ولهذا ضعفه البخاري، والترمذي، والقرطبي، والحافظ ابن حجر (١). وقوله: (استغربه الترمذي): أي: قال: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، أي انفرد بروايته راوٍ واحد، وليس له إلا هذا الإسناد.
وأما إعلاله من جهة المتن فلأن المكلف غير مؤاخذ بالنسيان، فكيف يكون نسيان السورة أو الآية من أعظم الذنوب، وقد نسي النبيُّ ﷺ آية، كما ثبت في «الصحيح»، إلا إن كان المراد بالنسيان الإعراض عنها وعدم الإيمان بها، أو المراد ترك القرآن عمداً إلى أن يفضي هذا الترك إلى النسيان، والمقصود أنه إن كان عن إهمال ففيه مؤاخذة وإلا فلا.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (عرضت عليَّ) الظاهر أنه في ليلة المعراج، لأنه المتبادر عند الإطلاق.
قوله: (حتى القذاة) هي ما يقع في العين من تراب أو تبن أو وسخ، ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيراً، ولا بد في الكلام من تقدير مضاف أي: عرضت عليّ أجور أعمال أمتي وأجر القذاة، أي: أجر إخراج القذاة.
ويجوز فيها الرفع والجر، فالرفع على أن (حتى) حرف عطف، والقذاة مبتدأ، وجملة (يخرجها) خبر، ويجوز الجر، و (حتى) حرف جر بمعنى (إلى) وتكون جملة (يخرجها) للبيان.
الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل تنظيف المساجد وإخراج القمامة منها، لأنه إذا حصل الأجر لمن يخرج القذاة منه وهو شيء يسير فالذي يكنسه ويزيل ترابه وغباره وينظفه عن الأقذار والأوساخ الكثيرة بالطريق الأولى له أجور كثيرة، وعَدّ إخراج القذاة التي لا يؤبه لها من الأجور تعظيماً لبيت الله ، والله تعالى أعلم.
стр. 912
حكم تحية المسجد
٢٦٦/ ١٦ - وعَنْ أَبي قَتَادَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «التهجد»، باب «التطوع مثنى مثنى» (١١٦٣) ومسلم (٧١٤) من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزُّرقي، عن أبي قتادة ﵁ مرفوعاً.
وفي رواية للبخاري (٤٤٤) ومسلم (٧١٤)(٦٩) (فليركع ركعتين قبل أن يجلس). ولمسلم أيضاً (٧١٤)(٧٠): (فلا يجلس حتى يركع ركعتين).
الوجه الثاني: الحديث دليل على نهي داخل المسجد عن الجلوس حتى يصلي ركعتين تعظيماً لله ، وهي تحية المسجد، لأن داخله يبتدئ بهذه الصلاة كما يبتدئ الداخل على القوم بالتحية، وقد وردت تسميتها تحية المسجد في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا أبا ذر إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان .. » (١).
والجمهور من العلماء على أن تحية المسجد من السنن المندوب إليها، وليست واجبة، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، لكن هذا فيه نظر، فقد نقل ابن بطال عن أهل الظاهر أنهم قالوا بالوجوب (٢)، وحكى ذلك القاضي
стр. 913
عياض عن داود وأصحابه (١)، وقد نقل ابن عبد البر الإيجاب عن أهل الظاهر (٢)، مع أن ابن حزم صرح بخلاف ذلك (٣)، ودليلهم حديث الباب، فقد ورد بلفظ الأمر: (فليركع ركعتين) وبلفظ النهي: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) والأمر عند الإطلاق للوجوب، والنهي عند الإطلاق للتحريم.
وأما الجمهور فاستدلوا بحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ في قصة الأعرابي الذي سأل رسول الله ﷺ عما يجب عليه من الصلاة فأجابه: «الصلوات الخمس»، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» (٤). قالوا: فلو قلنا بوجوب تحية المسجد للزم أن تكون المفروضات أكثر من خمس.
كما استدلوا بحديث عبد الله بن بُسْر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ : «اجلس فقد آذيت»، وفي رواية: «وآنيت» (٥).
والقول بالوجوب قوي، وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد (٦) والصنعاني (٧) والشوكاني (٨)؛ وذلك لأن سبب الوجوب هو دخول المسجد، فلا معارضة بين هذا وبين ما يدل على أن ما عدا الصلوات الخمس تطوع.
وأما حديث «اجلس فقد آذيت» فلا دلالة فيه صريحة على عدم الوجوب؛ لاحتمال أن المراد (اجلس) أي: لا تتخط، ولم يقصد ترك التحية، أو لأنه صلاها في مكان آخر، أو قبل الأمر بها، ونحو ذلك من الاحتمالات التي تضعف الاستدلال بالحديث.
стр. 914
لكن قد يشكل على ذلك أن القول بالاستحباب هو قول الجمهور، بل نُقِلَ فيه الإجماع، وما نقل عن الظاهرية، صرح ابن حزم في «المحلى» بخلافه، وعلى هذا فتحية المسجد سنة مؤكدة لا ينبغي تركها.
الوجه الثالث: عموم الحديث يدل على أن الداخل يصلي ولو في وقت النهي، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وقد نصر ابن تيمية هذا القول (١)، ووجه ذلك أن حديث النهي «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس» قد ثبت تخصيصه بقضاء الفائتة وإعادة الجماعة وركعتي الطواف - كما تقدم في أوقات النهي - وحديث تحية المسجد عام محفوظ لم يدخله التخصيص، والعام الذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص، ومما يؤيد ذلك أن النبي ﷺ أمر بتحية المسجد حال الخطبة، والنهي عن الصلاة في وقت الخطبة أشد، لأن السامع منهي عن كل ما يشغله عن الاستماع حتى الصلاة، حيث أمر الشرع بتخفيفها، فإذا فُعلت تحية المسجد وقت الخطبة ففعلها في سائر الأوقات أولى.
الوجه الرابع: ظاهر الحديث أنه تستحب التحية لكل مرة إذا تكرر دخوله، قال النووي: (وهو الأقوى والأقرب لظاهر الحديث) (٢) وأفتى به الشيخ عبد الرحمن السعدي (٣).
والقول الثاني: أنه يكفيه ركعتان، وهو قول الحنفية (٤)، ونقله المرداوي عن ابن عقيل الحنبلي، وعلل ذلك بالمشقة لو صلّى كل مرة (٥).
وهذا هو الأظهر، لأن من خرج من المسجد وعاد إليه عن قرب لم
стр. 915
يخرج خروجاً منقطعاً، فلا يعد خروجاً، بدليل أن مثل ذلك لا يقطع اعتكاف المعتكف، أما من خرج خروجاً منقطعاً ولم ينوِ الرجوع فهذا تشرع له التحية مرة أخرى إن رجع (١)، والله أعلم.
انتهى الجزء الثاني، ويليه - بعون الله وتوفيقه - الجزء الثالث
وأوله: باب «صفة الصلاة»
стр. 916
باب صفة الصلاة
المراد بصفة الصلاة: الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها، وذلك بتحقيق أركانها وواجباتها، وسننها القولية والفعلية.
والنبي ﷺ قد بيَّن للأمة صفة الصلاة بالقول والفعل، وقال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (١).
ولهذا حرص الصحابة ﵃ على التأسي بالنبي ﷺ في الصلاة حتى سألوه عن أشياء، ونقلوا هذه الصفة للأمة، ومن الملاحظ في أحاديث صفة صلاة النبي ﷺ أنه لم يستوعب أحد من الصحابة صفة الصلاة كاملة، وإنما أخذ مجموعها من مجموعهم، كما سيتبين ذلك إن شاء الله.
وحريٌّ بالمكلف أن يتأسى بنبيه ﷺ في صفة صلاته، فإن ذلك أقوى في إيمانه، وأدل على اتباعه لرسول الله ﷺ ، وأكمل في عبادته، وكثير من الناس يُخِلُّون في الصلاة بأشياء، إما جهلاً وإما تهاوناً.
وقد عقد المصنف هذا الباب لسياق الأحاديث الدالة على صفة الصلاة، وهي في صفة صلاة النبي ﷺ ، وقد رتبها ترتيباً مناسباً، فذكر في أول الباب حديث المسيء في صلاته، وفيه بيان صفة الصلاة بالقول، ثم ذكر حديث أبي حميد الساعدي ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ ، ثم ساق بعد ذلك أحاديث كثيرة في جزئيَّات الصلاة ابتداء من أدعية الاستفتاح إلى نهاية الصلاة.
الأنصاري الخزرجي الزُّرَقي، أبو معاذ، وأمه أم مالك بنت أُبيّ ابن سلول، أخت عبد الله بن أُبي رأس المنافقين. شهد بدراً وأُحداً وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وشهد معه بدراً أخواه: خلاّد ومالك ابنا رافع، واختلف في شهود أبيهم رافع بن مالك بدراً، مع الاتفاق على أنه شهد العقبتين.
روى رفاعة عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعبادة بن الصامت ﵄ وروى عنه ابناه: عبيد ومعاذ، وابن أخيه يحيى بن خلاد وابنه علي بن يحيى بن خلاد، مات رفاعة في أول إمارة معاوية، سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ﵁ (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث حديث جليل القدر، عظيم الفائدة، يعرف عند العلماء بحديث (المسيء في صلاته)، وتظهر أهمية الحديث من جهة أنه تضمَّن أحكاماً كثيرة من صفة صلاة النبي ﷺ ، بيَّنها بالقول، ومعلوم أن القول مقدم على مجرد الفعل، وفي ذلك بيان لمجمل الأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي».
وهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد رواه اثنان من الصحابة:
١ - أبو هريرة ﵁.
٢ - رفاعة بن رافع ﵁.
أما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «وجوب القراءة للإمام والمأموم» (٧٥٧) وفي باب «أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة» (٧٩٣) وفي مواضع أخرى، وأخرجه مسلم (٣٩٧) وأبو داود (٨٥٦) والترمذي (٣٠٣) والنسائي (٢/ ١٢٤) وابن ماجه (١٠٦٠) وأحمد (٢/ ٤٣٧) كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، قال:
стр. 919
حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً.
وقد ذكر الحافظ أن هذا لفظ البخاري، مع أن فيه بعض الاختلاف، وله طرق أخرى عن عبيد الله بن عمر، في «الصحيحين» وغيرهما.
وجاء من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري - وليس فيه عن أبيه - أخرجه البخاري في كتاب «الاستئذان» (٦٢٥١) ومسلم (٣٩٧) والترمذي (١/ ٣٣٤) وابن ماجه (١٠٦٠) ولفظ ابن ماجه: (ثم ارفع حتى تطمئن قائماً .. ).
ويعني الحافظ بذلك أن لفظ (تطمئن) جاء في رواية ابن ماجه عوضاً عن قوله (تعتدل) في لفظ البخاري، وبينهما فرق.
وقوله: (بإسناد مسلم)، أي: بإسنادٍ رجاله رجال مسلم، وقد تبين من هذا التخريج أنه بإسنادٍ رجاله رجال الشيخين، لا رجال مسلم فقط.
أما حديث رفاعة ﵁ فهو حديث مهم، لأنه كان حاضراً للقصة بنفسه، ولأن مسيء الصلاة وهو خلاد - كما سيأتي - أخو رفاعة، فيكون فيه مزيد ضبط وإتقان، ولهذا جاءت روايته للحديث كثيرة الزيادات والفوائد، وأكثر من استوفى ألفاظ الحديث: أبو داود، والنسائي، وقد أخرج حديثه أبو داود (٨٥٩) والنسائي (٢/ ٢٢٦) وأحمد (٤/ ٣٤٠) وابن حبان (١٧٨٧) من طريق علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه يحيى، عن عمه رفاعة، وقد رواه عن علي بن يحيى: محمد بن عجلان، وإسحاق بن عبد الله، ومحمد بن إسحاق، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم.
وقد اقتصر الحافظ من هذه الروايات على القدر الزائد على ما في حديث أبي هريرة، ولم يسق حديث رفاعة بلفظه، ولولا خشية الإطالة لذكرت لفظ الحديث عند أبي داود والنسائي وأحمد وابن حبان.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا قمت إلى الصلاة .. ) هذا الخطاب للمسيء في صلاته، وهو خلاد بن رافع، جد علي بن يحيى، أحد رواة الحديث - كما تقدم - وقد جاء
стр. 920
ذلك صريحاً في رواية ابن أبي شيبة، كما ذكر الحافظ (١)، وقد حذف الحافظ أول الحديث: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: «ارجع فصلّ فإنك لم تصل»، فصلى ثم جاء فسلّم على النبي ﷺ فقال: «ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ» ثلاثاً، فقال: (والذي بعثك بالحق فما أحسِنُ غيره فعلِّمني)، فقال: «إذا قمت … » الحديث.
وإنما ردده النبي ﷺ ثلاث مرات ليتذكر إن كان ناسياً، أو ليشتدّ شوقه إلى العلم إن كان جاهلاً، فيكون أدعى لقبوله، وليس ذلك من باب التعزير على الخطأ، بل من باب تحقق الخطأ.
قوله: (فأسبغ الوضوء) هذه الجملة وقعت عند البخاري من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، به. وعند مسلم من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، به (٢).
والإسباغ لغة: الإتمام، ومنه: درع سابغ، والمراد به: إبلاغه مواضعه، وقد ورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: إسباغ الوضوء: (الإنقاء) (٣)، وهو من تفسير الشيء بلازمه، إذ الإتمام يستلزم الإنقاء عادة.
قوله: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) لم تختلف الروايات في هذا عن أبي هريرة، وإنما جاء الاختلاف في روايات حديث رفاعة، كما أشار إليه الحافظ.
قوله: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) أي: احنِ ظهرك حتى تستقرّ راكعاً، والطمأنينة: هي السكون وإن قلّ، واصطلاحاً: هي استقرار الأعضاء زمناً ما.
стр. 921
قوله: (ثم ارفع حتى تعتدل قائماً) أي: ارفع ظهرك حتى تنتصب قائماً، وإنما ذكر الاعتدال هنا دون الطمأنينة، لأن القائم يعتدل ويستوي، وذلك مستلزم للطمأنينة، وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ وأحمد من حديث رفاعة ﵁: (حتى تطمئن قائماً)، وعند أحمد وابن حبان من حديث رفاعة ﵁: (فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها)، والصُّلب: بضم الصاد وسكون اللام وقد تُضم: هو فقار الظهر، وأورد الحافظ رواية ابن ماجه، لأن الطمأنينة أبلغ من الاعتدال، لأنها اعتدال وزيادة، أو يقال: إن القائم يعتدل ويستوي، وذلك مستلزم للطمأنينة، وأما رواية أحمد وابن حبان فلعله أوردها، لأنها تفسير لكمال الاعتدال.
قوله: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) أي: افعل كل ما سبق عدا تكبيرة الإحرام، (في صلاتك كلها): يحتمل أن المراد ما بقي من ركعات صلاته، أو أن المراد صلواته المستقبلة.
الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب الوضوء للصلاة، وأن المكلف مأمور بإسباغه، وهو إكماله وإتمامه، وتقدم ذلك في «الوضوء».
الوجه الخامس: الحديث دليل على وجوب استقبال القبلة في الصلاة، وتقدم ذلك.
الوجه السادس: الحديث دليل على وجوب تكبيرة الإحرام، بلفظ: (الله أكبر)، لقوله: (فكبر)، وعند الطبراني (ثم يقول: الله أكبر) وهي ركن لا تنعقد الصلاة إلا بها، ولو قال: الله أجلّ، أو أعظم، لم يصح، خلافاً لمن قال: تنعقد الصلاة بكل ما يدل على التعظيم، والحديث يرد ذلك، مع ما سيأتي من أحاديث في صفة صلاة النبي ﷺ ، كحديث عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير … )، وظاهر الحديث أن دعاء الاستفتاح لا يجب، إذ لو وجب لأمره به، وقيل: إن رواية أبي داود تفيد ذلك، (ثم يكبر الله ويحمده ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن .. )، وقيل: إن المراد بذلك: الفاتحة، ومع الاحتمال لا يثبت شيء من ذلك.
стр. 922
الوجه السابع: الحديث دليل على وجوب قراءة ما تيسر من القرآن، والقراءة ركن في الصلاة، وتتعين الفاتحة لمن يحسنها، لأن قوله في رواية أبي داود: (ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله)، وفي رواية ابن حبان: (ثم بما شئت) بيان لما أُجمل في رواية الصحيحين: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، فيكون هذا مراداً به الفاتحة، لأنها كانت المتيسرة، لحفظ المسلمين لها، أو ما زاد على الفاتحة، جمعاً بينه وبين الروايات الأخرى من جهة، وبينه وبين أدلة إيجاب الفاتحة من جهة أخرى، ويؤيد ذلك حديث أبي سعيد ﵁: (أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر) (١). فإذا جمع بين ألفاظ الحديث كان تعين الفاتحة هو الأصل لمن معه قرآن، فإن عجز عن تعلمها وكان معه شيء من القرآن قرأ ما تيسر، وإلا انتقل إلى الذكر، فالمراحل ثلاث بالتدريج، وبهذا يتضح وجه إيراد الحافظ للروايات في حديث رفاعة ﵁ وقد دلّ على أن من لا يحسن شيئاً من القرآن فإنه يجزئه الحمد والتكبير والتهليل، دون أن يتعين عليه لفظ معين أو قدر معين، وسيأتي ذلك إن شاء الله في حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ رقم (٢٨٥).
الوجه الثامن: وجوب الركوع والقيام منه والسجود مرتين والجلوس بينهما، وهي أركان لا تصح الصلاة إلا بها؛ لأن الرسول ﷺ علمها المسيء بلفظ الأمر الدال على الوجوب، وقال له: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها).
الوجه التاسع: وجوب الطمأنينة في هذه الأركان كلها، وهي ركن لا تصح الصلاة بدونها على قول الجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية والظاهرية، لأن الرسول ﷺ ذكرها هنا في الركوع والرفع والسجود والرفع منه. ولما أخلّ بها قال له: «ارجع فصلّ فإنك لم تصل»، فأمره بالإعادة وأخبره بأنه لم يصلِّ، مع أنه كان جاهلاً، فدل ذلك على أن من ترك الطمأنينة فإنه لم يصلِّ (٢)، ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع الصحابة على وجوب
стр. 923
السكون والطمأنينة في الصلاة (١).
والقول الثاني: أنها واجبة وليست بفرض، فتصح الصلاة بدونها مع الإثم، وقد نقل هذا عن أبي حنيفة ومحمد، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] ولم يذكر الطمأنينة، لأن الركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض، فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما (٢).
والصحيح الأول؛ لقوة دليله، فإنه نص صحيح صريح في هذا الباب، يؤيد ذلك حديث أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته»، قالوا: (يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟)، قال: «لا يتم ركوعها وسجودها»، أو قال: «لا يقيم صلبه في الركوع والسجود» (٣).
وأما الآية فهي مطلقة بينت السنة المراد بها، فإن النبي ﷺ فسَّر الركوع والسجود بفعله وقوله، على أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: (إن الركوع والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه، وحين وضع جبهته على الأرض، فأما مجرد الخفض والرفع عنه فلا يسمى ذلك ركوعاً ولا سجوداً، ومن سماه ركوعاً وسجوداً فقد غلط على اللغة … ) (٤).
وقد اختلف العلماء في حد الاطمئنان المطلوب على قولين:
الأول: أن المطلوب هو السكون وإن قلّ، وكأن هؤلاء نظروا إلى المعنى اللغوي.
الثاني: أن المطلوب الاطمئنان بقدر الذكر الواجب بلا عجلة، ففي الركوع يطمئن بقدر ما يقول: سبحان ربي العظيم، وفي الاعتدال بقدر ما يقول: ربنا ولك الحمد، وهكذا، وهذا هو الأقوى، والفرق بين القولين: أنه إذا نسي التسبيح في ركوعه أو سجوده، أو التحميد في اعتداله، أو سؤال المغفرة في جلوسه وقلنا: إن الطمأنينة هي السكون فصلاته صحيحة، ويسجد
стр. 924
لترك الواجب مما ذكر، وعلى القول الثاني تكون صلاته غير صحيحة، لأنه لم يستقر بقدر الذكر الواجب حيث لم يأت به (١).
الوجه العاشر: الحديث دليل على وجوب الترتيب بين هذه الأركان على الصفة المذكورة في الحديث، لأن الرسول ﷺ ذكر هذه الأفعال مرتبة بـ (ثم) وهي نص في الترتيب، وهو ركن لا تصح الصلاة إلا به، وقد واظب النبي ﷺ على هذا الترتيب في جميع صلاته، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
الوجه الحادي عشر: تبين مما تقدم أن هذا الحديث دليل على وجوب ما ذكر فيه، لأن النبي ﷺ أمر هذا الرجل بأداء الصلاة على هذا الوصف الذي علمه إياه، وهذا دليل على وجوب ما ذكر فيه.
أما ما لم يذكر فيه فلا ريب أن الحديث لم يشتمل على واجبات أخرى في الصلاة، كأذكار الركوع والسجود وركني الاعتدال، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ والتسليم وغير ذلك، والحديث تطرقه احتمالات، منها: أن النبي ﷺ لم يُعَلِّم الرجل كل الواجبات، بل يحتمل أنه اقتصر في تعليمه على ما رآه أساء فيه، أو أن الواجبات الأخرى وجبت بعد ذلك، أو أنه علمه معظم الأركان وأهمها وأحال بقية تعليمه على مشاهدة النبي ﷺ في صلاته أو نحو ذلك، ومع هذه الاحتمالات فالحديث من قبيل المشتبه المجمل المعارض لأدلة صحيحة صريحة في واجبات أخرى.
وعلى هذا فما جاء بصيغة الأمر في غير هذا الحديث فالقول بوجوبه ظاهر، ما لم يأت دليل صارف له عن الوجوب، لأن الأخذ بالزائد واجب، ولأن الحديث الذي جاء بصيغة الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها، وحديث المسيء لا يدل على عدم وجوب ما لم يذكر فيه.
لكن لا بد للباحث المستدل أن يتتبع روايات الحديث ويجمع طرقه، لئلا ينفي شيئاً، وهو قد ورد فيه كما وقع لبعض الشراح، والله تعالى أعلم.
стр. 925
من صفة صلاة النبي ﷺ -
٢٦٩/ ٣ - وَعَنْ أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ إذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإذَا رَفَعَ رَأَسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قابضِهما، واستقبلَ بِأَطْرَافِ أَصابعِ رجلَيْهِ القِبْلةَ، وإذا جَلَسَ في الرَّكْعَتيْنِ جَلَسَ على رِجْلِه اليُسرى ونَصَبَ اليُمنى، وَإذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو أبو حميد - بصيغة التصغير - بن سعد الأنصاري الخزرجي الساعدي، نسبة إلى ساعدة، وهو أبو الخزرج، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: المنذر بن سعد، وقيل: عبد الرحمن، وقيل غير ذلك، روى عنه من الصحابة: جابر بن عبد الله ﵁ ومن التابعين: عروة بن الزبير، والعباس بن سهل، وولد ولده سعيد بن المنذر بن أبي حميد، ومحمد بن عمرو بن عطاء. مات في آخر خلافة معاوية في حدود سنة ستين ﵁ (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
حديث أبي حميد الساعدي حديث عظيم جليل القدر، لأنه وصف صلاة
стр. 926
النبي ﷺ وصفاً دقيقاً، وصفها بالقول، ووصفها بالفعل حيث صلّى كما شاهد النبي ﷺ يصلي، واشتمل على جملة كبيرة من صفة الصلاة، وأقره على هذا الوصف تسعة من أصحاب النبي ﷺ وهو عاشرهم.
وقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة»، باب «سنة الجلوس في التشهد» (٨٢٨) وأبو داود (٧٣١) من طريق محمد بن عمرو بن طلحة، عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالساً مع نفر من أصحاب النبي ﷺ ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ فقال أبو حميد الساعدي ﵁: (أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر … ) الحديث باللفظ المذكور هنا.
والحديث له طرق كثيرة وألفاظ متعددة، لكن يلاحظ أن الحافظ ما ذكر شيئاً من رواياته وألفاظه، كما هي عادته في مثل ذلك، لأن الحديث باللفظ المذكور لم يرد فيه شيء من أركان الصلاة، مع أنها وردت في روايات أخرى من حديث أبي حميد ﵁، ولعله اكتفى بسياق الأحاديث الآتية، ومنها؛ حديث أبي حميد الساعدي في إحدى رواياته مختصراً، والله أعلم.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (أنه كان جالساً مع نفر من أصحاب النبي ﷺ جاء في رواية أبي داود عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: (سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو قتادة .. ) الحديث - وسيأتي - وجاء في طرق أخرى: أبو أُسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو هريرة، وأبو حميد الساعدي، فيكون المجموع ستة صحابة.
قوله: (إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه)، أي: قال: الله أكبر، وهي تكبيرة الإحرام، و (جعل) بمعنى: رفع يديه، وقد جاء ذلك في حديث ابن عمر ﵄ وغيره، ومعنى: (حذو منكبيه)، أي: مقابلهما، والمنكب: رأس الكتف، وفي «القاموس»: أنه مجتمع رأس الكتف والعضد (١).
قوله: (وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه) يفسر ذلك رواية أبي داود من
стр. 927
طريق فليح بن سليمان: (ثم ركع، فوضع يديه على ركبتيه، كأنه قابض عليهما، ووتّرَ يديه، فتجافى عن جنبيه، لم يصبّ رأسه، ولم يقنعه).
ومعنى (وتَّر يديه) أي: عوجهما؛ من التوتير، وهو جعل الوتر على القوس، فشبه يد الراكع إذا مدها قابضاً على ركبتيه بالقوس إذا أوترت.
قوله: (ثم هصر ظهره) أي: ثناه في استواء من غير تقويس، وأصل الهصر: أن تأخذ برأس العود فتثنيه إليك وتعطفه، وقد جاء في رواية أبي داود: (لم يصبّ رأسه ولم يقنعه).
قوله: (حتى يعود كل فَقَارٍ إلى مكانه)، الفقار: بفتح الفاء والقاف، واحدتهما: فَقَارَةٌ، وهي مفاصل عظام الصلب والعنق (١).
قوله: (غير مفترش ولا قابضهما)، الافتراش عائد على الذراعين، وقد ورد عند ابن حبان: (غير مفترش ذراعيه)، وهو بسطهما على الأرض في السجود؛ والذراع: هو العظم الذي بين العضد والكف، وقوله: (ولا قابضهما)، أي: لا يضمهما إليه.
قوله: (وقعد على مقعدته) المقعدة: هي السافلة من الشخص.
الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية رفع اليدين إلى حذو المنكبين عند تكبيرة الإحرام، وسيأتي في حديث ابن عمر ﵄ وغيره مواضع أخرى في الصلاة لرفع اليدين.
وظاهر هذا الحديث أن الرفع يكون إلى حذو المنكبين، وقد ورد في حديث وائل بن حجر ﵁ الآتي: (حتى يحاذي بهما فروع أذنيه). وبهذا يتبين أن ما يفعله بعض الناس من رفع يديه إلى سرَّته أو فوقها بقليل أن هذا تقصير في تطبيق السنة.
وظاهر الحديث - أيضاً - أنه يُكبر ثم يرفع، لقوله: (إذا كبر جعل .. ) وفي حديث مالك بن الحويرث ﵁: (كبر ثم رفع يديه) (٢)، وفي رواية لأبي
стр. 928
داود من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد ﵁: (كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يُكبر) (١). وظاهر هذا أنه يرفع يديه ثم يكبر.
وفي حديث ابن عمر ﵄ قال: (رأيت النبي ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يُكبر .. ) (٢).
وهذا يدل على أن الرفع يقارن التكبير، وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه … ثم كبر) (٣). وهذا يدل على تقديم رفع اليدين، والأظهر - والله أعلم - أن هذا من العمل المخير فيه، لورود الأدلة بذلك كله.
والأفضل أن يبدأ التكبير مع رفع يديه، وينهيه مع انتهاء الرفع، لأن الرفع للتكبير.
الوجه الخامس: الحديث مع رواية أبي داود المذكورة دليل على أن الركوع الموافق للسنة ما اجتمع فيه صفات أربع:
١ - أن يمكن كفيه من ركبتيه، كأنه قابض عليهما.
٢ - أن يهصر ظهره ويمده، فلا يقوسه.
٣ - أن يجعل رأسه حيال ظهره، فلا يرفعه عن مستوى ظهره ولا يخفضه.
٤ - أن يجافي مرفقيه عن جنبيه ما لم يؤذ أحداً وإلا ترك ذلك.
الوجه السادس: الحديث دليل على صفة الرفع من الركوع وهو أن يرفع رأسه من الركوع مكبراً رافعاً يديه، ويعتدل قائماً حتى يرجع كل عضو إلى موضعه، وفي قوله: (حتى يعود كل فقار مكانه) دليل على وجوب الطمأنينة في الرفع من الركوع، كما تقدم في حديث المسيء.
стр. 929
الوجه السابع: الحديث دليل على صفة السجود وقد جاء في رواية أبي داود: (ثم سجد فأمكن أنفه وجبته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه)، وقد دل على أن السجود الموافق للسنة ما اجتمع فيه هذه الصفات:
١ - أن يبسط كفيه على الأرض مضمومتي الأصابع إلى القبلة.
٢ - لا يفترش ذراعيه، بل يرفعهما ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ما لم يؤذ أحداً، وأن يثني أصابع رجليه بحيث تكون في اتجاه القبلة، وسيأتي زيادة تفصيل في الأحاديث الآتية إن شاء الله.
الوجه الثامن: الحديث دليل على صفة الجلوس في التشهد الأول، وهي أن يجلس مفترشاً رجله اليسرى ناصباً اليمنى، ولم يذكر في رواية البخاري صفة اليدين حال التشهد، وقد ورد ذلك في رواية لأبي داود، وسيأتي بيان ذلك في حديث ابن عمر ﵄ إن شاء الله.
الوجه التاسع: الحديث دليل على صفة الجلوس في التشهد الأخير، وهي التورك؛ ومعناه: أن يفرش رجله اليسرى ويخرجها عن يمينه، وينصب اليمنى، جاعلاً مقعدته على الأرض.
وفي ذكره كيفية الجلوسين دليل على تغايرهما، وكأن الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن التشهد الأول أخف، فيكون الجالس فيه متهيئاً للقيام، بخلاف التشهد الأخير، فإنه لطوله يكون الجالس مستقراً.
وقد جاء عند أبي داود في حديث أبي حميد ﵁: (فإذا كانت الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة)، وفي لفظ آخر: (فإذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى، وقعد متوركاً على شقه الأيسر) (١).
وهذا دليل لمالك والشافعي وأحمد على مشروعية التورك في التشهد الأخير، وله صفتان، كما في لفظ البخاري، ورواية أبي داود المذكورة.
لكن الشافعي ومالك يقولان بأنه يتورك في التشهد الأخير مطلقاً، سواء
стр. 930
كانت الصلاة فيها تشهدان، كالرباعية والثلاثية، أم لا كالفجر (١).
وقال أحمد: يتورك في كل صلاة فيها تشهدان، استدلالاً بحديث أبي حميد بلفظ البخاري، لأنه ذكر التورك في الجلسة التي في التشهد الثاني، وقد ذكر قبله صفة جلوسه في التشهد الأول (٢).
وأما لفظ أبي داود: (حتى إذا كانت الجلسة التي فيها التسليم .. )، فإنه وإن كان ظاهره أن التورك في كل تشهد يليه سلام لكنه ليس بصريح في الدلالة، لأن قائل ذلك ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول.
فإن كانت الصلاة ثنائية كالفجر جلس مفترشاً، وقد جاء في «مسائل الإمام أحمد» لابن هانئ: سألت أبا عبد الله عن التورك في الصلاة؟ قال: في الظهر والعصر والمغرب وعشاء الآخرة (٣).
وفي «مسائله» لابنه عبد الله قال: سألت أبي عن التورك في الصلاة؟ فقال: حديث أبي حميد عن النبي ﷺ أنه كان يتورك في الرابعة، قلت لأبي: ففي الفجر وفي صلاة الجمعة يتورك؟ قال: لا يتورك في الفجر ولا في الجمعة، إنها جلسة واحدة، قلت لأبي: فإن الشافعي يقول: يتورك، لأن التورك إنما جعل من طول القعود؟ قال أبي: ليس هو عندي كذا، لا يتورك الرجل إلا في الصلاة التي يجلس فيها جلستين (٤).
وقد ذكر الألباني في صفة الصلاة أنه ﷺ كان يجلس مفترشاً إذا كانت الصلاة ركعتين كالصبح، كما كان يجلس بين السجدتين، وعزاه للنسائي بإسناد صحيح (٥)، وأما أبو حنيفة فإنه يرى الافتراش مطلقاً، فيفترش رجله اليسرى، وينصب اليمنى في القعدتين جميعاً (٦)، والله تعالى أعلم.
стр. 931
أدعية الاستفتاح في الصلاة
٢٧٠/ ٤ - وَعَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ» … إلَى قَوْلِهِ: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لَا إلهَ إلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ … » إلَى آخِرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ ذلِكَ في صَلَاةِ اللَّيْلِ.
٢٧١/ ٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ والثَّلْجِ وَالْبَرَدِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٢٧٢/ ٦ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إلهَ غَيْرُكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ، والدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولاً وَهو مَوقُوفٌ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث علي ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «الدعاء في صلاة الليل وقيامه» (٧٧١) من طريق عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال:
стр. 932
«وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم، أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. واصرف عني سَيِّئَهَا، لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لَبَّيْكَ! وسعديك! والخير كله في يديك. والشر ليس إليك. أنا بك وإليك. تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك». وإذا ركع قال: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي». وإذا رفع قال: «اللهم، ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد». وإذا سجد قال: اللهم، لك سجدت. وبك آمنت. ولك أسلمت. سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين». ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم «اللهم، اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلاّ أنت».
وقول الحافظ: (وفي رواية له: أن ذلك في صلاة الليل)، وهم منه ﵀، فليس عند مسلم ما يدل على أن ذلك في صلاة الليل مع أنه أخرجه من وجهين، صحيح أنه أخرجه في أحاديث صلاة الليل، لكن هذا لا يدل على أنه ﷺ كان يقوله في التهجد، وقبل ذلك ذكر ابن القيم (١) أن المحفوظ أن هذا الاستفتاح إنما كان يقوله في صلاة الليل، وكذا ذكر ابن دقيق العيد (٢)، ولعل ذلك الوهم كان بسبب طول هذا الاستفتاح، وأنه يناسب صلاة الليل، والله أعلم.
وقد روى الترمذي (٣٤٢٣) وأبو داود (٧٦١) هذا الحديث، ولم يقع عندهما أن ذلك في صلاة الليل، بل وقع في بعض طرقه عندهما (إذا قام إلى الصلاة المكتوبة) وكذا وقع عند غيرهما.
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة»،
стр. 933
باب «ما يقول بعد التكبير» (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨) من طريق عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو، عن أبي هريرة ﵁ قال: فذكر الحديث بتمامه، وفيه اختلاف يسير في أوله عما في «الصحيحين».
وأما حديث عمر ﵁ فقد أخرجه مسلم (٣٩٩)(٥٢) في كتاب «الصلاة»، باب «عدم الجهر بالبسملة» من طريق الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك.
وهذا سند منقطع - كما قال الحافظ - لأن عبدة لم يسمع من عمر ﵁ قال ابن كثير: (عبدة بن أبي لبابة لم يدرك عمر بن الخطاب، وإنما لقي ابنه عبد الله بن عمر كما قال الإمام أحمد بن حنبل، وهو من ثقات المسلمين وأئمتهم، وهذا الأثر ثابت عن أمير المؤمنين من غير وجه) (١).
وقد أخرجه مسلم استطراداً، لأن مقصوده الأصلي هو الحديث الذي أخرجه بعد هذا الأثر، في عدم الجهر بالبسملة، وهو صحيح متصل، وإنما لم يقتصر على الحديث المتصل، لأنه سمعه هكذا فأداه كما سمعه، ولهذا نظائر ولا إنكار في هذا كله.
وقد رواه الدارقطني في سننه (١/ ٢٢٩ - ٣٠٠) موصولاً من طريق عبد الله بن شبيب، حدثني إسحاق بن محمد، عن عبد الرحمن بن عمر بن شيبة، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، به مرفوعاً.
قال الدارقطني عقبه: (رفعه هذا الشيخ - يعني عبد الرحمن - عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر عن النبي ﷺ ، والمحفوظ عن عمر من قوله، كذلك رواه إبراهيم عن علقمة والأسود عن عمر، وكذلك رواه يحيى بن أيوب، عن عمر بن شيبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله، وهو الصواب)، ثم ساق هذه الروايات بأسانيدها.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (سكت هنية) بضم الهاء وفتح النون بعدها ياء مشددة ثم هاء،
стр. 934
تصغير: هَنَةً، والهنة والهَنُ كناية عن كل شيء، وأصله: هَنَوَةٌ، فلما صُغّرَ صار هُنيوة، فاجتمعت الواو والياء في كلمت وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أُدغمت الياء في الياء، فصارت: هُنية، وهذه رواية الأكثرين كما قال القاضي عياض (١).
وذكر القرطبي أن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمز: هُنَيئة - على وزن حُطيئة (٢) ـ وقد حكم النووي على الهمز بأنه خطأ (٣) ولا داعي للتخطئة، إذ لا مانع من قلب الياء همزة (٤)، وهي رواية الجمهور، كما قال القرطبي، وقد وقع في رواية الكشميهني للبخاري: «هنيهة» بإبدال الياء هاء (٥).
قوله: (فسألته)، هكذا في «البلوغ»، ولفظ «الصحيحين»: (فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟) والجار والمجرور (بأبي أنت وأمي) متعلق بمحذوف خبر مقدم، والتقدير: أنت مفدَّى بأبي وأمي.
قوله: (اللهم) أي: يا الله، فحذفت ياء النداء وعوض عنها الميم.
قوله: (باعد بيني وبين خطاياي)، أي اجعلها بعيدة عني، فلا أقربها، والخطايا: جمع خطيئة، وهي المعصية إما بترك ما يجب أو بفعل ما يحرُم.
قوله: (كما باعدت بين المشرق والمغرب) الكاف للتشبيه، و (ما): مصدرية، والمباعدة بين المشرق والمغرب هي غاية ما يبالغ فيه الناس، والمعنى: باعد بيني وبين خطاياي مثل مباعدتك بين المشرق والمغرب.
قوله: (اللهم نقني) أي: خلصني ونظفني.
قوله: (كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس) أي: كما يُغسل الثوب الأبيض إذا أصابه الدنس، فيرجع أبيض، وخُصَّ الأبيض، لأن النقاء فيه أبلغ حيث إن أقل دنس يتبين فيه بخلاف الأسود، والدنس: الوسخ.
стр. 935
قوله: (اللهم اغسلني من خطاياي)، أي: طهرني بعد التنقية، فكأنه يسأل ألا يفعل الخطايا، ثم إن فعلتها فنقني منها، ثم سأله أن يزيل آثارها بزيادة التطهير بالماء والثلج والبرد.
قوله: (بالماء والثلج والبرد) الثلج: الماء المتجمد، البرد: المطر المتجمد، ومعلوم أن الغسل بالماء الحار أبلغ في الإزالة، ولكن جِيءَ هنا بالثلج والبرد، ليناسب حرارة الذنوب التي يراد إزالتها، نقل ذلك وبسطه ابن القيم عن شيخه ابن تيمية (١).
قوله: (سبحانك اللهم) سبحان: اسم مصدر منصوب بفعل محذوف ومعناه: تنزيهاً لك يا رب عن كل نقص، إما في الصفات، أو في مماثلة المخلوقات.
قوله: (وبحمدك) الحمد: هو ذكر أوصاف المحمود الكامل، وأفعاله الحميدة مع محبته وتعظيمه، والواو للمعية، فيكون المصلي جمع بين التنزيه والوصف بالكمال الذاتي والفعلي، أي: نزهتك تنزيهاً مقروناً بالحمد.
قوله: (تبارك اسمك) أي: إن اسم الله تعالى كله بركة، فإذا صاحب شيئاً صارت فيه البركة، وإذا كان الاسم بركة فالمسمى أعظم بركة وأشد وأولى، هذا إن تعلق بالاسم، فإن وصف بها الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: ١] صار معناه: تعالى وتعاظم، وهذا اللفظ لا يطلق إلا على الله تعالى.
قوله: (وتعالى جدك) أي: ارتفع، والجد: العظمة، والمعنى: أن عظمتك عظمة عالية.
قوله: (ولا إله غيرك) هذه كلمة عظيمة، لأنها كلمة التوحيد، وقد تقدم إعرابها في آخر باب «الوضوء».
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية استفتاح الصلاة بعد تكبيرة
стр. 936
الإحرام بهذه الاستفتاحات أو بغيرها مما ورد في السنة، وهي كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ثلاثة أنواع: ثناء على الله تعالى متضمن للإخبار عن صفات كماله، ونعوت جلاله مثل: سبحانك اللهم وبحمدك .. ، والثاني: ما كان إنشاء من العبد أو اعترافاً بما يجب لله عليه من العبودية مثل حديث علي ﵁، والثالث: ما كان دعاء من العبد، مثل حديث أبي هريرة ﵁ (١).
والأفضل أن يأتي بهذا تارة وبهذا تارة أخرى، لأن في ذلك إحياء للسنة، وهو أحضر للقلب وأدعى لفهم ما يقول، كما أن في ذلك تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع، فإن كل نوع لا بد له من خاصية، ثم إن في المداومة على نوع دون غيره هجراناً لبعض المشروع، وهذا سبب لنسيانه والإعراض عنه، وهذه قاعدة عامة في كل عبادة جاءت على وجوه متعددة، وهذا كثير في الصلاة، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وقد تكلم على ذلك الحافظ ابن رجب في قواعده (القاعدة الثانية عشرة) (٣)، وبسط الكلام على ذلك ابن تيمية بسطاً قد لا تجده لغيره.
وقد ذكر ابن القيم اختيار الإمام أحمد لحديث عمر ﵁ (سبحانك اللهم وبحمدك) وذلك لعشرة أوجه، منها؛ أن عمر ﵁ جهر به يعلمه الصحابة ﵃، ومنها أنه ثناء على الله تعالى (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 937
مشروعية الاستعاذة في الصلاة
٢٧٣/ ٧ - وَنَحْوُهُ عَنْ أَبي سَعِيدٍ مَرْفُوعاً عِنْدَ الْخَمْسَةِ.
وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ: «أَعُوذُ بِالله السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك» (٧٧٥) والترمذي (٢٤٢) والنسائي (٢/ ١٣٢) وابن ماجه (٨٠٤) وأحمد (٨/ ٥١) من طرق، عن جعفر بن سليمان، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك»، ثم يقول: «لا إله إلا الله» ثلاثاً، ثم يقول: «الله أكبر كبيراً» ثلاثاً «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» ثم يقرأ. هذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي والنسائي وابن ماجه: (كان إذا قام إلى الصلاة) وهذا الإسناد فيه مقال.
جعفر بن سليمان هو الضُّبَعي، تفرد بهذا الحديث، وهو مختلف فيه، فقد وثقه ابن معين، وقال أحمد: (لا بأس به)، وقال ابن سعد: (كان ثقة وبه ضعف، وكان يتشيع)، وضعفه يحيى بن سعيد القطان، وكان لا يكتب عنه، وقال البخاري: (يخالف في بعض حديثه) (١).
стр. 938
وعلي بن علي الرفاعي، مختلف فيه - أيضاً - فقد وثقه ابن معين وأبو زرعة ووكيع، وقال الشافعي: (لا بأس به)، وقال أحمد: (لم يكن به بأس إلا أنه رفع أحاديث)، وقال ابن حبان: (كان ممن يخطئ كثيراً على قلة روايته، وينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد) (١)، ثم ساق حديثه هذا، وقال الترمذي: (كان يحيى بن سعيد يتكلم في عليّ بن علي الرفاعي)، وبهذا يكون الإسناد ضعيفاً، فإنه مما انفرد به، وقد ضعفه الأئمة كالإمام أحمد وابن خزيمة (٢).
وأعل أيضاً بالإرسال؛ قال أبو داود عقبه: (وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي عن الحسن مرسلاً، الوهم من جعفر)، وقد ذكره أبو داود في «المراسيل» من رواية الحسن البصري مرسلاً، مع اختلاف عما هنا (٣).
وقد أشار العقيلي إلى تقوية الحديث فإنه لما ذكر حديث عائشة ﵂ في هذا الموضوع قال: (وقد روي من غير هذا الوجه بأسانيد جياد) (٤)، وحسنه الحافظ (٥) وصححه أحمد شاكر، وقال: (علي بن علي الرفاعي اليشكري ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة ووكيع، وقال شعبة: (اذهبوا بنا إلى سيدنا وابن سيدنا علي بن علي الرفاعي) (٦)).
أما الألباني (٧) فيرى أن الحديث حسن، لأن رجاله كلهم ثقات، وعليٌّ وإن تكلم فيه ابن القطان فقد وثقه جماعة، كما تقدم، ومثل هذا لا يوجب إهدار حديثه، بل يحتج به حتى يظهر خطؤه، وهنا ما روى شيئاً منكراً، بل تابعه عليه غيره، كما في حديث عائشة ﵂ عند أبي داود (٧٧٦) والترمذي (٢٤٣) وابن ماجه (٨٠٦) وغيرهم، وله شاهد من حديث أنس ﵁ عند الدارقطني (١/ ٣٠٠) والطبراني في «الدعاء» (٢/ ١٠٣٤).
стр. 939
وبالجملة فمن عَوَّلَ على شواهده رأى ثبوت الحديث، وأن إسناده حسن، وأن الاستفتاح بما ذكر فيه ثابت، فإنه وإن تُكُلِّمَ في علي بن علي الرفاعي فقد وثقه من ذكر، ومثل ذلك لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، ومن قدح فيه وطعن في شواهده رأى عدم ثبوته، ويكفي في هذا ما تقدم عن الإمام أحمد وابن خزيمة.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أعوذ بالله)، مضارع (عاذ) وهذا اللفظ وما تصرف منه يدور على معنى التحرز والتحصن والنجاة، ومعنى ذلك: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك ويحميك منه.
قوله: (من الشيطان الرجيم) من: لابتداء الغاية ولو لم توجد (إلى) الدالة على انتهاء الغاية، كما ذكر ذلك ابن مالك وابن الحاجب، لأن الغرض ابتداء الاستعاذة من الشيطان مع استمرارها وعدم انقطاعها.
والشيطان: اسم مفرد أريد به جنس الشياطين، بدليل الجمع في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، وأل فيه للعموم، لأن الشياطين كثيرة، من الإنس والجن والدواب المرئية وغير المرئية، وهو مأخوذ من (شَطَنَ) إذا بَعُدَ، سمي بذلك لبعده من الحق والخير وتمرده، وقيل: من شاط يشيط، إذا هلك واحترق، والأول أظهر، بل إنه أصح (١).
الرجيم: فعيل بمعنى مفعول، أي: مرجوم، وصف بذلك إما لأنه رُجم عن استراق السمع، أو لأنه رجم باللعنة والمقت وعدم الرحمة، أو بمعنى: فاعل، أي يرجم الناس بالإغواء ويُزين لهم الشر ويحبب لهم الفساد.
قوله: (من همزه)، بدل اشتمال من الشيطان، وقد ورد تفسير هذه الكلمات الثلاث في رواية أبي داود وابن ماجه من حديث عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه .. وفيه قال عمرو بن مرة: نفثه: الشعر، ونفخه: الكِبْر، وهمزه: المُوتَةُ.
стр. 940
فهمزه: الموتة بضم الميم وسكون الواو بدون همز، وفتح المثناة الفوقية، نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان فإذا أفاق عاد إلى عقله، وأصل الهمز، النخس والغمز والغيبة بين الناس، وسمي به الجنون لأنه سببه، فهو من إطلاق اسم المسبب على السبب.
ونفخه: الكبر، لأن الشيطان ينفخ في الشخص بالوسوسة فيعتقد عظم نفسه وحقارة غيره.
ونفثه: هو الشعر، لأنه كالشيء ينفثه الإنسان من فيه، وذلك لأن الشيطان يحمل الشعراء على المدح والذم والتعظيم والتحقير في غير موضعها.
قال العيني: (إن كان هذا التفسير من متن الحديث فلا معدل عنه، وإن كان من قول بعض الرواة فلعله يراد منه السِّحْرُ، فإنه أشبه، لما شهد له التنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]) (١).
الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: بمشروعية الاستعاذة في الصلاة قبل القراءة بهذه الصيغة، وله شاهد من حديث جبير بن مطعم وعمر بن الخطاب وأبي أمامة وابن مسعود وغيرهم ﵃ وفي أسانيدها مقال، والقرآن قد دل على صيغة الاستعاذة بدون هذه الزيادة.
والاستعاذة مندوبة قبل كل قراءة في الصلاة وخارجها، وهذا مذهب الجمهور، وقالت الظاهرية بوجوبها (٢)، وهو قول قوي، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وصيغة (افعل) إذا تجردت عن القرائن فهي للوجوب. ولأن النبي ﷺ واظب عليها، ولأنها تدرأ الشيطان وتبعده، وهذا واجب وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، وهذا هو الأحوط، قال الإمام أحمد في رواية حنبل: لا يقرأ في صلاة ولا غير صلاة إلا استعاذ، للآية (٣).
стр. 941
ويرى بعض العلماء أن القرينة التي صرفت الأمر في الآية إلى الندب هي أن النبي ﷺ لم يعلِّم المسيء في صلاته الاستعاذة، وقد تقدم الجواب عن مثل هذا، وأنه لا يصلح دليلاً لمثل هذا الاستدلال.
ومحل الاستعاذة قبل القراءة في الركعة الأولى، لهذا الحديث وغيره، لأن الاستعاذة للقراءة، وليست للصلاة، إذ لو كانت للصلاة لكانت تلي تكبيرة الإحرام أو قبل تكبيرة الإحرام، وأما الآية الكريمة: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، فالمراد بها: إذا أردت القراءة، جمعاً بين الأدلة، وهذا التأويل له نظائر كثيرة في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي الحديث: (إذا توضأ أحدكم فليستنثر) وكان النبي ﷺ يستنثر في أول وضوئه لا في آخره، وفعل الرسول ﷺ مفسر للآية، ولأن الاستعاذة قبل القراءة مراد بها الالتجاء إلى الله تعالى والاعتصام به من الشيطان ليكون بعيداً عن قلب القارئ حين يتلو كتاب الله، حتى يحصل له تدبر القرآن وتفهم معانيه والانتفاع به.
وأما صيغة الاستعاذة فالأمر فيها واسع، فكيفما تعوذ فهو حسن، لإطلاق الآية، واختار بعض العلماء صيغة الآية: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، فكل ذلك وارد، وإن تعوذ بهذا تارة وبهذا تارة على قاعدة العبادات الواردة على وجوه متنوعة فحسن.
الوجه الرابع: يرى أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه، وهو قول للشافعي أن الاستعاذة تختص بالركعة الأولى (١)، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح للقراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت (٢)، وعدم السكوت دليل على أنه لا يستعيذ، ولأن
стр. 942
الصلاة عمل واحد مفتتح بقراءة، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة، فإذا استعاذ في أولها كفى، واختاره ابن القيم (١)، والشوكاني (٢).
والقول الثاني: يستعيذ في كل ركعة، وهذا قول للشافعي وصفه النووي بأنه الأصح في مذهب الشافعية (٣)، لكنه ذكر أنه في الركعة الأولى آكد (٤)، وهذا القول رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (٥)، وبه قال ابن حزم الظاهري (٦)، واستدلوا بعموم الآية المتقدمة.
والقول الأول أظهر، فإن الآية ليست بصريحة في تكرار الاستعاذة في كل ركعة، لأن قراءة الصلاة قراءة واحدة، وقد حصل امتثال الأمر بالاستعاذة عند القراءة، ومع ذلك فلو استعاذ المصلي في كل ركعة فحسن، ولو اقتصر على الركعة الأولى أجزأ، فإن المسألة ليس فيها أدلة قاطعة، وفي الاستعاذة فوائد عظيمة تقدم بعضها (٧)، والله تعالى أعلم.
стр. 943
شيء من صفة صلاة النبي ﷺ
٢٧٤/ ٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ: بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلكِنْ بَيْنَ ذلِكَ. وَكَانَ إذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً. وَإذَا رَفَعَ مِنَ السُّجودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَويَ جَالِساً.
وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ. وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى. وَكَانَ يَنْهى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطانِ، وَيَنْهى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتسْلِيمِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ عِلَّةٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «ما يجمع صفة الصلاة» (٤٩٨) من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة ﵂، به.
وهذا الإسناد ظاهره الصحة، إلا أنه معلول، فإن أبا الجوزاء واسمه أوس بن عبد الله الرَّبَعي، لم يسمع من عائشة ﵂، ذكر ذلك ابن عدي وابن عبد البر وغيرهما (١).
وذكر ابن حجر عن أبي الجوزاء أنه قال: أرسلت رسولاً إلى عائشة
стр. 944
يسألها … فذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه لم يشافهها، فرجع الحديث إلى أنه عن مجهول (١).
لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك فشافهها - كما قال ابن حجر - فإنه مات سنة ثلاث وثمانين، كما في «التقريب»، أي: بعد ست وعشرين سنة من وفاة عائشة ﵂، ومعلوم حرص التابعين على السماع من الصحابة، يقول الحافظ أبو الحسين القرشي (٢): (إدراك أبي الجوزاء هذا لعائشة ﵂ معلوم لا يُختلف فيه، وسماعه منها جائز ممكن، لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀، كما نص عليه في مقدمة كتابه «الصحيح» إلا أن تقوم دلالة بينة على أن ذلك الراوي لم يلق من روى عنه أو لم يسمع منه شيئاً فحينئذ يكون الحديث مرسلاً، والله أعلم).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كان يفتتح الصلاة بالتكبير)، كان: فعل ماض ناقص، وإذا كان خبرها فعلاً مضارعاً دل على الاستمرار ما لم تقم قرينة على خلافه، وتقدم ذلك، والمراد بالتكبير: تكبيرة الإحرام، لحديث: (تحريمها التكبير).
قوله: (والقراءةَ بالحمد لله .. ) بالنصب عطفاً على (الصلاة)، والحمد: بضم الدال على الحكاية، فلا يؤثر فيه حرف الجر، أي: بهذه السورة.
قوله: (لم يُشْخص رأسه ولم يصوبه) يشخص: بضم الياء وسكون الشين، ماضيه: أشخص الرباعي، أي: لم يرفعه. ولم يصوِّبه: بضم الياء وفتح الصاد وكسر الواو المشددة، أي: ينزله.
قوله: (ولكن بين ذلك) أي: بين الرفع والتنزيل، ليكون مستوياً مع الظهر.
стр. 945
قوله: (في كل ركعتين التحية) أي: التشهد كله، وهو من باب إطلاق لفظ البعض على الكل.
قوله: (وكان يفرش رجله اليسرى) بضم الراء على الأشهر من باب (قتل) وفي لغة بكسرها من باب (ضرب) ومعناه: يبسط رجله.
قوله: (وكان ينهى عن عقبة الشيطان)، بضم العين وسكون القاف وفي رواية لمسلم: (وكان ينهى عن عَقِب الشيطان)، وهي أن يفرش قدميه، فيجعل ظهورهما نحو الأرض، ويجلس على عقبيه، ذكر ذلك ابن دقيق العيد (١).
والقول الثاني: أن عقبة الشيطان أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه، ويضع يديه على الأرض، وهذا تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره (٢).
والقول الثالث: أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو الذي ذكره أبو عبيد (٣)، والزمخشري (٤) وقال: (هو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء)، وهذا المعنى لا شك أنه إقعاء، كما ثبت في الصحيح (٥)، لكنه غير منهي عنه، ولعل مرادهم الأول، وأضيفت العُقْبة للشيطان إما تقبيحاً لها، أو لأنها من فعله أو أمره.
قوله: (أن يفترش الرجل ذراعيه) أي: يبسطهما على الأرض في السجود.
قوله: (افتراش السبع) أي: كافتراش السبع، وأضيفت إلى السبع تقبيحاً وتنفيراً، والسبع: كل حيوان مفترس.
الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب افتتاح الصلاة بالتكبير، وهو لفظ (الله أكبر) فلا تكفي النية، ولا غير التكبير من ألفاظ التعظيم، كما تقدم.
стр. 946
والحكمة من استفتاح الصلاة بالتكبير: استحضار المصلي عظمة من يقف بين يديه، وأنه أكبر من كل شيء يخطر بباله، فيخشع ويستحي أن يشتغل بغيره أو يحدث نفسه بسواه .
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن القراءة في الصلاة تُبدأ بالفاتحة، فلو قرأ قبلها شيئاً من القرآن لم يعتد به.
وليس في ذلك ما يدل على أنه يترك الاستفتاح بين التكبير والقراءة، وأنه لو تخلل بينهما ذكر لم يكن الاستفتاح بالحمد، لأن المراد استفتاح القراءة لا الاستفتاح المطلق.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من صفة الركوع الموافق للسنة التسوية بين الرأس والظهر حال الركوع، فلا يرفع رأسه عن مستوى ظهره ولا ينزله عنه، وتقدم بيان ذلك.
الوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية الاستقرار في القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين، والمراد بذلك الطمأنينة، وقد ثبت بالسنة قولاً وفعلاً، كما تقدم.
الوجه السابع: الحديث دليل على مشروعية قراءة التحيات في آخر كل ركعتين، فإن كانت الصلاة ثنائية أتم التشهد وسلم، وإن كانت أكثر قام بعد التشهد الأول فأتى بما بقي من صلاته ثم تشهد وسلم.
الوجه الثامن: الحديث دليل على مشروعية افتراش القدم اليسرى ونصب اليمنى حال الجلوس، وهذا يشمل التشهد الأول والجلوس بين السجدتين، وأما في التشهد الأخير فقد ورد في حديث أبي حميد ﵁ المتقدم - أنه كان يقدم اليسرى وينصب اليمنى ويقعد على مقعدته، وهذا قول الشافعي، وقول أحمد في الصلاة التي فيها تشهدان، وقد مضى بيان ذلك.
الوجه التاسع: الحديث دليل على أن المصلي منهي عن الجلوس على العقبين وافتراش القدمين، وكذا منهي عن أن ينصب فخذيه وساقيه ويضع يديه
стр. 947
على الأرض ويلصق أليتيه بالأرض، بناء على تفسير (عقبة الشيطان) بهذين المعنيين ولا ريب أن المصلي في الصفة الأولى غير مستقر في جلوسه.
الوجه العاشر: الحديث دليل على النهي عن افتراش الذراعين في السجود، وذلك بأن يضعهما على الأرض، لأن السنة أن يرفعهما، ويكون الموضوع على الأرض كفيه.
وإنما نهي المصلي عن ذلك، لأنها صفة المتكاسل، والمطلوب من المصلي أن يكون على أكمل هيئة من النشاط والتباعد عما يحدث الكسل في جميع أركان الصلاة، ولأن في ذلك تشبهاً بالسباع والكلاب ولا يليق بالإنسان الذي كرمه الله تعالى وفضله أن يتشبه بالحيوان، لا سيما في حال الصلاة، وقد ورد في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (١).
الوجه الحادي عشر: الحديث دليل على أن ختم الصلاة والخروج منها بقول: السلام عليكم ورحمة الله، فلا تختتم بالنية، ولا بلفظ غير التسليم، لحديث: (وتحليلها التسليم)، وسيأتي زيادة كلام في هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 948
حكم رفع اليدين ومواضعه في الصلاة
٢٧٥/ ٩ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افتَتَح الصَّلاةَ، وَإذَا كَبَّرَ للرُّكوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكوعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
٢٧٦/ ١٠ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، عنْد أبي دَاوُدَ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثمَّ يُكَبِّرُ.
٢٧٧/ ١١ - وَلِمُسْلِم عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِث ﵁ نَحْوُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، ولكِنْ قَالَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الصلاة» منها: باب «رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء» (٧٣٥) ومسلم (٣٩٠) من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يرفع حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود.
وأما حديث أبي حميد الساعدي ﵁ فقد أخرجه أبو داود (٧٣٠) في كتاب «الصلاة» باب «افتتاح الصلاة» من طريق عبد الحميد - يعني ابن جعفر - أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم
стр. 949
بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فَلِمَ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعاً ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر .. الحديث بطوله.
وأما حديث مالك بن الحويرث ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «استحباب رفع اليدين … » (٣٩١)(٢٦) من طريق قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك، وفي لفظ آخر لمسلم: (أنه رأى النبي ﷺ ، وقال: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:
قوله: (حذو منكبيه) تقدم بيانه.
قوله: (إذا افتتح الصلاة) أي: وقت افتتاحه إياها، وذلك عند تكبيرة الإحرام.
قوله: (وإذا كبر للركوع)، المراد بالتكبير: الشروع فيه.
قوله: (لا يفعل ذلك في السجود) أي لا يرفع يديه لا في ابتداء السجود ولا عند الرفع منه، وفي رواية للبخاري: (ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود) (١).
قوله: (فروع أذنيه) أي: عوالي أذنيه.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية رفع اليدين في ثلاثة مواضع من الصلاة: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وذلك تعظيم لله تعالى وزينة للصلاة، وقد أخرج البخاري بسنده في «جزء رفع اليدين»، عن عبد الملك بن سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن رفع اليدين في الصلاة فقال: (هو شيء تزين به صلاتك) (٢).
стр. 950
والقول برفع الأيدي في هذه المواضع هو قول الجمهور من أهل العلم، قال البخاري: (قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم، لم يُستثن أحد من أصحاب النبي ﷺ دون أحد) (١).
وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وسائر أصحاب الرأي: لا يرفع المصلي يديه إلاّ لتكبيرة الإحرام (٢)، واستدلوا بأدلة غير ناهضة، منها: حديث البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود (٣)، وهذا حديث ضعيف، ضعفه البخاري وأحمد والشافعي وابن عيينة، فلا تقوم به حجة، فكيف يقوم في مقابلة ما ثبت في «الصحيحين»؟ وقد طعن الحفاظ في لفظة (ثم لا يعود) واتفقوا على أنها مدرجة من يزيد بن أبي زياد أحد رواته، لأنه كان قد اختلط.
وبقي موضع رابع تُرفع فيه اليدان، وهو إذا قام من الجلسة للتشهد الأول، لحديث نافع، عن ابن عمر أيضاً ﵄ وفيه: (كان إذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ (٤).
وورد - أيضاً - في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي - كما ورد في حديث أبي حميد الساعديرضي الله عنه: (ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة .. ) (٥).
قال الخطابي: (حديث أبي حميد في رفع اليدين عند النهوض من التشهد حديث صحيح، وقد شهد له بذلك عشرة من الصحابة، منهم: أبو قتادة