والحكمة من استفتاح الصلاة بالتكبير: استحضار المصلي عظمة من يقف بين يديه، وأنه أكبر من كل شيء يخطر بباله، فيخشع ويستحي أن يشتغل بغيره أو يحدث نفسه بسواه .
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن القراءة في الصلاة تُبدأ بالفاتحة، فلو قرأ قبلها شيئاً من القرآن لم يعتد به.
وليس في ذلك ما يدل على أنه يترك الاستفتاح بين التكبير والقراءة، وأنه لو تخلل بينهما ذكر لم يكن الاستفتاح بالحمد، لأن المراد استفتاح القراءة لا الاستفتاح المطلق.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من صفة الركوع الموافق للسنة التسوية بين الرأس والظهر حال الركوع، فلا يرفع رأسه عن مستوى ظهره ولا ينزله عنه، وتقدم بيان ذلك.
الوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية الاستقرار في القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين، والمراد بذلك الطمأنينة، وقد ثبت بالسنة قولاً وفعلاً، كما تقدم.
الوجه السابع: الحديث دليل على مشروعية قراءة التحيات في آخر كل ركعتين، فإن كانت الصلاة ثنائية أتم التشهد وسلم، وإن كانت أكثر قام بعد التشهد الأول فأتى بما بقي من صلاته ثم تشهد وسلم.
الوجه الثامن: الحديث دليل على مشروعية افتراش القدم اليسرى ونصب اليمنى حال الجلوس، وهذا يشمل التشهد الأول والجلوس بين السجدتين، وأما في التشهد الأخير فقد ورد في حديث أبي حميد ﵁ المتقدم - أنه كان يقدم اليسرى وينصب اليمنى ويقعد على مقعدته، وهذا قول الشافعي، وقول أحمد في الصلاة التي فيها تشهدان، وقد مضى بيان ذلك.
الوجه التاسع: الحديث دليل على أن المصلي منهي عن الجلوس على العقبين وافتراش القدمين، وكذا منهي عن أن ينصب فخذيه وساقيه ويضع يديه
стр. 947
على الأرض ويلصق أليتيه بالأرض، بناء على تفسير (عقبة الشيطان) بهذين المعنيين ولا ريب أن المصلي في الصفة الأولى غير مستقر في جلوسه.
الوجه العاشر: الحديث دليل على النهي عن افتراش الذراعين في السجود، وذلك بأن يضعهما على الأرض، لأن السنة أن يرفعهما، ويكون الموضوع على الأرض كفيه.
وإنما نهي المصلي عن ذلك، لأنها صفة المتكاسل، والمطلوب من المصلي أن يكون على أكمل هيئة من النشاط والتباعد عما يحدث الكسل في جميع أركان الصلاة، ولأن في ذلك تشبهاً بالسباع والكلاب ولا يليق بالإنسان الذي كرمه الله تعالى وفضله أن يتشبه بالحيوان، لا سيما في حال الصلاة، وقد ورد في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (١).
الوجه الحادي عشر: الحديث دليل على أن ختم الصلاة والخروج منها بقول: السلام عليكم ورحمة الله، فلا تختتم بالنية، ولا بلفظ غير التسليم، لحديث: (وتحليلها التسليم)، وسيأتي زيادة كلام في هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 948
حكم رفع اليدين ومواضعه في الصلاة
٢٧٥/ ٩ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افتَتَح الصَّلاةَ، وَإذَا كَبَّرَ للرُّكوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكوعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
٢٧٦/ ١٠ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، عنْد أبي دَاوُدَ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثمَّ يُكَبِّرُ.
٢٧٧/ ١١ - وَلِمُسْلِم عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِث ﵁ نَحْوُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، ولكِنْ قَالَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الصلاة» منها: باب «رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء» (٧٣٥) ومسلم (٣٩٠) من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يرفع حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود.
وأما حديث أبي حميد الساعدي ﵁ فقد أخرجه أبو داود (٧٣٠) في كتاب «الصلاة» باب «افتتاح الصلاة» من طريق عبد الحميد - يعني ابن جعفر - أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم
стр. 949
بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فَلِمَ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعاً ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر .. الحديث بطوله.
وأما حديث مالك بن الحويرث ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «استحباب رفع اليدين … » (٣٩١)(٢٦) من طريق قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك، وفي لفظ آخر لمسلم: (أنه رأى النبي ﷺ ، وقال: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:
قوله: (حذو منكبيه) تقدم بيانه.
قوله: (إذا افتتح الصلاة) أي: وقت افتتاحه إياها، وذلك عند تكبيرة الإحرام.
قوله: (وإذا كبر للركوع)، المراد بالتكبير: الشروع فيه.
قوله: (لا يفعل ذلك في السجود) أي لا يرفع يديه لا في ابتداء السجود ولا عند الرفع منه، وفي رواية للبخاري: (ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود) (١).
قوله: (فروع أذنيه) أي: عوالي أذنيه.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية رفع اليدين في ثلاثة مواضع من الصلاة: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وذلك تعظيم لله تعالى وزينة للصلاة، وقد أخرج البخاري بسنده في «جزء رفع اليدين»، عن عبد الملك بن سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن رفع اليدين في الصلاة فقال: (هو شيء تزين به صلاتك) (٢).
стр. 950
والقول برفع الأيدي في هذه المواضع هو قول الجمهور من أهل العلم، قال البخاري: (قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم، لم يُستثن أحد من أصحاب النبي ﷺ دون أحد) (١).
وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وسائر أصحاب الرأي: لا يرفع المصلي يديه إلاّ لتكبيرة الإحرام (٢)، واستدلوا بأدلة غير ناهضة، منها: حديث البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود (٣)، وهذا حديث ضعيف، ضعفه البخاري وأحمد والشافعي وابن عيينة، فلا تقوم به حجة، فكيف يقوم في مقابلة ما ثبت في «الصحيحين»؟ وقد طعن الحفاظ في لفظة (ثم لا يعود) واتفقوا على أنها مدرجة من يزيد بن أبي زياد أحد رواته، لأنه كان قد اختلط.
وبقي موضع رابع تُرفع فيه اليدان، وهو إذا قام من الجلسة للتشهد الأول، لحديث نافع، عن ابن عمر أيضاً ﵄ وفيه: (كان إذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ (٤).
وورد - أيضاً - في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي - كما ورد في حديث أبي حميد الساعديرضي الله عنه: (ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة .. ) (٥).
قال الخطابي: (حديث أبي حميد في رفع اليدين عند النهوض من التشهد حديث صحيح، وقد شهد له بذلك عشرة من الصحابة، منهم: أبو قتادة
стр. 951
الأنصاري، وقد قال به جماعة من أهل الحديث، ولم يذكره الشافعي، والقول به لازم على أصله في قبول الزيادات) (١).
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن لرفع اليدين صفتين:
الأولى: حذو المنكبين، أي: يرفعهما إلى كتفه.
الثانية: إلى فروع أذنيه.
وتقدم أن العبادات الواردة على وجوه متعددة الأفضل أن تفعل كلها في أوقات مختلفة، فمرة يرفع إلى حذو منكبيه ومرة إلى فروع أذنيه.
وهذا الرفع مشروع في حق المرأة - أيضاً - لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال يثبت في حق النساء، وكذا العكس، إلا ما دل الدليل على استثنائه، فإن وجد مانع من الرفع رفع حسب استطاعته، فإن كان لا يستطيع رفعهما معاً، رفع واحدة.
الوجه الخامس: استدل أهل العلم بقول ابن عمر ﵄: (وكان لا يفعل ذلك في السجود)، على أنه لا يشرع للمصلي رفع يديه عند الهوي إلى السجود، ولا عند القيام منه، ونسب الحافظ ابن رجب هذا القول إلى الجمهور، وقال: (قد نص عليه الشافعي وأحمد .. ) (٢).
وذهب فريق من أهل العلم إلى أن المصلي يرفع يديه في هذين الحالين، واستدلوا بحديث مالك بن الحويرث ﵁ (أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) (٣).
قال الحافظ: (إنه أصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع في
стр. 952
السجود) (١)، وورد - أيضاً - في حديث وائل بن حجر ﵁: (أنه صلّى مع النبي ﷺ فكان يُكبر إذا خفض وإذا رفع، ويرفع يديه عند التكبير) (٢).
وقد ذكر الألباني أن الرفع للسجود روي عن عشرة من الصحابة (٣).
وأجابوا عن حديث ابن عمر بأنه نافٍ، والأدلة في هذه المسألة مثبتة، والمثبت مقدم على النافي.
ورُدَّ ذلك بأن هذه المسألة ليست من هذا الباب، لأن النفي هنا في قوة الإثبات، فإن ابن عمر ﵄ بَيَّنَ وفَصَّلَ، فذكر مواضع الرفع، ونفى الرفع في السجود، وعند القيام منه، فبيّن ما ثبت فيه الرفع، وما لم يثبت فيه الرفع، فنفيه للرفع في السجود ليس لعدم علمه بالرفع، بل لعلمه بعدم الرفع، وقد أعرض الشيخان عن أحاديث الرفع في السجود والقيام منه، والقول باستحباب الرفع في هذين الحالين يحتاج إلى أدلة قوية.
ثم إنه في هذين الحديثين يمكن أن يكون اشتبه لفظ الرفع بالتكبير، أضف إلى ذلك أن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر ﵄ ليسا من أهل المدينة، وابن عمر ﵄ من الملازمين للنبي ﷺ وممن عُرف شدة حرصه على حفظ أفعال الرسول ﷺ والاقتداء به، فيدل ذلك على أن أكثر أمر النبي ﷺ ترك الرفع فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين، والعلم عند الله تعالى.
стр. 953
موضع اليدين حال القيام في الصلاة
٢٧٨/ ١٢ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمنى على يَدِهِ اليُسْرَى على صَدْرِه. أَخْرَجَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة راويه:
هو وائل بن حُجر - بضم الحاء - بن ربيعة الحضرمي، أبو هنيدة، كان أبوه من ملوك حضرموت، وهو أحد الأشراف، كان سيد قومه، وفد على النبي ﷺ فأسلم وروى عنه، أخرج له الجماعة إلا البخاري، وقد اشتهر حديثه في صفة صلاة النبي ﷺ عند مسلم وأصحاب السنن، حدَّث عنه ابناه: علقمة وعبد الجبار، ووائل بن علقمة، وكليب بن شهاب وآخرون، وقيل: لم يسمع عبد الجبار من أبيه، بينهما وائل بن علقمة (١)، مات في أوائل خلافة معاوية ﵁ (٢).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٤٣) والبيهقي (٢/ ٣٠) من طريق مؤمل بن إسماعيل، نا سفيان، عن عاصم بن كليب الجرمي، حدثني أبي، عن وائل بن حجر ﵁ قال. فذكر الحديث.
ومؤمل: صدوق سيِّئ الحفظ، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: (صدوق شديد في السنة، كثير الخطأ)، وكذا وصفه بسوء الحفظ وكثرة الخطأ
стр. 954
الدارقطني وجماعة (١).
وأصل الحديث في «صحيح مسلم» (٤٠١) من حديث وائل بن حجر ﵁ بدون لفظ الصدر، وهي زيادة منكرة تفرد بها مؤمل بن إسماعيل، وقد جاء الحديث من طرق كثيرة عن عاصم بن كليب بدون هذه الزيادة، وقد تابعه محمد بن حجر الحضرمي من غير طريق سفيان كما عند البيهقي (٢/ ٣٠) وإسناده ضعيف جداً (٢).
الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على الصدر أثناء القيام في الصلاة.
وقد ورد في وضع اليمنى على اليسرى بدون تحديد محل وضعها أحاديث أخرى منها: حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة)، قال أبو حازم: (لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي ﷺ ، وقد ترجم البخاري هذا الحديث بقوله: (باب وضع اليد اليمنى على اليسرى)، قال الحافظ ابن حجر: أي: (في حال القيام، وقوله: (كان الناس يؤمرون) هذا حكمه الرفع، لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي ﷺ .. ) (٣). ومعنى (ينمي ذلك) يرفع الحديث ويسنده.
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سُحُورنا، ونعجل فطرنا، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا» (٤).
فهذا كله يدل على أن السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وأن هذا هدي نبينا هو والأنبياء قبله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 955
قال ابن عبد البر: (لم يأت عن النبي ﷺ فيه خلاف، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في (الموطأ) ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره .. ) (١).
وأما إرسال اليدين حال القيام فهو هيئة مخالفة للسنة، فإنه لم يرد حديث صحيح في ذلك، وقد نسب الإرسال إلى الإمام مالك في رواية عنه، والمحققون من أتباع مذهبه على أنه قصد الإرسال في حالات معينة، لا مطلقاً، وذلك أنه أراد أن يحارب عملاً غير مسنون، وهو أن يمسك المصلي معتمداً لقصد الراحة، أو يقضي على اعتقاد فاسد، وهو ظن العامي وجوب ذلك، وإلا فهو لم يقل بالإرسال مطلقاً، كيف وهو قد روى أحاديث القبض، وبوب بقوله: (باب وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة) (٢).
يقول الباجي - من كبار المالكية ـ: (وقد يحمل قول مالك بكراهة قبض اليدين على خوفه من اعتقاد العوام أن ذلك ركن من أركان الصلاة تبطل الصلاة بتركه) (٣).
وقال ابن عبد البر: (وليس هذا بخلاف؛ لأن الخلاف كراهية ذلك، وقد يرسل العالم يديه ليُريَ الناس أن ليس ذلك بحكمٍ واجب .. ثم قال: والحجة في السنة لمن اتبعها، ومن خالفها فهو محجوج بها، ولا سيما سنة لم يثبت عن واحد من الصحابة خلافها) (٤).
والحكمة من وضع إحدى اليدين على الأخرى أن هذه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع، بخلاف صفة الإرسال فليس فيها شيء من ذلك، وقد روى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو، عن مهاجر النبال أنه ذكر عنده قبض الرجل يمينه على شماله، فقال: (ما أحسنه، ذلٌّ بين يدي عزيز) (٥).
стр. 956
وأخرج أبو يعلى مثله عن الإمام أحمد، قال علي بن محمد المصري الواعظ: (ما رأيت في العلم أحسن من هذا) (١).
وأما كيفية الوضع ففيها صفتان:
الأولى: وضع اليد اليمنى على كف اليسرى ورسغها (٢) وساعدها، لحديث وائل بن حجر ﵁ قال: لأنظرن إلى رسول الله كيف يصلي، قال فنظرت إليه، قال: فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد (٣).
الصفة الثانية: يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، ودليل ذلك حديث سهل بن سعد المتقدم قريباً، وفي حديث وائل بن حجر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله) (٤)، وظاهر هذا القبض.
وإذا كانت السنة قد ثبتت بكل منهما، فللمصلي أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، على القاعدة في العبادات المتنوعة على وجوه متعددة.
وأما محل الوضع، فحديث الباب يدل على أن السنة وضعهما على الصدر.
وقد ورد - أيضاً - حديث قبيصة بن هُلْب عن أبيه ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته يضع يده على صدره) (٥).
стр. 957
وفي مرسل لطاووس قال: (كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشدهما على صدره وهو في الصلاة) (١).
والقول بوضع اليدين على الصدر هو قول الشافعي في رواية عنه، وروي عن علي ﵁ ولا يصح.
وهو اختيار الشوكاني فإنه قال: (ولا شيء في الباب أصح من حديث وائل المذكور) (٢).
والقول الثاني: أن موضع اليدين تحت الصدر فوق السرة، وهذا رواية في مذهب مالك والشافعي وأحمد، قال أبو داود في «مسائله»: (سمعت أحمد سئل عن وضعه، فقال: فوق السرة قليلاً، وإن كانت تحت السرة فلا بأس) (٣)، وقد رجحها النووي في مذهب الشافعي، وعزاه إلى سعيد بن جبير وداود (٤).
ودليل ذلك ما رواه غزوان بن جرير الضبي عن أبيه قال: (رأيت عليّاً ﵁ يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة) (٥).
والقول الثالث: أن محلهما تحت السرة، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، ذكر المرداوي أنها هي المذهب، وهو
стр. 958
قول إسحاق (١)، ودليل ذلك ما ورد عن عليّ ﵁ أنه قال: (إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة) (٢).
لكنه حديث ضعيف، ولهذا لم يأخذ الإمام أحمد به، فقد جاء في «مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله» قال: (رأيت أبي إذا صلى وضع يديه إحداهما على الأخرى فوق السرة) (٣).
والقول الرابع: أن المصلي مخير بأن يضعهما فوق السرة أو تحتها أو عليها، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، كالقولين قبله (٤)، وقال الترمذي: (رأى بعضهم أن يضعهما فوق سرته، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت سرته، كل ذلك واسع عندهم) (٥)، ومثل ذلك قال ابن المنذر (٦)، وهذا أظهر الأقوال، لأنه قد ثبت أن السنة وضع اليمنى على اليسرى أثناء القيام، ولم يثبت دليل في مكان الوضع، فيكون المصلي مخيراً، والله تعالى أعلم.
الوجه الرابع: ظاهر حديث الباب مع ما ذكر معه كحديث سهل بن سعد ﵁: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة). أن السنة وضع اليمنى على اليسرى حال القيام في الصلاة، سواء أكان ذلك في القيام قبل الركوع أم بعده، وليس في السنة ما يدل على التفريق وأن السنة الوضع قبل الركوع، وأما بعده فالإرسال، ومن ادعى ذلك فعليه الدليل، والحكم الأول مبني على الأصل، فإن السنة للمصلي
стр. 959
في حال الركوع أن يضع يديه على ركبتيه، وفي حال السجود يضعهما على الأرض، وفي حال الجلوس يضعهما على فخذيه وركبتيه، فلم يبق إلا حال القيام، ولم يرد فيه تفصيل، فيكون حكمه في الحالين واحداً (١).
وذكر ابن مفلح عن الإمام أحمد أنه قال: (إذا رفع رأسه من الركوع، إن شاء أرسل يديه، وإن شاء وضع يمينه على شماله) (٢)، ولعل الإمام أحمد يرى أن القيام الذي ورد فيه الوضع هو ما كان قبل الركوع، وأما ما بعد الركوع فلم يرد فيه شيء، فيكون المصلي مخيراً، والله أعلم.
стр. 960
حكم قراءة الفاتحة في الصلاة
٢٧٩/ ١٣ - عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لا صَلَاةَ لِمَنْ لمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ، لابْنِ حِبَّان وَالدَّارقُطْنِيِّ: «لَا تُجْزي صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
وَفِي أُخْرَى، لأحْمَدَ، وَأبي دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَأونَ خَلْفَ إمَامِكُم؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عُبادة - بضم العين - بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد ﵁. كان من النقباء (١) الذين بايعوا النبي ﷺ ليلة العقبة، وشهد بدراً وما بعدها، بعثه عمر ﵁ مع معاذ وأبي الدرداء إلى الشام ليعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، فأقام في فلسطين وكان أول من تولى القضاء فيها.
روى عنه من الصحابة ﵃ أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وفضالة بن
стр. 961
عبيد وغيرهم، وروى عنه محمود بن الربيع، وبنوه: الوليد وعبد الله وداود، وآخرون، مات في الرملة في فلسطين، سنة أربع وثلاثين (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها» (٧٥٦) ومسلم (٣٩٤) والدارقطني (١/ ٣٢١).
كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وهذا لفظ البخاري ومسلم، ولفظ البلوغ هو لفظ مسلم.
ولفظ الدارقطني: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها الرجل بفاتحة الكتاب) وهذا لفظ زياد بن أيوب، انفرد به عن بقية الرواة عن سفيان ابن عيينة، ثنا الزهري به، وقال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح).
قال ابن عبد الهادي: (انفرد زياد بن أيوب دلُّويه بلفظ: «لا تجزئ .. » ورواه جماعة: «لا صلاة لمن لم يقرأ» وهو الصحيح، وكأن زياداً رواه بالمعنى، وقد صحح الحديث ابن القطان، وقال: زياد أحد الثقات) (٢).
وقد وقع هذا اللفظ عند ابن حبان (٥/ ٩١ - ٩٦) من طريق عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرْقَة، عن أبي هريرة ﵁ به، وزاد من قول عبد الرحمن لأبي هريرة (قلت: وإن كنت خلف الإمام؟ قال: فأخذ بيدي، وقال: اقرأ في نفسك).
وبهذا يتبين أن لفظ ابن حبان مثل لفظ الدارقطني بلفظ: (لا تجزئ) لكن لفظ الدارقطني من حديث عبادة ﵁، ولفظ ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁ خلافاً لظاهر صنيع الحافظ، فإنه يشعر أن اللفظين من حديث عبادة ﵁.
стр. 962
وأخرج حديث عبادة البخاري في «جزء القراءة خلف الإمام» ص (١٨) وأحمد (٣٧/ ٣٦٨) وأبو داود (٨٢٣) والترمذي (٣١١) وابن خزيمة (٣/ ٣٦) وابن حبان (٥/ ٨٦) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرأون خلف إمامكم»، قلنا: (نعم هذا يا رسول الله)، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها».
وقال الترمذي: (حديث حسن)، وقال الدارقطني (١/ ٣١٨): (إسناده حسن) ولعل تحسينه من أجل محمد بن إسحاق، وقال الخطابي: (إسناد جيد لا طعن فيه) (١).
وقد أعلَّ هذا الحديث بعلل ومنها: أن محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعنه، ورُدَّ ذلك بأنه صرح بالسماع في رواية أحمد (٣٧/ ٤٠٩) والبيهقي (٢/ ١٦٤) ثم إنه لم ينفرد به، فقد تابعه في الرواية عن مكحول زيد بن واقد القرشي عند البخاري في «جزء القراءة» ص (١٨)، وأبي داود (٨٤٧)، والدارقطني (١/ ٣١٩) والبيهقي (٢/ ١٦٤) وزيد بن واقد وثقه الإمام أحمد وابن معين ودحيم والدارقطني وابن حبان وآخرون (٢).
وبهذا تبين أن حديث عبادة مروي من طريق الزهري، ومن طريق مكحول، قال الترمذي عن الأول: (وهذا أصح) بينما رجح ابن خزيمة وابن حبان الوجهين جميعاً، كما يفهم مما تقدم. حيث أخرجا رواية مكحول في «صحيحيهما»، وقد نقل ابن تيمية تضعيف الإمام أحمد لحديث مكحول والأخذ برواية الزهري (٣).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا صلاة .. ) هذا نفي للصحة، أي: لا صلاة مجزئة، ونفي
стр. 963
الصحة نفي للوجود الشرعي، فيكون قوله: (لا صلاة) نفياً للصلاة الشرعية، ومن ثمَّ فلا حاجة للإضمار، ويؤيد ذلك رواية: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) لأن ما لا يجزئ فليس بصلاة شرعية، والظاهر أن الحافظ أورد هذه الرواية لهذا الغرض، وقد حملته الحنفية على نفي الكمال، وسيأتي ردُّ ذلك إن شاء الله.
قوله: (لمن لم يقرأ) أي: للذي لم يقرأ، و (من) اسم موصول، وهو من صيغ العموم، فيشمل الإمام والمأموم والمنفرد.
قوله: (بأم القرآن) المراد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر السورة سميت بذلك لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، والوعد والوعيد.
قوله: (بفاتحة الكتاب) سميت بذلك لأن القرآن افتتح بها كتابة ويفتتح بها تلاوة، لأن القراءة في الصلاة تفتتح بها، فلا يقرأ في الصلاة بشيء من القرآن قبل الفاتحة، وقد ذكر معنى ذلك البخاري في أول كتاب «التفسير» من «صحيحه».
والكتاب: القرآن، سمي به لأنه مكتوب في السماء، ويكتب في الأرض، ولهذه السورة الكريمة أسماء كثيرة، ومن المعروف أن كثرة الأسماء دليل على شرف المسمى (١).
قوله: (لعلكم تقرأون خلف إمامكم) لعل هنا: تفيد الاستفهام، وقد ذكر هذا المعنى ابن هشام (٢)، بدليل قوله: (نعم) والمعنى: أتقرأون خلف إمامكم؟
الوجه الرابع: أجمع الأئمة الأربعة وأتباعهم على وجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمنفرد، وأن الصلاة لا تصح بدونها، إلا عند أبي حنيفة ورواية الإمام أحمد فلا تلزم الفاتحة، فلو قرأ غيرها من القرآن أجزأ (٣)،
стр. 964
لعموم قوله تعالى؛ ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وحديث المسيء (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، لكن أجابهم الجمهور بالأحاديث الدالة على تعيين الفاتحة.
ثم حصل الخلاف بينهم في حكم قراءة الفاتحة وراء الإمام أي في حق المأموم على ثلاثة أقوال:
الأول: وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية والجهرية، وأنها ركن لا تصح الصلاة إلا بها، وهذا قول عبادة بن الصامت وابن عباس ﵃، والأوزاعي والليث، وبه قال الشافعي، وعليه أكثر أصحابه، واختاره الصنعاني (١)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هذا أرجح الأقوال وأظهر في الدليل).
واستدلوا بحديث الباب وهو حديث عبادة بن الصامت ﵁، فإنه نص صريح لا يقبل التأويل، بأن الصلاة لا تقبل ولا تجزئ إذا لم يقرأ المصلي فيها بفاتحة الكتاب، وهذا شامل للفرض والنفل، وللإمام والمأموم والمنفرد.
كما استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ، ثلاثاً، غير تمام»، فقيل لأبي هريرة: (إنا نكون وراء الإمام)، فقال: (اقرأ بها في نفسك) (٢).
والخداج: بالكسر النقصان، أي: ذات خداج، يقال: خدجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقصاً وإن كان لتمام الولادة (٣).
فدل الحديث على وجوب قراءة الفاتحة، لأن الرسول ﷺ وصف الصلاة بدون الفاتحة بالنقصان، والمراد به: النقصان الذي لا تجزئ معه الصلاة، بدليل رواية: (لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، واسم
стр. 965
الصلاة ينطبق على المجزئ منها، وغير المجزئ يقال فيه: صلاة فاسدة.
قال البخاري: (تواتر الخبر عن رسول الله ﷺ : «لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن» (١)).
وقال الخطابي عند حديث (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب): (هذا الحديث نص بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلّى خلف الإمام، سواء جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها، وإسناده جيد لا طعن فيه) (٢).
وقال المباركفوري: (الأمر كما قال الخطابي، لا شك أن هذا الحديث نص صريح بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلّى خلف الإمام في جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية، وهو القول الراجح المنصور عندي) (٣).
ثم صار هؤلاء فريقين بالنسبة للجهرية:
١ - فريق قالوا يقرأ المأموم الفاتحة في سكوت إمامه، فإن لم يتيسر قرأها ولو في حال قراءة إمامه، ثم ينصت لأنه مأمور بقراءتها، ولأن الرسول ﷺ لم ينكر على الصحابة القراءة مطلقاً، وإنما قال: («لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب» وعليه فتكون هذه الأحاديث مُخَصِّصَة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله ﷺ : «وإذا قرأ الإمام فأنصتوا» وهذا تأويل أصحاب الشافعي كما ذكره اللكنوي (٤)، وبه قال الشيخ عبد العزيز بن باز (٥)، وقد ذكره ابن المنذر وعزاه لبعض العلماء، منهم ابن عون والأوزاعي وأبو ثور وغيرهم من أصحاب الشافعي (٦).
٢ - وفريق آخر قال: يقرأ في سكتات الإمام، وإذا سمع قراءة الإمام أنصت، وإذا لم يسمعها قرأ لنفسه، لأن قراءته أفضل من سكوته، والاستماع
стр. 966
لقراءة الإمام أفضل من القراءة، ومن هؤلاء ابن المنذر (١) وابن تيمية، ونسبه لأكثر السلف (٢).
قال ابن المنذر: (إن معنى حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) إلا صلاة أمر النبي ﷺ المأموم إذا جهر الإمام بقراءته أن يستمع لقراءته، فيكون فاعل ذلك مستعملاً للحديثين جميعاً).
ويستثنى من ذلك ما لو دخل والإمام راكع أو عند الركوع فإنه يركع مع إمامه وتسقط الفاتحة عنه، ودليل ذلك حديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع معه قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «زادك الله حرصاً ولا تعد» (٣)، فلم يأمره النبي ﷺ بقضاء تلك الركعة التي لم يقرأ فيها الفاتحة، فدل على أنه معذور إذا لم يدرك القيام مع الإمام الذي هو محل قراءة الفاتحة، فسقطت عنه.
القول الثاني: وجوب القراءة على المأموم في السرية دون الجهرية، وهذا قول مالك (٤) وقول قديم للشافعي (٥)، وهو قول لأحمد في رواية عنه (٦) ورجحه بعض الحنفية، وبه قال سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وابن شهاب، وابن المبارك، وإسحاق (٧)، وعلى قول هؤلاء لا يقرأ إذا جهر إمامه، بل يستمع لقراءته.
واستدلوا بقول تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قالوا: (فأمر الله تعالى بالاستماع والإنصات عند قراءة القرآن، فدل على أن المأموم لا يقرأ إذا جهر إمامه).
كما استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ وفيه: (إنما جعل الإمام ليؤتم به
стр. 967
فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا .. ) الحديث (١).
كما استدلوا بحديث أبي هريرة - أيضاً ﵁ أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟»، فقال رجل: (نعم يا رسول الله)، قال: «إني أقول ما لي أنازع القرآن؟»، قال: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (٢).
والقول الثالث: وجوب السكوت على المأموم في الجهرية والسرية، فلا تجب القراءة على المأموم فيهما، وهو قول الحنفية (٣).
واستدلوا بحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (٤).
وأجيب عنه بجوابين:
الأول: أنه حديث ضعيف، قال ابن كثير: (في إسناده ضعف، وقد روي من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي ﷺ والله أعلم) (٥)، وقال الحافظ: (مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة، وكلها معلولة) (٦).
الثاني: على القول بصحته فهو محمول على غير الفاتحة، جمعاً بين
стр. 968
الأدلة، لا سيما وأن الأدلة التي تفيد وجوب قراءة الفاتحة على المأموم أقوى سنداً من هذا الحديث، فمثله لا يقف في مقابل الأحاديث الصحيحة، كحديث عبادة ﵁.
وأجابت الحنفية عن حديث عبادة ﵁: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) بأن النفي فيه للكمال لا للصحة، وهذا مردود؛ لأن حمل الحديث على نفي الكمال بعيد، لأنه إذا أمكن حمل الكلام على المعنى الأقرب امتنع حمله على المعنى الأبعد، وهو هنا محمول على نفي الذات، لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي، كما تقدم، ولأن نفي الإجزاء هو السابق إلى الفهم، ثم هو يستلزم نفي الكمال، من غير عكس.
والقول الأول - وهو وجوب الفاتحة على المأموم في السرية والجهرية - هو أرجح الأقوال، لقوة أدلته وصراحتها في الدلالة على المراد، بل إن هذا القول تجتمع به الأدلة، فلا يترك منها شيء، وتجب الفاتحة في كل ركعة، لأن أمر الرسول ﷺ أمر المسيء بها ثم قال: «افعل ذلك في صلاتك كلها».
وهذه المسألة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (للعلماء فيها نزاع واضطراب مع عموم الحاجة إليها) (١)، والله تعالى أعلم.
لأن كل واحد منهما كان يُجَمِّرُ مسجد رسول الله ﷺ ، أي: يبخره، وهو مولى آل عمر بن الخطاب ﵁، سمع من أبي هريرة وابن عمر وجابر وجماعة من الصحابة ﵃ وهو ثقة.
حدّث عنه العلاء بن عبد الرحمن، وسعيد بن هلال، ومالك بن أنس وآخرون، روي عنه أنه قال: (جالست أبا هريرة ﵁ عشرين سنة)، قال الذهبي: (عاش إلى قريب سنة عشرين ومائة) (١).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «ما يقول بعد التكبير» (٧٤٣) ومسلم (٣٩٩) من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ به، وهذا لفظ البخاري، وفي رواية لمسلم من طريق الأوزاعي، عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: (صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها).
وقد أعلَّ بعض العلماء - كما أشار الحافظ - هذه الزيادة بأن الأوزاعي رواها عن قتادة مكاتبة.
وأجيب عن ذلك بأن الأوزاعي لم ينفرد بها، بل قد رواها غيره رواية صحيحة، ذكر ذلك الحافظ (٢).
وفي رواية له - أيضاً - من طريق شعبة، قال: (سمعت قتادة يحدث عن أنس)، وفيه: (فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم).
وأخرجه أحمد (٢١/ ٣٦٨) وابن خزيمة (١/ ٢٥٠) من طريق شعبة، والنسائي (٢/ ١٣٥) من طريق شعبة وابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال:
стр. 971
(صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) وهذا لفظ أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه أحمد - أيضاً - (٢١/ ٣٠٢) من طريق الأعمش، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس ﵁ بهذا اللفظ، والمحفوظ في لفظ الحديث هو ما تقدم (١).
وأخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٥٠) من طريق سويد بن عبد العزيز، حدثنا عمران القصير، عن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة وأبو بكر وعمر.
وهذا إسناد ضعيف، لأن سويد بن عبد العزيز ضعفه الإمام أحمد، وقال: (متروك الحديث)، وقال ابن معين: (ليس ثقة)، وقال مرة: (ليس بشيء)، وقال الذهبي: (واهٍ جداً) (٢)، وفي إسناده - أيضاً - الحسن وهو ابن ذكوان البصري، قال عنه في التقريب: (صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس).
وأما حديث نعيم المجمر ﵀ فقد أخرجه النسائي في كتاب «الافتتاح» باب «قراءة بسم الله الرحمن الرحيم» (٢/ ١٣٤) وابن خزيمة (٤٩٩) من طريق الليث بن سعد قال: (أخبرني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة ﵁ … فذكره)).
قال الدارقطني: (هذا حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات) (٣)، وقال البيهقي في «الخلافيات»: (رواته كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم، محتج بهم في الصحيح) (٤)، وقال في «سننه»: (إسناده صحيح، وله شواهد) (٥).
ولما ساق ابن حزم هذا الحديث قال عن سعيد بن أبي هلال: (ليس بالقوي) (٦)، وقد رده الحافظ في «التقريب»، فقال: (لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفاً، إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط).
стр. 972
وقال في «هدي الساري»: (ذكره الساجي بلا حجة، ولم يصح عن أحمد تضعيفه) (١).
وقد أعل هذا الحديث بأن ذكر البسملة فيه شاذ ومخالف لجميع الثقات الذين رووا الحديث عن أبي هريرة ﵁ ولم يذكروها، وهم ثمانمائة، ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة ﵁ أنه حدّث عنه أنه ﷺ كان يجهر بالبسملة، وقد أعرض عن ذكر البسملة صاحبا الصحيح وغيرهما، فأخرج الحديث البخاري من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ في عدة مواضع، ليس فيها ذكر البسملة (٧٨٥)(٧٨٩)(٧٩٥)(٨٠٣) وأخرجه مسلم أيضاً (٣٩٢) من عدة طرق.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان .. ) أي: خلفهم في صلاة الجماعة حال خلافتهم، وفائدة ذكره بيان استقرار هذه السنة، وأنه أمر لم ينسخ، وأنه سنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين ﵃ وإلا فالحجة قائمة بفعل النبي ﷺ .
قوله: (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم) أي: لا يذكرونها جهراً فالنفي محمول على ذلك، لا على أنهم لا يقرأونها، بل يقرأونها ولا يجهرون بها، بدليل رواية مسلم: (فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) ورواية أحمد والنسائي وابن خزيمة (لا يجهرون)، ورواية ابن خزيمة (يسرون) وهذا غرض الحافظ من إيراد هذه الروايات.
قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) الجار والمجرور متعلق بمحذوف يقدر متأخراً، والقاعدة في متعلق الجار والمجرور أن يقدر متقدماً، هذا هو الأصل، لكن في البسملة يقدر متأخراً ليحصل التبرك بالبدء بالبسملة، وأما نوعية المقدر فهو بما يناسب المقام، فالذي يقرأ يكون التقدير: بسم الله أقرأ، والذي يكتب يكون التقدير: بسم الله أكتب … وهكذا.
стр. 973
والمراد بسم الله - هنا - كل اسم من أسماء الله تعالى، ولفظ (الله) اسم من أسماء الله تعالى الخاصة به، ومعناه: المعبود المألوه حباً وتعظيماً.
قوله: (الرحمن) هذا اسم من أسماء الله الخاصة به، ومعناه: ذو الرحمة الواسعة.
قوله: (الرحيم) هذا اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: موصل رحمته إلى من يشاء من عباده.
قوله: (لا يذكرون بسم الله في أول قراءة ولا في آخرها) أي: آخر القراءة، وهذا من باب المبالغة، فإنه لا يتوهم أحد أن البسملة تكون في آخر القراءة حتى ينفي ذلك، إلا أن يريد بآخر القراءة: السورة التي بعد الفاتحة، لأنها آخرها بالنسبة للفاتحة، أو يريد قراءة أول الصلاة وآخرها، فيكون المعنى لا في أول ركعة ولا في آخر ركعة.
الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم الجهر بالبسملة في الصلاة على ثلاثة أقوال:
الأول: عدم شرعية الجهر بها، بل تقرأ قبل الفاتحة سراً، وهذا هو المروي عن الخلفاء الراشدين، وذكره ابن المنذر عن جماعة من الصحابة والتابعين (١)، وهو قول أصحاب الرأي وأحمد، وقال ابن قدامة: (لا تختلف الروايات عن أحمد أن الجهر بالبسملة غير مسنون) (٢)، واختاره ابن تيمية ونصره (٣).
واستدلوا بحديث أنس المذكور هنا، وقد أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم بألفاظ متقاربة يصدِّق بعضها بعضاً.
وذلك أن أنساً ﵁ كان ممن يخدم النبي ﷺ ويلازمه حضراً وسفراً، وهو ينفي سماع جهره بالبسملة نفياً مبنياً على علم، لا على كونه لا يسمع،
стр. 974
مع إمكان الجهر بلا سماع، ولا يمكن مع هذا القرب والصحبة الطويلة ألا يسمع النبي ﷺ يجهر بها مع كونه يجهر بها، ومما يؤيد ذلك أن النبي ﷺ لو كان يجهر بها دائماً لكانت الهمم والدواعي متوفرة على نقل ذلك، كجهره بسائر الفاتحة.
ومن أدلة ذلك ما ورد عن ابن عبد الله بن مغفل قال: (سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: (أَيْ بُنَيَّ إياك والحدث، قال: ولم أر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني منه، قال: وصليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان فلم أسمع أحداً يقولها فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: الحمد لله رب العالمين (١)).
القول الثاني: أنه يسن الجهر بها، وبه قال الشافعي ومن وافقه، واستدلوا بحديث نعيم المجمر المذكور هنا، وهو من أقوى أدلتهم (٢)،
القول الثالث: أنه يخير بينهما، وهو قول إسحاق بن راهويه، وابن حزم (٣)، وكأن هؤلاء أرادوا العمل بجميع الأدلة، ما يدل على الجهر وما يدل على الإسرار، ذكر ذلك ابن المنذر.
والقول الأول هو الراجح، لأن حديث أنس ﵁ برواياته صحيح صريح في المسألة لا يقبل أي تأويل، وأما حديث نعيم المجمر فعنه جوابان:
الأول: أنه معلول بما تقدم.
الثاني: على القول بصحته - وهذا متوجه - فهو ليس صريحاً في الجهر، وإنما فيه أنه قرأ البسملة، وهذا يصدق بقراءتها سراً، وعلى تقدير أنه جهر بها
стр. 975
فهو محمول على أن النبي ﷺ كان يجهر بها في بعض الأحيان، ليعلم الناس استحباب قراءتها في الصلاة، أو جهر بها جهراً يسمعه من قرب منه، والمأموم إذا قرب من الإمام أو حاذاه سمع منه ما يخافت به، ولا يسمى ذلك جهراً، وقد كان النبي ﷺ يسمعهم الآية أحياناً، كما سيأتي، وبمثل ذلك تجتمع الأحاديث، ويستفاد من مجموعها أن السنة عدم الجهر بالبسملة، لكن لو جهر بها بعض الأحيان فلا حرج ليعلم المأموم أنه يسمِّي، وأن التسمية مشروعة.
قال ابن تيمية: (اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يرو أهل السنن المشهورة شيئاً من ذلك .. ) (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 976
ما جاء في أن البسملة آية من سورة الفاتحة
٢٨٢/ ١٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إذَا قَرَأْتُمُ الفَاتِحَةَ فَاقْرَأُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، فَإنَّهَا إحْدَى آيَاتِها». رَوَاهُ الدَّارَقُطْني، وَصَوَّبَ وَقْفَهُ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٣١٢) من طريق أبي بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأتم الحمد فاقرءوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ إحداها».
قال أبو بكر الحنفي: (ثم لقيت نوحاً فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه).
وقال الدارقطني عن هذا الموقوف: (وهو أشبهها بالصواب) (١).
وقال عبد الحق في «أحكامه الوسطى»: (رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن معين، ويحيى بن سعيد، وأبو حاتم يقول فيه: «محله الصدق»، وكان سفيان الثوري يضعفه، ويحمل عليه، ونوح ثقة مشهور) (٢).
стр. 977
وتابعه الألباني فقال: (هذا إسناد صحيح مرفوعاً وموقوفاً، فإن نوحاً ثقة، وكذا من دونه، والموقوف لا يُعِلُّ المرفوع، لأن الراوي قد يوقف الحديث أحياناً، فإذا رواه مرفوعاً - وهو ثقة - فهو زيادة يجب قبولها منه، والله أعلم) (١)، وما قاله الدارقطني هو المعتبر، والموقوف في مثل هذا يُعِلُّ المرفوع، وحكم المتقدمين من الأئمة الكبار مقدم على من بعدهم، وقد تقدم مثل هذا.
الوجه الثاني: قال النووي: (اعلم أن مسألة البسملة عظيمة مهمة، ينبني عليها صحة الصلاة، التي هي أعظم الأركان بعد التوحيد) (٢)، وقد اتفق العلماء على أن البسملة بعض آية من سورة «النمل» (٣)، ثم اختلفوا هل هي آية من الفاتحة وكل سورة على قولين:
الأول: أن البسملة آية من سورة الفاتحة، وهو قول قراء مكة والكوفة وفقهائهما، وعليه الشافعي وأصحابه، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة، واستدلوا بهذا الحديث (٤).
القول الثاني: أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما هي آية مستقلة، كتبت للفصل والتبرك والابتداء بها، ما عدا سورة (براءة).
وهذا عليه قراء المدينة والبصرة والشام وفقهائهما، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهي المذهب (٥)، وهو اختيار ابن تيمية (٦) وقال: (إن هذا القول به تجتمع الأدلة).
واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 978
«قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (١).
ووجه الدلالة: أن الحديث دليل على قسمة الصلاة، والمراد بها هنا الفاتحة بين العبد وربه، والمراد قسمتها من جهة المعنى، والفاتحة سبع آيات بالإجماع، كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره (٢)، فثلاث في أولها ثناء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] وثلاث (٣) في آخرها دعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، والسابعة متوسطة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فلم يذكر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ في أولها مما يدل على أن البسملة ليست من القراءة الواجبة ولا من القراءة المقسومة.
قوله: (هذا بيني وبين عبدي) يعني من العبد العبادة، ومن الله العون، ذكره ابن العربي (٤).
وهذا القول هو الراجح إن شاء الله، لقوة دليله، قال النووي: (إن هذا الحديث أوضح ما يُحتج به على أن البسملة ليست من الفاتحة) (٥).
стр. 979
ويؤيد ذلك حديث عائشة ﵂ المتقدم: (كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين).
أما ما يوجد في المصاحف الآن من أنها أول آية في الفاتحة وأعطيت رقماً، فهذا مبني على أحد القولين في المسألة، كما تقدم، وعلى هذا تكون الآية السابعة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وأما في بقية السور فلم تُعد من آيات السورة، ولذا تركت بلا ترقيم، وثمرة الخلاف في هذه المسألة: أن من قال: إن البسملة آية من الفاتحة قال: يقرأُها ويجهر بها كسائر آيات الفاتحة، وبعضهم قال: يخفيها، ومن قال إنها ليست آية من الفاتحة قال: لا تلزم قراءتها.
وقد ذكر ابن عبد البر أن مذهب مالك وأصحابه أنها ليست آية مطلقاً، لا من الفاتحة ولا من غيرها، وإنما هي استفتاح لِيُعْلَمَ بها مبتدؤها، إلا في سورة النمل، ولهذا لا تقرأ عندهم في أول الفاتحة لا سراً ولا جهراً، ودليلهم حديث عائشة المتقدم، وحديث أنس هذا (١).
والصواب أنها آية من القرآن، بدليل أن الصحابة ﵃ كتبوها وتواتر عنهم ذلك بدون نكير، مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصحف ما ليس من القرآن، وكونهم فصلوها عن السورة التي بعدها دليل على أنها ليست منها، والله تعالى أعلم.
стр. 980
مشروعية رفع الإمام صوته بالتأمين
٢٨٣/ ١٧ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآن رَفَعَ صَوْتَه وَقَالَ: «آمِين». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
٢٨٤/ ١٨ - وَلأبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِي مِنْ حَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ نَحْوُهُ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٣٣٥) والحاكم (١/ ٢٢٣) من طريق إسحاق بن إبراهيم الزُّبيدي، أخبرني عمرو بن الحارث، ثنا عبد الله بن سالم، عن الزبيدي - هو محمد بن الوليد الزبيدي - قال أخبرني الزهري، عن أبي سلمة وسعيد أن أبا هريرة قال: … فذكره.
وقال الدارقطني: (هذا إسناد حسن)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ) وسكت عنه الذهبي، وتعقب ابن عبد الهادي ومن بعده الألباني كلام الحاكم هذا (١)، وذلك من وجهين:
١ - أن الإسناد ليس على شرط الشيخين، فإن إسحاق بن إبراهيم ليس من رجال الشيخين، وهو متكلم فيه، وعبد الله بن سالم وهو الأشعري الوُحَاظي الحمصي لم يخرج له مسلم، وهو ثقة، أما بقية الرجال فهم ثقات من رجال الشيخين.
стр. 981
٢ - أن إسحاق بن إبراهيم أورده الذهبي في «الضعفاء» وقال: (كذبه محمد بن عوف، وقال أبو داود: ليس بشيء) (١)، وقال أبو حاتم: (شيخ لا بأس به، ولكنهم يحسدونه، سمعت يحيى بن معين أثنى عليه خيراً) (٢).
وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يهم كثيراً)، وقال الألباني: (ضعيف جداً، وكذبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي، وهو أعرف بأهل بلده) (٣).
وعلى هذا فالحديث ضعيف، لكن يشهد له ما بعده، ولعل الحافظ جمع بينهما لذلك.
وأما حديث وائل بن حجر ﵁، فقد أخرجه أبو داود (٩٣٢) والترمذي (٢٤٨) من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس الحضرمي، عن وائل بن حجر قال: (سمعت رسول الله ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: «آمين» ومدَّ بها صوته)، وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: (ورفع بها صوته).
وقال الترمذي: (حديث حسن)، وقال الحافظ: (سنده صحيح) (٤)، وقال الألباني: (هذا إسناد جيد، ورجاله رجال الشيخين غير حجر بن عنبس، وهو صدوق كما قال في «التقريب») (٥).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (آمين) اسم فعل أمر معناه: اللهم استجب - عند الجمهور - فهو أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وفيها لغتان المدّ على وزن: فاعيل، والقصر على وزن: فعيل، قال الجوهري: (وتشديد الميم خطأ) (٦).
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية تأمين الإمام بعد قراءة
стр. 982
الفاتحة، ورفعه صوته بذلك، وهذا قول الجمهور من الشافعية والحنابلة وغيرهم (١).
وقال أبو حنيفة وأتباعه، وهو قول عند المالكية: يستحب خفض الصوت بها، لأن الأصل في الذكر خفض الصوت (٢)، والعمل بالحديث مقدم على مثل هذا التعليل.
وهذا الحديث ليس فيه تعرض لتأمين المأموم والمنفرد، ولم يذكر الحافظ شيئاً يتعلق بذلك.
وقد ورد حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه» (٣).
فهذا الحديث فيه أمر المأمومين بالتأمين، وهو للندب عند الجمهور (٤)، وظاهر الحديث أن تأمين المأموم يتأخر عن تأمين الإمام، لأنه رُتِّب عليه بالفاء، لكن في حديث آخر لأبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٥)، وهذا يدل على اقتران تأمين المأموم بتأمين الإمام ليقارن تأمين الملائكة، وذلك لأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخر عنه، ويكون معنى قوله: (إذا أمَّن الإمام فأمنوا) أي: إذا شرع في التأمين، والله تعالى أعلم.
стр. 983
حكم المصلي الذي لا يحسن شيئاً من القرآن
٢٨٥/ ١٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآن شَيْئاً، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إلهَ إلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ .. » الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الله بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى: علقمة بن قيس بن الحارث الأسلمي، كان أبوه صحابياً - أيضاً ـ، وهو وأبوه من أهل بيعة الرضوان، شهد الحديبية وخيبر وما بعدهما، ولم يزل في المدينة حتى قبض النبي ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، ومات بها، وهو خاتمة من مات بالكوفة من الصحابة ﵃.
وقد ورد عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صلّ على آل فلان»، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى» (١)، مات عبد الله سنة سبع وثمانين، وقد قارب مائة سنة ﵁ (٢).
стр. 984
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٣١/ ٤٥٥، ٤٧٨ - ٤٧٩) وأبو داود (٨٣٢) في كتاب «الصلاة» باب «ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة» والنسائي (٢/ ١٤٣) وابن حبان (٥/ ١١٤) والدارقطني (١/ ٣١٣) والحاكم (١/ ٢٤١) من طريق إبراهيم السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: فذكر الحديث .. بزيادة: قال: (يا رسول الله! هذا لله ، فما لي؟) قال: «قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني»، فلما قام قال هكذا بيده، فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا فقد ملأ يده من الخير»، وهذه الزيادة لغير النسائي، ولابن حبان إلى قوله: (وعافني) لكن وقعت عنده من الطريق الآتي، وقد ذكر الحافظ أن الدارقطني صحح الحديث، ولم أجد ذلك في «سننه».
وإبراهيم السكسكي متكلم فيه، فضعفه أحمد، وشعبة على ما نقله عن ابن القطان، وقال النسائي: (ليس بذاك القوي، يكتب حديثه) (١).
لكن روى له البخاري في «صحيحه»، فقد ذكر الحافظ أن البخاري روى له حديثين أحدهما: في التفسير، والثاني: في الرقاق، وهو ينتقي من حديث الضعيف المعتبر في مثل هذه الأبواب (٢)، وقال ابن عدي: (لم أجد له حديثاً منكر المتن، وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره، ويكتب حديثه، كما قال النسائي (٣))، وقال ابن عبد الهادي: (صالح الحديث) (٤)، وعلى هذا فهو حسن الحديث إن شاء الله.
وقد صحح الحديث شمس الحق آبادي (٥)، وحسنه الألباني (٦)، وقد تابع إبراهيمَ السكسكي طلحةُ بن مصرف عند ابن حبان (٥/ ١١٦) وفي إسناده الفضل بن موفَّق، ضعفه أبو حاتم وقال: (كان شيخاً صالحاً، وكان يروي أحاديث موضوعة) (٧)، وإذا كان في سند هذا الحديث من يروي أحاديث
стр. 985
موضوعة لم يصلح للتقوية، لكن يشهد لحديث الباب حديث المسيء كما تقدم أول «صفة الصلاة»، وقد احتج به الإمام أحمد على هذه المسألة، كما في «مسائل ابنه» (١).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من عجز عن قراءة الفاتحة في الصلاة لضيق الوقت عن تعلمها، أو فقد معلم، أو نحو ذلك من الأعذار، فإنه يأتي بدلها بالأذكار الواردة في هذا الحديث، وليس في الحديث ما يقتضي التكرار، فالظاهر أنها تكفي مرة، ثم يركع، والله أعلم.