← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يقبل الله … )، اعلم أن نفي القبول إما أن يكون بفوات شرط أو لوجود مانع، أو ليس لذلك، فإن كان لفوات شرط أو وجود مانع فهو نفي للصحة، مثال فوات الشرط: من صلّى بغير وضوء لم يقبل الله صلاته، من صلَّت بغير خمار لم تقبل صلاتها، ومثال وجود مانع: من تكلم في صلاته لم تقبل. أما إذا كان نفي القبول لا يتعلق بفوات شرط ولا وجود مانع فلا يلزم منه نفي الصحة، فقد يراد به نفي القبول التام، أي: لم تقبل على وجه التمام الذي يحصل به الرضا وتمام المثوبة. وقد يراد به أن هذه السيئة التي فعلها تقابل تلك الحسنة في الميزان فتكون كأنها غير مقبولة، وإن كانت مجزئة، وتبرأ بها الذمة (١). ومن ذلك نفي القبول عن صلاة الآبق، ومن في جوفه خمر، ومن يأتي عرَّافاً، مع ثبوت صحة صلاتهم بالإجماع، وإنما المراد أن الله تعالى لا يثيبهم عليها. قوله: (صلاة حائض) المراد بالحائض، المرأة التي بلغت، وجرى عليها قلم التكليف، وليس المراد: من هي حائض؛ لأن الحائض لا صلاة عليها. وليس المراد من الحديث البالغة بالحيض فقط، وإنما المراد: البالغة بأي علامة من علامات البلوغ كالاحتلام، وإنما عبر بالحيض لأنه يخص النساء، قال الحافظ ابن حجر: (قد أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام) (٢). قوله: (إلا بخمار) بكسر الخاء، ما تخمِّر به المرأة رأسها، أي: تغطيه به.

стр. 737

الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن البنت إذا بلغت وجب عليها أن تغطي رأسها في صلاتها، فإن صلت وشيء من شعرها مكشوف لم تصح صلاتها، قال الترمذي ﵀ عقب حديث الباب: (والعمل عليه عند أهل العلم، أن المرأة إذا أدركت فصلَّت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها … ). ومفهوم الحديث أن البنت التي دون البلوغ تصح صلاتها ولو كان رأسها مكشوفاً؛ لأن عورتها أخف من عورة البالغة. وأما الوجه فإن المرأة تكشف وجهها في الصلاة، وقد نقل ابن بطال الإجماع على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ويراه الغرباء (١)، وقال ابن المنذر: (أجمع أكثر أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تصلي مكشوفة الوجه) (٢) إلا إذا كان بحضرتها أجانب ليسوا من محارمها، كأخي زوجها وابن عمها فيجب عليها ستره على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأنه عورة في باب النظر، فستره أبعد للفتنة، وأسلم للدين، وأصلح للمسلمين. وأما الكفَّان - وحدُّهما إلى الرُّسغين - فالجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في إحدى الروايتين على أنه يجوز للمرأة أن تكشف كفيها في الصلاة (٣). واختار هذه الرواية من الحنابلة الموفق وابن تيمية والمرداوي؛ لأن أمرها بتغطية يديها في الصلاة يحتاج إلى دليل، وإنما هي مأمورة بالخمار مع القميص (٤).

стр. 738

والرواية الثانية في مذهب الحنابلة - وهي الصحيح من المذهب - أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف كفيها في الصلاة، واختارها الأكثر، وجزم بها الخرقي (١)، لعموم قوله ﷺ : «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (٢). لكن قد ينازع في هذا الاستدلال بأن المرأة عورة إذا صلت بحضرة الأجانب فتغطي كفيها، أما إذا صلت وحدها بحيث لا يراها أحد أو حيث لا يراها إلا محارمها ونساء المسلمين فلا يتأتى هذا الاستدلال، والله أعلم. وأما القدمان فالجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية أنهما عورة في الصلاة، فلا يجوز كشفهما (٣). واستدلوا بحديث أم سلمة - الآتي إن شاء الله ـ: «إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها … ». والقول الثاني: أن القدمين ليسا بعورة، فيجوز كشفهما في الصلاة، وهو قول الحنفية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)؛ لأن الأمر بتغطية القدم يحتاج إلى دليل. قال صاحب «الإنصاف»: (وهو الصواب) (٥). وهذه الأحكام إنما هي للحرة، وأما الأمة فعورتها من السرة إلى الركبة على قول الجمهور، إلا ابن حزم فيرى أنها كالحرة، وتفاصيل المسألة في كتب الفقه (٦). والله تعالى أعلم.

стр. 739

جواز الصلاة في ثوب واحد وكيفية لبسه ٢٠٨/ ٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «إن كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعاً فَالْتَحِفْ بِهِ» - يَعْنِي: في الصَّلَاةِ ـ، وَلِمُسْلِمٍ: «فَخَالِفْ بَيْن طَرَفَيهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقاً فَاتَّزِرْ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٢٠٩/ ٥ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيءٌ». الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث جابر ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة»، باب «إذا كان الثوب ضيقاً» (٣٦١) قال: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فجئت ليلة لبعض أمري، فوجدته يصلي، وعليَّ ثوب واحد، فاشتملت به وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: «ما السُّرى يا جابر؟»، فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: «ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟»، قلت: كان ثوب - يعني ضاق - قال: «فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به». وأخرجه مسلم في أواخر «صحيحه» (٣٠١٠) من حديث طويل، قال: حدثنا هارون بن معروف ومحمد بن عباد (وتقاربا في لفظ الحديث، والسياق لهارون) قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت .. فذكر قصة قدومه مع جابر،

стр. 740

وساق جابر حديثاً طويلاً في سفره مع النبي ﷺ وجاء فيه: (فجعل رسول الله ﷺ يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فقال: «هكذا» بيده، يعني: شد وسطك، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: «يا جابر»، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقاً فاشدده على حَقْوِكَ». وأما حديث أبي هريرة ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إذا صلّى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه» (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦) من طريق أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، وهذا لفظ مسلم، وقد ورد بالتثنية، كما في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (١)، ولما ساقه ابن الأثير (٢) ذكره بلفظ الإفراد، وقال: أخرجه البخاري، وأخرجه مسلم وقال: «على عاتقيه»، إلا أن المثبت في البلوغ «عاتقه» بالإفراد، وهي كذلك في مسلم بشرح القرطبي، ولفظ البخاري: «ليس على عاتقيه شيء»، قال الحافظ: (في رواية: «عاتقِهِ» بالإفراد). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا كان الثوب) الثوب: ما يلبس من إزار أو رداء أو غيرهما، فهو قطعة قماش لم تُفَصَّلْ على قدر البدن، وليس المراد به القميص؛ لأن القميص ثوب ذو أكمام، والقميص يقوم مقام ثوبين؛ لأنه يغطي أعلى البدن وأسفله. قوله: (فالتحف به) الالتحاف أن يتزر ويرتدي بثوب واحد، يخالف بين طرفيه، ولذا ساق الحافظ رواية مسلم: «فخالف بين طرفيه»، وكأنه أراد أن يبين أن معناهما واحد، وكيفية المخالفة بين طرفيه: أن يلقي طرفه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن، ليستر بذلك صدره، ويكون وسط الثوب على ظهره ليستر أعلى البدن.

стр. 741

قوله: (وإن كان ضيقاً فاتزر به) أي: وإن كان الثوب ضيقاً لا يكفي للارتداء والاتزار، فاتزر به فقط، والاتزار: ستر أسفل البدن ما بين السرة والركبة؛ لأن القصد الأصلي ستر العورة، وهو يحصل بالاتزار. قوله: (لا يصلي) قال ابن الأثير: كذا هو في «الصحيحين» بإثبات الياء، ووجهه أن «لا» نافية، وهو خبر عن الحكم الشرعي، أو خبر يراد به النهي، وذكر الحافظ بعد نقله هذا عن ابن الأثير، أنه ورد عند الدارقطني في «غرائب مالك» بلفظ: «لا يصلِّ» بغير ياء (١)، فتكون «لا» ناهية. قوله: (ليس على عاتقه منه شيء) العاتق: ما بين المنكب والعنق وهو موضع الرداء، يذكر ويؤنث، والجمع عواتق، والمنكب: مجتمع رأس العضد والكتف، وقوله: «شيء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء يستر العاتق. الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه إن كان الثوب واسعاً فعلى المصلي أن يلتحف به، فيغطي به من المنكبين إلى ما تحت الركبتين؛ لأنه وجد سترة كاملة. أما إن كان الثوب ضيقاً لا يكفي ستر كل البدن فليستر به العورة الواجب سترها، وهي من السرة إلى الركبة، وهذا يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد. قال ابن رشد: (اتفقوا على أنه يجزئ الرجل من اللباس في الصلاة الثوب الواحد) (٢). الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة، فيستر ذلك بالإزار أو بالسراويل، لقوله: «وإن كان ضيقاً فاتزر به»، فإن كان عنده سعة فالمشروع أن يغطي عاتقيه، وقد اختلف العلماء في حكم ستر العاتقين أو أحدهما على قولين: فالقول الأول: وجوب ستر العاتقين في الصلاة إن كان قادراً، وهو قول

стр. 742

الإمام أحمد وابن المنذر وجماعة من السلف (١)، وهو ظاهر صنيع البخاري (٢)، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (٣). واستدلوا بحديث أبي هريرة هذا، ففيه نهي عن الصلاة في الثوب الواحد ليس على العاتق منه شيء، والنهي يقتضي تحريم الفعل وفساد الصلاة. وعن الإمام أحمد رواية أنه يجوز ترك ستر العاتق في النفل (٤)؛ لأن النفل مبناه على التخفيف، ولذا يسامح فيه بترك القيام والاستقبال في حال سيره، ولأن عادة الإنسان في بيته وخلواته قلة اللباس وتخفيفه، وغالب نفله يقع في بيته. والقول الثاني: لا يجب ستر العاتقين في الصلاة، بل هو مستحب، والواجب ستر العورة، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعزاه النووي للجمهور (٥)، واستدلوا بالنص والقياس. أما النص فهو ما رواه محمد بن المنكدر، قال: (رأيت جابر بن عبد الله يصلي في ثوب واحد، وقال: رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب) (٦). وما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: «أَوَ كُلُّكم يجد ثوبين؟» (٧). قالوا: فجمعاً بين الأخبار تكون صلاته في الثوب الواحد لبيان الجواز، ونهيه عن الصلاة في الثوب الذي ليس على العاتق منه شيء لبيان الكمال والتمام. وأما القياس: فهو أن العاتقين ليسا بعورة، فأشبها بقية البدن. والقول بوجوب ستر العاتق أو بعضه في الصلاة إن تيسر قول قوي، فإن النهي الوارد فيه نهي تحريم، ولا يجوز صرفه إلا بصارف، وأما حمله على أنه نهي أدب وتنزيه، فهو صرف له عن ظاهره.

стр. 743

والحق أن حديث جابر الذي معنا تجتمع به الأدلة وهو أن القادر على ستر العاتقين أو أحدهما يجب عليه ذلك، والعاجز يقتصر على ستر العورة (١)، وأما حديث جابر فإما أن يكون قبل النهي، أو لعدم وجود ثوب ثانٍ، مع أن هذا الجواب فيه نظر (٢)، والله أعلم، وأما القياس فهو في مقابلة نص. فإن قيل: إن المنكب ليس بعورة فكيف تقولون بستره؟ فالجواب: ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية من أن العورة في الصلاة ليست مرتبطة بعورة النظر، لا طرداً ولا عكساً، فهذا نوع وهذا نوع، فإن أَخْذَ الزينة في الصلاة إنما هو لحق الله تعالى، ولهذا لا يجوز أن يصلي عرياناً ولو كان وحده، وزينة الصلاة غير الزينة خارج الصلاة، فقد يستر المصلي ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة، فالمرأة تلبس الخمار على رأسها في الصلاة ولو كانت عند زوجها ومحارمها، ولا تختمر عندهم إذا كانت في غير الصلاة، وكذا المنكبين، فقد ثبت النهي عن ترك تغطيتهما في الصلاة، وذلك لحق الصلاة، مع أنه يجوز كشفهما للرجال خارج الصلاة (٣)، وعلى هذا فالأفضل للمسلم أن يأخذ بالأحوط، فيصلي في ثوبين، ويستر عاتقه أو بعضه متى كان قادراً على ذلك، لقوله: «ليس على عاتقيه منه شيء»، وهذا يقع على ما يعم المنكيبن وما لا يعمهما. وبهذا يتبين تقصير بعض الناس عندما يصلي في الصيف بالفنيلة ذات الحبل اليسير الذي يكون على الكتف، فمثل هذا لا تصح صلاته عند من يشترط ستر العاتق، وقد ذكر الفقهاء أنه لو طرح على كتفه حبلاً أو خيطاً ونحوه أنه لا يجزئه، وهذا ظاهر كلام الخرقي، وهو قول القاضي؛ لأن مثل هذا لا يسمى لباساً، ولعله محمول على القدرة (٤).

стр. 744

وكذا ما يفعله بعض المحرمين في الحج أو العمرة عندما يصلي وعاتقه مكشوف مع أنه بإمكانه أن يضع عليه الرداء. وينبغي للمصلي أن يأخذ زينته في الصلاة، فيصلي في القميص والسراويل ويغطي رأسه، أو يصلي في إزار ورداء وعمامة، لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، فعلق الأمر بالزينة لا بستر العورة، إيذاناً بأن العبد ينبغي له أن يلبس في الصلاة أحسن ثيابه، للوقوف بين يدي الله تعالى. والله أعلم.

стр. 745

لباس المرأة في الصلاة ٢١٠/ ٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ : أَتُصَلِّي المَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، بِغَيْرِ إِزَارٍ؟ قَالَ: «إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغاً يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَ الأئِمَّةُ وَقْفَهُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٦٤٠) في كتاب «الصلاة» بابٌ «في كم تصلي المرأة؟»، قال: حدثنا مجاهد بن موسى، ثنا عثمان بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله - يعني ابن دينار - عن محمد بن زيد، بهذا الحديث قال: عن أم سلمة ﵂، أنها سألت النبي ﷺ . وهذا الحديث معلول، قال أبو داود عقبه: (روى هذا الحديث مالك بن أنس، وبكر بن مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم النبي ﷺ ، قصروا به على أم سلمة ﵂. وغرض أبي داود بهذا بيان أن الحديث روي موقوفاً، كما روي مرفوعاً، وأكثر الرواة عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ رووه موقوفاً على أم سلمة، وخالفهم عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار فرواه عن محمد بن زيد مرفوعاً، وعبد الرحمن هذا متكلم فيه، فقد ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: (فيه لين، يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال ابن المديني: (صدوق)، وقد روى له البخاري في «صحيحه» ووثقه بعضهم (١)، لكنه قد غلط في رفع هذا

стр. 746

الحديث، كما ذكر ابن الجوزي، وابن عبد الهادي، ولعله بسبب ضعفه في حفظه، فمثله لا يحتج به عند التفرد والمخالفة. وعلى هذا، فالصواب أنه موقوف على أم سلمة ﵂ وأنه من كلامها وتوجيهها، لا من كلام النبي ﷺ ، وقد ساقه أبو داود من طريق مالك، عن محمد بن زيد موقوفاً (٦٣٩) وهو في «الموطأ» (١/ ١٤٢) قال عبد الحق الإشبيلي: (هذا هو الصحيح أنه من قول أم سلمة، وقد ذكر بعضهم فيه النبي ﷺ (١)، وذكر نحو ذلك البيهقي (٢)، وقال الحافظ: (وأعله عبد الحق بأن مالكاً وغيره رووه موقوفاً وهو الصواب) (٣)، وكذا صحح الحافظ هنا وقفه عن الأئمة، منهم: أبو داود، والدارقطني، وابن الجوزي، وابن عبد الهادي (٤). لكن هذا لا يعني صحة الموقوف، إذ إن هناك فرقاً بين صواب الرواية وصحتها. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (بغير إزار) أي: ليس تحت قميصها إزار ولا سراويل. قوله: (إذا كان الدرع سابغاً) أي: ساتراً لكل البدن، والدرع: - بكسر الدال - وهو هنا قميص المرأة بدليل إطلاقه، وإن أريد به درع الحرب وجب تقييده فيقال: درع حديد، وهذا قيد للجواب المحذوف، فكأنه قيل: نعم تصلي إذا كان الدرع ساتراً للبدن. قوله: (يغطي ظهور قدميها) أتت بهذه الجملة لدفع ما يتوهم أنه يغتفر عدم تغطية ظهور القدمين. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرأة تصلي في الدرع والخمار، فالدرع وهو القميص، يغطي بدنها وقدميها، والخمار يغطي رأسها، والحديث وإن كان ضعيفاً لكن هذا أقل ما تطالب به المرأة؛ لأن المراد ستر جميع جسدها، ولو حصل ذلك بثوب واحد كفى.

стр. 747

وقد وردت آثار تدل على أن صلاة المرأة في الدرع والخمار كان أمراً معروفاً لدى السلف الصالح، فقد ورد من طريق أم الحسن قالت: رأيت أم سلمة زوج النبي ﷺ تصلي في درع وخمار (١). وورد من طريق الأوزاعي قال: قال عطاء: تصلي المرأة في درع وخمار (٢). وورد من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عبيد الله الخولاني، عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ أنها صلت في درع وخمار (٣). وورد أيضاً أن المرأة تصلي في ثلاثة أثواب: درع وخمار وملحفة، لما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: (إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة) (٤). وهذا مراد به الأكمل والأفضل، والمبالغة في التستر، لا على سبيل الإيجاب. وفرق بين من تصلي في بيتها ليس عندها أحد، أو تصلي في المسجد أو في بيتها وعندها من غير محارمها. وقد ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: لقد كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد (٥). والمروط: الأردية الواسعة، واحدها: مِرْط، وقد بوب البخاري عليه في

стр. 748

كتاب «الصلاة» بقوله: باب «في كم تصلي المرأة من الثياب؟»، وقال عكرمة: (لو وارت جسدها في ثوب لأَجَزْتُه). وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى حديث أم سلمة الذي معنا، وأشار بقوله: وقال عكرمة … إلخ، إلى أن المطلوب ثوب يستر جميع الجسد (١). وعلى هذا فينبغي للمرأة أن تصلي في القميص والخمار والجلباب الذي تلتحف به من فوق الثوب، والغرض من ذلك الستر؛ لأن الجلباب تجافيه راكعة وساجدة، لئلا تصفها ثيابها. والله تعالى أعلم.

стр. 749

حكم من صلّى في الغيم لغير القبلة ٢١١/ ٧ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النّبِيِّ ﷺ في لَيْلةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا الْقِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا. فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إذا نَحْنُ صَلَّيْنَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عبد الله عامر بن ربيعة بن مالك العَنْزي - بتسكين النون نسبة إلى عَنْز بن وائل وهو أخو بكر وتغلب - وفي نسبه خلاف ذكره ابن عبد البر وغيره، أسلم عامر بن ربيعة قديماً بمكة، وهاجر إلى الحبشة مع امرأته، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدراً وسائر المشاهد. وروى ابن وهب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل حين نَشِبَ الناس في الطعن على عثمان بن عفان ﵁ قال: فصلى من الليل، ثم نام، فأُتي في المنام، فقيل له: قم فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام، فصلى ودعا، ثم اشتكى فما خرج بعد إلا بجنازته، روى عنه ابنه عبد الله، وهو تابعي ثقة من كبار التابعين. قال الحافظ: ليس له في البخاري إلا حديث الصلاة على الراحلة في السفر - وسيأتي قريباً - وحديث في «الجنائز»، وثالث علقه البخاري في «الصيام» (١)،

стр. 750

مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: خمس، وقيل: سبع، ﵁ والله أعلم (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصلاة» باب: «ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم» (٣٤٥)، وابن ماجه (١٠٢)، وأبو داود الطيالسي (٢/ ٤٦٢) من طريق أشعث بن سعيد السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم نَدْرِ أين القبلة؟، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وهذا لفظ الترمذي، زاد أبو داود الطيالسي: فقال: «مضت صلاتكم»، ونزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ … ﴾. وهذا حديث ضعيف، ضعفه الترمذي فقال: (هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وهو يضعف في الحديث)، قال أحمد: (مضطرب الحديث ليس بذاك)، وقال ابن معين: (ليس بثقة)، وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، منكر الحديث، سيئ الحفظ، يروي المناكير عن الثقات) (٢). وفيه - أيضاً - عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو سيئ الحفظ، قال ابن القطان: (وموضع العلة منه عاصم بن عبيد الله، فإنه مضطرب الحديث، تنكر عليه أحاديث، وأشعث السمان سيئ الحفظ، يروي المنكرات عن الثقات) (٣). وقد أعله به الألباني، وحسن إسناده، ولم يعله بأشعث؛ لأن له متابعاً وهو عمرو بن قيس الملائي، عند أبي داود الطيالسي (٤)، وكذا فعل أحمد شاكر في تعليقه على «جامع الترمذي» (٥)، والمثبت في «مسند أبي داود

стр. 751

الطيالسي» - الطبعة الأخيرة المحققة - عمر بن قيس - بدون واو - وليس هو الملائي الذي هو ثقة، ومن رجال مسلم، وإنما هو عمر بن قيس المكي، أبو جعفر، المعروف بسندل، وهو متروك الحديث، وعلى هذا فلا يفرح بهذه المتابعة، على أن ذكره في إسناد أبي داود الطيالسي مقروناً بأشعث السمان فيه نظر، فقد روى الحديث ابن ماجه، والدارقطني (١/ ٢٧٢) من طريقين عن الطيالسي، بدون ذكر عمر بن قيس، ولذا قال الطبراني في «الأوسط» (٤٦٠): (لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلا أبو الربيع السمان)، فيكون قد تفرد به عن عاصم، ولا متابع له. وقد ذكر ابن كثير في تفسير الآية عدة أحاديث كحديث جابر وابن عباس ﵄ ثم قال: (وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضاً، وأما إعادة الصلاة لمن يتبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه دلائل على عدم القضاء، والله أعلم) (١). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (فأينما تولوا) أي: فإلى أيِّ مكان تتجهوا. قوله: (فَثَمَّ) - بفتح الثاء والميم المشددة - اسم إشارة للمكان مبني على الفتح في محل نصب خبر مقدم، أي: فهناك. قوله: (وجه الله) مبتدأ مؤخر، أي: إن أمامكم وجه الله؛ لأن الله قِبَلَ وجه المصلي، وهو مستوٍ على عرشه ﵎. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من صلّى في الغيم لغير القبلة، ثم استبان له بعدما صلّى أنه صلّى لغير القبلة فإن صلاته جائزة، وليس عليه إعادة، سواء علم بالخطأ في الوقت أو بعده. وهذا الحديث وإن كان إسناده ضعيفاً لكن معناه صحيح، فإن المؤمن إذا خفيت عليه القبلة وجب عليه أن يجتهد في طلب القبلة (٢)، وأدلة الجهة

стр. 752

متفاوتة الخفاء والظهور، فيجب على كل أحد فِعْلُ مقدوره من ذلك، فإذا فعل ذلك وصلّى صحت صلاته وإن صلّى إلى غيرها على الصحيح من أقوال أهل العلم، خلافاً لمن قال: تجب عليه الإعادة، لوجوب الاستقبال قطعاً؛ لأنه أدى ما عليه، والله تعالى أوجب على العبد أن يتقيه ما استطاع، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. والواجب على المسافر ونحوه عند حضور الصلاة أن يجتهد ويتحرى القبلة وينظر في الوسائل التي تعينه على ذلك، كالشمس والقمر والنجوم لقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، ويدخل في عموم الآية الاهتداء بها إلى جهة القبلة، والمراد به: القطب، وهو نجم خفي جداً بقربه نجم واضح وهو الجدي، وأما الشمس والقمر فلأن كلًّا منهما يخرج من المشرق ويغرب من المغرب، فيمكن تحديد القبلة بهما، أو يعتمد على الآلة المعروفة في تحديد القبلة، ثم يصلي حسب ما أداه إليه اجتهاده، فإن ظهر له أنه صلى لغير القبلة فصلاته صحيحة؛ لأنه أدى ما عليه واجتهد، والآية الكريمة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] تفيد ذلك من حيث العموم؛ فحيثما صلّى فقد صلّى لله وإلى وجه الله. يقول الشيخ محمد البنوري: (أصل جميع ذلك أن الشريعة الإسلامية قد وسعت الأمر في باب القبلة على المكلفين، فأجازت لهم استقبال الجهة التي فيها الكعبة حيث تعسر عليهم الاهتداء إلى عين الكعبة، فقال سبحانه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وأجاز لهم عند الاشتباه بقوله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وسرُّ ذلك: أن الاستقبال حقيقة إلى الله ذي الكبرياء والعظمة وتقدست ذاته عن حدود الجهات، فكانت الجهات إليه تعالى سواسية، ولكن اقتضت الحكم الربانية والمصالح الإلهية الأزلية تخصيص الكعبة المباركة المحترمة بالاستقبال، ولكن إذا تعذر الاستقبال عادت الحقيقة الأصلية التي لا تختص بالجهات، فقال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ففطن لهذا

стр. 753

السر علماء الأمة، وهداة الملة، فوسَّعوا الأمر على العباد في باب القبلة … ) (١). وهذا الحكم خاص بالسفر، أما من صلى في الحضر لغير القبلة فعليه أن يعيد الصلاة على المشهور من مذهب الإمام أحمد، وذلك لأنه قادر على اليقين، إما بالسؤال، أو برؤية محاريب المساجد، فلم يعذر بالجهل. قال أبو داود في «مسائله»: (قيل لأحمد وأنا أسمع: هو في مدينة فتحرى فصلى لغير القبلة في بيت؟ قال: يعيد؛ لأن عليه أن يسأل). وظاهر هذا أنه لا يجتهد في الحضر، وعنه: أنه إذا كان من أهل الاجتهاد فاجتهد فصلاته صحيحة، وهذا قول وجيه؛ لأنه باجتهاده فعل ما يجب عليه، ومن فعل ما يجب عليه فقد اتقى الله ما استطاع، ومن اتقى الله ما استطاع فلا إعادة عليه، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد وسأل ثم تبين له خطأ من سأله، فالمذهب أنه يعيد، وقيل: لا يعيد؛ لأنه استند إلى خبر ثقة (٢). الوجه الخامس: إثبات صفة الوجه لله تعالى، وأنه صفة لله كسائر صفاته التي لا تشبه صفات المخلوقين، بل نثبتها له على ما يليق بجلاله وعظمته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، فلا يعدل عنها إلا بدليل صحيح، يمنع من حمل الكلام على حقيقته، ومن فسر الوجه بالثواب فتفسيره باطل؛ لأنه خلاف ظاهر النصوص، وخلاف طريقة السلف، وليس عليه دليل، والله تعالى أعلم.

стр. 754

حكم الانحراف اليسير عن القبلة ٢١٢/ ٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ الْبُخَارِيُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصلاة» باب «ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة» (٣٤٤) قال: حدثنا الحسن بن أبي بكر المروزي، حدثنا المُعلَّى بن منصور، حدثنا عبد الله بن جعفر المَخْرَميِّ، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: .. فذكره. قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الترمذي - أيضاً - قال: حدثنا محمد بن أبي معشر، حدثنا أبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف، فيه أبو معشر، تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه - كما قاله الترمذي (١) ـ ونقل عن البخاري أنه قال: (لا أروي عنه شيئاً، وقد روى عنه الناس)، وأما ابنه محمد فهو صدوق كما في «التقريب» وهو من أقدم شيوخ الترمذي. وقول الحافظ عن حديث الباب: (وقواه البخاري)، يريد بذلك ما نقله الترمذي عن البخاري أنه قال: (حديث عبد الله بن جعفر المخرمي، عن

стр. 755

عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أقوى من حديث أبي معشر وأصح)، وقد نقل ابن رجب عن الإمام أحمد تضعيف هذا الحديث، وأن في أسانيده ضعفاً (١). وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا شيخ الترمذي الحسن (٢) بن أبي بكر، قال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق)، وقال عنه مسلمة بن قاسم في كتاب «الصلة»: (مجهول)، وهذا فيه نظر، إذ كيف يكون مجهولاً من يروي عنه اثنان (٣)، وأحدهم الترمذي، كما في هذا الإسناد؟ فالصواب فيه ما قاله الحافظ، إلا إن كان مسلمة يعني جهالة الحال، إذ لا يعرف أحد تكلم في الحسن هذا بتعديل أو تجريح، وأما جهالة العين فهي مرتفعة برواية الترمذي. الوجه الثاني: الحديث دليل على التيسير في أمر القبلة وأن المقصود باستقبال القبلة استقبال الجهة عند البعد والغيبة عن الكعبة. وهذا الحديث ليس عاماً في سائر البلاد، وإنما هو في حق أهل المدينة وما وافق قبلتها، كأهل الشام وما كان على سمتها، ولسائر البلدان من السعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشمال. وهذا الحديث كحديث أبي أيوب المتقدم في «الطهارة»: «لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها بغائط ولا بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» متفق عليه (٤). والناس في توجههم إلى الكعبة كالدائرة حول المركز، فمن كان في جهة غرب الكعبة فقبلته إلى المشرق، ومن كان شرقها فقبلته إلى المغرب، ومن كان شمالها فقبلته إلى الجنوب، ومن كان جنوبها فقبلته إلى الشمال، ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والجنوب فإن قبلته فيما بين الشمال والمغرب، ومن كان من الكعبة فيما بين الجنوب والمغرب فإن قبلته فيما بين الشمال والشرق، ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والشمال فقبلته فيما بين الجنوب والمغرب، ومن كان من الكعبة فيما بين الشمال والمغرب فقبلته فيما

стр. 756

بين الجنوب والمشرق. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الشريعة قد وسعت الأمر على العباد في أمر القبلة عند البعد، وأنه يكفي الظن متى اجتهد ونظر في العلامات التي ترشده إلى القبلة، كما تقدم. وهذا يؤيد عدم التكلف في تحديد جهة القبلة، وأن من صلّى إلى الجهة صحت صلاته وإن انحرف عنها قليلاً؛ لأن جهته التي صلّى إليها هي القبلة؛ لأن فرض المصلي إذا كان بعيداً عن الكعبة أن يتوجه إلى جهتها، لا أن يصيب عينها على اليقين؛ لأن ذلك مستحيل أو متعذر. والقبلة تضيق كل الضيق لمن كان في المسجد الحرام فإنه لا بد أن يصيب عينها، وهي لأهل الحرم أوسع قليلاً، ثم لأهل مكة أوسع قليلاً، ثم لأهل الآفاق من السعة على حسب ما تقدم بيانه. الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للعالم أن يخصَّ أولاً أهل بلده بتعليم أمور الدين ومسائل الشرع المبين؛ فهم أحق وأولى بالتقديم، حيث بيَّن النبي ﷺ قبلة أهل المدينة خاصة، وكذا في قوله ﵊ عند قضاء الحاجة: «ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا»، والله تعالى أعلم.

стр. 757

بيان ما يستقبله المتنفل بالصلاة حال السفر ٢١٣/ ٩ - وعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيه. زَادَ البُخَارِيُّ: يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَلَم يَكنْ يَصْنَعُهُ في المَكْتُوبَةِ. ٢١٤/ ١٠ - وَلأبِي دَاوُدَ: مِنْ حديثِ أَنَسٍ كَانَ إِذَا سَافَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث عامر بن ربيعة: فقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة» باب «صلاة التطوع على الدواب وحيثما توجهت» (١٠٩٣)، ومسلم (٧٠١) من طريق ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أخبره أن أباه أخبره، أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري هو لفظ الكتاب. وفي لفظ للبخاري: (رأيت رسول الله ﷺ وهو على الراحلة يسبح، يومئ برأسه قِبَل أي وجه توجه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة). وذكر الحافظ رواية البخاري؛ لأن فيها لفظ الإيماء، وأن ذلك خاص بالمكتوبة، ففيها تفسير للرواية الأولى. وأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب

стр. 758

«التطوع على الراحلة والوتر» (١٢٢٥) من طريق ربعي بن عبد الله بن الجارود، حدثني عمرو بن أبي الحجاج، حدثني الجارود بن أبي سبرة، حدثني أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ … فذكره، وفي آخره (حيث وجهه ركابه) بدل: (حيث كان وجه ركابه). وهذا إسناد حسن؛ لأن ربعي بن عبد الله بن الجارود، وجَدَّهُ صدوقان - كما في «التقريب» - فحديثهما من قبيل الحسن، وقد حسنه المنذري (١) والنووي (٢). وصححه ابن الملقن ونقل تصحيحه عن ابن السكن (٣)، وإنما أورد الحافظ حديث أنس ﵁ للزيادة التي لم ترد في «الصحيحين» وهي استثناء تكبيرة الإحرام وأنها إلى القبلة. الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (يصلي على راحلته) المراد بالصلاة: النافلة في السفر، كما في رواية البخاري، وقد دلت رواية مسلم المذكورة على أنها صلاة الليل، والراحلة: المركب من الإبل ذكراً أو أنثى، تقول: رحلت الإبل رحلاً: من باب (نفع): شددت عليه رحله، ورَحْلُ الشخص: مأواه في الحضر، ثم أطلق على أمتعة المسافر؛ لأن هناك مأواه (٤). قوله: (حيث توجهت) أي: إلى أي جهة توجهت الدابة صلّى، سواء أكان إلى القبلة أم إلى غيرها. قوله: (يومئ برأسه) أي: يشير به للركوع والسجود، وظاهره عدم التفريق بينهما في مقدار الإيماء، وسيأتي ذلك إن شاء الله. قوله: (ولم يكن يصنعه في المكتوبة) أي: لم يكن يصلي على راحلته في الصلاة المكتوبة، بل ينزل إلى الأرض، لقلتها؛ ولأنها أوكد من النوافل.

стр. 759

قوله: (فكبر) أي: للإحرام عقب الاستقبال. قوله: (ثم صلّى) أي: أتمَّ صلاته، و (ثم) هنا للتراخي في الرتبة؛ لأن الاهتمام بالتكبير أشد لكونه مقارناً للنية، ولذا خُصَّ بالتوجه إلى القبلة. الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية صلاة النافلة في السفر كركعتي الضحى، وصلاة الليل، وسنة الوضوء ونحو ذلك، أما السنن الرواتب وهي راتبة الظهر والمغرب والعشاء فالسنة تركها، إلا راتبة الفجر فإنها تصلى في السفر؛ لأن النبي ﷺ كان لا يتركها حضراً ولا سفراً. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المتنفل بالصلاة في السفر على راحلته يستقبل جهة سيره، ولا يلزمه استقبال القبلة، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين السفر الطويل والقصير، وهكذا لو أراد إنسان أن يتنفل وهو في السيارة أو في الطائرة أو في السفينة فإنه يسقط عنه الاستقبال، ويصلي إلى جهة سيره، لكن إن تمكن من الاستقبال وأداء الصلاة على الحال الذي تؤدى فيه في غير حال الركوب كما في السفن الحديثة أو الطائرات التي يوجد فيها سعة فإنه يلزمه (١). الوجه الخامس: دلَّ حديث أنس ﵁ على مشروعية استقبال القبلة حال تكبيرة الإحرام فقط، وحمله بعض العلماء على الوجوب، وهو المذهب عند الحنابلة. وهذا الحديث مخالف للأحاديث الواردة في «الصحيحين»، كحديث عامر بن ربيعة، وحديث ابن عمر، وأنس ﵃، فإنه ليس فيها استثناء تكبيرة الإحرام وأنها إلى القبلة، وإذا كان الحديث سنده حسناً فلا بأس بقبول هذه الزيادة، فإذا فعله الإنسان على سبيل الاحتياط والفضيلة والندب والجمع بين الأخبار فهو حسن، إذا تيسر ذلك، وإلا فالصلاة إلى جهة سيره مطلقاً من أولها إلى آخرها صحيحة عملاً بالأحاديث التي ليس فيها استثناء، وهي أصح

стр. 760

وأكثر، وهذا القول هو مذهب الجمهور، وهو رواية عن الإمام أحمد (١). الوجه السادس: الحديث دليل على أن المسافر المتنفل على راحلته يومئ في الركوع والسجود، وظاهر ذلك عدم الفرق بينهما في مقدار الإيماء، لكن جاء في حديث جابر ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ في حاجة، فجئته وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، والسجود أخفض من الركوع (٢). وهو يدل على أن السجود أخفض من الركوع، ليكون البدل على وفق الأصل، وقد نص الفقهاء على ذلك (٣). الوجه السابع: دل الحديث على أن الفريضة لا تصلى على الراحلة، بل لا بد أن ينزل على الأرض ويصليها، لقلتها بالنسبة إلى النافلة؛ ولأنها آكد - كما تقدم - وهكذا لو كان في السيارة، فإنه يقف ويصلي الفريضة. أما إذا كان الإنسان في الطائرة أو في السفينة، وليس فيهما مكان مخصص لأداء الصلاة وحضرت الصلاة والرحلة مستمرة، ويخشى فوات الوقت قبل نزول الطائرة أو وقوف السفينة، ولم تكن الصلاة مما يجمع مع غيرها، فإنه يصلي حسب استطاعته، فإن استطاع أن يقف ويركع ويسجد فعل ذلك، وإلا صلّى قاعداً وأومأ بالركوع والسجود؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وذلك للإجماع على أنه يجب على المكلف أن يؤدي الصلاة في وقتها حسب الاستطاعة، ولا يؤخرها عنه إذا لم تكن مما يجمع، والله تعالى أعلم.

стр. 761

المواضع التي نُهي عن الصلاة فيها ٢١٥/ ١١ - وعَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ عِلَّةٌ. ٢١٦/ ١٢ - وَعَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ أَنْ يُصَلَّى في سبعةِ مَوَاطِنَ: المَزْبَلةِ، والمَجْزَرَةِ، وَالمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطريقِ، وَالحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الإبلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ الله. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي سعيد ﵁: فقد أخرجه الترمذي في «أبواب الصلاة» باب «ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» (٣١٧)، وأبو داود (٤٩٢)، وابن ماجه (٧٤٥)، وأحمد (١٨/ ٣١٢) من طريق عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره. وهذا الحديث إسناده على شرط الشيخين، لكن اختلف في وصله وإرساله، وأعله بعضهم بالإرسال، فقد رواه موصولاً سفيان الثوري وحماد بن سلمة وعبد الواحد بن زياد، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ومحمد بن إسحاق كلهم عن عمرو بن يحيى، عن أبيه - يحيى بن عمارة الأنصاري - عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، وحماد بن سلمة ثقة، وعبد الواحد بن زياد ثقة، والدراوردي صدوق، وابن إسحاق صدوق يدلس. ورواه مرسلاً الثوري، والدراوردي، وابن إسحاق عن عمرو بن يحيى،

стр. 762

عن أبيه، عن النبي ﷺ ، لم يذكروا أبا سعيد ﵁ (١)، قال الترمذي مرجحاً الإرسال: (وكأن رواية الثوري … أثبت وأصح)، وقال الدارقطني: (والمرسل المحفوظ) (٢)، وقال البيهقي: (حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولاً، وليس بشيء … ) (٣). ويرى آخرون من أهل العلم ترجيح الموصول، منهم ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن حزم، وابن دقيق العيد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قال: (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار وغيرهم بأسانيد جيدة، ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه) (٤)، وقال: (إن رواية من أرسله لا تنافي الرواية المسندة الثابتة) (٥). وممن صحح الحديث أحمد شاكر (٦)، والألباني (٧) والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع. وأما حديث ابن عمر فقد أخرجه الترمذي في «أبواب الصلاة» في باب «ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه» (٣٤٦)، وابن ماجه (٧٤٦) من طريق زيد بن جَبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف جداً، قال الترمذي: (حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وتُكُلِّمَ في زيد بن جَبيرة من قبل حفظه)، وقد نقل عبد الحق مقولة الترمذي هذه، ثم قال: (كذا قال، وغير أبي عيسى يقول في هذا الإسناد أكثر من هذا … ) (٨). فعلة هذا الحديث زيد بن جَبيرة، قال عنه البخاري: (منكر الحديث)،

стр. 763

وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً، متروك الحديث، لا يكتب حديثه) ونقل عن ابن معين أنه قال: (لا شيء)، وقال الساجي: (حدث عن داود بن الحصين بحديث منكر جداً) (١). وقد ذكر ابن عدي والذهبي هذا الحديث من مناكير زيد بن جبيرة (٢). وقد جاء الحديث عند ابن ماجه (٧٤٧) من طريق أبي صالح، عن الليث، عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ﵄ وإسناده ضعيف؛ لأن أبا صالح وهو كاتب الليث كثير الغلط - كما في «التقريب» - وعبد الله العمري ضعيف، وقد جزم الحافظ أبو حاتم بأنه واهٍ، قال ابنه: سألت أبي عن حديث رواه الليث … ، ورواه زيد بن جبيرة عن داود بن الحصين .. فقال: (جميعاً واهيين) (٣). الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (المَقْبرة) بفتح الميم وتثليث الباء، ما يدفن فيها الموتى. قوله: (والحمام) أصله موضع الاغتسال بالماء الحار، ثم قيل لموضع الاغتسال بأي ماء كان. قوله: (المزبلة) بفتح الميم والباء، الموضع الذي يجمع فيه الزِّبل، وهي القمامة وما في معناها. قوله: (والمجزرة) بفتح الميم، وهي المكان الذي تجزر فيه المواشي، أي: تذبح أو تنحر. قوله: (وقارعة الطريق) وهي ما تقرعه الأقدام بالمرور عليه. قوله: (ومعاطن الإبل) مفردها: عَطَن - بفتح العين والطاء - وهي مبارك الإبل حول الحوض والبئر، ثم توسِّع في ذلك فصار اسماً لما تأوي إليه وتقيم فيه.

стр. 764

قوله: (وفوق ظهر بيت الله) المراد به: الكعبة. الوجه الثالث: حديث أبي سعيد ﵁ دليل على أن الأرض كلها مسجد، فيجوز الصلاة في كل مكان من الأرض، وقد دل على هذا الحكم أحاديث كثيرة، ومنها حديث جابر ﵁ في «الصحيحين»، وقد تقدم في باب «التيمم»، إلا ما استثناه الشارع، وهذا من نعم الله تعالى على هذه الأمة، وتيسيره عليها ورحمته بها؛ لأن الأمم السابقة لا يصلون إلا في أماكن معينة كالبِيَعِ والصوامع (١). الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الصلاة في المقبرة، وأنها لا تصح (٢) لأنه استثناها من عموم الأرض، سواء أكانت الصلاة على القبر أم بين القبور، والمراد بالمقبرة: ما يدفن فيها الموتى، ولو كان قبراً واحداً (٣)، أما لو عينت الأرض مقبرة ولم يبدأ بالدفن فيها فإنها تصح الصلاة فيها. والحكمة من هذا النهي ما نص عليه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من أن العلة هي سد الذريعة عن عبادة أربابها؛ لأن ذلك من أعظم وسائل الشرك، ومشابهة المشركين. وأما من اعتقد من الفقهاء أن سبب النهي كون المقبرة مظنة النجاسة لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، أو قد تنبش وفيها صديد فينجس التراب فهذا التعليل ليس بشيء لأمور ثلاثة: ١ - أن الغالب أن المقابر تبقى على حالها ولا تنبش، وحتى لو نبشت لا دليل على نجاستها. ٢ - أن احتمال نجاسة الأرض لا يوجب كراهة الصلاة عليها، بل الأرض تطهر بما يصيبها من الشمس والريح والاستحالة (٤). ٣ - أنها لو كانت هذه هي العلة لما نهي عن الصلاة في مقابر الأنبياء؛

стр. 765

لأن أجسادهم لا تأكلها الأرض، كما ورد في السنة، على قول من صحح الحديث (١). ويستثنى من النهي الصلاة على القبر، فقد صلى النبي ﷺ على قبر المرأة التي كانت تقمُّ المسجد عندما ماتت بالليل وصلى عليها الصحابة ﵃ ولم يخبروا النبي ﷺ ، وخبرها في «الصحيحين»، وسيأتي في كتاب «الجنائز» إن شاء الله تعالى. وأما الصلاة على الميت في المقبرة فسيأتي الكلام عليها في كتاب «الجنائز» - أيضاً - إن شاء الله. الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم الصلاة في الحمام، وأنها لا تصح، والنهي عن الصلاة في الحمام إما لأنه مظنة النجاسة، وإما لكونه بيت الشيطان، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية كلا التعليلين، لكن مال إلى تضعيف التعليل الأول وقال: (إن ظاهر مذهب أحمد لم يُنه عن الصلاة فيه لكونه مظنة النجاسة، فإذا غُسل موضع منه أو تيقنا طهارته جازت الصلاة فيه) (٢). وإنما النهي إما للتعبد، أو لأنها مأوى الشيطان، ويقاس على الحمام الكنيف بل أولى، وكذا دورات المياه؛ لأن ذكر الله تعالى في هذه الأماكن ممنوع شرعاً تعظيماً لله تعالى وتشريفاً له أن يذكر اسمه في موضع خبث ونجاسة. وأما سطح الحمام فيجوز الصلاة فيه على الراجح من قولي أهل العلم من باب قصر النهي على ما تناوله النص وأن الحكم لا يُعدى إلى غيره. الوجه السادس: في حديث ابن عمر ﵄ النهي عن الصلاة في سبعة مواضع، والحديث ضعيف كما مضى، وعلى هذا فما ثبت فيه نص آخر أو دلَّ عليه عموم عُمل به، وإلا بقي على أصل الجواز.

стр. 766

فالمزبلة: لا تصح الصلاة فيها؛ لأنها محل النجاسة وإلقاء القاذورات، لكن إن كان الزِّبل طاهراً صحت الصلاة فيها (١). والمجزرة: لا تصح الصلاة فيها؛ لأنها محل الدماء، وهي نجسة، وكذا الأرواث وحتى لو قيل بطهارتها فإن مثل هذه البقعة لا تصلح لمناجاة الله تعالى. والمقبرة والحمام: تقدما في حديث أبي سعيد ﵁. وقارعة الطريق: لا تصح الصلاة فيها؛ لأن المصلي فيها يؤذي ويؤذى، فيؤذي المارة بأخذ حقهم من الطريق، ويؤذى بما يشغل خاطره المؤدي إلى ذهاب الخشوع الذي هو سر الصلاة، وقيل: لأنها مظنة النجاسة، والقول بمنع الصلاة في قارعة الطريق هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. والقول الثاني: وهو قول أكثر أهل العلم، ورواية عن أحمد صحة الصلاة في قارعة الطريق، لعموم «جعلت لي الأرض مسجداً» (٢)، ولم يستثن منه إلا المقبرة والحمام والمعاطن، للأحاديث الواردة فيها، فيبقى ما عداها على العموم، والأولى ألاَّ يصلى في الطريق لما تقدم، لكن إن دعت الحاجة إلى الصلاة في قارعة الطريق فلا بأس، كما لو ضاق المسجد جاز أن يصلى في الشوارع التي حوله إذا فرشت. ومعاطن الإبل: لا تصح الصلاة فيها، لحديث جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» (٣)، وعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين» (٤). وقد مال شيخ الإسلام ابن تيمية إلى تقوية هذا المعنى، وضعف قول من

стр. 767

قال: إن ذلك لعلة النجاسة، إذ لا فرق بين أعطان الإبل ومبارك الغنم، وكلاهما في الطهارة والنجاسة سواء (١). أما مبارك الإبل في سيرها أو ما تناخ فيه لعلفها أو وردها فلا يُمنع من الصلاة فيها؛ لأن هذا عارض، وقد ورد عن الإمام أحمد ما يدل على ذلك (٢). وفوق ظهر بيت الله: هذا مما انفرد به هذا الحديث الضعيف، ولم يرد في حديث غيره، فمن أخذ به أضاف إليه تعليلاً، وهو أن الله تعالى أمر باستقبال الكعبة في قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، والمصلي فوق الكعبة غير مستقبل جهتها ولا مصلياً إليها، وقد أمر بالصلاة إليها، فمن صلى فوقها فقد صلى إلى الهواء. والأظهر صحة الصلاة فوق الكعبة لعدم ثبوت النهي، ولأن الحكم ليس مُناطاً بالقائم، وإنما هو مناط بهواء الكعبة، ولهذا تصح الصلاة في سطح المسجد الحرام وعلى جبل أبي قبيس بالاتفاق، وهي أعلى من الكعبة، والمصلي فيها استقبل هواء الكعبة، وهواؤها مسامت لها، ولهذا لو هدمت - والعياذ بالله كما في آخر الزمان - صحت صلاة الناس إلى محلها، والله تعالى أعلم.

стр. 768

النهي عن استقبال القبر في الصلاة ٢١٧/ ١٣ - وعَنْ أَبي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ ﵁ قَالَ: سَمعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إلى القُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو مَرْثَدٍ الغَنَوي - من بني غنيّ من قيس عيلان - صحابي جليل، مشهور بكنيته، واسمه: كَنَّاز - بفتح الكاف وتشديد النون ثم زاي - بن الحصين، وابنه مرثد - بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة - وهو وأبوه صحابيان، شهدا بدراً وأحداً، وكانا حليفين لحمزة بن عبد المطلب، وكان أبو مرثد تِرْباً لحمزة ﵁ أي: مساوياً له في السن - وقتل مرثد يوم الرجيع، سنة ثلاث من الهجرة (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الجنائز» باب «النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه» (٩٧٢) من طريق ابن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره. وأخرجه أيضاً من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة به. الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الصلاة إلى القبور، بأن يكون القبر في جهة المصلي، وهذا النهي في الحديث يقتضي تحريم الفعل،

стр. 769

وفساد الصلاة؛ لأن الصلاة إلى القبور تشبه عبادتها، أو فيه تشبُّه بمن يعبدها، وهذا قد يكون ذريعة إلى نوع من الشرك بالعكوف عندها وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة. الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الجلوس على القبر، والوطء من باب أولى، وذلك لما فيه من الاستهانة بحق المسلم، إذ القبر بيت المسلم، وحرمته ميتاً كحرمته حياً، وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يجلسَ أحدكم على جمرة فتحرقَ ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» (١). والله تعالى أعلم.

стр. 770

جواز الصلاة في النعلين إذا كانتا طاهرتين ٢١٨/ ١٤ - وعَنْ أَبِي سَعيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِذَا جاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ، فَإنْ رَأَى في نَعْلَيَهِ أَذًى أَوْ قَذَراً فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحه ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة في النعل» (٦٥٠)، وابن خزيمة (٢/ ١٠٧) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟»، قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : «إن جبريل ﷺ أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً»، وقال: «إذا جاء أحدكم … » الحديث. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ حماد بن سلمة: ثقة، وأبو نعامة وثقه ابن معين وأبو حاتم، وأبو نضرة - واسمه: المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبدي - ثقة. وقد تابع حماد بن سلمة الحجاج بن الحجاج الأحول، عن أبي نعامة به، عند ابن خزيمة (١/ ٣٨٤) والحجاج ثقة، كما في «التقريب». لكن قد اختلف في وصله وإرساله (١)، فقد رواه حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة أن النبي ﷺ .. ، وقد رجح الموصول أبو حاتم، والدارقطني، لأنه اتفق على وصله اثنان عن أبي نضرة،

стр. 771

عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ وهما: حماد بن سلمة، والحجاج بن الحجاج الأحول، وكلاهما ثقة، كما تقدم (١). والحديث له شواهد، ومنها حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ لم يخلع نعليه في الصلاة إلا مرة واحدة، خلع، فخلع الناس، فقال: «ما لكم؟» قالوا: خلعت فخلعنا، فقال: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً أو أذى» (٢). الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الصلاة في النعال، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة، ومن ذلك: ما رواه أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يصلي في نعله؟ قال: نعم (٣). وعن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في نعليه (٤). وقد ذكر الطحاوي أن الأحاديث الدالة على شرعية الصلاة في النعال متواترة عن رسول الله ﷺ (٥). والعلماء ﵏ لا يشترطون في المتواتر أن تكون كل طرقه صحيحة أو حسنة بل يذكرون جميع ما في الباب من صحيح أو حسن أو ضعيف (٦). وشرط ذلك أن تكون النعل طاهرة، وقد كانت المساجد قديماً تفرش بالحصباء والرمل ونحو ذلك، فيصلى فيها بالنعال ولا تتأثر، والناس عندهم دين وعناية بالنعال وتفقدها، والآن فرشت المساجد لترغيب المصلين والوقاية من الغبار، فيقال حينئذ: إن مراعاة حال المساجد تقتضي ألا يصلى بالنعال وإن كانت نظيفة، لأمرين:

стр. 772

الأول: أن المساجد لا تسلم من تلويث فرشها حتى مع العناية بالنعال وتفقدها؛ لأن الفرش سريعة التأثر باللون والرائحة، وطبيعة الشوارع تساعد على التلويث حتى مع طهارة النعل، ولذا قال ابن عابدين: (إذا خشي تلويث فرش المسجد ينبغي عدم الصلاة في النعال، وإن كانت طاهرة) (١). الثاني: أن الغالب على الناس الغفلة عن العناية بنعالهم حين يدخلون المسجد. والصلاة في النعال موضع خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنها من باب الرخص، فتكون مباحة، ولا تصل إلى درجة الاستحباب، وهو قول ابن دقيق العيد (٢)؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وهو الزينة؛ لأن ملامسة النعل للأرض يقصر بها عن هذا المقصود. والقول الثاني: أن الصلاة في النعال سنة، وهو قول الحنابلة، واستدلوا بحديث شداد بن أوس مرفوعاً: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» (٣)، وهذا أمر، وأقل أحواله الاستحباب، ومخالفة اليهود أمر مطلوب شرعاً. لكن إن خيف من الصلاة في النعال مفسدة، فإنه يجب مراعاتها، على قاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن كان الإنسان في أرض حصباء أو في البر جاز أن يصلي في نعليه. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من صلّى بالنجاسة جاهلاً أو ناسياً فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ قد بنى على ما مضى من صلاته، ولو كان التلبس بالنجاسة حال النسيان أو الخطأ موجباً للإعادة لاستأنف الرسول ﷺ الصلاة من أولها ولم يبن على ما كان صلّى، وهذا هو القول الراجح من قولي أهل العلم، أما إن علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فإن أمكن طرحها بدون عمل كثير أو كشف عورة ألقاها، كما خلع النبي ﷺ نعليه، وإلا بطلت صلاته، واستأنفها بعد إزالة النجاسة، والله أعلم.

стр. 773

كيفية تطهير الخف من النجاسة ٢١٩/ ١٥ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُما التُّرابُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الطهارة» بابٌ «في الأذى يصيب النعل» (٣٨٦)، والبيهقي (٢/ ٤٣٠)، وابن حبان (٤/ ٢٥٠)، وابن خزيمة (١/ ١٤٨) كلهم من طريق محمد بن كثير - يعني الصنعاني - عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف؛ لأن في إسناده محمد بن كثير الصنعاني، وهو كثير الخطأ، قال البخاري: (ضعفه أحمد)، وقد ذكر ابن القطان أنه ضعيف، وأضعف ما يكون في الأوزاعي (١)، وقال علي بن المديني: (كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ - يعني محمد بن كثير - فالآن لا أحب أن أراه)، وقال النسائي: (ليس بالقوي كثير الخطأ) (٢). ومع هذا فقد صحح حديثه ابن حبان، وشيخه ابن خزيمة، وتلميذه الحاكم، ومحمد بن عجلان وإن ضعفه بعضهم لكن الأكثر على توثيقه.

стр. 774

والحديث اختلف فيه على الأوزاعي، فرواه محمد بن كثير عن الأوزاعي كما تقدم، ورواه أبو المغيرة والوليد بن مزيد، وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: أُنبئت أن سعيد بن أبي سعيد حدث عن أبيه … رواه أبو داود (٣٨٥)، ورواه عبد الله بن زياد بن سمعان، عن المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة ﵂. رواه العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٢٥٦) ورواه عبد الرزاق (١/ ٣٣) وليس فيه (عن أبيه) ولما ذكر الدارقطني في «العلل» (٨/ ١٥٩ - ١٦٠) الأوجه في هذا الحديث قال عن هذا: (وهو أشبهها بالصواب وإن كان ابن سمعان متروكاً). والحديث له شاهد من حديث أبي سعيد ﵁ المتقدم، ومن حديث عائشة ﵂ أخرجه أبو داود (٣٨٧) بمعناه ولم يسق لفظه، ويشهد للحديث - أيضاً - ما أخرجه أبو داود (٣٨٤)، وابن ماجه (٥٣٣)، وأحمد (٤٥/ ٤٤٣)، وابن الجارود (١٤٣) عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن امرأة من بني عبد الأشهل أنها سألت النبي ﷺ فقالت: إن لنا طرقاً منتنة فَتُمْطَرُ، فقال: «أليس بعدها طريق أطيبُ منها؟»، قالت: بلى، قال: «فهذه بهذه». وإسناده صحيح. وأخرج مالك (١/ ٢٤)، وأبو داود (٣٨٣)، والترمذي (١٤٣)، وابن ماجه (٥٣١)، والدارمي (١/ ١٥٥)، وأحمد (٦/ ٢٩٠)، وابن الجارود (١٤٢) من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن أم ولد لإبراهيم، عن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ : «يطهره ما بعده». وإسناده ضعيف، أم ولد إبراهيم مجهولة، وقد تفرد بالرواية عنها محمد بن إبراهيم، ولكن تتقوى روايتها بالحديث المذكور قبله. قال الشوكاني: (هذه الروايات يقوِّي بعضها بعضاً، فتنتهض للاحتجاج بها على أن النعل يَطْهُرُ بدلكه في الأرض رطباً ويابساً) (١)، وقال العقيلي:

стр. 775

(هذا إسناد صالح جيد) (١). الوجه الثاني: الحديث وما جاء في معناه دليل على أنه يكفي في تطهير نجاسة الخف دلكه بالتراب دون الغسل بالماء - على الصحيح من قولي أهل العلم - ولا فرق بين أنواع النجاسات، بل كل ما علق بالنعل مما يطلق عليه اسم الأذى فطهوره مسحه بالتراب. وهذا من سماحة الإسلام ويسره، فإن الخف معرض للأذى من أجل مباشرته الأرض، ولو لزم تطهيره بالماء لشق ذلك على الناس وأدى إلى إتلاف الخفاف والنعال بالماء وتكرره عليها، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →