة، وكان: تامة بمعنى: حصل، واسم الإشارة: فاعل. قوله: (فأمسكي عن الصلاة) رواية الصحيحين: «فاتركي الصلاة». قوله: (فإذا كان الآخر) أي: غير الأسود، بأن كان أصفر أو أشقر أو أكدر. قوله: (فإنما هو عرق) على حذف مضاف، أي: دم عرق، ومعناه: أن غير الأسود ليس بحيض فاغتسلي وتوضئي؛ لأنه دم عرق انفجر، لا دم حيض، فلا يمنع صلاة ولا صوماً ولا غيرهما مما يحل للطاهرات. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المستحاضة التي زاد دمها وكثر أنها تنظر في الدم إذا اشتبه عليها الحيض، فتميز أيام حيضها بلون دم الحيض الأسود، فالأسود حيض تجلس له، وما عداه استحاضة. وقد حمل جماعة من أهل العلم هذا الحديث على المرأة المبتدأة التي أطبق عليها الدم أول ما بدأت تحيض، فهذه ترجع إلى التمييز بكل حال؛ لأنه ليس لها عادة ترجع إليها. وقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني فسألت ابن عباس ﵄، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار فلتغتسل وتصلي (١). قال في «تاج العروس»: (دم بحراني: شديد الحمرة .... ومن المجاز: دم بحراني: أي أسود، نسب إلى بحر الرحم، وهو عمقه) (٢).

стр. 528

فهذا الأثر يؤيد حديث الباب ويدل على أن المستحاضة التي ليس لها عادة ترجع إليها أنها ترجع إلى التمييز. أما إن كان لها عادة تعرفها، ثم طرأت عليها الاستحاضة فهذه فيها قولان: الأول: أنها ترجع إلى عادتها ولا تنظر إلى التمييز، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قول الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية (١)، لما ثبت من قوله ﷺ لفاطمة: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي»، ولم يستفصل الرسول ﷺ هل هي مميزة أو لا؟. القول الثاني: أنها تعمل بالتمييز وتقدمه على العادة، واستدلوا بهذا الحديث، قالوا: ولأن عادتها قد تتغير فتكون في آخر الشهر بدلاً من أول الشهر، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية والشافعية على بعض التفاصيل عندهم والتي موضعها كتب الفقه، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). والقول بالرجوع إلى العادة أرجح؛ لأنه هو الثابت في الصحيحين، ولأنه أسهل على المرأة وأبعد لها عن الاضطراب. فإن كان لا تمييز لها ولا عادة عملت بعادة غالب النساء ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية، لحديث حمنة بنت جحش ﵂، كما سيأتي إن شاء الله. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من الفروق بين دم الحيض ودم الاستحاضة: اللون وأن دم الحيض أسود، ودم الاستحاضة أحمر يميل إلى الصفرة، وقد ورد ذلك - أيضاً - في حديث عائشة ﵂ قالت: اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة من أزواجه، فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي (٣)، قال ابن رجب: (وفي حديث

стр. 529

عائشة ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عن دم الحيض بلونه وصفرته) (١)، وهذا الفرق هو الذي ورد في السنة صراحة، وقد ذكر العلماء ثلاثة فروق أخرى وهي: ١ - أن دم الحيض ثخين ودم الاستحاضة رقيق، ولعل سبب ذلك ما ذكره الدكتور محمد البار حيث يقول: (وعند فحص دم الحيض بالمجهر فإننا نرى كرات الدم الحمراء والبيضاء وقطعاً من الغشاء المبطِّن للرحم) ويقول: (وينزل دم الحيض محتوياً على قطع من الغشاء المبطِّن للرحم مفتتة) (٢). ٢ - أن دم الحيض كريه الرائحة، ودم الاستحاضة لا رائحة له. ذكر ذلك بعض الفقهاء، والدكتور البار (٣). ٣ - أن دم الحيض لا يتجمد ودم الاستحاضة يتجمد، وهذا قد يستفاد من قوله ﷺ : «إنما ذلك عرق» ودماء العروق تتجمد، وقد نقل الدكتور البار عن بعض الأطباء الغربيين: أن دم الحيض لا يتجمد؛ لأنه قد تجمد في الرحم ثم انفجر وسال، فإن ظهر أثناء الحيض دم متجمد فإن ذلك دم غير طبيعي (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 530

ما جاء في اغتسال المستحاضة ووقته ١٣٩/ ٢ - وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ: (لِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ، فإذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ المَاءِ، فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلاً وَاحِداً، وَتَغْتَسِلْ للمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلاً وَاحِداً، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلاً، وَتَتَوَضّأْ فِيما بَيْنَ ذلِكَ). الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي أسماء بنت عُميس - بضم العين المهملة - وفي نسبها اختلاف كثير، وهي من السابقين إلى الإسلام، هاجرت ﵂ إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له هناك ثلاثة أولاد، ثم هاجرت إلى المدينة، وقد ورد في صحيح البخاري من حديث أبي موسى ﵁ وهو حديث طويل، وفيه: لما قال لها عمر ﵁: (سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم)، فذكرتْ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهلَ السفينة هجرتان … » (١). فلما استشهد زوجها يوم مؤتة تزوج بها أبو بكر الصديق ﵁، فولدت له محمداً وقت الإحرام في حجة الوداع، ولما توفي الصدِّيق غسَّلته أسماء (٢)، ثم تزوجها علي ﵁. وقد نقل الذهبي عن الشعبي أنه قال: أول من أشار بنعش المرأة - يعني

стр. 531

المكبّة - أسماء، رأت النصارى يصنعونه بالحبشة (١). روى عنها ابنها عبد الله بن جعفر، وابن أختها عبد الله بن شداد، وسعيد بن المسيب، وعروة، والشعبي، وآخرون (٢). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٢٩٦) في «الطهارة» باب: «من قال: تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلاً»، وأخرجه الدارقطني (١/ ٢١٥)، والحاكم (١/ ٢٨١)، والبيهقي (١/ ٣٥٣) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله: إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا، فلم تصل، فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! هذا من الشيطان، لتجلس في مركن … » الحديث بتمامه، وهو لفظ أبي داود. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه الألفاظ). وهذا فيه نظر، فإن في إسناده سهيل بن أبي صالح، وهو متكلم فيه، ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (يخطئ) (٣)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وقال أحمد: (ما أصلح حديثه!)، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه ولا يحتج به)، قال ابن المديني: (كان لسهيل أخ فمات فَوَجَدَ عليه فنسي كثيراً من الحديث) (٤)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق تغير حفظه بأخرة، روى له البخاري مقروناً وتعليقاً). وقد خالف سهيل بقية الرواة عن الزهري، فقد رواه الليث، وإبراهيم بن سعد، وابن عيينة، ومعمر، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث، وابن إسحاق، وابن أبي ذئب، وغيرهم، كلهم رووه عن الزهري، عن عروة، وتارة عن عمرة

стр. 532

بنت عبد الرحمن بن سعد (١)، وتارة يجمعهما عن عائشة، ولم يذكروا أسماء، وجعلوه في قصة أم حبيبة، ولم يجعلوه في قصة فاطمة، وقد ذكر ذلك البيهقي (٢). وقد حكم بعض العلماء كابن عبد البر على حديث الزهري بأنه مضطرب لذلك (٣)، وهذا فيه نظر، فإنه لا مانع أن يكون الزهري سمعه من عروة وعمرة عن عائشة، فكان تارة يجمعهما وتارة يفرقهما، وقد وردت الرواية في الصحيحين عن عروة وعمرة مجتمعين (٤). قال الدارقطني: (هو صحيح عن عروة وعمرة جميعاً). وخالفهم سهيل فرواه عن الزهري، عن عروة، عن أسماء، كما في هذا السياق، ثم إنه اختلف في لفظه على سهيل، فإنه قد ذكر فيه الاغتسال للصلوات المجموعة، وكذا الفجر، وخالف بذلك رواية الأكثر، فإنه ليس فيها الأمر بالاغتسال للصلوات المجموعة، بل فيها: «وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»، وفي رواية: «وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي». ولا ريب أن هذه المخالفة لا تقبل منه، لا سيما أنه تغير في آخر عمره، فيكون حديثه من قبيل الحسن، بشرط ألا يخالَف أو يُختلف عليه، وهذا لم يتحقق في هذا الحديث، فتكون رواية الصحيحين مقدمة على روايته، وقد ورد عند أبي داود (٢٨١) من رواية جرير عن سهيل به، بلفظ: (أمرها - يعني رسول الله ﷺ أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، ثم تغتسل)، وهذا قريب من لفظ البخاري. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (لتجلس في مركن) بكسر الميم وسكون الراء، هو وعاء تُغسل فيه الثياب.

стр. 533

قوله: (فإذا رأت صفرة فوق الماء) أي: أنها تجلس في مركن فيه ماء لتعرف حال دمها، فإذا علا الماءَ صفرةٌ كان دمَ استحاضة، وإن علاه غيرها فهو حيض. قوله: (وتتوضأ فيما بين ذلك) أي: إذا أرادت أن تصلي فيما بين الصلوات صلاة أخرى، وقد رأت ناقضاً فإنها تتوضأ ولا تغتسل؛ لأن الغسل مختص بالأوقات الخمسة. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المستحاضة تغتسل لكل صلاتين غسلاً واحداً، فتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وللمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، وأنها تصلي الظهر آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، وهكذا المغرب والعشاء، وبذا قال جماعة من الصحابة والتابعين؛ منهم: علي وابن عباس ﵄ وإبراهيم النخعي، لكن تقدم أن الصواب رواية الصحيحين، وأنه يجب الاغتسال عند إدبار الحيضة غسلاً واحداً. وأما الجمع فقد قال أبو داود بعد سياقه الحديث: (رواه مجاهد عن ابن عباس ﵄ لما اشتد عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين) (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 534

المستحاضة تجمع بين الصلاتين ١٤٠/ ٣ - وعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدةً، فأَتَيْتُ النّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: «إنمَا هِي رَكْضَةٌ مِنَ الشّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتّةَ أَيّامٍ، أَوْ سَبْعَةً، ثمّ اغْتَسِلِي، فَإذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِين، أَو ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلّي، فَإنّ ذلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكذلِكَ فَافْعَلِي كما تحِيضُ النّساءُ، فَإنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤخّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجّلي الْعَصْرَ، ثمّ تَغْتَسِلي حِينَ تَطْهُرِينَ وتُصَلّين الظهْرَ والعَصْرَ جَمِيعاً، ثمّ تُؤَخّرِينَ المَغْربَ وتُعَجّلينَ الْعِشَاءَ، ثمّ تَغْتَسِلينَ وَتجْمَعِينَ بَينَ الصّلَاتَينِ، فَافْعَلِي، وَتغتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ. قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إليّ». رَوَاهُ الخمسَةُ إلاّ النّسَائِيّ، وَصَحّحَهُ التّرْمِذِيّ، وَحَسّنَهُ الْبُخَارِيّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي حَمْنَةُ - بفتح الحاء المهملة وسكون الميم - بنت جحش الأسدية، أخت أم المؤمنين زينب، والصحيح أن هذا اسمها، وكانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله - أحد المبشرين بالجنة ـ، وكانت من المبايعات، وشهدت أحداً، فكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى وتداويهم، وكانت تستحاض - كما في هذا الحديث - وكذا أختها أم حبيبة بنت جحش، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف ﵄، بل ذكر الحافظ أن كل بنات جحش كن مستحاضات (١)، ونقل عن الواقدي أنه أنكر

стр. 535

أن تكون حمنة استحيضت أصلاً، ثم قال: (والعلم عند الله) (١). الوجه الثاني: في تخريجه: الظاهر أن الحافظ ﵀ تصرف في سياق لفظ الحديث، فحذف بعض العبارات، ثم إنه مجموع من بعض ألفاظ أبي داود وألفاظ الترمذي. فقد أخرجه أبو داود (٢٨٧) في «الطهارة»، باب «من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة»، والترمذي (١٢٨) في «الطهارة»، باب «ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد»، وابن ماجه (٦٢٧)، وأحمد (٦/ ٤٣٩) كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش ﵂. وهذا الإسناد فيه ضعف، قال البيهقي: (تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به) (٢)، وقد تقدم قول ابن عيينة: (أربعة من قريش يترك حديثهم فذكر منهم ابن عقيل)، وقد نقل أبو داود بعد سياق الحديث عن الإمام أحمد أنه قال: (حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء). وقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث رواه ابن عقيل عن إبراهيم بن محمد، عن عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش في الحيض فوهّنه ولم يقوّ إسناده) (٣)، وضعفه الدارقطني، وابن منده، كما نقل ذلك الحافظ ابن رجب (٤). أما الترمذي فقد قال عنه: (هذا حديث حسن صحيح، وقال: سألت محمداً عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن صحيح (٥)، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح) انتهى كلام الترمذي.

стр. 536

وما نقله الترمذي - هنا - عن الإمام أحمد يخالف ما نقله عنه أبو داود، كما تقدم قريباً، فإن قلنا بالترجيح فنقْلُ أبي داود أرجح؛ لأنه من تلاميذ الإمام أحمد الملازمين له، وله عنه كتاب «المسائل» المشهور، وإلا فقد يكون كلام أبي داود متقدماً؛ لأن ابن رجب ذكر أن الإمام أحمد ضعَّف الحديث ولم يأخذ به، ثم ذكر عن أبي بكر الخلال أن الإمام رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ به (١). على أن القول بالحديث والأخذ به لا يعني الحكم بالصحة ما لم يصرح المحدث بأن الحديث صحيح، وهذا موجود في جامع الترمذي، ففيه أحاديث ضعيفة، ثم يذكر أن العمل عليها عند أهل العلم، وهذا لا يعني صحتها. والأظهر أن هذا الحديث ضعيف، لأن مداره على ابن عقيل، وهو حسن الحديث - كما قال الذهبي وغيره - إذا لم يخالف، وأما مع المخالفة فليس بحجة، وحديثه هذا مخالف للأحاديث الواردة في الصحيحين في ردِّ المستحاضة إلى عادتها، لا إلى غالب النساء كما في هذا الحديث، فتفرد ابن عقيل بمثل هذا الحكم لا يجعله مقدماً على أحاديث الصحيحين، وقد حمله بعض أهل العلم على المبتدأة التي ليس لها عادة ولا تمييز، كما سيأتي (٢). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قولها: (كنت أُستحاض حيضة) بفتح الحاء من (حيضة)، وهو مصدر: حاض، لا مصدر استحاض، فهو على حد: أنبته الله نباتاً، ولا يضره الفرق في اصطلاح العلماء بين الحيض والاستحاضة، إذ الكلام وارد على أصل اللغة. قولها: (حيضة كبيرة شديدة) لفظ أبي داود والترمذي: «كثيرة شديدة» وفي نسخة للترمذي (كبيرة شديدة)، ومعنى (كثيرة أو كبيرة) أي: أيامها كثيرة أو كثيرة في كميتها، ومعنى: (شديدة) أي: في كيفيتها، بمعنى أن دمها شديد الدفق.

стр. 537

قوله: (إنما هي ركضة من الشيطان) هذا لفظ الترمذي، وعند أبي داود «إنما هي ركضة من ركضات الشيطان»، وأصل الركض: الضرب بالرجل، والإصابة بها لقصد الإضرار والأذى، ومعناه - والله أعلم - أن الشيطان قد وجد بذلك طريقاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها ووقت طهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك عادتها، فكأنها ركضة نالتها من ركضاته، وقيل: هو حقيقة وأن الشيطان ضربها حتى فتق عرقها. قوله: (فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة) يقال: تحيَّضت المرأة: إذا قعدت أيام حيضها تنتظر انقطاعه، أراد: عُدّي نفسك حائضاً، وافعلي ما تفعل الحائض، وإنما خص الست والسبع لأنهما الغالب على أيام الحيض، و (أو) في الحديث ليست للتخيير، وإنما هي للاجتهاد بأن تنظر إلى الأقرب ممن يشابهها خلقةً ويقاربها سناً ورحماً، فتجعل حالها كحالها، فإن كان الأقرب ستة جعلته ستة، وإن كان الأقرب سبعة جعلته سبعة. قوله: (فإذا استنقأت فصلي … ) هكذا بالهمزة عند أبي داود والترمذي وغيرهما، وقد جاء بالياء (استنقيت) عند الدارقطني (١)، قالوا: وهو القياس؛ لأنه من نَقِيَ الشيء ينقى، من باب تعب، نقاءً ونقاوة: نظف، وتقول: نقيته وأنقيته: إذا نظفته، قال المطرِّزي: (والاستنقاء المبالغة في تنقية البدن، قياس، ومنه قوله: «فإذا رأيت أنك طهرت واستنقيت فصلي» والهمزة فيه خطأ) (٢). والحق أنه ليس خطأ، فإن هَمْزَ ما ليس بمهموز كثير في كلام العرب، فقد نقل السيوطي عن يونس أنه قال: (أهل مكة يخالفون غيرهم من العرب فيهمزون: النبي، والبرية، والذرية، والخابية) (٣)، ونقل الجوهري عن ابن السكيت أنه قال: (قالت امرأة من العرب: (رثأت زوجي بأبيات) وهَمَزَتْ، وقال الفراء: (ربما خرجت بهم فصاحتهم إلى أن يهمزوا ما ليس

стр. 538

بمهموز، قالوا: رثأت الميت، ولبأت بالحج، وحلأّت السويق تحلئة، وإنما هو من الحلاوة .. ) (١). قوله: (ثم اغتسلي) أي: بعد الستة أو السبعة من الحيض. قوله: (فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين) أي: على حسب مدة الحيض التي تجلسين، فيكون الباقي من الشهر هو مدة الطهر، تصلين فيها. قوله: (وصومي وصلي) أي: ما شئت من فريضة أو تطوع. قوله: (وكذلك فافعلي كما تحيض النساء) عند أبي داود: «فافعلي كل شهر»، أي: اجعلي مدة حيضتك كل شهر بقدر ما تحيض النساء عادة من ست أو سبع، وكذا مدة الطهر. قوله: (فإن قويت على أن تؤخري الظهر … إلخ) أي: إن قدرت بعد مرور الستة أو السبعة أن تغتسلي للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتجمعي بينهما جمعاً صورياً بأن توقعي الظهر في آخر وقته والعصر في أول وقته، وكذا تفعلين في المغرب والعشاء، وتغتسلين للصبح فافعلي. قوله: (ثم تغتسلي حين تطهرين) هذا اللفظ عند الترمذي، ولفظ أبي داود: «فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر». قوله: (قال: وهو أعجب الأمرين إلي) أي: الجمع بين الصلاتين بغسل واحد أحب الأمرين إلي. ولم يتقدم الأمر الأول في السياق صراحة، وقد ورد عند أبي داود والترمذي في أول الحديث: «سآمرك بأمرين، أيّهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنتِ أعلم»، ولم يرد الأمر الأول صراحة في السياق عندهما، والظاهر أن الأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة؛ لأن أبا داود ذكر أنه ورد في حديث ابن عقيل: الأمران جميعاً، حيث جاء فيه: «إن قويت فاغتسلي لكل صلاة وإلا فاجمعي» (٢).

стр. 539

وهذا من رواية القاسم بن مبرور عن ابن عقيل، أي أنه: روى عنه الأمرين جميعاً، لكن هذا المعنى يتوقف على ثبوت رواية القاسم بن مبرور عن ابن عقيل لهذا الحديث (١). الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إن المرأة المستحاضة التي لا تعرف عادة حيضتها الأصلية، وليس لدمها تمييز صالح تعرف به دم الحيض من دم الاستحاضة أنها تعمل بعادة غالب النساء، فيكون حيضها ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، يبتدئ من أول المدة التي رأت فيها وما عداه استحاضة، وتقدم أن هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية. وهذا هو القسم الثالث من أقسام المستحاضة، وهي التي ليس لها حيض معلوم ولا تمييز صالح، وقد مضى الكلام على القسمين الأولين في الحديث الأول. والقول الثاني: أن هذه المستحاضة تجلس عادة نسائها، كأمها، وأختها، وهذا رواية عن أحمد، وقول لمالك، لأن الغالب شبهها بهن (٢). والمقصود أن من احتج بالحديث مشى على القول الأول. وحمل الحديث على المبتدأة التي لا عادة لها ولا تمييز، مع أن حمل الحديث على ذلك يحتاج إلى دليل، لأن الرسول ﷺ لم يسألها عن شيء من ذلك، ومن لم يأخذ به لضعفه أفتاها بالقول الثاني، وفي المسألة أقوال أخرى، كلها ضعيفة. والله تعالى أعلم.

стр. 540

حكم اغتسال المستحاضة ووضوئها لكل صلاة ١٤١/ ٤ - وعَن عَائشَةَ ﵂ أَنّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ الدّمَ، فَقَالَ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثمّ اغْتَسِلِي»، فكَانَتْ تَغْتَسِلُ كلَّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ مُسْلمٌ. ١٤٢/ ٥ - وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيّ: «وَتَوَضّئي لِكلِّ صَلَاة»، وَهِيَ لأبي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما الأول: فقد أخرجه مسلم (٣٣٤) (٦٣) من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، ولفظه: «إنما ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي»، فكانت تغتسل عند كل صلاة، قال الليث بن سعد: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي، وقال ابن رمح في روايته: ابنة جحش، ولم يذكر أم حبيبة. وأخرجه - أيضاً - من طريق جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة ﵂ باللفظ المذكور في الكتاب. وأما رواية البخاري: فقد أخرجها في كتاب «الوضوء» باب «غسل الدم» (٢٢٨) من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، وفيه قال: «ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت». وقد تقدم في باب «نواقض الوضوء» سياق الحديث، وإيراد لفظ

стр. 541

البخاري، والإشارة إلى أن مسلماً حذف هذه الجملة عمداً، وسبب ذلك أنه تفرد حماد بن زيد بذكرها، على ما ذكره النسائي في «سننه». وقد تقدم في باب «نواقض الوضوء» أن مدار الحديث في ذكر الوضوء لكل صلاة على هشام بن عروة، وقد رواه عن هشام جماعة، بعضهم يذكر هذه الزيادة وبعضهم لا يذكرها، والذين لم يذكروها أئمة ثقات هم أعلى قدراً وأكثر عدداً ممن ذكرها، ومنهم الإمام مالك ووكيع بن الجراح وزهير بن معاوية ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم من الحفاظ الذين بلغوا ستة عشر حافظاً وأحاديثهم بعضها في الصحيحين، وعلى هذا ففي النفس شيء من ثبوت هذه الزيادة، والعلم عند الله تعالى. وأما قول الحافظ: (وهي عند أبي داود وغيره من وجه آخر) فهو يشير إلى ما أخرجه أبو داود (٢٩٨) من طريق وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ . فذكر خبرها، وقال: «ثم اغتسلي لكل صلاة، وصلي»، وأخرجه أحمد (٤٢/ ٤٥٤) وابن ماجه (٦٢٤) وهو حديث ضعيف، لعنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو كثير التدليس، ولأن عروة مختلف فيه، فلم ينسبه أبو داود ولا أحمد، وقد صرح ابن ماجه في روايته بأنه عروة بن الزبير، فإن كان هو فالإسناد منقطع؛ لأن حبيباً لم يسمع منه، كما قال البخاري وأحمد ويحيى بن معين وغيرهم، وإن كان عروة المزني فهو مجهول، ثم إن الحديث مختلف في رفعه ووقفه، والذين وقفوه أثبات، كما قال الدارقطني (١). الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الغسل على المستحاضة إذا مضى قدر الأيام التي هي عادتها الأصلية. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، هل يتكرر الغسل أو لا؟ على أقوال:

стр. 542

القول الأول: ذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجب عليها الغسل إلا مرة واحدة إذا أدبرت حيضتها (١). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من طريق هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة، وفيه: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين، ثم اغتسلي وصلي». القول الثاني: أنه يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، وهو مروي عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء بن أبي رباح، وقول لعلي وابن عباس ﵃ (٢). واستدلوا بما ورد في قصة أم حبيبة بنت جحش عند أحمد من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر، وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، وفيه: (فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض له، فلتترك الصلاة، ثم لتنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة ولتصل) (٣). وهذا الإسناد رجاله ثقات إلا عبد العزيز بن أبي حازم، فقد قال عنه في «التقريب»: (صدوق فقيه)، لكن ذكر الغسل فيه لكل يوم مرفوعاً شاذ، كما سيأتي. والقول الثالث: أنها تغتسل لكل صلاتين مجموعتين، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، وهو قول علي وابن عباس وإبراهيم النخعي وجماعة. واستدلوا بما تقدم في حديث حمنة بنت جحش. والقول الرابع: أنها تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر، وهو مروي عن ابن عمر وأنس بن مالك، كما حكى ذلك أبو داود (٤)، وهو قول سعيد بن المسيب، لما ورد عن سُمي مولى أبي بكر أن القعقاع بن حكيم

стр. 543

وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله: كيف تغتسل المستحاضة؟ فقال: (تغتسل من ظهر إلى ظهر، وتتوضأ لكل صلاة، فإن غلبها الدم استثفرت بثوب) (١). لكن قال ابن عبد البر: (كان مالك يقول: ما أرى الذي حدثني به من ظهر إلى ظهر إلا وهم) (٢)، يريد بذلك أن الصواب: من طهر إلى طهر، بالطاء المهملة، بدلاً من الظاء المشالة، وقد نقل ذلك أبو داود في سننه عن مالك. قال ابن عبد البر: (ليس ذلك بوهم؛ لأنه صحيح عن سعيد، معروف عنه) لكن يؤيد ما قاله الإمام مالك ما رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا فضيل عن يحيى بن سعيد، عن القعقاع بن حكيم قال: سألت سعيد بن المسيب عن المستحاضة، فقال: (ما أحد أعلم بهذا مني، إذا أقبلت الحيضة فلتدع الصلاة، وإذا أدبرت فلتغتسل ولتغسل عنها الدم، ولتتوضأ لكل صلاة) (٣). وهذا يوافق القول الأول، وهو قول الجمهور. والذي يظهر - والله أعلم - قول الجمهور، وهو أن الواجب أن تغتسل عند إدبار حيضتها؛ لأن هذا هو الثابت في الصحيحين، وما عدا ذلك لا تقوم به حجة على الوجوب، مع ما في اغتسالها لكل صلاة أو لكل صلاتين أو لكل يوم من المشقة العظيمة التي لا تأتي الشريعة بمثلها، ولا سيما الاغتسال في أيام الشتاء. وأما ما ورد في صحيح مسلم من حديث عائشة في قصة أم حبيبة بنت جحش (فكانت تغتسل لكل صلاة) فهذا لا حجة فيه؛ لأنه أمر فعلته من جهة نفسها، ولم يأمرها النبي ﷺ بذلك، بل قال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي» وتقدم ذلك. قال الشوكاني عن أحاديث الاغتسال لكل صلاة: (وقد صرح جماعة من الحفاظ بأنها لا تقوم بها الحجة، وعلى فرض أن بعضها يشد بعضاً فهي لا

стр. 544

تقوى على معارضة ما في الصحيحين وغيرهما من أمره ﷺ لها بالغسل إذا أدبرت الحيضة فقط، وترك البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، كما تقرر في الأصول) (١). الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب وضوء المستحاضة لوقت كل صلاة، وأنها تصلي بذلك الوضوء ما شاءت من فروض ونوافل ما لم يخرج الوقت، بناء على أن خروج دم الاستحاضة ناقض من نواقض الوضوء، وبه قالت الحنفية والحنابلة (٢)، قالوا: والمراد بكل صلاة في هذا الحديث: وقت كل صلاة؛ لأنه جاء إطلاق الصلاة على الوقت، كما في قوله ﷺ في حديث جابر المتقدم في باب «التيمم»: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» أي: أدركه وقت الصلاة. القول الثاني: أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل فريضة، سواء أكانت مؤداة أم مقضية، وأما النوافل فلها أن تصلي بطهارتها ما شاءت، وهذا مذهب الشافعية (٣). واستدلوا بما تقدم من قوله: «وتوضئي لكل صلاة» حيث حملوا الصلاة في الحديث على الفريضة دون النافلة. وهذا تفريق لا دليل عليه، وصيغة العموم في الحديث تمنع من ذلك، والأصل في الشريعة استواء الفريضة والنافلة في الطهارة، ولذا قال ابن حزم: (ومن المحال الممتنع في الدين الذي لم يأت به قط نص ولا دليل أن يكون إنسان طاهراً إن أراد أن يصلي تطوعاً، ومحدثاً غير طاهر في ذلك الوقت بعينه إن أراد أن يصلي فريضة، هذا ما لا خفاء به، وليس إلا طاهرٌ أو محدث) (٤)، وعليه فهذا من أضعف الأقوال. القول الثالث: أنه لا يجب عليها الوضوء بل يستحب؛ لأن دم

стр. 545

الاستحاضة ليس حدثاً ناقضاً للوضوء، وهذا قول المالكية، وذكره أبو داود بسنده عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (١)، وهو قول عكرمة. واستدلوا بما ذكر ابن عبد البر: أن صاحب الحدث الدائم كالاستحاضة وسلس البول لا يرتفع حدثه بالوضوء، فيكون في حقه مستحباً لا واجباً (٢). وهذا القول وجيه؛ لأن الاستحاضة قد تكررت في زمن النبي ﷺ ولو كان الوضوء واجباً لما سكت عنه الرسول ﷺ ولأمر به كل واحدة، ونُقِلَ ذلك نقلاً صحيحاً كما نقل الأمر بالغسل، والقول بإيجاب الوضوء لكل صلاة لا يخلو من المشقة، لكن من يفتي بذلك من العلماء قديماً أو حديثاً يرى أن الروايات التي وردت في الوضوء يشد بعضها بعضاً، والوضوء أحوط وأبرأ للذمة، وتصلي به ما شاءت من الفروض والنوافل. الوجه الرابع: حديث عائشة دليل على القول المختار وهو أنه ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حدّ بالأيام، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ علق أحكام الحيض على إقباله، وعلق أحكام الطهارة على إدباره - كما جاء في بعض الروايات - ولو كان له حد لا يزيد عليه لبيَّنه لها وللأمة عموماً لما يتعلق به من أحكام شرعية كثيرة أهمها الصلاة والصيام .. وحكى ابن المنذر هذا القول عن طائفة من العلماء (٣)، ونقله النووي: عن الدارمي (٤). وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية فقد قال: (ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك، واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قَدّرَ في ذلك حداً فقد خالف الكتاب والسنة) (٥). ومما يبين ضعف أقوال المحددين اختلافها واضطرابها، مما يدل على

стр. 546

أنه ليس في المسألة دليل يجب المصير إليه، وإنما هي أقوال مبنية على اجتهاد معرض للخطأ والصواب، والله تعالى أعلم (١).

стр. 547

حكم الصفرة والكدرة ١٤٣/ ٦ - وعَنْ أُمّ عَطِيّةَ ﵂ قَالتْ: كُنّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئاً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللّفْظُ لَهُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هي أم عطية نُسيبة - بضم النون - بنت الحارث الأنصارية ﵂ معروفة باسمها وكنيتها، روت عن النبي ﷺ عدة أحاديث، وغزت معه سبع غزوات، تخلف الغزاة في رحالهم، كما روى ذلك مسلم عنها (١)، وكانت ممن يغسل النساء في عهد النبي ﷺ بعد موتهن، وعنها أُخِذَ كثير من أحكام غسل الميت، قال ابن عبد البر: (حديثها أصل في غسل الميت، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت) (٢)، روى عنها محمد بن سيرين وأخته حفصة وآخرون (٣). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري (٣٢٦) في كتاب «الحيض» باب «الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض»، وأبو داود (٣٠٨)، والنسائي (١/ ١٨٦)، وابن ماجه (١/ ٣٣٧) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية ﵂. وهذا لفظ أبي داود كما ذكر الحافظ، ولفظ البخاري: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئاً)، وترجمة البخاري المذكورة موافقة لرواية أبي داود، وهذا دليل على أنه يرى صحة زيادة: (بعد الطهر). وأخرجه أبو داود - أيضاً - من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أم الهذيل، حفصة بنت سيرين، عن أم عطية ﵂ باللفظ المذكور. وقد اختلف فيه على أيوب، فرواه معمر عنه، عن ابن سيرين، عن أم عطية، كما في مصنف عبد الرزاق (١٢١٦) ومن طريقه أخرجه ابن ماجه (٦٤٧)، ورواه إسماعيل عنه كما تقدم، وخالفهما وهيب بن خالد فرواه عن أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: (كنا لا نعد

стр. 548

الصفرة والكدرة شيئاً) أخرجه ابن ماجه (٦٤٧). قال الحافظ: (وما ذهب إليه البخاري من تصحيح رواية إسماعيل أرجح لموافقة معمر له، ولأن إسماعيل أحفظ لحديث أيوب من غيره، ويمكن أن أيوب سمعه منهما) (١) أي: من ابن سيرين ومن حفصة أخته. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قولها: (كنا) هذه الصيغة لها حكم الرفع إذا قالها الصحابي وأضافها إلى زمن النبي ﷺ ، على القول الصحيح؛ لأن قولها ذلك محمول على زمن النبي ﷺ ، وبه قطع الحاكم أبو عبد الله (٢)، وهو قول الجماهير؛ لأن ظاهر ذلك اطلاع النبي ﷺ وتقريرهم عليه. قولها: (الكدرة) بضم الكاف وسكون الدال المهملة ثم راء مفتوحة بعدها تاء، هي اللون الأحمر الذي يضرب إلى السواد، والمراد أن الدم يكون متكدراً بين الصفرة والسواد. قولها: (الصفرة) بضم الصاد المهملة وسكون الفاء الموحدة ثم راء مفتوحة بعدها تاء، هي اللون الأحمر الذي يميل إلى البياض، والمراد: أن ترى الدم أصفر كماء الجروح.

стр. 549

قولها: (بعد الطهر) أي: بعد انقطاع الدم ورؤية الطهر، والطهر إما أن يكون برؤية القَصَّةِ البيضاء، وهي ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض، قاله الحافظ (١)، والقَصّ: هو الجصّ بلغة الحجاز (٢)، فشبه به الطهر بجامع البياض، ونقل الحافظ عن مالك قوله: (سألت النساء عنه فإذا هو معلوم عندهن يعرفنه عند الطهر)، وإما أن يكون الطهر بالجفوف، وهو أن تشعر بالطهارة إذا جفت، وعلامة ذلك أن تحتشي بالقطنة فتخرج بيضاء ليس فيها شيء من الصفرة ولا الكدرة، والنساء يختلفن في ذلك، فأكثرهن بالعلامة الأولى، وبعضهن بالثانية، والقصة البيضاء أبلغ من الجفوف. قولها: (شيئاً) مفعول (نَعُدّ) أي: لا نعتبر الصفرة والكدرة بعد الطهر حيضاً تقعد فيه المرأة عن الصلاة والصيام وغيرها من العبادات. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الكدرة والصفرة بعد الطهر ليست بحيض فلا يلتفت إليها، وأما إذا كان ذلك في أثناء الحيض أو متصلاً به قبل الطهر فهو حيض، تثبت له أحكام الحيض. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وقول في مذهب المالكية، بل بعضهم جعله هو المذهب (٣). ووجه الدلالة من حديث الباب: أن قول أم عطية: (بعد الطهر) يدل على أن ما قبل الطهر حيض، وفي رواية الدارمي: «كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة بعد الغُسل» (٤). قال الحافظ ابن حجر على قول البخاري (باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض): (يشير بذلك إلى الجمع بين حديث عائشة المتقدم في قولها: (حتى ترين القصة البيضاء)، وبين حديث أم عطية المذكور في هذا الباب، بأن ذلك محمول على ما إذا رأت الصفرة والكدرة في أيام الحيض، وأما في

стр. 550

غيرها فعلى ما قالته أم عطية) (١). وحديث عائشة الذي أشار إليه هو ما رواه مالك، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدِّرَجَةِ فيها الكُرْسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (٢). ووجه الدلالة منه: أن عائشة ﵂ اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضاً وقالت: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) أي: علامة الطهر. والقصة البيضاء: بفتح القاف وتشديد الصاد، ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض، كما تقدم. والدِّرَجَة: بكسر أوله وفتح الراء والجيم، جمع دُرْج بالضم ثم السكون، وقيل: الدُّرْجة: بضم فسكون تأنيث دُرْج، والمراد: وعاء أو خرقة (٣). والكرسف: بضم الكاف والسين المهملة، هو القطن، والضمير في قوله: (فيه) يعود على القطن، أي: فيه الصفرة الحاصلة من دم الحيضة بعد وضع ذلك في الفرج لاختبار الطهر، واخترن القطن لبياضه، ولأنه ينشف الرطوبة، فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر في غيره (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 551

ما يَحِلُّ فعله مع الحائض وما يحرم ١٤٤/ ٧ - وعَنْ أَنَس ﵁: أَنّ الْيَهُودَ كانوا إذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ لَمْ يُؤاكِلُوهَا، فَقَالَ النّبِيُّ ﷺ : «اصْنَعُوا كلَّ شَيْءٍ إلاّ النّكاحَ». رَوَاهُ مُسلِمٌ. ١٤٥/ ٨ - وعَنْ عائِشَةَ ﵂ قَالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُني وَأَنَا حَائِضٌ. مُتّفَقٌ عَلَيه. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما الأول: فقد أخرجه مسلم (٣٠٢) في كتاب «الحيض» باب «جواز غسل الحائض رأس زوجها، وترجيله وطهارة سؤرها … »، من طريق حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبيِّ ﷺ النبيَّ ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول: كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وَجَدَ (١) عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما.

стр. 552

وأما الثاني: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحيض» باب «مباشرة الحائض» (٣٠٠) ومسلم (٢٩٣) من طريق منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضاً أمرها رسول الله ﷺ فتأتزر ثم يباشرها. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قولها: (فأتزر) أي: ألبس الوزرة - بكسر الواو - وهي كساء صغير، والجمع وِزْرات على لفظ المفرد، وأصله: أأتزر، بهمزتين أولاهما مفتوحة والثانية ساكنة، بوزن (أفتعل) ثم حصل الإدغام فصار: أتّزر بألف وتاء مشددة، وقد نص أكثر النحاة كابن هشام (١) وغيره على أن ذلك خطأ، والقياس: فآتزر بإبدال الهمزة الثانية ألفاً من جنس حركة الأولى على القاعدة عند الصرفيين، والصحيح أنه مقصور على السماع. قوله: (فيباشرني) يقال: باشر الرجل امرأته: لامس بشرتها بإلصاق بشرته ببشرتها، وقد ترد بمعنى الجماع، ولكن هذا غير مراد هنا، وإنما المراد هنا الأول بالإجماع. الوجه الثالث: حديث أنس ﵁ دليل على تحريم جماع الحائض، ولقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والمراد بالمحيض: زمان الحيض، ومكانه وهو الفرج، والمراد بالقرب: الكناية عن الجماع؛ لا النهي عن القرب مطلقاً، والدليل على ذلك حديث أنس هذا. وقد أجمع المسلمون على تحريم وطء الحائض في فرجها، وقد نقل الإجماع ابن المنذر (٢)، وابن حزم (٣)، وابن قدامة (٤)، والنووي (٥)، كما نقله

стр. 553

شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وجماعة من المفسرين. وقد نقل النووي عن الشافعي قوله: (من فعل ذلك فقد أتى كبيرة)، ونقل عن الشافعية وغيرهم أن من استحل وطء الحائض فقد كفر، وذلك لأنه أنكر أمراً مجمعاً على تحريمه (٢). الوجه الرابع: حديث عائشة ﵂ دليل على جواز مباشرة الحائض، وهذه المباشرة لا يراد بها الجماع، كما مضى، وهي نوعان: الأولى: الاستمتاع بالحائض فيما فوق السرة ودون الركبة، بالقبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك، وهذا جائز بالنص والإجماع، كما نقله ابن قدامة (٣)، والنووي (٤). الثانية: الاستمتاع بها فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر؛ أما القبل والدبر فكل منهما حرام، والدبر حرام مطلقاً، وأما ما عداهما كالفخذين فتجوز المباشرة، لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والمحيض اسم لمكان الحيض أو زمانه، فتخصيصه موضع الدم بالاعتزال دليل على إباحته فيما عداه، ولا تُحمل الآية على معنى: فاعتزلوا النساء في الحيض؛ لأن النص وهو حديث أنس وعائشة ﵄ والإجماع يردان ذلك، وبدليل سبب النزول، كما تقدم. والأولى ألاَّ يباشر إلا من وراء حائل، لفعل النبي ﷺ ، فإن باشرها بدون حائل جاز إن وثق من نفسه ألا يقع في المحظور، قال ابن المنذر: (الأعلى والأفضل اتباع السنة واستعمالها، ثبت أن النبي ﷺ أمر عائشة ﵂ أن تتزر، ثم يباشرها وهي حائض، ولا يحرم عندي أن يأتيها دون الفرج إذا اتقى موضع الأذى … ) (٥).

стр. 554

وقال النووي: (وأما مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار فمحمول على الاستحباب جمعاً بين قوله ﷺ وفعله) (١)، ولعله يقصد بالقول حديث أنس المتقدم. الوجه الخامس: تحريم الشرع جماع الحائض لما فيه من الأضرار البالغة التي كشفها الطب الحديث، ومن ذلك ما يلي: ١ - أن جماع الحائض يؤدي إلى اشتداد النزف الطمثي؛ لأن عروق الرحم تكون محتقنة وسهلة التمزق. ٢ - أنه يؤدي إلى تعريض الرحم لعدوان البكتيريا لضعفه عن المقاومة بسبب الحيض؛ لأن أجهزة الدفاع معطلة، والبيئة صالحة لتكاثر الميكروبات. ٣ - أن من أضرار جماع الحائض ما يمتد إلى قناة مجرى البول فالمثانة فالحالبين فالكلى. ٤ - أن جسم الحائض ضعيف لتعرضه لآثار كثيرة، كما أن نفسيتها أثناء الحيض وخاصة عند بدايته على درجة من القلق والكآبة، ومثل هذه الصفات لا تسمح لها بالرغبة في الجماع. أما بالنسبة للرجل فله نصيبه من الأضرار؛ لأن إدخال عضوه في مهبل الحائض سبب في أمراض كثيرة لا تقتصر على عضوه، وإنما تتعدى إلى قناة مجرى البول؛ بل قد تتعدى إلى الجهاز البولي بكامله مع الكلى، مع ما في ذلك من تعريض جدار المهبل للخدش الذي يؤدي إلى التهاب الرحم أو التهاب في عضو الرجل بسبب الخدوش التي تحصل أثناء الاحتكاك (٢)، والله تعالى حكيم عليم.

стр. 555

كفارة وطء الحائض ١٤٦/ ٩ - وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄، عَنِ النبيِّ ﷺ في الّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: «يَتَصَدّقُ بِدِينارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينارٍ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وصَحَّحَه الحاكِمُ وَابْنُ الْقَطّانِ، وَرَجّح غَيْرُهُمَا وَقْفَه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٢٦٤) في «الطهارة» بابٌ في «إتيان الحائض»، والترمذي (١٣٦)، والنسائي (١/ ١٥٣)، وابن ماجه (٦٤٠)، وأحمد (٣/ ٤٧٣)، والحاكم (١/ ١٧٢) كلهم من طريق شعبة، حدثني الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مِقْسَم، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ . وهذا لفظ أبي داود. وقد ورد هذا الحديث بأسانيد كثيرة وبألفاظ مختلفة، وكثر فيه كلام أهل العلم بسب ما أُعل به. ومداره في أكثر الأسانيد على مقسم مولى ابن عباس، عن ابن عباس، وهو متكلم فيه، فقد وثقه جماعة منهم يعقوب بن أبي سفيان، والدارقطني، وضعفه آخرون منهم ابن سعد وابن حزم (١)، قال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق، وكان يرسل، وما له في البخاري سوى حديث واحد) (٢)، وقال في «التلخيص»: (ما أخرج له البخاري إلا حديثاً واحداً في تفسير سورة النساء، قد توبع عليه) (٣).

стр. 556

وقد أعل الحديث بعلل أهمها علتان: الأولى: الاختلاف في رفعه ووقفه، كما ذكر الحافظ، فقد رواه جماعة عن شعبة موقوفاً على ابن عباس، وأن شعبة كان يرفعه ثم رجع عن رفعه، قال ابن الجارود (١١٠): حدثنا محمد بن زكريا الجوهري، قال: ثنا بِنْدار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة بهذا الحديث ولم يرفعه، فقال رجل لشعبة: إنك كنت ترفعه، قال: كنت مجنوناً فَصَحَّحْتُ. قال أبو حاتم: (اختلفت الرواية، فمنهم من يروي عن مقسم عن ابن عباس موقوفاً، ومنهم من يروي عن مقسم عن النبي ﷺ مرسلاً، وأما حديث شعبة فإن يحيى بن سعيد أسنده، وحكى أن شعبة أسنده، وقال: أسنده الحكم لي مرة ووقفه مرة) (١). العلة الثانية: أن في متنه اضطراباً، لأنه روي بدينار، أو بنصف دينار - بالشك ـ، وروي: «يتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار»، وروي التفرقة بين أن يصيبها في أول الدم أو في انقطاع الدم، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف. والحديث ضعفه الإمام الشافعي، وابن المنذر، وابن عبد البر، والنووي وآخرون (٢). وصححه جماعة آخرون، منهم: الحاكم (٣) وابن القطان (٤)، وابن دقيق العيد (٥)، وابن حجر وقال: (وهو الصواب، فكم من حديث قد احتجوا به فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا، كحديث بئر بضاعة، وحديث القلتين ونحوهما، وفي ذلك ما يرد على النووي في دعواه في «شرح المهذب» و «التنقيح» و «الخلاصة» أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه، وأن

стр. 557

الحق أنه ضعيف باتفاقهم، وتبع النووي في بعض ذلك ابن الصلاح، والله أعلم) (١). كما صحح الحديث ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)، وأحمد شاكر (٤)، والألباني (٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز. وأجابوا عما أُعِلَّ به كالآتي: أما وقفه على ابن عباس فلا ينافي رفعه، لأن ذلك يؤيد المرفوع، ثم إن هذا ليس من قبيل الرأي، بل له حكم الرفع، وكلام شعبة هنا لا يضر، فإن الرفع زيادة من ثقة، قال أبو بكر الخطيب: (اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفاً، وهذا مذهب أهل الأصول؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أخذ بالزيادة وهي واجبة القبول) (٦)، ثم إن شعبة تابعه غيره على رفعه، فلم ينفرد بذلك، فقد تابعه قتادة، قال: حدثني الحكم بن عتبة به مرفوعاً، عند البيهقي (١٣١٥)، وعند النسائي في «الكبرى» (٥/ ٣٤٧) عن قتادة، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعاً بنحوه، وفي هذين الإسنادين مقال. أما الاضطراب في متنه فإنه ينظر إلى الأرجح، فإن الاضطراب إنما يثبت مع تساوي الروايات، أما إذا ترجحت إحدى الروايات فلا اضطراب، ولهذا قال أبو داود: (هكذا الرواية الصحيحة، قال: بدينار أو نصف دينار)، أي: على التخيير، بخلاف الروايات الأخرى التي فيها بنصف دينار أو بخمس دينار أو عتق نسمة؛ فإنها ضعيفة. الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن من وطئ امرأته وهي حائض يطلب منه أن يتصدق بدينار أو نصف دينار كفارة لذنبه.

стр. 558

وهذا قول الإمام أحمد والشافعي في القديم (١). والقول الثاني: أنه لا شيء عليه في ماله، لكن يستغفر الله، وهو قول الجمهور، ومنهم الحنفية والمالكية والشافعية في الجديد، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول الظاهرية (٢) وجماعة من السلف، منهم ابن سيرين وعطاء وإبراهيم النخعي (٣). واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه فقد برئ مما أنزل على محمد»، وفي رواية: «فقد كفر» (٤). ووجه الدلالة: أنه لم يذكر أن عليه كفارة. وقالوا: إن حديث إيجاب الكفارة مضطرب في متنه، وفي سنده مقال؛ فلا ينهض حجة على شغل الذمة، والأصل براءتها إلاّ بحجة لا مدفع فيها ولا مطعن عليها. وقد ذكر ابن رشد أن سبب الخلاف هو اختلافهم في صحة الأحاديث الواردة في هذه المسألة أو ضعفها، ثم قال: (فمن صَحَّ عنده شيء من هذه الأحاديث صار إلى العمل بها، ومن لم يصح عنده شيء منها وهم الجمهور، عمل على الأصل الذي هو سقوط الحكم حتى يثبت بدليل) (٥). وهذا هو الأظهر - إن شاء الله - فإن الحديث لا تقوم بمثله حجة مع اضطرابه والاختلاف الكثير في إسناده، ولم ينقل عن المتقدمين بشأنه ما يعتمد عليه،

стр. 559

وجميع الذين صححوه هم من القرن الرابع فما بعده، وفتاوى السلف جاءت على خلافه. وعلى القول بوجوب الكفارة فهي واجبة على الرجل، وأما المرأة فإن كانت مطاوعة وعالمة بالتحريم، فعليها كفارة كالرجل؛ لأنه وطء يوجب الكفارة، فيجب على المرأة المطاوعة، ككفارة الوطء في الإحرام، حكاه ابن قدامة عن أحمد (١). والقول الثاني: أن المرأة ليس عليها كفارة، وقد جعله القاضي وجهاً في مذهب أحمد؛ لأن الشرع لم يرد بإيجابها عليها، وإنما يتلقى الوجوب من الشرع. والقول الأول أظهر، لما تقدم، ولتساويهما في ارتكاب المحرم. وإن كانت جاهلة أو مكرهة فلا كفارة عليها، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فإذا عذر المكلف بالإكراه حتى بالكفر فما دونه من باب أولى، والله تعالى أعلم.

стр. 560

الحائض تترك الصوم والصلاة ١٤٧/ ١٠ - وعَنْ أَبي سَعِيد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ في حَدِيثٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحيض» باب «ترك الحائض الصوم» (٣٠٤) من طريق سعيد بن أبي مريم قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو في فطر إلى المصلى فمرّ على النساء، فقال: «يا معشر النساء تصدَّقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار»، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن»، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟»، قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها». فهذا لفظ البخاري، وقد اقتصر الحافظ على القدر المطلوب، وأما الإمام مسلم فإنه ساق الإسناد المذكور دون المتن (١٣٢) (٨٠) في كتاب «الإيمان» باب «بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات»، وأحال على حديث ابن عمر الذي ساقه (١٣٢) (٧٩)، وفيه: «أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل؛ فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين».

стр. 561

قال الحافظ: (والواقع أن مسلماً لم يسق لفظه أصلاً، وإنما أورد حديث ابن عمر بسند آخر إليه في قصة النساء ونقصان عقلهن ودينهن خاصة، وأردفه بحديث أبي سعيد المذكور) (١). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الحائض تترك الصلاة أثناء حيضها، ولا تصح منها لو فعلتها؛ لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وهي غير طاهرة، وهذا أمر مجمع عليه. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحائض تترك الصيام أثناء حيضها ولا يصح منها لو فعلته، وهذا أمر مجمع عليه. وقد بوب البخاري على هذا الحديث - كما تقدم - بقوله: باب «ترك الحائض الصوم»، قال الحافظ: (قال ابن رُشيد وغيره: جرى البخاري على عادته في إيضاح المشكل دون الجلي، وذلك أن تركها الصلاة واضح من أجل أن الطهارة مشترطة في صحة الصلاة وهي غير طاهر، وأما الصوم فلا يشترط له الطهارة؛ فكان تركها له تعبداً محضاً فاحتاج إلى التنصيص عليه بخلاف الصلاة) (٢). الوجه الرابع: اتفق العلماء على عدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض، وعلى وجوب قضاء الصيام عليها، ودليل ذلك حديث معاذة العدوية قالت: سألت عائشة ﵂ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية (٣) أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٤).

стр. 562

فهذا دليل قاطع على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لقول عائشة ﵂: (فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فاكتفت ﵂ بذكر الدليل الشرعي عن ذكر الحكمة؛ لأن المؤمن يقتنع بالدليل، والشرع متضمن للحكمة بكل حال. وقد ذكر العلماء ومنهم ابن القيم أن الحكمة في أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، أن الصلاة تتكرر كل يوم، والحيض يتكرر كل شهر غالباً، فالإلزام بقضائها فيه مشقة، كما أن في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض، فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر لتكررها كل يوم، بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر، بل هو شهر واحد في العام، فلو سقط عنها فعله بسبب الحيض لم يكن لها سبيل إلى تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحته، فأمر بقضاء ما فاتها لتحصل مصلحة الصوم، والله تعالى أعلم (١).

стр. 563

نهي الحائض عن الطواف بالبيت ١٤٨/ ١١ - وعَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: لمّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ، فَقَالَ النّبِيُّ ﷺ : «افْعَلي ما يَفْعَلُ الحاجُّ، غَيْرَ أَلاَّ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتّى تَطْهُرِي». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ في حَدِيثٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحيض» باب «تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت» (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١) (١٢٠) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سَرِفَ طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: «ما يبكيك؟»، قلت: لوددت والله أني لم أحجَّ العام، قال: «لعلك نَفِسْت؟»، قلت: نعم، قال: «فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير ألاَّ تطوفي بالبيت حتى تطهري»، وهذا لفظ البخاري. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قولها: (سَرِف) بفتح السين المهملة ثم راء مهملة مكسورة؛ ثم فاء موحدة، اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث، وهو وادٍ شمال مكة، بين مكة وبين وادي الجموم (مرّ الظهران) يبعد عن حد الحرم من جهة التنعيم بنحو عشرة أكيال، وكان فيه آبار ومزارع صغيرة، ثم شمله العمران في العصر الحاضر، ويمر به الطريق بين مكة والمدينة. قولها: (طمثت) بفتح الميم وكسرها أي: حضت.

стр. 564

قولها: (نفست) بفتح النون في الحيض، وبضمها في النفاس، وهذا قول الأكثر، وحكى أبو حاتم عن الأصمعي قال: (يقال: نُفست المرأة في الحيض والولادة بضم النون فيهما)، قال الحافظ: (وقد ثبت في روايتنا بالوجهين فتح النون وضمها) (١). الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحائض تفعل ما يفعله الحاج من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة، إن كانت قد طافت قبل الحيض، وذلك لأن هذه المناسك لا تشترط لها الطهارة. الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الطواف على الحائض، وأنه لا يصح منها، وكذا لو حدث الحيض أثناء الطواف فإنه يبطل، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة في المشهور، والظاهرية (٢)، لقوله: «فافعلي ما يفعل الحاج غير ألاَّ تطوفي بالبيت حتى تطهري»، وفي رواية لمسلم: «حتى تغتسلي»، فهذا نص صريح ونفي واضح في منع الحائض من الطواف وعدم صحته منها؛ لأن النهي في الأصل يقتضي الفساد. قال ابن عبد البر: (الحائض لا تطوف بالبيت، وهذا أمر مجتمع عليه، لا أعلم فيه خلافاً) (٣)، وكذا نقل الإجماع ابن حزم (٤)، وابن رشد (٥)، والنووي (٦)، وابن تيمية (٧)، وغيرهم. لكن إن كانت الحائض لا تتمكن من البقاء في مكة حتى تطهر وتطوف؛ إما خوفاً على نفسها أو مالها أو لكون رفقتها أو محرمها لا يوافقونها على البقاء وهي من بلاد بعيدة يتعذر عليها الرجوع مرة أخرى، فإن شيخ الإسلام

стр. 565

ابن تيمية وابن القيم يقولان بجواز طوافها في هذه الحال بناء على القاعدة الشرعية التي دلت عليها نصوص كثيرة وهي: أن جميع الشروط والواجبات المتعلقة بالعبادة معلقة بقدرة المكلف، فمن عجز عن شرط أو ركن أو واجب سقط عنه. أما إن أمكنها البقاء أو كانت في مكان قريب يمكنها الإتيان منه مع محرمها بعد الطهر للطواف، فهذه تذهب ثم ترجع. وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية في نصرة هذا القول واعتبر الإجماع على تحريم طواف الحائض إنما هو في حق القادرة على الطواف مع الطهر (١)، وكذا فعل تلميذه ابن القيم (٢)، والله أعلم.
следующие страницы →