القولين: الوجوب، وعدم الوجوب، وأنه من فضائل الصلاة ومكملاتها، ورجح الأول (١). وممن قال بالوجوب الحافظ العراقي، وردَّ على النووي حكاية الإجماع (٢)، وممن قال بوجوب الخشوع شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
وعلى المسلم أن يحذر خشوع النفاق، فقد ورد عن حذيفة ﵁ أنه قال: (إياكم وخشوع النفاق) فقيل له: (وما خشوع النفاق؟) قال: (أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع) (٤). فخشوع الإيمان خشوع القلب، فيتبعه خشوع الجوارح، وخشوع النفاق ما يظهر على الجوارح تكلفاً وتصنعاً، والقلب غير خاشع.
وأسباب الخشوع نوعان، وكل منهما في مقدور المكلف:
الأول: جلب ما يوجب الخشوع ويقويه، وهو الذي يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية «قوة المقتضي» (٥) ويتم ذلك بالاستعداد للصلاة، والتفرغ لها، والطمأنينة، وترتيل القراءة وتنويعها، وتدبرها، وتنويع الأذكار والأدعية وتدبرها، ولا سيما في حالة السجود.
الثاني: إزالة الشواغل ودفع الموانع التي تصرف عن الخشوع، وهذا هو الذي يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية «ضعف الشاغل» وهو الذي جاءت فيه أحاديث الباب، حيث تضمنت نهي المصلي عن أمور تنافي الخشوع أو تضعفه، فيتعين على المكلف اجتنابها ليحصل له الخشوع.
فينبغي للمصلي إذا دخل في صلاته أن يُعنى بها وأن يقبل عليها بقلبه وقالبه، حتى يحصل من الأجر والثواب والعاقبة الحميدة والتأثر بالصلاة ما لا يحصيه إلا الله تعالى، لأنها صلة بين العبد وربه، فيحذر ما يشغل قلبه.
وكثير من الناس إذا دخل الصلاة جعلها فرصة للعبث إما ببدنه أو بثيابه أو بنظره ها هنا أو ها هنا، وهذا لا ينبغي، بل يخشى عليه بطلان صلاته إذا كثرت الحركات، كما تقدم.
стр. 842
النهي عن التخصر في الصلاة
٢٣٨/ ١ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِراً. مُتَّفَقٌ عَليْهِ، وَاللَّفْظُ لمُسْلمٍ.
وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلى خَاصِرَتِهِ.
٢٣٩/ ٢ - وَفِي الْبُخَارِيِّ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ ذلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة» باب «الخصر في الصلاة» من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ به، ومن طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به (١٢١٩)، (١٢٢٠). وأخرجه مسلم (٥٤٥) بالإسناد الأول، واللفظ المذكور له، كما ذكر الحافظ.
أما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب «أحاديث الأنبياء» باب «ما ذكر عن بني إسرائيل» (٣٤٥٨) من طريق مسروق، عن عائشة ﵂: كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (الرجل) لا مفهوم له، فالمرأة مثله.
قوله: (مختصراً)، اسم فاعل من (اختصر) الرجل فهو مختصر: إذا وضع يده على خاصرته، والخاصرة من الإنسان هي ما بين الورك وأسفل الأضلاع، قال النووي: (هذا هو الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل
стр. 843
اللغة والغريب والحديث … ) (١).
وقد ورد هذا التفسير عن ابن سيرين، أحد رواة الحديث (٢)، ونقله عنه الحافظ في «فتح الباري» (٣) وذكره هنا، ولعله ذكره ونص عليه بهذا المعنى، لورود الاختلاف في معناه، كما ذكره الشراح، فقد قيل: إن معناه: قراءة آية أو آيتين من أخر السورة، يكتفي بذلك عن السورة، وقيل: أن يحذف الآية التي فيها السجدة إذا مرّ بها في الصلاة لئلا يسجد، وقيل: أن يتوكأ على عصا، وقيل غير ذلك.
الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي المصلي أن يضع يديه على خاصرتيه، وهذا النهي عند الجمهور للتنزيه، قالوا: ولا تبطل به الصلاة، وهو قول فقهاء الحنابلة والشافعية وغيرهم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الحكمة من النهي عن الاختصار هي الابتعاد عن مشابهة اليهود، فإنهم يضعون أيديهم على خواصرهم في الصلاة، وهذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه في حكمة النهي عن الاختصار في الصلاة، وأما ما قيل: إنه فعل الشيطان، أو أن إبليس أُهبط من الجنة كذلك، فهي علل لا تقف أمام ما ورد عن الصحابي الذي هو أعرف بسبب الحديث، ويحتمل أن يكون ذلك مرفوعاً.
ومناسبة الحديث للباب أن وضع اليد على الخاصرة دليل على عدم الخشوع، فإنه قد يَملّ، وقد يرفعها، وقد يرسلها، فهي لا تسلم من الحركة.
وقد دلت السنة على أن المصلي يضع يده اليمنى على اليسرى فوق السرة أو عليها أو تحتها، وسيأتي الكلام على ذلك في «صفة الصلاة» إن شاء الله.
стр. 844
حكم تأخير الصلاة إذا حضر العَشاء
٢٤٠/ ٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أنْ تُصَلُّوا المَغْرِبَ» مُتفقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «إذا حضر الطعام وأُقيمت الصلاة» (٦٧٢) ومسلم (٥٥٧) من طريق ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم». وهذا لفظ البخاري.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا قدم العشاء) بفتح العين، الطعام الذي يؤكل في وقت العشي، وهو آخر النهار، وظاهر هذا الحديث وغيره أن عادة أهل المدينة أنهم يتناولون طعام العشاء قبل المغرب، لأنهم أهل حرث فلا يفرغون إلا آخر النهار، وكانت هي عادة أهل نجد قديماً، يأكلون طعام العشاء قبل المغرب، والغداء قبل الظهر، وهو شيء خفيف كالتمر واللبن، ثم صار الناس يأكلون العشاء بعد صلاة المغرب، ثم صاروا في هذه الأزمنة المتأخرة يأكلونه بعد صلاة العشاء بل ويتأخرون، وفي ذلك مفاسد كثيرة، والله المستعان.
قوله: (فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب)، الأمر للندب عند الجمهور، وحمله ابن حزم الظاهري (١) على الوجوب، فلو قدم الصلاة فهي
стр. 845
باطلة عنده، عملاً بظاهر الأمر، والأول أظهر، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على صحة من صلى بحضرة طعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئاً (١)، وفي حديث عائشة ﵂: (إذا وضع العَشَاءُ وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشَاء) (٢).
وهذا أعم من حديث الباب، فإن قوله: (وأقيمت الصلاة)، عام في المغرب وغيرها، ويؤيد ذلك الحديث الآتي: (لا صلاة بحضرة طعام).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الطعام إذا قدم وقت صلاة المغرب فإنه يُبدأ به قبل أداء الصلاة، وعلى الآكل ألا يعجل حتى تنقضي حاجته منه، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، ولا يتم ذلك إلا بحضور القلب وتفرغه من الشواغل - كما تقدم - فتقديم الأكل على الصلاة لتؤدَّى بخشوع وحضور القلب.
وليس هذا من باب التهاون بالصلاة أو تقديم حق العبد على حق الله تعالى، بل إنه من باب تعظيم الصلاة حتى يقبل عليها بقلبه وقالبه.
وظاهر الحديث أنه يقدم الطعام مطلقاً، سواء أكان محتاجاً إليه أم لا، لكن حمله أهل العلم على ما إذا كانت النفس محتاجة للطعام ومتعلقة به، أما مع عدم الحاجة إليه فلا ينبغي للمسلم أن يتخذ ذلك عادة، فيرتب موعد طعامه مع وقت حضور الصلاة، لأن هذا يفوت صلاة الجماعة، ولعلهم لاحظوا المعنى المراد، فإن النفس إذا لم تَتُقْ إلى الطعام فإن تقديم الصلاة لن يؤثر على الخشوع، بخلاف ما إذا تاقت إليه، ويؤيد ذلك قضايا وردت عن الصحابة ﵃.
الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن الصلاة تؤخر إذا قدم الطعام ولو فاتت الجماعة أو فات أول الوقت، لكن إن ضاق الوقت بحيث لو قدم الطعام
стр. 846
لخرج الوقت، فالجمهور على تقديم الصلاة محافظة على الوقت، وعندهم التقديم مختص بالحالتين المذكورتين.
وذهب آخرون إلى وجوب تقديم الطعام محافظة على تحصيل الخشوع في الصلاة، ولعل المسألة مبنية على حكم الخشوع في الصلاة (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 847
حكم تسوية الحصى في الصلاة
٢٤١/ ٤ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ في الصلاة فَلَا يَمْسَحِ الحَصَى؛ فإنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَزَادَ أَحْمَدُ: «وَاحِدَةً أَوْ دَعْ».
٢٤٢/ ٥ - وفِي «الصَّحِيحِ» عن مُعَيْقِيبٍ نَحْوُهُ بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو معيقيب - بضم الميم وفتح العين - ابن أبي فاطمة الدوسي مولى سعيد بن أبي العاص، وقيل: حليف لآل سعيد، شهد بدراً، وقد أسلم قديماً في مكة، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وأقام بها حتى قدم على النبي ﷺ في المدينة، وكان على خاتم النبي ﷺ كما ذكر ذلك ابن القيم (١)، واستعمله أبو بكر وعمر ﵄ على بيت المال، روى عنه ابناه: محمد والحارث، وابن ابنه: إياس بن الحارث، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو قليل الحديث، مات سنة أربعين، وقيل: في آخر خلافة عثمان، رضي الله عن الجميع (٢).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
حديث أبي ذر ﵁ أخرجه أبو داود (٩٤٥) في كتاب «الصلاة» بابٌ
стр. 848
«في مسح الحصى في الصلاة» والترمذي (٣٧٩) والنسائي (٣/ ٦) وابن ماجه (١٠٢٧) وأحمد (٣٥/ ٢٥٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر ﵁، به.
وهذا إسناد ضعيف، لأن أبا الأحوص مجهول، لم يرو عنه غير الزهري، ولم يوثقه إلا ابن حبان (١) فلم تثبت عدالته وحفظه، قال النسائي: (لم نقف على اسمه، ولا نعرفه، ولا يعلم أحد روى عنه غير ابن شهاب)، وذكره الذهبي في كتابه: «من تُكلِّم فيه وهو موثَّق» (٢).
والحديث حسنه الترمذي، ولعله لشواهده، وصححه الحافظ هنا في «البلوغ»، وهذا فيه نظر، فإنه قال عن أبي الأحوص في «التقريب»: (مقبول)، يعني عند المتابعة، ولم يتابع على هذا الحديث، فيكون ليِّن الحديث، ويدل على ذلك أنه خولف فيه، فقد أخرجه أحمد (٣٥/ ٣٥١) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه، عن أبيه (٣) عن أبي ذر ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ عن كل شيء حتى سألته عن مسح الحصى؟ فقال: «واحدةً أو دع»).
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيئ الحفظ، لكنه حَفِظَهُ، بدليل الحديث الذي بعده، وهو ما أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة»، باب: «مسح الحصى في الصلاة» (١٢٠٧) ومسلم (٥٤٦) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (حدثني معيقيب أن النبي ﷺ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: «إن كنت فاعلاً فواحدة»، والحديث له طريق أخرى عند الطيالسي (١/ ٣٧٧) فقد رواه من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي ذر به، دون قوله: (أودَعْ) وعلى هذا فهو حديث صحيح، كما قال الألباني (٤).
وقول المصنف: وزاد أحمد: (واحدة أو دع)، ظاهره أنه زاد على اللفظ
стр. 849
السابق، وهذا غير مراد، لأن لفظه عند أحمد يختلف عن لفظه السابق، وقد تقدم سياق لفظه عند أحمد، ولو قال: وفي رواية لأحمد … لكان أوضح.
قوله: (بغير تعليل) أي: إن حديث معيقيب فيه النهي، دون التعليل بأن الرحمة تواجهه.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (إذا قام أحدكم في الصلاة) هذا لفظ النسائي، والمثبت في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه (إلى الصلاة). والمعنى: إذا شرع في الصلاة ليتفق اللفظان.
قوله: (فلا يمسح الحصى) أي: يسويه للسجود، والحصى: الحجارة الصغيرة، والتقييد بذلك خرج مخرج الغالب، لكونه الغالب على فَرْشِ مساجدهم، وإلا فلا فرق بينه وبين التراب والرمل، ويؤيد ذلك حديث معيقيب الآتي.
قوله: (فإن الرحمة تواجهه) هذا تعليل للنهي عن مسح الحصى، وقد ورد في رواية أبي داود وابن ماجه تقديم التعليل، ولفظهما: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه، فلا يمسح الحصى)، والمعنى: أن الرحمة تقابله وتنزل عليه فلا ينبغي أن يشتغل عنها بذلك.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا ينبغي للمصلي أن يمسح موضع سجوده من الأرض، بل عليه أن يقبل على صلاته ويخشع فيها، فيسجد على الأرض بدون مسح، قال الصنعاني: (إن النهي ظاهر في التحريم) (١).
لكن إن كان هناك حاجة لتسوية موضع السجود وهو التراب أو الحصى فليكن ذلك مرة واحدة، وقد أخرج مالك بإسناد صحيح عن أبي جعفر القارئ أنه قال: (رأيت عبد الله بن عمر إذا أهوى ليسجد مسح الحصباء لموضع جبهته مسحاً خفيفاً) (٢)، فإن سَوّى ذلك قبل دخوله في الصلاة فهو أفضل، لئلا يحتاج ذلك أثناء الصلاة، ولئلا ينشغل باله في الصلاة.
стр. 850
الوجه الخامس: دلَّ الحديث على أن حكمة النهي عن مسح الحصى أن الرحمة تواجهه وتكون تلقاء وجهه، والحديث الذي فيه التعليل فيه المقال المتقدم، وقيل: إن علة ذلك المحافظة على الخشوع والبعد عن العبث، ولعل المصنف لحظ هذا المعنى فذكر الحديث في هذا الباب، ولا مانع من إرادة الأمرين، ويدخل في ذلك كراهة مسح الجبهة والأنف أثناء الصلاة، فإنه من العبث وعدم الخشوع، لأن الاستغراق في الصلاة والخشوع فيها يُنسي ذلك ويُشغل عنه، وقد قال ﷺ : «إن في الصلاة لشغلاً» (١)، قال القاضي عياض: (كره السلف مسح الجبهة في الصلاة وقبل الانصراف مما يتعلق بها من الأرض) (٢).
وقد سجد النبي ﷺ في ماء وطين وبقي أثر ذلك في جبهته، ولم يكن ينشغل في كلّ رفعٍ من السجود بإزالة ما علق (٣)، فإقبال المصلي على صلاته وعنايته بها ينسي ذلك، والله المستعان.
стр. 851
النهي عن الالتفات في الصلاة
٢٤٣/ ٦ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَنِ الالْتِفَاتِ في الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٢٤٤/ ٧ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ: عَنْ أَنس - وَصَحَّحَهُ - «إيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإنْ كَانَ لَا بُدَّ ففي التَّطُّوعِ».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «الالتفات في الصلاة» (٧٥١)، من طريق أشعث بن سليم، عن أبيه - أبي الشعثاء المحاربي - عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: …
وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقد ذكر الحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٣٧) أن الشيخين اتفقا على إخراجه، وهذا وهم منه، ﵀.
أما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه الترمذي (٥٨٩) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا بني إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة»، وهذا إسناد ضعيف لأمرين:
١ - لأنه من رواية علي بن زيد، المعروف بابن جُدْعان، وهو ضعيف، ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: (ليس بقوي) (١).
стр. 852
٢ - أن رواية سعيد عن أنس ﵁ لا تُعرف، قال المنذري: (رواية سعيد عن أنس غير مشهورة) (١).
وقول الحافظ والمجد ابن تيمية - أيضاً (٢) ـ: إن الترمذي صححه .. ، هذا ذكره المزي في «التحفة» (١/ ٢٢٦) والموجود في نسخ الترمذي: (هذا حديث حسن غريب) وفي بعضها: (هذا حديث غريب) قال الشيخ أحمد شاكر: (ولم نجد تصحيحه في أية نسخة من سنن الترمذي)، وقد حسن الترمذي هذا الإسناد نفسه في موضع آخر من «جامعه» (٣).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قولها: (عن الالتفات) هو تحويل الوجه عن القبلة يميناً أو شمالاً.
قوله: (هو اختلاس)، مصدر اختلس الشيء أي: استلبه في خفية، واختطفه بسرعة عن غفلة، والمعنى: أن الالتفات انتقاص ينتقصه الشيطان من صلاة العبد على وجه السرعة والخفية، فاعتبر التفاتة المصلي وذهاب الخشوع عنه اختلاسة ينتقصها الشيطان من صلاة العبد، لأنه يفرح بإعراض المصلي عن صلاته.
يقول الطيبي: (من التفت يميناً وشمالاً ذهب عنه الخشوع المطلوب بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، فاستعير لذهاب الخشوع اختلاس الشيطان، تصويراً لقبح تلك الفعلة، أو أن المصلي حينئذٍ مستغرق في مناجاة ربه، وأنه تعالى مقبل عليه، والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الفرصة عنه، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلسها منه) (٤).
قوله: (إياك والالتفات في الصلاة) هذا أسلوب تحذير، و (إياك) ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به لفعل محذوف وجوباً، والتقدير: إياك أحذر، و (الالتفات) مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره: احذرْ، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها.
стр. 853
قوله: (فإنه هلكة) بفتح الهاء واللام والكاف، أي: هلاك، لأنه طاعة للشيطان وهو سبب الهلاك، والهلاك: استحالة الشيء وفساده، والصلاة بالالتفات تستحيل من الكمال إلى الاختلاس المذكور في الحديث المتقدم.
قوله: (فإن كان لا بد .. ) أي: لا مفر ولا محيد عن الالتفات فليكن في التطوع، لأنه مبني على المساهلة والمسامحة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المصلي منهي عن الالتفات في صلاته؛ لأنه وُصِفَ بأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، والمراد بذلك: التفاته بالوجه، فإن كان بجملة البدن بأن استدار إلى غير جهة القبلة حرم وبطلت الصلاة باتفاق العلماء (١).
وحكمة النهي عن الالتفات ما يلي:
١ - أنه نقص في الصلاة، لأنه دليل على عدم الخشوع، ولهذا ذكره المصنف هنا.
٢ - أنه إعراض عن الله تعالى، وإقبال على غيره، والله تعالى قِبَلَ عبده.
٣ - أنه حركة لا داعي لها، والأصل في الحركات أنها مكروهة مخلة بالخشوع.
وقد نقل الحافظ الإجماع على أن الالتفات في الصلاة مكروه، والجمهور على أنها كراهة تنزيه، وحكى عن الظاهرية وبعض الشافعية التحريم، إلا للضرورة (٢).
والالتفات في الصلاة نوعان:
الأول: التفات القلب إلى غير الله .
الثاني: التفات البصر.
وكلاهما منهي عنه، والالتفات لا يبطل الصلاة بهذه الصفة، ولكن
стр. 854
ينبغي للمصلي أن يخشع في صلاته، ويصمد في وجهه إلى موضع سجوده، ويقبل على الله تعالى في صلاته، فلا يلتفت يميناً ولا شمالاً ولا يحقق مقاصد الشيطان.
الوجه الرابع: إذا وجد حاجة للالتفات فلا بأس به، كترقب عدو أو سقوط شيء أو نحو ذلك، وقد ورد في حديث سهل بن سعد ﵁ أن أبا بكر ﵁ التفت في الصلاة حينما تقدم يصلي بالصحابة ﵃، فجاء النبي ﷺ ووقف خلفه، فأكثر الناس من التصفيق فالتفت. وهو حديث طويل (١).
وعن سهل بن الحنظلية قال: ثُوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح - فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشِّعْبِ (٢)، قال أبو داود: (وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس)، وهذا فيه بيان لسبب التفاته ﷺ (٣).
الوجه الخامس: الحديث دليل على حرص عائشة ﵂ على العلم ورغبتها في التفقه في الدين، ولهذا أدركت بتوفيق الله تعالى علماً جماً، وخيراً كثيراً، وحفظت عن رسول الله ﷺ ألواناً من الأحاديث على صغر سنها، لأنه ﷺ توفي وسنّها ثماني عشرة سنة ﵂ وعن الصحابة أجمعين.
стр. 855
نهي المصلي عن البصاق وبيان صفته عند الحاجة
٢٤٥/ ٨ - وعَنْ أَنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ في الصَّلَاةِ فَإنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنَ يَمِينِهِ، وَلكِنْ عَنْ شِمالِهِ؛ تَحْتَ قَدَمِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رِوايَةٍ: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة» باب «ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة» (١٢١٤) ومسلم (٥٥١) من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة، عن أنس ﵁ … فذكره.
وهذا لفظ مسلم، وعند البخاري: (تحت قدمه اليسرى).
وفي رواية للبخاري (٤١٣) بهذا الإسناد: (إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)، وكان الأولى بالمصنف أن يبين أن الرواية للبخاري، وسأذكر غرض الحافظ من إيرادها، إن شاء الله.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (فإنه يناجي ربه) أصل المناجاة: المسارَّة، تقول: ناجيته أي: ساررته، والاسم النجوى، والمراد هنا: الإقبال على الله تعالى، فالمصلي يناجي ربه بذكره ودعائه وتلاوة آياته، فاللائق به الخشوع والإقبال على ربه.
стр. 856
وقد علل النهي في هذا الحديث عن البصاق أمامه بكونه مناجياً لله، وفي حديث ابن عمر ﵄: ( .. بأن الله قِبَلَ وجهه إذا صلى) (١)، أي: مواجهه، ولا منافات بين ذلك لأن المراد إقبال الله تعالى على عبده في أثناء صلاته.
قوله: (فلا يبزقن). يقال: بزق يبزُق بُزاقاً من باب «قتل» وهو بمعنى بصق، وهو إبدال منه، قال الأزهري: (البصق والبزق والبسق واحد) (٢)، والبزق: لفظ ماء الفم، وما دام فيه فهو ريق (٣).
قوله: (فلا يبزقنّ بين يديه) أي أمامه، وقد جاء في رواية للبخاري: (فإن ربه بينه وبين القبلة) (٤). وفي حديث ابن عمر ﵄: (فإن الله قبل وجهه إذا صلى).
ولا يبصق عن يمينه، لما ورد عند البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: (ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً) (٥)، وهذا التعليل بشقيه يفيد أن المصلي لا يبصق أمامه ولا عن يمينه مطلقاً، لا في المسجد ولا في غيره، كما سيأتي، فإن قيل: إن مقتضى التعليل بكونه عن يمينه ملكاً يقتضي ألا يبصق عن يساره، لأن عن يساره ملكاً، لقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. فالجواب:
١ - أن المصلي لا يبصق في الصلاة إلا عند الحاجة، وعليه أن يبصق في ثوبه ما استطاع.
٢ - أنه إذا بصق تحت قدمه اليسرى لم يبصق في جهة الملك.
٣ - أن الملك المقيم في جهة اليمين أشرف من المقيم في جهة الشمال، فاحتُرم بما لم يُحترم به غيره، وقيل غير ذلك، والله أعلم.
قوله: (ولكن عن شماله تحت قدمه) أي: اليسرى، كما في رواية البخاري، وكذا جاء في حديث أبي سعيد ﵁ (٦).
стр. 857
والمعنى: أنه إذا بدره البصاق فإنه لا يبصق عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه اليسرى، وهذا إذا كان الإنسان خارج المسجد، كأن يصلي في بيته في أرض غير مفروشة أو في الصحراء، وأما في المسجد فلا يبصق تحت قدمه، وإنما في ثوبه أو منديله، كما سيأتي.
وفي رواية: (ولكن عن يساره أو تحت قدمه) والظاهر أن الحافظ ذكر هذه الرواية لأنها أعم من قوله: (ولكن عن شماله تحت قدمه) لأن الرواية المذكورة تشمل ما تحت القدم وغير ذلك من جهة اليسار، فإن الظاهر أن (أو) للإباحة أو التخيير، ففي أيهما بصق لم يكن به بأس.
أما رواية (ولكن عن شماله تحت قدمه) فهي مقيدة، فهي أخص، ويرى القرطبي أن الرواية الأولى ترجع إلى الرواية الثانية (١).
ثم إن قوله: (عن يساره) مطلق، لكنه محمول على ما إذا كانت جهة يساره خالية من المصلين، لما ورد في حديث طارق بن عبد الله المحاربي ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم إلى الصلاة أو إذا صلّى أحدكم فلا يبزقن أمامه، ولا عن يمينه، ولكن تلقاء يساره إن كان فارغاً أو تحت قدمه») (٢).
وفي بعض طرق حديث أبي هريرة ﵁: ( … فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا، ووصف القاسم - أحد رواته - فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض) (٣).
стр. 858
الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي المصلي عن البصاق بين يديه، وعن يمينه، سواء أكان ذلك في المسجد أم خارج المسجد، لما تقدم من التعليل من أن الله تعالى قبل وجه المصلي وأنه يناجي ربه وأن عن يمينه ملكاً.
والظاهر أن النهي للتحريم، لأن النبي ﷺ غضب لما رأى البصاق في جهة القِبلة، ونهى وبين علة النهي.
فإذا اضطر الإنسان إلى البصاق وهو يصلي فإنه يبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى إذا كان يصلي في صحراء، أو في مكان في بيته فيه تراب.
وأما البصاق في المسجد فسيأتي الكلام عليه في «أحكام المساجد» إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للمصلي أن يخشع في صلاته وذلك بإخلاص قلبه وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى وتمجيده وتلاوة كتابه وتدبره، لأن المصلي واقف بين يدي ربه يناجيه.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الله تعالى قِبَلَ وجه المصلي، أي: مواجهه مواجهة تليق بالله تعالى، ولا يلزم من ذلك أنه سبحانه مختلط بخلقه، فهو تعالى فوق سمواته مستو على عرشه، وهو قريب من خلقه، ومحيط بهم، فالنصوص جمعت بين كون الله تعالى قِبَلَ وجه المصلي، وأنه على عرشه، والنصوص لا تجمع بين متناقضين بحال، لأن ذلك محال، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن الحديث حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قِبَلَ وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوق، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت - أيضاً - قبل وجهه) (١)، والمعنى: أنه إذا كان هذا ممكناً في المخلوق، ففي الخالق أولى بلا شك، والنص إذا كان محتملاً وجب أن يفسّر بما يوافق النصوص المحكمة الصريحة، والواجب على المسلم أن يؤمن بهذه النصوص ولا يسأل عن كيفيتها، والله تعالى أعلم.
стр. 859
اجتناب المصلي ما يلهيه في صلاته
٢٤٦/ ٩ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ ﵂ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : «أَمِيطي عَنَّا قِرَامَكِ هذَا، فَإنَّهُ لَا تَزَالُ تَصاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي في صَلَاتِي». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٢٤٧/ ١٠ - وَاتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِها فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أبي جَهْمٍ، وَفِيهِ: «فَإنَّها ألْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إن صلّى في ثوب مُصَلَّبٍ أو تصاوير هل تفسد صلاته؟ وما يُنهى عن ذلك» (٣٧٤) من طريق عبد الوارث قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ : «أميطي عنا قرامكِ هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي».
وأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في باب «إذا صلّى في ثوب له أعلام، ونظر إليها» (٣٧٣) ومسلم (٥٥٦) من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلّى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي).
وأخرجه مسلم (٥٥٦)(٦٣) من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂:
стр. 860
(أن النبي ﷺ كانت له خميصة لها عَلَمٌ، فكان يتشاغل بها في الصلاة، فأعطاها أبا جهم، وأخذ كساء له أنبجانياً).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (قرام) بكسر القاف، هو ستر رقيق من صوف ذي ألوان.
قوله: (أميطي) أمر من الفعل (أماطَ يُميط) والثلاثي من باب «باع يبيع» أي: أزيلي.
قوله: (تعرض لي في صلاتي) أي: تلوح وتظهر.
قوله: (في خميصة) أي: كساء رفيع يلبسه أشراف العرب، وقد يكون له عَلَمٌ وقد لا يكون.
قوله: (لها أعلام) جمع عَلَمٍ، وهو الخط.
قوله: (فلما انصرف) أي: فرغ من صلاته، أو انصرف إلى بيته.
قوله: (بخميصتي هذه) أضافها إلى نفسه تحقيقاً لقبولها، وتملكها، وكان أبو جهم قد أهداها إليه، والإشارة للتعيين.
قوله: (أبي جهم) هو عبيد أو عامر بن حذيفة القرشي العدوي، أسلم عام الفتح، وعُمِّر حتى أدرك ابن الزبير، فأدرك بناء الكعبة في زمنه وفي الجاهلية أيضاً، كان معظماً في قريش ومقدماً فيهم، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم علم النسب، روي عنه أنه قال: (تركت الخمر في الجاهلية وما تركتها إلا خوفاً على عقلي) توفي في آخر خلافة ابن الزبير، ﵁ (١).
قوله: (بأنبجانية) بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الباء، ويجوز فتحها: كساء غليظ ليس فيه خطوط، وطلبه ﷺ أنبجانية أبي جهم عوضاً عن الخميصة التي ردها لئلا ينكسر قلبه برد النبي ﷺ هديته، فأخذ بدلها الأنبجانية، وعلل ذلك بأنها ألهته عن الخشوع في الصلاة، ولا يلزم من ذلك أن أبا جهم كان يصلي فيها.
стр. 861
قوله: (فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) أي: فإنها شغلتني قريباً عن الخشوع في صلاتي، والمراد: بعض الصلاة، لأنه ﷺ لم ينظر إلى أعلامها إلا نظرة واحدة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي للمصلي أن يجتنب كل ما يشغله ويلهيه عن صلاته من نقوش أو تصاوير أو كتابات، لأن الصلاة يطلب فيها الخشوع بحضور القلب وسكون البدن، والإقبال على الله تعالى، ولهذا استحب العلماء أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده ولا يتجاوزه، كما سيأتي إن شاء الله.
قال ابن رجب: (في الحديث دليل على استحباب التباعد عن الأسباب الملهية عن الصلاة، ولهذا أخرج النبي ﷺ تلك الخميصة عنه بالكلية، فينبغي لمن ألهاه شيء من الدنيا عن صلاته أن يخرجه عن ملكه (١)).
ولا يفهم من الحديث البعد عن الثوب الحسن في الصلاة، بل يستحب ذلك للآية، إلا إن خشي من ثوبه الحسن الالتهاء عن الصلاة أو حدوث الكبر أو نحو ذلك.
الوجه الرابع الحديث دليل على أنه ينبغي أن تصان المساجد عما يشوش على المصلين من الزخرفة أو كتابات شيء من الآيات أو تعليق الساعات ونحو ذلك مما يكون في قبلة المصلي.
قال الإمام مالك ﵀: (أكره أن يكتب في قبلة المسجد شيء من القرآن والتزويق). وقال: (إن ذلك يشغل المصلي) (٢)، وحكاه ابن رجب (٣) عن أحمد، ولا يفهم من كلام الإمام مالك أنه يرى جواز كتابة القرآن في غير جهة القبلة، وإنما خص القبلة لأنها أهم ما يشغل المصلي لكونه يستقبلها.
وكذا فُرُشُ المسجد فينبغي العناية بها وأن تكون خالية من التصاوير
стр. 862
والزخارف، لأن صور الصلبان والآدميين والحيوانات تكثر في الفرش التي تصنع للمساجد، فينبغي تركها وعدم شرائها، معاملةً لصانعيها بنقيض قصدهم.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لا يجوز تعليق الصور لا على الأبواب ولا على الجدران، بل يجب هتكها، سواء أكانت من صور بني آدم أم صور حيوانات من السباع أو الطيور ونحو ذلك، لأن هذه الصور فيها مشابهة لعباد الأصنام، وقد يفضي تعليقها إلى عبادتها من دون الله تعالى، كما وقع لقوم نوح ولليهود والنصارى، والله تعالى أعلم ..
стр. 863
النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة
٢٤٨/ ١١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيَنْتَهِينَّ أَقْوامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلى السّماءِ في الصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِم». رَوَاهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم (٤٢٨) في كتاب «الصلاة» باب «النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة» من طريق الأعمش عن المسيب - وهو ابن رافع الأسدي - عن تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سمرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء … الحديث».
وأخرجه أيضاً (٤٢٩) من طريق عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم».
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لينتهين) مضارع مؤكد بالنون واللام الواقعة في جواب القسم المقدر، وذلك لتأكيد النهي، وهو خبر بمعنى الأمر.
قوله: (أو لا ترجع إليهم) (أو) للتخيير المقصود به التهديد، والمعنى: ليكونن منهم الانتهاء عن رفع الأبصار أو خطف الأبصار عند الرفع فلا تعود إليهم.
стр. 864
الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم رفع البصر إلى السماء حال الصلاة، سواء أكان ذلك في حال القيام أم في حال الرفع من الركوع أم غير ذلك، وكذا في حال الدعاء، كما في حديث أبي هريرة ﵁، لأن الرسول ﷺ حذر من ذلك، واشتد قوله فيه، وذكر عقوبة من فعل ذلك، وهذا هو الراجح في حكم رفع البصر إلى السماء وهو التحريم، لأن مثل هذا الوعيد لا يكون إلا على محرَّم.
وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟!» فاشتد قوله في ذلك حتى قال: «لينتهُنَّ عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم» (١).
والجمهور على أن ذلك لا يبطل الصلاة، وذهب ابن حزم الظاهري إلى بطلان صلاة من رفع بصره إلى السماء (٢)، بناء على أن النهي يقتضي الفساد والبطلان. وإنما نُهي عن رفع البصر - والله أعلم - لأنه ينافي الخشوع والإقبال على الله تعالى، ولأنه إعراض عن القبلة، لأن القبلة ما يقابل الإنسان، لا ما يرفع إليه بصره؛ ولأنه خروج عن هيئة الصلاة، لأن الصلاة لها حالة معينة غير حالات الإنسان التي يعتادها في غير الصلاة.
قال ابن رجب: (والمعنى في كراهة ذلك؛ خشوع المصلي وخفض بصره، ونظره إلى محل سجوده، فإنه واقف بين يدي الله يناجيه، فينبغي أن يكون منكساً رأسه ومطرقاً إلى الأرض) (٣).
الوجه الرابع: اختلف العلماء في رفع البصر خارج الصلاة حال الدعاء فكرهه أناس، وأجازه الأكثرون، كما قال الحافظ، لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة. والراجح المنع؛ لأن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة؛ لوجوه ثلاثة:
стр. 865
الأول: أن القول برفع البصر حال الدعاء لا دليل عليه، ولم يقل به أحد من سلف الأمة، وهذا من الأمور الشرعية، فلا يجوز أن يخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها.
الثاني: أن رسول الله ﷺ كان يستقبل القبلة في دعائه، كما ثبت عنه ذلك في مواطن كثيرة، ففي حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ إلى هذا المصلى يستسقي، فدعا واستسقى، ثم استقبل القبلة) (١)، وترجم له البخاري في كتاب «الدعوات» باب «الدعاء مستقبل القبلة».
الثالث: أن القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه، كما تُستقبل الكعبة في الصلاة والذكر والدعاء والذبح، وليست القبلة ما يُرفع إليه البصر، ولا ما تُرفع إليه الأيدي (٢).
الوجه الخامس: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، سواء أكان إماماً أم مأموماً أم منفرداً، إلا عند المالكية، فقالوا: إن المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده (٣)، مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
ووجه الدلالة: أن المصلي مأمور بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وإذا نظر إلى موضع سجوده احتاج إلى نوع من الانحناء، والمنحني إلى موضع سجوده لم يولّ وجهه شطر المسجد الحرام.
وقد استدل الجمهور بما يلي:
١ - أن الله تعالى أثنى على المؤمنين ومدحهم بالخشوع في الصلاة، ومن صفات الخاشع أن ينظر إلى موضع سجوده، قال ابن تيمية: (إن خفض البصر من تمام الخشوع) (٤).
стр. 866
٢ - حديث عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ الكعبة وما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها (١).
٣ - أنه ورد مراسيل عن ابن سيرين وعطاء وغيرهما أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم (٢).
وعن أبي قلابة الجرمي قال: حدثني عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ عن صلاة رسول الله ﷺ في قيامه وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين، يعني عمر بن عبد العزيز ﵀ قال سليمان: فرمقت عمر في صلاته فكان بصره إلى موضع سجوده … ، وذكر باقي الحديث (٣).
ويستثنى من ذلك حال التشهد فإن المصلي ينظر إلى سبَّاحته، لحديث عبد الله بن الزبير في صفة صلاة النبي ﷺ ، وفيه: (وكان لا يجاوز بصره إشارته) (٤)، والله تعالى أعلم.
стр. 867
حكم الصلاة عند حضور الطعام أو مدافعة الأخبثين
٢٤٩/ ١٢ - وَلَهُ: عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبثَانِ».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم (٥٦٠) في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين»، من طريق يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق قال: (تحدثت أنا والقاسم عند عائشة ﵂ حديثاً، وكان القاسم رجلاً لَحّانَةً (١)، وكان لأمِّ ولد، فقالت له عائشة: ما لك لا تحدث، كما يتحدث ابن أخي هذا؟ أما إني قد علمت من أين أُتيت، هذا أدبته أمه، وأنت أدبتك أمك، قال: فغضب القاسم، وأضبَّ عليها، فلما رأى مائدة عائشة قد أُتي بها قام، قالت: أين؟ قال: أُصلي، قالت: اجلس، قال: إني أُصلي، قالت: اجلس غُدَر، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: … فذكرت الحديث.
وابن أبي عتيق: هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، يعرف بابن أبي عتيق، والقاسم هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، ومعنى: أضب عليها، بالضاد أي: حقد، ومعنى غُدَر: يا غادر، والغدر في الأصل: تركُ الوفاءِ. وأكثر ما يستعمل هذا اللفظ في النداء
стр. 868
بالشتم، وإنما قالت له: غُدَر؛ لأنه مأمور باحترامها، لأنها أم المؤمنين وعمته وأكبر منه وناصحة له ومؤدبة، فكان حقه أن يحتملها ولا يغضب عليها.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا صلاة) لا: نافية، والنفي هنا يتضمن النهي، أي: لا يصلِّ إنسان، والنفي عند البلاغيين أبلغ من النهي؛ لأن فيه تقريراً لاجتنابه، كأنه أمر لا يمكن أن يكون، وتقدم ذلك في «المواقيت».
والجمهور على أن هذا النفي نفي للكمال، وأنه يكره أن يصلي في هذه الحال، ولو صلّى فصلاته صحيحة (١)، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (وهذا أظهر)، لأنَّ له نظائر، مثل: (لا إيمان لمن لا صبر له)، ومثل: (والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)، ونحو ذلك مما يراد به نفي الكمال، فهذا مثله.
وقال بعض أهل العلم: إنه نفي للصحة، فلو صلّى في هذه الحال فصلاته محرمة، فتكون باطلة، لأن الأصل في نفي الشرع أن يكون لنفي الصحة، وهذا هو قول الظاهرية (٢).
قوله: (بحضرة طعام) الباء للمصاحبة، أي: مع حضور طعام، والمراد به: وضعه وتقديمه للأكل.
قوله: (ولا وهو يدافعه الأخبثان) أي: البول والغائط، وقد ورد التصريح بهما عند ابن حبان من حديث عائشة ﵂ بالإسناد المذكور، ولفظه: (لا يقوم أحدكم إلى الصلاة، وهو بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان: الغائط والبول) (٣).
ومعنى يدافعه: أنه يدفعهما عن الخروج، وهما يدفعانه عن الشغل بغيرهما ليخرجا.
стр. 869
الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن الصلاة حال حضور الطعام الذي يريد أكله، لما تقدم من أن الصلاة صلة بين العبد وربه، ولا يتم ذلك إلا بحضور القلب وتفريغه من الشواغل، فيقدم الطعام لتؤدى الصلاة بخشوع وحضور قلب، ولو فات أول الوقت أو فاتت الجماعة.
وحضور الطعام قيد معتبر، فإن كان غير حاضر فلا تؤخر، إلا إن تيسر حضوره عن قرب، كأن توجد أمارات تقديمه، فلا يبعد أن يكون كالحاضر.
وقال بعض العلماء: إذا كان الطعام غير حاضر ونفسه تتوق إليه فالحكم فيه كما لو حضره، لوجود المعنى، وهو ترك الخشوع.
والأول أظهر، فإن الحضور قيد معتبر لا ينبغي إهداره، لأن حضور الطعام يوجب زيادة تشويق وتطلع إليه، فقد يكون الشارع اعتبر هذا الوصف وهو زيادة التشويق بسبب حضوره، فلا يلحق به ما لا يساويه للقاعدة الأصولية: أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبراً لم يُلْغَ (١).
الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن الصلاة حال مدافعة البول والغائط، لأنه يكون مشغولاً بهما حتى ينتهي من صلاته ليفرغ منهما مع ما في ذلك من مضرة البدن، بل عليه أن يقضي حاجته ويتوضأ ولو فاتته الجماعة، لأن صلاته وحده بحضور قلب وخشوع أهم من صلاته مع الجماعة في حال مدافعة الأخبثين.
أما إذا كان شيئاً يسيراً لا يشغله، أو أحسَّ بالبول والغائط ولم يصل إلى حد المدافعة فلا بأس في الصلاة، لأن المدافعة تقتضي أن هناك شدة بحيث إن البول والغائط يؤذيه تأخره.
فإن ترتب على قضاء حاجته خروج الوقت فهل يصلي مع المدافعة أو يتوضأ ويصلي ولو خرج الوقت؟ قولان:
стр. 870
القول الأول: أنه يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين حفاظاً على الوقت، ولا يجوز له تأخيرها؛ وهو قول الجمهور.
القول الثاني: أنه يقضي حاجته ويصلي ولو خرج الوقت، وهو قول ابن حزم، وحكاه النووي عن بعض الشافعية (١)، وهذا هو الأقرب إلى قواعد الشريعة وتيسيرها على المكلفين.
الوجه الخامس: ألحق العلماء بمدافعة الأخبثين كل ما يشغل بال المصلي من ريح في جوفه، أو حر أو برد شديدين لا يخشع معهما، أو جوع أو عطش كذلك، لأن المعنى المراد موجود في الجميع، وهو حضور القلب وسكون الجوارح.
هذا ولو أن المصنف ذكر هذا الحديث مع حديث أنس المتقدم أول الباب، (إذا قُدم العَشاء … )، في موضع واحد لكان أنسب، والله أعلم.
стр. 871
كراهة التثاؤب في الصلاة
٢٥٠/ ١٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: «فِي الصَّلَاةِ».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم (٢٩٩٤) في كتاب «الزهد والرقائق»، باب «تشميت العاطس وكراهة التثاؤب»، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ به. وأخرجه الترمذي (٣٧٠) بالإسناد نفسه، ولفظه: (التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع) وقال: (حديث حسن صحيح).
وذكر الحافظ زيادة الترمذي لمناسبتها لكتاب الصلاة، لكنه ذكر حديث مسلم لأنه مقدم، ثم أشار إلى الزيادة، ولم يبين موضعها من الحديث، وقد بينتها بسياق اللفظ عند الترمذي.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (التثاؤب) مصدر تثاءب، مثل: تقاتل تقاتلاً، وهو بالهمز، وتثاوب: بدون همز، عامي، ذكره الجوهري (١) وتبعه صاحب «المصباح المنير» وآخرون، وقيل: هما لغتان (٢)، والتثاؤب: حركة للفم ليست إرادية، وتكون هذه الحركة من كسل أو نوم.
стр. 872
قوله: (من الشيطان) جعله من الشيطان كراهية له، لأنه يكون مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل والنوم، فأُضيف إليه، لأنه الداعي إلى إعطاء النفس شهواتها وتوسعها في المآكل والمشارب.
قوله: (فليكظم) بفتح ياء المضارعة وكسر الظاء المشالة من باب «ضرب يضرب» أي: ليحبسه وليمسكه، والكظم: سَدُّ الفم بإطباق الشفتين، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: (فليردَّه ما استطاع) فإما أن المراد الأخذ بأسباب رده، لا أنه يرده إذا وقع، أو أن المراد: إذا أراد أن يتثاءب فليرده.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي للمتثائب أن يرد تثاؤبه ما استطاع، وذلك بإطباق فمه وضم شفتيه.
وهذا هو الأمر الأول المشروع الذي دلت عليه السنة، ودليله حديث الباب.
والأمر الثاني: أن يضع يده على فيه، لأن فَغْرَ الفم شيء مستقبح، وربما وقع في فمه شيئ كذباب ونحوه، وقد دلّ على ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل» (١)، والأفضل أن تكون اليد اليسرى، لأنه في أمر مستقذر.
فأمر بوضع يده على فمه لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته ودخوله فمه، وضحكه منه، وفي حديث أبي هريرة ﵁: ( … فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان) (٢).
والأمر الثالث: أن يلزم الصمت، ولا يقول: (ها) لأنه صوت مستقبح، ليس بواضح، فالسنة ألا يتكلم في هذه الحال حتى ينتهي التثاؤب.
وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «التثاؤب
стр. 873
من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك الشيطان» (١)، فهذه أمور ثلاثة دلت عليها السنة، وأما ما يفعله بعض الناس من الاستعاذة من الشيطان ظناً منهم أنه مستحب، فهذا لا أصل له، ولو كان مشروعاً لجاء النقل فيه عن النبي ﷺ ، كما نقل في هذه الأمور الثلاثة، بل إن بعضهم يُقَصّرُ في هذه الأمور المشروعة، ويأتي بأمر غير مشروع، والله المستعان.
الوجه الرابع: تبين من أحاديث التثاؤب أن بعضها مطلق وبعضها مقيد في حالة الصلاة، كما في رواية الترمذي، والظاهر أن التثاؤب مكروه مطلقاً لأنه من الشيطان، لكن كراهته في حال الصلاة أشد، لأن للشيطان غرضاً قوياً في التشويش على المصلي وإذهاب خشوعه، وحالة الصلاة أولى بدفع التثاؤب، لبعده عن الخشوع وأدب الصلاة، وللخروج عن اعتدال الهيئة واعوجاج الخلقة، فيتأكد في حق المصلي دفعه ما استطاع، فإن غلبه وَضَعَ يده على فيه، وعليه أن يمسك عن القراءة حتى يذهب عنه، لئلا يتغير نظم القرآن، وكذلك إذا كان يقرأ خارج الصلاة (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 874
باب المساجد
المساجد: جمع مسجد، على وزن مَفْعِل بكسر العين، اسم لمكان السجود وهو بهذا الاعتبار لا يختص بموضع معين، وبالفتح: اسم للمصدر، قال في «تثقيف اللسان»: (ويقال للمسجد: مَسْيد، بفتح الميم، حكاه غير واحد) (١).
ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق اسم المكان منه، فقيل: مسجد، ولم يقولوا: مركع (٢).
والمسجد شرعاً: هو كل موضع من الأرض، لقوله ﷺ «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» (٣) وفي عرف الفقهاء: بقعة من الأرض تحررت عن التملك الشخصي، وخصصت للصلاة والعبادة (٤).
ومصلى العيد مسجد، على الراجح من قولي أهل العلم، وهو قول جماعة من أهل العلم، كالقاضي عياض والدارمي (٥)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، قال صاحب «الفروع»: (والصحيح أن مصلى العيد مسجد) (٦)، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ أمر الحُيَّض باعتزاله، والمرأة الحائض لا تعتزل إلا المسجد، على الخلاف المتقدم في باب «الغسل».
والمساجد أفضل البقاع في الأرض، وذلك لما يقام فيها من ذكر الله تعالى وعبادته بإقامة الصلاة، وتلاوة القرآن، وتعليم الدين، وغير ذلك مما يدل على أن المسجد هو مدرسة الإسلام الأولى.
стр. 875
وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (١).
وللمساجد أحكام كثيرة عُني بها العلماء وبحثوها في كتب الحديث والتفسير والفقه، وألفوا فيها مؤلفات مستقلة، وقد جاء في هذه الأحكام أدلة من الكتاب والسنة، وقد ذكر المصنف في هذا الباب جملة من الأحاديث المتعلقة بذلك.
стр. 876
الأمر ببناء المساجد وتنظيفها
٢٥١/ ١ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنظَّفَ، وَتُطَيَّبَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ إرْسَالَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (٤٥٥) في كتاب «الصلاة»، باب «اتخاذ المساجد في الدور» والترمذي (٥٩٤) وابن ماجه (٧٥٩) وأحمد (٤٣/ ٣٩٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
وقد اختلف في وصل هذا الحديث وإرساله، فقد رواه موصولاً عامر بن صالح الزبيري، عند أحمد والترمذي، وزائدة بن قدامة عند أبي داود وابن ماجه، ومالك بن سُعير عند ابن ماجه - أيضاً - ثلاثتهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر ببنيان المساجد … الحديث.
وعامر بن صالح متروك، وكذبه ابن معين، ووثقه أحمد (١)، لكنه توبع، وزائدة ثقة، ومالك بن سُعير لا بأس به، وهو من رجال البخاري ومسلم، كما في «التقريب».
ورواه مرسلاً وكيع وعَبْدة بن سليمان عند الترمذي (٥٩٥) قال: حدثنا هناد، حدثنا عبدة ووكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي ﷺ أمر … فذكر نحوه ..
стр. 877
قال الترمذي: (وهذا أصح من الحديث الأول).
وتابعهما سفيان بن عيينة عند الترمذي أيضاً (٥٩٦) فلذا رجح الترمذي الإرسال على الوصل، بناء على القاعدة عند المحققين، وهي أنه إذا تعارض الوصل والإرسال قُدِّمَ الأوثق والأكثر ولو في الإرسال، ورواة الإرسال هنا أوثق، فوكيع ثقة حافظ عابد، وعبدة بن سليمان الكلابي ثقة ثبت، وسفيان بن عيينة ثقة حافظ فقيه إمام حجة، كما رجح الإرسال أبو حاتم كما في «العلل» (٤٨١).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ببناء المساجد في الدور) أي: في القبائل، وهي الآن المحلّة أو الأحياء السكنية، وقد كان للأنصار وغيرهم دور تجتمع فيها جماعتهم ويكون فيها نخيلهم وزروعهم، فيقال: دار بني ساعدة، ودار بني النجار، وغير ذلك، وقد فسر سفيان بن عيينة أحد رواة الحديث الدور بالقبائل، كما نقله عنه الترمذي.
الوجه الثالث: الحديث دليل على شرعية بناء المساجد في الدور، وهي الآن الأحياء السكنية، فيشرع بناء المساجد فيها، ليجتمع أهل الحي كل يوم وليلة خمس مرات، فيتم في ذلك عبادة الله تعالى وتعليم الجاهل، وتنشيط العاجز، والتعاون على البر والتقوى؛ إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة، وعلى هذا فيجب على المسؤولين عن تخطيط الأراضي والأحياء السكنية ألا يُغفلوا موضوع بيوت الله تعالى، ولتكن مقدمة على غيرها من المرافق.
الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب تهيئة المساجد للمصلين، وذلك بتنظيفها من كل قذر يقع في أرضها أو فرشها أو حيطانها، كما يجب أن تصان عن الأقذار كالمخاط وتقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط ونحو ذلك.
وكذلك ينبغي تطييبها وتحسين رائحتها، لتيسير الإقامة فيها، والتشجيع على التردد عليها، والبقاء فيها للقراءة والذكر والصلاة وطلب العلم، وغير ذلك.
стр. 878
وقد بوب البخاري في «صحيحه» في كتاب «الصلاة» فقال: (باب كَنْسِ المسجد والتقاط الخِرَقِ والقذى والعيدان) ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أسود، أو امرأة سوداء كان يَقُمُّ المسجد فمات، فسأل النبي ﷺ عنه فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلوني على قبره - أو قال: قبرها ـ» فأتى قبره فصلى عليه (١).
ففي هذا دليل على فضل تنظيف المسجد، لأن صلاة النبي ﷺ على قبر من يكنس المسجد دليل على تعظيم عمله، والله أعلم.
стр. 879
حكم بناء المساجد على القبور
٢٥٢/ ٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «قَاتَلَ الله الْيَهُودَ: اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ مُسْلِمٌ: «وَالنَّصَارَى».
٢٥٣/ ٣ - وَلَهُمَا: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: «كَانَوا إذَا مَات فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَالحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً»، وَفِيهِ: «أُولئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة في البيعة» (٤٣٧) ومسلم (٥٣٠) من طريق الزهري قال: حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ قال: فذكره مرفوعاً.
وأخرجه مسلم من طريق يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
وأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور (٤٣٤) ومسلم (٥٢٨) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله».
стр. 880
الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (قاتل الله اليهود) هذا لفظ «الصحيحين» أي: قتلهم الله، وقيل: لعنهم، وقيل: عاداهم، والمراد هنا: لعنهم، كما في الرواية الأخرى - كما ذكر النووي وغيره - ولا يخرج اللفظ عن هذه المعاني، وقد ترد بمعنى التعجب نحو: ما أشعره قاتله الله!
وأصل (فاعل) أن يكون بين اثنين في الغالب، وقد يجيء من واحد كقولك: سافرت، وطارقت النعل. ذكره ابن الأثير (١).
وفي اللفظ الآخر عندهما: (لعن الله) أي: طرد وأبعد عن رحمته، والجملة خبرية يحتمل أن تكون على حقيقتها، وهو أن النبي ﷺ يخبر أن الله لعن اليهود والنصارى، ويحتمل أن تكون على غير حقيقتها، وأن المراد بها الدعاء من النبي ﷺ عليهم بأن يطردهم الله من رحمته، فتكون خبرية لفظاً إنشائية معنىً.
قوله: (اليهود والنصارى) اليهود هم الذين ينتسبون في ديانتهم إلى شريعة موسى ﵊، سموا بذلك إما نسبة إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب ﵊، أو لأنهم هادوا، أي: رجعوا وتابوا من اتخاذ العجل إلهاً.
والنصارى: من ينتسبون في ديانتهم إلى شريعة عيسى ﵊، سموا بذلك إما لأنهم نزلوا قرية تُسمى ناصرة، أو لأن الحواريين منهم قالوا: نحن أنصار الله.
قوله: (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) جملة مستأنفة لبيان سبب اللعن، والضمير في السياق الأول واضح أنه يعود على اليهود، أما في لفظ مسلم فالضمير يعود على اليهود والنصارى باعتبار مجموع الطائفتين، لا كل طائفة، لأن النصارى نبيهم عيسى ﵊ وليس له قبر اتخذوه مسجداً،