١ - امتثال أمر النبي ﷺ باتخاذها، واتباع هديه ﷺ ، فقد كان يصلي إلى سترة حضراً وسفراً، والإنسان يثاب على اتباع السنّة وإحيائها.
٢ - أن الصلاة إلى سترة تحفظ على المصلي صلاته من مرور الشيطان أمامه وقطعه لصلاته، وقد قال النبي ﷺ : «إذا صلّى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته» (١)(٢).
ومرور الشيطان أمام المصلي يؤدي إلى استيلائه عليه وتمكنه من قلبه بالوسوسة إما كلاًّ وإما بعضاً، بحسب صدق المصلي وإقباله في صلاته على الله تعالى، وهذا يؤثر على خشوع المصلي وخضوعه وتدبُّره القراءة والذكر.
٣ - كف البصر عما وراء السترة، لا سيّما إذا كانت سترة شاخصة، كسارية أو جدار، وهذا أمر محسوس، فإن المصلي إلى سترة يرى أنه أجمع لقلبه وأقرب لخشوعه، وأغض لبصره.
٤ - أن السترة تنفع المصلي، فلا تبطل صلاته إذا كان المار مما يقطعها، ولا تنقص إذا كان المار ممن لا يقطعها، وتنفع المار لأنه يكون له مجال المرور من وراء السترة فلا يحوجه إلى المرور بين يديه فيقع في الإثم، أو الوقوف حتى تنتهي صلاته، وهذا فيه حرج.
стр. 807
حكم المرور بين يدي المصلي
٢٢٨/ ١ - وعَنْ أَبي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَوْ يَعْلَمْ المَارُّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَوَقَعَ فِي «الْبَزَّارِ» مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: «أَرْبَعِينَ خَرِيفاً».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو جهيم ويقال: أبو جهم، عبد الله بن الحارث بن الصِّمَّة - بكسر المهملة وتشديد الميم - الأنصاري النجاري، صحابي معروف، وهو ابنُ أختِ أُبي بن كعب ﵄ له حديثان، أحدهما هذا، والآخر في السلام على من يبول (١)، وهو غير صاحب الأنبجانية، فذاك يقال له: أبو الجهم، وهو قرشي، وهذا أنصاري، مات في خلافة معاوية ﵁.
وهل أبو جهيم هو عبد الله بن جهيم؟ قولان، فأبو حاتم ومن وافقه يرى أنهما اثنان، وأن عبد الله بن جهيم هو راوي هذا الحديث، وابن الحارث هو راوي حديث البول.
وابن منده وابن عبد البر يريان أنهما شخص واحد، قال ابن عبد البر: (أبو جهيم عبد الله بن جهيم الأنصاري)، ثم ذكر حديثه هذا (٢).
стр. 808
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إثم المار بين يدي المصلي» (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧) من طريق مالك، عن أبي النضر (١) مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم … فذكره.
وزاد البخاري ومسلم: قال أبو النضر: لا أدري أقال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة. وأخرجه مسلم - أيضاً - من طريق سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر به.
ولفظ البخاري ومسلم سواء، وعليه فلا وجه لقول الحافظ: واللفظ للبخاري، إلا إن كان يريد لفظة (من الإثم) وأنها للبخاري دون مسلم، وهذا غير صحيح، فإنها ليست في صحيح البخاري ولا مسلم، وقد روى الحديث باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، كما ذكر ذلك الحافظ، وذكر أنه عِيْبَ على صاحب «العمدة» في إيهامه أنها في «الصحيحين»، فالعجب من نسبة المصنف لها هنا إلى الشيخين، فقد وقع له من الوهم ما وقع لصاحب «العمدة»، وذكر الحافظ أنها من زيادات الكُشْمَيْهَنِي، وذكر احتمال أن تكون هذه اللفظة وجدت في حاشية أصل البخاري، فظنها بعض رواة البخاري - وهو الكشميهني - أصلاً، فزادها؛ لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ، بل كان راوية.
لكن البخاري بوّب على الحديث - كما تقدم - بقوله: «باب: إثم المار بين يدي المصلي» وكأن هذا الذي غرَّ الكشميهني في ظنه المذكور، وأما البخاري فقد اعتمد في ترجمته على ما يفهم من معنى الحديث.
أما رواية البزار فقد أخرجها في «مسنده» (٩/ ٢٣٩) (٣٧٨٢) من طريق سفيان - وهو ابن عيينة ـ، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد قال:
стр. 809
أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله عن المار بين يدي المصلي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه كان لأن يقوم أربعين خريفاً خير له من أن يمر بين يديه».
وقد ذكر العلماء أن ابن عيينة أخطأ في الحديث سنداً ومتناً (١)، أما في السند فلأنه خالف مالكاً والثوري الراويين عن أبي النضر، فروى الحديث عنه مقلوباً، فجعل المسؤول هو زيد بن خالد، والسائل أبو جهيم، وفي لفظ الصحيحين السائل زيد بن خالد والمسؤول أبو جهيم، وهو عندهما من طريق مالك، وكذا رواه في «الموطأ» (١/ ١٥٤) وتابعه الثوري عند مسلم وغيره، ومالك والثوري إذا اجتمعا كانا أولى من ابن عيينة، على أن ابن عيينة روى الحديث على الصواب، فيما أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ٨٣) ومن قبله ابن خزيمة (٢/ ١٤).
أما الخطأ في المتن فقد تفرّد ابن عيينة بلفظة: (أربعين خريفاً) فرواها عن أبي النضر، وهي لم ترد في رواية مالك والثوري عنه، فإن أبا النضر قال: لا أدري أقال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة. وهذه رواية الجماعة، ورواه أحمد، عن ابن عيينة (٢٨/ ٢٨٦) بما يوافق رواية الجماعة ولفظه: (لا أدري من يومٍ أو شهرٍ أو سنةٍ .. )، وما دام أن الأئمة رووا الحديث عن ابن عيينة على الصواب، فلعل الخطأ المذكور من الراوي عنه، والله تعالى أعلم.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (لو يعلم المار) لو: حرف شرط، يدل على ما كان سيقع لوقوع غيره نحو: لو حضر أخوك لحضرت، أي: كان سيقع حضوري فيما مضى لو حضر أخوك، والتقدير هنا: سيقع اختيار الوقوف في الزمن الماضي لو وقع المرور بين يدي المصلي.
والشرط قوله: يَعْلَمُ، والجواب: لكان أن يقف، وقيل: محذوف تقديره: لاختار أن يقف.
стр. 810
والمراد بالمار: العابر من اليمين إلى الشمال أو بالعكس، وخرج بذكر المار: القائم والقاعد والنائم وغيره، فلا إثم عليه إلا إن قصد بذلك التشويش على المصلي فهو في معنى المار (١).
قوله: (بين يدي المصلي) أي: أمام المصلي من قدميه إلى منتهى سجوده على الأظهر، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رمية حجر، وقيل: إذا بَعُدَ عرفاً بحيث لا يمكن دفعه إلا بالتقدم خطوات، وهذا إذا لم يتخذ المصلي سترة، فإن اتخذ سترة فإنه يمر وراءها ولا حرج.
والتعبير باليدين من باب المجاز المرسل، حيث عبّر بالبعض عن الكل، قيل: وجه ذلك لأن أكثر عمل الإنسان بهما حتى نسب الكسب إليهما في نحو: بما كسبت يداك، وأشباهه.
قوله: (ماذا عليه من الإثم) أي: من العقوبة.
قوله: (لكان أن يقف) أي: يبقى واقفاً منتظراً فراغ المصلي، و (أن) وما بعدها في تأويل مصدر اسم (كان)، و (خيراً) خبرها، والتقدير: لكان وقوفه أربعين خيراً له من أن يمر.
قوله: (خريفاً) الخريف: الفصل الذي تُخرف فيه الثمار، وهو أحد فصول السنة الأربعة: الشتاء والربيع والخريف والصيف.
وقد أُبهم المعدود في رواية «الصحيحين» وغيرهما، تفخيماً للأمر وتعظيماً، وإن كان ظاهر السياق أنه عيّن المعدود، ولكن شك الراوي فيه، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه، معترضاً في الصلاة، كان لأن يقيم مئة عام خير له من الخطوة التي خطاها» (٢).
стр. 811
لكن ذكر الحافظ أن هذا يشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين (١).
وقد مال الطحاوي إلى أن حديث أبي هريرة - هذا - متأخر عن حديث الباب الذي هو حديث أبي جهيم؛ لأن في حديث أبي هريرة زيادة في الوعيد، وهذا يناسب تأخره تغليظاً، لا تقدمه، فيكون ما في حديث الباب تخفيفاً؛ لأن المقام مقام زجر وتخويف، والله أعلم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي، وأنه من المسائل التي جاء فيها الوعيد، وقد ذكر الشوكاني أن هذا دليل على أن المرور بين يدي المصلي من الكبائر (٢)، وذلك - والله أعلم - لأن المصلي واقف بين يدي الله تعالى يناجيه، وفي المرور بين يديه قطع لمناجاته، وتشويش عليه، وقد نقل ابن حزم الإجماع على أنه آثم (٣).
وقد عبّر جمع من أهل العلم كابن عبد البر وابن حزم والبغوي بكراهة المرور بين يدي المصلي، والظاهر أن المراد كراهة التحريم، لما ثبت في ذلك من الوعيد الشديد (٤)، ولَمَّا قال الترمذي: (والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، كرهوا المرور بين يدي المصلي)، قال الشارح المباركفوري: (المراد بالكراهة عند الترمذي: التحريم) (٥)، فيجب على المسلم أن يحذر المرور بين يدي المصلي أو التساهل في ذلك، خشية الوقوع تحت هذا الوعيد، كما أنه ينبغي للمصلي أن يبتعد عن الصلاة في طرق الناس والأمكنة التي لا بدّ لهم من المرور بها، كالممرات في مثل المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمساجد الكبيرة؛ لئلا يعرض صلاته للنقص أو التشويش، ويعرض المارة للإثم، أو الحرج بالوقوف حتى يفرغ من صلاته.
стр. 812
الوجه الخامس: المصلي إن صلّى إلى سترة حرم المرور بينه وبين سترته، وكذا لو اتخذ سجادة يصلي عليها، فإن هذه السجادة محترمة، فلا يحل لأحد أن يمر بين يدي المصلي فيها.
فإن كان المصلي إلى غير سترة، فإن المحرم ما بين قدمه وموضع سجوده، فلا يحل لأحد أن يمر في هذا الموضع، وإنما قيّد بذلك على الأظهر؛ لأن المصلي لا يستحق أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحق أن يمنع الناس مما لا يحتاجه، فإن بعُد المار سلم من الإثم؛ لأنه إذا بعُد عنه عرفاً لا يسمى ماراً بين يديه، فهو كالذي يمر من وراء السترة.
الوجه السادس: الراجح من قولي أهل العلم أن المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام محرم، لا فرق في ذلك بينه وبين غيره، لعموم هذه الحديث، وليس هناك دليل يخص مكة أو المسجد الحرام. ومن تراجم البخاري في صحيحه: «باب السترة بمكة وغيرها» قال ابن حجر: (أراد البخاري التنبيه على ضعف الحديث - يعني حديث المطلب ابن أبي وداعة - وأنه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، قال: وهذا هو المعروف عند الشافعية، وأنه لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها) (١).
وقد ثبت في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما صلّى ركعتي الطواف جعل المقام بينه وبين البيت (٢).
وعن صالح بن كيسان قال: (رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة، فلا يدع أحداً يمر بين يديه، يبادره، قال: يرده) (٣).
لكن إن صلّى الإنسان في مكان يحتاج الناس المرور فيه كالممرات الموجودة داخل المسجد الحرام فإن الجناية من المصلي نفسه؛ لأن الحق
стр. 813
للمارة، وكذا من يصلي في المطاف، فإنه لا حرمة له، ولا يلزم الناس أن يتحاشوا المرور بين يديه؛ لأنه هو الذي وقف يصلي في مكانهم.
وقد نصّ جمع من أهل العلم على أنه في حال الزحام الشديد في مكة لا يدفع المار بين يديه، وإنما النهي فيما إذا وجد المار سبيلاً، لكن على المسلم أن يتقي الله ما استطاع، ولا يتهاون في هذا الأمر، كما عليه كثير من الناس، فإن غُلِبَ على ذلك فلا بأس إن شاء الله تعالى، لما يترتّب على منع المرور بين يدي المصلي من الحرج الشديد على المار والممرور عليه، لما يسببه ذلك من مضاعفة الزحام، والله أعلم.
стр. 814
مقدار ارتفاع السترة
٢٢٩/ ٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالت: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوك - عَنْ سُتْرَةِ المُصَلِّي فَقَالَ: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «سترة المصلي» (٥٠٠) من طريق أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: … فذكرته.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (مثل مؤخرة الرحل) بضم الميم وسكون الهمزة، وكسر الخاء المعجمة، هي العود الذي يكون في آخر الرحل، يستند إليه الراكب، قال النووي: هي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع (١).
والظاهر أن طولها غير مقدر، فقد تكون نصف ذراع، وقد تكون أكثر أو أقل، وكأن هذا - والله أعلم - بيان لنوع السترة، وليس تحديداً لمقدارها، كما سيأتي إن شاء الله.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يكفي من السترة ما كان بمقدار مؤخرة الرحل في الارتفاع، أي: بمقدار ثلثي ذراع تقريباً، وهذا ليس على سبيل التحديد، بل هو على سبيل التقريب؛ لأنه ثبت أنه ﷺ استتر بالجدار والعَنَزة والحَرْبَةِ ومقام إبراهيم ﵊ وغير ذلك مما هو أطول بكثير من مؤخرة الرحل، وفي الحديث الآتي أمر بالاستتار ولو بسهم، وهو أقصر من مؤخرة الرحل، والله تعالى أعلم.
стр. 815
الأمر باتخاذ السترة وأنه لا تحديد لعرضها
٢٣٠/ ٣ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ». أَخْرَجَهُ الْحَاكِم.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو ثُرية - بضم المثلثة وفتح الراء وتشديد المثناة التحتية، ويقال: ثَريَّة بالفتح - سَبْرة - بفتح السين وسكون الباء الموحدة - ابن معبد الجهني ﵁ نزل المدينة، وأقام بذي المروة (١)، وهو والد الربيع بن سبرة الجهني، روى عنه ابنه الربيع، وروى عن الربيع جماعة، وأجلّهم ابن شهاب، وهو راوي حديث المتعة، وأن الرسول ﷺ أذن فيها بمكة ثلاثة أيام ثم حرمت إلى يوم القيامة، وحديثه في مسلم، وسيأتي - إن شاء الله - في كتاب «النكاح»، مات في خلافة معاوية ﵁ (٢).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه الحاكم (١/ ٢٥٢)، وأحمد (٢٤/ ٥٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٧٨)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٦٥٤٢) من طريق عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «استتروا بصلاتكم ولو بسهم»، هذا لفظ الحاكم من هذا الطريق، وأما ما في الكتاب فهو لفظ ابن أبي شيبة.
стр. 816
والحديث سنده حسن؛ لأن عبد الملك بن الربيع ضعفه ابن معين (١). وقال ابن القطان: (لم تثبت عدالته، وإن كان مسلم قد أخرج له فغير محتج به، وعسى أن يكون الحديث حسناً لا ضعيفاً) (٢).
وقد ذكر الحافظ أن مسلماً أخرج له متابعة حديثاً في المتعة (٣)، ونقل - أيضاً - أن العجلي وثقه، كما وثقه الذهبي (٤)، ثم إنه لم يتفرد به عبد الملك، فقد تابعه أخوه عبد العزيز عند الحاكم من طريق حرملة (١/ ٢٥٢)، والبخاري في «التاريخ» (٤/ ١٨٧) من طريق سبرة كلاهما عن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد، عن أبيه، عن جده مرفوعاً: «ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم» وقد وثقه ابن حبان (٥). وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق ربما غلط)، وأما الربيع فثقة.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (ولو بسهم) لو: تفيد التقليل، والسهم: هو النصل العريض الذي يبلغ طوله فِتْراً تقريباً (٦)، والفتر، بالكسر: ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة بالتفريج المعتاد (٧)، ويقدر بحوالي ستة عشر سم، فإذا غرز جزء منه في الأرض ثلثه - مثلاً - بقي ثلثاه، وهو شيء قليل بالنسبة لمؤخرة الرحل.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن السترة تحصل بكل شيء ينصبه المصلي أمامه ولو كان قصيراً أو دقيقاً كالسهم، وظاهر هذا أنه لا يعدل إلى السهم إلا إذا لم يجد سترة كافية، كمؤخرة الرحل، لقوله: «ولو بسهم»، وهذا دليل على تيسير الإسلام في موضوع السترة، وقد جاء ما هو أسهل من ذلك، وهو الاستتار بالخط، كما سيأتي إن شاء الله.
الوجه الخامس: الحديث دليل على الأمر باتخاذ السترة في الصلاة،
стр. 817
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذا أمر إيجاب، فقالوا بوجوب اتخاذ السترة، وهو رواية عن الإمام أحمد، فقد جاء في «مسائل الإمام أحمد رواية: إسحق بن هانئ» قال: (رآني أبو عبد الله يوماً وأنا أصلي، وليس بين يدي سترة، وكنت معه في المسجد الجامع، فقال لي: استتر بشيء، فاستترت برجل) (١)، ونقل ابن مفلح، والمرداوي (٢) القول بالوجوب عن كتاب «الواضح».
وممن قال بالوجوب ابن خزيمة، فقد جاء في «صحيحه» ما يدل على أنه يرى الوجوب، فإنه لما ذكر حديث ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ صلّى بعرفة وليس شيء يستره، ضعف هذا الحديث وقال: قد زجر النبي ﷺ أن يصلي المصلي إلا إلى سترة، فكيف يَفْعل ما يزجر عنه ﷺ ؟!!
وقد ترجم لحديث ابن عمر ﵄: (لا تصل إلا إلى سترة … ) بقوله: «باب النهي عن الصلاة إلى غير سترة» (٣).
وممن قال بالوجوب أبو عوانة، فقد بوّب لحديث ابن عمر ﵄ المذكور بقوله: «باب إيجاب تقدم المصلي إلى سترة … » (٤)، وكذا الشوكاني (٥)، والألباني (٦).
ومن أدلتهم حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل ويصلي» (٧).
ومن أدلتهم - أيضاً - حديث أبي سعيد ﵁ وفيه: «إذا صلّى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها» (٨).
стр. 818
فهؤلاء: أخذوا بصيغة الأمر على ظاهرها من الدلالة على الوجوب ولم يصرفوها عنها.
وقال الجمهور من أهل العلم: إن اتخاذ السترة غير واجب، بل هو سنّة، واستدلوا بما يلي:
١ - أنه ورد أن الرسول ﷺ صلّى في فضاء ليس بين يديه شيء (١).
٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلّى في منى إلى غير جدار (٢)، وقد نقل الحافظ عن الشافعي أنه قال: أي: إلى غير سترة (٣) ..
٣ - ما سيأتي من حديث أبي سعيد ﵁: «إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه» (٤).
ووجه الاستدلال به: أن قوله: «إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره»، يدل على أن المصلي قد يصلي إلى شيء يستره، وقد لا يصلي؛ لأن مثل هذه الصيغة لا تدل على أن الناس كلهم يصلون إلى سترة، بل تدل على أن بعضهم يصلي إلى سترة، وبعضهم لا يصلي إليها.
стр. 819
٤ - أن الأصل براءة الذمة، فلا تشغل بالوجوب إلا بدليل صريح خالٍ عن المعارض، وأدلة الوجوب مصروفة عنه بهذه الأدلة.
والحق أن الأدلة صريحة في الوجوب؛ لأنها جاءت بصيغ الأمر المتعددة، وهو ظاهر في الوجوب، فإن وجد ما يصرفه عن الوجوب إلى الندب فذاك، وإلا بقي على أصله، وأدلة الجمهور ليست بناهضة في صرفه إلى الندب، فإن حديث ابن عباس أنه ﷺ صلّى في فضاء ليس بين يديه شيء، مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على أنه ﷺ كان يواظب على السترة حضراً وسفراً، إلا إن قيل: إن الرسول ﷺ فعله لبيان الجواز، وقد تقدم قول ابن خزيمة: (وقد زجر النبي ﷺ أن يصلي المصلي إلا إلى سترة فكيف يفعل ما يزجر عنه؟!).
وأما حديث ابن عباس الثاني وهو أن النبي ﷺ صلّى في منى إلى غير جدار فهو محتمل أن معناه: إلى غير سترة، أو إلى سترة غير جدار، ولا يلزم من عدم الجدار عدم السترة؛ لأنه لا يلزم من عدم الأخص عدم الأعم.
وأقوى ما في أدلة الجمهور حديث أبي سعيد ﵁ فإن كان مؤيداً لما قبله في صرف الأمر إلى الندب، وإلا بقي الأمر للوجوب، والأحوط ألا يصلي أحد إلا إلى سترة، والله أعلم.
стр. 820
بيان ما يقطع الصلاة
٢٣١/ ٤ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «يَقْطَعُ صَلَاةَ المَرْءِ المُسْلِمِ - إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ ـ: المَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ … » الحديث.
وَفِيهِ: «الْكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطَانٌ»، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٢٣٢/ ٥ - وَلَهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ دُونَ: «الْكَلْبِ».
٢٣٣/ ٦ - وَلأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ نَحْوُهُ، دُونَ آخِرِهِ. وَقَيَّدَ المَرْأَةَ بِالحَائِضِ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث أبي ذر ﵁: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «قدر ما يستر المصلي» (٥١٠) من طريق حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود»، قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان».
هذا لفظ الحديث كما في «صحيح مسلم»، والقائل: قلت .. هو عبد الله بن الصامت، والظاهر أن الحافظ ساقه بمعناه، فإن الحديث ليس فيه لفظ (المرء المسلم) وقد اعتمد عليها بعض الشرّاح المتأخرين، فاستنبط منها حكماً.
стр. 821
وأما حديث أبي هريرة ﵁: فأخرجه مسلم - أيضاً - في الباب المذكور من طريق عبد الواحد - هو ابن زياد - حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل».
وقول الحافظ: (دون الكلب) ظاهره أنه لم يُذكر الكلب في حديث أبي هريرة ﵁ مع أنه مذكور فيه، فهذا إما وهم من الحافظ، وإما أن المراد دون وصف الكلب، فسقطت كلمة (وصف) والله أعلم.
وأما حديث ابن عباس ﵄: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «ما يقطع الصلاة» (٧٠٣)، والنسائي (٢/ ٦٤) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، حدثنا قتادة قال: سمعت جابر بن زيد، يحدث عن ابن عباس ﵄، رفعه شعبة قال: (يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب) والقائل: رفعه شعبة هو يحيى، كما في «المسند» (٥/ ٢٩٣).
وقد اختلف في رفعه ووقفه، فرفعه شعبة كما عند أبي داود والنسائي، وخالفه غيره من أصحاب قتادة، قال أبو داود عقبه: (وقفه سعيد وهشام وهمام عن قتادة عن جابر بن زيد على ابن عباس)، وقد رواه النسائي موقوفاً أيضاً.
فهؤلاء الثلاثة: سعيد بن أبي عروبة، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهمام بن يحيى، كلهم رووه عن قتادة بن دعامة، عن جابر بن زيد موقوفاً على ابن عباس ﵄.
وقول الحافظ: (دون آخره) أي: دون آخر حديث أبي هريرة، وهو قوله: (ويقي من ذلك .. إلخ)، فهي ليست في حديث ابن عباس، مع أن الحافظ ما ذكر حديث أبي هريرة بلفظه، لكن يؤيد ذلك أنه أقرب مذكور، ويحتمل عود الضمير على حديث أبي ذر، ومراده قوله: (الكلب الأسود شيطان)، فهو ليس في حديث ابن عباس، ويؤيد ذلك أنه ساق حديث أبي ذر بلفظه، والله أعلم.
стр. 822
الوجه الثاني: هذه الأحاديث الثلاثة دليل على أن المصلي إذا لم يجعل له سترة لصلاته يكون أعلاها بقدر مؤخرة الرحل فإنه يقطع صلاته واحد من ثلاثة أشياء: المرأة، والحمار، والكلب الأسود، فإن وضع سترة أمامه لم يضرَّه ما مرَّ من ورائها ولو كان واحداً من هذه الثلاثة.
والمراد بقطع الصلاة: فسادها وإبطالها، وهذا قول جماعة من الصحابة ﵃ منهم: أبو هريرة وأنس وابن عباس - في رواية عنه - وبه قال الحسن البصري، وهو رواية عن الإمام أحمد، حكاها المرداوي (١) واختارها المجد، ورجحها الشارح عبد الرحمن بن قدامة، ومال إليها الموفَّق (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وتلميذه ابن القيم (٤)، قال المرداوي: (وهو الصواب).
والقول الثاني: أن هذه الأشياء وغيرها لا تقطع الصلاة ولا تبطلها، إنما المراد بأحاديث القطع: نقص الصلاة، لشغل القلب بهذه الأشياء، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن أحمد (٥).
واستدلوا بحديث أبي سعيد الآتي في آخر الباب: (لا يقطع الصلاة شيء)، وهو حديث ضعيف، لا تقوم به حجة، كما سيأتي إن شاء الله.
والقول الثالث: إن الصلاة لا يقطعها ويبطلها إلا مرور الكلب الأسود فقط، ولا تبطل بمرور المرأة ولا الحمار، وهذا قول أحمد وإسحاق، قال الأثرم: سئل أبو عبد الله: ما يقطع الصلاة؟ قال: لا يقطعها عندي إلا الأسود البهيم (٦).
стр. 823
وحجة هذا القول أن الكلب لم يجئ في الترخيص فيه شيء يعارض الأحاديث المذكورة، وهي حديث أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم، وأما المرأة فقد ورد عن مسروق عن عائشة أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة - الكلب والحمار والمرأة - فقالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي ﷺ يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس، فأوذي النبي ﷺ ، فأنسلُّ من عند رجليه (١).
وأما في الحمار فقد ورد حديث ابن عباس ﵄ الذي مرَّ ذكره أول الباب وفيه: (فمررت بين يدي بعض الصف .. ).
والراجح - والله أعلم - القول الأول، وهو أن هذه الثلاثة المذكورة تقطع الصلاة وتفسدها، لما يلي:
١ - أن أحاديث القطع أقوى من دليل عدم القطع، فإن دليل عدم القطع ضعيف، والضعيف ليس بحجة في الأحكام الشرعية.
٢ - أنه ورد حديث أبي ذر ﵁ بلفظ: (تعاد الصلاة من ممر الحمار والمرأة والكلب الأسود) (٢)، فهذا نص صحيح صريح لا مطمع لأحد في ردّه.
٣ - أن الصحابة ﵃ وسلف الأمة أدرى منا بفهم نصوص الشرع ومعرفة مقاصده، فقد ورد عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت أصلي إلى جنب ابن عمر فدخل بيني وبينه - يريد جرواً - فمرَّ بين يديه، فقال لي ابن عمر: أما أنت فأعد الصلاة، وأما أنا فلا أعيد؛ لأنه لم يمر بين يدي، وفي رواية: أن جرواً مرَّ بين يدي ابن عمر فقطع عليه صلاته (٣).
والجرو: بكسر الجيم وضمها: ولد الكلب والسباع.
стр. 824
وأما دليل أصحاب القول الثالث فأجيب عنه بما يلي:
أما حديث عائشة ﵂ فعنه جوابان:
الأول: أن إنكارها إنما هو بحسب علمها وفهمها، وقد حفظ غيرها ما لم تحفظه، وهو أن المرأة تقطع الصلاة، والإنسان وإن كان عظيماً فإنه قد يخفى عليه ما حفظه غيره، شأنها في ذلك شأن غيرها من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في قضايا معروفة.
الثاني: أن حديث أبي ذر مسوق مساق التشريع العام للأمة، وحديث عائشة هذا واقعة حال يتطرق إليها احتمالات عديدة، منها: أنها زوجته، والمرأة في حديث أبي ذر مطلقة، فيفيد القطع بالأجنبية لخشية الافتتان بها، بخلاف الزوجة.
ومنها: أن عائشة لم تَمُرَّ، وإنما كانت نائمة، وفرق بين المرور واللبث، وقد بوّب عليه البخاري بعدة أبواب منها: «باب الصلاة خلف النائم» (١).
وأما حديث ابن عباس فأجيب عنه بأن الأتان لم يمرَّ بين يدي رسول الله ﷺ ، ولكن مرّ بين يدي بعض الصف، وابن عباس راكب عليه، وهذا لا يؤثر، وقد بوّب عليه البخاري بقوله: «باب سترة الإمام سترة لمن خلفه» (٢)، قال ابن القيم عن أحاديث القطع: (ومعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك العمل بها لمعارض هذا شأنه) (٣).
الوجه الثالث: قيدت المرأة في حديث ابن عباس بالحائض، والمراد بها: البالغة، فأما غير البالغة أو الطفلة الصغيرة فلا تقطع الصلاة (٤)؛ لأن الصغيرة لا يصدق عليها أنها امرأة.
стр. 825
وجاء وصف الكلب بأنه أسود في حديث أبي ذر، وأطلق في حديث أبي هريرة فيحمل المطلق على المقيد، ولا يقطع الصلاة إلاّ الكلب الأسود، دون غيره؛ لأنه جاء وصفه بأنه شيطان، فدل على أن وصفه بالسواد مقصود.
وأما الحمار فجاء مطلقاً غير مقيد، وقيّده بعض الفقهاء بالأهلي، قال المرداوي: (وهو الصحيح) (١)؛ لأن اسم الحمار إذا أطلق ينصرف إلى المعهود المألوف في الاستعمال وهو الأهلي، ولأنه يخالف الوحشي في أن هذا طاهر ويباح أكله، وهذه المسألة مبنية على تخصيص العموم بالعرف، كما ذكر ابن رجب، وفرع عليها مسائل كثيرة (٢).
وقيل: الحمار الوحشي كالحمار الأهلي، أخذاً بظاهر اللفظ.
الوجه الرابع: يدخل في عموم الحديث مرور المرأة بين يدي المرأة، فإنه يقطع الصلاة؛ لأنه لا فرق بين الرجال والنساء في الأحكام إلا بدليل.
وذهب ابن حزم إلى أن النساء لا يقطع بعضهن صلاة بعض (٣)، مستدلًّا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» (٤).
وأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: (لا تقطع المرأة صلاة المرأة .. ) (٥).
والأول أظهر، لقوة مأخذه، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ ، وأما دليل ابن حزم فلا حجة فيه؛ لأن الحديث في صلاتهن جماعة، والمرأة لو مرّت بين صفوف الرجال لما قطعت صلاتهم، فكذا النساء، والله أعلم.
стр. 826
ما يُصنع بمن أراد المرور بين يدي المصلي
٢٣٤/ ٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِن النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». مُتَّفَقٌ عليه.
٢٣٥/ ٨ - وفي رِوَايَةٍ: «فَإنَّ مَعَه الْقَرِينَ».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي سعيد ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «يرد المصلي من مر بين يديه» (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥) من طريق سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا حميد بن هلال العدوي قال: حدثنا أبو صالح السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغاً إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشدَّ من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فذكره .. ).
وهذا لفظ البخاري، وقد قرن مع رواية سليمان المذكورة رواية يونس بن عبيد، لكن القصة المذكورة من رواية سليمان، ولفظ يونس أورده البخاري في (بدء الخلق) كما سأذكره إن شاء الله.
وعند مسلم: «فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره».
стр. 827
وأما رواية: «فإن معه القرين»، فقد وردت عند مسلم (٥٠٦) من طريق الضحاك بن عثمان، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين».
وظاهر صنيع الحافظ أن هذه الرواية من حديث أبي سعيد، وأنها من المتفق عليه، وليس كذلك، وإنما هي عند مسلم من حديث ابن عمر، كما ذكرت، وكان الأولى بالحافظ أن يشير إلى ذلك كما هي عادته، وقد وَهِمَ الصنعاني فعزا هذه الرواية لحديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، وليس كذلك.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (إذا صلى أحدكم إلى شيء) أي: جعل شيئاً أمامه في صلاته يحول بينه وبين الناس.
قوله: (أن يجتاز بين يديه) أي: قريباً منه بينه وبين سترته.
قوله: (فليدفعه) أي: فلينحه، وفي رواية مسلم - المتقدمة ـ: «فليدفع في نحره» واللام: لام الأمر.
قوله: (فإن أبى فليقاتله) أي: فإن امتنع أن يندفع ويرجع (فليقاتله) أي: فليدافعه بشدة، وليس المراد بذلك المقاتلة بالسلاح، ولا بما يؤدي إلى الهلاك بالإجماع، وإنما المراد أن يدفعه بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشد منه، كما فعل أبو سعيد ﵁.
قوله: (فإنما هو شيطان) الضمير يعود على الشخص الممتنع عن الاندفاع والرجوع.
ومعنى «شيطان» أي: متمرد، وشيطان كل جنس: متمرِّدُه وعاتيه، قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] والمعنى: فإنما هو شيطان من بني آدم قد تعدى وعتا.
وهذه الجملة للتعليل، والغرض منها الحث على مدافعته، حيث إنه شيطان، ومروره يفسد على المصلي صلاته أو ينقصها.
стр. 828
أما ما تقدم في أول الباب من أن الشيطان يقطع مروره الصلاة، فالظاهر أن المراد به: شيطان الجن؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أنه يقطع الصلاة، أما شيطان الإنس فلم يرد ما يدل على أنه يقطع الصلاة - فيما أعلم - إلا ما خصه الدليل، وهو المرأة البالغة، على ما تقدم (١).
قوله: (فإن معه القرين) لعل الحافظ أورد هذه الرواية؛ لأن فيها معنى آخر غير معنى الأولى، ومعناها: أن الحامل له على المرور بين يدي المصلي هو الشيطان الذي هو قرينه، فهو الذي يؤزُّه ويسوقه إلى ذلك؛ لأنه من دعاة النار، وكل إنسان معه قرين، لما ورد في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن»، قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: «وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم (٢) فلا يأمرني إلا بخير». وفي لفظ: «ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة .. » (٣)، قال ابن الأثير: («ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه» أي: مصاحبه من الملائكة والشياطين، وكل إنسان فإن معه قريناً منهما، قرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه) (٤).
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية دفع من أراد المرور بين يدي من صلّى إلى شيء يستره من الناس؛ لأن مروره يشوش على المصلي صلاته، ويوقع المار في الإثم.
وظاهر الحديث أن دفع المار واجب لقوله: «فليدفعه»، وهذا أمر فيقتضي الوجوب، ويؤيد ذلك قوله: «فإن أبى فليقاتله»، وهو رواية عن الإمام
стр. 829
أحمد، نصّ عليها ابن مفلح (١) والمرداوي (٢)، ونسب الحافظ (٣) القول بالوجوب إلى الظاهرية، واختاره الشوكاني (٤).
ويرى آخرون أن الأمر بالدفع أمر ندب واستحباب، وهو متأكد، قال النووي: (لا أعلم أحداً من العلماء أوجبه) (٥)، وتعقبه الحافظ ابن حجر بما تقدم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن مدافعة المار تكون بالأسهل فالأسهل، فيدفعه بالإشارة ولطيف المنع، فإن أبى أن يندفع ويرجع دافعه بشدة؛ لأنه شيطان، ولو سقط في هذا الحال وأصابه شيء من جرح أو كسر فإنه غير مضمون؛ لأنه هو المتعدي.
الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن دفع المار مقيد بوضع السترة لقوله: «إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره»، ومفهومه أنه إن لم يضع سترة فليس له أن يدفعه، لتقصيره بترك السترة، وهذا قول جماعة من أهل العلم كالخطابي، والبغوي، والنووي، وابن القيم، وابن حجر، والصنعاني، والشوكاني وغيرهم.
وقد حكى النووي الاتفاق على أن الدفع مختص بمن اتخذ سترة (٦)، وهذا فيه نظر، فإن الخلاف ثابت في ذلك، وممن حكاه النووي نفسه في شرحه على «المهذب» (٧).
فالقول الثاني في المسألة: أن المصلي يرد المار مطلقاً، سواء أكان بين يديه سترة فَمَرَّ دونها، أم لم تكن سترة فمر قريباً منه.
ولعلّ سبب الخلاف في ذلك: أن أحاديث دفع المار منها ما هو مقيد بوضع سترة، كحديث أبي سعيد باللفظ المذكور، ومنها ما هو مطلق، كما في
стр. 830
حديث أبي سعيد عند البخاري في (بدء الخلق) ولفظه: «إذا مرَّ بين يدي أحدكم شيء وهو يصلي فليمنعه، فإن أبى فليمنعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» (١)، وليس فيه تقييد الدفع بما إذا كان المصلي يصلي إلى سترة، وكذا حديث ابن عمر - المتقدم ـ، ولفظه: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين»، وليس فيه ذكر السترة.
فمن أهل العلم - ومنهم الحافظ ابن حجر - من قال: يحمل المطلق على المقيد، فلا يرد المار إلا إذا وضع سترة؛ لأن الذي يصلي إلى غير سترة مقصر في تركها.
وقال آخرون: لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأن هذا قيد أغلبي، فلا مفهوم له في أنه إذا صلّى إلى غير سترة لا يرد، بل يرده مطلقاً إذ لا تعارض بين المطلق والمقيد، فالمقيد يبقى على تقييده فيدفع إن اتخذ سترة، ويبقى المطلق على إطلاقه فيرد ولو لم يتخذ سترة؛ لأن المصلي مأمور بالصلاة إلى سترة - كما تقدم - ومأمور بدفع المار، سواء امتثل فوضع سترة أم لم يمتثل فلم يضع سترة.
وقد تقدم في حديث أبي جهيم أنه يحرم المرور بين يدي المصلي سواء أكان له سترة أم لا، فهذا يؤيد أنه يدفعه مطلقاً، لأن المار يحرم عليه المرور، فيجب منعه من ارتكاب الحرام، ومن التشويش على المصلي، وهذا القول وجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز (٢).
الوجه السادس: الحديث دليل على جواز الحركة في الصلاة لمصلحتها حيث شرع للمصلي ردّ المار ومدافعته.
الوجه السابع: الحديث دليل على عظم مرتبة الصلاة، ومناجاة الله تعالى حيث وجب احترام المصلي، وعدم تعاطي ما فيه تشويش عليه، أو شغل عما هو فيه، والله أعلم.
стр. 831
جواز كون السترة خطاً إذا لم يكن غيره
٢٣٦/ ٩ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إذَا صَلّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئاً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصاً، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطّاً، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (١٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥)، وأبو داود (٦٨٩)، وابن ماجه (٩٤٣)، وابن حبان (٢٣٦١)، من طريق إسماعيل بن أمية، حدثني أبو عمرو بن محمد بن حريث، أنه سمع جده حريثاً يحدث عن أبي هريرة ﵁ … فذكره.
وهذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه، فقد صححه قوم، وضعفه آخرون، فممن ضعفه: سفيان بن عيينة، فقد نقل عنه أبو داود أنه قال: (لم نجد شيئاً نشدُّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه) (١)، أي: فهو حديث غريب، وقال الدارقطني: (الحديث لا يثبت) (٢) وضعفه - أيضاً - العراقي، وابن الصلاح - ومثّلا به للحديث المضطرب ـ (٣)، وكذا ابن حزم، والنووي، والبغوي وجماعة آخرون، قال السخاوي: (حَكَم غير واحد من الحفاظ … باضطراب سنده، بل عزاه النووي للحفاظ) (٤).
стр. 832
وسبب ضعفه ثلاث علل:
الأولى: تفرّد إسماعيل بن أمية به، كما تقدم عن ابن عيينة ومن وافقه.
الثانية: أن إسماعيل بن أمية قد اضطرب في اسم شيخه، وفي كنيته، وهل روايته عن أبيه أو عن جده أو عن أبي هريرة بلا واسطة؟ فإنه مرة قال: عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده، ومرة قال: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده، وقال ثالثة: عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه.
العلة الثالثة: جهالة حال أبي عمرو بن محمد بن حريث، فقد جهله أبو جعفر الطحاوي والذهبي وابن حجر وغيرهم، وكذا جهالة جده حريث.
وصحح الحديث جماعة آخرون منهم: ابن خزيمة وابن حبان وابن عبد البر، ونَقَلَ تصحيحه عن الإمام أحمد، وعلي بن المديني (١) ونقل ذلك عنهما - أيضاً - عبد الحق الإشبيلي (٢) كما صححه البيهقي (٣)، وحسنه الحافظ ابن حجر، قال ابن رجب (وأحمد لم يُعرف عنه التصريح بصحته، إنما مذهبه العمل بالخط، وقد يكون اعتمد على الآثار الموقوفة، لا على الحديث المرفوع؛ فإنه قال في رواية ابن القاسم: الحديث في الخط ضعيف) (٤).
وقد أجاب ابن حجر وغيره عن المطاعن التي وجهت إلى الحديث بما يلي:
أما ما أُعل به من تفرد إسماعيل بن أمية فهذا فيه نظر، فإن للحديث طرقاً أخرى (٥) وهي وإن كانت ضعيفة لكن تعددها يجعلها صالحة للاعتبار؛ لأن بعضها يشد بعضاً؛ لأنه ضعف ليس بشديد، فيزول بتعدد الطرق، كما هي قاعدة المحدثين.
стр. 833
وأما العلة الثانية: وهي الاضطراب فقد نفاها الحافظ ابن حجر معللاً بأن الاضطراب هو الاختلاف الذي يؤثر قدحاً، واختلاف الرواة في اسم رجل أو في كنيته، وهل روايته عن أبيه أو عن جده؟ لا يؤثر في ذلك؛ لأن ذلك الرجل إن كان ثقة فلا ضير، وإن كان غير ثقة فضعف الحديث إنما هو من قبل ضعفه، لا من قبل الاختلاف في اسمه (١)، ولذا قال - هنا - في «البلوغ»: (ولم يصب من زعم أنه مضطرب)، وكأنه يعني العراقي وابن الصلاح فإنهما قد مثلا به للمضطرب - كما تقدم ـ، وقد نقل السيوطي عن الحافظ أنه انتقد التمثيل بمثل هذا الحديث للمضطرب (٢)!
ثم إن ابن خزيمة رجح إسناد: إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة (٣).
وأما العلة الثالثة: وهي جهالة أبي عمرو بن محمد بن حريث، فإن أريد بها جهالة العين - وهو الغالب عند الإطلاق - فذلك مرتفع عنه؛ لأنه روى عنه إسماعيل بن أمية، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني، وزاد ابن حبان: ابن جريج، وابن أبي محمد (٤)، وبرواية اثنين تنتفي الجهالة، فكيف برواية أكثر من ذلك؟
وإن أريد بذلك جهالة الحال، فالظاهر أنها مرتفعة - أيضاً - لأن ابن حبان ذكره في «الثقات» وخَرَّجَ حديثه في «صحيحه»، وكذا صححه ابن خزيمة والحاكم، قال ابن حجر: (وذلك مقتضى ثبوت عدالته عند من صححه) (٥)، يعني بذلك أن تصحيح حديثه تعديل له.
والذي يظهر - والله أعلم - أن الحديث ضعيف، وما أجيب به عنه فهو غير ناهض، ويكفي في الحكم عليه كلام المتقدمين ومن بعدهم أمثال ابن
стр. 834
عيينة، والدارقطني، وابن حزم، والعراقي … ومعلوم أن المصلي لا يلجأ إلى الخط في الغالب إلا عند عدم غيره مما يصلح سترة، فالعمل بالحديث أقل أحوال الاستطاعة، والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولذا قال النووي: (والمختار استحباب الخط؛ لأنه وإن لم يثبت الحديث ففيه تحصيل حريم للمصلي .. ) (١).
الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية اتخاذ المصلي سترة، وأن السنة أن ينظر، فإن وجد شاخصاً كجدار أو شجرة أو سارية صلّى إليها، وقد ورد في حديث سهل بن سعد ﵁ قال: كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر شاة (٢)، فإن لم يجد نصب عصاً، وفي حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها .. الحديث (٣).
فإن لم يجد خطَّ خطًّا، ثم لا يضر من مرّ بين يديه إذا كان من وراء السترة، ولم يرد في الحديث كيفية الخط، فإن خطه بالطول أو على هيئة الهلال فلا بأس، وقد ورد عن الإمام أحمد ما يدل على ذلك (٤).
وموضوع الخط قد يحتاج إليه لإمكانه قديماً عندما كانت أرض المسجد وفناؤه مفروشة بالرمل، أما الآن فالمساجد فيها الفرش، فلا أثر للخط، إلا إذا كان الإنسان في الصحراء أو نحو ذلك.
ونقل النووي عن الغزالي والبغوي وغيرهما: أن المصلي إذا لم يجد شاخصاً بسط مصلاه (٥)، فهذا فيه قياس فراش المصلي على الخط؛ بأن تكون نهاية السجادة من أمامه سترةً له، ومحل ذلك ما لم تطل السجادة من أمامه،
стр. 835
وإلا فلا تصلح أن تكون سترة (١)، ونقله الصنعاني، ونسبه للشافعية، ثم قال: «وهو صحيح» (٢)، والله أعلم.
стр. 836
الصلاة لا يقطعها شيء
٢٣٧/ ١٠ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَأْ مَا اسْتَطَعْتَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب (الصلاة) باب (من قال: لا يقطع الصلاة شيء) (٧١٩) من طريق مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان».
وهذا الحديث ضعيف جداً لأمور ثلاثة:
الأول: أنه من رواية مجالد بن سعيد، قال فيه أحمد: (ليس بشيء)، وقال فيه ابن معين: (لا يحتج به)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال الدارقطني: (ضعيف) (١).
الثاني: أنه من رواية أبي الودَّاك، وهو جبر بن نوف الهمداني البِكَالي - بكسر الباء - وهو ضعيف، ضعفه ابن حزم (٢) وقال النسائي: (ليس بالقوي)، ووثقه ابن معين (٣) وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يهم).
стр. 837
الثالث: أن مجالداً قد اضطرب في هذا الحديث، فمرة رفعه - كما هنا - ومرة أوقفه، فقد أخرجه أبو داود (٧٢٠) والبيهقي من طريق مجالد به، ولفظه: (مَرَّ شاب من قريش من بين يدي أبي سعيد الخدري وهو يصلي، فدفعه، ثم عاد، فدفعه، ثلاث مرات، فلما انصرف، قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قال رسول الله ﷺ : «ادرؤوا ما استطعتم فإنه شيطان»).
ففي السياق جاء موضع الشاهد من الحديث موقوفاً على أبي سعيد ﵁ وقد ورد للحديث شواهد من حديث أنس، وأبي أمامة، وأبي هريرة ﵃ وغيرها، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة، ولا تُعارض بمثلها الأحاديث الصحيحة، الدالة على أن المرأة والحمار والكلب الأسود تقطع الصلاة، كما تقدم، ولا يشدّ بعضها بعضاً لما فيها من الضعف الشديد.
ولهذا حكم أئمة هذا العلم على حديث أبي سعيد وغيره بالضعف، فقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (يقطع الصلاة الكلب الأسود البهيم) أصح من حديث أبي سعيد: (لا يقطع الصلاة شيء) (١).
وقال عبد الحق عن هذا الحديث: (هذا يرويه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف الحديث) (٢).
وضعفه النووي (٣). وقال ابن الجوزي بعد أن ساق حديث أبي سعيد وغيره: (هذه الأحاديث كلها ضعاف .. )، ثم بيّن وجه ضعفها (٤).
وكذا ضعف الحديث الشوكاني، والألباني (٥) والشيخ عبد العزيز بن باز.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الصلاة لا يبطلها مرور شيء من امرأة أو حمار أو كلب أو غيرها بين يدي المصلي، وهذا الحديث هو عمدة الجمهور القائلين بعدم بطلان الصلاة، وأن القطع الوارد في مثل حديث أبي ذر
стр. 838
ـ المتقدم - يراد به شغل القلب وقطع الخشوع لا إفساد أصل الصلاة، كما تقدم.
أما القائلون بالبطلان فقد أجابوا عن هذا الحديث بأنه ضعيف، لا تقوم به حجة - كما تقدم - فلا تُعارض بمثله الأحاديث الصحيحة الدالة على القطع، ومنها: حديث أبي ذر وأبي هريرة الثابتين في «صحيح مسلم»، والله أعلم.
стр. 839
باب الحث على الخشوع في الصلاة
هذا الباب عقده الحافظ ﵀ لبيان أهمية الخشوع وقيمته في الصلاة، وأنه روحها ولبها، فَذَكَرَ الأحاديث التي تضمنت النهي عن بعض الأفعال التي تضعف الخشوع أو تنافيه.
والخشوع في اللغة: هو السكون والانخفاض والهدوء، قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ﴾ [طه: ١٠٨] أي: انخفضت وسكنت.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] أي: منخفضة ساكنة.
والخشوع في الصلاة: حضور القلب بين يدي الله تعالى، وسكون الجوارح واستحضار ما يقوله المصلي أو يفعله من أول صلاته إلى آخرها، مستحضراً عظمة الله تعالى وقربه من عبده، وأنه بين يديه يناجيه.
والحامل على الخشوع: هو الخوف من الله تعالى ومراقبته، والشعور بقربه من عبده، وكلما امتلأ القلب بمعرفة الله تعالى ومحبته وخشيته وإخلاص الدين له وخوفه ورجائه كلما قوي خشوعه.
والخشوع يحصل في القلب، ثم يتبعه خشوع الجوارح والأعضاء من السمع والبصر والرأس وسائر الأعضاء حتى الكلام، ولذا كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: « … اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي، وعصبي، وما استقل به قدمي» (١).
стр. 840
فإذا خشع القلب خشعت الجوارح، وظهر عليها السكون والطمأنينة والوقار والتواضع، وإذا فسد خشوع القلب بالغفلة والوساوس فسدت عبودية الأعضاء، وذهب خشوعها.
والخشوع أمر عظيم شأنه، أثنى الله تعالى على المتصفين به، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] وهو سريع فقده، لا سيما في هذا الزمان، وقد ورد في حديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعاً» (١).
والخشوع في الصلاة هو روحها ولبها، ولا يحصل ذلك إلا لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، واستحضر فيها عظمة الله تعالى فصارت راحة له وقرة عين، والصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب وإن كانت مجزئة مثاباً عليها، إلا أن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها، لما ورد عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» (٢).
وقد حكى النووي إجماع العلماء على استحباب الخشوع في الصلاة (٣)، وهذا فيه نظر؛ فإن الغزالي نصر القول بالوجوب (٤)، والقرطبي حكى في «تفسيره»
стр. 841
القولين: الوجوب، وعدم الوجوب، وأنه من فضائل الصلاة ومكملاتها، ورجح الأول (١). وممن قال بالوجوب الحافظ العراقي، وردَّ على النووي حكاية الإجماع (٢)، وممن قال بوجوب الخشوع شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
وعلى المسلم أن يحذر خشوع النفاق، فقد ورد عن حذيفة ﵁ أنه قال: (إياكم وخشوع النفاق) فقيل له: (وما خشوع النفاق؟) قال: (أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع) (٤). فخشوع الإيمان خشوع القلب، فيتبعه خشوع الجوارح، وخشوع النفاق ما يظهر على الجوارح تكلفاً وتصنعاً، والقلب غير خاشع.
وأسباب الخشوع نوعان، وكل منهما في مقدور المكلف:
الأول: جلب ما يوجب الخشوع ويقويه، وهو الذي يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية «قوة المقتضي» (٥) ويتم ذلك بالاستعداد للصلاة، والتفرغ لها، والطمأنينة، وترتيل القراءة وتنويعها، وتدبرها، وتنويع الأذكار والأدعية وتدبرها، ولا سيما في حالة السجود.
الثاني: إزالة الشواغل ودفع الموانع التي تصرف عن الخشوع، وهذا هو الذي يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية «ضعف الشاغل» وهو الذي جاءت فيه أحاديث الباب، حيث تضمنت نهي المصلي عن أمور تنافي الخشوع أو تضعفه، فيتعين على المكلف اجتنابها ليحصل له الخشوع.
فينبغي للمصلي إذا دخل في صلاته أن يُعنى بها وأن يقبل عليها بقلبه وقالبه، حتى يحصل من الأجر والثواب والعاقبة الحميدة والتأثر بالصلاة ما لا يحصيه إلا الله تعالى، لأنها صلة بين العبد وربه، فيحذر ما يشغل قلبه.
وكثير من الناس إذا دخل الصلاة جعلها فرصة للعبث إما ببدنه أو بثيابه أو بنظره ها هنا أو ها هنا، وهذا لا ينبغي، بل يخشى عليه بطلان صلاته إذا كثرت الحركات، كما تقدم.
стр. 842
النهي عن التخصر في الصلاة
٢٣٨/ ١ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِراً. مُتَّفَقٌ عَليْهِ، وَاللَّفْظُ لمُسْلمٍ.
وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلى خَاصِرَتِهِ.
٢٣٩/ ٢ - وَفِي الْبُخَارِيِّ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ ذلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة» باب «الخصر في الصلاة» من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ به، ومن طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به (١٢١٩)، (١٢٢٠). وأخرجه مسلم (٥٤٥) بالإسناد الأول، واللفظ المذكور له، كما ذكر الحافظ.
أما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب «أحاديث الأنبياء» باب «ما ذكر عن بني إسرائيل» (٣٤٥٨) من طريق مسروق، عن عائشة ﵂: كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (الرجل) لا مفهوم له، فالمرأة مثله.
قوله: (مختصراً)، اسم فاعل من (اختصر) الرجل فهو مختصر: إذا وضع يده على خاصرته، والخاصرة من الإنسان هي ما بين الورك وأسفل الأضلاع، قال النووي: (هذا هو الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل
стр. 843
اللغة والغريب والحديث … ) (١).
وقد ورد هذا التفسير عن ابن سيرين، أحد رواة الحديث (٢)، ونقله عنه الحافظ في «فتح الباري» (٣) وذكره هنا، ولعله ذكره ونص عليه بهذا المعنى، لورود الاختلاف في معناه، كما ذكره الشراح، فقد قيل: إن معناه: قراءة آية أو آيتين من أخر السورة، يكتفي بذلك عن السورة، وقيل: أن يحذف الآية التي فيها السجدة إذا مرّ بها في الصلاة لئلا يسجد، وقيل: أن يتوكأ على عصا، وقيل غير ذلك.
الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي المصلي أن يضع يديه على خاصرتيه، وهذا النهي عند الجمهور للتنزيه، قالوا: ولا تبطل به الصلاة، وهو قول فقهاء الحنابلة والشافعية وغيرهم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الحكمة من النهي عن الاختصار هي الابتعاد عن مشابهة اليهود، فإنهم يضعون أيديهم على خواصرهم في الصلاة، وهذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه في حكمة النهي عن الاختصار في الصلاة، وأما ما قيل: إنه فعل الشيطان، أو أن إبليس أُهبط من الجنة كذلك، فهي علل لا تقف أمام ما ورد عن الصحابي الذي هو أعرف بسبب الحديث، ويحتمل أن يكون ذلك مرفوعاً.
ومناسبة الحديث للباب أن وضع اليد على الخاصرة دليل على عدم الخشوع، فإنه قد يَملّ، وقد يرفعها، وقد يرسلها، فهي لا تسلم من الحركة.
وقد دلت السنة على أن المصلي يضع يده اليمنى على اليسرى فوق السرة أو عليها أو تحتها، وسيأتي الكلام على ذلك في «صفة الصلاة» إن شاء الله.
стр. 844
حكم تأخير الصلاة إذا حضر العَشاء
٢٤٠/ ٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أنْ تُصَلُّوا المَغْرِبَ» مُتفقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «إذا حضر الطعام وأُقيمت الصلاة» (٦٧٢) ومسلم (٥٥٧) من طريق ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم». وهذا لفظ البخاري.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا قدم العشاء) بفتح العين، الطعام الذي يؤكل في وقت العشي، وهو آخر النهار، وظاهر هذا الحديث وغيره أن عادة أهل المدينة أنهم يتناولون طعام العشاء قبل المغرب، لأنهم أهل حرث فلا يفرغون إلا آخر النهار، وكانت هي عادة أهل نجد قديماً، يأكلون طعام العشاء قبل المغرب، والغداء قبل الظهر، وهو شيء خفيف كالتمر واللبن، ثم صار الناس يأكلون العشاء بعد صلاة المغرب، ثم صاروا في هذه الأزمنة المتأخرة يأكلونه بعد صلاة العشاء بل ويتأخرون، وفي ذلك مفاسد كثيرة، والله المستعان.
قوله: (فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب)، الأمر للندب عند الجمهور، وحمله ابن حزم الظاهري (١) على الوجوب، فلو قدم الصلاة فهي
стр. 845
باطلة عنده، عملاً بظاهر الأمر، والأول أظهر، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على صحة من صلى بحضرة طعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئاً (١)، وفي حديث عائشة ﵂: (إذا وضع العَشَاءُ وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشَاء) (٢).
وهذا أعم من حديث الباب، فإن قوله: (وأقيمت الصلاة)، عام في المغرب وغيرها، ويؤيد ذلك الحديث الآتي: (لا صلاة بحضرة طعام).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الطعام إذا قدم وقت صلاة المغرب فإنه يُبدأ به قبل أداء الصلاة، وعلى الآكل ألا يعجل حتى تنقضي حاجته منه، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، ولا يتم ذلك إلا بحضور القلب وتفرغه من الشواغل - كما تقدم - فتقديم الأكل على الصلاة لتؤدَّى بخشوع وحضور القلب.
وليس هذا من باب التهاون بالصلاة أو تقديم حق العبد على حق الله تعالى، بل إنه من باب تعظيم الصلاة حتى يقبل عليها بقلبه وقالبه.
وظاهر الحديث أنه يقدم الطعام مطلقاً، سواء أكان محتاجاً إليه أم لا، لكن حمله أهل العلم على ما إذا كانت النفس محتاجة للطعام ومتعلقة به، أما مع عدم الحاجة إليه فلا ينبغي للمسلم أن يتخذ ذلك عادة، فيرتب موعد طعامه مع وقت حضور الصلاة، لأن هذا يفوت صلاة الجماعة، ولعلهم لاحظوا المعنى المراد، فإن النفس إذا لم تَتُقْ إلى الطعام فإن تقديم الصلاة لن يؤثر على الخشوع، بخلاف ما إذا تاقت إليه، ويؤيد ذلك قضايا وردت عن الصحابة ﵃.
الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن الصلاة تؤخر إذا قدم الطعام ولو فاتت الجماعة أو فات أول الوقت، لكن إن ضاق الوقت بحيث لو قدم الطعام