ولأن الأذان قربة لفاعله، والقربة لا يؤخذ عليها أجرة؛ لأن الأجرة تفوت الأجر، فلا يكون فيها أجر بالاتفاق؛ لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، لا ما فُعل لأجل عرض الدنيا، وتقاس الإمامة على الأذان بجامع أن كلًّا منهما قربة.
والقول الثاني: جواز الاستئجار على الأذان والإمامة، وهذا رواية عند الحنابلة، والأصح عند الشافعية، والمشهور عند المالكية (١)؛ لأن الأذان عمل معلوم، يجوز أخذ الرِّزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه، كسائر الأعمال التي فيها مصلحة للمسلمين.
والقول الثالث: جواز الاستئجار على الأذان والإمامة عند الحاجة، وهو أن يكون الآخذ فقيراً، يأخذ الأجرة لحاجته ليستعين بها على العبادة، فالله تعالى يأجره على نيته، بخلاف الغني فلا حاجة له إلى الأجرة، وهذا القول لمتأخري الحنفية، وهو المفتى به، وهو قول ثالث في مذهب الحنابلة، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) لما تقدم، ولحاجة المسلمين إلى المؤذن والإمام، والحاجة تقتضي جواز الاستئجار، لظهور التواني في الأمور الدينية، وفتور رغبات الناس وكسلهم في الاحتساب، لعدم أو قلة الأعطيات من بيت المال. وهذا أظهر الأقوال إن شاء الله.
وأما حديث الباب فليس فيه دلالة على التحريم، وإنما غاية ما يدل عليه هو الندب.
قال ابن قدامة: (ولا نعلم خلافاً في جواز أخذ الرِّزق على الأذان) (٣)، والرِّزق: بكسر الراء هو ما ينتفع به، وهو ما يعرف في وقتنا بالراتب، والرَّزق: بالفتح هو المصدر، وهو الإعطاء، وإنما جاز أخذ الرزق على الأذان لأن بالمسلمين حاجة إليه وبيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإمامة من مصالح المسلمين، وشرط ذلك ألا يوجد متطوع بالأذان،
стр. 702
فإن وجد لم يُرزق غيره، لعدم الحاجة إليه، وحمايةً لبيت المال من أن يصرف بدون حاجة إليه.
لكن ذكر ابن مفلح توجه احتمال جواز رزقه من بيت المال وإن وجد متطوع إذا امتاز بحسن الصوت (١)، ولعل الصفة المقصودة غير حسن الصوت تلحق به، كأن يكون طالب علم، ينوب عن الإمام، أو فيه منفعة، ونحو ذلك (٢).
وبين الرزق والإجارة فروق، ومن أهمها:
١ - أن الرزق أدخل في باب الإحسان والمسامحة، بينما الإجارة أدخل في باب المكايسة والمعاوضة والمغابنة.
٢ - أنه لا يشترط في الرزق مقدار من العمل ولا أجل ينتهي إليه، بخلاف الإجارة فلا بد من شروطها، كمعرفة الأجل ومقدار المنفعة، ونحو ذلك من شروطها، والله أعلم (٣).
стр. 703
مشروعية الأذان في السفر
١٩٦/ ١٩ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «وإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ … » الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو سليمان، مالك بن الحويرث، ويقال: ابن الحارث الليثي ﵁، قدم مع نفر من قومه على النبي ﷺ وهو يتجهز لتبوك، كما ذكره ابن سعد، وكانوا شببة متقاربين، فأقاموا عنده عشرين ليلة، قال: وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً، فلما رأى أنا اشتقنا إلى أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، قال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلِّموهم، ومروهم» (١).
سكن مالك البصرة، ومات فيها سنة أربع وستين، وذكر ابن عبد البر، ومن بعده النووي أنه مات سنة أربع وتسعين، لكن لما نقل الحافظ ما ذكر ابن عبد البر، قال: (والأول هو الصحيح، وبه جزم ابن السَّكَنِ وغيره)، روى عنه ابنه عبد الله، وأبو قلابة - عبد الله بن زيد الجرمي - وأبو عطية، وسلمة الجرمي وغيرهم (٢).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الأذان» وغيره، وأولها باب «من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد» (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤)، وأبو داود
стр. 704
(٥٨٩)، والترمذي (٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٩)، وابن ماجه (٩٧٩)، وأحمد (٣/ ٤٣٦، ٥/ ٥٣)، كلهم من طريق أيوب بن أبي تميمة، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: أتيت رسول الله ﷺ في نفر من قومي فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: «ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصَلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم»، وهذا اللفظ للبخاري، ورواه - أيضاً - عن أبي قلابة خالد الحذاء في «الصحيحين» وغيرهما، وهذا الحديث له عدة ألفاظ، وهو عند بعضهم مطولاً، وعند بعضهم مختصراً.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الأذان، وأنه فرض كفاية، فإذا أذن واحد من الجماعة كفى، لحصول المقصود، كما تقدم في أول الباب، وإذا كان البلد واسعاً بحيث لا يكفي مؤذن واحد جُعل اثنان أو أكثر حسب حاجة البلد.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأذان لا يصح إلا إذا حضرت الصلاة وذلك بدخول وقتها، وهذا نص عام لا يستثنى منه شيء، ولأن الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة، والإعلام بدخول وقت الشيء لا يكون إلا بعد دخوله.
وأما ما يذكره بعض الفقهاء من أنه يجوز الأذان لصلاة الصبح قبل وقتها فهو قول مرجوح، والصواب أنه لا يصح الأذان إلا بعد دخول الوقت مطلقاً في جميع الصلوات، وأما أذان بلال الذي يكون اخر الليل فهو ليس للفجر، ولهذا لا يقال فيه: الصلاة خير من النوم، كما تقدم.
الوجه الخامس: يصح أن يستفاد من قوله: «إذا حضرت الصلاة» أن المراد حضور فعلها، وذلك بأن يكون الأذان عند إرادة فعل الصلاة، لا عند دخول الوقت، كما لو كان جماعة في السفر أو في نزهة وأرادوا تأخير صلاة العشاء - مثلاً - عن أول وقتها وهو مغيب الشفق إلى وقتها الأفضل، فالأفضل في حقهم تأخير الأذان إلى إرادة فعل الصلاة.
стр. 705
ويؤيد ذلك حديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : «أبرد» ثم أراد أن يؤذن فقال له: «أبرد» حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : «إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (١).
قال ابن رجب: (وظاهر حديث أبي ذر الذي خرجه البخاري يدل على أنه يشرع الإبراد بالأذان عند إرادة الإبراد بالصلاة، فلا يؤذن إلا في وقت يُصَلَّى فيه، فإذا أُخِّرت الصلاة أُخر الأذان معها، وإن عُجِّلَتْ عُجِّل الأذان) (٢)، وعلى هذا فالأذان عند فعل الصلاة خاص بالسفر، وأما في الحضر فإن الأذان يكون عند حضور الصلاة، أي: دخول وقتها.
الوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية الأذان للمسافر، وقد بوب البخاري على حديث مالك بن الحويرث بقوله: «باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد»، وبقوله: «باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة»، وساق في الباب الأخير هذا الحديث من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بلفظ: «إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما» (٣)، ولفظه عند الترمذي من هذا الطريق: (قدمت على رسول الله ﷺ أنا وابن عم لي، فقال لنا: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما») (٤).
وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم: اختاروا الأذان في السفر).
ولأن النبي ﷺ لم يدع الأذان ولا الإقامة حضراً ولا سفراً، ولأنهما من أعلام الدين الظاهرة.
قال ابن المنذر: (فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر؛ لأن النبي ﷺ أمر بالأذان، وأَمْرُهُ على الفرض .. ) (٥)، والله تعالى أعلم.
стр. 706
مشروعية الانتظار بين الأذان والإقامة
١٩٧/ ٢٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: «إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الاكِلُ مِنْ أَكْلِهِ» الحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَضَعَّفَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصلاة»، باب «ما جاء في الترسل في الأذان» (١٩٥) من طريق عبد المنعم، وهو صاحب السِّقَاءِ (١)، قال: حدثنا يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لبلال: «يا بلال، إذا أذنت فترسَّل في أذانك، وإذا أقمت فاحدُر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغُ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعْتَصِرُ إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني»، هذا لفظ الترمذي.
وقال الترمذي: (حديث جابر هذا لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول، وعبد المنعم شيخ بصري).
فهذا الحديث ضعيف جداً، وعلته:
١ - عبد المنعم وهو ابن نُعيم الأسواري البصري، قال فيه أبو حاتم والبخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (ليس بثقة) (٢)، وقال ابن حبان:
стр. 707
(منكر الحديث جداً، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد بأوابد) (١)، وقال الحافظ في «التقريب»: (متروك)، وليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند الترمذي وحده.
٢ - يحيى بن مسلم شيخ عبد المنعم، وهو يحيى البكَّاء، قال أحمد: (ليس بثقة)، وكذا قال أبو داود والنسائي (٢)، وقال في «التقريب»: (مجهول).
ومدار هذا الحديث عليه، وقد رواه راوٍ اخر عند الحاكم (١/ ٢٠٤) وهو عمرو بن فائد، عن يحيى، وهو ضعيف - أيضاً - قال الحاكم: (لا أعرف له إسناداً غير هذا)، وعمرو بن فائد: قال فيه الدارقطني: (متروك) (٣)، قال أحمد شاكر: (ومن الطريف فيه أن له إسنادين ضعيفين - يقصد إسناد عمرو بن فائد، وإسناد عبد المنعم - عَرَفَ الترمذي أحدهما ولم يعرف الآخر، وعرف الحاكم الثاني، ولم يعرف الأول) (٤).
وقوله في اخر الحديث: «ولا تقوموا حتى تروني»، هذه الجملة قد رويت بإسناد صحيح (٥).
وقد ورد في الباب حديث أبي هريرة (٦) وعلي بن أبي طالب ﵄ (٧)، وعن عمر ﵁ من قوله (٨). وكلها واهية، ومع ذلك فهذه الأحاديث معانيها صحيحة، تدل عليها عمومات الشريعة ومقاصدها في الأحكام الشرعية، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا أذنت فترسَّل) الترسُّل: التمهل والتأني، من قولهم: جاء فلان على رِسْله، أي: على مهله، وهو بكسر الراء وسكون السين.
قوله: (وإذا أقمت فاحدُرْ) بضم الدال من حَدَرَ يَحْدُرُ، من باب (قَتَلَ) يقال: حدر الرجل الإقامة: أسرع بكلماتها.
стр. 708
قوله: (والمعتصر .. ) هو من يؤذيه بول أو غائط، أي: يفرغ الذي يحتاج إلى الغائط ويعصر بطنه وفرجه.
قوله: (الحديثَ .. ) بالنصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، أي: اقرأ الحديث، أو أتمَّ الحديث، ونحو ذلك، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ حذف خبره، أي: الحديث له بقية، ونحو ذلك، وبالجر على تقدير: إلى آخر الحديث.
وهذه العبارة يذكرها المؤلفون وغيرهم إشارة إلى أنه لم يُستوفَ الحديث ولم يُذكر بتمامه، وإنما اقتصر منه على المقصود، ومثل هذا قولهم: الآية أو البيت.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي في الأذان التمهل والتأني وفي الإقامة الإسراع والحدر؛ لأن الأذان دعوة للغائبين فناسب فيه التمهل؛ لأنه أبلغ في الإعلام؛ لأن بعض الناس قد لا ينتبه لأوله فينتبه لآخره.
وأما الإقامة فهي دعوة للحاضرين فلا يحتاجون فيها ما يحتاج إليه البعيد، فكان الإسراع بها أنسب ليفرغ منها بسرعة، فيأتي بالمقصود وهو الصلاة، وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق مِسْعَرٍ، عن أبي بكر بن حفص قال: (كان ابن عمر يَحْذِمُ الإقامة) (١).
والحذم: بالذال المعجمة مصدر (حَذَمَ، يَحْذِمُ) من باب (ضرب): الإسراع في الشيء، وكل شيء أسرعت فيه فقد حَذَمْتَهُ.
وليس من التمهل في الأذان المبالغة في التمطيط والتلحين الذي عليه بعض المؤذنين، بل يكون أذاناً سمحاً، سكتاته خفيفة، ومده واضح، لا تمطيط فيه، ولا تلحين، وقد تقدم بيان ذلك.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي التراخي بين الأذان والإقامة وعدم العجلة، بل يعطى الناس وقتاً يفرغون مما هم فيه من الأكل
стр. 709
واللبس والطهارة ونحو ذلك، ليتمكنوا من حضور الجماعة، وإدراك الصلاة من أولها.
والحديث وإن كان إسناده ضعيفاً إلا أن المعنى الذي من أجله شرع الأذان يقويه، فإن الأذان نداء لغير الحاضرين ليحضروا للصلاة، فلا بد من تقدير وقت يتسع للتأهب للصلاة وحضورها وإلا لضاعت الفائدة من النداء؛ لأن غالب الناس لا يقومون إلى الصلاة إلا عند سماع الأذان.
وقد ترجم البخاري في كتاب «الأذان» بقوله: بابٌ «كم بين الأذان والإقامة»؟ وساق فيه حديث عبد الله بن مغفل ﵁: «بين كل أذانين صلاة .. »، وحديث أنس ﵁ في صلاة الصحابة ركعتين بعد أذان المغرب (١).
ونقل ابن بطال عن بعض الفقهاء أنه لا حدَّ لذلك أكثر من اجتماع الناس، وتمكن دخول الوقت (٢).
وقد دل فعل النبي ﷺ على السنة في ذلك وعدم العجلة، ففي الفجر كان ﵊ يصلي بعد الأذان سنة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن، وقد يتحدث مع عائشة ﵂ ثم يخرج إلى الصلاة، وهذا ثابت في «الصحيحين».
وكان في المغرب - وهي أعجل الصلوات - ينتظر بعد الأذان وقتاً قليلاً، حتى إن الصحابة ﵃ كانوا يركعون ركعتين قبل الإقامة، كما تقدم، وفي الظهر كان يؤخر الصلاة في السفر والحضر حتى يحصل الإبراد، فعلى من شرفه الله تعالى بإمامة الناس أن يعطيهم وقتاً مناسباً بعد الأذان ليتمكنوا فيه من الطهارة والحضور وإدراك الصلاة من أولها، وأداء السنة الراتبة بالنسبة للصلوات التي لها رواتب، كالفجر والظهر، ولا ينبغي له إطالة الانتظار بين الأذان والإقامة، لئلا يشق على الحاضرين، لا سيما من يأتي إلى المسجد متقدماً، والله تعالى أعلم.
стр. 710
مشروعية الوضوء للأذان
١٩٨/ ٢١ - وَلَهُ: عَنِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤَذِّنُ إلاَّ مُتَوَضِّئ» وَضَعَّفَهُ أيضاً.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الترمذي في «أبواب الصلاة»، باب «ما جاء في كراهية الأذان بغير وضوء» (٢٠٠) من طريق الوليد بن مسلم، عن معاوية بن يحيى الصَّدَفي، عن الزهري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: … فذكره.
وهذا إسناد ضعيف جداً، ضعفه الترمذي بقوله: (الزهري لم يسمع من أبي هريرة) وذلك أن الزهري ولد سنة إحدى وخمسين، وأبو هريرة توفي سنة تسع وخمسين، وإن كان ذلك يحتمل السماع إلا أنه لم يثبت ذلك.
وفيه - أيضاً - الوليد بن مسلم، وهو معروف بتدليس التسوية، وقد عنعنه.
وفيه - أيضاً - معاوية بن يحيى، قال ابن معين: (ليس بشيء)، وقال ابن عدي: (عامة رواياته فيها نظر)، وقال ابن حبان: (منكر الحديث جدّاً، كان يشتري الكتب ويحدث بها، ثم تغير حفظه .. ) (١)، وقال الحافظ في «التقريب»: (ما حدث بالشام أحسن مما حدث بالرَّي).
وقد أخرج الترمذي الحديث موقوفاً على أبي هريرة ﵁ (٢٠١)، من
стр. 711
طريق ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب قال: قال أبو هريرة: (لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ)، وقال الترمذي: (هذا أصح من الحديث الأول).
لكنه منقطع، كما تقدم، وعليه فالحديث لا يصح لا مرفوعاً ولا موقوفاً.
الوجه الثاني: ظاهر الحديث اشتراط الطهارة للأذان، ولكن هذا لا يتم؛ لأن الحديث ضعيف، فلو أذن على غير طهارة صح أذانه، ولكن تستحب الطهارة للأذان؛ لأنه عبادة وذكر لله تعالى، فينبغي الإتيان به على طهارة، وقد ورد في حديث المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طُهر» أو قال: «على طهارة» (١).
وهذا - كما قال النووي ـ: (أصح ما يحتج به على شرعية الطهارة للأذان) (٢)؛ لأنه ذكر لله تعالى وثناء عليه، ولأن عدم الطهارة يحوج المؤذن للخروج من المسجد، وقد يشغله شاغل فيأتي الإمام وهو لم يتوضأ، والإقامة من باب أولى، فتسن لها الطهارة، لقربها من الدخول في الصلاة، ولو أقام وهو على غير طهارة صح، لكن إن كان طاهراً فهو أفضل حتى يتمكن من الدخول مع الإمام من أول الصلاة.
أما أذان الجنب فمن أهل العلم من قال: لا يصح أذان الجنب، لهذا الحديث.
والقول الثاني: أنه يصح أذان الجنب، ونسبه ابن قدامة إلى أكثر أهل العلم (٣)، قالوا: لأن الجنابة أحد الحدثين، فلم تمنع صحة الأذان، كالحدث
стр. 712
الأصغر، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه يكره الأذان للجنب (١)، وجاء في «الاختيارات» أن أكثر الروايات عن الإمام أحمد المنع من أذان الجنب، وعنه في الإعادة روايتان (٢)، واختار الخرقي في «مختصره» الإعادة (٣).
هذا إذا لم تكن المنارة في المسجد، فإن كانت في المسجد فقد تقدم في «الطهارة» حكم دخول الجنب المسجد، والله تعالى أعلم.
стр. 713
الحكم إذا أذن رجل وأقام آخر
١٩٩/ ٢٢ - وَلَهُ: عَنْ زِيَادِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» وَضَعَّفَهُ أيضاً.
٢٠٠/ ٢٣ - وَلأبي دَاوُدَ: في حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنا رَأَيْتُهُ - يَعْنِي: الأذَان - وأنَا كُنْتُ أُريدُهُ. قَالَ: «فَأَقِمْ أَنْتَ» وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيضاً.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو زياد بن الحارث الصُّدائي - بضم الصاد، نسبة إلى صُداء: اسم قبيلة في اليمن - حليف بني الحارث بن كعب، نزل مصر، بايع النبي ﷺ ، وأذن بين يديه، له حديث طويل في قصة إسلامه (١)، جاء فيه قول النبي ﷺ له: (إنك مطاع في قومك يا أخا صُداء) وجاءت فيه اللفظة المذكورة في هذا الباب، ومدار هذه القصة على عبد الرحمن بن زياد (٢).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث زياد ﵁: فقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصلاة»، باب «ما جاء أن من أذن فهو يقيم» (١٩٩)، وأبو داود (٥١٤)، وابن ماجه (٧١٧)، وأحمد (٢٩/ ٧٩، ٨٠)، والبيهقي (١/ ٣٩٩)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زياد - يعني الأفريقي - أنه سمع زياد بن نُعيم الحضرمي، أنه
стр. 714
سمع زياد بن الحارث الصدائي قال: قال رسول الله ﷺ : «أذن يا أخا صُداء»، قال: فأذنت، وذلك حين أضاء الفجر، قال: فلما توضأ رسول الله ﷺ قام إلى الصلاة، فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله ﷺ : «يقيم أخو صُداء، فإن من أذن فهو يقيم».
والحديث ضعفه الترمذي؛ لأن في إسناده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث، قال الحافظ في «التقريب»: (ضعيف في حفظه .. ) وقد تقدم الكلام عليه عند الحديث (١٧٥).
أما حديث عبد الله بن زيد: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» بابٌ «في الرجل يؤذن ويقيم اخر» (٥١٢)، وأحمد (٢٦/ ٣٩٧)، من طريق أبي سهل محمد بن عمرو، عن عبد الله بن محمد (١) عن عمه عبد الله بن زيد قال: أراد النبي ﷺ في الأذان أشياء (٢) لم يصنع منها شيئاً، قال: فأُري عبد الله بن زيد الأذان في المنام، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: «ألقه على بلال» فألقاه عليه، فأذن بلال، فقال عبد الله: أنا رأيته، وأنا كنت أريده، فقال: «فأقم أنت»، وعند أحمد: (فأقام هو، وأذن بلال).
وهذا إسناد ضعيف، والحديث صحيح بغير هذا اللفظ - كما تقدم - وسبب ضعف هذا الإسناد: محمد بن عمرو الواقفي، وهو أبو سهل، كما وقع في «مسند أحمد»، ووُصِفَ بالواقفي عند أبي داود الطيالسي في «مسنده» (٢/ ٤٢٥)، والبيهقي (١/ ٤٩٩).
ومحمد هذا ضعيف، فقد ضعفه ابن معين، وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه: فضعفه جداً، وقال ابن القطان: (محمد بن عمرو ضعيف لا يساوي شيئاً) (٣)، وقال ابن عبد الهادي: (أبو سهل محمد بن عمرو، وهو
стр. 715
الأنصاري، وهو ضعيف، تكلم فيه يحيى بن معين وغيره) (١).
الوجه الثالث: حديث زياد بن الحارث يدل على أن الإقامة حق لمن أذن، فلا يصح من غيره أن يتولاها، ولكن الحديث ضعيف كما علمت، فلا ينهض دليلاً على المنع، فيجوز أن يؤذن شخص ويقيم اخر، كما يدل عليه حديث عبد الله بن زيد، وهو وإن كان ضعيفاً - كما تقدم - لكنه يقوي الأصل، وهو جواز كون المقيم غير المؤذن، كما ذكر الصنعاني (٢)، وكأنه رأى أن الإقامة عبادة مستقلة عن الأذان، فجاز أن يقعا من اثنين، فإن تولاهما شخص واحد فهو أفضل، لأجل ان يلاحظ الإقامة كما يلاحظ الأذان، حتى لا يقع تفريط في الإقامة فيختل الأمر.
والظاهر أن هذا هو فعل بلال وأبي محذورة ﵄، على أن حديث الصدائي أقوم إسناداً من حديث عبد الله بن زيد، ثم إن حديث عبد الله بن زيد كان في السنة الأولى، وحديث الصدائي بعده بلا شك، والأخذ باخر الأمرين أولى، ثم إن حديث عبد الله بن زيد خاص به من أجل الرؤيا، وحديث الصدائي عام، والله أعلم.
стр. 716
الأذان موكول إلى المؤذن والإقامة إلى الإمام
٢٠١/ ٢٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالأَذَانِ، وَالإمَامُ أَملَكُ بِالإقَامَةِ». رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ.
٢٠٢/ ٢٥ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ نحْوُهُ: عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي هريرة ﵁: فقد أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٢) في ترجمة شريك القاضي، من طريق يحيى بن إسحاق، ثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين».
قال ابن عدي: (وهذا اللفظ لا يروى إلا عن شريك، من رواية يحيى بن إسحاق عنه، وإنما رواه الناس عن الأعمش بلفظ اخر، وهو قوله: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين») (١).
وهذا الحديث أخرجه الترمذي (٢٠٧)، وأبو داود (١/ ١٤٣)، وأحمد (١٢/ ٨٩)، وهو حديث صحيح.
أما حديث الباب فهو حديث ضعيف من أجل شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ، وقد تفرد به، ولذا قال البيهقي (٢/ ١٩): (إن الحديث ليس بمحفوظ)، ولكن يؤيد الحديث ما ورد عن علي ﵁، ويؤيد الحديثين عمل النبي ﷺ ، كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 717
وأما أثر علي ﵁: فقد أخرجه البيهقي (٢/ ١٩) من طريق محمد بن غالب، أنبأ أبو عمرو الحوضي، وعمرو بن مرزوق، ومسلم بن إبراهيم قالوا: أنبأنا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: (المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة) فهو بلفظ المرفوع تماماً، وليس كما قال الحافظ، إلا إن كان يقصد الزيادة التي في اخره، وهي قوله: (اللهم أرشد الأئمة … ).
وهذا الأثر إسناده قوي، ورجاله ثقات، ومحمد بن غالب الملقب بـ (تمتام) وثقه الدارقطني، وقال: (وهم في بعض الأحاديث)، قال الذهبي: (حافظ مكثر عن أصحاب شعبة) (١).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه
قوله: (المؤذن أملك بالأذان) أي: إن أمره موكول إليه، فكأنه مالك له، لأنه أمين على الوقت.
قوله: (والإمام أملك بالإقامة) أي: إن أمرها موكول إليه، فكأنه مالك لها؛ لأن الصلاة لا تقام إلا بأمره.
قوله: (اللهم أرشد الأئمة) أي: وفقهم للعمل بما تكفلوا به والخروج من عهدته.
قوله: (واغفر للمؤذنين) أي: تجاوز عما عساه يقع منهم من التقصير في الأمانة التي تحملوها بسبب تقدم أو تأخر، ونحو ذلك.
قوله: (الإمام ضامن .. )، الضامن بمعنى: الحافظ والراعي، والضمان بمعنى: الحفظ والرعاية، فالإمام يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم، والمؤذن مؤتمن: أي: أمين الناس على صلاتهم وصيامهم.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المؤذن أملك بالأذان، بمعنى: أن ابتداء الأذان موكول إليه؛ لأنه أمين على الوقت، فمراقبته منوطة به.
стр. 718
والإمام أملك بالإقامة، بمعنى: أنه أحق بها، فلا يقيم المؤذن إلا بإشارته، فالأمر موكول إليه، فهو الذي يتحرى وقت الإقامة، وينظر في حال الجماعة، فيقدم إن رأى التقديم، ويؤخر إن رأى التأخير، مراعاةً للمصلحة الشرعية في ذلك.
والعمدة في ذلك فعل النبي ﷺ ، فإنه هو الذي كان يأمر بالإقامة ويأذن فيها، وبلال وغيره هو المسؤول عن الأذان.
وقد روى جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان بلال يؤذن إذا دحضت - يعني الشمس - فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه) (١).
وفي حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر، قام فركع ركعتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة (٢).
وقد ورد عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (٣)، وظاهر هذا أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ﷺ ، والحق أنه لا معارضة بينهما، ووجه الجمع أن بلالاً يراقب وقت خروج النبي ﷺ ، فإذا راه شرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا إلى الصلاة، والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في وقت قيام الناس إلى الصلاة، وأحسن ما قيل في ذلك ما ورد عن الإمام مالك أنه قال: (وأما قيام الناس حين تقام الصلاة فإني لم أسمع في ذلك بحدٍّ يقام له، إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد) (٤)، والله تعالى أعلم.
стр. 719
استحباب الدعاء بين الأذان والإقامة
٢٠٣/ ٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٦٧)، وهو في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٢)، وابن خزيمة (٦٧)، من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة»، وعند ابن خزيمة في رواية: « .. فادعوا»، وأخرجه أحمد (٢٠/ ٤١) بهذه الزيادة بهذا الإسناد، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، قال ابن القطان: (هذا إسناد جيد، وبُريد ثقة، فاعلمه) (١).
والحديث أخرجه أبو داود (٥٢١)، والترمذي (٢١٢)، والنسائي (٦٨)، وأحمد (١٩/ ٢٣٤)، والبيهقي (١/ ٤١٠)، والبغوي في «شرح السنة» (٢/ ٢٨٩)، من طريق سفيان الثوري، عن زيد العمِّيِّ، عن أبي إياس - يعني معاوية بن قُرَّةَ - عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً.
وهذا الإسناد ضعيف، لضعف زيد بن الحوَاري العمِّيِّ - بكسر الميم مشددة - قال أبو زرعة فيه: (واهي الحديث، كان شعبة لا يحمد حفظه)، وقال ابن معين: (لا شيء)، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه، ولا يحتج به) وقال الإمام أحمد: (صالح) (٢)، لكن إن كان ضعفه من سوء حفظه فإن مجيء
стр. 720
الحديث من طرق أخرى - ومنها ما تقدم - يدل على أنه قد حفظ الحديث.
فيكون الحديث من قبيل الحسن لغيره؛ لأن له طرقاً أخرى، ولذا قال الترمذي: (حديث حسن)، وفي طبعة أحمد شاكر: (حسن صحيح) (١)، وهذا فيه نظر؛ فإن هذه الزيادة لم ترد في نسخ أخرى، وقد وضعها أحمد شاكر بين معقوفتين، قال ابن حجر: (وهذا حديث حسن، وهو غريب من هذا الوجه، وسكت عليه أبو داود، إما لحسن رأيه في زيد العمِّي، وإما لشهرته في الضعف، وإما لكونه في فضائل الأعمال، وضعفه النسائي، وأما الترمذي فقال: هذا حديث حسن … ، وقد نقل المصنف - يعني النووي - أن الترمذي صححه، ولم أر ذلك في شيء من النسخ التي وقفت عليها … ، ويبعد أن الترمذي يصححه مع تفرد زيد العمِّي به، وقد ضعفوه) (٢). اهـ. ببعض تصرف.
وقد أخرجه الترمذي - أيضاً - في كتاب «الدعوات» (٣٥٩٤)، من طريق يحيى بن اليمان، عن سفيان به. ولفظه: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة»، قال: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: «سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة»، وقال الترمذي: (حديث حسن، وقد زاد يحيى بن اليمان في هذا الحديث هذا الحرف .. ).
وقد تعقبه الألباني فقال: (كلاَّ، بل هو ضعيف منكر بهذه الزيادة، تفرد بها ابن اليمان، وهو ضعيف لسوء حفظه، أما الحديث فصحيح بدونها) (٣)، والحق أنه لا داعي لهذا التعقب، لأن الترمذي حسن الحديث، ثم قال: وقد زاد يحيى … فأشار إلى الزيادة.
ولعل الحافظ اقتصر على إسناد النسائي وابن خزيمة؛ لأن سندهما أصح، ولم يذكر أبا داود والترمذي، لما تقدم في سندهما من الكلام في زيد العمّي، وهذا من دقته ﵀.
الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الدعاء بين الأذان والإقامة وأن
стр. 721
المسلم مأمور بذلك لقوله: «فادعوا» كما تقدم في بعض الروايات، فيستحب الدعاء والإكثار منه في هذا الوقت؛ لأن صاحبه حري بالإجابة، فإن من أُلهم الدعاء فقد أُريد به الإجابة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وهذا كله من كرم الله تعالى وفضله على عباده.
فينبغي للمسلم أن يبادر إلى حضور الصلاة، فإن المتقدم إلى المسجد يتابع المؤذن، ويدعو بين الأذان والإقامة، وفي ذلك ثواب عظيم، بخلاف المتأخر فقد لا يتابع المؤذن، ولا يدعو بين الأذان والإقامة، لغفلته أو لانشغاله، أو لغير ذلك من الصوارف، فيفوته بذلك خير كثير، والله المستعان.
стр. 722
استحباب الدعاء بطلب الوسيلة للنبي ﷺ بعد الأذان
٢٠٤/ ٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ القَائِمَةِ، اتِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب: «ما جاء في الدعاء عند الأذان»، (٥٢٩)، والترمذي (٢١١)، والنسائي (٢/ ٢٦)، وابن ماجه (٧٢٢)، من طريق علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ .. فذكره.
والحديث رواه عن علي بن عياش اثنا عشر نفساً منهم البخاري، وأحمد، وأبو داود، واخرون، رووه من طريقه، وإلا فهو سند فرد في طبقاته الأربع، والحديث أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «الدعاء عند النداء» (١)، والحافظ مع حفظه واطلاعه غاب عن ذهنه أنه في البخاري بهذا الإسناد في الباب المذكور (٦١٤)، فعزاه إلى أصحاب السنن فقط، لكن وقع في هذا الحديث زيادات، وأهمها اثنتان:
الأولى: زيادة «والدرجة الرفيعة»، وهي عند ابن السني في «عمل اليوم
стр. 723
والليلة» برقم (٩٥) وهي مدرجة من بعض النساخ؛ لأنه روى الحديث من طريق النسائي بالإسناد المتقدم، وهي ليست عند النسائي، ولا عند غيره، قال الحافظ: (وليس في شيء من طرقه ذكر الدرجة الرفيعة) (١).
الثانية: زيادة «إنك لا تخلف الميعاد» في اخر الحديث، وهي زيادة شاذة وقعت عند البيهقي (١/ ٤١٠)، من طريق محمد بن عوف بن سفيان الطائي، حدثنا علي بن عياش .. وقد انفرد بها ابن عوف عن بقية الرواة عن ابن عياش، وهم أحد عشر نفساً كما تقدم، وقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (ثقة حافظ)، والحكم عليها بالشذوذ مبني على أن الشاذ مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه (٢).
واعلم أن هذا الحديث يوجد في بعض نسخ «بلوغ المرام» ومنها التي عليها شرح المغربي (٣)، وسقط من شرح الصنعاني «سبل السلام» وإثباته في غاية المناسبة، وهو مثبت في «الإلمام» لابن دقيق العيد، و «المحرر» لابن عبد الهادي، وهذه الكتب الثلاثة بينها تشابه كما مرَّ في «المقدمة».
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من قال حين يسمع النداء) أي: الأذان، فاللام للعهد الذهني، وظاهر هذا أنه يقول هذا الذكر حال سماع الأذان، ويحتمل أن المراد من النداء إتمام الأذان، إذ المطلق يحمل على الكامل، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن العاص الاتي: «قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، ثم سلوا الله لي الوسيلة .. ».
قوله: (اللهم) أي: يا الله، فالميم عوض عن حرف النداء، ولا يجوز الجمع بينهما.
قوله: (ربَّ هذه الدعوة التامة) ربَّ: بالنصب على النداء، ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: أنت ربُّ هذه الدعوة.
стр. 724
والدعوة: بفتح الدال، يراد بها ألفاظ الأذان، ووصفت بالتامة؛ لأنها ذكرٌ لله تعالى وتعظيم له وشهادة بالوحدانية والرسالة ودعوة إلى الخير، يُدعى بها إلى عبادة الله تعالى، ولذا يهرب الشيطان عند سماعها دون غيرها من بقية العبادات، فهي دعوة تامة.
قوله: (والصلاة القائمة)، إما أن المراد بالقائمة: التي ستقام الان، أو أن المراد بها: الدائمة التي لا يغيرها ملة ولا ينسخها شريعة.
قوله: (ات محمداً الوسيلة) الوسيلة: ما يُتقرب به إلى الغير، يقال: وَسَلَ فلان إلى ربه وسيلة، وتوسل إليه بوسيلة، إذا تقرب إليه بعمل من الأعمال الصالحة.
والمراد بها في هذا الحديث: منزلة في الجنة، كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الآتي، وسميت درجة النبي ﷺ الوسيلة: لأنها أقرب الدرجات إلى عرش الرحمن، وهي أقرب الدرجات إلى الله تعالى، وأصل اشتقاق الوسيلة من القرب، كما مضى.
قوله: (والفضيلة) معطوفة على الوسيلة، وهي مرتبة زائدة على سائر الخلق، وبعض الناس يزيد فيها: (والدرجة الرفيعة) - كما تقدم - وهذا غلط، لأنها زيادة لا أصل لها، فإن الوسيلة هي الدرجة الرفيعة.
قوله: (وابعثه مقاماً محموداً) أي: المقام المحمود الذي يحمده القائم فيه، وكل من راه وعرفه، و (مقاماً) منصوب على الظرفية، أي ابعثه يوم القيامة فأقمه مقاماً محموداً، أو ضُمِّنَ (ابعثه) معنى (أقمه).
قوله: (الذي وعدته) إما بدل أو عطف بيان، وإما صفة لـ (مقام)، ورجحه ابن القيم (١) لأن مقاماً وإن كان نكرة لكنه لما تعين وانحصر نوعه في شخصه جرى مجرى المعرفة، فوصف بما توصف به المعارف، كالاسم الموصول ونحوه.
стр. 725
والمراد هنا: الشفاعة العظمى في فصل القضاء، حيث يحمده فيه الأولون والآخرون.
وقد وقع عند ابن خزيمة (٤٢٠) وغيره بهذا الإسناد: «وابعثه المقام المحمود .. » معرفاً بأل، وذكر ابن القيم أن التنكير هو الصحيح لوجوه خمسة:
١ - موافقته للفظ القران.
٢ - اتفاق أكثر الرواة عليه.
٣ - أن فيه معنى التعظيم.
٤ - أن دخول اللام يعيِّنه ويخصه بمقام معين.
٥ - أن النبي ﷺ كان يحافظ على ألفاظ القران تقديماً وتأخيراً، وتعريفاً وتنكيراً، كما يحافظ على معانيه (١).
قوله: (حلت له شفاعتي) أي: وجبت له وحصلت واستحق الشفاعة، فهي ثابتة لا بد منها بهذا الوعد الصادق، أو بمعنى: نزلت ووقعت، فتكون اللام بمعنى (على) يقال: حَلَّ يَحِلُّ ويَحُلُّ بالكسر والضم: إذا نزل، وحَلَّ يَحِلُّ: خلاف حرم، ويؤيده رواية مسلم (حلت عليه) ووقع عند الطحاوي من حديث ابن مسعود «وجبت له» (٢)، والشفاعة: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
والمراد بالشفاعة: إما الشفاعة العظمى، أو غيرها من الشفاعات الأخرى، كالشفاعة بإدخال الجنة بغير حساب.
الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هذا الدعاء بعد الأذان؛ لأنه دعاء عظيم جالب للخير الكثير واستحقاق الشفاعة، ووجه تخصيص النبي ﷺ به أنه ﷺ أكمل الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وأرشدها إلى طريق العبادة، وأبواب السعادة، ومن ذلك الصلاة، فاستحق أن تخصه بالدعاء له بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود، وهذا دعاء من المفضول للفاضل، ليرتفع ذكره بكون أمته إلى يوم القيامة تدعو له بهذا الدعاء.
стр. 726
قال ابن القيم: (ولما كان رسول الله ﷺ أعظم الخلق عبودية لربه، وأعلمهم به، وأشدهم له خشية، وأعظمهم له محبة كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله، وهي أعلى درجة في الجنة، وأمر النبي ﷺ أمته أن يسألوها له، لينالوا بهذا الدعاء زلفى من الله وزيادة الإيمان.
وأيضاً فإن الله تعالى قدرها له بأسباب، منها دعاء أمته له بها بما نالوه على يده من الإيمان والهدى صلوات الله وسلامه عليه) (١).
وقد ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإن من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٢).
فهذا الحديث يدل على أن السنة أن يصلي على النبي ﷺ قبل هذا الدعاء، فإذا فرغ من إجابة المؤذن وقال: لا إله إلا الله، قال: اللهم صل وسلم على رسول الله، اللهم رب هذه الدعوة التامة .. إلخ، وهذا مما لا يعرفه أو يغفل عنه كثير من الناس.
ولو ساق المؤلف هذا الحديث هنا لكان أولى؛ لما فيه من هذه الفائدة العظيمة، ولعله تركه خشية أن تكثر أحاديث الباب.
وقد ذكر ابن القيم أن في إجابة المؤذن خمس سنن:
١ - إجابة المؤذن.
٢ - الصلاة على النبي ﷺ .
٣ - سؤال الله تعالى لرسوله الوسيلة والفضيلة.
٤ - قوله: رضيت بالله ربّاً …
٥ - أن يدعو الله تعالى بما أحب، كما تقدم (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 727
باب شروط الصلاة
الشروط: لغة: جمع شرط، بسكون الراء، بمعنى العلامة في لغة، وهو يجمع على شروط وشرائط، ومنه: شَرْطُ الحجَّام؛ لأن ذلك علامة وأثر، والشَّرَط: - بالتحريك - العلامة، ويجمع على أشراط، قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (١).
وأما الشرط في الاصطلاح: فهو ما يتوقف وجود الشيء على وجوده، ويلزم من عدمه العدمُ، ولا يلزم من وجوده وجودُ الشيء.
والمراد بوجود الشيء: وجوده الشرعي، الذي تترتب عليه آثاره الشرعية، فالطهارة شرط لصحة الصلاة، يتوقف عليها وجود الصلاة شرعاً، وتبرأ بها الذمة، ويلزم من عدمها عدم الصلاة، لكن لا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة، فقد توجد الطهارة ولا تصح الصلاة لفقد شرط آخر، كستر العورة - مثلاً ـ.
ويتفق الشرط والركن في أن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الشيء وجوداً شرعياً، ويختلفان في أن الشرط أمر خارج عن حقيقة الشيء وماهيته، أما الركن فهو جزء منه، كالركوع في الصلاة فهو ركن فيها؛ لأنه جزء من حقيقتها، ولا يتحقق وجود الصلاة شرعاً بدونه، بخلاف الوضوء فإنه وإن كان لا بد منه لصحة الصلاة، لكنه أمر خارج عن حقيقتها (٢).
وقد ذكر المصنف في هذا الباب أحاديث تتعلق بأربعة من شروط
стр. 728
الصلاة، وهي: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، واجتناب النجاسة.
وأما الوقت فقد عقد له المصنف فيما مضى باباً مستقلاً، وإنما قدمه؛ لأنه سبب للوجوب، وشرط للأداء - كما تقدم - ثم ذكر بعده باب «الأذان» لأنه لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، ثم ذكر باب «الشروط»، وذكر فيه إضافة إلى ما تقدم أحاديث تتعلق ببعض مبطلات الصلاة، ومنها: الكلام والحركة.
стр. 729
اشتراط الطهارة لصحة الصلاة
٢٠٥/ ١ - وعَنْ عَليِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصلاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصلاةَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حبَّان.
٢٠٦/ ٢ - وعَن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ أَصابَهُ قَيْءٌ، أو رُعافٌ، أو مَذْيٌ، فلينصَرِفْ، فَليتوضَّأْ، ثم ليَبْنِ على صَلاتِهِ، وهُو في ذلك لا يتكَلَّمُ». رواه ابنُ ماجه، وضعَّفه أحمد.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو علي بن طلق الحنفي السُّحيمي اليمامي، قال ابن حبان: (له صحبة) (١)، وقال ابن عبد البر: (أظنه والد طلق بن علي الحنفي اليمامي)، قال الحافظ: (وهو ظن قوي؛ لأن النسب الذي ذكره خليفة - هنا - هو النسب المتقدم في ترجمة طلق بن علي، من غير مخالفة، وجزم به العسكري) (٢).
وقد نقل الترمذي عن البخاري أنه قال: (لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد، ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي السُّحيمي)، قال الترمذي: (وكأنه رأى أن هذا رجل آخر من أصحاب النبي ﷺ (٣).
стр. 730
وقد نقل الحافظ عبارة الترمذي في «تهذيبه»، وقال المباركفوري: (وهو الظاهر عندي، والله أعلم) (١).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث علي بن طلق: فقد أخرجه أبو داود في «الطهارة» باب «من يحدث في الصلاة» (٢٠٥)، والترمذي (١١٦٤)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣٢٤)، وأحمد (٢/ ٨٢) وقد جعله من مسند علي بن أبي طالب ﵁ وهو خطأ نبه عليه ابن عساكر (٢)، وابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٣) [البقرة: ٢٢٣].
وهذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي وغيره زيادة: «ولا تأتوا النساء في أعجازهن، فإن الله لا يستحي من الحق»، وأما عزوه لابن ماجه فهو وهم من الحافظ ﵀.
وهذا الحديث جاء عند أصحاب السنن الثلاثة من طريق عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلاَّم، عن علي بن طلق الحنفي، قال: قال رسول الله ﷺ …
وقال الترمذي: (حديث حسن)، ونقل الحافظ تصحيحه عن ابن حبان (٦/ ٨).
وهذا إسناد ضعيف، فإن مسلم بن سلاَّم لم يرو عنه غير عيسى بن حطان، ولم يوثقه غير ابن حبان، فقد ذكره في «الثقات» وذكر هذا الحديث بإسناده ومتنه (٤).
ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه قال: (هذا حديث لا يصح، فإن مسلم بن سلام الحنفي أبا عبد الملك مجهول الحال) (٥).
стр. 731
وعيسى بن حِطَّان قال عنه في «التقريب»: (مقبول) أي: حيث توبع، وقد تابعه وكيع، عند الترمذي (١١٦٦)، وأحمد (٢/ ٨٢) فرواه عن مسلم بن سلاَّم.
وأما الجملة الأخيرة في الحديث: «ولا تأتوا النساء في أعجازهن» فهي صحيحة بشواهدها، ولها ذكر في باب «عشرة النساء» من كتاب «النكاح» - إن شاء الله تعالى - حيث ذكر الحافظ هناك حديث أبي هريرة ﵁.
وأما حديث عائشة ﵂: فقد تقدم تخريجه والكلام عليه في باب «نواقض الوضوء» رقم (٧٤)، وهو يوجد في بعض نسخ «البلوغ» دون بعض، ولهذا لا يوجد في نسخ الشرح وهما: شرح المغربي والصنعاني.
وقد ورد في الباب - أعني اشتراط الطهارة للصلاة - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ»، قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُساءٌ أو ضراط. وفي لفظ: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (١).
وفي حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقبل صلاة بغير طهور … » (٢).
وهذان الحديثان وما جاء في معناهما من أدلة اشتراط الطهارة لصحة الصلاة، وقد صَدَّرَ البخاري ﵀ كتاب «الوضوء» من «صحيحه» بحديث أبي هريرة ﵁ بعد آية الوضوء، ولو ذكرهما المصنف هنا كما فعل ابن دقيق العيد في «الإلمام» حيث بدأ باب «شروط الصلاة» بحديث أبي هريرة لكان أولى وأنسب من اقتصاره على حديث علي بن طلق؛ لأن هذين الحديثين أصح منه وأشهر وأظهر، وقد يقال: إنه عدل عنهما لظهورهما ومعرفة الطالب بهما، بخلاف حديث علي بن طلق فقد يجهله كثير من الطلبة فلذا اقتصر عليه، والله أعلم.
стр. 732
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الفُساء يبطل الطهارة ويبطل الصلاة، وهذا أمر مجمع عليه، قال ابن المنذر: (اتفق علماء الأمة أن الصلاة لا تجزي إلا بطهارة، إذا وجد السبيل إليها) وقال: (أجمع أهل العلم على أن خروج الريح من الدبر حدث ينقض الوضوء) (١).
والفُساء: بضم الفاء، ريح يخرج من الدبر بلا صوت يسمع، فإن كان معه صوت فهو ضُراط.
وقد تقدم في حديث أبي هريرة ﵁ أنه فسر الحدث المفسد للصلاة بالفساء أو الضراط، وهذا تفسير للحَدَثِ بنوع منه؛ لأن الحدث أعم من ذلك، وكأنّ أبا هريرة فسره بالأخص تنبيهاً بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، وإذا فسدت الصلاة وجب الخروج منها وإعادتها من أولها، لبطلانها بالحدث، وهذا قول الجمهور، وحكى ابن الملقن عن مالك والشافعي في القديم أنه يتوضأ ويبني على صلاته، ثم ضعفه (٢).
وأما حديث عائشة المتقدم في «نواقض الوضوء» والذي أعاده المؤلف هنا وفيه: «فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته … »، فهو حديث ضعيف من أفراد ابن ماجه عن بقية الستة، وحديث علي هذا ضعيف - أيضاً - فَيُرجع إلى أدلة أخرى تفيد بطلان الطهارة والصلاة وعدم البناء على ما مضى، ويمكن أن يستدل على ذلك بالحديث المتقدم «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، فإنه يفيد أن صلاة المحدث لا تقبل، وهذا يعم ما قبل الصلاة من الحدث اختياراً وما حصل في أثنائها اضطراراً؛ لأنه ﷺ لم يفرق بين حدث وحدث (٣)، وقد يقدم حديث عليٍّ ﵁ على حديث عائشة ﵂ بكون أصحاب السنن - عدا ابن ماجه - أخرجوه، ولأنه صححه ابن حبان، بخلاف حديث عائشة فليس فيه شيء من ذلك.
стр. 733
وأما الاستمرار في الصلاة وإتمامها ولو صورياً مع حصول الحدث، فهذا أمر محرم؛ لأن صلاته بلا وضوء استهزاء بالدين وتلاعب بالشريعة، يقول ابن تيمية: (من صلّى بغير طهارة شرعية مستحلًّا لذلك فهو كافر، ولو لم يستحل ذلك فقد اختلف في كفره، وهو مستحق للعقوبة الغليظة … وإن كان لعجز فيصلي على حسب حاله) (١).
وجميع الأحداث الناقضة للوضوء حكمها حكم خروج الريح في بطلان الطهارة، ووجوب استئناف الصلاة، والله تعالى أعلم.
стр. 734
المرأة البالغة لا تصلي إلا بخمار
٢٠٧/ ٣ - وعنها، عَنْ النَّبيِّ ﷺ قال: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إلاَّ بِخِمَارٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلاَّ النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «المرأة تصلي بغير خمار» (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وأحمد (٤٢/ ٨٧)، وابن خزيمة (٧٧٥) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة ﵂ مرفوعاً.
قال الترمذي: (حديث عائشة حديث حسن) وقال الحاكم (١/ ٢٥١): (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأظن أنه لخلاف فيه على قتادة).
وصفية بنت الحارث قال عنها في «التقريب»: (صفية بنت الحارث بن طلحة العبدرية صحابية، لها عن عائشة، وذكرها ابن حبان في التابعين).
وقد أخرجه الحاكم (١/ ٢٥١) وعنه البيهقي (٢/ ٢٣٣) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ سعيد - يعني ابن أبي عروبة - عن قتادة، عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: فذكره … مرسلاً.
وهذا المرسل علقه أبو داود بعد روايته المتصلة، كأنه يُعِلِّهُ به! ويرى بعض العلماء، ومنهم الألباني أن هذا ليس بعلة، فإن حماد بن سلمة ثقة، والرواية المرسلة تؤيد المتصلة، وهي من طريق آخر، فهو عن قتادة عن
стр. 735
شيخين، عن ابن سيرين متصلاً، وعن الحسن مرسلاً (١).
ورجح آخرون من أئمة الحديث الإرسال، منهم أبو داود في ظاهر صنيعه - كما تقدم - ولعل وجه هذا الترجيح للإرسال أنه من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وسعيد من أثبت الناس في قتادة، وقد توبع قتادة على هذه الرواية المرسلة؛ تابعه عمرو، عن الحسن، عند عبد الرزاق (٣/ ١٣٠)، وهذا هو الأقرب، فإن الحديث مداره على قتادة، ومن صححه لا يداني من أعلَّه.
وقد أخرجه أحمد (٤١/ ١٨٩)، وأبو داود (٦٤٢)، وابن حزم في «الإحكام» (٥/ ٦٨٧) من طريق حماد بن زيد قال: ثنا أيوب، عن محمد، أن عائشة نزلت على صفية أمِّ طلحة الطلحات، فرأت بنات لها يصلين بغير خُمُر قد حِضْنَ، قال: فقالت عائشة: لا تصلينَّ جارية منهن إلا في خمار، إن رسول الله ﷺ دخل عليَّ، وكانت في حجري جارية، فألقى عليَّ حَقْوه (٢)، فقال: (شقيه بين هذه، وبين الفتاة التي في حجر أم سلمة، فإني لا أراها إلا قد حاضت، أو لا أراهما إلا قد حاضتا).
وهذا لفظ أحمد، وأخرجه أحمد - أيضاً - (٤٣/ ١٤٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٩) من طريق هشام بن حسان، عن محمد أن عائشة … به.
لكن أُعلَّ بأن محمد بن سيرين في سماعه من عائشة مقال، فقد قال ابن أبي حاتم: (سمعت أبي يقول: ابن سيرين لم يسمع من عائشة شيئاً) (٣)، وقد رجح الدارقطني ذلك فقال: (وقول أيوب وهشام أشبه بالصواب) (٤) وعلى هذا فليس في الحديث حجة، ويكون المعوَّل على الإجماع (٥).
стр. 736
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا يقبل الله … )، اعلم أن نفي القبول إما أن يكون بفوات شرط أو لوجود مانع، أو ليس لذلك، فإن كان لفوات شرط أو وجود مانع فهو نفي للصحة، مثال فوات الشرط: من صلّى بغير وضوء لم يقبل الله صلاته، من صلَّت بغير خمار لم تقبل صلاتها، ومثال وجود مانع: من تكلم في صلاته لم تقبل.
أما إذا كان نفي القبول لا يتعلق بفوات شرط ولا وجود مانع فلا يلزم منه نفي الصحة، فقد يراد به نفي القبول التام، أي: لم تقبل على وجه التمام الذي يحصل به الرضا وتمام المثوبة.
وقد يراد به أن هذه السيئة التي فعلها تقابل تلك الحسنة في الميزان فتكون كأنها غير مقبولة، وإن كانت مجزئة، وتبرأ بها الذمة (١).
ومن ذلك نفي القبول عن صلاة الآبق، ومن في جوفه خمر، ومن يأتي عرَّافاً، مع ثبوت صحة صلاتهم بالإجماع، وإنما المراد أن الله تعالى لا يثيبهم عليها.
قوله: (صلاة حائض) المراد بالحائض، المرأة التي بلغت، وجرى عليها قلم التكليف، وليس المراد: من هي حائض؛ لأن الحائض لا صلاة عليها.
وليس المراد من الحديث البالغة بالحيض فقط، وإنما المراد: البالغة بأي علامة من علامات البلوغ كالاحتلام، وإنما عبر بالحيض لأنه يخص النساء، قال الحافظ ابن حجر: (قد أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام) (٢).
قوله: (إلا بخمار) بكسر الخاء، ما تخمِّر به المرأة رأسها، أي: تغطيه به.
стр. 737
الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن البنت إذا بلغت وجب عليها أن تغطي رأسها في صلاتها، فإن صلت وشيء من شعرها مكشوف لم تصح صلاتها، قال الترمذي ﵀ عقب حديث الباب: (والعمل عليه عند أهل العلم، أن المرأة إذا أدركت فصلَّت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها … ).
ومفهوم الحديث أن البنت التي دون البلوغ تصح صلاتها ولو كان رأسها مكشوفاً؛ لأن عورتها أخف من عورة البالغة.
وأما الوجه فإن المرأة تكشف وجهها في الصلاة، وقد نقل ابن بطال الإجماع على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ويراه الغرباء (١)، وقال ابن المنذر: (أجمع أكثر أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تصلي مكشوفة الوجه) (٢) إلا إذا كان بحضرتها أجانب ليسوا من محارمها، كأخي زوجها وابن عمها فيجب عليها ستره على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأنه عورة في باب النظر، فستره أبعد للفتنة، وأسلم للدين، وأصلح للمسلمين.
وأما الكفَّان - وحدُّهما إلى الرُّسغين - فالجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في إحدى الروايتين على أنه يجوز للمرأة أن تكشف كفيها في الصلاة (٣).
واختار هذه الرواية من الحنابلة الموفق وابن تيمية والمرداوي؛ لأن أمرها بتغطية يديها في الصلاة يحتاج إلى دليل، وإنما هي مأمورة بالخمار مع القميص (٤).
стр. 738
والرواية الثانية في مذهب الحنابلة - وهي الصحيح من المذهب - أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف كفيها في الصلاة، واختارها الأكثر، وجزم بها الخرقي (١)، لعموم قوله ﷺ : «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (٢).
لكن قد ينازع في هذا الاستدلال بأن المرأة عورة إذا صلت بحضرة الأجانب فتغطي كفيها، أما إذا صلت وحدها بحيث لا يراها أحد أو حيث لا يراها إلا محارمها ونساء المسلمين فلا يتأتى هذا الاستدلال، والله أعلم.
وأما القدمان فالجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية أنهما عورة في الصلاة، فلا يجوز كشفهما (٣).
واستدلوا بحديث أم سلمة - الآتي إن شاء الله ـ: «إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها … ».
والقول الثاني: أن القدمين ليسا بعورة، فيجوز كشفهما في الصلاة، وهو قول الحنفية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)؛ لأن الأمر بتغطية القدم يحتاج إلى دليل.
قال صاحب «الإنصاف»: (وهو الصواب) (٥).
وهذه الأحكام إنما هي للحرة، وأما الأمة فعورتها من السرة إلى الركبة على قول الجمهور، إلا ابن حزم فيرى أنها كالحرة، وتفاصيل المسألة في كتب الفقه (٦). والله تعالى أعلم.
стр. 739
جواز الصلاة في ثوب واحد وكيفية لبسه
٢٠٨/ ٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «إن كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعاً فَالْتَحِفْ بِهِ» - يَعْنِي: في الصَّلَاةِ ـ، وَلِمُسْلِمٍ: «فَخَالِفْ بَيْن طَرَفَيهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقاً فَاتَّزِرْ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٢٠٩/ ٥ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيءٌ».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث جابر ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة»، باب «إذا كان الثوب ضيقاً» (٣٦١) قال: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فجئت ليلة لبعض أمري، فوجدته يصلي، وعليَّ ثوب واحد، فاشتملت به وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: «ما السُّرى يا جابر؟»، فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: «ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟»، قلت: كان ثوب - يعني ضاق - قال: «فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به».
وأخرجه مسلم في أواخر «صحيحه» (٣٠١٠) من حديث طويل، قال: حدثنا هارون بن معروف ومحمد بن عباد (وتقاربا في لفظ الحديث، والسياق لهارون) قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت .. فذكر قصة قدومه مع جابر،
стр. 740
وساق جابر حديثاً طويلاً في سفره مع النبي ﷺ وجاء فيه: (فجعل رسول الله ﷺ يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فقال: «هكذا» بيده، يعني: شد وسطك، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: «يا جابر»، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقاً فاشدده على حَقْوِكَ».
وأما حديث أبي هريرة ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إذا صلّى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه» (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦) من طريق أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، وهذا لفظ مسلم، وقد ورد بالتثنية، كما في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (١)، ولما ساقه ابن الأثير (٢) ذكره بلفظ الإفراد، وقال: أخرجه البخاري، وأخرجه مسلم وقال: «على عاتقيه»، إلا أن المثبت في البلوغ «عاتقه» بالإفراد، وهي كذلك في مسلم بشرح القرطبي، ولفظ البخاري: «ليس على عاتقيه شيء»، قال الحافظ: (في رواية: «عاتقِهِ» بالإفراد).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا كان الثوب) الثوب: ما يلبس من إزار أو رداء أو غيرهما، فهو قطعة قماش لم تُفَصَّلْ على قدر البدن، وليس المراد به القميص؛ لأن القميص ثوب ذو أكمام، والقميص يقوم مقام ثوبين؛ لأنه يغطي أعلى البدن وأسفله.
قوله: (فالتحف به) الالتحاف أن يتزر ويرتدي بثوب واحد، يخالف بين طرفيه، ولذا ساق الحافظ رواية مسلم: «فخالف بين طرفيه»، وكأنه أراد أن يبين أن معناهما واحد، وكيفية المخالفة بين طرفيه: أن يلقي طرفه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن، ليستر بذلك صدره، ويكون وسط الثوب على ظهره ليستر أعلى البدن.