الأمر ببناء المساجد وتنظيفها
٢٥١/ ١ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنظَّفَ، وَتُطَيَّبَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ إرْسَالَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (٤٥٥) في كتاب «الصلاة»، باب «اتخاذ المساجد في الدور» والترمذي (٥٩٤) وابن ماجه (٧٥٩) وأحمد (٤٣/ ٣٩٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
وقد اختلف في وصل هذا الحديث وإرساله، فقد رواه موصولاً عامر بن صالح الزبيري، عند أحمد والترمذي، وزائدة بن قدامة عند أبي داود وابن ماجه، ومالك بن سُعير عند ابن ماجه - أيضاً - ثلاثتهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر ببنيان المساجد … الحديث.
وعامر بن صالح متروك، وكذبه ابن معين، ووثقه أحمد (١)، لكنه توبع، وزائدة ثقة، ومالك بن سُعير لا بأس به، وهو من رجال البخاري ومسلم، كما في «التقريب».
ورواه مرسلاً وكيع وعَبْدة بن سليمان عند الترمذي (٥٩٥) قال: حدثنا هناد، حدثنا عبدة ووكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي ﷺ أمر … فذكر نحوه ..
стр. 877
قال الترمذي: (وهذا أصح من الحديث الأول).
وتابعهما سفيان بن عيينة عند الترمذي أيضاً (٥٩٦) فلذا رجح الترمذي الإرسال على الوصل، بناء على القاعدة عند المحققين، وهي أنه إذا تعارض الوصل والإرسال قُدِّمَ الأوثق والأكثر ولو في الإرسال، ورواة الإرسال هنا أوثق، فوكيع ثقة حافظ عابد، وعبدة بن سليمان الكلابي ثقة ثبت، وسفيان بن عيينة ثقة حافظ فقيه إمام حجة، كما رجح الإرسال أبو حاتم كما في «العلل» (٤٨١).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ببناء المساجد في الدور) أي: في القبائل، وهي الآن المحلّة أو الأحياء السكنية، وقد كان للأنصار وغيرهم دور تجتمع فيها جماعتهم ويكون فيها نخيلهم وزروعهم، فيقال: دار بني ساعدة، ودار بني النجار، وغير ذلك، وقد فسر سفيان بن عيينة أحد رواة الحديث الدور بالقبائل، كما نقله عنه الترمذي.
الوجه الثالث: الحديث دليل على شرعية بناء المساجد في الدور، وهي الآن الأحياء السكنية، فيشرع بناء المساجد فيها، ليجتمع أهل الحي كل يوم وليلة خمس مرات، فيتم في ذلك عبادة الله تعالى وتعليم الجاهل، وتنشيط العاجز، والتعاون على البر والتقوى؛ إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة، وعلى هذا فيجب على المسؤولين عن تخطيط الأراضي والأحياء السكنية ألا يُغفلوا موضوع بيوت الله تعالى، ولتكن مقدمة على غيرها من المرافق.
الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب تهيئة المساجد للمصلين، وذلك بتنظيفها من كل قذر يقع في أرضها أو فرشها أو حيطانها، كما يجب أن تصان عن الأقذار كالمخاط وتقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط ونحو ذلك.
وكذلك ينبغي تطييبها وتحسين رائحتها، لتيسير الإقامة فيها، والتشجيع على التردد عليها، والبقاء فيها للقراءة والذكر والصلاة وطلب العلم، وغير ذلك.
стр. 878
وقد بوب البخاري في «صحيحه» في كتاب «الصلاة» فقال: (باب كَنْسِ المسجد والتقاط الخِرَقِ والقذى والعيدان) ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أسود، أو امرأة سوداء كان يَقُمُّ المسجد فمات، فسأل النبي ﷺ عنه فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلوني على قبره - أو قال: قبرها ـ» فأتى قبره فصلى عليه (١).
ففي هذا دليل على فضل تنظيف المسجد، لأن صلاة النبي ﷺ على قبر من يكنس المسجد دليل على تعظيم عمله، والله أعلم.
стр. 879
حكم بناء المساجد على القبور
٢٥٢/ ٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «قَاتَلَ الله الْيَهُودَ: اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ مُسْلِمٌ: «وَالنَّصَارَى».
٢٥٣/ ٣ - وَلَهُمَا: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: «كَانَوا إذَا مَات فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَالحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً»، وَفِيهِ: «أُولئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة في البيعة» (٤٣٧) ومسلم (٥٣٠) من طريق الزهري قال: حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ قال: فذكره مرفوعاً.
وأخرجه مسلم من طريق يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
وأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور (٤٣٤) ومسلم (٥٢٨) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله».
стр. 880
الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (قاتل الله اليهود) هذا لفظ «الصحيحين» أي: قتلهم الله، وقيل: لعنهم، وقيل: عاداهم، والمراد هنا: لعنهم، كما في الرواية الأخرى - كما ذكر النووي وغيره - ولا يخرج اللفظ عن هذه المعاني، وقد ترد بمعنى التعجب نحو: ما أشعره قاتله الله!
وأصل (فاعل) أن يكون بين اثنين في الغالب، وقد يجيء من واحد كقولك: سافرت، وطارقت النعل. ذكره ابن الأثير (١).
وفي اللفظ الآخر عندهما: (لعن الله) أي: طرد وأبعد عن رحمته، والجملة خبرية يحتمل أن تكون على حقيقتها، وهو أن النبي ﷺ يخبر أن الله لعن اليهود والنصارى، ويحتمل أن تكون على غير حقيقتها، وأن المراد بها الدعاء من النبي ﷺ عليهم بأن يطردهم الله من رحمته، فتكون خبرية لفظاً إنشائية معنىً.
قوله: (اليهود والنصارى) اليهود هم الذين ينتسبون في ديانتهم إلى شريعة موسى ﵊، سموا بذلك إما نسبة إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب ﵊، أو لأنهم هادوا، أي: رجعوا وتابوا من اتخاذ العجل إلهاً.
والنصارى: من ينتسبون في ديانتهم إلى شريعة عيسى ﵊، سموا بذلك إما لأنهم نزلوا قرية تُسمى ناصرة، أو لأن الحواريين منهم قالوا: نحن أنصار الله.
قوله: (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) جملة مستأنفة لبيان سبب اللعن، والضمير في السياق الأول واضح أنه يعود على اليهود، أما في لفظ مسلم فالضمير يعود على اليهود والنصارى باعتبار مجموع الطائفتين، لا كل طائفة، لأن النصارى نبيهم عيسى ﵊ وليس له قبر اتخذوه مسجداً،
стр. 881
فيكون المراد: الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيد ذلك حديث جندب بن عبد الله ﵁ الآتي، ولفظه: (كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) كما يؤيده حديث عائشة ﵂ المتقدم؛ واتخاذ القبور مساجد يشمل بناء المساجد عليها، أو اتخاذها مكاناً للصلاة عندها ولو لم يبن المسجد، فمن تردد على قبر يصلي عنده فقد اتخذه مسجداً، لأن كل موضع قصدت الصلاة فيه فهو مسجد، كما قال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» (١).
قوله: (بنوا على قبره مسجداً) أي: مكاناً للصلاة، ويُسمى عند النصارى كنيسة.
قوله: (أولئِك شرار الخلق) بكسر الكاف، لأن الخطاب للمؤنث والمشار إليه بانو المساجد على القبور وواضعو الصور فيها.
ومعنى (شرار الخلق): أعظمهم شراً عند الله تعالى، لما يحصل بفعلهم من الفتنة والشرك بالله تعالى، وكل ما كان وسيلة إلى الشرك فصاحبه جدير بهذا الوصف.
الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم بناء المساجد على القبور، وأن هذا من كبائر الذنوب، وهو من فعل شرار الخلق عند الله تعالى، وهو من عمل اليهود والنصارى - وهم الغلاة في أنبيائهم وصالحيهم - والبناء على القبور من وسائل تعظيمها وعبادتها من دون الله تعالى، ويدخل في ذلك قصد القبور للصلاة عندها، فإن ذلك من اتخاذها مساجد، لأن العلة في بناء المساجد عليها موجودة في الصلاة عندها، فإن ذلك ذريعة إلى نوع من الشرك، بقصدها والعكوف عندها، وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).
وقد تبع اليهودَ والنصارى ضُلاّلُ هذه الأمة وغلاتُها في بلدان كثيرة،
стр. 882
كمصر والشام وغيرهما، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (بسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد) (١) وذكر ﵀ أنهم شر أهل البدع، وقد كان ذلك موجوداً في مكة في المعلاة، وفي المدينة في البقيع، فقيض الله تعالى لها من هدمها وأزالها، وكذا كانت القبور موجودة في بلاد نجد، فجاء الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب فسعى في إزالة الشرك ومعالمه، وتحقق على يديه خير كثير، ولا زال أناس يدعون إلى الشرك ويريدون أن تعود الحال إلى ما كانت عليه، وكما هو في الأمصار الأخرى، وهذا لجهلهم وضلالهم الذي أدى بهم إلى الغلو والتعلق بالقبور وأهلها.
وقد ورد عن جندب بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ ، قال قبل أن يموت بخمس: « … ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٢).
وهذا من حرصه ﷺ على أمته وإبعادهم عن جميع وسائل الشرك وأسبابه، حتى نهى عن ذلك في آخر حياته، بل إنه نهى عن ذلك وهو في حال الموت وفراق الدنيا، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: (لما نُزل برسول الله ﷺ طَفِقَ يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا (٣)). فالنبي ﷺ حذر من اتخاذ القبور مساجد ثلاث مرات: الأولى: في سائر حياته، الثانية: قبل موته بخمس، الثالثة: وهو في السياق.
الوجه الرابع: الحديث دليل على عظم ذنب من يسهلون للناس الوقوع في الشرك والبدع عن طريق البناء على القبور والعكوف عندها والصلاة والدعاء ونحو ذلك، لأن الرسول ﷺ وصفهم بأنهم شرار الخلق عند الله تعالى، لأنهم جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور والبناء عليها، وفتنة التماثيل، نسأل الله تعالى السلامة، والثبات على صحة المعتقد حتى الممات.
стр. 883
حكم دخول الكافر المسجد
٢٥٤/ ٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ خَيْلاً، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوارِي المَسْجِدِ … الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيِهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري مختصراً في كتاب «الصلاة» باب «دخول المشرك المسجد» (٤٦٩) وأخرجه في كتاب «المغازي» باب: «وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال» (٤٣٧٢) ومسلم (١٧٦٤)، من طريق ابن أبي سعيد المقبري، أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: (فذكره بطوله). وقد تقدم سياقه بتمامه في باب «الغسل» عند الحديث «السادس» منه.
الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز إدخال الكافر المسجد، لأن الرسول ﷺ أقر الصحابة ﵃ على ربط ثمامة بن أثال في المسجد، وكان يمر به ثلاثة أيام، ويقول: (ما عندك يا ثمامة … ؟).
وقيده أكثر العلماء بقيود؛ منها: أن يكون ذلك لغرض نافع، كسماع قرآن، أو علم، أو يرجى إسلامه، أو يدخل للمحاكمة ونحو ذلك مما يستفاد من الأدلة، ومنها: أن يكون ذلك بإذن المسلمين، وإلا فلا يجوز دخوله، وهذا قول بعض الشافعية والمالكية والحنابلة في رواية هي المذهب (١).
والقول الثاني: أنه يجوز دخول الكافر جميع المساجد، إلا المسجد
стр. 884
الحرام، وهذا ما نص عليه الشافعي (١)، وبه قال ابن حزم (٢)، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] بناء على أن نجاسة المشرك نجاسة بدنية.
والقول الأول أظهر، لقوة أدلته، ولأن فيه عملاً بجميع النصوص، ولما يترتب على دخول الكافر من المصالح إذا رأى المسلمين وصلاتهم وقراءتهم، كما وقع من ثمامة ﵁، لكن لا بد من تقييده بالمصلحة والإذن، لأن كل تصرف يحدث من المسلمين في عهد رسول الله ﷺ بما يتعلق بشؤونهم العامة فإنه لا بد أن يأذن فيه الرسول ﷺ ، كما وقع في ربط ثمامة، والله أعلم.
ومن أدلة ذلك ما ورد في حديث جبير بن مطعم - وكان ممن قدم في فداء أسارى بدر - أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور (٣).
وورد - أيضاً - قصة الأعرابي الذي دخل المسجد وعقل بعيره فيه وسأل النبي ﷺ عن الإسلام ثم أسلم (٤).
وأما الآية الكريمة فأجاب الأولون عنها بأن المراد بها: منعهم من الحج، كما ورد أن الرسول ﷺ بعث عليّاً ﵁ أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليٌّ في أهل منى يوم النحر: (لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان). وهذا كان سنة تسع من الهجرة (٥).
والذي يظهر لي قوة الاستدلال بعموم الآية على منع الكافر من دخول المسجد الحرام، والله أعلم.
الوجه الثالث: إذا كان دخول الكافر المسجد مقيداً بالمصلحة أو بالحاجة، فإنه يستفاد من ذلك أنه لا ينبغي أن يتولى الكفار تعمير المساجد أو
стр. 885
وضع مخططات لها، لأنه يوجد من يقوم بذلك من المسلمين، ولأن الكفار لا يؤمنون من الغش عند تصميم مخطط المسجد أو عند تنفيذه، فقد يصممون المسجد على هيئة قريبة من هيئة الكنائس أو يغشون في التنفيذ والبناء، لأنهم أعداء لهذا الدين وأهله (١)، ثم إن في ذلك تكثيراً لسوادهم في بلاد المسلمين، وعلى أصحاب المؤسسات أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وأموالهم ومجتمعهم فلا يستقدموا الأيدي العاملة غير المسلمة، بحجة أنهم أتقن للعمل من المسلمين، فإن الله تعالى يقول ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فالعمالة المسلمة مهما كانت خير من العمالة غير المسلمة، والله تعالى أعلم.
стр. 886
حكم إنشاد الشعر في المسجد
٢٥٥/ ٥ - وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَّانَ ﵁ يُنْشِدُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتابه «بدء الخلق» باب «ذكر الملائكة» (٣٢١٢) ومسلم (٢٤٨٥) من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن عمر مرَّ بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه: فقال: قد كنت أُنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس»؟ قال: اللهم نعم.
وهذا السياق لمسلم، وساقه البخاري ومسلم - أيضاً - عن ابن المسيب قال: مَرَّ عمر في المسجد وحسان ينشد …
والحديث بهذا الإسناد مرسل، لأن سعيد بن المسيب لم يدرك مرور عمر بحسان، قال الحافظ: (ورواية سعيد لهذه القصة مرسلة، لأنه لم يدرك زمن المرور، ولكن يحمل على أن سعيداً سمع ذلك من أبي هريرة بعدُ أو من حسان، أو وقع لحسان استشهاد أبي هريرة مرة أخرى فحضر ذلك سعيد، ويقويه حديث الباب) (١) ويعني بذلك ما رواه البخاري في كتاب الصلاة «باب
стр. 887
الشعر في المسجد» (٤٥٣) ومسلم (٢٤٨٥)(١٥٢) من طريق شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله … فذكره.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (مرّ بحسان) هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو الأنصاري الخزرجي النجاري، شاعر رسول الله ﷺ ، قال أبو عبيدة: فُضّل حسان على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام.
وقد روى عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عنه سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وآخرون.
واشتهر عند المؤرخين أنه كان جباناً، قال ابن عبد البر: (ذكروا من جبنه أشياء .. كرهت ذكرها لنكارتها، ومن ذكرها قال: إن حساناً لم يشهد مع رسول الله ﷺ شيئاً من مشاهده لجبنه، وأنكر بعض أهل العلم بالخبر ذلك، وقالوا: لو كان حقاً لَهُجِيَ به).
وهذا هو الصواب إن شاء الله، فإنه أحد الصحابة المشهورين، وأشعاره تدل على شجاعته، أما ما قيل في قصته مع صفية مما يدل على جبنه فلا أصل لها.
مات ﵁ سنة أربعين أو قبلها، وقيل غير ذلك، وعمّر مئة وعشرين سنة (١).
قوله: (فلحظ إليه) أي: نظر إليه، قال في «المصباح المنير»: (لحظته بالعين، ولحظت إليه: نظرت إليه بمؤخر العين عن يمين ويسار، فاللِّحاظ بالكسر مؤخر العين مما يلي الصِّدْغ) (٢) والمراد هنا: نظر إليه نظر عتب وإنكار.
стр. 888
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز إنشاد الشعر في المسجد، وذلك إذا كان مباحاً، فإن كان مناصرة للسنة ودفاعاً عنها فهو مشروع، وإلقاؤه في المسجد مباح، وكذا إذا كان الشعر علماً نافعاً أو وعظاً فهذا جائز في المسجد. بل يثاب عليه قائله إن شاء الله تعالى وكذا قارئه.
وقد ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المسجد … ) الحديث (١).
وهذا لا يعارض حديث الباب، لأنه محمول على تناشد الأشعار الباطلة، أما الأشعار التي تمدح الإسلام أو فيها علم نافع فإنها جائزة، ذكر ذلك البيهقي، والقرطبي (٢) غير أنه يكره تشاغل جماعة المسجد بتناشد الأشعار والإكثار منه حتى يكون ذلك هو الغالب على أمرهم، وذلك لأنه إذا أُكْثِرَ منه يُذْهِبُ وقار المسجد وتزول حرمته.
الوجه الرابع: الحديث دليل على قوة عمر ﵁ في الحق، وحرصه على الخير، حيث أنكر على حسان إنشاد الشعر في المسجد، لكن لما قال له حسان ما قال كفّ عنه ولم يقل شيئاً، وهذا فيه بيان وجوب الوقوف عند الدليل وعدم تجاوزه، وكان عمر ﵁ وقافاً عند كتاب الله تعالى.
الوجه الخامس: الحديث دليل على شجاعة حسان وقوته في الصدع بالحق، لأنه صاحب حق، فإنه رد على عمر إنكاره عليه، لاعتماده على الدليل، ولم يمنعه من ذلك قوة عمر وصلابته وهيبته، لأن صاحب الحق أقوى، وفي هذا درس لأهل العلم أن يبلغوا عن الله تعالى شرعه، وأن يصدعوا بالحق، وألا يخافوا في الله لومة لائم، ليتوارث الناس الحق وينقله جيل عن جيل، لكن إذا تركوا إظهاره اندثر، وذهب بموت أهله، والله المستعان.
стр. 889
حكم إنشاد الضالة في المسجد
٢٥٦/ ٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإنَّ المسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «النهي عن نَشْدِ الضالة في المسجد، وما يقوله من سمع الناشد» (٥٦٨) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول .. فذكره مرفوعاً.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من سمع رجلاً يَنْشُدُ ضالة) بفتح الياء وسكون النون وضم الشين من باب «نصر» من نَشَدَ الضالة: إذا طلبها وسأل عنها.
والضالة: كل ما ضلّ، والجمع ضوال، من ضل الشيء: خفي وغاب. قال أهل اللغة: الضالة لا تقع إلا على الحيوان، وأما الأمتعة فتسمى لقطة، ولا تسمى ضالة، لكن يشكل على ذلك حديث الباب، فإنَّ حَمْلَ الضالة فيه على المعنى الأعم أولى من تخصيصها بالحيوان، كما هو مدلولها في اللغة (١).
стр. 890
قوله: (لا ردها الله عليك) جملة دعائية، وهي دعاء عليه بنقيض قصده، وهو نوع من التعزير.
الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن نَشْدِ الضالة في المسجد، وهذا الحكم عام، سواء كانت حيواناً أو متاعاً أو نقداً أو غير ذلك، وأن من سمع من ينشد ضالة في المسجد فليدع عليه جهراً بقوله: (لا ردها الله عليك). وهذا من باب التعزير، لأنه لما تساهل وأتى بأمر لا يناسب المسجد عوقب بأن يدعى عليه بألا تُرَدّ ضالته.
وقد ورد عن بريدة ﵁ أن رجلاً نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي ﷺ : «لا وَجَدْتَ، إنما بنيت المساجد لما بنيت له» (١)، فإن خرج عند باب المسجد فنشدها جاز، والله تعالى أعلم.
стр. 891
حكم البيع والشراء في المسجد
٢٥٧/ ٧ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَو يَبْتَاعُ في المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ الله تِجَارَتَكَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، والترمذيُّ وَحَسَّنَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الترمذي في أبواب «البيوع» باب «النهي عن البيع في المسجد» (١٣٢١) والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٥٢) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، أخبرنا يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: .. فذكره، وفي آخره: «وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا ردّ الله عليك» وقال الترمذي: (حديث حسن غريب).
والحديث أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٧٤) والحاكم (٢/ ٦٥) وابن حبان (٤/ ٥٢٨) وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.
الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن البيع والشراء في المسجد، وقد ورد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى النبي ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد .. وتقدم تخريجه قريباً، وهل هو للتحريم أو للكراهة؟ قولان:
الأول: أنه للكراهة، فيكره البيع والشراء في المسجد، ويصح إن وقع
стр. 892
فيه، وهذا قول الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، قالوا: لأن النبي ﷺ أمر بالدعاء عليه، وهذا يدل على كراهة البيع، ولم يبين بطلانه، ولو كان البيع باطلاً لبيّنه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكونه منهياً عنه لا يقتضي بطلانه، كالغش والتدليس والتصرية، وقد نقل الماوردي الإجماع على أن ما عُقِدَ من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، ومثله قال العراقي (٢).
الثاني: أنه للتحريم فإن وقع لم يصح، وهذا مذهب الحنابلة (٣)، قالوا: لأن النبي ﷺ دعا على البائع والمشتري في المسجد بألا تربح تجارته، وهذه عقوبة له، لأنه فعل أمراً محرماً، وما كان محرماً فهو باطل.
والقول الأول أظهر، وهو صحة البيع، لأن فيه عملاً بجميع الأدلة، لكنّ صَرْفَ النهي من التحريم إلى الكراهة يحتاج إلى دليل، وما نقل من الإجماع على عدم جواز نقضه وصحة العقد لا ينافي القول بالتحريم، فقد يأتي النهي للتحريم ويكون العقد صحيحاً، كما في بيع التصرية، وعلى هذا فلا يصح جعل الإجماع قرينة لحمل النهي على الكراهة، والله أعلم (٤).
стр. 893
النهي عن إقامة الحد في المسجد
٢٥٨/ ٨ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُقَامُ الحُدُود فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيها». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي الأسدي، ابن أخي خديجة زوج النبي ﷺ ، ولد قبل الفيل بثلاث أو اثنتي عشرة سنة، وكان من سادات قريش، ومن العلماء بأنسابها وأخبارها، وكان صديق النبي ﷺ قبل البعثة، وكان يواده ويحبه بعد البعثة، لكنه تأخر إسلامه حتى عام الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه منهم، له ستون حديثاً، أربعة منها في «الصحيحين» كما ذكر الذهبي، روى عنه: ابنه حزام وعبد الله بن الحارث بن نوفل وسعيد بن المسيب وعروة وغيرهم، مات سنة خمسين، وقيل أربع، وقيل ثمان، وقيل غير ذلك، وعمره مائة وعشرون، نصفها في الجاهلية، ونصفها في الإسلام، كما ذكر البخاري (١)، وتعقبه الذهبي بأنه لم يعش في الإسلام إلا بضعاً وأربعين سنة (٢).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٢٤/ ٣٤٦) وأبو داود (٤٤٠٩) في كتاب «الحدود»
стр. 894
بابٌ «في إقامة الحد في المساجد» من طريق محمد بن عبد الله المهاجر الشُّعيثي، عن زُفر بن وَثِيمة، عن حكيم بن حزام أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يُستقاد في المسجد، وأن تُنشد فيه الأشعار، وأن تُقام فيه الحدود) هذا لفظ أبي داود.
وقد ضعف الحافظ هذا الحديث، لأنه أُعل بثلاث علل:
١ - أن فيه انقطاعاً، كما نص على ذلك ابن عبد الهادي (١)، لأن زفر بن وثيمة لم يلق حكيم بن حزام على ما ذكره الحافظ (٢)، ونقله عن دُحيم القاضي.
٢ - أن محمد بن عبد الله الشعيثي مختلف فيه، فقد وثقه ابن معين، ودحيم القاضي. وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به) (٣).
٣ - أن زفر بن وثيمة مجهول الحال، فإنه لم يروِ عنه إلا الشعيثي، على ما ذكره ابن القطان (٤).
لكن الحديث له شواهد ذكرها الألباني، وهي وإن كانت ضعيفة لكنها باجتماعها تقوى، إضافة إلى المعنى، كما سيأتي إن شاء الله، وقد قال الحافظ في «التلخيص» عن حديث الباب (إسناده لا بأس به) (٥). ولعله نظر إلى شواهده، وحسنه الألباني (٦).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (أن يستقاد في المسجد) أي: لا يؤخذ القصاص فيها، والقود:
стр. 895
بفتح القاف والواو: القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، وسمي القَوَد قَوَداً، لأن الجاني يقاد إلى أولياء المقتول فيقتلونه به إن شاؤوا.
قوله: (وأن تُقام فيه الحدود) أي: تُنفذ، والحدود هي العقوبات البدنية المقدرة شرعاً لحق الله تعالى، كحد الزنى، وحد القذف، وحد الشرب.
الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن استيفاء القصاص أو تنفيذ الحدود في المسجد، وظاهر النهي أنه للتحريم، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم إلا أن معناه صحيح، فإن إقامة الحد في المسجد وإن كان إجراء لحكم الله تعالى إلا أنه يؤدي إلى تلويث المسجد، فإنه إذا ضرب الجاني أو قُطعت يده أو اقتص منه لوث المسجد، مع ما في ذلك من اللغط ورفع الأصوات فيه، وكل ذلك غير لائق بالمسجد، لأن الله تعالى يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وهذا الرفع يشمل الرفع الحسي بالبناء والتطهير من الأذى والقذر وكل ما لا يليق بالمسجد، والرفع المعنوي بإقامة ذكر الله تعالى وطاعته من الذكر والتلاوة والصلاة والابتعاد عن معصيته من اللغو وقول الزور وكل فعل يخل بتشريفها.
ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم أقاموا الحدود في المسجد، ولما جاء ماعز ﵁ إلى الرسول ﷺ وهو في المسجد وأقرّ عنده بالزنى قال: «اذهبوا به فارجموه» (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 896
جواز نصب الخيمة في المسجد لحاجة
٢٥٩/ ٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع، أولها في كتاب «الصلاة» باب «الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم» (٤٦٣) ومسلم (١٧٦٩)، من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: (أصيب سعد يوم الخندق في الأَكْحَل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يَرُعْهُم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جُرحه دماً، فمات فيها) أخرجه البخاري مطولاً في كتاب «المغازي» (٤١٢٢).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أصيب سعد .. ) هو أبو عمرو، سعد بن معاذ الأوسي، أسلم في المدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، وسماه رسول الله ﷺ سيد الأنصار، شهد بدراً وأحداً، وأصيب يوم الخندق في أَكْحَلِهِ - وهو عرق في الذراع يفصد - فلم يرقأ دمه حتى مات بعد شهر، وذلك في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وقد ورد في «صحيح البخاري» (٣٨٠٣) ومسلم (٢٤٦٦) عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ» وفي لفظ: «اهتز عرش الرحمن»، قال ابن عبد البر: (وهو حديث رُوي من وجوه عديدة كثيرة
стр. 897
متواترة، رواها جماعة من الصحابة) (١).
قوله: (يوم الخندق) أي: في شوال سنة خمس من الهجرة.
قوله: (يغذو) بغين وذال معجمتين، أي: يسيل.
قوله: (فمات فيها) أي: في الخيمة، أو في تلك المرضة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز نصب الخيمة في المسجد للمريض وإن كان جريحاً إذا كان هناك مصلحة، كأن يكون الرجل ذا شأن فيحتاح أن يعوده الناس من قريب، أو لأنه لا سكن له، أو توضع الخيمة في المسجد لقصد الاعتكاف، فكل ذلك جائز بشرط ألا يضيق على المصلين، وبشرط الصيانة والنظافة، وغالب المساجد اليوم فيها غرف صالحة للإقامة فيها، فتقوم مقام الخيمة.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي تقدير أهل الفضل والسابقة في الإسلام وتنزيلهم منازلهم من الشفقة والعناية، والله أعلم.
стр. 898
جواز اللعب بالحراب في المسجد
٢٦٠/ ١٠ - وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إلى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ … الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع كثيرة من «صحيحه» ومنها: كتاب «الصلاة» باب «أصحاب الحراب في المسجد» (٤٥٤) ومسلم (٨٩٢)(١٧) من طريق الزهري، عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ قالت: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ورسول الله ﷺ يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم).
وفي رواية لها: (والحبشة يلعبون بحرابهم) ولفظ البلوغ هو لفظ البخاري في كتاب «المناقب» رقم (٣٥٣٠).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (والحبشة) هم الحبش، وهم جنس من السودان وسكان بلاد الحبشة، الواحد حبشي، والجمع حُبْشان، وبلادهم هي أثيوبيا - الآن - في أفريقيا الشرقية.
قوله: (يلعبون) فسِّر ذلك برواية: (يلعبون بحرابهم) والحراب: جمع حربة، وهي آلة قصيرة من الحديد، محددة الرأس، تستعمل في الحرب.
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز اللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب في المسجد، ويلحق بذلك كل ما في معناه من الأسباب المعينة
стр. 899
على الجهاد وأنواع البر، لأن ذلك ليس لعباً مجرداً، وإنما هو وسيلة لغاية سامية، وهي التدريب على الشجاعة والقتال، مع ما في ذلك من تأليف القلوب، وبيان سماحة الإسلام، ولهذا لما أراد عمر ﵁ أن ينكر عليهم قال له رسول الله ﷺ : «دعهم يا عمر» كما ثبت في «الصحيحين».
وشرط ذلك ألا يكون بصفة دائمة بحيث يتخذ المسجد ملعباً، وألا يؤذي أحداً من المصلين أو الذاكرين أو حلقات العلم، وألا يكون فيه أصوات وسب وشتم ونحو ذلك مما يذهب معه وقار المسجد.
وكأنّ عمر ﵁ بنى إنكاره هذا على الأصل من تنزيه المساجد واحترامها، فبين له النبي ﷺ أن التعمق والتشديد ينافي سماحة الإسلام ويسره، لا سيما فيما يترتب عليه مصلحة.
الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز نظر المرأة إلى جملة الرجال دون تفصيل لأفرادهم، كما تنظر إلى الرجال في الأسواق أو المساجد، وليس في الحديث ما يدل على أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، فالمقصود بالنظر ذات اللعب، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن؛ ولذا جاء في لفظ مسلم: (يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم) قال القاضي عياض: (فيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال، مثل هذا، لأنه إنما يكره لهن من النظر إلى الرجال ما يكره للرجال فيهن من تحديق النظر لتأمل المحاسن، والالتذاذ بذلك والتمتع به .. ) (١).
وقد نقل النووي: الاتفاق على تحريم نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي إذا كان مقروناً بشهوة (٢).
الوجه الخامس: حسن خلق النبي ﷺ وكريم معاشرته لأهله، فينبغي على المسلم امتثال ذلك والاقتداء بنبيه ﷺ ، والله تعالى أعلم.
стр. 900
جواز إقامة المرأة في المسجد ونومها فيه
٢٦١/ ١١ - وَعَنْهَا: أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِيني، فَتَحَدَّثُ عِنْدِي … الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «نوم المرأة في المسجد» (٤٣٩) من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن وليدة كانت سوداء لحيّ من العرب، فأعتقوها، فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم، عليها وِشاحٌ أحمر من سيور، قالت: فوضعته، أو وقع منها، فمرت به حُدَيّاةٌ وهو ملقى، فحسبته لحماً فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشونني، حتى فتشوا قُبُلَها، قالت: والله إني لقائمة معهم، إذ مرت الحدياةُ فألقته، قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به، زعمتم وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حِفْشٌ، قالت: فكانت تأتيني فَتَحَدّثُ عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلساً إلا قالت:
ويومَ الوِشَاحِ من تعاجيب ربِّنا
ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني
قالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعداً إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث.
والحديث تفرد البخاري بإخراجه، وعزوه لمسلم وهم من الحافظ ﵀.
стр. 901
والوليدة: هي الأمة، وهي في الأصل المولودة ساعة تولد، ثم أطلق على الأمة وإن كانت كبيرة.
والوشاح، بكسر الواو ويجوز ضمها: خيطان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما، معطوف أحدهما على الآخر، تشده المرأة بين عاتقها وكشحها.
والحديّاةُ: بضم الحاء، تصغير: حدأة، وهي الطائر المعروف.
والخباء: بالكسر الخيمة.
والحفش: بالكسر - أيضاً - البيت الصغير.
وتعاجيب: أي: أعاجيب، واحدها أعجوبة.
الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز إقامة المرأة في المسجد ونومها فيه، لأن هذه المرأة كان لها خباء في المسجد تقيم فيه وتنام، وينبغي تقييد ذلك بأمن الفتنة منها أو عليها، وفي زماننا هذا لا يجوز للمرأة أن تسكن المسجد، لأن الفتنة غير مأمونة.
الوجه الثالث: استدل طائفة من أهل الظاهر بهذا الحديث على جواز مكث الحائض في المسجد، لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالباً.
وهذا فيه نظر، لأنها قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزاً قد يئست من الحيض، وقد تقدم ذكر ذلك في باب «الغسل» (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 902
حكم البزاق في المسجد
٢٦٢/ ١٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «كفارة البزاق في المسجد» (٤١٥) ومسلم (٥٥٢) من طريق شعبة قال: حدثنا قتادة قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : .. فذكره.
وفي رواية لمسلم: (حدثنا شعبة قال: سألت قتادة عن التفل في المسجد فقال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (التفل في المسجد خطيئة .. ) الحديث.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يحرم على المسلم أن يبصق في المسجد، استهانة بالمسجد أو بمن فيه، لأن النبي ﷺ عدّ ذلك خطيئة، تكتب على ابن آدم، والخطيئة هي السيئة والإثم، وقد ورد عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «عُرضت عليّ أعمال أمتي، حَسَنُها، وسَيّئُها، فوجدت في محاسن أعمالها: الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها: النخامة تكون في المسجد لا تدفن» (١).
وليس معنى ذلك أن يبصق ويدفن، فإنه جعل البصاق معصية، ولا يجوز لأحد أن يعمل ذنباً ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية.
стр. 903
لكن إن بدر المصلي بصاق فإنه يبصق في منديل أو في طرف ردائه أو ثوبه ويحك بعضه ببعض، لما ورد في حديث أبي هريرة ﵁: ( … فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا، ووصف القاسم - أحد رواته - فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض). أخرجه مسلم، وتقدم.
فإن بصق في أرض المسجد مضطراً وكانت أرض المسجد تراباً وجب عليه دفنها وتغييبها في التراب، لئلا تعلق بثوب مسلم أو رجله فتؤذيه، ولذا أمر بدفنها ولا كفارة لها إلا ذلك، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تنخم أحدكم في المسجد فليغيِّب نخامته، أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه» (١).
قال ابن رجب: (وهذا مما يدل على أن قرار المسجد وباطنه يجوز أن يجعل مدفناً للأقذار الطاهرة) (٢).
فإن كان المسجد مفروشاً - كحال المساجد الآن - لم يجز البصق فيه بحال من الأحوال، لا سيما وقد تيسرت - ولله الحمد - المناديل بأنواعها وشاع استعمالها بين الناس، والله تعالى أعلم.
стр. 904
ذمُّ التباهي بالمساجد وأنه من أشراط الساعة
٢٦٣/ ١٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «بناء المساجد» (٤٤٩) والنسائي (٢/ ٣٢) وابن ماجه (٧٣٩) وأحمد (١٩/ ٣٧٢) وابن خزيمة (١٣٢٢) و (١٣٢٣) من طرق، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعاً، وهذا لفظ أبي داود وابن ماجه وأحمد، ولفظ النسائي وابن خزيمة (من أشرط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد) وإسناده صحيح على شرط مسلم، ورجاله ثقات، رجال الشيخين غير حماد بن سلمة، فمن رجال مسلم.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا تقوم الساعة .. ) الساعة في اللغة: هي جزء من أجزاء الليل والنهار، والمراد بها هنا: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، فإذا أطلقت الساعة في القرآن فالمراد بها القيامة الكبرى، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، سميت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة.
стр. 905
قوله: (حتى يتباهى الناس في المساجد) أي: يتفاخرون في بنائها، فيفاخر كل أحد بمسجده، ويقول: مسجدي أرفع أو أوسع أو أَحسن؛ رياءً وسمعة واجتلاباً للمدحة، مما وقع فيه الناس اليوم.
الوجه الثالث: الحديث دليل عى ذم التباهي والتفاخر في بناء المساجد، لأن ذلك من أشراط الساعة وعلامة قربها، وهو دليل على تغير الأحوال من غلبة الجهل ونقص الدين وضعف الإيمان، وغلبة المقاصد الدنيوية على المقاصد الأخروية، ولهذا قال أنس ﵁: (يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلاً) (١).
وقد حصل ما أخبر به ﷺ حيث تباهى الملوك والخلفاء في بناء المساجد وتزويقها حتى أتوا في ذلك بالعجب، ولا زالت هذه المساجد قائمة حتى الآن في بلاد الشام ومصر، وبلاد المغرب والأندلس وغيرها.
وفي عصرنا الحاضر اتضحت ظاهرة التباهي بالمساجد، لما تقدم، ولتفنن الناس في البناء تخطيطاً وتنفيذاً، ووجود الوسائل المعينة على ذلك.
ولا ريب أن التباهي في المساجد يقود إلى الإسراف في بنائها وصرف الهمة إلى تزويقها، والله المستعان.
стр. 906
تشييد المساجد ليس من الأمور المشروعة
٢٦٤/ ١٤ - وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» في باب «بناء المساجد» (٤٤٨) وابن حبان (٤/ ٤٩٣) من طريق محمد بن الصباح، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أمرت بتشييد المساجد» قال ابن عباس: (لتُزَخْرِفُنّها كما زخرفت اليهود والنصارى) وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، كما قال النووي (١).
وقول ابن عباس ﵄ هذا علقه البخاري في «صحيحه» بصيغة الجزم في كتاب «الصلاة»، باب «بنيان المسجد» (٢).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (بتشييد) المراد بذلك رفع البناء وتطويله، يقال: شاد الرجل بناءه يشيده، وشيَّده يُشَيّده: طوَّله ورفعه، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] على أحد التفسيرين، وقال في «القاموس»: (شاد الحائط يشيده: طلاه بالشِّيد، وهو ما طلي به حائط من جص ونحوه)، وعلى هذا فرفع البناء ليس من مسمى هذا اللفظ، لكنه قال: (المُشَيَّد: المطوَّل) (٣).
стр. 907
وعلى هذا فالتشييد تطويل البناء ورفعه، أو طليه بالشيد، وهو الجص، وقد ذكر المفسرون هذا عند الآية الكريمة.
قوله: (لتزخرفنها) بفتح اللام - وهي لام القسم - وضم التاء، وفتح الزاي، وسكون الخاء المعجمة، وكسر الراء، وضم الفاء، وتشديد النون؛ والزخرفة: الزينة، وأصل الزخرفة: الذهب، ثم استعمل في كل ما يتزين به.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن تشييد المساجد وزخرفتها ليس أمراً مشروعاً وليس من القُرَبِ، لأنه قال: (ما أمرت) وهذا فيه إشعار بأن ذلك أمر لا يحسن ولا ينبغي، فإنه لو كان حسناً لأمر الله تعالى به نبيه ﷺ .
ولا يدل ذلك على التحريم، وإلا لقال: نهيت عن تشييد المساجد، وفرق بين اللفظين، لكنه يدل على أنه عمل غير مشروع، وقال الشوكاني: (والحديث يدل على أن تشييد المساجد بدعة) (١) لأن المطلوب في بناء المساجد الاقتصار على ما أكنّ من الحر والبرد والمطر، ولكن لما طال العهد شيد الناس المساجد وزخرفوها، ورفعوا بنيانها فوق الحاجة، والمطلوب البعد عن ذلك، لأن هذا مما يشغل المصلين ويجعلهم ينظرون ويتأملون، فتحصل الغفلة عن الخشوع في الصلاة والإقبال عليها.
وقد ورد عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنياً باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمر ﵁ وبناه على بنيانه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشباً، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج (٢).
قال ابن بطال، بعد أن ذكر آثاراً تدل على كراهة المغالاة في تشييد المساجد قال: (وهذه الآثار مع ما ذكر البخاري في هذا الباب تدل على أن
стр. 908
السنّة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها.
وكان عمر ﵁ قد فتح الله الدنيا على أيامه، ومكنه من المال، فلم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي ﷺ ثم جاء الأمر إلى عثمان، والمال في زمانه أكثر، فلم يزد أن جعل في مكان اللبن حجارة وقَصَّة (١)، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصِّر هو وعمر عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما من الرسول ﷺ بكراهة ذلك، وليُقتدى بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية، والزهد في معالي أمورها وإيثار البلغة منها) (٢).
فعمر ﵁ أبقى المسجد على صفته التي كان عليها زمن الرسول ﷺ ، بل نهى عن زخرفة المسجد، لأن ذلك يشغل الناس عن صلاتهم، وقال عندما أمر بتجديد المسجد النبوي: (أَكِنَّ الناس من المطر، وإياك أن تُحَمِّرَ أو تُصَفِّرَ فتفتن الناس) (٣).
وأما عثمان ﵁ فقد حسّن المسجد النبوي بما لا يقتضي الزخرفة، ولعله فعل ذلك، لأنه لما رأى الناس قد حسنوا بيوتهم بما أعطاهم الله رأى أن من المناسب تحسين مسجد رسول الله ﷺ ، ومع ذلك فقد أنكر عليه بعض الصحابة ﵃.
فقد ورد عن عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان يقول - عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول ﷺ : (إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجداً - قال بكير: حسبتُ أنه قال - يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة» (٤)).
وعن محمود بن لبيد - وهو من صغار الصحابة - أن عثمان بن عفان ﵁
стр. 909
أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك، فأحبوا أن يدعه على هيئته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجداً لله بنى الله له في الجنة مثله» (١).
فالمطلوب في بناء المسجد هو توسيعه وإحكام البناء وتجهيزه بكل ما هو من مستلزمات العصر مما يرغِّب في المساجد والبقاء فيها للصلاة وتلاوة القرآن وحلق العلم، مع الحذر من الإسراف والمباهاة، سواء في بنائه أو في توابعه ومكملاته من محراب وأبواب ونوافذ وفرش وإنارة ومكبرات صوت ووسائل تبريد وغير ذلك، لما في ذلك من إضاعة المال، والتسبب في إشغال المصلين، لأن عمارة المساجد إنما تكون بالطاعة والذكر، كما يجب البعد عن الإسراف في تطويل المنائر - أو تعددها - كما يوجد في بعض المساجد، مما يكلف مبالغ عظيمة، قد تكفي لبناء مساجد أخرى، ومكبرات الصوت تغني عن رفع المنائر أو تعددها، ولا نقول بإلغائها لأن وجودها له فائدة، وهو إبلاغ الصوت، والاستدلال بها على المسجد، وليتميز المسجد بها عن بقية بيوت الحي (٢)، والله أعلم.
стр. 910
فضل إخراج القذر من المسجد
٢٦٥/ ١٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتي، حَتَّى الْقَذاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (٤٦١) في كتاب «الصلاة» بابٌ «في كنس المسجد» والترمذي (٢٩١٦) وابن خزيمة (١٢٩٧) من طريق عبد الوهاب بن عبد الحكيم الخزاز، أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عرضت عليَّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها». وهذا الحديث معلول سنده ومتنه، أما السند فهو ضعيف لعلتين:
الأولى: أنه من رواية المطلب بن عبد الله، عن أنس، وهو صدوق، كثير التدليس والإرسال، قال أبو حاتم: (روايته عن الصحابة مرسلة) (١)، وقال الترمذي بعد سياق حديثه: (قال محمد: لا أعرف للمطلب بن عبد الله بن حنطب سماعاً من أحد من أصحاب النبي ﷺ ، وعليه ففي السند انقطاع.
الثانية: فيه ابن جريج، وهو ممن يدلس عن الضعفاء والمجهولين، وقد عنعنه.
стр. 911
ولهذا ضعفه البخاري، والترمذي، والقرطبي، والحافظ ابن حجر (١). وقوله: (استغربه الترمذي): أي: قال: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، أي انفرد بروايته راوٍ واحد، وليس له إلا هذا الإسناد.
وأما إعلاله من جهة المتن فلأن المكلف غير مؤاخذ بالنسيان، فكيف يكون نسيان السورة أو الآية من أعظم الذنوب، وقد نسي النبيُّ ﷺ آية، كما ثبت في «الصحيح»، إلا إن كان المراد بالنسيان الإعراض عنها وعدم الإيمان بها، أو المراد ترك القرآن عمداً إلى أن يفضي هذا الترك إلى النسيان، والمقصود أنه إن كان عن إهمال ففيه مؤاخذة وإلا فلا.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (عرضت عليَّ) الظاهر أنه في ليلة المعراج، لأنه المتبادر عند الإطلاق.
قوله: (حتى القذاة) هي ما يقع في العين من تراب أو تبن أو وسخ، ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيراً، ولا بد في الكلام من تقدير مضاف أي: عرضت عليّ أجور أعمال أمتي وأجر القذاة، أي: أجر إخراج القذاة.
ويجوز فيها الرفع والجر، فالرفع على أن (حتى) حرف عطف، والقذاة مبتدأ، وجملة (يخرجها) خبر، ويجوز الجر، و (حتى) حرف جر بمعنى (إلى) وتكون جملة (يخرجها) للبيان.
الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل تنظيف المساجد وإخراج القمامة منها، لأنه إذا حصل الأجر لمن يخرج القذاة منه وهو شيء يسير فالذي يكنسه ويزيل ترابه وغباره وينظفه عن الأقذار والأوساخ الكثيرة بالطريق الأولى له أجور كثيرة، وعَدّ إخراج القذاة التي لا يؤبه لها من الأجور تعظيماً لبيت الله ، والله تعالى أعلم.
стр. 912
حكم تحية المسجد
٢٦٦/ ١٦ - وعَنْ أَبي قَتَادَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «التهجد»، باب «التطوع مثنى مثنى» (١١٦٣) ومسلم (٧١٤) من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزُّرقي، عن أبي قتادة ﵁ مرفوعاً.
وفي رواية للبخاري (٤٤٤) ومسلم (٧١٤)(٦٩) (فليركع ركعتين قبل أن يجلس). ولمسلم أيضاً (٧١٤)(٧٠): (فلا يجلس حتى يركع ركعتين).
الوجه الثاني: الحديث دليل على نهي داخل المسجد عن الجلوس حتى يصلي ركعتين تعظيماً لله ، وهي تحية المسجد، لأن داخله يبتدئ بهذه الصلاة كما يبتدئ الداخل على القوم بالتحية، وقد وردت تسميتها تحية المسجد في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا أبا ذر إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان .. » (١).
والجمهور من العلماء على أن تحية المسجد من السنن المندوب إليها، وليست واجبة، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، لكن هذا فيه نظر، فقد نقل ابن بطال عن أهل الظاهر أنهم قالوا بالوجوب (٢)، وحكى ذلك القاضي
стр. 913
عياض عن داود وأصحابه (١)، وقد نقل ابن عبد البر الإيجاب عن أهل الظاهر (٢)، مع أن ابن حزم صرح بخلاف ذلك (٣)، ودليلهم حديث الباب، فقد ورد بلفظ الأمر: (فليركع ركعتين) وبلفظ النهي: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) والأمر عند الإطلاق للوجوب، والنهي عند الإطلاق للتحريم.
وأما الجمهور فاستدلوا بحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ في قصة الأعرابي الذي سأل رسول الله ﷺ عما يجب عليه من الصلاة فأجابه: «الصلوات الخمس»، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» (٤). قالوا: فلو قلنا بوجوب تحية المسجد للزم أن تكون المفروضات أكثر من خمس.
كما استدلوا بحديث عبد الله بن بُسْر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ : «اجلس فقد آذيت»، وفي رواية: «وآنيت» (٥).
والقول بالوجوب قوي، وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد (٦) والصنعاني (٧) والشوكاني (٨)؛ وذلك لأن سبب الوجوب هو دخول المسجد، فلا معارضة بين هذا وبين ما يدل على أن ما عدا الصلوات الخمس تطوع.
وأما حديث «اجلس فقد آذيت» فلا دلالة فيه صريحة على عدم الوجوب؛ لاحتمال أن المراد (اجلس) أي: لا تتخط، ولم يقصد ترك التحية، أو لأنه صلاها في مكان آخر، أو قبل الأمر بها، ونحو ذلك من الاحتمالات التي تضعف الاستدلال بالحديث.
стр. 914
لكن قد يشكل على ذلك أن القول بالاستحباب هو قول الجمهور، بل نُقِلَ فيه الإجماع، وما نقل عن الظاهرية، صرح ابن حزم في «المحلى» بخلافه، وعلى هذا فتحية المسجد سنة مؤكدة لا ينبغي تركها.
الوجه الثالث: عموم الحديث يدل على أن الداخل يصلي ولو في وقت النهي، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وقد نصر ابن تيمية هذا القول (١)، ووجه ذلك أن حديث النهي «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس» قد ثبت تخصيصه بقضاء الفائتة وإعادة الجماعة وركعتي الطواف - كما تقدم في أوقات النهي - وحديث تحية المسجد عام محفوظ لم يدخله التخصيص، والعام الذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص، ومما يؤيد ذلك أن النبي ﷺ أمر بتحية المسجد حال الخطبة، والنهي عن الصلاة في وقت الخطبة أشد، لأن السامع منهي عن كل ما يشغله عن الاستماع حتى الصلاة، حيث أمر الشرع بتخفيفها، فإذا فُعلت تحية المسجد وقت الخطبة ففعلها في سائر الأوقات أولى.
الوجه الرابع: ظاهر الحديث أنه تستحب التحية لكل مرة إذا تكرر دخوله، قال النووي: (وهو الأقوى والأقرب لظاهر الحديث) (٢) وأفتى به الشيخ عبد الرحمن السعدي (٣).
والقول الثاني: أنه يكفيه ركعتان، وهو قول الحنفية (٤)، ونقله المرداوي عن ابن عقيل الحنبلي، وعلل ذلك بالمشقة لو صلّى كل مرة (٥).
وهذا هو الأظهر، لأن من خرج من المسجد وعاد إليه عن قرب لم
стр. 915
يخرج خروجاً منقطعاً، فلا يعد خروجاً، بدليل أن مثل ذلك لا يقطع اعتكاف المعتكف، أما من خرج خروجاً منقطعاً ولم ينوِ الرجوع فهذا تشرع له التحية مرة أخرى إن رجع (١)، والله أعلم.
انتهى الجزء الثاني، ويليه - بعون الله وتوفيقه - الجزء الثالث
وأوله: باب «صفة الصلاة»