قال الحافظ: (والواقع أن مسلماً لم يسق لفظه أصلاً، وإنما أورد حديث ابن عمر بسند آخر إليه في قصة النساء ونقصان عقلهن ودينهن خاصة، وأردفه بحديث أبي سعيد المذكور) (١).
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الحائض تترك الصلاة أثناء حيضها، ولا تصح منها لو فعلتها؛ لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وهي غير طاهرة، وهذا أمر مجمع عليه.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحائض تترك الصيام أثناء حيضها ولا يصح منها لو فعلته، وهذا أمر مجمع عليه.
وقد بوب البخاري على هذا الحديث - كما تقدم - بقوله: باب «ترك الحائض الصوم»، قال الحافظ: (قال ابن رُشيد وغيره: جرى البخاري على عادته في إيضاح المشكل دون الجلي، وذلك أن تركها الصلاة واضح من أجل أن الطهارة مشترطة في صحة الصلاة وهي غير طاهر، وأما الصوم فلا يشترط له الطهارة؛ فكان تركها له تعبداً محضاً فاحتاج إلى التنصيص عليه بخلاف الصلاة) (٢).
الوجه الرابع: اتفق العلماء على عدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض، وعلى وجوب قضاء الصيام عليها، ودليل ذلك حديث معاذة العدوية قالت: سألت عائشة ﵂ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية (٣) أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٤).
стр. 562
فهذا دليل قاطع على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لقول عائشة ﵂: (فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فاكتفت ﵂ بذكر الدليل الشرعي عن ذكر الحكمة؛ لأن المؤمن يقتنع بالدليل، والشرع متضمن للحكمة بكل حال.
وقد ذكر العلماء ومنهم ابن القيم أن الحكمة في أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، أن الصلاة تتكرر كل يوم، والحيض يتكرر كل شهر غالباً، فالإلزام بقضائها فيه مشقة، كما أن في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض، فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر لتكررها كل يوم، بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر، بل هو شهر واحد في العام، فلو سقط عنها فعله بسبب الحيض لم يكن لها سبيل إلى تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحته، فأمر بقضاء ما فاتها لتحصل مصلحة الصوم، والله تعالى أعلم (١).
стр. 563
نهي الحائض عن الطواف بالبيت
١٤٨/ ١١ - وعَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: لمّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ، فَقَالَ النّبِيُّ ﷺ : «افْعَلي ما يَفْعَلُ الحاجُّ، غَيْرَ أَلاَّ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتّى تَطْهُرِي». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ في حَدِيثٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحيض» باب «تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت» (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١)(١٢٠) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سَرِفَ طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: «ما يبكيك؟»، قلت: لوددت والله أني لم أحجَّ العام، قال: «لعلك نَفِسْت؟»، قلت: نعم، قال: «فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير ألاَّ تطوفي بالبيت حتى تطهري»، وهذا لفظ البخاري.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قولها: (سَرِف) بفتح السين المهملة ثم راء مهملة مكسورة؛ ثم فاء موحدة، اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث، وهو وادٍ شمال مكة، بين مكة وبين وادي الجموم (مرّ الظهران) يبعد عن حد الحرم من جهة التنعيم بنحو عشرة أكيال، وكان فيه آبار ومزارع صغيرة، ثم شمله العمران في العصر الحاضر، ويمر به الطريق بين مكة والمدينة.
قولها: (طمثت) بفتح الميم وكسرها أي: حضت.
стр. 564
قولها: (نفست) بفتح النون في الحيض، وبضمها في النفاس، وهذا قول الأكثر، وحكى أبو حاتم عن الأصمعي قال: (يقال: نُفست المرأة في الحيض والولادة بضم النون فيهما)، قال الحافظ: (وقد ثبت في روايتنا بالوجهين فتح النون وضمها) (١).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحائض تفعل ما يفعله الحاج من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة، إن كانت قد طافت قبل الحيض، وذلك لأن هذه المناسك لا تشترط لها الطهارة.
الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الطواف على الحائض، وأنه لا يصح منها، وكذا لو حدث الحيض أثناء الطواف فإنه يبطل، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة في المشهور، والظاهرية (٢)، لقوله: «فافعلي ما يفعل الحاج غير ألاَّ تطوفي بالبيت حتى تطهري»، وفي رواية لمسلم: «حتى تغتسلي»، فهذا نص صريح ونفي واضح في منع الحائض من الطواف وعدم صحته منها؛ لأن النهي في الأصل يقتضي الفساد.
قال ابن عبد البر: (الحائض لا تطوف بالبيت، وهذا أمر مجتمع عليه، لا أعلم فيه خلافاً) (٣)، وكذا نقل الإجماع ابن حزم (٤)، وابن رشد (٥)، والنووي (٦)، وابن تيمية (٧)، وغيرهم.
لكن إن كانت الحائض لا تتمكن من البقاء في مكة حتى تطهر وتطوف؛ إما خوفاً على نفسها أو مالها أو لكون رفقتها أو محرمها لا يوافقونها على البقاء وهي من بلاد بعيدة يتعذر عليها الرجوع مرة أخرى، فإن شيخ الإسلام
стр. 565
ابن تيمية وابن القيم يقولان بجواز طوافها في هذه الحال بناء على القاعدة الشرعية التي دلت عليها نصوص كثيرة وهي: أن جميع الشروط والواجبات المتعلقة بالعبادة معلقة بقدرة المكلف، فمن عجز عن شرط أو ركن أو واجب سقط عنه.
أما إن أمكنها البقاء أو كانت في مكان قريب يمكنها الإتيان منه مع محرمها بعد الطهر للطواف، فهذه تذهب ثم ترجع.
وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية في نصرة هذا القول واعتبر الإجماع على تحريم طواف الحائض إنما هو في حق القادرة على الطواف مع الطهر (١)، وكذا فعل تلميذه ابن القيم (٢)، والله أعلم.
стр. 566
موضع مباشرة الحائض
١٤٩/ ١٢ - وعَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنّهُ سَأَلَ النّبِيَّ ﷺ : مَا يَحِلُّ لِلرّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: «مَا فَوْقَ الإزَارِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَضَعّفَهُ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الطهارة» باب في «مباشرة الحائض ومؤاكلتها» (١)، قال: حدثنا هشام بن عبد الملك اليَزَني، ثنا بقية بن الوليد، عن سعد الأغطش - وهو ابن عبد الله - عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي - قال هشام: وهو ابن قُرط أمير حمص ـ، عن معاذ بن جبل .. فذكره، وفي آخره: «والتعفف عن ذلك أفضل».
وهذا إسناد ضعيف، قال أبو داود عقبه: (وليس هو - يعني الحديث - بالقوي)، لما يلي:
١ - أنه سند منقطع، لأن عبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من معاذ، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (عبد الرحمن بن عائذ الأزدي لم يدرك معاذاً) (٢).
٢ - أن سعد بن عبد الله الأغطش ضعيف، ضعفه عبد الحق الإشبيلي (٣) نقله عنه الحافظ، وقال: (روى له أبو داود حديثاً واحداً فيما يحل من
стр. 567
الحائض لزوجها) (١)، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)، وقال الحافظ في «التقريب»: (لين الحديث).
٣ - أن في سنده بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد عنعن.
الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الاستمتاع بالحائض فيما عدا ما بين السرة والركبة؛ لأن المراد بموضع الإزار ما بين السرة والركبة.
ومفهوم قوله: «ما فوق الإزار» أن ما تحت الإزار لا يحل الاستمتاع به، وبهذا قالت الحنفية والمالكية والشافعية أخذاً بهذا الحديث وما في معناه (٣).
والقول الثاني: أنه يحل له ما تحت الإزار، ولا يحرم عليه إلا الإيلاج في الفرج خاصة، وهو مذهب الحنابلة، وابن حزم، وبعض الأفراد من المذاهب الأخرى (٤)، لما تقدم من قوله ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح».
وهذا هو الراجح لقوة دليله، وأما حديث الباب فهو حديث ضعيف فلا يعارض الحديث الصحيح، وعلى فرض صحته فالاستدلال به على تحريم ما تحت الإزار بطريق المفهوم، والاستدلال على أنه لا يحرم إلا الفرج منطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم.
قال ابن رجب: (وأما الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ أنه سئل عما يحل من الحائض؟ فقال: «فوق الإزار»، فقد رويت من وجوه متعددة، لا تخلو أسانيدها من لين، وليس رواتها من المبرزين في الحفظ، ولعل بعضهم روى ذلك بالمعنى الذي فهمه من مباشرة النبي ﷺ للحائض من فوق الإزار .. ) (٥)، والله تعالى أعلم.
стр. 568
مقدار ما تمكثه النفساء من غير صلاة ولا صوم
١٥٠/ ١٣ - وعَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ الخمسَةُ إلاّ النّسَائِيُّ، وَاللّفْظُ لأبي دَاوُدَ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ: (وَلَمْ يَأْمُرْهَا النّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ)، وَصَحّحَهُ الْحَاكُمُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (٣١١) في كتاب «الطهارة» باب «ما جاء في وقت النفساء» والترمذي (١٣٩)، وابن ماجه (٦٤٨)، وأحمد (٤٤/ ١٨٦) كلهم من طريق علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل، عن مُسّة الأزدية، عن أم سلمة ﵂.
وهذا لفظ أبي داود كما قال الحافظ، إلا أن في المطبوع في أبي داود: (أربعين يوماً أو ليلة) وفي بعض نسخ «البلوغ»: (أربعين) وفي بعضها: (أربعين يوماً).
وأخرجه أبو داود (٣١٢)، والحاكم (١/ ٢٨٢) من طريق يونس بن نافع، عن كثير بن زياد - وهو أبو سهل - قال: حدثتني الأزدية يعني مُسّة، قالت: حججت فدخلت على أم سلمة، فقلت: يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة المحيض، فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة، لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس.
стр. 569
وهذا الحديث مداره على أبي سهل - وهو كثير بن زياد - عن مُسّة الأزدية، عن أم سلمة ﵂، وأبو سهل قال عنه ابن معين في رواية إسحاق بن منصور: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (ثقة من أكابر أصحاب الحسن).
وقد رواه عن أبي سهل اثنان: علي بن عبد الأعلى، ويونس بن نافع، وقد ذكره الحافظ - هنا - من طريق علي بن عبد الأعلى باللفظ الأول، ثم ذكره من طريق يونس بن نافع باللفظ الثاني.
وعلي بن عبد الأعلى وثقه البخاري، كما نقله عنه الترمذي في «جامعه» و «علله» (١)، وقال أحمد والنسائي: (ليس به بأس) (٢)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٣)، وقال الذهبي: (صدوق) (٤).
وقال أبو حاتم: (ليس بقوي)، وقال الدارقطني: (ليس بالقوي) (٥)، وتوثيقه مقدم، فإنه صريح، فيقدم على الجرح المبهم.
وأما يونس بن نافع: فقد ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» وسكت عنه، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (يخطئ) (٦).
وقد اختلفت كلمة العلماء في هذا الحديث، فصححه قوم، وضعفه آخرون، فالذين ضعفوه أعلوه بعلل، أهمها علتان:
الأولى: نكارة المتن كما في رواية يونس، وهي الرواية الثانية، قال ابن القطان: (فالخبر هذا ضعيف الإسناد، منكر المتن، فإن أزواج النبي ﷺ ما منهن من كانت نفساء أيام كونها - أي أم سلمة - معه إلا خديجة، وزَوْجِيَّتُهَا كانت قبل الهجرة، فإذاً لا معنى لقولها: «كانت نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين يوماً») (٧)، وكذا ذكر الحافظ ابن رجب أن نساء النبي ﷺ
стр. 570
لم يلد منهن أحد بعد فرض الصلاة، فإن خديجة ﵂ ماتت قبل أن تفرض الصلاة (١).
ويجاب عن ذلك بأن هذا في رواية يونس؛ فتقدم عليها رواية علي بن عبد الأعلى وليس فيها اللفظ المذكور؛ لأنه أحفظ منه، وقد وثقه الأئمة، بخلاف يونس فإنه يخطئ، كما تقدم (٢).
أو يقال: المراد بنسائه: غير زوجاته من بنات وقريبات وسُرِّيته مارية، وبهذا يتبين أن هذه العلة غير قادحة، ولا تؤثر على أصل الحديث؛ ولا سيما أن الحديث مشهور من طريق علي بن عبد الأعلى، وليس من طريق يونس بن نافع.
العلة الثانية: جهالة (مُسّة) بضم الميم وتشديد السين المهملة، قال ابن القطان: (وعلة الخبر المذكور مُسّة المذكورة، وهي تكنى أم بُسّة، ولا تعرف حالها ولا عينها، ولا تعرف في غير هذا الحديث؛ قاله الترمذي في «علله») (٣).
وكذا قال ابن حزم (٤)، وذكرها الذهبي، وكذا الحافظ في المجهولات (٥) ونقل عن الدارقطني أنه قال: (لا تقوم بها حجة)، ومقولة الدارقطني لم أجدها في السنن عند هذا الحديث، لكن ذكرها الحافظ الغساني في «تخريجه» (٦)، وعادته أن ينقل كلام الدارقطني بعد كل حديث، فإما أن يكون هذا سقط من المطبوع، أو أنه في إحدى روايات السنن، والله أعلم.
وقد حاول بعض العلماء أن يدفع الجهالة عن مُسَّة، فنقل صاحب «عون المعبود» عن ابن الملقن أنه قال: (لا نسلم جهالة عينها، وجهالة حالها
стр. 571
مرتفعة؛ فإنه روى عنها جماعة: كثير بن زياد، والحكم بن عتيبة، وزيد بن علي بن الحسين، ورواه محمد بن عبيد الله العرزمي، عن الحسن، عن مسة - أيضاً - فهؤلاء رووا عنها، وقد أثنى على حديثها البخاري، وصحح الحاكم إسناده، فأقل أحواله أن يكون حسناً) (١).
وقال في «خلاصة البدر المنير»: (والحق صحته) (٢)، وقال الخطابي: (وحديث مسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل) (٣)، ولعله يريد بذلك ما جاء في «علل الترمذي» من قوله: (سألت محمداً عنه، فقال: علي بن عبد الأعلى ثقة روى له شعبة، وأبو سهل كثير بن زياد ثقة، ولا أعرف لمُسّة غير هذا الحديث) (٤)، ولا أرى في كلام البخاري هذا ما يدل عليه كلام الخطابي، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد؛ ولم يخرجاه) وأقرَّه الذهبي (٥)، مع أنه عدّ مُسّة من المجهولات!!
وقال النووي: (حديث حسن) (٦).
والخلاصة: أن الحديث لا يخلو من ضعف بسبب جهالة مُسّة الأزدية، فإن الروايات المذكورة عنها لم تثبت، لكن الحديث له شواهد، وفيها ضعف - أيضاً - ومن أمثلها أثر عن ابن عباس ﵄ وسيأتي ذكره إن شاء الله.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قولها: (كانت النفساء) النفاس: بالكسر ولادة المرأة، وسميت الولادة نفاساً: من التنفس، وهو التشقق والانصداع، والنفس هو الدم، سمي نفساً؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قوامها بالدم.
يقال: نُفِست، ونَفِست: أي: ولدت، ويقال: نَفِست بفتح النون وكسرها: حاضت، وقيل: بالضم - أيضاً - كما تقدم.
والنفاس عند الفقهاء: دم ترخيه الرحم بسبب الولادة، إما معها أو بعدها أو قبلها بمدة يسيرة كيوم أو يومين مع الطلق.
стр. 572
ولا يختلف تعريف الأطباء للنفاس كثيراً عن تعريف الفقهاء غير أن الأطباء يركزون في تعريفهم على حالة الرحم وعودتها إلى حالها الطبيعية، وهذا يحتاج مدة تتراوح بين ستة وثمانية أسابيع (١)، وعلى هذا فالنفاس عندهم هو الدم النازل بعد فراغ الرحم من الولد نتيجة تمزق جدار الرحم الوظيفي.
قولها: (تقعد) أي: تمكث بعد ولادتها من غير صلاة ولا صيام أربعين يوماً، وظاهره أنه تحديد نهاية؛ لأنه كثر اتفاق النساء في ذلك، كالحيض.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن أكثر مدة النفاس أربعون يوماً، وهو مذهب الحنفية والمشهور من مذهب الحنابلة، وهو الراجح إن شاء الله، وما ورد في هذا الباب وهو حديث أم سلمة وإن ضُعّفَ بما تقدم فقد حسنه آخرون، كما تقدم، ويقويه ما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: (النفساء تنتظر نحواً من أربعين يوماً) (٢).
قال ابن عبد البر: (وليس في مسألة أكثر النفاس موضع للاتباع والتقليد إلا من قال: بالأربعين، فإنهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا مخالف لهم منهم (٣)، وسائر الأقوال جاءت عن غيرهم، ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم؛ لأن إجماع الصحابة حجة على غيرهم، والنفس تسكن إليهم، فأين المهرب عنهم دون سنة ولا أصل؟ وبالله التوفيق) (٤).
وقال الشوكاني: (والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوماً متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار) (٥) وبمعناه قال النووي، وردّ على من ضعف الحديث.
стр. 573
يقول الدكتور عمر الأشقر: (قد انتهت المقولات الطبية في الندوة الفقهية المقدم إليها البحث إلى الاتفاق مع بعض الآراء الفقهية القائلة بأن النفاس: هو ما ينزل من المرأة بعد الولادة أو الإسقاط ريثما يندمل موقع المشيمة المنفصلة من تجويف الرحم، ويبدأ دماً ثم سائلاً مُصْفراً حتى يتوقف، ولا حدّ لأقله، وأقصاه السوي ستة أسابيع فإن زاد عليها اعتبر غير سوي، ويلحق بالاستحاضة، وقد يكون من جراء بقايا المشيمة داخل الرحم، أو نتيجة وهن الرحم عن الانقباض الكافي لحبس الدم، أو غير ذلك مما يلتمس له التشخيص والعلاج، والنفاس إذا انتهى قد يفضي إلى حيض، وقد يفضي إلى طهر يمتد فترة تطول أو تقصر) (١).
الوجه الرابع: لا حدّ لأقل النفاس، بل متى رأت الطهر قبل الأربعين فإنها تغتسل وتصلي، وهذا قول الجمهور من أهل العلم؛ لأنه لم يرد من الشرع له تحديد، فيكون المرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلاً وكثيراً.
قال الترمذي: (أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي … ).
الوجه الخامس: لا يثبت حكم النفاس إلا إذا وضعت ما تبين فيه خلق إنسان، وأقل مدة يتبين فيها خلق الإنسان واحد وثمانون يوماً من ابتداء الحمل، وغالبها تسعون يوماً؛ لأن الخلق أربعون يوماً نطفة؛ وأربعون يوماً علقة؛ وأربعون مضغة.
وينبغي التثبت إذا أسقطت لواحد وثمانين يوماً هل هو مخلَّق أم غير مخلَّق؟ لأن الله تعالى قسم المضغة إلى مخلَّقة وغير مخلَّقة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، والغالب أنه إذا تم له تسعون يوماً تبين فيه خلق الإنسان.
стр. 574
وقد ذكر الأطباء أن الإجهاض (الإسقاط) قبل الشهر الرابع لا يشبه الولادة، إذ يقذف الرحم في هذه الحال محتوياته: الجنين وأغشيته، ويكون السقط في هذه الحال محاطاً بالدم غالباً.
أما الإجهاض بعد الشهر الرابع فإنه يشبه الولادة، إذ تنفجر الأغشية أولاً، وينزل منها الحمل، ثم تتبعه المشيمة (١).
الوجه السادس: إذا تجاوز الدم الأربعين على القول بأنها أكثر مدة النفاس، فهو حيض إن صادف زمن حيضها، فتجلس له، وقد ذكر الأطباء أن الحيض قد يعود إلى الظهور في نهاية الأسبوع السادس بعد الولادة ثم ينقطع، كما كان قبل الحمل، أو يغيب خلال أشهر الرضاعة عند بعض النساء (٢).
فإن استمر معها فهي مستحاضة تأخذ أحكامها، وذكر بعض الفقهاء أنه إن كان لها عادة بزيادة يسيرة على الأربعين كيومين ثم ينقطع؛ أو ظهرت فيه أمارة قرب الانقطاع كصفرة أو كدرة انتظرت حتى ينقطع، والله أعلم (٣).
стр. 575
كتاب الصلاة
لما فرغ الحافظ ﵀ من كتاب «الطهارة» ذكر كتاب «الصلاة»، وتقديم الطهارة من باب تقديم الصلاة؛ لأن الطهارة مفتاحها وشرطها، كما في الحديث: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (١).
والصلاة في اللغة: الدعاء بالخير، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، أي: ادع لهم، وقال النبي ﷺ : «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم» (٢)، ومعنى فليصلِّ: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك، على ما قاله الجمهور.
وفي الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.
ومعظم تعريف المتقدمين ﵏ يخلو من كلمة (عبادة) أو ما يؤدي معناها، إلا ما رأيت في «شرح حدود ابن عرفة»، فإنه قال: (قربة فعلية) (٣)، ولعل المتقدمين لم يرو حاجة إلى هذا الوصف؛ لأن من المعلوم أن الركوع والسجود وما ذُكِرَ معهما إذا صدر من مسلم فهو يحكي صفة الصلاة وهيئتها.
والصلاة ثاني أركان الإسلام وأهمها بعد الشهادتين، ويدل على أهميتها أن الله تعالى فرضها على نبيه ﷺ في السماء ليلة المعراج بلا واسطة كما ثبت
стр. 576
في «الصحيحين» (١)، وكان ذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين على المشهور، ومما يدل على أهميتها - أيضاً - أنها تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وأنها واجبة على كل مكلف ما دام عاقلاً.
وقد فرضها الله تعالى خمسين صلاة، حتى استقرت الفريضة خمس صلوات في اليوم والليلة، وكان النبي ﷺ يصليها ركعتين ركعتين إلا المغرب فثلاث ركعات، فلما هاجر إلى المدينة بقيت الركعتان للمسافر، وزيدت صلاة المقيم إلى أربع ركعات، إلا الفجر فبقيت ركعتين، وقد ثبت ذلك في حديث عائشة ﵂ في الصحيحين (٢)، وغيره من الأحاديث، كما سيأتي في باب «قصر الصلاة» إن شاء الله.
وقد ذكر الله تعالى الصلاة في القرآن في أكثر من ستين مرة ما بين مقرونة بالزكاة ومفردة عنها، وهذا وما قبله يدل دلالة واضحة على محبة الله تعالى لها وعنايته بها؛ لأن لها ثمرات عظيمة، فهي صلة بين العبد وربه، وفيها انشراح الصدر، وقرة العين، والانزجار عن الفحشاء والمنكر، وبالجملة فحكمها باهرة، ومصالحها عظيمة، ومنافعها متصلة بالقلب والروح والبدن وسائر القوى (٣).
стр. 577
باب المواقيت
المواقيت: جمع ميقات، والمراد به هنا: الزمن المحدد لأداء الصلاة فيه، والأوقات خمسة لمن لا يجمع، لكل صلاة وقت خاص، وثلاثة لمن يجمع؛ لاندماج وقت العصر في وقت الظهر، ووقت العشاء الآخرة في وقت المغرب.
وبدأ المصنف بالمواقيت؛ لأنها سبب للوجوب، وشرط للأداء، فكان لها جهتان في التقديم، فهي أهم شروط الصلاة، فإن الصلاة فريضة مؤقتة بوقت محدد، لا يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فرضاً مؤقتاً، وفي السنة أحاديث كثيرة، ذُكِرَ بعضها في هذا الباب.
стр. 578
بيان أول الوقت وآخره
١٥١/ ١ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ نبيَّ الله ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.
١٥٢/ ٢ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ في الْعَصْر: «وَالشَّمْسُ بَيضَاءُ نَقِيَّةٌ».
١٥٣/ ٣ - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسى: «وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعةٌ».
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الله بريدة بن الحصيب - بضم الحاء - الأسلمي. أسلم قبل غزوة بدر، ولم يشهدها، وقدم على النبي ﷺ وشهد الحديبية، فكان ممن بايع بيعة الرضوان، وفي الصحيحين عنه ﵁ أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة (١)، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وغزا خراسان زمن عثمان ﵁ ومات بمرو زمن يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين (٢).
وأما أبو موسى فهو عبد الله بن قيس الأشعري القحطاني ﵁، مشهور باسمه وكنيته، قدم مكة وأسلم، ثم رجع إلى بلاد قومه، وقدم في خمسين
стр. 579
منهم إلى النبي ﷺ عند فتح خيبر، وكان حسن الصوت بقراءة القرآن، قال فيه النبي ﷺ : «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود» (١).
ولاه النبي ﷺ على اليمن، فلما توفي النبي ﷺ قدم المدينة وشهد فتوح الشام، ثم استعمله عمر ﵁ على البصرة، فافتتح الأهواز ثم أصبهان، ثم عزله عثمان ﵁ عن البصرة فتحول إلى الكوفة فولاه عثمان عليها، وتفقه به أهلها، ومات فيها سنة أربع وأربعين (٢).
الوجه الثاني: في تخريجها:
حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أخرجه مسلم (٦١٢)(١٧٣) من طريق همام، حدثنا قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، وتمامه: «فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان»، وله ألفاظ أخرى، ساقها الإمام مسلم ﵀ من طرق عن قتادة، وفيها فوائد كثيرة، قال النووي: (لا نعلم أحداً شاركه فيها) (٣)، ولذا فإن مسلماً لما ساق حديث عبد الله بن عمرو بطرقه أردفه بسنده عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: (لا يُستطاع العلم براحة الجسم) مع أن ذلك لا يتعلق بأحاديث المواقيت، ولعله ذكره إشارة إلى أن من أتعب جسمه في تحصيل العلم تحقق له ما يريد، مثل جمع طرق هذا الحديث وتحصيل فوائده.
وأما حديث بريدة ﵁، فقد أخرجه مسلم - أيضاً - (٦١٣) من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، وفيه أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة فقال له: «صل معنا هذين» يعني: اليومين (ثم أمره - أي بلالاً - فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية .. ).
стр. 580
وأما حديث أبي موسى ﵁ فقد أخرجه مسلم - أيضاً - (٦١٤) من طريق بدر بن عثمان، حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يردَّ عليه شيئاً، قال: (فأقام الفجر حين انشق الفجر … إلى أن قال: ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة .. ).
ولعل غرض الحافظ من إيراد هذا القدر من حديث أبي موسى وحديث بريدة في صلاة العصر الإشارة إلى أنه ﷺ كان يعجل العصر، لوصف الراوي الشمس بالارتفاع وبأنها بيضاءُ نقية، فيكون ذلك تفصيلاً وبياناً لقوله: «ما لم تصفرَّ الشمس».
الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:
قوله: (زالت الشمس) أي: مالت عن وسط السماء إلى جانب الغروب.
قوله: (وكان ظل الرجل كطوله) أي: ويمتد وقت الظهر حتى يصير ظِلُّ الرجل مِثْلَهُ، والمراد: أن يكون ظل الشيء مثله، وذُكِرَ الرجل في الحديث تمثيلاً.
قوله: (تصفر الشمس) الصفرة لون دون الحمرة، والشمس تكون صفراء عند قربها من الغروب لذهاب بياضها وضعف نورها.
قوله: (الشفق) هو بقية ضوء الشمس وحمرتها بعد غروبها، قال الخليل: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب؛ قيل: غاب الشفق، وهذا هو المشهور في كتب اللغة، كما ذكر الجوهري، والأزهري، وغيرهما (١)، وذكر النووي (٢) نقولاً عن بعض الصحابة والتابعين وأئمة اللغة أن الشفق هو الحمرة، وقد ساق الحافظ في «البلوغ» حديثاً في ذلك، وهو ضعيف، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - أما من قال: هو البياض الذي يكون بعد الحمرة فهو مرجوح.
стр. 581
قوله: (إلى نصف الليل الأوسط) هكذا في رواية همام عن قتادة بلفظ (الأوسط) وجميع من روى الحديث عن قتادة عند مسلم؛ وهم هشام وشعبة والحجاج لم يذكر هذه اللفظة، قال القرطبي: (وكأن هذه الرواية وَهْمٌ؛ لأن الأوسط في المقدرات والمعدودات إنما يقال فيما يتوسط بين اثنين فأكثر، اللهم إلا أن يريد بالأوسط: الأعدل، فحينئذ يصح أن يقال: هو أوسط الشيئين، أي: أعدلهما، وهذا الشيء أوسط من هذا، أي: أعدل منه، ويمكن أن تحمل رواية تلك الزيادة على الصحة ويكون معناه: أن النصف الأول أعدل بالنسبة إلى إيقاع الصلاة فيه من النصف الآخِر، لتأدية الصلاة في الأول، وكثرة الثواب فيه) (١).
والليل في اللغة من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق أو إلى طلوع الشمس (٢).
وأما في الشرع فالظاهر أنه ينتهي بطلوع الفجر، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
قوله: (بيضاء نقية) أي: صافية لم تصفر، وفي هذا مع حديث أبي موسى (والشمس مرتفعة) إشارة إلى بقاء حرها وضوئها.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن وقت صلاة الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء طوله بعد الظل الذي زالت عليه الشمس، ويعرف ذلك بأن يُنصب عود مستو في أرض مستوية، ويعلم على رأس الظل، فما دام الظل ينقص من الخط فالشمس لم تزل في الارتفاع، وإن وقف لا يزيد ولا ينقص فهو وقت الاستواء، فإن عاد الظل إلى الزيادة علم أن الشمس زالت، ودخل وقت الظهر، ثم تقيس من ابتداء عودة الظل، فإذا كان الظل طول الشاخص فقد خرج وقت صلاة الظهر.
والظل يقصر في الصيف لارتفاع الشمس إلى كبد السماء، ويطول في
стр. 582
الشتاء لمسامتتها للمنتصب، ولهذا يظهر في الشتاء ظل لكل شاخص من ناحيته الشمالية؛ لأن الشمس تميل إلى الجنوب، أما علامة الزوال بالساعة فاقسم ما بين طلوع الشمس إلى غروبها نصفين، وهذا هو الزوال.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن وقت صلاة العصر يبدأ من انتهاء وقت الظهر، وأنه لا فاصل بينهما ولا اشتراك، على الراجح من أقوال أهل العلم، ويمتد وقتها المختار ما دامت الشمس بيضاء نقية، فإذا اصفرت انتهى وقتها المختار؛ لقوله: (ما لم تصفر الشمس) ويدخل وقت الضرورة إلى الغروب، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (١)، فهو نص صريح في أن وقت العصر يمتد إلى الغروب، وإنما قَدَّمَ الحافظ حديث ابن عمرو ﵄ (ما لم تصفر الشمس) لأن فيه تحديد بداية وقت العصر ونهايته، فيحمل على وقت الاختيار، ويحمل حديث أبي هريرة على الضرورة.
والمراد بالضرورة: العذر الذي لا مندوحة عنه، كالحائض تطهر في هذا الوقت، أو كافر يسلم، أو نائم يستيقظ، أو مغمى عليه يفيق، أو جريح اشتغل بتضميد جرحه، فهؤلاء يصلون ولو بعد اصفرار الشمس، وتكون صلاتهم أداء، والله أعلم (٢).
والقول الثاني وهو المشهور في كتب الفقه ككتب الحنابلة - مثلاً - أن وقت العصر المختار يمتد إلى أن يصير ظل الشيء مثليه، مستدلين بحديث ابن عباس ﵄ في صلاة جبريل ﵇ بالنبي ﷺ وفيه: (ثم صلّى العصر حين كان ظل كل شيء مثل ظله … وصلى المرة الثانية حين كان ظل كل شيء مثليه) (٣).
والقول الأول هو الراجح، وهو أوسع من القول الثاني؛ لأن امتداد
стр. 583
وقت الاختيار إلى ما لم تكن الشمس صفراء يزيد على كون ظل الشيء مثليه؛ ووجه الترجيح ما يلي:
١ - أن حديث عبد الله بن عمرو في «صحيح مسلم»، وهو متأخر؛ لأن إمامة جبريل كانت بمكة في أول الفرض، فقد نقل الحافظ عن ابن إسحاق أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة (١).
٢ - أنه اشتمل على زيادة لم ترد في حديث ابن عباس ﵄، والأخذ بالزيادة لا ينافي ذلك.
٣ - أنه من قول الرسول ﷺ ، وحديث ابن عباس فعل.
الوجه السادس: الحديث دليل على أن وقت المغرب من مغيب الشمس ويمتد إلى مغيب الشفق، وهي الحمرة في الأفق، وهذا معروف بالمشاهدة، وهو يتراوح ما بين ساعة وربع إلى ساعة ونصف تقريباً بعد غروب الشمس.
الوجه السابع: الحديث دليل على أن وقت العشاء يبدأ بعد مغيب الشفق إلى نصف الليل، فإذا انتصف الليل خرج وقت العشاء، ويعرف ذلك بحساب الساعات من الغروب إلى طلوع الفجر، فيعرف ثلث الليل ونصف الليل، وقد وقع الخلاف بين العلماء في آخر وقت العشاء على ثلاثة أقوال، ذكرها ابن رشد (٢)، وسبب الخلاف: تعدد الأحاديث، ثم الترجيح بينها.
وحديث ابن عمرو نص صريح لا يحتمل التأويل، في أن وقت العشاء يمتد إلى نصف الليل، ولم يرد ما يدل على امتداده إلى ما بعد ذلك، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ والغسق: سواد الليل وظلمته، وهذا أشد ما يكون في منتصف الليل.
والقول الثاني: أن آخر صلاة العشاء طلوع الفجر، واستدلوا بحديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من
стр. 584
أخَّر الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى» (١)، قالوا: هذا يدل على أن وقت كُلِّ صلاة يمتد إلى دخول وقت الصلاة الأخرى، إلا صلاة الفجر فلا يمتد وقتها إلى الظهر بالإجماع، فيكون آخر صلاة العشاء وقت طلوع الفجر.
والأول أرجح؛ لقوة دليله كما تقدم، وحديث أبي قتادة لا دلالة فيه، لأمرين:
الأول: أنه محمول على صلاتين وقتهما متصل كالظهر والعصر، ولهذا لا تدخل صلاة الفجر مع صلاة الظهر بالإجماع.
الثاني: أن الحديث ليس فيه بيان أوقات الصلاة ولا سيق من أجل ذلك، وإنما هو لبيان إثم من يؤخر الصلاة عامداً حتى يخرج وقتها؛ لأن الحديث ورد في الفجر حينما نام رسول الله ﷺ ومعه أصحابه ﵃ عنها في السفر، فلو كان الحديث لبيان ما ذكروه لكان دليلاً على امتداد وقت الصبح إلى الظهر، وهم لا يقولون به، فكيف يصح استثناؤها؟.
والقائلون بامتداد العشاء إلى طلوع الفجر يرون أن وقتها المختار إلى نصف الليل، وأما وقت الأداء فهو ممتد إلى طلوع الفجر، لكنه وقت ضرورة، وقد نص على ذلك الفقهاء، لكنه قول مرجوح، لما تقدم.
والقول الثالث: أن آخر وقت العشاء ثلث الليل مستدلين بحديث إمامةِ جبريلَ ﵇ للنبي ﷺ في اليوم الثاني، لقوله في حديث ابن عباس ﵄ المتقدم - (ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل)، والذي يظهر أنه لا دليل فيه على أنه آخر وقتها إذا ما قُرن بحديث ابن عمرو، وتقدم الكلام على ذلك.
الوجه الثامن: الحديث دليل على أن وقت الصبح من طلوع الفجر الثاني حتى تطلع الشمس، ووقت الفجر منفصل عما قبله وما بعده؛ لأن بينهما وبين العشاء نصف الليل الثاني - على أحد الأقوال - وبينهما وبين الظهر نصف
стр. 585
النهار الأول، وقد جاء في القرآن ما يدل على ذلك، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
فقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ معطوف على (الصلاة) وتقديره: وأقم قرآن الفجر؛ أي: صلاة الفجر، وعبر عنها بالقرآن لمزيد الاعتناء به فيها وإطالته، وفي الآية فصلُ صلاة الفجر عن قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ لعدم اتصال وقتها، كما تقدم، والله تعالى أعلم.
стр. 586
بيان متى كان النبي ﷺ يصلي المفروضة
١٥٤/ ٤ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأسْلمِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ في أَقْصى المدينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ، وَكَان يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، ويَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلى المائَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٥٥/ ٥ - وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَدِيث جَابِرٍ: وَالْعِشَاءَ أَحْيَاناً وَأَحْيَاناً: إذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذَا رَآهُمْ أَبْطَؤوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ: كَانَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.
١٥٦/ ٦ - وَلِمُسْلمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبي مُوسى: فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو برزة نَضْلة بن عبيد أو ابن عبد الله الأسلمي ﵁، في نسبه خلاف، مشهور بكنيته، أسلم قديماً، وشهد فتح خيبر ومكة والطائف، وهو الذي قتل ابن خطل عام الفتح، وهو متعلق بأستار الكعبة بأمر النبي ﷺ ، غزا خراسان، وشهد قتال الخوارج في الأهواز، ثم مات بمَرْو سنة خمس وستين (١).
стр. 587
الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث أبي برزة: فقد أخرجه البخاري في «مواقيت الصلاة» باب «وقت العصر» (٥٤٧)(٦٤٠) من طريق سيار بن سلامة وهو أبو المنهال الرياحي قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة، فقال: … فذكره، واللفظ للبخاري.
وقد حذف الحافظ أول الحديث (كان يصلي الهجير - التي تدعونها الأولى - حين تدحض الشمس، ويصلي العصر .. إلخ)، وكان الأولى أن يثبتها؛ لأن الحديث في بيان متى كان النبي ﷺ يصلي الصلوات الخمس، كما أن الحافظ أسقط ذكر المغرب، وفيه: (ونسيت ما قال في المغرب)، والقائل هو سيار بن سلامة؛ أي: نسي ما قال أبو برزة في المغرب، بيَّنه أحمد في روايته عن حجاج، عن شعبة عنه (١).
وأما حديث جابر: فقد أخرجه البخاري في باب «وقت المغرب» (٥٦٠)، ومسلم (٦٤٦) من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال: قدم الحجاج المدينة، فسألنا جابر بن عبد الله فقال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة .. وساق الحديث، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: (والعشاء أحياناً يؤخرها وأحياناً يعجل).
وقد وقع في «مسند أبي عوانة» عن شعبة: سألنا جابر بن عبد الله - في زمن الحجاج - وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة (٢).
وأما حديث أبي موسى فقد مضى تخريجه.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (كان يصلي) كان: فعل ماض، وإذا كان خبرها جملة فعلية دلت على الاستمرار غالباً، وتقدم ذلك في «الطهارة».
قوله: (رحله) بفتح الراء وسكون الحاء: مسكنه ومنزله.
стр. 588
قوله: (والشمس حية) أي: بيضاء نقية حارة، فحياتها وصف مستعار لبقاء ضوئها وشدة حرارتها وصفاء لونها، والجملة حال من فاعل (يرجع)، وقد أخرج أبو داود في «سننه» بسنده عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: (حياتها أن تجد حرها) (١).
قوله: (أن يؤخر من العشاء) بكسر الخاء المعجمة، أي: يبطئ من صلاة العشاء، والمراد: يؤخر من وقت العشاء، فلا يصليها في أول وقتها.
قوله: (وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) أي: يبغض النوم قبل صلاة العشاء؛ لأنه إن استغرق فيه فاتته الصلاة، وإن قطعه قام وهو كسلان، ويكره التحدث بعدها؛ لأنه قد يفضي إلى السهر الضار بالجسم المعوق عن قيام الليل وصلاة الفجر، وهذه الجملة استطراد من أبي برزة ﵁، وهو في غاية المناسبة.
قوله: (وكان ينفتل) أي: ينصرف.
قوله: (من صلاة الغداة) أي: صلاة الفجر. والغداة: أول النهار.
قوله: (ويقرأ بالستين إلى المائة) أي: في صلاة الغداة، وظاهره أن هذا المقدار في كلا الركعتين.
قوله: (والعشاء أحياناً وأحياناً) جمع حين بمعنى: وقت، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان على المشهور، وهما منصوبان على الظرفية بفعل محذوف، والتقدير: أحياناً يعجل، وأحياناً يؤخر، ثم فَصَّلَ فقال: «إذا رآهم - أي: الجماعة - اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّر».
و (العشاءَ): بالنصب عطفاً على أول الحديث، وهو قوله: (كان النبي ﷺ يصلي الظهرَ بالهاجرة … ).
قوله: (والصبح … يصليها بغلس) الصبحَ: بالنصب بفعل محذوف يفسره المذكور، والتقدير: وكان يصلي الصبح (٢).
стр. 589
والغلس: بفتحتين: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل مع غلبة الظلمة.
قوله: (انشق الفجر) أي: طلع، قال في «النهاية»: شق الفجر وانشق: إذا طلع، كأنه شق موضع طلوعه.
الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب تعجيل صلاة العصر في أول وقتها؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يصلونها مع النبي ﷺ ثم يرجع الرجل إلى منزله في أقصى المدينة، والشمس لم تزل تحتفظ بضوئها وحرارتها، وقد ورد عن أنس ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة، قال الزهري: وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه (١).
وعنه قال: كنا نصلي العصر - أي مع النبي ﷺ ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة (٢).
الوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية التأخير في صلاة العشاء عن أول وقتها، لكن هذا مقيد بما دل عليه حديث جابر ﵁ وهو أنه ﷺ كان يراعي الجماعة، فإن رآهم اجتمعوا عجل لئلا يشق عليهم الانتظار، وإذا رآهم أبطؤوا أخر؛ لأن تأخيرها أحب إليه، وهذا يدل على حسن رعاية النبي ﷺ لأمته واجتنابه ما يشق عليهم.
فعلى الإمام أن يتحرى ما تحراه النبي ﷺ ، ففي العشاء إن رآهم حضروا عجل الصلاة، وإن رآهم تأخروا أخر الصلاة، أما بقية الصلوات فينبغي أن يكون لها وقت محدد واضح يعرفه الناس حتى يحضروا، تأسياً بالنبي ﷺ في ذلك، فالمغرب يبادر بها ولا ينتظر إلا بمقدار الوضوء، والعصر يصليها في أول وقتها، وهكذا الظهر والفجر يصليهما في أول وقتهما، ويعطي الناس فرصة الحضور والاجتماع.
الوجه السادس: الحديث دليل على كراهة النوم قبل صلاة العشاء لأنه
стр. 590
وسيلة إلى إضاعتها في الوقت أو إضاعتها في الجماعة؛ لأن الإنسان إذا غلبه النوم فقد يصعب عليه القيام لها وحضور الجماعة.
الوجه السابع: الحديث دليل على كراهة السهر والتحدث بعد صلاة العشاء، لئلا يشق عليه الاستيقاظ لصلاة الليل أو صلاة الفجر، والمراد بالتحدث هنا: التحدث في أمر مباح؛ لأن المحرم لا اختصاص لكراهته بما بعد صلاة العشاء، بل هو حرام في الأوقات كلها.
وبهذا يعلم أن السهر في المستراحات أو غيرها عند آلات اللهو والطرب أو في مجالس الفسق والعصيان من قمار وشرب مسكر ونحو ذلك مما اخترعته لنا قوى الشر العالمية وأمدت به أمة الإسلام، أقول: لا شك في تحريم السهر عند ذلك؛ لأن من يسهر على هذه الصفة فقد لا يصلي الفجر مع المسلمين، وقد لا يصلي إلا بعد خروج الوقت، وهذا واقع، نسأل الله العافية.
والسهر له آثار سيئة من أهمها التخلف عن صلاة الفجر، أو إخراجها عن وقتها، وتفويت قيام الليل، والنوم في النهار ساعات طويلة، وفي ذلك من المفاسد ما لا يخفى على من نوَّر الله بصيرته.
أما السهر في طلب علم أو لقدوم ضيف أو محادثة أهل أو لمصلحة تتعلق بالمسلمين كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو رجال الأمن، فهذا يجوز، وقد ورد ما يدل على ذلك، لكن بشرط ألا يكثر السهر فيؤدي إلى التخلف عن صلاة الفجر.
الوجه الثامن: الحديث دليل على مشروعية المبادرة بصلاة الفجر في أول وقتها؛ لأن الرسول ﷺ كان يصليها بغلس قبل أن ينتشر ضياء النهار، وينصرف منها حين يميز الرجل جليسه الذي بجانبه فقط، والمسجد حينذاك لم يكن فيه مصابيح، مع أنه ﷺ كان يطيل القراءة فيها، حيث يقرأ بستين آية إلى مائة آية في غالب أحواله ﷺ .
الوجه التاسع: الحديث دليل على مشروعية تطويل القراءة في صلاة
стр. 591
الفجر، ولعل من حكمة ذلك أنها صلاة خفيفة فهي ركعتان، فناسب إطالة القراءة فيها، ولأن الناس عندهم نشاط ورغبة في سماع القرآن؛ لأنهم بعد النوم وراحة الليل، فيحصل لهم من طول القراءة وطول التسبيح والدعاء ما فيه الخير والبركة، والله تعالى أعلم.
стр. 592
حكم تعجيل المغرب في أول وقتها
١٥٧/ ٧ - وعَنْ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النبيِّ ﷺ فَيَنْصَرفُ أَحَدُنَا وَإنَّه لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو أبو عبد الله أو أبو خديج رافع بن خَديج - بفتح الخاء المعجمة - الأنصاري الأوسي ﵁، لم يشهد بدراً لصغره، وشهد أحداً والخندق وأكثر المشاهد، أصابه سهم يوم أحد في ثَنْدُؤَتِهِ فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، انزع السهم قال: «يا رافع إن شئت نزعت السهم والقُطْبة (١) جميعاً، وان شئت نزعت السهم وتركت القطبة، وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد»، قال: يا رسول الله، بل انزع السهم واترك القطبة، واشهد لي يوم القيامة أني شهيد، قال: فنزع رسول الله ﷺ السهم وترك القطبة (٢).
وقد انتقضت جراحته ﵁ بعد ذلك، ومات سنة ثلاث وسبعين (٣). قال الذهبي: (كان صحراوياً عالماً بالمزارعة والمساقاة) (٤).
стр. 593
قلت: ولهذا روى أحاديث كثيرة في المزارعة (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في باب (وقت المغرب) (٥٥٩) ومسلم (٦٣٧) من طريق الأوزاعي قال: حدثنا أبو النجاشي - هو عطاء بن صهيب مولى رافع بن خديج - قال: سمعت رافع بن خديج ﵁ يقول: فذكره.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (وإنه ليبصر مواقع نبله) النبل: بفتح النون وسكون الباء الموحدة هي السهام العربية، وهي مؤنثة، لا مفرد لها من لفظها.
الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية تعجيل صلاة المغرب في أول وقتها وعلى تقصير القراءة فيها، بحيث ينصرف منها والضوء باقٍ، حتى إن الصحابة ﵃ ينصرفون منها ويرمي الواحد منهم النبل عن قوسه ويبصر موقعه؛ لبقاء الضوء، والله تعالى أعلم.
стр. 594
حكم تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها
١٥٨/ ٨ - وعَنْ عَائشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلةٍ بِالْعِشَاءِ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى، وَقَالَ: «إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي». رَوَاهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في باب (وقت العشاء وتأخيرها) (٦٣٨)(٢١٩) من طريق ابن جريج قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر أنها أخبرته عن عائشة ﵂ قالت: أعتم النبي ﷺ … إلخ.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أعتم بالعشاء) أي: أخر صلاة العشاء حتى اشتدت عتمة الليل وهي ظلمته، يقال: أعتم: دخل في العتمة، وهي من الليل بعد غيبوبة الشفق إلى آخر الثلث الأول.
قوله: (حتى ذهب عامة الليل) أي كثير الليل لا أكثره؛ لأنه إن حمل على الأكثر زاد على النصف، وهو معارض لما تقدم من أن صلاة العشاء ما لم ينتصف الليل، فيكون هذا قرينة على أن المراد كثير الليل.
قوله: (إنه لوقتها) أي: وقتها الفاضل لولا المشقة على الأمة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب تأخير صلاة العشاء إلى عامة الليل، والمراد به آخر الثلث الأول، وقد ورد في حديث ابن عباس ﵄ أن عمر ﵁ قال: (يا رسول الله رقد النساء والصبيان)، وهذا مقيَّد بما إذا لم
стр. 595
يشق على الناس لقوله: «إنه لَوَقْتُها لولا أن أشق على أمتي».
وفي حديث ابن عباس المذكور: «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة» (١)، لكن إن كان الجماعة في مكان واحد كأن يكونوا في البر - مثلاً - فالتأخير أفضل، وكذا حكم النساء في بيوتهن.
وفي هذا الحديث دليل على أنه لم يكن من شأن النبي ﷺ تأخيرها، والفيصل في ذلك ما تقدم في حديث جابر ﵁، والله تعالى أعلم.
стр. 596
حكم الإبراد بصلاة الظهر
١٥٩/ ٩ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «مواقيت الصلاة» باب «الإبراد بالظهر في شدة الحر» (٥٣٦)، ومسلم (٦١٥) من طريق الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعاً.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا اشتد الحر) أي: قوي، والحر: وهج الشمس في أيام القيظ.
قوله: (فأبردوا بالصلاة) أي: أخِّروها حتى يبرد الحر، والمراد بالصلاة: صلاة الظهر، وتكون (أل) للعهد؛ لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالباً في أول وقتها، وقد ورد ذلك صريحاً في حديث أبي سعيد ﵁: «أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (١).
والحكمة من ذلك: لأجل أن تؤدى الصلاة براحة وخشوع، والتعجيل في شدة الحر مشقة تسلب الخشوع أو كماله.
والأمر بالإبراد: أمر ندب واستحباب، لا أمر حتم وإيجاب، وهذا مما
стр. 597
لا اختلاف فيه بين العلماء؛ ذكر ذلك الحافظ ابن رجب (١) ويرى أن الصارف عن الإيجاب هو الإجماع، وحديث عمرو بن عبسة ﵁: (فإذا أقبل الفيء فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر) (٢)، ومثله حديث أبي هريرة ﵁ (٣)، فإن فيهما التصريح بأن الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبَّلة، ولم يفرق بين فرض ونفل.
قوله: (فإن شدة الحر من فيح جهنم) جملة تعليلية لمشروعية التأخير المذكور، وقوله: (من فيح جهنم) أي: من وَهَجِ حرها وسعة انتشارها وتنفُّسها، قال أهل اللغة: (فاحت النار فيحاً: انتشرت) (٤).
وجهنم: من أسماء النار، وهو غير مصروف للعلمية والتأنيث.
وظاهر الحديث أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة، وهذا هو الصواب، ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً، فأذِنَ لها بنفَسَيْن: نَفَسٍ في الشتاء، ونَفَسٍ في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير» (٥).
الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الإبراد بصلاة الظهر أيام الحر، وذلك بأن تؤخر عن أول وقتها إلى أن يبرد الحر، وتنكسر قوته ويتيسر شيء من الظل، لتؤدى الصلاة في راحة وطمأنينة وخشوع.
الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن الإبراد بالظهر عام لكل مصلٍّ، سواء أكان منفرداً أم في جماعة، حتى النساء في بيوتهن؛ لأن الحديث جاء مطلقاً غير مقيد، والخطاب للجميع، وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الله ورسوله، ولهذا ترجم البخاري على حديث أبي هريرة وغيره ترجمة مطلقة فقال: (باب
стр. 598
الإبراد بالظهر في شدة الحر) (١).
وهذا قول كثير من أهل العلم، فذكر بعض المالكية أنه مذهب الإمام مالك، وذكر ابن قدامة أنه ظاهر كلام الإمام أحمد، ورجحه فقال: (والأخذ بظاهر الخبر أولى) (٢)، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق ورجحه (٣)، وكذا حكاه الترمذي عن أحمد وابن المبارك وإسحاق، ورجحه، وبه قال بعض الشافعية، وأصحاب الرأي (٤).
ورجحه - أيضاً - الشوكاني قال: (والحق عدم الفرق؛ لأن التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع يستوي فيه المنفرد وغيره) (٥).
والقول الثاني أن الإبراد مختص بأهل البلاد الحارة، كالحجاز لمن يصلي في جماعة في مسجد يقصده الناس من بُعْدٍ ويمشون إليه في الشمس، أما من صلّى منفرداً فإنه يعجِّلها في أول وقتها، وهذا هو المنصوص عن الشافعي (٦)، وبه قال طائفة من المالكية (٧)، ونُقِلَ عن الشافعي أن الإبراد له شروط أربعة:
١ - أن يكون في بلد حار.
٢ - أن تصلى جماعة.
٣ - أن يقصد الناس الجماعة من بُعْد، فلو كانوا مجتمعين في موضع صلوا في أول الوقت.
٤ - ألا يجدوا كِنَّاً يمشون تحته يقيهم (٨).
ولعل الشافعي استنبط هذه الشروط من الحديث، وجعل ذلك تخصيصاً للنص بالمعنى.
стр. 599
والظاهر أن سبب الخلاف مبني على معرفة المعنى الذي لأجله أُمر بالإبراد، فمن قال: لأجل حصول الخشوع في الصلاة، قال: لا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، وهذا هو الأظهر، وأما من قال: خشية المشقة على من بَعُدَ عن المسجد بمشيه في الحر قال: يختص الإبراد بمن يصلي في المسجد الذي يُقصد من بُعْد (١)، وما قاله الشافعي وجيه، لكن الأخذ بعموم الحديث أولى.
الوجه الخامس: ظاهر هذا الحديث يعارض حديث جابر ﵁ وما في معناه - وفيه (كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة)، وهي شدة الحر عند منتصف النهار بعد الزوال؛ لأن قوله (كان يفعل) يشعر بالكثرة والدوام - كما تقدم - وأجيب عن ذلك بأجوبة، لعل من أظهرها أن النبي ﷺ كان يصليها أولاً بالهاجرة ثم أمر بالإبراد بعد ذلك، وهذا جواب الإمام أحمد، فإنه قال: (هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ (٢)، ويدل لذلك حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنا نصلي مع نبي الله ﷺ صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا رسول الله ﷺ : «أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٣).
الوجه السادس: الحديث دليل على أن النار موجودة الآن، وأهل السُّنة متفقون على وجود الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك ولله الحمد، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك، وزعموا أن الله تعالى يخلقهما يوم القيامة، وهذا الحديث وما في معناه
стр. 600
رد صريح عليهم، وقد أورد البخاري في «صحيحه» حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد وغيرهما في كتاب «بدء الخلق» وبوب على ذلك بقوله: باب «صفة النار وأنها مخلوقة»، وقال الحافظ ابن حجر: (وهذه الأحاديث من أقوى الأدلة على ما ذهب إليه الجمهور من أن جهنم موجودة الآن) (١)، أعاذنا الله تعالى منها، والله تعالى أعلم.