← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وعزو الحديث للترمذي فيه نظر، فإني لم أجده في مظانه، وقد عزاه الحافظ وغيره إلى الحاكم والدارقطني والبيهقي وغيرهم دون الترمذي (١)، فإما أن يكون عزوه إلى الترمذي سهو من الحافظ، أو سبق قلم من الناسخ، أو في نسخة أخرى للترمذي، فالله أعلم. والحديث أصله في «الصحيحين» من عدة طرق عن شعبة، وعن الوليد بن العيزار، أنه سمع أبا عمرو الشيباني قال: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار إلى دار عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ أيُّ الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أيُّ؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «ثم الجهاد في سبيل الله»، قال: حدثني بهنَّ، ولو استزدته لزادني (٢). وإنما ذكر الحافظ لفظ الحاكم؛ لأنه أدل على المراد من لفظ «الصحيحين»، كما سيتضح إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: الحديث دليل على فضيلة الصلاة في وقتها المطلوب فعلها فيه، فلا تقدم عليه ولا تؤخر عنه، وإذا كانت في أول وقتها فهو أفضل، من باب المبادرة والمسارعة إلى ما شرع الله تعالى، قال الشافعي ﵀: (إن تقديم الصلاة في أول وقتها أولى بالفضل، لما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان والعلل) (٣)، فإن صليت في أثنائه أو في اخره فلا حرج. ولفظ (في أول وقتها) تفرد به علي بن حفص من بين أصحاب شعبة، وتفرده بها لا يقبل، وفيه ما تقدم، لكن من يأخذ بها يجيب عن ذلك من حيث الرواية ومن حيث الدراية. أما من حيث الرواية فإنه يقول: إن تفرده لا يضر، لأنه شيخ صدوق من رجال مسلم، وقد صححها الحاكم. ومن حيث الدراية فإن لفظ (على وقتها) - وهو لفظ الجماعة - يفيد معنى

стр. 632

(أول وقتها) لأن كلمة (على) تفيد الاستعلاء، ومعناه الاستعلاء على جميع الوقت، فيكون فيها دلالة على فضل أول الوقت (١). ويؤيد ذلك عموم الأدلة في الأمر بالمسارعة إلى الخيرات، وأسباب المغفرة، ومدح المسارعين. كما يؤيده أن النبي ﷺ كان يبادر بالصلاة بعد الأذان، بعد وقت يتوضأ فيه المتوضئ، ويتهيأ فيه، ولا ينافي ذلك أنه في أول الوقت، فإن التأهب للصلاة، والأخذ بأسبابها من الطهارة ونحوها مما يدخل في هذا المعنى. ويستثنى من ذلك صلاتان: الأولى: العشاء فقد كان من هديه ﷺ ملاحظة المأمومين - كما تقدم - فإن راهم تأخروا تأخر حتى يجتمعوا. الثانية: الظهر، فإنه كان إذا اشتد الحر يأمر بالإبراد، كما مضى. الوجه الثالث: لا يعارض هذا الحديث الدال على أن الصلاة في أول وقتها أفضل الأعمال حديث أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله .. الحديث» (٢). وقد أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة، ومنها: أن حديث ابن مسعود - هذا - يراد به مراتب الأعمال الظاهرة البدنية؛ لأنه سيق لبيان ذلك، ولأن المتبادر إلى الفهم عند ذكر الأعمال على الإطلاق هي أعمال الجوارح لا أعمال القلوب، ولا ريب أن الصلاة هي أعظم حقوق الله تعالى بعد الإيمان. وأما الأحاديث التي فيها أن أفضل الأعمال الإيمان بالله تعالى فهي على الأصل؛ لأن أول وأفضل ما افترضه الله على عباده هو الإيمان، والله تعالى أعلم (٣).

стр. 633

مراتب الوقت في الفضل ١٧٢/ ٢٢ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أَوَّلُ الوَقْتِ رِضْوَانُ الله، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ الله؛ وَاخِرُهُ عَفْوُ الله». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدّاً. ١٧٣/ ٢٣ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، دُونَ الأوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضاً. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي. وهو أبو محذورة، أوس بن مِعْير - بكسر الميم وسكون العين المهملة - القرشي الجمحي، مختلف في اسمه، مشهور بكنيته، قال ابن عبد البر: (اتفق الزبير وعمه مصعب ومحمد بن إسحاق المسيَّبي على أن اسم أبي محذورة: أوس، وهؤلاء أعلم بطريق أنساب قريش). وهو مؤذن رسول الله ﷺ في مكة، وقد علمه النبي ﷺ الأذان، لما أعجبه صوته - كما سيأتي إن شاء الله - وبقي على ذلك هو وولده، وبقي في مكة لم يهاجر إلى المدينة، ومات سنة تسع وخمسين، وقيل: تسع وسبعين (١) ﵁. الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث أبي محذورة: فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٩)، من طريق

стр. 634

إبراهيم بن زكريا - من أهل عَبْدَ سِيّ (١) ـ حدثنا إبراهيم بن أبي محذورة، مؤذن مكة، حدثني أبي، عن جدي - يعني أبا محذورة - قال: قال رسول الله ﷺ . وهذا إسناد ضعيف جداً - كما قال الحافظ - لأن فيه إبراهيم بن زكريا، وهو مجهول، كما قال أبو حاتم، قال: (والحديث الذي رواه منكر) (٢)، وقال ابن عدي: (حدث عن الثقات بالبواطيل)، وقال بعد أن ساق هذا الحديث وغيره: (وهذه الأحاديث مع غيرها مما يرويه إبراهيم بن زكريا، هذه كلها أو عامتها غير محفوظة، وتبين الضعف على رواية حديثه، وهو في جملة الضعفاء) (٣). ونقل ابن عبد الهادي عن الإمام أحمد أنه سئل عن هذا الحديث فقال: (مَنْ روى هذا؟ ليس يثبت) (٤)، وكذا نقله عنه الزيلعي (٥). أما حديث ابن عمر ﵄: فقد أخرجه الترمذي (١٧٢)، قال: حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الاخر عفو الله». وقد ضعفه الحافظ، والحق أنه حديث موضوع، فإن يعقوب بن الوليد كذاب وضَّاع وهو افته، قال البيهقي: (هذا الحديث يعرف بيعقوب بن الوليد، ويعقوب منكر الحديث، ضعفه ابن معين، وكذبه أحمد وسائر الحفاظ، ونسبوه إلى الوضع، نعوذ بالله من الخذلان) (٦). وقد أعله عبد الحق بعبد الله بن عمر العمري، وهو متكلم فيه (٧)، لكن

стр. 635

ليس هو علته، ولذا تعقبه ابن القطان (١)، وعبد الله بن عمر وثقه قوم وأثنوا عليه، وضعفه اخرون من أجل حفظه، لا من أجل صدقه وأمانته. ولعل الترمذي ذكره في كتابه لاستدلال بعض الفقهاء به، فإن من العجيب أن الإمام الشافعي استدل به في كتابه «اختلاف الحديث» (٢)، فقال: (وقال رسول الله ﷺ : «أول الوقت رضوان الله .. »)، وكذا ساقه بدون إسناد في كتابه «الرسالة» (٣). الوجه الثالث: يدل الحديثان على فضل الصلاة في أول وقتها طلباً لرضوان الله تعالى، وأن ذلك مقدم على وسط الوقت وعلى اخره، فإن لم يكن فلتؤدَّ في وسطه لنيل رحمة الله تعالى، ومعلوم أن رتبة الرضوان أبلغ، أما أداؤها في اخر الوقت ففيه تكاسل وتثاقل عن الطاعة، وما أحوج من فعل ذلك إلى عفو الله تعالى لمحو ذنبه وتقصيره. هذا ما يدل عليه الحديثان، وتقدم أنهما غير صحيحين، ولا يشهد أحدهما للاخر لما تقدم في حال الرواة، وفي الأحاديث الصحيحة القولية والفعلية ما يغني عنهما - ولله الحمد - وقد تقدم ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 636

النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر سوى الراتبة ١٧٤/ ٢٤ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إلاَّ سَجْدَتَيْنِ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، إلاَّ النَّسَائِيَّ. وفي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلوعِ الْفَجْرِ إلاَّ رَكْعَتَي الْفَجْرِ». ١٧٥/ ٢٥ - وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن عمر ﵄: فقد أخرجه أبو داود (١٢٧٨) في كتاب «الصلاة» باب «من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة»، والترمذي (٤١٩)، وابن ماجه (٢٣٥)، وأحمد (٨/ ٣٧٦)، كلهم من طريق قدامة بن موسى، عن أيوب بن حصين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر قال: راني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر فقال: يا يسار إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: «ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين». وهذا لفظ أبي داود، وقريب منه لفظ أحمد، ولفظ الترمذي كلفظ الكتاب، ووقع في إسناده وإسناد ابن ماجه: محمد بن الحصين، بدل: أيوب بن الحصين. أما ابن ماجه فالحديث عنده بلفظ: «ليبلغ شاهدكم غائبكم» دون اخره، وعليه فعزو الحديث له غير وجيه، لعدم وجود اللفظ المقصود عنده.

стр. 637

وأما محمد بن الحصين فقد اختلف في اسمه، فقيل هكذا، وقيل: أيوب بن الحصين، والأول رجحه أبو حاتم وابنه، والثاني رجحه الدارقطني والبيهقي والألباني، وذكر الحافظ احتمالاً لا بأس به، وهو أن اسمه محمد وأبوه حصين، وكنيته: أبو أيوب، فلعل من سماه أيوب وقع له غير مسمى، فسماه بكنية أبيه (١)، وعلى أي حال فالرجل مجهول، كما قال الدارقطني، ومن بعده الحافظ ابن حجر، فإنه ليس له إلا راوٍ واحد، وهو قدامة بن موسى، وقال ابن القطان: (إنه مختلف فيه، ومجهول الحال مع ذلك)، ونقل - أيضاً - أنه عند البخاري وابن أبي حاتم مجهول؛ لأنهما لم يُعَرِّفا من حاله بشيء (٢). أما ابن حبان فقد أورده في «الثقات» (٣)، وهذا من تساهله ﵀، وبقية رجاله كلهم ثقات. وعلى هذا فالإسناد ضعيف من أجل محمد بن الحصين. وقد روى الحديث عبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٥٣) (٤٧٦٠) من طريق أبي بكر بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر». وأبو بكر بن محمد هو شيخ عبد الرزاق، ينسبه إلى جده، وإلا فهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، وهو ضعيف جداً، ونسبه بعضهم إلى الوضع (٤). ولعل الحافظ ذكر رواية عبد الرزاق، لتفسير المراد بقوله: «بعد الفجر» أي: إن المراد بعد طلوع الفجر، لا بعد صلاة الفجر؛ لأن اللفظ محتمل، كما تقدم. أما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فهو من شواهد الحديث، وقد أخرجه

стр. 638

الدارقطني (١/ ٤١٩) والبيهقي (٢/ ٤٦٥) من طريق سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر». وهذا إسناد ضعيف، قال البيهقي: (في إسناده من لا يحتج به)، وهو يعني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، كما ذكر بعد ذلك، فقد اختلف في الاحتجاج به، قال الترمذي: (ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، قال أحمد: لا أكتب حديث الأفريقي، قال: ورأيت محمد بن إسماعيل يقوِّي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث) (١). الوجه الثاني: استدل بحديث ابن عمر وابن عمرو ﵃ من قال بالنهي عن التنفل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، وهما راتبة الفجر، وذلك أنه وإن كان نفياً فهو في معنى النهي، والأصل في النهي التحريم، وقد نقل الترمذي الإجماع على ذلك فقال: (أجمع أهل العلم على كراهة أن يصلي الرجل بعد الفجر إلا ركعتي الفجر) (٢). قال الحافظ: (دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب، فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر وغيره (٣)، وقال الحسن البصري: لا بأس به (٤)، وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاته بالليل، وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في «قيام الليل») (٥). واستدل من أجاز التنفل بأكثر من ركعتي الفجر بحديث عمرو بن عَبَسَة قال: يا رسول الله، أيُّ الليل أسمع؟ قال: «جوف الليل الأخير، فصلِّ ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مقبولة، حتى تصلي الصبح» (٦). والقول بمنع ما زاد على ركعتي الفجر هو قول الجمهور، لدلالة الأحاديث المتقدمة عليه، وحكى ابن المنذر عن بعض السلف أنهم أوتروا بعد

стр. 639

طلوع الفجر، واعتبر النووي القول بالجواز هو الصحيح في مذهب الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد (١)، لكن إن ثبتت أحاديث الباب فالسنة مقدمة على قول كل من كان. قال المؤيد لمذهب الجمهور: أما حديث أبي داود فليس بصريح في عدم الكراهة، إذ يمكن أن يحمل قوله: «فصلِّ ما شئت» أي: في جوف الليل؛ لأن السائل سأله عن أيِّ الليل أسمع؟ ثم إن الحديث أخرجه مسلم في «صحيحه» وليس فيه هذه الجملة: «فصل ما شئت حتى تصلي الصبح»، فتقدم رواية مسلم على رواية أصحاب السنن، وقد جاء الحديث عند أحمد وغيره بلفظ: «الصلاة مشهودة حتى ينفجر الفجر، فإذا انفجر الفجر فأمسك عن الصلاة إلا ركعتين، حتى تصلي الفجر»، فحمل الروايات المختلفة على رواية مسلم أولى، على أن أبا داود قال بعد سياقه الحديث، قال العباس: (هكذا حدثني أبو سلام عن أبي أمامة إلا أن أُخطئ شيئاً لا أريده، فأستغفر الله وأتوب إليه) (٢). ثم إن كون النبي ﷺ يصلي بعد طلوع الفجر سجدتين خفيفتين يدل على أنه ﷺ ما كان يصلي زيادة على ذلك. وقد صحَّ عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه، فقال: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة (٣). ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن النهي في حديث الباب ليس للتحريم، فتجوز الصلاة بعد طلوع الفجر إذا لم يتخذ ذلك سنة، لعموم حديث: «بين كل أذانين صلاة … »، فتجوز صلاة الوتر في هذا الوقت، قال النووي عند حديث (كان إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين) (قد يستدل به

стр. 640

من يقول: تكره الصلاة من طلوع الفجر إلا سنة الصبح وما له سبب … وليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، إنما فيه الإخبار بأنه كان ﷺ لا يصلي غير ركعتي السنة، ولم ينه عن غيرها) (١) وسيأتي الكلام على وقت الوتر في باب «التطوع» إن شاء الله، والله أعلم (٢).

стр. 641

حكم قضاء راتبة الظهر بعد العصر ١٧٦/ ٢٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي، فَصَلَّى رَكْعَتَينِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الان»، قُلْتُ: أَفَنَقضِيهِمَا إذَا فَاتَتنَا؟ قَالَ: «لَا»، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. ١٧٧/ ٢٧ - وَلأبي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِمعْنَاهُ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أم سلمة ﵂: فقد أخرجه أحمد (٤٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، وابن حبان (٦/ ٣٧٧) من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة ﵂ قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر … الحديث. وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلَّتين: الأولى: الانقطاع بين ذكوان وأم سلمة، وذكوان هو أبو عمرو المدني، مولى عائشة، ولم يذكر أبو حاتم له رواية عن غير مولاته عائشة ﵂ (١)، وهو هنا غير منسوب، ولم يذكره الحافظ فيمن روى عنه الأزرق (٢)، لكن ذكر المزي - تبعاً للرواية في الإسناد - في ترجمة الأزرق بن قيس الحارثي أنه روى

стр. 642

عن ذكوان مولى عائشة (١)، فلا يلتبس بذكوان أبي صالح السَّمَّان؛ لأنه سمع من أم سلمة ﵂، كما ذكر الحافظ ابن حجر (٢). الثانية: الاختلاف في إثبات زيادة (أفنقضيهما؟ قال: «لا»)، فقد جاء الحديث من عدة طرق عن أم سلمة دون هذه الزيادة، قال الهيثمي بعد ذكره لهذه الرواية: (قلت: لأم سلمة حديث في الصحيح في شَغْله عن الركعتين بعد الظهر، وليس فيه النهي عن قضائها) (٣). وقال عبد الحق الإشبيلي: (هذه الزيادة «أفنقضيهما» زيادة منكرة، تروى من طريق حماد بن سلمة، ولا تصح، وليست في كتب حماد بن سلمة) (٤)، وكذا قال ابن حزم (٥)، ونقل الحافظ عن البيهقي أنه قال: (إنها زيادة ضعيفة لا تقوم بها حجة) (٦)، فهذه الزيادة غير ثابتة لما يلي: ١ - تفرد حماد بن سلمة بها، وحماد بن سلمة وإن كان ثقة صدوقاً، لكن تغير حفظه، قال الحافظ ابن حجر: (حماد بن سلمة بن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات، إلا أنه ساء حفظه في الآخر) (٧)، وقال ابن معين: (هو أعلم الناس بحديث ثابت). وحماد ثقة في غير حديث ثابت، لكن في ثابت إليه المنتهى، ولا ينفي ذاك تفرده وردّه. وقد ورد حديث أم سلمة في «الصحيحين» مطولاً من طريق عمرو بن

стр. 643

الحارث، عن بكير، عن كريب، عن أم سلمة، وفيه قصة، ولم تذكر فيه هذه الزيادةُ (١). ولا يقال: إنها زيادة من ثقة فتقبل؛ لأن زيادة الثقة تقبل إن لم تكن منافية، فإن كانت منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى فإنها لا تقبل إذا خالف من هو أوثق منه، وهنا حماد بن سلمة ثقة، لكن عمرو بن الحارث أوثق منه، فقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (ثقة فقيه حافظ)، وقال في حماد بن سلمة: (ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير بأَخَرَةَ). ٢ - أن حماداً نفسه لم يذكر هذه الزيادة إلا في رواية يزيد بن هارون، ولم يذكرها في رواية أبي الوليد عنه، كما عند الطحاوي (٢). ٣ - أن عمرو بن الحارث قد توبع على عدم ذكر هذه الزيادة، فقد تابعه وكيع بن الجراح - وهو ثقة حافظ عابد - ومعمر بن راشد، واخرون، ولم يتابع أحدٌ حمادَ بن سلمة على هذه الزيادة، ولهذا أجمع العلماء على تضعيفها (٣). أما حديث عائشة ﵂: فقد أخرجه أبو داود (١٢٨٠) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان مولى عائشة ﵂ أنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال. وهذا الإسناد رجاله ثقات، غير ابن إسحاق فهو مدلس، وقد عنعنه؛ فالإسناد ضعيف، وقد أعله بذلك الشوكاني (٤)، وذكره الحافظ في «الفتح» وسكت عنه (٥). وقد حكم عليه الألباني بأنه منكر؛ لأنه ثبت عن عائشة ﵂ أنها كانت تصلي بعد صلاة العصر ركعتين، كما ثبت في «الصحيحين»، قال: (فهذا يدل

стр. 644

على خطأ حديث ابن إسحاق ونكارته) (١). وقد ثبت في «الصحيحين» - أيضاً - عن عائشة ﵂ قالت: (ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر عندي قط) (٢). وعنها - أيضاً - قالت: (صلاتان ما تركهما رسول الله ﷺ في بيتي قط، سراً ولا علانية، ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر) (٣). الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قولها: (فسألته) أي: عن هاتين الركعتين، وسؤلها يدل على أنه ﷺ لم يصلهما قبل ذلك عندها، أو أنها كانت قد علمت بالنهي عن الصلاة بعد العصر فاستنكرت مخالفة فعله ﷺ لهذا النهي. قوله: (شُغلت عن ركعتين بعد الظهر) أي: إن هاتين الركعتين راتبة الظهر البعدية، وقد جاء في حديث أم سلمة ﵂ في «الصحيحين» - كما تقدم - بيان الشاغل له وأنه (أتاه ناس من عبد القيس)، وفي حديث ابن عباس ﵄ (أنه أتاه مال فشغله عن الركعتين) (٤). قوله: (لا) أي: لا تقضوهما في هذا الوقت، بقرينة السياق، وإن كان النهي غير مقيد بوقت معين. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد العصر قضاء لراتبة الظهر لما شُغِلَ عنها، وأن هذا من خصائص النبي ﷺ لقولها: أفنقضيهما؟ قال: «لا»، لكن تقدم أن هذه الزيادة لم تثبت، فلا يكون فيها دليل على أن القضاء من خصائصه ﷺ ، ولذا أعرض عنها صاحبا «الصحيحين»، فيبقى أصل الحديث، وقد ثبت في «الصحيحين» أنه ﷺ صلى الركعتين بعد العصر.

стр. 645

وهذا لا يدل على جواز الصلاة بعد العصر مطلقاً، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك، وإنما يدل على جواز قضاء النافلة عند نسيانها أو الانشغال عنها، كما يدل على ذلك سياق الأحاديث المتقدمة، فتكون من ذوات الأسباب التي يجوز فعلها في وقت النهي، أما ما ليس له سبب فهو باق في عموم أحاديث النهي، ولم يرد دليل يخرجه من هذا العموم. وهذا فيه جمع بين الأدلة، وبه قال جمع من المحدثين، ومنهم الحافظ البيهقي، وابن حجر (١)، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، فإنه ضعَّف الزيادة في الحديث، وكذلك العظيم ابادي كما في «إعلام أهل العصر» (٣) والألباني كما في «الضعيفة» (٤). أما مداومته ﷺ على هاتين الركعتين بعد العصر، فقد ورد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂ عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر؟ فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما، أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها (٥). وهذا من خصائصه ﷺ ؛ لأنه نهى عن الصلاة بعد العصر، فَيُغَلَّبُ جانب أحاديث النهي لقوتها وصراحتها، وقد ذكر ذلك الشوكاني عند كلامه على أفعال الرسول ﷺ فقال: (القسم الخامس: أن يكون القول عاماً له وللأمة، فيكون الفعل على تقدير تأخره مخصصاً له من عموم القول، وذلك كنهيه عن الصلاة بعد العصر، ثم صلاته الركعتين بعدها، قضاءً لسنة الظهر ومداومته عليهما، وإلى ما ذكرنا من اختصاص الفعل به ذهب الجمهور، قالوا: وسواء تقدم الفعل أو تأخر) (٦)، والله تعالى أعلم.

стр. 646

باب الأذان أي: والإقامة. والأذان في اللغة: اسم مصدر للفعل: أذن يؤذِّن تأذيناً وأذاناً؛ ومعناه: الإعلام، يقال: أُذِّن بالظهر: أي أُعْلِم الناسُ بوقت صلاة الظهر. وشرعاً: الإعلام بحضور وقت فعل الصلاة بذكر مخصوص. والإقامة لغة: مصدر أقام، كأن المؤذن إذا أتى بألفاظ الإقامة أقام القاعدين، وأزالهم عن قعودهم، وشرعاً: الإعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص. والأذان من شعائر الإسلام الظاهرة، وفضائله العظيمة، ورد في ذلك أحاديث كثيرة، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداءِ والصفِّ الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» (١). وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة» (٢). وقد ذكر أهل العلم أن الأذان أفضل من الإمامة؛ لما ثبت فيه من الفضل، ولما فيه من إعلان ذكر الله تعالى، وتنبيه الناس، ولأنه أشق من الإقامة، قال القرطبي: (يحصل بالأذان إعلام بثلاثة أشياء: بدخول الوقت، وبالدعاء إلى الجماعة ومكان صلاتها، وبإظهار شعائر الإسلام) (٣).

стр. 647

وإنما لم يؤذن رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون لانشغالهم بأمور المسلمين ومصالحهم، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن يمان بن قيس قال: قال عمر ﵁: (لو أطقت الأذان مع الخِلِّيفَى لأذَّنت) (١). قال القرطبي: (اعلم أن الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، وذلك أنه ﵊ بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله تعالى ووجوبه وكماله، ثم ثنَّى بالتوحيد، ثم ثلَّث برسالة رسوله، ثم ناداهم لِمَا أراد من طاعته، ثم ضمن ذلك بالفلاح، وهو البقاء الدائم، فأشعر بأن ثمَّ جزاء، ثم أعاد ما أعاد توكيداً) (٢). وقد شُرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة، على القول الراجح، على رأس تسعة أشهر من مقدم النبي ﷺ المدينة. وقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع في مكة قبل الهجرة، ولكنها معلولة لا يصح منها شيء، ولذا قال عنها الحافظ: (والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثم حديث عبد الله بن زيد) (٣). والأظهر من أقوال أهل العلم أن الأذان والإقامة فرض كفاية على الرجال المقيمين والمسافرين، فإذا قام به من تحصل به الكفاية سقط عن الباقين، وقد أمر النبي ﷺ به مالك بن الحويرث وأصحابهرضي الله عنهم فقال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»، وهم وافدون على النبي ﷺ ، مسافرون إلى أهليهم، وسيأتي إن شاء الله. وقد داوم النبي ﷺ على الأذان هو وخلفاؤه وأصحابه حضراً وسفراً، والأمر يقتضي الوجوب، ومداومته على فعله دليل على وجوبه، ولأنه من

стр. 648

شعائر الإسلام الظاهرة، فكان فرضاً كالجهاد، وقد كان بلال ﵁ يؤذن للنبي ﷺ فيكتفي به، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١). أما المنفرد فيسن له الأذان والإقامة، وليسا بواجبين عليه؛ لأنه ليس لديه من يناديه بالأذان، لكن لما كان فيه ذكر الله تعالى سُنَّ له. وقد ورد أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنس، ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ (٢).

стр. 649

صفة الأذان ١٧٨/ ١ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ﵁ قَالَ: طَافَ بِي - وَأَنَا نَائِمٌ - رَجُلٌ فَقَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الأَذَانَ - بِتَرْبِيِعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، وَالإقَامَةَ فُرَادَى، إلاَّ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ - قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: «إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ … » الحَديثَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ. وَزَادَ أَحْمَدُ في اخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلِ بِلَالٍ في أذَانِ الْفَجْرِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ». ١٧٩/ ٢ - وَلابْنِ خُزَيْمَةَ: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذَا قَالَ المُؤَذِّنُ في الْفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو محمد، عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، من سادة الصحابة ﵃، شهد العقبة وبدراً والمشاهد بعدها، وهو الذي أُري الأذان في النوم، في السنة الأولى من الهجرة، قال الترمذي: (ولا نعرف له عن النبي ﷺ شيئاً يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان، وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني له أحاديث عن النبي ﷺ … ) (١).

стр. 650

وقد نقل ابن حجر كلام الترمذي هذا، ثم قال: (وقال ابن عدي: ولا نعرف له شيئاً يصح غيره، وأطلق غير واحد أنه ليس له غيره، وهو خطأ، فقد جاءت عنه عدة أحاديث ستة أو سبعة جمعتها في جزء) (١)، توفي ﵁ بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين (٢). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث عبد الله بن زيد: فقد أخرجه أحمد (٢٦/ ٤٠٢)، وأبو داود في كتاب «الصلاة»، باب: «كيف الأذان» (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن خزيمة (٣٧١)، كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدثني أبي عبدُ الله بن زيد، قال: قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يُعمل، ليُضرب به للناس، لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى قال: تقول: الله أكبر … الحديث بطوله. قال الترمذي: (حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح). وقال ابن خزيمة: (وخبر محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم … ثابت صحيح من جهة النقل؛ لأن محمد بن عبد الله قد سمعه من أبيه، ومحمد بن إسحاق قد سمعه من محمد بن إبراهيم التيمي، وليس هو مما دلسه محمد بن إسحاق). وصححه - أيضاً - محمد بن يحيى الذهلي، فيما نقله عنه البيهقي، والبخاري فيما نقله البيهقي - أيضاً - عن الترمذي أنه سأل البخاري عنه فقال: (هو عندي حديث صحيح) (٣).

стр. 651

وقال الحاكم: (تداوله فقهاء الإسلام بالقبول، ولم يُخَرَّجْ في الصحيحين، لاختلاف الناقلين في أسانيده) (١)، وخبر عبد الله بن زيد جاء عن عدد من الصحابة ﵃ حتى عُدَّ من المتواتر (٢). وقد أخرجه الإمام أحمد (٢٦/ ٣٩٩) من طريق ابن إسحاق قال: (وذكر محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، فذكر قصة الرؤيا إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ : «إن هذه لرؤيا حق إن شاء الله» ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة، قال: فجاء فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر)، والحديث بهذه الزيادة وهي قوله: (ويدعو رسول الله ﷺ .. إلخ) ضعيف؛ لأنها زيادة منكرة انفرد بها ابن إسحاق، وهو مدلس، ولم يسمع هذا الحديث من الزهري، فإنه قال: (وذكر محمد بن مسلم .. إلخ)، وقد أخرج الحديث بهذا الإسناد ابن خزيمة (٣٧٣)، والبيهقي (١/ ٤١٥) وليس فيه هذه الزيادة. ورواه ابن ماجه (٧١٦) من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن بلال بنحوه مختصراً قال البوصيري: (إسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعاً، سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال) (٣). وقد أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٧٢) عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلاً، أي: بدون ذكر بلال، وهو الصحيح عنه. لكن معنى الحديث صحيح، وهو زيادة: «الصلاة خير من النوم»، فإن له شواهد كثيرة يأتي بعضها إن شاء الله تعالى. وأما حديث أنس ﵁: فقد أخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٠٢)، والدارقطني

стр. 652

(١/ ٢٤٣)، والبيهقي (١/ ٤٢٣)، من طريق أبي أسامة، ثنا ابن عون (١) عن محمد بن سيرين، عن أنس قال: … فذكره، قال البيهقي: (إسناده صحيح). الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (طاف بي رجل) أي: ألمَّ بي وقَرُب حولي حالة كوني نائماً. قوله: (فذكر الأذان بتربيع التكبير) أي: تكريره أربع مرات، وهذا ليس من كلام عبد الله بن زيد، وإنما هو من كلام الحافظ ابن حجر ذكره تلخيصاً. قوله: (بغير ترجيع) الترجيع: هو العود إلى الشهادتين برفع الصوت بعد قولهما بخفض الصوت، بحيث لو كان أحد بجانبه لسمعه. قوله: (والإقامة فرادى) أي: لا تكرير في ألفاظها إلا التكبير مرتين و (قد قامت الصلاة) مرتين. قوله: (إنها لرؤيا حق) أي: صادقة ثابتة مطابقة للوحي؛ لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، أو موافِقةً للاجتهاد، وحَكَمَ النبي ﷺ بصدق هذه الرؤيا، لما ورد أن عمر ﵁ لما رأى الأذان في المنام أتى ليخبر النبي ﷺ به، فقال له ﵊: «سبقك بذلك الوحي» (٢)، وعلى هذا فلا يقال إنه ﷺ أمر بالأذان مستنداً إلى رؤيا عبد الله بن زيد، ورؤيا غير الأنبياء لا تؤمن من الخطأ، فلا يبنى عليها حكم شرعي، بل إن الاستناد إلى الرؤيا أمر ظاهري، والاستناد حقيقة إنما هو إلى الوحي؛ لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، فقد جاء مقارناً للرؤيا، ثم إن هذا الرؤيا جاء تقريرها من النبي ﷺ فقوي جانبها. قوله: (في أذان الفجر) هكذا جاءت الرواية مطلقة لم تبين هل المراد الأذان الأول أو الثاني، لكن جاء عند النسائي من حديث أبي محذورة: ( … الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم؛ في الأولى من

стр. 653

الصبح .. ) (١)، أي: في المناداة الأولى، وفي نسخة: (في الأول) أي في الأذان الأول، وحمله السندي في «حاشيته على النسائي» على الأذان دون الإقامة، فهو أول بالنسبة إليها، كما سيأتي. قوله: (الصلاة خير من النوم) خير: اسم تفضيل حذفت منه الهمزة تخفيفاً أو لكثرة الاستعمال، والظاهر أنه ليس على بابه، أي: لا يقصد التفضيل بين الصلاة وبين النوم، إذ لا خير في النوم مع وقت الصلاة، إلا على رأي من يقول: إن هذه الجملة في الأذان الأول قبل طلوع الفجر، وهذا يسمى التثويب، مصدر ثوَّب يثوِّب إذا رجع، سمي بذلك لأن المؤذن عاد إلى ذكر الصلاة بعد ما فرغ منه. الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الأذان، لإظهار شعائر الإسلام وإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، ودعائهم إلى المساجد لأداء فريضة الله تعالى. الوجه الخامس: أن الأفضل في الأذان التربيع في أوله، وهو التكبير أربع مرات، وعلى هذا أكثر أهل العلم، لشهرة روايته، ولأنها زيادة عدل غير منافية فهي مقبولة، فقد ورد التربيع في حديث عبد الله بن زيد، وورد في حديث أبي محذورة عند أصحاب السنن وأحمد، وورد تثنية التكبير فيه عند مسلم في «صحيحه» كما سيأتي بيانه إن شاء الله. الوجه السادس: الحديث دليل على أن الإقامة تفرد ألفاظها، فلا تكرر، ما عدا التكبير و (قد قامت الصلاة) فإنها تكرر مرتين، وإنما لم تكرر الإقامة لأنها للحاضرين في الأصل، فلا تحتاج إلى تكرار كالأذان. الوجه السابع: استحباب أن يقول المؤذن في أذان الفجر بعد: حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين؛ لأن صلاة الفجر في وقت ينام فيه عامة الناس، ويقومون إلى الصلاة من نوم، فاختصت صلاة الفجر بذلك دون غيرها من الصلوات، وهل التثويب في الأذان الأول أو الثاني؟ قولان:

стр. 654

الأول: أنه في الأذان الأول، وبه قال بعض الحنابلة، وحكاه الصنعاني عن ابن رسلان (١) واستدلوا بظاهر الأحاديث المتقدمة. القول الثاني: أنه في الأذان الثاني الذي يكون عند طلوع الفجر، وهو مذهب الحنابلة، وهو قول السندي (٢)، واختاره ابن باز، وابن عثيمين، لما يلي: ١ - أن التثويب ورد مقيداً بصلاة الصبح، كما في رواية أبي داود وأحمد من حديث أبي محذورة: (فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم .. )، فهذا ليس فيه تقييد بالأذان الأول، وإنما قيد بأذان الصبح، ومعلوم أن الأذان لصلاة الصبح لا يكون إلا بعد طلوع الفجر ودخول وقتها، لقوله ﷺ لمالك بن الحويرث: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم»، أما الأذان الأول فليس لصلاة الصبح، وإنما هو كما قال ﷺ : «ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم» (٣)، فهو نص صريح أن الأذان الأول ليس لصلاة الفجر. ٢ - ما ورد عن أنس ﵁ قال: كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم، مرتين (٤). أما ما ورد في بعض الروايات من تقييد الأذان بالأول أو بالأولى - كما تقدم - فليس نصّاً صريحاً في أن المراد به الأذان الذي يكون قبل الفجر لأمرين: الأمر الأول: أن وصفه بالأول ليس نصّاً في أن المراد الأذان الأول بل

стр. 655

يحتمل أن ذلك لكونه قبل الإقامة، فإن الإقامة يطلق عليها أذان، كما في قوله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة» (١)، وكما في قول السائب بن يزيد ﵁: (إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ﵁ حين كثر أهل المدينة … الحديث) (٢)، وليس في الجمعة سوى أذانين وإقامة. ويؤيد ذلك ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يتبين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة) (٣). قال الحافظ ابن حجر: (والمراد بالأولى: الأذان الذي يؤذن به عند دخول الوقت، وهو أول باعتبار الإقامة، وثاني باعتبار الأذان الذي قبل الفجر، وجاء التأنيث إما من قبل مؤاخاته للإقامة، أو لأنه أراد المنادة، أو الدعوة التامة، ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف، والتقدير: إذا سكت عن المرة الأولى أو في المرة الأولى) (٤). وعنها - أيضاً ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ ينام أول الليل ويحيي اخره، وفيه: فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى الركعتين .. ) (٥)، فأطلقت النداء الأول على أذان الصبح الذي بعد طلوع الفجر لقولها: (ثم صلّى الركعتين) وهما سنة الفجر. الأمر الثاني: أنه لم ينقل أن أبا محذورة كان يؤذن للفجر مرة قبل طلوعه ومرة بعده (٦)، وإنما كان هذا في المدينة. ثم إن الأذان الثاني هو المناسب لهذه الجملة، وذلك ببيان أن الصلاة التي فرض الله تعالى على عباده خير لهم من نومهم في هذا الوقت، فالواجب القيام من النوم والمسارعة إليها، والله أعلم.

стр. 656

صفة أذان أبي محذورة ١٨٠/ ٣ - وعَنْ أَبي مَحْذُورةَ ﵁. أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ، فَذَكَرَ فِيهِ التَّرْجِيعَ. أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ. ولكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ. وَرَوَاهُ الْخَمْسَةُ فَذَكَرُوهُ مُرَبَّعاً. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «صفة الأذان» (٣٧٩) من طريق عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة؛ أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان: «الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله»، ثم يعود فيقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين»، زاد إسحاق: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله». وأخرجه أبو داود (٥٠٢)، والترمذي (١٩٢)، والنسائي (٢/ ٤ - ٥)، وابن ماجه (٧٠٩)، وأحمد (٢٤/ ٩١)، كلهم من طريق عامر الأحول به، وفيه التكبير في أوله أربعاً. ولفظ الترمذي عن أبي محذورة (أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة) وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وهذا هو المحفوظ في حديث عبد الله بن زيد، وهو أذان بلال، ورواه مسلم كما في

стр. 657

بعض النسخ، قال القاضي عياض: (كذا في أكثر الأصول، وروايات جماعة شيوخنا، ووقع في بعض طرق الفارسي (١) التكبير أربع مرات) (٢)، وكذا نسب ابن الأثير رواية الترجيع إلى مسلم، ونسبه - أيضاً - المجد ابن تيمية (٣). الوجه الثاني: الحديث دليل على صفة أذان أبي محذورة وفيه صفتان: الأولى: أن التكبير في أوله مرتان فقط، على ما في رواية مسلم، وأربع على ما في رواية أحمد وأصحاب السنن، ويؤيد رواية أصحاب السنن بالتربيع ما تقدم في حديث عبد الله بن زيد. الثانية: الترجيع وتقدم أن معناه: أن يقول الشهادتين بصوت منخفض يُسْمِعُ من كان بقربه، ثم يقولهما بصوت مرتفع كسائر جمل الأذان. سمي ترجيعاً لأنه يرجع إلى لفظ الشهادة بعد مجيئه بها، ولعل السر في ذلك تثبيت التوحيد في قلوب الناس وحثهم على التدبر والتأمل في هاتين الكلمتين العظيمتين، وقيل: إن الترجيع قصد به تلقين أبي محذورة؛ لأنه كان حديث عهد بإسلام، فأمر بالتكرار لتستقر الشهادتان في قلبه، ولكن ليس هذا بظاهر، والأول أوضح. وعلى هذا الحديث تكون جمل الأذان تسْعَ عَشْرَةَ بالتربيع في أوله والترجيع في الشهادتين، وبدون الترجيع خَمْسَ عَشْرَةَ جملة. فالجمهور على تربيع التكبير في أول الأذان (٤)، لما تقدم من أن الزيادة من الثقة مقبولة، ولأن التربيع عملُ أهلِ مكةَ، وهي مَجْمَعُ المسلمين في المواسم وغيرها، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم.

стр. 658

وقال مالك وأبو يوسف من الحنفية بتثنية التكبير، استدلالاً بحديث أبي محذورة عند مسلم، وبأنه عمل أهل المدينة، وهم أعرف بالسنن (١). وأما الترجيع فالجمهور على إثباته أخذاً بحديث أبي محذورة، وحديثه سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر بعد الهجرة، كما تقدم، وقال جماعة من أهل العلم: لا يشرع الترجيع، عملاً بحديث عبد الله بن زيد، وقد أذن بلال بين يدي النبي ﷺ بدون ترجيع (٢). وما دام أن السنة وردت بهذا وهذا فلا حرج في فعل ما ورد من التربيع والتثنية والترجيع، لدخول ذلك تحت اختلاف التنوع، وهو قول المحققين من أهل العلم، قال ابن عبد البر: (ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن رَبَّعَ التكبير الأول في الأذان، أو ثناه، أو رجَّع في التشهد أو لم يرجع، أو ثَنَّى الإقامة أو أفردها كلها، أو إلا «قد قامت الصلاة» فالجميع جائز) (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث ومن وافقهم، وهو تسويغ كلِّ ما ثبت في ذلك عن النبي ﷺ لا يكرهون شيئاً من ذلك، إذ تَنَوُّعُ صفة الأذان والإقامة، كتنوع صفة القراءات والتشهدات ونحو ذلك، وليس لأحد أن يكره ما سَنَّهُ رسول الله ﷺ لأمته) (٤). ومع ذلك فالأفضل الاقتصار على صفة واحدة، وهي خَمْسَ عَشْرَةَ جملة، وهو أذان بلال، وهو الأذان المعمول به الان، وهو الذي كان يسمعه النبي ﷺ من بلال حضراً وسفراً، لكن لو أذن على الصفة الأخرى فلا بأس إذا لم يحصل تشويش على الناس، أو يخشى فتنة، والله تعالى أعلم.

стр. 659

تثنية الأذان وإفراد الإقامة ١٨١/ ٤ - وَعَنْ أَنَسِ بنِ مالكٍ ﵁ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ: أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإقَامَةَ، إلاَّ الإقَامَةَ، يَعْنِي قوله: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلمٌ الاسْتِثْنَاءَ. وَلِلَّنَّسَائِيِّ: أَمَرَ النّبيُّ ﷺ بِلَالاً. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «الأذان مثنى مثنى» (٦٠٥)، ومسلم (٣٧٨) (٥) من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ … فذكره. وهذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم بلفظ: (أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة)، أي: بدون الاستثناء، كما ذكر الحافظ، لكن ورد الاستثناء عند مسلم من طريق اخر. وأخرجاه - أيضاً - من طريق خالد الحذَّاء (١)، عن أبي قلابة، عن أنس قال: (أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة). وأخرجه النسائي (٢/ ٣) من طريق أيوب بلفظ: (إن رسول الله ﷺ أمر بلالاً أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة).

стр. 660

الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أُمِرَ بلال .. ) بضم الهمزة وكسر الميم، أي: أمره رسول الله ﷺ بدليل رواية النسائي، ولهذا الغرض - والله أعلم - ذكرها الحافظ، لبيان هذا المعنى وتأكيده، والصيغة الأولى تفيد ذلك على القول المختار عند الأصوليين والمحدثين، وأما من جعله من قبيل الموقوف لاحتمال أن يكون الامر غير النبي ﷺ فليس بشيء، بل الصواب الأول؛ لأن مثل ذلك اللفظ ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي وهو الرسول ﷺ ، فهذا هو المتبادر إلى الفهم، فكان الحمل عليه أولى، والأمر: طلب الفعل ممن دون الطالب. وبلال هو: ابن رباح الحبشي، أسلم بمكة قديماً، وأظهر إسلامه، فعذِّب على ذلك، حتى كان أمية بن خلف إذا حميت الظهيرة طرحه في بطحاء مكة على ظهره، وألقى على صدره صخرة عظيمة، ليرجع عن الإسلام، ويعبد اللات والعزى، وهو يقول: أحد، أحد، حتى مَرَّ به أبو بكر ﵁ وهم يعذبونه، فاشتراه، وأعتقه، هاجر بلال إلى المدينة، وشهد بدراً وما بعدها، وتولى الأذان في المدينة في مسجد رسول الله ﷺ بالتناوب مع ابن أم مكتوم، إلا في رمضان، فيؤذنان جميعاً - كما سيأتي إن شاء الله - شهد له النبي ﷺ بالجنة على التعيين، في حديث وارد في «الصحيحين» (١)، وترك الأذان بعد موت النبي ﷺ ، وخرج إلى الشام مجاهداً، وتوفي هناك سنة عشرين من الهجرة ﵁ (٢). قوله: (أن يشفع الأذان) أي: يجعله شَفْعاً بأن يكرر الجمل تكراراً زوجياً، والمراد بالأذان: أكثر الأذان؛ لان اخره جملة (لا إله إلا الله) مرة، ليختم بالتوحيد على وتر. قوله: (ويوتر الإقامة) أي: يجعلها وتراً بأن لا يكرر جملها، بل تكون فردية، والمراد: أكثرها ما عدا التكبير.

стр. 661

قوله: (إلا الإقامة) فسرها الحافظ بقوله: يعني قد قامت الصلاة، ثم رأيته هكذا عند ابن خزيمة (١). والمعنى: أنها تُشْفَعُ فتكرر مرتين؛ لأنها المقصودة، فصار لها مزيد عناية. والحكمة من ذلك - والله أعلم - أنه لما كان الأذان للبعيدين ناسب تكراره ليتحقق سماعهم، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين في الأصل، ولغيرهم بالتبعية. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المشروع في الأذان أن يكون أكثره شفعاً، وفي الإقامة أن يكون أكثرها وتراً؛ لأن الأذان لإعلام الغائبين، ومن ثم استحب أن يكون على مكان عال، وبصوت مرتفع، وأن يكون بتمهل وبدون إسراع، كل ذلك لقصد الإسماع. وأما الإقامة فهي للحاضرين، ومن ثم تكون بسرعة متوسطة، ولا يكرر إلا التكبير، ولفظ الإقامة (قد قامت الصلاة) فإنها تكرر مرتين؛ لأنها المقصودة بالذات، ولذا قال العلماء: (يكره رفع الصوت في الإقامة، دونه في الأذان)، ذكره النووي (٢). الوجه الرابع: استدل بعض العلماء (٣) بهذا الحديث على أن المؤذن يجمع بين تكبيرتين بنَفَس واحد، لقوله: (يشفع الأذان) وهذا الاستدلال ليس في محله، وإلا لزم جمع الشهادتين في نفس واحد، وكذا الحيعلتين، وإنما المراد بالحديث كما تقدم أن جمل الأذان مشفوعة، أي: مثناة لا وتر، سوى التهليل فهو مرة واحدة، وقد بَوَّبَ البخاري على هذا الحديث (باب: الأذان مثنى مثنى) كما تقدم، كما استدلوا بحديث عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعاً: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال أشهد أن لا إله إلا الله … الحديث) وسيأتي

стр. 662

بتمامه - إن شاء الله - فإن ظاهره أن المؤذن يجمع بين كل تكبيرتين (١). وهذا غير وجيه لأمور: ١ - أن الرسول ﷺ أراد جنس التكبير، ولهذا لم يذكر إلا تكبيرتين، ولم يذكر شهادة أن لا إله إلا الله إلا مرة واحدة، وكذا شهادة أن محمداً رسول الله. ٢ - أن هذا الحديث في إجابة المؤذن، لا في أداء الأذان، ولم يترجم عليه أحد بهذا المفهوم، ولم يقرر ذلك أحد من الشراح. ٣ - أنه لا يُدرى هل جمع النبي ﷺ بين التكبيرتين في نَفَسٍ واحد، أو فرق بينهما. وعليه فالأظهر أن السنة في الأذان أن يقف المؤذن على كل تكبيرة، ويؤديها بنفس واحد، لما يلي: ١ - ما تقدم من أن النبي ﷺ لما علّم أبا محذورة الأذان قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر .. ولم يقل تقرن بين كل تكبيرتين، والمقام مقام بيان وتعليم. ٢ - أن من سنن الأذان الترسل، وهو التمهل والتأني في أداء ألفاظه، لأن ذلك أبلغ في الاستماع، ليعم الصوت، ويطول أَمَدُ التأذين، وهذا يناسبه سكوت المؤذن على كل جملة. ٣ - أن هذا عمل السلف الصالح فإنه لم ينقل خلافه، ولو نقل لاشتهر. وقد أنكر وَصْلَ الأذان بعضُ علماء المالكية، وهو محمد بن أحمد الراعي الأندلسي، المتوفى سنة ٨٥٣ هـ (٢) واعتبر ذلك مخالفاً للسنة وما درج عليه السلف الصالح، وهذا يدل على أن وصل التكبير كان معروفاً منذ القرن التاسع، والله أعلم.

стр. 663

بيان شيء من صفات المؤذن حال الأذان ١٨٢/ ٥ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ بِلَالاً يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ، ههُنَا وههُنَا، وَإصبْعَاهُ في أُذُنَيْهِ. رَوَاه أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَلاِبْنِ مَاجَهْ: وَجَعَلَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ. وَلأبي دَاوُدَ: لَوَى عُنُقَهُ، لَمَّا بَلَغَ «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ» يَمِيناً وَشِمالاً وَلَمْ يَسْتَدرْ. وَأَصْلهُ في الصَّحِيحَيْنِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو جُحيفة - بضم الجيم - وَهْبُ بن عبد الله السُّوائي - بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبهمزة بعد الألف - نسبة إلى سُواءة بن عامر بن صعصعة من هوازن، قدم على النبي ﷺ صغيراً في اخر حياته ﵊، فسمع منه وحفظ عنه، وقد قيل: إن رسول الله ﷺ توفي وأبو جحيفة لم يبلغ الحُلُم، صحب علياً ﵁ وشهد معه مشاهده كلها، وجعله عليٌّ على بيت المال في الكوفة، وكان يسميه: وَهْبَ الخير، توفي في الكوفة سنة أربع وسبعين (١).

стр. 664

الوجه الثاني: في تخريجه: أخرجه أحمد (٣١/ ٥٢)، والترمذي في «أبواب الصلاة» باب «ما جاء في إدخال الإصبع في الأذن عند الأذان» (١٩٧)، من طريق عبد الرزاق، أخبرنا سفيان الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: (رأيت بلالاً يؤذن ويدور، ويُتْبِعُ فاه ها هنا وها هنا، وإصبعاه في أذنيه .. ) الحديث، وقال الترمذي: (حديث أبي جحيفة حديث حسن صحيح). وأخرجه الحاكم (١/ ٢٠٢) من طريق عبد الرزاق به، وقال: (صحيح على شرط الشيخين). واللفظ الذي ذكره الحافظ هو لفظ أحمد في «مسنده»، والمثبت في «المسند»: (رأيت بلالاً يؤذن ويدور .. ) كما تقدم، فلا أدري هل الحافظ حذف لفظ (ويدور) أو أنها سقطت من الناسخ؟ وهو في «الصحيحين» - كما سيأتي - عن سفيان به، دون ذكر الدوران ووضع الإصبع في الأذنين. وأخرجه ابن ماجه (٧١١) من طريق حجاج بن أرطاة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: (أتيت رسول الله ﷺ بالأبطح وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن فاستدار في أذانه، وجعل إصبعيه في أذنيه). وهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، قال ابن خزيمة: (لا ندري هل سمع من عون أم لا؟) (١). لكن تابعه سفيان عن عون، كما في الإسناد الذي قبله، قال البيهقي: (ويحتمل أن يكون الحجاج أراد بالاستدارة التفاته في حي على الصلاة حي على الفلاح، فيكون موافقاً لسائر الرواة، والحجاج بن أرطاة ليس بحجاج، والله يغفر لنا وله) (٢).

стр. 665

وأخرجه أبو داود (٥٢٠) في كتاب «الصلاة»، «باب في المؤذن يستدير في أذانه» من طريق قيس بن الربيع وسفيان جميعاً، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: (أتيت رسول الله ﷺ بمكة وهو في قبة حمراء من أدم، فخرج بلال، فأذن، فكنت أتتبع فمه ها هنا وها هنا، قال: ثم خرج رسول الله ﷺ وعليه حلة حمراء، برود يمانية قِطْري، وقال موسى - وهو ابن إسماعيل شيخ أبي داود قال: أي: أبو جحيفة ـ: رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ (حي على الصلاة، حي على الفلاح) لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر، ثم دخل فأخرج العنزة) وساق حديثه. وإسناده صحيح، صححه الألباني (١). والحديث أصله في البخاري (٦٣٤) ومسلم (٥٠٣) من طريق سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه (أنه رأى بلالاً يؤذن فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا بالأذان). هذا لفظ البخاري وهو مختصر، ولفظ مسلم أتم منه، ولفظه: (فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا ويقول يميناً وشمالاً، يقول: حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح .. الحديث)، وليس فيه ذكر الدوران ولا وضع الإصبع في الأذنين كما تقدم. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (رأيت بلالاً يؤذن) كان ذلك في حجة الوداع، والنبي ﷺ نازل في الأبطح بمكة، كما في الروايات الأخرى. قوله: (وأتتبع فاه ها هنا وها هنا) أي: أتابع ببصري فمه يميناً وشمالاً؛ لأنه كان يتتبع بفيه الناحيتين، وقد بينت رواية أبي داود أن المراد بقوله: (ها هنا وها هنا) اليمين والشمال، كما بينت موضع الالتفات وهو (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح)، ولعل الحافظ أوردها لهذين الأمرين، ولأمر ثالث وهو أن رواية أبي داود بينت أن الالتفات يكون بالرأس فقط، لقوله (لوى عنقه)، وعند مسلم من رواية وكيع: (يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح) وهي أوضح.

стр. 666

قوله: (وإصبعاه في أذنيه) مثنى إصبع - بكسر الهمزة وفتح الباء - وهي اللغة التي ارتضاها الفصحاء من عشر لغات (١)، والمراد هنا: الأَنْمُلَةُ - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الميم أو ضمها - وهي المفصل الذي فيه الظفر، من باب المجاز المرسل، وعلاقته الكلية أي: إطلاق الكل وإرادة الجزء، ولم يرد تعيين الأصبع التي توضع في الأذن، وجزم النووي بأنها المسبِّحة. قوله: (ولم يستدر) يقال: دار الشيء يدور دوراً ودوراناً: تحول وعاد على ما كان عليه، فالمراد بها: لم يدر بجملة بدنه. فالاستدارة تختلف عن الالتفات. الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الالتفات في الحيعلتين يميناً وشمالاً ولم يبين في هذه الرواية ولا في غيرها كيفية الالتفات، وظاهر السياق عند مسلم من رواية وكيع عن سفيان: (فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا، يقول يميناً وشمالاً: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح .. )، ظاهر هذا أنه يلتفت يميناً لحيَّ على الصلاة في المرتين جميعاً، وشمالاً لحيَّ على الفلاح في المرتين جميعاً، قال النووي: (إنه قول الجمهور، وهو الأصح عند الشافعية)، وقال ابن دقيق العيد: (إنه الأقرب عندي) (٢). وظاهر الحديث أنه يلتفت في كل الجملة لا في بعضها، وأما ما يفعله بعض المؤذنين من أنه يقول: (حيَّ على) ثم يلتفت، فهذا خلاف السنة. وللالتفات فائدتان: الأولى: أنه أرفع للصوت وأبلغ في الإعلام، لا سيما في الحيعلتين؛ لأنهما خطاب ونداء، وغيرهما من الألفاظ ذِكْرٌ. الثانية: أنه علامة للمؤذن، ليعرف من يراه على بُعْدٍ أو من كان به صمم أنه يؤذن، وهذا إذا كان يؤذن في المنارة أو على الأرض، أما إذا كان يؤذن

стр. 667

في مكبر الصوت - كما هو الآن - فهل تبقى سنية الالتفات؟ هذا مبني على حكم الالتفات هل هو سنة مطلقاً ولو كان منفرداً، أو أنه لعلة إسماع مَنْ على اليمين والشمال؟ فعلى أنه معلَّل بالإسماع فالظاهر أنه لا يلتفت؛ لأن ذلك يضعف صوته، فتفوت حكمة الالتفات وهي رفع الصوت وتوزيعه، وعليه فيكون وجهه مقابل مكبر الصوت، وصوته يتوزع في جميع الجهات بواسطة المكبرات الموزعة على الجهات في أعلى المنارة، وعلى أن الالتفات سنة مطلقاً نقول: إنه يلتفت؛ لأن الالتفات قد يكون لمقاصد أخرى، ثم إن العلة التي ذُكرت مستنبطة (١)، ويمكن أن المؤذن يلتفت ويبقى صوته على قوته. الوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية وضع الإصبعين في الأذنين لقوله: (وإصبعاه في أذنيه) لأنه أجمع للصوت، ولأنه علامة على المؤذن - كما تقدم ـ. وقد علقه البخاري بغير صيغة الجزم فقال: (ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه) (٢)، وحكى عن ابن عمر ﵄ أنه لا يجعل إصبعيه في أذنيه، ووصله ابن أبي شيبة (٣)، وظاهر صنيع البخاري أنه غير مستحب؛ لأنه حكى تركه عن ابن عمر ﵄ (٤). لكن أكثر العلماء على استحبابه، قال الترمذي: (وعليه العمل عند أهل العلم: يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان، وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة - أيضاً - يدخل إصبعيه في أذنيه، وهو قول الأوزاعي) (٥). لكن قول الأوزاعي في الإقامة ليس عليه دليل من السنة، وقياسه على الأذان قياس مع الفارق؛ لما تقدم من أن الأذان للبعيدين، والإقامة للحاضرين (٦).

стр. 668

الوجه السادس: اختلفت الروايات في استدارة المؤذن، فقد جاء من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عون إثباتها، كما عند أحمد والترمذي، وعند ابن ماجه من طريق الحجاج بن أرطاة عن عون. وقد تكلم البيهقي بما حاصله تضعيف رواية حجاج هذه وأنه لم يسمع هذه اللفظة من عون، لكن تعقبه ابن التركماني بكلام طويل مفاده إثباتها (١). وجاء من طريق سفيان وقيس بن الربيع عن عون نفيها، كما عند أبي داود، والأظهر أن المحفوظ عن سفيان حذفها؛ لما تقدم، وقال البيهقي: (إن لفظ الاستدارة مدرج في حديث سفيان) (٢) وقد اختلف العلماء فيها، فمنهم من يقول: لا يدور بل يلتفت بعنقه يميناً وشمالاً، من غير تحول عن القبلة، ومنهم من قال: يدور. والحق - كما قال الشوكاني - استحباب الالتفات حال الأذان، وأما الدوران فالأحاديث مختلفة، والجمع ممكن - كما قال الحافظ - بأن من أثبت ذلك عنى به استدارة الرأس، ومن نفاه عنى به استدارة الجسد كله، والله أعلم (٣).

стр. 669

استحباب كون المؤذن صيتاً ١٨٣/ ٦ - وَعَنْ أَبي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأذَانَ. رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارمي (١/ ٢١٦)، وابن خزيمة (١/ ١٩٥)، كلاهما من طريق سعيد بن عامر، عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ أمر نحواً من عشرين رجلاً، فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة، فعلمه الأذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر … الحديث. وهذا الإسناد قد مرَّ، بدون هذه الزيادة، وهي عند الدارمي وابن خزيمة والحديث رجاله ثقات، إلا عامر الأحول، وهو ابن عبد الواحد الأحول البصري فإنه مختلف فيه، قال أحمد: (ليس بالقوي)، وقال مرة: (ليس حديثه بشيء)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، وقال أبو حاتم: (ثقة لا بأس به) (١). وأخرج أبو داود (٥٠١)، والنسائي (٢/ ٧)، وأحمد (٢٤/ ٩٢)، والدارقطني (١/ ٢٣٤)، عن أبي محذورة قال: (لما خرج النبي ﷺ إلى حنين، خرجت عاشر عشرة من أهل مكة أطلبهم، قال: فسمعناهم يؤذنون للصلاة، فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال النبي ﷺ : لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان

стр. 670

حسن الصوت، فأرسل إلينا، فأذنا كلنا رجلاً رجلاً، فكنت اخرهم، فقال حين أذنت: تعال، فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي، وبارك عليَّ ثلاث مرات، ثم قال: «اذهب فَأَذِّنْ عند البيت»، قلت: كيف يا رسول الله؟ قال: فعلمني الأذان .. الحديث، وهو حديث صحيح بطرقه. الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب كون المؤذن حسن الصوت؛ لأن ذلك أبلغ في دعوة الناس إلى الصلاة، وأدعى للخشوع والإقبال على سماع الأذان وإجابة المؤذن، بخلاف الصوت الذي ليس بذلك، فإنه قد ينفِّر من سماع الأذان والإصغاء إليه. وعلى ذلك فينبغي للمسؤولين عن وظيفة الأذان أن يختاروا من هو أندى صوتاً وأحسن صوتاً متى تيسر ذلك. ومن حسن الصوت قوة الصوت وحسن الأداء، وليس من ذلك الإفراط في المد، كما عليه بعض المؤذنين، فإن أقصى المد ست حركات، وما زاد عليها فهو تمطيط خارج عن حدود الشرع ولسان العرب (١). وليس من حسن الصوت - أيضاً - التلحين والتطريب، وهو التغني بالأذان وإيقاعه على نغم الألحان، فهذا محرم بالإجماع. قال ابن الجوزي: (كره مالك بن أنس وغيره من العلماء التلحين في الأذان كراهية شديدة؛ لأنه يخرجه عن موضع التعظيم إلى مشابهة الغناء) (٢). وقال الشيخ علي محفوظ: (من البدع المكروهة تحريماً: التلحين في الأذان وهو التطريب، أي: التغني به، بحيث يؤدي إلى تغير كلمات الأذان وكيفياتها بالحركات والسكنات ونقص بعض حروفها أو زيادة فيها، محافظة على توقيع الألحان، فهذا لا يحل إجماعاً في الأذان، كما لا يحل في قراءة القران) (٣)، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →