← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قوله: (وإصبعاه في أذنيه) مثنى إصبع - بكسر الهمزة وفتح الباء - وهي اللغة التي ارتضاها الفصحاء من عشر لغات (١)، والمراد هنا: الأَنْمُلَةُ - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الميم أو ضمها - وهي المفصل الذي فيه الظفر، من باب المجاز المرسل، وعلاقته الكلية أي: إطلاق الكل وإرادة الجزء، ولم يرد تعيين الأصبع التي توضع في الأذن، وجزم النووي بأنها المسبِّحة. قوله: (ولم يستدر) يقال: دار الشيء يدور دوراً ودوراناً: تحول وعاد على ما كان عليه، فالمراد بها: لم يدر بجملة بدنه. فالاستدارة تختلف عن الالتفات. الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الالتفات في الحيعلتين يميناً وشمالاً ولم يبين في هذه الرواية ولا في غيرها كيفية الالتفات، وظاهر السياق عند مسلم من رواية وكيع عن سفيان: (فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا، يقول يميناً وشمالاً: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح .. )، ظاهر هذا أنه يلتفت يميناً لحيَّ على الصلاة في المرتين جميعاً، وشمالاً لحيَّ على الفلاح في المرتين جميعاً، قال النووي: (إنه قول الجمهور، وهو الأصح عند الشافعية)، وقال ابن دقيق العيد: (إنه الأقرب عندي) (٢). وظاهر الحديث أنه يلتفت في كل الجملة لا في بعضها، وأما ما يفعله بعض المؤذنين من أنه يقول: (حيَّ على) ثم يلتفت، فهذا خلاف السنة. وللالتفات فائدتان: الأولى: أنه أرفع للصوت وأبلغ في الإعلام، لا سيما في الحيعلتين؛ لأنهما خطاب ونداء، وغيرهما من الألفاظ ذِكْرٌ. الثانية: أنه علامة للمؤذن، ليعرف من يراه على بُعْدٍ أو من كان به صمم أنه يؤذن، وهذا إذا كان يؤذن في المنارة أو على الأرض، أما إذا كان يؤذن

стр. 667

في مكبر الصوت - كما هو الآن - فهل تبقى سنية الالتفات؟ هذا مبني على حكم الالتفات هل هو سنة مطلقاً ولو كان منفرداً، أو أنه لعلة إسماع مَنْ على اليمين والشمال؟ فعلى أنه معلَّل بالإسماع فالظاهر أنه لا يلتفت؛ لأن ذلك يضعف صوته، فتفوت حكمة الالتفات وهي رفع الصوت وتوزيعه، وعليه فيكون وجهه مقابل مكبر الصوت، وصوته يتوزع في جميع الجهات بواسطة المكبرات الموزعة على الجهات في أعلى المنارة، وعلى أن الالتفات سنة مطلقاً نقول: إنه يلتفت؛ لأن الالتفات قد يكون لمقاصد أخرى، ثم إن العلة التي ذُكرت مستنبطة (١)، ويمكن أن المؤذن يلتفت ويبقى صوته على قوته. الوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية وضع الإصبعين في الأذنين لقوله: (وإصبعاه في أذنيه) لأنه أجمع للصوت، ولأنه علامة على المؤذن - كما تقدم ـ. وقد علقه البخاري بغير صيغة الجزم فقال: (ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه) (٢)، وحكى عن ابن عمر ﵄ أنه لا يجعل إصبعيه في أذنيه، ووصله ابن أبي شيبة (٣)، وظاهر صنيع البخاري أنه غير مستحب؛ لأنه حكى تركه عن ابن عمر ﵄ (٤). لكن أكثر العلماء على استحبابه، قال الترمذي: (وعليه العمل عند أهل العلم: يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان، وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة - أيضاً - يدخل إصبعيه في أذنيه، وهو قول الأوزاعي) (٥). لكن قول الأوزاعي في الإقامة ليس عليه دليل من السنة، وقياسه على الأذان قياس مع الفارق؛ لما تقدم من أن الأذان للبعيدين، والإقامة للحاضرين (٦).

стр. 668

الوجه السادس: اختلفت الروايات في استدارة المؤذن، فقد جاء من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عون إثباتها، كما عند أحمد والترمذي، وعند ابن ماجه من طريق الحجاج بن أرطاة عن عون. وقد تكلم البيهقي بما حاصله تضعيف رواية حجاج هذه وأنه لم يسمع هذه اللفظة من عون، لكن تعقبه ابن التركماني بكلام طويل مفاده إثباتها (١). وجاء من طريق سفيان وقيس بن الربيع عن عون نفيها، كما عند أبي داود، والأظهر أن المحفوظ عن سفيان حذفها؛ لما تقدم، وقال البيهقي: (إن لفظ الاستدارة مدرج في حديث سفيان) (٢) وقد اختلف العلماء فيها، فمنهم من يقول: لا يدور بل يلتفت بعنقه يميناً وشمالاً، من غير تحول عن القبلة، ومنهم من قال: يدور. والحق - كما قال الشوكاني - استحباب الالتفات حال الأذان، وأما الدوران فالأحاديث مختلفة، والجمع ممكن - كما قال الحافظ - بأن من أثبت ذلك عنى به استدارة الرأس، ومن نفاه عنى به استدارة الجسد كله، والله أعلم (٣).

стр. 669

استحباب كون المؤذن صيتاً ١٨٣/ ٦ - وَعَنْ أَبي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأذَانَ. رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الدارمي (١/ ٢١٦)، وابن خزيمة (١/ ١٩٥)، كلاهما من طريق سعيد بن عامر، عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ أمر نحواً من عشرين رجلاً، فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة، فعلمه الأذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر … الحديث. وهذا الإسناد قد مرَّ، بدون هذه الزيادة، وهي عند الدارمي وابن خزيمة والحديث رجاله ثقات، إلا عامر الأحول، وهو ابن عبد الواحد الأحول البصري فإنه مختلف فيه، قال أحمد: (ليس بالقوي)، وقال مرة: (ليس حديثه بشيء)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، وقال أبو حاتم: (ثقة لا بأس به) (١). وأخرج أبو داود (٥٠١)، والنسائي (٢/ ٧)، وأحمد (٢٤/ ٩٢)، والدارقطني (١/ ٢٣٤)، عن أبي محذورة قال: (لما خرج النبي ﷺ إلى حنين، خرجت عاشر عشرة من أهل مكة أطلبهم، قال: فسمعناهم يؤذنون للصلاة، فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال النبي ﷺ : لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان

стр. 670

حسن الصوت، فأرسل إلينا، فأذنا كلنا رجلاً رجلاً، فكنت اخرهم، فقال حين أذنت: تعال، فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي، وبارك عليَّ ثلاث مرات، ثم قال: «اذهب فَأَذِّنْ عند البيت»، قلت: كيف يا رسول الله؟ قال: فعلمني الأذان .. الحديث، وهو حديث صحيح بطرقه. الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب كون المؤذن حسن الصوت؛ لأن ذلك أبلغ في دعوة الناس إلى الصلاة، وأدعى للخشوع والإقبال على سماع الأذان وإجابة المؤذن، بخلاف الصوت الذي ليس بذلك، فإنه قد ينفِّر من سماع الأذان والإصغاء إليه. وعلى ذلك فينبغي للمسؤولين عن وظيفة الأذان أن يختاروا من هو أندى صوتاً وأحسن صوتاً متى تيسر ذلك. ومن حسن الصوت قوة الصوت وحسن الأداء، وليس من ذلك الإفراط في المد، كما عليه بعض المؤذنين، فإن أقصى المد ست حركات، وما زاد عليها فهو تمطيط خارج عن حدود الشرع ولسان العرب (١). وليس من حسن الصوت - أيضاً - التلحين والتطريب، وهو التغني بالأذان وإيقاعه على نغم الألحان، فهذا محرم بالإجماع. قال ابن الجوزي: (كره مالك بن أنس وغيره من العلماء التلحين في الأذان كراهية شديدة؛ لأنه يخرجه عن موضع التعظيم إلى مشابهة الغناء) (٢). وقال الشيخ علي محفوظ: (من البدع المكروهة تحريماً: التلحين في الأذان وهو التطريب، أي: التغني به، بحيث يؤدي إلى تغير كلمات الأذان وكيفياتها بالحركات والسكنات ونقص بعض حروفها أو زيادة فيها، محافظة على توقيع الألحان، فهذا لا يحل إجماعاً في الأذان، كما لا يحل في قراءة القران) (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 671

صلاة العيد ليس لها أذان ولا إقامة ١٨٤/ ٧ - وَعَنْ جَابِر بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ الْعِيدَين، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَينِ، بِغَيرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلمٌ. ١٨٥/ ٨ - وَنَحْوُهُ في المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَغَيْرِهِ. الكلام عليهما من وجهين: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث جابر بن سمرة ﵁: فقد أخرجه مسلم في كتاب «صلاة العيدين» (٨٨٧)، من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: … فذكره. وأما حديث ابن عباس ﵄: فقد أخرجه البخاري في كتاب «العيدين»، باب: «المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة، وبغير أذان ولا إقامة» (٩٥٩) ومسلم (٨٨٦) (٦) من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له: (أنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر، وإنما الخطبة بعد الصلاة) وهذا لفظ البخاري. ومن طريق ابن جريج - أيضاً - قال: (أخبرني عطاء عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، ثم سألته بعد حين عن ذلك، فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة) أخرجه البخاري (٩٦٠) مختصراً، ومسلم (٨٨٦) وهذا لفظه.

стр. 672

الوجه الثاني: حديث جابر بن سمرة وابن عباس ﵃ وغيرهما دليل على أن صلاة العيد لا يشرع لها أذان ولا إقامة، وهذا كالإجماع من أهل العلم، قال الإمام مالك: (سمعت غير واحد من علمائنا يقول: لم يكن في عيد الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة، منذ زمان رسول الله ﷺ إلى اليوم، قال مالك: وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا) (١). وقال ابن عبد البر: (لا خلاف بين فقهاء الأمصار في أنه لا أذان ولا إقامة في العيدين ولا في شيء من الصلوات المسنونات، ولا في شيء من النوافل في التطوع … ) (٢). وقال ابن القيم: (كان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة بغير أذان ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة: أنه لا يُفعل شيء من ذلك) (٣). والحكمة في عدم الأذان للعيدين - والله أعلم - أن الغرض من الأذان الإعلام بدخول الوقت، ووقت صلاة العيد محدد معلوم، وليس الناس في حال غفلة عن الصلاة ووقتها حتى يحتاجوا إلى الأذان. قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إنه لم يكن في عهد النبي ﷺ لصلاة العيد أذان ولا إقامة ولا شيء، ومن هنا يعلم أن النداء للعيد بدعة بأي لفظ كان، والله أعلم) (٤). وما ذكره ﵀ من أنه لا ينادى للعيد بأي لفظ كان دل عليه قول جابر المتقدم: (ولا إقامة ولا نداء ولا شيء)، قال الحافظ: (يستدل بذلك على أنه لا يقال أمام صلاة العيد شيء من الكلام) (٥). وعلى هذا فالأذان للعيد أو النداء بنحو: صلاة العيد، وما في معناها من البدع المحدثة في الدين، وقد نقل الشاطبي عن ابن حبيب - من المالكية ـ:

стр. 673

(أن أول من أحدث الأذان والإقامة في العيدين هشام بن عبد الملك) (١)، وهذا اجتهاد منه لإعلام الناس بمجيء الإمام، لكنه اجتهاد مخالف لسنة الرسول ﷺ ، فإن مجيء الإمام لا يشرع فيه الأذان وإن خفي على بعض الناس لبعده؛ لأن هذه العلة موجودة في زمان الرسول ﷺ والخلفاء بعده، وهي غير مؤثرة في زمانه، فكيف تكون مؤثرة فيما بعده، والقاعدة الأصولية: (أن ما تركه الرسول ﷺ مع وجود المقتضي وانتفاء المانع فتركه هو السنة، وفعله هو البدعة) (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 674

مشروعية الأذان والإقامة للصلاة الفائتة ١٨٦/ ٩ - وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ في الحَديثِ الطَّوِيلِ، في نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى رسولُ الله ﷺ ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْم. رَوَاهُ مُسْلمٌ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الاول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «قضاء الصلاة الفائتة» (٦٨٠)، من طريق ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة ﵁ .. وذكر حديثاً طويلاً، وفي اخره: أنهم ناموا عن الصلاة حتى طلعت الشمس، وفيه: (ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم … الحديث). وهذا الأذان كان بأمره ﷺ ، ففي «سنن أبي داود» (٤٣٨): (ثم أمر بلالاً أن ينادي بالصلاة فنودي بها). الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الأذان والإقامة للصلاة الفائتة بنوم، وألحق بها العلماء الصلاة المنسية؛ لأنه ﷺ جمعهما في الحكم فقال: «من نام عن صلاة أو نسيها … الحديث» (١)، ويؤيد ذلك عموم قوله ﷺ لمالك بن الحويرث وأصحابه ﵃: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم» (٢)، فإنه يشمل حضورها في الوقت، وحضورها بعد الوقت.

стр. 675

وهذا إذا كان من فاتتهم الصلاة حتى خرج وقتها في مكان لم يؤذن فيه كالصحراء، وأما إذا كانوا في بلد قد أُذِّنَ فيه؛ فإنه لا يجب عليهم الأذان اكتفاء بالأذان العام في البلد؛ لأنه حصلت به الكفاية، وسقطت به الفريضة. وإذا أُذِّنَ للصلاة الفائتة فإن المؤذن لا يرفع صوته، لئلا يشوش على من قد يسمعه. وأما ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة نومهم مع الرسول ﷺ بعد رجوعهم من خيبر، وفيه: «وأمر بلالاً فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح .. » (١) وظاهره أنه لم يُؤذَّن للصلاة الفائتة، فهذا أجيب عنه بجوابين: الأول: أنه لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يؤذن لها، فلعله أُذِّنَ وأهمله الراوي، أو لم يعلم به لكونه ذهب لقضاء حاجته ونحو ذلك. الثاني: لعله ترك الأذان في هذه المرة لبيان جواز تركه والإشارة إلى أنه ليس بواجب في هذه الحال، ولا سيما في السفر، والله أعلم.

стр. 676

الاكتفاء في المجموعتين بأذان واحد ١٨٧/ ١٠ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أتى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بَأَذانٍ وَاحِدٍ وإقَامَتَيْنِ. ١٨٨/ ١١ - وَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: جَمَع بَيْنَ المَغْرِبِ والْعِشَاءِ بِإقَامَةٍ وَاحِدَةٍ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ: لِكُلِّ صَلَاةٍ. وفي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. الكلام عليهما من وجهين: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث جابر ﵁: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج» (١٢١٨)، وهو حديث طويل، وهو يعد منسكاً مستقلاً، اعتنى فيه جابر ﵁ بحجة النبي ﷺ من أولها إلى اخرها، وسيأتي بتمامه أو ما يقارب ذلك في كتاب «الحج» - إن شاء الله تعالى - وهو من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، وفيه: (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً .. الحديث). وأما حديث ابن عمر ﵄: فقد أخرجه مسلم - أيضاً - (١٢٨٨) (٢٨٩) (٢٩٠) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄ قال: (جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثاً، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة)، وهكذا أخرجه أبو داود (١٩٣١).

стр. 677

وأخرجه أبو داود - أيضاً - (١٩٢٧)، من طريق حماد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵄ وقال فيه: بإقامة واحدة لكل صلاة. وهذا يوافق حديث جابر ﵁. وأخرجه أيضاً (١٩٢٨) من طريق مخلد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري به، وقال: (لم يناد في واحدة منهما)، ولعل الحافظ قصد بإيراد هذه الروايات بيان تعددها واختلافها ليقوم الطالب بدراستها ويعرف كيفية العمل بها. وحديث ابن عمر ﵄ فيه اضطراب في متنه، فإن لفظه عند مسلم (بإقامة واحدة) وعند البخاري (١٦٧٣) (كل واحدة منهما بإقامة .. )، والظاهر أن مراده إقامة واحدة لكل صلاة، كما وقع عند أبي داود، وهو أولى من القول بأن ذلك وهم من بعض الرواة، أو نسيان من ابن عمر ﵄ في بعض أحواله؛ لأنه عاش طويلاً، وحج حجات كثيرة، فإنه مات سنة (٧٣) فلعله نسي ذلك، فالمعتمد في حديث ابن عمر ﵄ على ما في البخاري من أنه ﷺ صلاهما بإقامة لكل واحدة، وكأن المؤلف نسي ذلك فلم يستحضر ما في البخاري فعزا الإقامة لكل واحدة منهما إلى أبي داود فقط مع أن ذلك في البخاري (١). وهذا يوافق حديث جابر ﵁ كما تقدم من أنه صلاهما بإقامتين، وكذا أخرج البخاري (١٦٧٢)، عن أسامة بن زيد ﵁ أنه صلاهما بإقامتين، فتكون الأحاديث الثلاثة: حديث جابر، وحديث ابن عمر، عند البخاري وأبي داود، وحديث أسامة كلها قد ذكرت الإقامة لكل صلاة، إلا رواية ابن عمر عند مسلم فلم تذكر إلا إقامة واحدة، فتكون رواية مرجوحة، أو تؤول بما تقدم. أما الأذان ففي حديث جابر ﵁ أنه ذكر أذاناً واحداً لهما، وأما أسامة وابن عمر ﵄ فلم يذكرا الأذان، ففي حديث أسامة عند البخاري: (فجاء

стр. 678

المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلى، ولم يصل بينهما) لكن لا يقدم سكوته عن الأذان على حديث جابر ﵁ الذي أثبته سماعاً صريحاً، بل لو نفاه جملة لقدم عليه حديث من أثبته، لتضمنه زيادة علم خفيت على النافي. وفي حديث ابن عمر ﵄ كما تقدم (لم يناد في واحدة منهما)، وهذه تعارض حديث جابر ﵁ الذي أثبت الأذان، ولا شك أن رواية أبي داود لا تقوى على معارضة حديث جابر ﵁ عند مسلم، وحديث ابن مسعود ﵁ عند البخاري - كما سيأتي ـ، غير أن حديث ابن مسعود أثبت أذانين، وحديث جابر أثبت أذاناً واحداً، لكن الأذان الثاني للعشاء في حديث ابن مسعود ورد بالشك، فلا يعارض اليقين الذي عند مسلم. فقد ورد عن عبد الرحمن بن يزيد قال: حج عبد الله ﵁ فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريباً من ذلك، فأمر رجلاً فأذن وأقام ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر - أُرى رجلاً - فأذن وأقام، ثم صلى العشاء ركعتين .. الحديث (١). والمحفوظ عنه ﷺ أنه لم يصلِّ بينهما شيئاً، ولم يتعشَّ بينهما، بل صلاهما جميعاً، كما قال جابر وأسامة ﵄، ولعل ابن مسعود ﵁ اجتهد في ذلك، ثم إنه لم يصرح بأن الأذان من فعل النبي ﷺ فيكون موقوفاً عليه، والموقوف إذا خالف المرفوع فالحجة في المرفوع، وهو حديث جابر ﵁ فإنه صريح في أنه أذن لهما أذاناً واحداً، فهو المعتمد في هذا الباب، لأمور ثلاثة: ١ - أن جابر ﵁ له مزيد عناية بنقل حجة النبي ﷺ . ٢ - أن الأحاديث سواه مضطربة، وحديث ابن مسعود ﵁ من فعله، إضافة إلى الشك في الأذان الثاني.

стр. 679

٣ - أنه صح من حديث جابر ﵁ جمعه ﷺ بعرفة بأذان واحد وإقامتين، ولم يأت في حديثٍ ثابتٍ قط خلافه، والجمع بمزدلفة كالجمع بعرفة، لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير، ولو فرضنا تدافع أحاديث الجمع بمزدلفة جملة لأخذنا حكم الجمع من جمع عرفة (١). الوجه الثاني: حديث جابر ﵁ دليل على أن الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لهما أذان واحد، وإقامتان، لكل صلاة إقامة، وهذا قول الشافعي وأحمد، وهو الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وفيها أقوال أخرى سببها تعدد الروايات كما تقدم، وكيفية الترجيح. وبما أن الواقعة واحدة؛ لأنه ﷺ ما حج إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع، فالمعول في هذه المسألة على حديث جابر ﵁ الذي تتبع حجة النبي ﷺ من أولها إلى اخرها. هذا في حكم الأذان والإقامة، أما حكم الجمع فسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام عليه في كتاب «الحج»، والله المستعان.

стр. 680

حكم الأذان قبل الفجر ١٨٩/ ١٢، ١٩٠/ ١٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إنَّ بلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وَكَانَ رَجُلاً أَعمى لَا يُنَادِي، حَتّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيه. وفي اخره إدْرَاجٌ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن عمر ﵄: فقد أخرجه البخاري في عدة مواضع، وأولها كتاب «الأذان»، باب: «أذان الأعمى إذا كان له من يخبره» (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢)، من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال .. فذكره بهذا اللفظ. وأخرجه البخاري في باب: «الأذان قبل الفجر» (٦٢٣)، ومسلم (١٠٩٢) (٣٨)، من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً، بدون قوله: وكان رجلاً … وأخرجه البخاري - أيضاً - في باب «الأذان بعد الفجر» (٦٢٠)، من طريق مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر مرفوعاً، دون قوله: وكان رجلاً … وأما حديث عائشة: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «الأذان قبل الفجر» (٦٢٢)، ومسلم (١٠٩٢) (٣٨)، من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة به مرفوعاً، بدون تلك الزيادة.

стр. 681

وقول الحافظ: (وفي اخره إدراج) يريد قوله: (وكان رجلاً أعمى .. إلخ) فهو مدرج من كلام الزهري، فقد رواه الطحاوي (١) والبيهقي (٢)، بهذا الإسناد، وفيه: (قال ابن شهاب: وكان رجلاً أعمى … إلخ)، وجزم ابن قدامة بأنه من كلام ابن عمر (٣)، ونقله عنه الحافظ، وأجاب بأنه لا يمنع أن يكون ابن شهاب قاله، أن يكون شيخه قاله - أيضاً - وكذا شيخ شيخه، وهو عبد الله بن عمر ﵄ (٤). والإدراج: أن يدخل أحد الرواة في الحديث كلاماً من عنده بدون بيان. إما تفسيراً لكلمة، أو استنباطاً لحكم، أو بياناً لحكمة، وهو يكون في أول الحديث، وفي وسطه، وفي اخره وهو الغالب، كما هنا. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن بلالاً يؤذن بليل) هذا يفيد أن هذه عادة بلال وطريقته، والباء للظرفية، أي في ليل لا في نهار؛ لأنه يؤذن قبل طلوع الفجر قريباً من طلوعه، فقد ورد عند البخاري: (لم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا)، فيكون هذا اللفظ تقييداً لما أطلق في الروايات الأخرى من قوله: «إن بلالاً يؤذن بليل». قوله: (فكلوا واشربوا) الأمر للإباحة، والخطاب للصائمين. قوله: (ابن أم مكتوم) هو عمرو، قال ابن عبد البر: (وهو الأكثر عند أهل الحديث)، وقيل: عبد الله بن قيس القرشي العامري ﵁ منسوب إلى أمه، كان النبي ﷺ يكرمه ويستخلفه على المدينة في عامة غزواته يصلي بالناس، شهد القادسية في خلافة عمر ﵁ فاستشهد فيها سنة أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وقيل: رجع إلى المدينة، فمات فيها على ما ذكر الواقدي، وهو المذكور في سورة (عبس) ﵁ (٥).

стр. 682

قوله: (وكان رجلاً أعمى) ذكر الحافظ أنه عمي بعد بدر بسنتين (١)، وسبقه إلى ذلك ابن الملقن (٢)، قال الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على «الفتح»: (هذا فيه نظر؛ لأن ظاهر القران يدل على أنه عمي قبل الهجرة؛ لأن سورة (عبس) النازلة فيه مكية، وقد وصفه الله فيها بأنه أعمى، فتنبه). اهـ. قوله: (أصبحت أصبحت) أي: دخلت في وقت الصباح، والمعنى: أن أذانه يكون مقارناً لابتداء طلوع الصبح، ويدل على ذلك رواية البخاري: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (٣). الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الأذان قبل الفجر إذا كان ثَمَّ أذان بعده، وذلك ليستيقظ النائم، ويرجع القائم استعداداً للسَّحُور، فإن لم يوجد بعده أذان اخر فلا يصح على الراجح؛ لأنه يوقع الناس في اللبس، وقد حدَّه بعض الفقهاء كالحنابلة من بعد نصف الليل، ولكن رواية البخاري لهذا الحديث تفيد أن الوقت بين الأذانين قليل جداً، فقد ذكر البخاري في كتاب «الصيام» أن القاسم قال: (لم يكن بينهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا) (٤)، وقد ثبت عند النسائي والطحاوي وابن خزيمة من رواية القاسم عن عائشة أنها قالت ذلك، فيكون معنى قول البخاري: (قال القاسم .. ) أي: في روايته عن عائشة ﵂ لأن القاسم تابعي ولم يدرك ذلك (٥). وعلى هذا فالأفضل في الأذان قبل الفجر أن يكون وقت السحر قبيل طلوع الفجر، لدلالة الحديث على ذلك، ورجحه ابن الملقن، هذا من جهة الرواية، ومن جهة المعنى: أن الأذان قبيل الفجر فيه مصلحة إيقاظ النائم وتأهبه لإدراك فضيلة أول الوقت، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى في حديث ابن مسعود ﵁: «لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن - أو قال: ينادي بليل ـ، ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم» (٦)، فإذا كان قبيل

стр. 683

الفجر حصل المقصود؛ لأنه إذا قام الإنسان لا ينام مرة ثانية بل ينشط ويستعد، بخلاف إذا كان بعيداً عن الأذان الثاني فقد يكسل الإنسان وينام. الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز كون المؤذن أعمى إذا وجد من يخبره بدخول وقت الأذان، أو أذَّن بعد بصير؛ لأن الوقت في الأصل مبني على المشاهدة، وقد بوب البخاري على الحديث بقوله: (باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره) كما تقدم، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم (١)، وقالت طائفة: يكره أذان الأعمى، ولعل ذلك محمول على ما إذا لم يكن معه من يخبره بالوقت (٢). الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز اتخاذ مُؤَذِّنَيْنِ في مسجد واحد إذا أذن أحدهما في وقت، والاخر في وقت اخر، أما أذانهما معاً بصوت واحد فهو من البدع، ويسمى الأذان الجماعي. الوجه السادس: دلَّ الحديث على فوائد مجملة في باب «الأذان» ومنها: ١ - جواز العمل بالأذان إذا كان المؤذن ثقة، لقوله: «فكلوا … » إلخ. ٢ - استحباب أن يكون الأذان على مكان عال، لقوله في رواية البخاري: (لم يكن بينهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا)، والله تعالى أعلم.

стр. 684

حكم الأذان قبل تحقق دخول الوقت ١٩١/ ١٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ بِلَالاً أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: «أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَضَعَّفَه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٥٣٢)، في كتاب «الصلاة» باب في «الأذان قبل دخول الوقت»، من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: «ألا إن العبد قد نام، ألا إن العبد قد نام»، زاد موسى بن إسماعيل شيخ أبي داود: فرجع فنادى: ألا إن العبد نام. وهو حديث معلول، فقد تفرد به حماد بن سلمة، كما قال أبو حاتم (١) وغيره، وقال أبو داود عقبه: (هذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة)، وكذا قال البيهقي (٢). وقال الترمذي: (هذا حديث غير محفوظ)، وَنَقَلَ عن علي بن المديني قوله: (حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ : هو غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة) (٣). والغرض من ذلك أن المحفوظ هو ما تقدم من كون بلال يؤذن بليل، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم بوقت قصير.

стр. 685

وقد أخرج أبو داود من طرق، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: (كان لعمر مؤذن يقال له: مسروح أو مسعود، فأذن قبل الصبح، فأمره عمر أن يعيد الأذان) (١). وقد ذكر الترمذي احتمال أن حماد بن سلمة سمع حادثة مؤذن عمر فخانه حفظه فأخطأ في التحديث ظناً منه ووهماً أن الحادثة لبلال وأن الآمر بالإعادة هو النبي ﷺ . الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر) أي: ظناً منه أن الفجر قد طلع، ولعل هذا كان في أول الهجرة قبل مشروعية الأذان الأول وقبل تعيين ابن أم مكتوم مؤذناً؛ لأن بلالاً كان يؤذن في اخر أيامه ﷺ بليل، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر، كما تقدم. قوله: (ألا إن العبد قد نام) أي: غفل عن الوقت بسبب النعاس ولم يتبين الفجر، فأمره ﷺ أن يُعْلِمَ الناس بذلك، لئلا ينزعجوا من نومهم وسكونهم، والعبد: كناية عن بلال ﵁. وفي رواية للدارقطني: (فرجع وهو يقول: ليت بلالاً لم تلده أمه، وابتلَّ من نضح دم جبينه) (٢). الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي للمؤذن أن يتحرى الوقت، وعلى أنه يجوز عليه الخطأ مهما اجتهد، لكن إذا أخطأ فأذن قبل الوقت فعليه أن يعود فينبه الناس إلى خطئه. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأذان لصلاة الصبح لا يصح إلا بعد طلوع الفجر، وقد تقدم ذلك، والله أعلم.

стр. 686

حكم متابعة المؤذن ١٩٢/ ١٥ - وَعَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ، فَقُولوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٩٣/ ١٦ - وَلِلْبُخَارِيِّ: عَنْ مُعَاوِيَةَ. ١٩٤/ ١٧ - وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عُمَرَ في فَضْل الْقَوْلِ كَما يَقُولُ المُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً، سِوَى الْحَيْعَلَتيْنِ، فَيَقُولُ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بالله». الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث أبي سعيد الخدري ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «ما يقول إذا سمع المنادي» (٦١١)، ومسلم (٣٨٣)، من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال … فذكره. وأما حديث معاوية ﵁: فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور مختصراً (٦١٢، ٦١٣) وفيه: (أنه لما قال حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال معاوية: هكذا سمعنا نبيكم ﷺ يقول)، ثم ساقه تاماً في كتاب «الجمعة» بابٌ «يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء» (٩١٤)، فقال: حدثنا ابن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حُنيف، عن أبي أسامة بن سهل بن حنيف قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر أذن المؤذن قال: الله أكبر، الله أكبر، قال:

стр. 687

معاوية، الله أكبر، الله أكبر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال معاوية: وأنا، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال معاوية: وأنا، فلما قضى التأذين قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ على هذا المجلس - حين أذن المؤذن - يقول ما سمعتم من مقالتي. وأما حديث عمر ﵁: فقد أخرجه مسلم (٣٨٥) من طريق أبي جعفر محمد بن جهضم الثقفي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عُمارة بن غَزِيَّة، عن خبيب بن عبد الرحمن بن يساف، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن جده عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة». ولو أن الحافظ ﵀ ساقه بتمامه لكان أكمل، لقوله في اخره: «دخل الجنة»، فإن هذا فضل عظيم، نسأل الله تعالى أن يتفضل علينا به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا سمعتم النداء) أي: صوت المؤذن بالأذان، وهذا لفظ الصحيحين «النداء» وقد وقع في «عمدة الأحكام»: «إذا سمعتم المؤذن»، وهو المثبت في «الجمع بين الصحيحين» للحميدي (١) وظاهر هذا أن اختصاص الإجابة بمن يسمع، فلو راه ولم يسمعه لم يجبه. قوله: (فقولوا مثل ما يقول المؤذن) في بعض نسخ البلوغ: «قولوا» بدون فاء، وجميع الروايات بالفاء، وهو الموافق لقواعد اللغة العربية، وقد

стр. 688

تكون الفاء سقطت من الطابع أو الناسخ، والفاء تفيد التعقيب، فتكون المتابعة عقب كل كلمة، كما سيأتي. وقوله: (مثل ما يقول) أي: مثل كل جملة يقولها، والمراد: تلفظوا بمثل ما يتلفظ به المؤذن من أذكار الأذان، والمماثلة لا تقتضي المساواة من كل وجه، فلا يراد المماثلة في كل الأوصاف، كرفع الصوت - مثلاً ـ. وقد اتفقت الروايات في «الصحيحين» على إثبات لفظة «المؤذن» ولم يصب صاحب «عمدة الأحكام» في حذفها، وكأنه اغتر بدعوى ابن وضَّاح أنها مدرجة في الحديث، وغفل عن أن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى المخالفة لما ثبت في روايات «الصحيحين» (١)، أو أنه اعتمد على الحميدي، فإنه حذفها (٢). قوله: (سوى الحيعلتين) مثنى حيعلة، أي: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، وهذا يسمى في اللغة بـ (النحت) ومعناه: بناء كلمة جديدة من كلمتين أو أكثر، أو من جملة، بحيث تدل على المعنى المراد، مثل: البسملة، والمراد: بسم الله الرحمن الرحيم، والحوقلة أو الحولقة: لا حول ولا قوة إلا بالله، والهيللة: لا إله إلا الله، ونحو ذلك. قوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله) الحول: الحركة، أي: لا حركة ولا استطاعة، ولا قوة: أي: على طاعة الله إلا بالله. الوجه الثالث: ظاهر حديث أبي سعيد ﵁ وجوب متابعة المؤذن في ألفاظ الأذان لأن هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، وهذا قول الظاهرية، وحكاه الطحاوي عن قوم من السلف (٣). والقول الثاني: أن متابعة المؤذن مستحبة، وليست بواجبة، وهذا مذهب الجمهور (٤)، والصارف للأمر عن الوجوب حديث أنس بن مالك ﵁ قال:

стр. 689

كان رسول الله ﷺ يُغِيْر إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار، فسمع رجلاً يقول: الله أكبر، الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : «على الفطرة»، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : «خرجت من النار»، فنظروا فإذا هو راعي معزى (١). ووجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ سمع المنادي ينادي، فقال غير ما قال، فدل على أن الإجابة غير واجبة. لكن هذا الدليل ليس صريحاً في ذلك، فإنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون النبي ﷺ تابع المؤذن ولم ينقله الراوي، اكتفاءً بالعادة، وحرصاً على نقل القول الزائد، ويحتمل أن يكون قبل صدور الأمر بإجابة المؤذن، والمقصود أن دلالته غير صريحة، وأصرح منه قوله ﷺ لمالك بن الحويرث ومن معه - كما سيأتي قريباً ـ: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»، فهذا يدل على أن المتابعة غير واجبة، وذلك لأن المقام مقام تعليم، والحاجة داعية إلى بيان كل ما يحتاج هؤلاء، وقد لا يكون عندهم علم بما قاله النبي ﷺ في متابعة المؤذن، فلما ترك النبي ﷺ التنبيه على ذلك مع دعاء الحاجة إليه دل على أن الإجابة غير واجبة، والله أعلم (٢). الوجه الرابع: ظاهر حديث أبي سعيد ﵁ أن المتابع يقول مثل ما يقول المؤذن في جميع جمل الأذان، وحديث عمر ﵁ وكذا حديث معاوية في إحدى روايات البخاري يفيد أنه يتابع بمثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيحمل حديث أبي سعيد العام على الخاص وهو حديث عمر ﵁ عملاً بنصوص السنة كلها، ولأن المعنى مناسب لإجابة الحيعلة بالحوقلة، كما سيأتي، وهذا هو المشهور عند الجمهور (٣).

стр. 690

وقال ابن المنذر: (وقد يجوز أن يقول قائل: هذا من الاختلاف المباح، إن شاء قال كما يقول المؤذن، وإن شاء قال كما في خبر معاوية بن أبي سفيان، أيَّ ذلك قال فهو مصيب) (١)، وهذا القول عزاه ابن رجب إلى أبي بكر الأثرم، ومحمد بن جرير الطبري (٢). والقول الثالث: أنه يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهذا قول لبعض الحنابلة، وكأنه أراد العمل بالحديثين، قال ابن رجب: (وهو ضعيف؛ لأن الجمع لم يرد). والقول الأول أقوى؛ لأن حديث أبي سعيد مجمل، فسَّره حديث عمر ﵁ والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، ولأن الراوي روى عن الرسول ﷺ أنه كان يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ولم يقل: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، فدل على أنه لا يجمع بينهما ولا يذكر الحيعلة، بل يكتفي بالحوقلة. والإجابة في الحيعلة بالحوقلة في غاية الحسن وتمام المناسبة، فإن السامع يجيب المؤذن بمثل ما يقول من ألفاظ الذكر والثناء على الله تعالى، وأما في النداء إلى حضور الصلاة بـ (حي على الصلاة حي على الفلاح)، فهذا دعاء ونداء، فالمناسبة أن العبد يظهر أنه عاجز عن حضور الجماعة والقيام بها إلا إذا قوَّاه الله تعالى وأعانه، فهو يقول: أنا أجيب هذا النداء وأحضر الجماعة ولكن بحول الله وقوته وإعانته وتوفيقه. الوجه الخامس: يدخل في عموم حديث أبي سعيد ﵁ القارئ ومن كان في ذكر أو دعاء، فإنه إذا سمع الأذان يتوقف عن القراءة والذكر ويجيب النداء؛ لأن إجابة المؤذن عبادة مؤقتة يفوت وقتها، بخلاف القراءة والذكر والدعاء فإن وقتها لا يفوت. وكذا الطائف يجيب المؤذن حال طوافه؛ لأن إجابته من الذكر، والذكر

стр. 691

مشروع في الطواف، وبالجملة فإجابة المؤذن مطلوبة من كل إنسان على حالٍ صالحةٍ لذكر الله تعالى، إلا في الأحوال التي نهى الشرع فيها عن الذكر كدخول الخلاء، وحال الجماع، ونحو ذلك. وأما المصلي إذا سمع المؤذن فإنه لا يجيبه في الصلاة ولو كانت نفلاً، وهو قول أكثر أهل العلم (١)، لقوله ﷺ : «إن في الصلاة لشغلاً» (٢). وقال مالك: يجيبه في صلاة النافلة دون الفريضة (٣)، وقال بعض المالكية: يجيبه مطلقاً (٤)، ونقله صاحب «الإنصاف» وغيره عن شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، لكن جاء في «الفتاوى» أنه قال: (إذا سمع المؤذن يؤذن وهو في صلاة فإنه يتمها، ولا يقول مثل ما يقول عند جمهور العلماء، وأما إذا كان خارج الصلاة في قراءة أو ذكر أو دعاء فإنه يقطع ذلك ويقول مثل ما يقول المؤذن؛ لأن موافقة المؤذن عبادة مؤقتة يفوت وقتها، وهذه الأذكار لا تفوت) (٦). أما المؤذن فهل يجيب نفسه؟ قولان: من أهل العلم من قال (٧): يجيب نفسه، أخذاً بعموم حديث أبي سعيد ﵁؛ لأن المؤذن يُسمع نفسه، فيكون مأموراً بالإجابة، وقاسوه على تأمين الإمام بعد فراغه من الفاتحة مع المأمومين. والقول الثاني: أن المؤذن لا يجيب نفسه، لأن قوله: «إذا سمعتم النداء» يدل بظاهره على التفريق بين المؤذن والسامع، فلا يدخل المؤذن في ذلك، ولأن المؤذن أتى بألفاظ الأذان فلا معنى لكونه يجيب نفسه، قال ابن رجب: (هذا هو الأرجح) (٨).

стр. 692

وأما القياس على تأمين الإمام ففيه نظر؛ لأن تأمين الإمام فيه نص خاص، والأصل عدم القياس في العبادات. الوجه السادس: ظاهر حديث أبي سعيد أنه يتابع المؤذن، وإن تعدد المؤذنون، وأن ذلك لا يختص بأول أذان، وقد حكى القاضي عياض قولين في المسألة (١): القول الأول: استحباب متابعة كل مؤذن، أخذاً بظاهر الحديث، وهو من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب، وهو من الطرق الدالة على التعليل على المشهور، وحينئذ يتكرر الحكم بتكرر علته (٢). وقد اختار هذا القول جمع من أهل العلم، منهم العز بن عبد السلام فإنه قال: (وإن أذنوا مرتين أجاب كل واحد إجابة، لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل .. ) (٣)، ونقله عنه الحافظ ابن حجر (٤)، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد جاء في «الاختيارات»: (ويجيب مؤذناً ثانياً وأكثر حيث يستحب ذلك، كما كان المؤذنان يؤذنان على عهد النبي ﷺ (٥)، ومنهم النووي فإنه قال: (ولم أر فيه شيئاً لأصحابنا، والمسألة محتملة، والمختار أن يقال: المتابعة سنة متأكدة، يكره تركها، لتصريح الأحاديث الصحيحة بالأمر بها، وهذا يختص بالأول؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وأما أصل الفضيلة والثواب في المتابعة فلا يختص، والله أعلم) (٦). والقول الثاني: أن المتابعة تختص بالمؤذن الأول، وقال بعضهم: لا يجيب غير أذان مسجده الذي يصلي فيه؛ لأن ما عداه غير مدعو به، فلا يتابعه، وكذا لا يجيب إذا صلّى؛ لأنه غير مدعو به - أيضاً ـ (٧). قالوا: والحديث محمول على الأذان المعهود في زمن النبي ﷺ ، وهو أن المؤذن واحد، ولا يمكن أن يؤذن اخر بعد أن تؤدى الصلاة.

стр. 693

والأول أقوى، أخذاً بالعموم، ولأن الإجابة ذكر لله تعالى، فمن أجاب فهو على خير، وإجابة المؤذن في الأصل مستحبة لا واجبة. وأما قول أصحاب القول الثاني: إنه لا يجيب؛ لأنه غير مدعو بهذا الأذان، ففيه نظر؛ لأن ظاهر الحديث أن كل سامع يقول كما يقول المؤذن، ومتابعة المؤذن ليست إجابة وحضور فقط، وإنما هي متابعة له على أذكار يقولها. ويمكن أن يُؤَيَّدَ ذلك بتكرار الصلاة على النبي ﷺ كلما ذكر اسمه، ولا يكتفى بالصلاة الأولى فقط، لتعدد السبب، وهو ذكر اسمه، فكذا هنا لتعدد السبب، وهو مجيء مؤذن اخر. الوجه السابع: ظاهر الحديث أن متابعة المؤذن مشروطة بسماع الأذان، فمن شاهد المؤذن ولم يسمعه فإنه لا يقول شيئاً، ومن سمعه ولم يره - كما في هذا الزمان - فإنه يتابعه لقوله: «إذا سمعتم» فعلق الأمر بالسماع. الوجه الثامن: ظاهر الحديث أنه يجيب المؤذن في التثويب لصلاة الفجر بـ (الصلاة خير من النوم) بمثل ما يقول، فيقول المجيب: الصلاة خير من النوم، وهذا هو الصواب؛ لأنه لم يرد في السنة استثناءٌ من هذا العموم، إلا في الحيعلتين، كما تقدم، وما عداهما يبقى على العموم، وأما ما ذكره بعض علماء الحنابلة والشافعية وغيرهم من أنه يقول: «صدقت وبررت» فليس عليه دليل (١)، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن قول المجيب: «صدقت وبررت» لا أصل له (٢). وقال الصنعاني: (هذا استحسان من قائله، وإلا فليس فيه سنة تعتمد) (٣). الوجه التاسع: ظاهر الحديث أن متابعة المؤذن تكون عقب كل كلمة يقولها، لا معها ولا يتأخر عنها (٤).

стр. 694

وإذا لم يسمع الأذان إلا في منتصفه، فقيل: يتابع فيما بقي، ويقضي ما فاته؛ لأن الأذان من الأذكار، والمسلم ينبغي له أن يحافظ على الأعمال الصالحة، فيقضي ما فاته منها، ومن ذلك الأذكار. والقول الثاني: أنه يتابعه فيما سمع فقط، وما فاته فإنه يتركه لفوات محله، قال الشيخ عثمان النجدي في حاشيته على «المنتهى»: (فإن سمع بعضه، فالظاهر: أنه يتابع فيما سمع فقط) (١)، قال الشيخ محمد بن إبراهيم: (ولعل هذا أرجح) (٢). الوجه العاشر: في الحديث دليل على فضل إجابة المؤذن، والإتيان بهذه الأذكار العظيمة، وهذا يدل على سعة فضل الله تعالى ورحمته بعباده، وكمال شريعته، حيث أُمر من سمع النداء بإجابة المؤذن من أجل أن يشمل أجر الأذان المؤذنين ومن سمعهم وتابعهم على أذانهم. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً غفر له ذنبه» (٣). وأخرجه أبو عوانة بسنده عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع المؤذن - قال: وقال ابن عامر: من قال حين يسمع المؤذن: - أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، رضيت بالله رباً .. » الحديث (٤)، وكذا أخرجه النسائي والترمذي وابن خزيمة، ولفظه قال: «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً .. » الحديث (٥)، وهذا يدل على أن السامع يقول بعد جواب المؤذن على الشهادتين: رضيت بالله رباً … إلخ،

стр. 695

أي: مرة واحدة، وهذا ذكره النووي (١) وغيره. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : «قل كما يقولون، فإذا انتهيت، فَسَلْ تُعْطَ» (٢). وهذا يفيد استحباب الدعاء بعد الفراغ من إجابة المؤذن؛ فإنه من مواطن الإجابة؛ لقوله: «فَسَلْ تُعْطَ»، والله أعلم.

стр. 696

كراهة أخذ الأجرة على الأذان ١٩٥/ ١٨ - وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبي الْعَاصِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله اجْعَلنِي إمَامَ قَوْمِي، قَالَ: «أنْتَ إمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بَأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّناً لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْراً»، أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عبد الله عثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي ﵁، الأمير الفاضل المؤتمن - كما قال الذهبي - قدم في وفد ثقيف على النبي ﷺ في سنة تسع، فأسلموا، فأمَّره النبي ﷺ عليهم، لِمَا رأى من عقله وحرصه على الخير والدين، وله سبع وعشرون سنة، ثم أقره أبو بكر ﵁ على الطائف، ثم عمر ﵁، ثم استعمله عمر على عُمان والبحرين، ثم سكن البصرة حتى مات بها سنة إحدى وخمسين، وكان هو الذي منع ثقيفاً عن الردة، فقال لهم: (يا معشر ثقيف كنتم اخر الناس إسلاماً، فلا تكونوا أولهم ارتداداً)، فامتنعوا عن الردة. روى عنه سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وموسى بن طلحة، وأبو العلاء، ومطرف ابنا عبد الله بن الشِّخِّير، وكل هؤلاء الرواة رووا عنه حديث الباب عند أحمد وغيره، وروى عنه اخرون، قال الذهبي: (له أحاديث في «صحيح مسلم» (١) وفي السنن) (٢).

стр. 697

الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في «كتاب الصلاة» باب «أخذ الأجر على التأذين» (٥٣١)، والنسائي (٢/ ٢٣)، وأحمد (٢٦/ ٢٠١)، والحاكم (١/ ١٩٩، ٢٠١)، من طريق حماد، عن سعيد الجُريري، عن أبي العلاء، عن مطرف بن عبد الله، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ … فذكره. وأخرجه أحمد - أيضاً - عن أبي العلاء، عن عثمان. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم)، وهو كما قال، والجريري: اسمه: سعيد بن إياس، وهو من رجال الجماعة، وقد طرأ عليه الاختلاط، إلا أن سماع حماد - وهو ابن سلمة - منه قبل اختلاطه، كما ذكر الحافظ (١). وأبو العلاء: هو يزيد بن عبد الله بن الشخير، أخو مطرف. وأخرجه الترمذي في كتاب «الصلاة»، باب: «ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجراً» (٢٠٩)، وابن ماجه (٧١٤) من طريق أشعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص قال: إن من اخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً، وقال الترمذي: (حديث عثمان حديث حسن). وبهذا يتضح أن إسناد الحديث عند الترمذي وابن ماجه يختلف عن الباقين، وكذا المتن، وعلى هذا فعزو الحديث للجميع يوهم أن الإسناد والمتن متحدان، والله أعلم. وقد اختلفت نسخ الترمذي في الحكم على هذا الحديث، ففي «جامع الترمذي» بشرح ابن العربي (٢)، وشرح المباركفوري (٣)، وتحقيق أحمد شاكر: حديث حسن صحيح، وقد أضاف أحمد شاكر كلمة (صحيح) من بعض

стр. 698

المخطوطات، وقال: (يظهر أن نسخ الترمذي مختلفة في إثباتها اختلافاً قديماً) (١). لكن أكثر العلماء لم ينقلوا عن الترمذي إلا التحسين فقط، كابن قدامة (٢) والنووي (٣) والمزي (٤) والحافظ في «البلوغ» كما هنا، وهو المثبت في تحقيق بشار عواد لجامع الترمذي (٥). ثم إن (أشعث) الوارد في سند الترمذي وابن ماجه غير منسوب، فلذا اختلف فيه، فابن حزم روى الحديث من طريق ابن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن أشعث - هو ابن عبد الملك الحُمراني - عن الحسن، عن عثمان به (٦). وقد تابع أحمد شاكر ابنَ حزم، وتابعه على ذلك - أيضاً - الألباني (٧). وبالرجوع إلى مصنف ابن أبي شيبة وجدت هذا الإسناد، وليس فيه أنه ابن عبد الملك الحمراني، بل سقط منه اسم (أشعث) فصار عن الحسن، عن عثمان (٨)، والظاهر أن هذه النسبة اجتهاد من ابن حزم ليس في محله، فإن المزي ساق إسناد ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن الأشعث، عن الحسن به، بدون تحديد، ولو كان معيناً ما تركه المزي (٩). ويحتمل أنه أشعث بن سَوَّار الكندي، بل جزم بذلك ابن عبد الهادي فقال: (هو أشعث بن سوار، وقد تكلم فيه غير واحد) (١٠). ومما يؤيد ذلك أن المزي لما ترجم لحفص بن غياث ذكر أنه روى عن أشعث بن سوار، ورمز للترمذي وابن ماجه (١١)، ولما ذكر روايته عن أشعث بن

стр. 699

عبد الملك الحراني لم يرمز له بشيء، وهكذا لما ترجم لأشعث بن سوار ذكر من الرواة عنه حفص بن غياث، ورمز لما تقدم (١)، ولما ترجم لأشعث بن عبد الملك ذكر من الرواة عنه حفص، ولم يرمز له بشيء (٢). وبين الرجلين فرق، فالأول وهو ابن سوار ضعفه أحمد والنسائي والدارقطني وغيرهم، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (ضعيف)، وقال عن الثاني، وهو أشعث بن عبد الملك: (ثقة فقيه)، وعلى هذا فلعل تحسين الترمذي لهذا الحديث لوروده من طرق أخرى، ومنها ما تقدم عند أبي داود وغيره، والله أعلم. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أنت إمامهم) أي: جعلتك إماماً لهم، وعدل إلى الجملة الإسمية للدلالة على الثبوت، فكأن إمامته حاصلة، وهو ﷺ يخبر عنها. قوله: (واقتد بأضعفهم) أي: راعِ حال الضعيف منهم في تخفيف الصلاة مع الإتمام حتى لا يَمَلَّ القوم، وعبر عن المراعاة بالاقتداء مشاكلة لاقتدائهم به، فكأنه قال: كما أن الضعيف يقتدي بصلاتك فاقتد أنت - أيضاً - بضعفه، واسلك له سبيل التخفيف في القيام والقراءة. قوله: (لا يأخذ على أذانه أجراً) أي: أجرة دنيوية؛ لأن الذي لا يأخذ على الأذان أجرة أقرب إلى الإخلاص، والحرصِ على إبراء الذمة. الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز سؤال الإمامة - وكذا الولاية - لقصد صالح، وهو مصلحة المسلمين وتوجيههم وتعليمهم، وليس هذا بمذموم بل هو محمود، لما فيه من الخير والمصلحة، وهذا مشروط بكون الإنسان يعلم من نفسه الكفاءة والقدرة على القيام بالمهمة التي أنيطت به. أما طلبها لأجل الرياسة والاستعلاء على الناس وطلب الجاه والمنصب فهذا مذموم.

стр. 700

الوجه الخامس: أنه يستحب للإمام مراعاة أحوال الضعفاء وكبار السن من المأمومين فلا يشق عليهم بطول الصلاة في القيام والركوع والسجود، ولا بطول الانتظار بحيث يشق عليهم التأخر، وسيأتي لذلك زيادة بيان في باب «صلاة الجماعة والإمامة» إن شاء الله تعالى. ويؤخذ من ذلك مراعاة الضعفاء في كل شيء في السفر وفي الجهاد وفي مواساتهم بالمال ونحو ذلك؛ لأنه إذا طلب مراعاتهم في الصلاة التي هي عمود الإسلام، فغيرها من باب أولى. وقد ورد عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد ﵁ أن له فضلاً على من دونه، فقال رسول الله ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم»، وفي رواية: أنه ظن أن له فضلاً على من دونه من أصحاب النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم» (١). الوجه السادس: الحديث دليل على تفضيل من يتولى الأذان حِسْبَةً ولا يأخذ على أذانه أجراً؛ لأن من كان كذلك يكون أكمل في رعاية الوقت لحرصه على الأذان، وإبراء ذمته، لما في قلبه من الدافع الإيماني القوي، بخلاف من يؤذن لأجل عرض الدنيا فقد يتساهل، ولا يكون عنده من الإخلاص والحرص ما عند ذاك. وقد استدل بهذا الحديث على منع الاستئجار على الأذان متقدمو الحنفية، وابن حبيب من المالكية، وهو المشهور عند الحنابلة، وهو وجه عند الشافعية، وبه قال ابن حزم (٢). ووجه الاستدلال - كما قال الصنعاني ـ: (أن من صفة المؤذن المأمور باتخاذه ألاَّ يأخذ على أذانه أجراً، فيكون دليلاً على أن من أخذ على أذانه أجراً ليس مأموراً باتخاذه) (٣).

стр. 701

ولأن الأذان قربة لفاعله، والقربة لا يؤخذ عليها أجرة؛ لأن الأجرة تفوت الأجر، فلا يكون فيها أجر بالاتفاق؛ لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، لا ما فُعل لأجل عرض الدنيا، وتقاس الإمامة على الأذان بجامع أن كلًّا منهما قربة. والقول الثاني: جواز الاستئجار على الأذان والإمامة، وهذا رواية عند الحنابلة، والأصح عند الشافعية، والمشهور عند المالكية (١)؛ لأن الأذان عمل معلوم، يجوز أخذ الرِّزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه، كسائر الأعمال التي فيها مصلحة للمسلمين. والقول الثالث: جواز الاستئجار على الأذان والإمامة عند الحاجة، وهو أن يكون الآخذ فقيراً، يأخذ الأجرة لحاجته ليستعين بها على العبادة، فالله تعالى يأجره على نيته، بخلاف الغني فلا حاجة له إلى الأجرة، وهذا القول لمتأخري الحنفية، وهو المفتى به، وهو قول ثالث في مذهب الحنابلة، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) لما تقدم، ولحاجة المسلمين إلى المؤذن والإمام، والحاجة تقتضي جواز الاستئجار، لظهور التواني في الأمور الدينية، وفتور رغبات الناس وكسلهم في الاحتساب، لعدم أو قلة الأعطيات من بيت المال. وهذا أظهر الأقوال إن شاء الله. وأما حديث الباب فليس فيه دلالة على التحريم، وإنما غاية ما يدل عليه هو الندب. قال ابن قدامة: (ولا نعلم خلافاً في جواز أخذ الرِّزق على الأذان) (٣)، والرِّزق: بكسر الراء هو ما ينتفع به، وهو ما يعرف في وقتنا بالراتب، والرَّزق: بالفتح هو المصدر، وهو الإعطاء، وإنما جاز أخذ الرزق على الأذان لأن بالمسلمين حاجة إليه وبيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإمامة من مصالح المسلمين، وشرط ذلك ألا يوجد متطوع بالأذان،

стр. 702

فإن وجد لم يُرزق غيره، لعدم الحاجة إليه، وحمايةً لبيت المال من أن يصرف بدون حاجة إليه. لكن ذكر ابن مفلح توجه احتمال جواز رزقه من بيت المال وإن وجد متطوع إذا امتاز بحسن الصوت (١)، ولعل الصفة المقصودة غير حسن الصوت تلحق به، كأن يكون طالب علم، ينوب عن الإمام، أو فيه منفعة، ونحو ذلك (٢). وبين الرزق والإجارة فروق، ومن أهمها: ١ - أن الرزق أدخل في باب الإحسان والمسامحة، بينما الإجارة أدخل في باب المكايسة والمعاوضة والمغابنة. ٢ - أنه لا يشترط في الرزق مقدار من العمل ولا أجل ينتهي إليه، بخلاف الإجارة فلا بد من شروطها، كمعرفة الأجل ومقدار المنفعة، ونحو ذلك من شروطها، والله أعلم (٣).

стр. 703

مشروعية الأذان في السفر ١٩٦/ ١٩ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «وإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ … » الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو سليمان، مالك بن الحويرث، ويقال: ابن الحارث الليثي ﵁، قدم مع نفر من قومه على النبي ﷺ وهو يتجهز لتبوك، كما ذكره ابن سعد، وكانوا شببة متقاربين، فأقاموا عنده عشرين ليلة، قال: وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً، فلما رأى أنا اشتقنا إلى أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، قال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلِّموهم، ومروهم» (١). سكن مالك البصرة، ومات فيها سنة أربع وستين، وذكر ابن عبد البر، ومن بعده النووي أنه مات سنة أربع وتسعين، لكن لما نقل الحافظ ما ذكر ابن عبد البر، قال: (والأول هو الصحيح، وبه جزم ابن السَّكَنِ وغيره)، روى عنه ابنه عبد الله، وأبو قلابة - عبد الله بن زيد الجرمي - وأبو عطية، وسلمة الجرمي وغيرهم (٢). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الأذان» وغيره، وأولها باب «من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد» (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤)، وأبو داود

стр. 704

(٥٨٩)، والترمذي (٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٩)، وابن ماجه (٩٧٩)، وأحمد (٣/ ٤٣٦، ٥/ ٥٣)، كلهم من طريق أيوب بن أبي تميمة، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: أتيت رسول الله ﷺ في نفر من قومي فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: «ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصَلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم»، وهذا اللفظ للبخاري، ورواه - أيضاً - عن أبي قلابة خالد الحذاء في «الصحيحين» وغيرهما، وهذا الحديث له عدة ألفاظ، وهو عند بعضهم مطولاً، وعند بعضهم مختصراً. الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الأذان، وأنه فرض كفاية، فإذا أذن واحد من الجماعة كفى، لحصول المقصود، كما تقدم في أول الباب، وإذا كان البلد واسعاً بحيث لا يكفي مؤذن واحد جُعل اثنان أو أكثر حسب حاجة البلد. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأذان لا يصح إلا إذا حضرت الصلاة وذلك بدخول وقتها، وهذا نص عام لا يستثنى منه شيء، ولأن الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة، والإعلام بدخول وقت الشيء لا يكون إلا بعد دخوله. وأما ما يذكره بعض الفقهاء من أنه يجوز الأذان لصلاة الصبح قبل وقتها فهو قول مرجوح، والصواب أنه لا يصح الأذان إلا بعد دخول الوقت مطلقاً في جميع الصلوات، وأما أذان بلال الذي يكون اخر الليل فهو ليس للفجر، ولهذا لا يقال فيه: الصلاة خير من النوم، كما تقدم. الوجه الخامس: يصح أن يستفاد من قوله: «إذا حضرت الصلاة» أن المراد حضور فعلها، وذلك بأن يكون الأذان عند إرادة فعل الصلاة، لا عند دخول الوقت، كما لو كان جماعة في السفر أو في نزهة وأرادوا تأخير صلاة العشاء - مثلاً - عن أول وقتها وهو مغيب الشفق إلى وقتها الأفضل، فالأفضل في حقهم تأخير الأذان إلى إرادة فعل الصلاة.

стр. 705

ويؤيد ذلك حديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : «أبرد» ثم أراد أن يؤذن فقال له: «أبرد» حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : «إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (١). قال ابن رجب: (وظاهر حديث أبي ذر الذي خرجه البخاري يدل على أنه يشرع الإبراد بالأذان عند إرادة الإبراد بالصلاة، فلا يؤذن إلا في وقت يُصَلَّى فيه، فإذا أُخِّرت الصلاة أُخر الأذان معها، وإن عُجِّلَتْ عُجِّل الأذان) (٢)، وعلى هذا فالأذان عند فعل الصلاة خاص بالسفر، وأما في الحضر فإن الأذان يكون عند حضور الصلاة، أي: دخول وقتها. الوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية الأذان للمسافر، وقد بوب البخاري على حديث مالك بن الحويرث بقوله: «باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد»، وبقوله: «باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة»، وساق في الباب الأخير هذا الحديث من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بلفظ: «إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما» (٣)، ولفظه عند الترمذي من هذا الطريق: (قدمت على رسول الله ﷺ أنا وابن عم لي، فقال لنا: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما») (٤). وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم: اختاروا الأذان في السفر). ولأن النبي ﷺ لم يدع الأذان ولا الإقامة حضراً ولا سفراً، ولأنهما من أعلام الدين الظاهرة. قال ابن المنذر: (فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر؛ لأن النبي ﷺ أمر بالأذان، وأَمْرُهُ على الفرض .. ) (٥)، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →