← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ وهما: حماد بن سلمة، والحجاج بن الحجاج الأحول، وكلاهما ثقة، كما تقدم (١). والحديث له شواهد، ومنها حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ لم يخلع نعليه في الصلاة إلا مرة واحدة، خلع، فخلع الناس، فقال: «ما لكم؟» قالوا: خلعت فخلعنا، فقال: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً أو أذى» (٢). الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الصلاة في النعال، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة، ومن ذلك: ما رواه أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يصلي في نعله؟ قال: نعم (٣). وعن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في نعليه (٤). وقد ذكر الطحاوي أن الأحاديث الدالة على شرعية الصلاة في النعال متواترة عن رسول الله ﷺ (٥). والعلماء ﵏ لا يشترطون في المتواتر أن تكون كل طرقه صحيحة أو حسنة بل يذكرون جميع ما في الباب من صحيح أو حسن أو ضعيف (٦). وشرط ذلك أن تكون النعل طاهرة، وقد كانت المساجد قديماً تفرش بالحصباء والرمل ونحو ذلك، فيصلى فيها بالنعال ولا تتأثر، والناس عندهم دين وعناية بالنعال وتفقدها، والآن فرشت المساجد لترغيب المصلين والوقاية من الغبار، فيقال حينئذ: إن مراعاة حال المساجد تقتضي ألا يصلى بالنعال وإن كانت نظيفة، لأمرين:

стр. 772

الأول: أن المساجد لا تسلم من تلويث فرشها حتى مع العناية بالنعال وتفقدها؛ لأن الفرش سريعة التأثر باللون والرائحة، وطبيعة الشوارع تساعد على التلويث حتى مع طهارة النعل، ولذا قال ابن عابدين: (إذا خشي تلويث فرش المسجد ينبغي عدم الصلاة في النعال، وإن كانت طاهرة) (١). الثاني: أن الغالب على الناس الغفلة عن العناية بنعالهم حين يدخلون المسجد. والصلاة في النعال موضع خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنها من باب الرخص، فتكون مباحة، ولا تصل إلى درجة الاستحباب، وهو قول ابن دقيق العيد (٢)؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وهو الزينة؛ لأن ملامسة النعل للأرض يقصر بها عن هذا المقصود. والقول الثاني: أن الصلاة في النعال سنة، وهو قول الحنابلة، واستدلوا بحديث شداد بن أوس مرفوعاً: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» (٣)، وهذا أمر، وأقل أحواله الاستحباب، ومخالفة اليهود أمر مطلوب شرعاً. لكن إن خيف من الصلاة في النعال مفسدة، فإنه يجب مراعاتها، على قاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن كان الإنسان في أرض حصباء أو في البر جاز أن يصلي في نعليه. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من صلّى بالنجاسة جاهلاً أو ناسياً فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ قد بنى على ما مضى من صلاته، ولو كان التلبس بالنجاسة حال النسيان أو الخطأ موجباً للإعادة لاستأنف الرسول ﷺ الصلاة من أولها ولم يبن على ما كان صلّى، وهذا هو القول الراجح من قولي أهل العلم، أما إن علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فإن أمكن طرحها بدون عمل كثير أو كشف عورة ألقاها، كما خلع النبي ﷺ نعليه، وإلا بطلت صلاته، واستأنفها بعد إزالة النجاسة، والله أعلم.

стр. 773

كيفية تطهير الخف من النجاسة ٢١٩/ ١٥ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُما التُّرابُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الطهارة» بابٌ «في الأذى يصيب النعل» (٣٨٦)، والبيهقي (٢/ ٤٣٠)، وابن حبان (٤/ ٢٥٠)، وابن خزيمة (١/ ١٤٨) كلهم من طريق محمد بن كثير - يعني الصنعاني - عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف؛ لأن في إسناده محمد بن كثير الصنعاني، وهو كثير الخطأ، قال البخاري: (ضعفه أحمد)، وقد ذكر ابن القطان أنه ضعيف، وأضعف ما يكون في الأوزاعي (١)، وقال علي بن المديني: (كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ - يعني محمد بن كثير - فالآن لا أحب أن أراه)، وقال النسائي: (ليس بالقوي كثير الخطأ) (٢). ومع هذا فقد صحح حديثه ابن حبان، وشيخه ابن خزيمة، وتلميذه الحاكم، ومحمد بن عجلان وإن ضعفه بعضهم لكن الأكثر على توثيقه.

стр. 774

والحديث اختلف فيه على الأوزاعي، فرواه محمد بن كثير عن الأوزاعي كما تقدم، ورواه أبو المغيرة والوليد بن مزيد، وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: أُنبئت أن سعيد بن أبي سعيد حدث عن أبيه … رواه أبو داود (٣٨٥)، ورواه عبد الله بن زياد بن سمعان، عن المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة ﵂. رواه العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٢٥٦) ورواه عبد الرزاق (١/ ٣٣) وليس فيه (عن أبيه) ولما ذكر الدارقطني في «العلل» (٨/ ١٥٩ - ١٦٠) الأوجه في هذا الحديث قال عن هذا: (وهو أشبهها بالصواب وإن كان ابن سمعان متروكاً). والحديث له شاهد من حديث أبي سعيد ﵁ المتقدم، ومن حديث عائشة ﵂ أخرجه أبو داود (٣٨٧) بمعناه ولم يسق لفظه، ويشهد للحديث - أيضاً - ما أخرجه أبو داود (٣٨٤)، وابن ماجه (٥٣٣)، وأحمد (٤٥/ ٤٤٣)، وابن الجارود (١٤٣) عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن امرأة من بني عبد الأشهل أنها سألت النبي ﷺ فقالت: إن لنا طرقاً منتنة فَتُمْطَرُ، فقال: «أليس بعدها طريق أطيبُ منها؟»، قالت: بلى، قال: «فهذه بهذه». وإسناده صحيح. وأخرج مالك (١/ ٢٤)، وأبو داود (٣٨٣)، والترمذي (١٤٣)، وابن ماجه (٥٣١)، والدارمي (١/ ١٥٥)، وأحمد (٦/ ٢٩٠)، وابن الجارود (١٤٢) من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن أم ولد لإبراهيم، عن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ : «يطهره ما بعده». وإسناده ضعيف، أم ولد إبراهيم مجهولة، وقد تفرد بالرواية عنها محمد بن إبراهيم، ولكن تتقوى روايتها بالحديث المذكور قبله. قال الشوكاني: (هذه الروايات يقوِّي بعضها بعضاً، فتنتهض للاحتجاج بها على أن النعل يَطْهُرُ بدلكه في الأرض رطباً ويابساً) (١)، وقال العقيلي:

стр. 775

(هذا إسناد صالح جيد) (١). الوجه الثاني: الحديث وما جاء في معناه دليل على أنه يكفي في تطهير نجاسة الخف دلكه بالتراب دون الغسل بالماء - على الصحيح من قولي أهل العلم - ولا فرق بين أنواع النجاسات، بل كل ما علق بالنعل مما يطلق عليه اسم الأذى فطهوره مسحه بالتراب. وهذا من سماحة الإسلام ويسره، فإن الخف معرض للأذى من أجل مباشرته الأرض، ولو لزم تطهيره بالماء لشق ذلك على الناس وأدى إلى إتلاف الخفاف والنعال بالماء وتكرره عليها، والله تعالى أعلم.

стр. 776

النهي عن الكلام في الصلاة، وحكمه من الجاهل ٢٢٠/ ١٦ - وعَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ الحَكَمِ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ هذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فيها شَيْءٌ مِنْ كلامِ النَّاسِ، إنَّما هُوَ التَّسْبِيحُ، والتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو معاوية بن الحكم السلمي، كان ينزل المدينة، وسكن في بني سُليم، وعداده في أهل الحجاز، روى عنه ابنه كثير، وعطاء بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو صاحب الجارية التي قال لها النبي ﷺ : «أين الله؟»، قالت: في السماء، قال: «من أنا؟»، قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة»، أخرجه مسلم، وهو بعض حديث الباب. وقد روى مالك (١) حديث معاوية هذا من طريق هلال بن أسامة بهذا الإسناد، وسماه: عمر بن الحكم، قال ابن عبد البر: (هكذا قال مالك في هذا الحديث عن هلال، عن عطاء، عن عمر بن الحكم، لم يختلف الرواة عنه في ذلك، وهو وهم عند جميع أهل العلم بالحديث، وليس في الصحابة رجل يقال له: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم … ) (٢)، مات سنة سبع عشرة ومئة (٣).

стр. 777

الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «تحريم الكلام في الصلاة» (٥٣٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة - وهو هلال بن علي بن أسامة (١) ـ عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عَطَسَ رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أمِّياه، ما شأنكم تنظرون إليّ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني، لكني سكت، فلما صلّى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: «إن هذه الصلاة … » الحديث بطوله، وفيه ذكر الكهانة والطِّيَرة وقصة الجارية التي تقدم ذكرها. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (واثكل أمِّياه) الثُّكْل: الحزن لفقد الولد، وأمياه: مضاف إلى ثكل، وأصله: أمّي، زيدت عليها ألف الندبة لمد الصوت، وأُردفت بهاء السكت الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل. قوله: (لكني سكت) معطوف على مقدر، أي: لم أتكلم لكني سكت. وقوله: (ما كهرني) الكهر: الانتهار، ذكره أبو عبيد (٢). الوجه الرابع: الحديث دليل على أن مخاطبة الناس في الصلاة عمداً ولو بالدعاء كتشميت العاطس يبطل الصلاة؛ لأنه ينافي مقصود الصلاة، فإن الصلاة صلة بين العبد وربه، وفي الكلام إعراض عن مناجاة الله تعالى، ومناجاته سبحانه أرفع درجات العبد، وقد قال النبي ﷺ : «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه» (٣).

стр. 778

وأما إذا عطس الإنسان في الصلاة فإنه يحمد الله تعالى، لكن من أهل العلم من قال: يحمد سراً؛ لأنه ذكر، والسنة في أذكار الصلاة الإسرار إلا ما استثني، ومنهم من قال: إنه يجهر به، ويؤيده حديث سهل بن سعد في «الصحيحين» (١). الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من تكلم في الصلاة جاهلاً بتحريم الكلام فيها أن صلاته صحيحة، وأنه لا يلزمه قضاء ما مضى من صلواته؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر معاوية بإعادة هذه الصلاة ولا سأله هل كان يتكلم فيما مضى من صلواته، وإنما علمه لما يستقبل من أمره. وهذا مبني على قاعدة عظيمة نبه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي من أعظم القواعد الفقهية عنده، وهي: أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزاً عن أحدهما سقط عنه ما يُعجزه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها (٢). فالنبي ﷺ لم يأمر معاوية بالإعادة؛ لأنه لم يبلغه العلم بتحريم الكلام في الصلاة، ولا تكليف قبل بلوغ العلم، والله تعالى أعلم.

стр. 779

بيان حكم الكلام في الصلاة ٢٢١/ ١٧ - وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: إنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، يُكلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلِمٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو زيد بن أرقم بن زيد الأنصاري الخزرجي ﵁ أول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، واسْتُصْغِرَ يوم أحد، وهو الذي أخبر النبي ﷺ بقول المنافق عبد الله بن أُبيّ: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»، فأنكره عبد الله بن أُبيّ، فأنزل الله القرآن بتصديق زيد بن أرقم ﵁ والحديث في «الصحيحين» (١)، نزل الكوفة، ومات فيها سنة ثمان وستين (٢). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة» باب «ما ينهى من الكلام في الصلاة» (١٢٠٠)، ومسلم (٥٣٩) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم: (إن كنا لنتكلم في الصلاة .. ) الحديث، واللفظ للبخاري، وزاد مسلم: (ونهينا عن الكلام) ولم يسق من الآية إلا آخرها.

стр. 780

وأما قول الحافظ: (إن اللفظ لمسلم)، فلعله أراد من أجل هذه الزيادة، وإلا فاللفظ الذي ساقه هو لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم اختلاف يسير. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (إن كنا .. ) بتخفيف (إن) وهي مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، واللام فارقة بين النافية والمخففة. قوله: (لنتكلم في الصلاة) أي: خلف النبي ﷺ . قوله: (يكلم أحدنا صاحبه بحاجته) الجملة بيان لقوله: (نتكلم)، وهذا يدل على أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من رد السلام ونحوه. قوله: (حتى نزلت … )، هذا ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة؛ لأن الآية مدنية باتفاق. قوله: (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) أي: داوموا وواظبوا على الصلوات المفروضة مع الإتقان. و «الوسطى» أي: الفضلى، والمراد بها: صلاة العصر، على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد بلغت عشرين قولاً، كما ذكر ذلك العلامة مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (١). والقول بأنها صلاة العصر هو الصحيح؛ للأدلة الصحيحة التي لا يمكن دفعها، وهو قول جماهير السلف والخلف، ومن ذلك حديث ابن مسعود ﵁ قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر، حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله ﷺ : «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً» (٢). وعطفها على الصلوات في الآية الكريمة من باب عطف الخاص على العام، للاهتمام بشأن الخاص، وخصت بذلك - والله أعلم - لشرفها وفضلها،

стр. 781

ولأنها اختصت بمزيد من التأكيد، والأمر بالمحافظة عليها، والتغليظ لمن ضيعها. قوله: (وقوموا لله) أي: قفوا لله، واللام للتعليل، أي: إخلاصاً وتعظيماً لله تعالى. قوله: (قانتين) القنوت له معان كثيرة منها: القيام، وعليه قول النبي ﷺ لما سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» (١)، ومنها: الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام، وعليه قول أنس ﵁ لما سئل: أقنت رسول الله ﷺ في الصبح؟ قال: نعم، فقيل له: أَوَ قنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيراً (٢). ومنها: السكوت مع التعظيم، كما هنا. قوله: (فأُمرنا بالسكوت) أي: أمرنا الله تعالى بقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أو أمرنا الرسول ﷺ تفسيراً للآية، ويؤيده قوله: (نهينا). والمراد بالسكوت: الكف عن الكلام، أي: كلام الناس لا كل كلام؛ لأن الصلاة فيها قراءة وتكبير وتسبيح ودعاء، وهذا كلام. الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الكلام في الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، قليلاً كان الكلام أو كثيراً، وأن الكلام مبطل لها لتحريمه ومنافاته لمقصودها، فإن الصلاة صلة بين العبد وربه، فلا ينبغي أن يتشاغل المصلي بغير مناجاة الله تعالى والذل بين يديه. قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامداً لكلامه، وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أن صلاته فاسدة) (٣). وعلى هذا فلا خلاف بين أهل العلم في أن من تعمد الكلام في الصلاة لغير مصلحتها وهو عالم بالتحريم أن صلاته باطلة.

стр. 782

وإنما وقع الخلاف فيمن تكلم ناسياً أنه في صلاة، أو يظن أن صلاته تمت، أو تكلم لمصلحتها، ففي ذلك قولان: الأول: أن صلاته باطلة، إلا أنهم يفرقون فيما كان لمصلحة الصلاة بين اليسير فلا تبطل والكثير فتبطل، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد (١)، أخذاً بعموم (ونهينا عن الكلام) لأن المصلي قد فعل ما ينافي الصلاة، فتبطل لأنه ليس من جنس ما هو مشروع في الصلاة. الثاني: أن صلاته صحيحة، وهذا قول مالك، والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من المحققين (٢)؛ لما يلي: ١ - قصة ذي اليدين، وهي مذكورة في أحاديث «سجود السهو». ٢ - قصة معاوية بن الحكم، كما تقدم. ٣ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال إجابة لهذا الدعاء: «قد فعلت»، وفي رواية: قال: «نعم» (٣). ٤ - عموم حديث ابن عباس: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 783

ما يفعله من نابه شيء في صلاته ٢٢٢/ ١٨ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ: «في الصَّلَاةِ». الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة» باب «التصفيق للنساء»، ومسلم (٤٢٢) من طريق سفيان بن عيينة، حدثنا الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه مسلم من طرق، عن أبي هريرة، فأخرجه من طريق الأعمش، عن أبي صالح - وهو ذكوان السمان - عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه - أيضاً - من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله، وزاد: (في الصلاة). وأخرجه البيهقي (٢/ ٢٤٧) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق»، قال الألباني: (هذا إسناد صحيح على شرط البخاري) (١). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الرجل إذا نابه شيء وهو يصلي

стр. 784

كتنبيه إمام، أو تنبيه مارٍّ، أو من يريد منه أمراً وهو لا يدري أنه يصلي فإنه يسبِّح، فيقول: سبحان الله، وأن المرأة إذا نابها شيء وهي تصلي فإنها تصفق، وهذا من فضل الله تعالى على عباده، فإنه لما نسخ الله الكلام في الصلاة أبقى ما يُنتفع به ويحصل به المقصود كالتسبيح، وقد ورد في حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء»، وفي لفظ: «من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إلا التفت»، وفي رواية: «إنما التصفيق للنساء» (١)، وهذا أسلوب من أساليب القصر. وصفته: إما أن تضرب ببطن كفها على ظهر الأخرى، أو تضرب بظهر كفها على بطن الأخرى، أو ببطن كفها على بطن الأخرى، كما هو المعروف عند النساء الآن (٢)، والأمر في ذلك واسع؛ لأن الشرع لم يحدد صفة معينة. وإذا انتبه المنبَّه بالتسبيح مرة واحدة لم يعده المصلي مرة أخرى؛ لأنه ذكرٌ مشروع لسبب، فيزول بزوال سببه، وإن لم ينتبه كرره حتى يحصل المقصود. وحكمة التفريق يبن الرجال والنساء في موضوع التنبيه أثناء الصلاة ظاهرة، فإن المرأة مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقاً خشية الافتتان بها، ولهذا نهيت عن رفع صوتها في القراءة والتلبية ونحو ذلك من مسائل العبادات، وكذا في غير العبادة لا ترفع صوتها إذا كان بحضرتها أجانب. لكن إن كانت المرأة بحضرة نساء فقط فهل تسبح - لأن التسبيح ذكر مشروع في الصلاة بخلاف التصفيق - أو أنها تصفق مطلقاً؟ المسألة محتملة (٣) فمن أخذ بعموم الحديث وأن النساء لهن التصفيق قال بالثاني، ومن أخذ بالتعليل المذكور والمعنى المتقدم قال: تسبح، وقد يؤيد ذلك ظاهر الحديث،

стр. 785

فإن قوله: «فليسبح الرجال ولتصفق النساء»، قد يفهم منه أن المراد مع اجتماع الرجال والنساء؛ لأنه أعطى كل صنف حكمه، فإذا انفردن سبَّحن. الوجه الثالث: إذا أخذنا برواية الحصر: «إنما التصفيق للنساء»، فهي دليل على أن التصفيق من خصائص النساء، وأنه لا مدخل للرجال في ذلك بحال من الأحوال. وبهذا يتبين أن ما يفعله كثير من الناس من التصفيق في المحافل عند رؤيتهم ما يعجبهم أن هذا سخف ودليل على قلة العقل، والله تعالى ذم المشركين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] والمكاء: هو الصفير، والتصدية: التصفيق، كما قال بذلك جمهور المفسرين. ثم إنه لم يكن من هدي النبي ﷺ ولا أصحابه ولا سلف هذه الأمة إذا رأوا ما يعجبهم أو سمعوا الخطب والأشعار أنهم يصفقون، وإنما حدث ذلك عن طريق التشبه بأعداء الله تعالى، وقد قدم النبي ﷺ المدينة واستقبله المهاجرون والأنصار ولم ينقل أنهم صفقوا. فالمسلم إذا أعجبه شيء يقول: ما شاء الله، أو يقول: الله أكبر، ونحو ذلك مما له أصل في الشرع في مثل هذه الأحوال، والله تعالى أعلم.

стр. 786

البكاء في الصلاة لا يبطلها ٢٢٣/ ١٩ - وعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ قَال: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي، وَفي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرجَلِ، مِنَ الْبُكَاءِ. أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، إِلاَّ ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو مُطَرِّفُ - بضم الميم وفتح الطاء فراء مشددة مكسورة ثم فاء - بن عبد الله بن الشخير - بكسر الشين المعجمة وكسر الخاء المعجمة المشددة - العامري البصري، قال ابن سعد: (كان ثقةً، له فضل وورع ورواية وعقل وأدب) (١)، وقال في «التقريب»: (ثقة عابد فاضل)، مات سنة خمس وتسعين. ووالده عبد الله بن الشخير، له صحبة ورواية، يُعَدُّ في البصريين روى عنه أبناؤه: الأول: مطرف، والثاني: يزيد أبو العلاء، وهو أصغر من مطرف بعشر سنوات، كما روى البخاري ذلك في «تاريخه»، وهو ثقة، وله أحاديث صالحة، والثالث: هانئ، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (٢). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «البكاء في الصلاة» (٩٠٤)، والترمذي في «الشمائل» «المختصر» (٢٧٦)، والنسائي (٣/ ١٣)،

стр. 787

وأحمد (٢٦/ ٢٣٨)، وابن خزيمة (٦٦٥، ٧٥٣)، وابن حبان (٧٥٣)، والحاكم (١/ ٢٦٤) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف، عن أبيه. وإسناده صحيح على شرط مسلم، صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، وصححه ابن حبان، وابن خزيمة، والألباني في تعليقه على «الشمائل»، وقال الحافظ: (إسناده قوي) (١). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (وفي صدره أزيز) بفتح الهمزة بعدها زاي معجمة مكسورة ثم ياء ثم زاي، أي: صوت وغليان بالبكاء. قوله: (كأزيز المرجل) بكسر الميم، وهو القدر، فإنه عند غليان الماء فيه بالنار يخرج منه صوت. وقوله: (من البكاء) بيان لما قبله، والبكاء: بالمد، خروج الدمع مع الصوت. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى أو النشيج لا يبطلها، ولا يؤثر فيها؛ لأن هذا ليس من الكلام، وإنما هو من آثار الخشوع والانطراح فيها بين يدي الله تعالى عند قراءة الآيات أو سماعها، قال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر بن الخطاب في صلاة الصبح وهو يقرأ من سورة يوسف، وأنا في آخر الصفوف، يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] (٢). فإن كان البكاء في الصلاة لغير خشية الله تعالى بل لعارض آخر كأن يأتيه خبر وهو يصلي بأن فلاناً قد مات فيبكي، فالمشهور من مذهب الإمام

стр. 788

أحمد أنه يبطل الصلاة إن ظهر منه حرفان، وهو قول مالك، وأبي حنيفة (١)، لكن إن غلبه البكاء ولم يستطع دفعه فالصواب أن صلاته لا تبطل؛ لأن هذا بغير اختياره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأما ما يغلب على المصلي من عطاس وبكاء وتأوهٍ، فالصحيح عند جمهور العلماء أنه لا يبطل، وهو منصوص أحمد وغيره) (٢)، والله أعلم.

стр. 789

التنحنح في الصلاة لا يبطلها ٢٢٤/ ٢٠ - وعَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ الله ﷺ مَدْخَلَانِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي تَنحْنَحَ لِي. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَه. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه النسائي (٣/ ١٢) في كتاب «السهو» باب «التنحنح في الصلاة»، وابن ماجه (٣٧٠٨)، وأحمد (٢/ ٤٣) من طريق أبي بكر بن عياش، عن مغيرة، عن الحارث العُكْلي، عن ابن نُجَيٍّ قال: قال علي: كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان: مدخل بالليل ومدخل بالنهار، فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي. وهذا لفظ ابن ماجه، وهو لفظ «البلوغ»، وليس عند النسائي من هذا الطريق (وهو يصلي) وإنما هو عنده من طريق آخر، وهذا إسناد ضعيف لثلاثة أمور: الأول: الكلام في بعض رواته، وهو أبو بكر بن عياش (١)، فإنه وإن كان ثقة وهو من رجال البخاري، لكنه كبر وساء حفظه، كما في «التقريب»، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (ثقة وربما غلط)، فَيُرَدُّ من حديثه ما يعلم أنه أخطأ فيه كما قال ابن حبان (٢)، ووصف الألباني كلمة ابن حبان هذه بأنها من أحسن ما قرأت فيه. وهذا الحديث قد أخطأ فيه، فإنه قد خولف في إسناده ومتنه، كما سيأتي.

стр. 790

وعبد الله بن نُجيّ متكلم فيه، فقد وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١)، وقال البخاري وابن عدي: (فيه نظر) (٢)، وقال الدارقطني: (ليس بقوي في الحديث) (٣) وقال الحافظ: (صدوق)، فمثله لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، لكن اختلف في سماعه من علي ﵁ فقد نفى سماعه منه ابن معين فقال: (لم يسمع من علي، بينه وبين علي: أبوه) (٤) ومثله قال الدارقطني (٥) واختاره المزي (٦)، وقال البزار: (سمع هو وأبوه من علي (٧))، وهذا يدل عليه ما ورد عند الطحاوي في الطريق الآتي، وكذا عند النسائي كما في «الخصائص» (٨). الأمر الثاني: الاختلاف في إسناده، فقد جاء الحديث من طريق جرير - وهو ابن عبد الحميد الضبي - عن مغيرة بن مِقْسم، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن نجي به، أخرجه النسائي (٣/ ١٢)، وابن خزيمة (٩٠٤)، وأبو يعلى (٥٩٢) فخالف جرير أبا بكر بن عياش فزاد في الإسناد بين الحارث وعبد الله بن نجي أبا زرعة بن عمرو، والحارث وأبو زرعة كلاهما له رواية عن ابن نُجي، وجاء من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عمارة بن القعقاع، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن نجي قال: قال علي .. فذكره، أخرجه أحمد (٢/ ١٣)، والطحاوي في «المشكل» (٥/ ٧)، بلفظ (قال: قال لي علي … ) وابن خزيمة (٩٠٤)، ومن الاختلاف في سنده أنه جاء من طريق شرحبيل بن مدرك الجعفي، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عند أحمد (٢/ ٧٧)، والنسائي (٣/ ١٢)، وابن خزيمة (٩٠٢). وهذا إسناد ضعيف لجهالة نجي والد عبد الله، فإنه لم يرو عنه غير ابنه، ولم يوثقه إلا ابن حبان وقال: (لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد) (٩)،

стр. 791

وقال الحافظ في «التقريب»: (مقبول)، وفي هذا الإسناد انفرد شرحبيل بذكره، كما نص على ذلك ابن خزيمة. الأمر الثالث: الاختلاف في المتن، فقد جاء من طريق جرير وعبد الواحد بلفظ: (فإن كان في صلاة سبح) مكان قوله: (تنحنح) وجرير وعبد الواحد أوثق من ابن عياش. وعلى هذا فالحديث لا يثبت بلفظ: (تنحنح) فقد تفرد به ابن عياش، على ما ذكر ابن خزيمة، فإنه قد ترجم على هذا الحديث بقوله: «باب الرخصة في التنحنح في الصلاة عند الاستئذان على المصلي إن صحت هذه اللفظة، فقد اختلفوا فيها»، وممن ضعفه البيهقي (٢/ ٢٤٧)، والطحاوي كما سيأتي، والنووي فإنه قال: (وضعفه ظاهر) (١)، وضعَّفه الألباني (٢)، وقد نقل الحافظ أن ابن السكن قد صححه (٣). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن التنحنح في الصلاة غير مبطل لها، لكن الأفضل للمصلي أن يسبِّح؛ لأن الأحاديث الواردة في التسبيح أقوى، يقول الطحاوي لما ذكر الاختلاف في متن هذا الحديث: (فوقفنا بذلك على أن رواته بالمعنى الأول من التنحنح قد خالفوا فيه، وأن مكان التنحنح المذكور فيه التسبيح في الحديث الثاني، وكان ذلك هو أولى عندنا؛ لأن الآثار التي روتها العامة من أهل العلم فيما ينوب الرجل في الصلاة مما يستعملونه فيه هو التسبيح، وأن ما يستعمله النساء في مثل ذلك هو التصفيق) (٤). والتنحنح والنحنحة: هو تردد الصوت في الجوف، يقال: نحَّ نحيحاً: تردد صوته في جوفه، والنحيح: هو الصوت يُردد في الجوف (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 792

المصلي يرد السلام بالإشارة ٢٢٥/ ٢١ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيُهِمْ حِيْنَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هكَذا، وَبَسَطَ كَفَّهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «ردِّ السلام في الصلاة» (٩٢٧)، والترمذي (٣٦٨) من طريق جعفر بن عون، ثنا هشام بن سعد، ثنا نافع قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: خرج رسول الله إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق. هذا لفظ أبي داود، ولفظ الكتاب هو لفظ الترمذي، فقد أخرجه هو وأحمد (٣٩/ ٣٢٠) من طريق وكيع، حدثنا هشام به، إلا أن في آخره: (قال: كان يشير بيده)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، والحديث صححه الألباني (١)، مع أن هشام بن سعد متكلم فيه من قبل حفظه، قال الحافظ في «التقريب»: (صدوق له أوهام)، وقال الألباني: (الذي استقر عليه رأي المحققين أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ومع المخالفة فلا يحتج به) (٢).

стр. 793

وقد احتج الإمام أحمد بهذا الحديث، فقال إسحاق بن منصور: (قلت لأبي عبد الله: هل يسلم على القوم وهم في صلاة؟ قال: نعم، وذكر هذا الحديث) (١). الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بجواز السلام على المصلي وأنه لا كراهة في ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهم سلامهم بل أقرهم عليه، وهذا قول ابن عمر ﵄، وهو مذهب الحنابلة والشافعية، ونقل ابن القاسم عن مالك أنه قال: لم يكن مالك يكره السلام على المصلين، وحكى عنه ابن وهب أنه لم يكن يعجبه أن يسلم الرجل على المصلي (٢)، واختار هذا القول ابن المنذر (٣). والقول الثاني: أنه يكره السلام على المصلي، وهذا مروي عن جابر ﵁، وبه قال عطاء والشعبي وإسحاق، وهو قول الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد؛ لأنه يُشغل قلب المصلي؛ ولأنه ربما غلط فردَّ بالكلام (٤). الوجه الثالث: استدلّ بهذا الحديث من قال بأن المصلي يرد السلام بالإشارة، وأن الإشارة لا تبطل الصلاة ولو كانت إشارة مفهومة؛ لأنها قليلة لحاجة، وإنما الذي يبطلها الرد بالكلام؛ لأنه خطاب، وهذا قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة (٥). والقول الثاني: أنه يكره للمصلي ردُّ السلام ولو بالإشارة، وهذا قول

стр. 794

الحنفية (١)، واستدلوا بحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نسلّم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة - فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلِّم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: «إن في الصلاة شغلاً» (٢). قالوا: فيتناول هذا الحديث جميع أنواع الردّ، ولأن في الإشارة ترك سنة وضع اليدين. والقول الثالث: أن المصلي يرد السلام إذا فرغ من صلاته، وهذا مروي عن أبي ذر ﵁، وبه قال عطاء والنخعي، بل قال النخعي وسفيان الثوري إذا انصرفت، فإن كان قريباً فاردد عليه، وإلا فاتبعه السلام (٣). والقول الأول أظهر، فإن الأحاديث الواردة في هذا الباب صالحة للاستدلال بها، وقد احتج بها الإمام أحمد وعمل بها، أما حديث ابن مسعود ﵁ فهو محمول على نفي الرد بالكلام دون الإشارة، جمعاً بين الأدلة (٤). وعلى القول بأن المصلي يرد بالإشارة، فقد ورد أن الإشارة تكون بالكف على ما تقدم في سياق الحديث، وورد في السنّة صفات أخرى ومنها: الرد بالإشارة بالإصبع، والأظهر أنها السّبّاحة؛ لأنها أيسر؛ ولأن العادة جرت برفعها. وقد وردت هذه الصفة في حديث ابن عمر - أيضاً - عن صهيب قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه، فردَّ عليَّ إشارة، وقال الليث بن سعد أحد رواته: لا أعلم إلا أنه قال: إشارة بإصبعه (٥).

стр. 795

قال الشوكاني: (ولا اختلاف بينهما، فيجوز أن يكون أشار بإصبعه مرة، ومرة بجميع يده، ويحتمل أن يكون المراد باليد الإصبع حملاً للمطلق على المقيد) (١). كما ورد الرد إيماءً بالرأس، وذلك في حديث ابن مسعود ﵁ وفيه: (فأومأ برأسه)، وفي رواية: (فقال برأسه، يعني: الرد) (٢). وفي ثبوت هذه الصفة نظر، لضعف الحديث، والأولى الاقتصار على الصفتين الأوليين. قال الشوكاني: (ويجمع بين الروايات أنه ﷺ فعل هذا مرة، وهذا مرة، فيكون جميع ذلك جائزاً) (٣)، والله أعلم.

стр. 796

حكم حمل الصبي ووضعه في الصلاة ٢٢٦/ ٢٢ - وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بنْتَ زَيْنَبَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَها، وإذَا قَامَ حَمَلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إذا حمل جارية على عنقه في الصلاة» (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣) من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة ﵁. وأخرجه مسلم من طريق سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان سمعا عامر بن عبد الله بن الزبير به، وفيه: رأيت النبي ﷺ يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص - وهي ابنة زينب بنت النبي ﷺ على عاتقه .. وأخرجه مسلم - أيضاً - من طريقين آخرين، أحدهما: شاركه فيه البخاري، وهو طريق سعيد المقبري، عن عمرو بن سليم الزرقي، سمع أبا قتادة يقول … ومن طريق ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن عمرو بن سليم الزرقي به، وهذا فيه انقطاع، قال أبو داود: (مخرمة لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحداً)، ونقل المزي هذه العبارة عن أبي داود، وزاد: (وهو حديث الوتر) (١)،

стр. 797

وقال الإمام أحمد: (هو ثقة، لم يسمع من أبيه شيئاً، إنما روى كتاب أبيه) نقله عنه ابن أبي حاتم (١)، وعلى هذا فروايته كتاب أبيه وجادة، والوجادة من طرق التحمل عند أهل العلم، فالحديث صحيح، ومنهج الإمام مسلم في هذا معروف، وهو ترتيبه المرويات حسب ما ذكر في مقدمة «صحيحه»، وقد جعل هذا في آخر الباب. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (كان يصلي) أي: صلاة الظهر أو العصر، لما ورد عند أبي داود من حديث أبي قتادة قال: بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ للصلاة في الظهر أو العصر، وقد دعاه بلال للصلاة، إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عنقه، فقام رسول الله ﷺ في مصلاه، وقمنا خلفه، وهي في مكانها الذي هي فيه … الحديث (٢)، وفي رواية لمسلم: (يؤم الناس). وقوله: (كان يصلي) لم يقع هذا الفعل إلا مرة واحدة، ففيه ما يدل على أن هذه العبارة لا تدل على التكرار مطلقاً. قوله: (وهو حامل أمامة) الجملة في محل نصب على الحال من فاعل (يصلي) و (حامل) بالتنوين اسم فاعل، و (أمامة) منصوب باسم الفاعل على أنه مفعول به. وروي بالإضافة، كما قرئ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] بالتنوين والإضافة، وكلاهما سبعيتان، وقد ورد عند أبي داود: (بينما نحن في المسجد جلوساً خرج علينا رسول الله ﷺ يحمل أمامة … وهي صبية) (٣) وهذا يدل على أنها كانت صغيرة. وهذه الرواية مطلقة، لكن وقع عند البخاري في «الأدب» ومسلم (على عاتقه) (٤)، وتقدم أن العاتق ما بين المنكب والعنق.

стр. 798

وأُمامة: بضم الهمزة وتخفيف الميمين، وهي بنت أبي العاص بن الربيع، ولدت على عهد رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يحبها. قوله: (بنت زينب) نسبها إلى أمها لشرف نسبها إلى رسول الله ﷺ وقيل: لأن أباها كان مشركاً آنذاك، وزينب هي ابنة رسول الله ﷺ كبرى بناته، وقيل: أكبر أولاده، ولدت وللنبي ﷺ ثلاثون سنة، وزَوَّجَها ابن خالتها أبا العاص قبل البعثة بيسير، ثم هاجرت، وتركته على شركه، واسمه لقيط بن الربيع بن عبد العزى القرشي العبشمي ﵁ وأمه هالة بنت خويلد بن أسد، أخت خديجة لأبيها وأمها، أسلم قبل الفتح في المحرم سنة سبع، وهاجر، فردَّ عليه النبي ﷺ زينب (١)، وماتت زينب سنة ثمان من الهجرة، وغسلتها أم عطية ﵂ مع أخريات، كما سيأتي في «الجنائز» إن شاء الله. وقد ثبت في «الصحيحين» بعد قوله: (بنت زينب) قوله: (ولأبي العاص) وهي معطوفة على زينب بإظهار اللام المقدرة في الإضافة، والتقدير: بنت لزينب ولأبي العاص، ونسبتها ثانية لأبيها فيه مراعاة للأدب في نسبتها له، لبيان أنه أبوها الحقيقي، وقد أخرجه البخاري في «الأدب» - كما تقدم - بلفظ: (خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه) (٢). قوله: (فإذا سجد) معطوف على قوله: (يصلي)، وفي رواية عند البخاري ومسلم: (فإذا ركع وضعها) أي: وضعها على الأرض. قوله: (وإذا قام) أي: من السجود إلى الركعة التالية حملها، وعند أبي داود: (حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام، أخذها فردها في مكانها … ). الوجه الثالث: الحديث دليل على أن العمل المشابه لهذا الفعل لا يبطل الصلاة، سواء أكانت فريضة أم نافلة، وسواء أكان إماماً أم منفرداً، وقد تقدم في رواية مسلم: (أنه كان يؤم الناس)، وإذا جاز ذلك في حال الإمامة جاز في حال الانفراد، وإذا جاز في الفريضة جاز في النافلة بالأولى.

стр. 799

قال الحافظ ابن رجب: (والحديث نص صريح في جواز مثل هذا العمل في الصلاة المكتوبة، وأن ذلك لا يكره فيها، فضلاً عن أن يبطلها .. ) (١). وقد ذكر العلماء لهذا الحديث تأويلات بعيدة، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه شغل كثير، كما ذكر القرطبي (٢)، فقال بعضهم: إنه خاص بالنبي ﷺ ، وقال آخرون: إن أُمامة كانت تعلَّق به من دون فعل منه، وبعضهم قال: إن هذا في النافلة، وبعضهم قال: هذا للضرورة وإذا لم يوجد من يكفي الطفل ويحفظه، وبعضهم قال: إنه منسوخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة بغيرها، وهذا قاله ابن عبد البر، ومال إليه القرطبي. وهذه دعاوى لا يلتفت إليها، وبعضها يرده سياق الحديث، كما تقدم؛ فالصواب أن مثل هذا العمل لا يؤثر في الصلاة. وقد اختلف العلماء في ضابط الحركة التي تبطل الصلاة، فمن أهل العلم من حددها بثلاث حركات، ونسب هذا إلى ابن عقيل الحنبلي (٣)، وهو قول ضعيف لأمرين: الأول: أن كل من حدد شيئاً بعدد معين أو كيفية معينة فعليه الدليل؛ لأن التقدير بابه التوقيف، وهذا لا توقيف فيه (٤). الثاني: أنه ثبت أن النبي ﷺ حمل أمامة، كما في هذا الحديث، وفي صلاة الكسوف تقدم ورجع وتأخر (٥). وقال آخرون: يُرجع في هذا إلى العرف، فما عُدَّ في العرف كثيراً فهو كثير يبطل الصلاة، وما عُدّ في العرف يسيراً فهو يسير لا يبطلها، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (٦)، وهذا فيه شيء من الضعف؛ لأن الأعراف تختلف

стр. 800

باختلاف البلدان واختلاف الأفهام، فقد يرى بعض الناس هذا كثيراً، وقد يراه آخرون قليلاً. والقول الثالث: أن الكثير من الحركة ما خُيل للناظر أن المتحرك ليس في صلاة، وهذا حكاه صاحب «الإنصاف» (١) بلفظ: (وقيل)، ولعل هذا هو أظهر الأقوال وأقربها، وهو أن كل حركة تنافي الصلاة بحيث إذا رؤي الشخص يتحرك خُيِّل للناظر أنه ليس في صلاة، فهي مبطلة للصلاة، أما الشيء اليسير الذي لا ينافيها فلا يبطلها. ويمكن أن تقسم الحركة في الصلاة إلى ثلاثة أقسام مستفادة من الأدلة وهي: ١ - حركة مأمور بها، وهي كل حركة تتوقف عليها صحة الصلاة، أو كمالها، فالأول: كما لو رأى على غطاء رأسه أو عباءته نجاسة فألقاها، وكما لو استدار إلى القبلة لما تبين له الصواب، ومن أدلة ذلك ما ورد في «الصحيحين» من استدارة الصحابة ﵃ إلى الكعبة لما أُخبروا بتحويل القبلة إليها (٢)، وقد ورد في «الصحيحين» أن الرسول ﷺ أدار ابن عباس من ورائه إلى يمينه لما وقف عن يساره (٣)، وهذا على القول بعدم صحة الصلاة عن يسار الإمام مع خلو يمينه. والثاني: وهو ما يتوقف عليه كمال الصلاة، كالتقدم إلى مكان فاضل، كسدِّ فرجة في الصف، أو تَحَرُّكٍ لتسوية الصف، فهذه مأمور بها لكمال الصلاة. ٢ - حركة منهي عنها، فإن كانت كثيرة متوالية لغير حاجة فهي مبطلة للصلاة - على ما تقدم - وإلا فهي مكروهة، وهي كل حركة يسيرة لغير حاجة، كما عليه كثير من الناس من العبث بالساعة أو النظر إليها أو تسوية غطاء

стр. 801

الرأس أو العبث باللحية ونحو ذلك، فكل ذلك مكروه؛ لأنه ينافي الخشوع في الصلاة، فإن كَثُر وتوالى فهو محرم مبطل للصلاة. ٣ - حركة مباحة، وهي اليسيرة لحاجة أو الكثيرة للضرورة، فالأولى كما في حديث الباب، والكثيرة للضرورة كما في حالة الخوف إذا لم يتمكنوا معه من أداء الصلاة على الوجه المطلوب فإنهم يصلون وهم مشاة على أرجلهم أو راكبون على خيولهم، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩] (١). ومن الحركة المباحة أن يحك جسده أو يصلح إزاره إذا استرخى، وقد نقل ابن رجب عن الإمام أحمد أنه سأله حرب عن الرجل يصلي فتحتك ساقه فيحكه، فكأنه كرهه، قلت: يحكه بقدمه؟ قال: هو بالقدم أسهل، وكأنه رخص فيه. ونقل عن بعض متأخري الحنابلة أنه قال: الحك الذي لا يصبر عنه المصلي لا تبطل صلاته وإن كَثُر (٢). الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز حمل الأطفال في الصلاة؛ لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفوٌّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم طاهرة، ما لم تتحقق نجاستها، ولو كان محكوماً بنجاستها لم يصلِّ النبي ﷺ وهو حامل أمامة، وقد نصَّ الشافعي وغيره على طهارتها. والقول الثاني: أنه لا يحكم بطهارتها؛ لأنهم لا يتنزهون من البول، وهو قول بعض الشافعية والحنابلة، والأول أصح؛ لأن هذا الحديث يدل على طهارتها (٣). الوجه الخامس: حسنُ خلق النبي ﷺ ورأفته وملاطفته للصبيان جبراً لهم ولوالديهم، وهذا فيه التواضع مع الصبيان، وسائر الضعفة ورحمتهم

стр. 802

وملاطفتهم، ولذا أعاد البخاري هذا الحديث في كتاب «الأدب» - كما تقدم - وبوّب عليه: «باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته». الوجه السادس: في الحديث دليل على يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها، حيث إن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وكذا الكثير المتفرق. الوجه السابع: الحديث دليل على جواز إدخال الصبيان المساجد، وقد استدل بذلك النسائي حيث بوَّبَ على هذا الحديث بـ (إدخال الصبيان المساجد) (١). ويدل لذلك أن هذه الصلاة كانت مكتوبة، وهي لا تكون إلا في المسجد كما تقدم، والله تعالى أعلم.

стр. 803

حكم قتل الحية والعقرب في الصلاة ٢٢٧/ ٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلاةِ: الحَيَّةَ، والْعَقْرَبَ». أَخْرَجَه الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «العمل في الصلاة» (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠)، والنسائي (٣/ ١٠)، وابن ماجه (١٢٤٥)، وابن حبان (٢٣٥٢)، كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم بن جَوْس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .. فذكره. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). فهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير ضمضم بن جوس فمن رجال أصحاب السنن، وهو ثقة، ويحيى بن أبي كثير: ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل - كما في «التقريب» - وقد صرح بالتحديث عند أحمد (١٦/ ١١٧). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (اقتلوا الأسودين) تثنية أسود، يطلق على الحية والعقرب على أيِّ لون كانا، ولو لم يكونا أسودين، وتسميتهما بذلك من باب التغليب؛ لأن المسمى بالأسود في الأصل: الحية، هكذ ذكروا. قوله: (الحية والعقرب) بيان للأسودين، والحية: دابة من الزواحف، طويلة البطن، جسمها محرشف، عديم الأطراف، وهي أنواع، بعضها أخبث من بعض، وهي تلدغ بواسطة العضِّ بفمها، ثم تفرز مادة سامة تنتقل إلى

стр. 804

اللديغ، ولذا قال علماء اللغة: لدغته العقرب: لسعته، ولدغته الحية: عضته. والعقرب: دابة معروفة، تلسع بشوكة في طرف ذيلها، فتفرز مادة سامة، وهو لفظ يطلق على الذكر والأنثى. الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب قتل الحية والعقرب في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك في قوله: «اقتلوا .. »، ويغتفر في ذلك المشي اليسير أو أخذ النعل لضربها، ونحو ذلك. ولعلّ الأمر بقتلهما والمسامحة عما يحصل من الحركة مقصود به مبادرة الفرصة قبل فواتها، كإنقاذ الغريق، وإطفاء الحريق، ونحو ذلك مما يفوت بفوات وقته؛ ولأن في قتلهما دَفْعَ انشغال الخاطر بهما، ولا سيّما في حال الصلاة، وإزالة الأذى. وظاهر الحديث أن قتلهما غير مقيد بضربة أو ضربتين، لكن الظاهر أنه إن احتاج قتلهما إلى معالجة كثيرة فسدت صلاته، كما إذا قاتل في صلاته؛ لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة. وكذا لو كانت الحية أو العقرب بعيدة ويخشى منها على نائم أو على طفل، فالذي يظهر من قواعد الشريعة أنه يقطع صلاته ويقتلها، كحالة الغرق أو الحريق أو العدو ونحو ذلك. وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: سألته، قلت: الرجل يصلي، فيرى صبياً على بئر يتخوف أن يسقط بها أينصرف؟ قال: نعم، قلت: فيرى سارقاً يريد أن يأخذ بغلته؟ قال: ينصرف (١)، وقد علق البخاري الجزء الثاني بمعناه (٢). وقد ذكر الحافظ ابن حجر عن بعض الحنابلة أنه قال: (إنما يقطع صلاته إذا احتاج إلى عمل كثير في أخذ الشيء، فإن كان العمل يسيراً لم تبطل به الصلاة) (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 805

باب سترة المصلي السُّترة، بالضم: ما يُستتر به مطلقاً، لكن غلب إطلاقها عند الفقهاء على ما ينصبه المصلي أمامه، لمنع المرور بين يديه من عصا أو سوط، أو غير ذلك من شجرة أو دابة أو سارية ونحو ذلك. ولا خلاف بين أهل العلم أنه يستحب للمصلي إماماً كان أو منفرداً أن يصلي إلى سترة، سواء صلّى في العمران أو في الفضاء، لما ورد في ذلك من السنّة القولية والفعلية. ولا فرق على الأظهر بين أن يخشى المصلي ماراً أو لا يخشى، فتستحب له السترة مطلقاً، وإنما وقع الخلاف في وجوبها، كما سيأتي إن شاء الله. وأما المأموم فلا يسن له أن يتخذ سترة؛ لأن ذلك لم يرد؛ ولأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وقد حكى جمع من أهل العلم كابن بطال، وابن حزم، والقاضي عياض الإجماع على أن المأموم لا يكلف اتخاذ سترة، فإن النبي ﷺ صلّى إلى العنزة، ولم يرد أن أحداً من الصحابة ﵃ اتخذ غيرها (١)، وورد في حديث ابن عباس ﵄ قال: (أقبلت راكباً على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد (٢))، ولا ريب أن الصلاة إلى سترة فيها فوائد ومصالح؛ منها:

стр. 806

١ - امتثال أمر النبي ﷺ باتخاذها، واتباع هديه ﷺ ، فقد كان يصلي إلى سترة حضراً وسفراً، والإنسان يثاب على اتباع السنّة وإحيائها. ٢ - أن الصلاة إلى سترة تحفظ على المصلي صلاته من مرور الشيطان أمامه وقطعه لصلاته، وقد قال النبي ﷺ : «إذا صلّى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته» (١) (٢). ومرور الشيطان أمام المصلي يؤدي إلى استيلائه عليه وتمكنه من قلبه بالوسوسة إما كلاًّ وإما بعضاً، بحسب صدق المصلي وإقباله في صلاته على الله تعالى، وهذا يؤثر على خشوع المصلي وخضوعه وتدبُّره القراءة والذكر. ٣ - كف البصر عما وراء السترة، لا سيّما إذا كانت سترة شاخصة، كسارية أو جدار، وهذا أمر محسوس، فإن المصلي إلى سترة يرى أنه أجمع لقلبه وأقرب لخشوعه، وأغض لبصره. ٤ - أن السترة تنفع المصلي، فلا تبطل صلاته إذا كان المار مما يقطعها، ولا تنقص إذا كان المار ممن لا يقطعها، وتنفع المار لأنه يكون له مجال المرور من وراء السترة فلا يحوجه إلى المرور بين يديه فيقع في الإثم، أو الوقوف حتى تنتهي صلاته، وهذا فيه حرج.

стр. 807

حكم المرور بين يدي المصلي ٢٢٨/ ١ - وعَنْ أَبي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَوْ يَعْلَمْ المَارُّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَوَقَعَ فِي «الْبَزَّارِ» مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: «أَرْبَعِينَ خَرِيفاً». الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو جهيم ويقال: أبو جهم، عبد الله بن الحارث بن الصِّمَّة - بكسر المهملة وتشديد الميم - الأنصاري النجاري، صحابي معروف، وهو ابنُ أختِ أُبي بن كعب ﵄ له حديثان، أحدهما هذا، والآخر في السلام على من يبول (١)، وهو غير صاحب الأنبجانية، فذاك يقال له: أبو الجهم، وهو قرشي، وهذا أنصاري، مات في خلافة معاوية ﵁. وهل أبو جهيم هو عبد الله بن جهيم؟ قولان، فأبو حاتم ومن وافقه يرى أنهما اثنان، وأن عبد الله بن جهيم هو راوي هذا الحديث، وابن الحارث هو راوي حديث البول. وابن منده وابن عبد البر يريان أنهما شخص واحد، قال ابن عبد البر: (أبو جهيم عبد الله بن جهيم الأنصاري)، ثم ذكر حديثه هذا (٢).

стр. 808

الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إثم المار بين يدي المصلي» (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧) من طريق مالك، عن أبي النضر (١) مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم … فذكره. وزاد البخاري ومسلم: قال أبو النضر: لا أدري أقال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة. وأخرجه مسلم - أيضاً - من طريق سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر به. ولفظ البخاري ومسلم سواء، وعليه فلا وجه لقول الحافظ: واللفظ للبخاري، إلا إن كان يريد لفظة (من الإثم) وأنها للبخاري دون مسلم، وهذا غير صحيح، فإنها ليست في صحيح البخاري ولا مسلم، وقد روى الحديث باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، كما ذكر ذلك الحافظ، وذكر أنه عِيْبَ على صاحب «العمدة» في إيهامه أنها في «الصحيحين»، فالعجب من نسبة المصنف لها هنا إلى الشيخين، فقد وقع له من الوهم ما وقع لصاحب «العمدة»، وذكر الحافظ أنها من زيادات الكُشْمَيْهَنِي، وذكر احتمال أن تكون هذه اللفظة وجدت في حاشية أصل البخاري، فظنها بعض رواة البخاري - وهو الكشميهني - أصلاً، فزادها؛ لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ، بل كان راوية. لكن البخاري بوّب على الحديث - كما تقدم - بقوله: «باب: إثم المار بين يدي المصلي» وكأن هذا الذي غرَّ الكشميهني في ظنه المذكور، وأما البخاري فقد اعتمد في ترجمته على ما يفهم من معنى الحديث. أما رواية البزار فقد أخرجها في «مسنده» (٩/ ٢٣٩) (٣٧٨٢) من طريق سفيان - وهو ابن عيينة ـ، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد قال:

стр. 809

أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله عن المار بين يدي المصلي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه كان لأن يقوم أربعين خريفاً خير له من أن يمر بين يديه». وقد ذكر العلماء أن ابن عيينة أخطأ في الحديث سنداً ومتناً (١)، أما في السند فلأنه خالف مالكاً والثوري الراويين عن أبي النضر، فروى الحديث عنه مقلوباً، فجعل المسؤول هو زيد بن خالد، والسائل أبو جهيم، وفي لفظ الصحيحين السائل زيد بن خالد والمسؤول أبو جهيم، وهو عندهما من طريق مالك، وكذا رواه في «الموطأ» (١/ ١٥٤) وتابعه الثوري عند مسلم وغيره، ومالك والثوري إذا اجتمعا كانا أولى من ابن عيينة، على أن ابن عيينة روى الحديث على الصواب، فيما أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ٨٣) ومن قبله ابن خزيمة (٢/ ١٤). أما الخطأ في المتن فقد تفرّد ابن عيينة بلفظة: (أربعين خريفاً) فرواها عن أبي النضر، وهي لم ترد في رواية مالك والثوري عنه، فإن أبا النضر قال: لا أدري أقال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة. وهذه رواية الجماعة، ورواه أحمد، عن ابن عيينة (٢٨/ ٢٨٦) بما يوافق رواية الجماعة ولفظه: (لا أدري من يومٍ أو شهرٍ أو سنةٍ .. )، وما دام أن الأئمة رووا الحديث عن ابن عيينة على الصواب، فلعل الخطأ المذكور من الراوي عنه، والله تعالى أعلم. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (لو يعلم المار) لو: حرف شرط، يدل على ما كان سيقع لوقوع غيره نحو: لو حضر أخوك لحضرت، أي: كان سيقع حضوري فيما مضى لو حضر أخوك، والتقدير هنا: سيقع اختيار الوقوف في الزمن الماضي لو وقع المرور بين يدي المصلي. والشرط قوله: يَعْلَمُ، والجواب: لكان أن يقف، وقيل: محذوف تقديره: لاختار أن يقف.

стр. 810

والمراد بالمار: العابر من اليمين إلى الشمال أو بالعكس، وخرج بذكر المار: القائم والقاعد والنائم وغيره، فلا إثم عليه إلا إن قصد بذلك التشويش على المصلي فهو في معنى المار (١). قوله: (بين يدي المصلي) أي: أمام المصلي من قدميه إلى منتهى سجوده على الأظهر، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رمية حجر، وقيل: إذا بَعُدَ عرفاً بحيث لا يمكن دفعه إلا بالتقدم خطوات، وهذا إذا لم يتخذ المصلي سترة، فإن اتخذ سترة فإنه يمر وراءها ولا حرج. والتعبير باليدين من باب المجاز المرسل، حيث عبّر بالبعض عن الكل، قيل: وجه ذلك لأن أكثر عمل الإنسان بهما حتى نسب الكسب إليهما في نحو: بما كسبت يداك، وأشباهه. قوله: (ماذا عليه من الإثم) أي: من العقوبة. قوله: (لكان أن يقف) أي: يبقى واقفاً منتظراً فراغ المصلي، و (أن) وما بعدها في تأويل مصدر اسم (كان)، و (خيراً) خبرها، والتقدير: لكان وقوفه أربعين خيراً له من أن يمر. قوله: (خريفاً) الخريف: الفصل الذي تُخرف فيه الثمار، وهو أحد فصول السنة الأربعة: الشتاء والربيع والخريف والصيف. وقد أُبهم المعدود في رواية «الصحيحين» وغيرهما، تفخيماً للأمر وتعظيماً، وإن كان ظاهر السياق أنه عيّن المعدود، ولكن شك الراوي فيه، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه، معترضاً في الصلاة، كان لأن يقيم مئة عام خير له من الخطوة التي خطاها» (٢).
следующие страницы →