الشَّرْعُ بهذا، وإنَّما ثَبَتَ الاسْتِخْلافُ في مَوْضِع الإِجْمَاعِ، حيث لم يَحْتَجْ إلى شيءٍ من هذا، فلا يُلْحَقُ به ما لَيْسَ في مَعْناه. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإذا اسْتُخْلِفَ من لا يَدْرِى كَمْ صَلَّى؟ احْتَمَلَ أن يَبْنِىَ على اليَقِينِ، فإنْ وافَقَ الحَقَّ، وإلَّا سَبَّحُوا به، فرَجَعَ إليهم، ويَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وقال النَّخَعِىُّ: يَنْظُرُ ما يَصْنَعُ مَنْ خَلْفَه. وقال الشَّافِعِىُّ. يَتَصَنَّعُ، فإن سَبَّحُوا به جَلَسَ، وعَلِمَ أنَّها الرَّابِعَةُ. وقال الأوْزَاعِىُّ: يُصَلِّى بهم رَكْعَةً؛ لأنَّه تَيَقَّنَ بقاءَ رَكْعَةٍ، ثم يَتَأخَّرُ ويُقَدِّمُ رَجُلًا يُصَلِّى بهم ما بَقِىَ من صَلاتِهِم، فإذا سَلَّمَ قامَ الرَّجُلُ فأتَمَّ صَلاتَه. وقال مالِكٌ: يُصَلِّى لِنَفْسِه صَلاةً [ثانيةً، فإذا] (٢٠) فَرَغُوا من صَلاتِهِم قَعَدُوا وانْتَظَرُوهُ. والأقْوَالُ الثَّلاثةُ الأُولَى مُتَقَارِبَةٌ. ولَنا، على أنه لا يُسْتَخْلَفُ، أنَّه (٢١) شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فلم يَجُزْ له الاسْتِخْلافُ لذلك، كغيرِ المُسْتَخْلَفِ. ولَنا، على أنه يَبْنِى على اليَقِينِ، أنَّه شَكٌّ مِمَّنْ لا ظَنَّ له، فوَجَب البِناءُ على اليَقِينِ، كسائِرِ المُصَلِّينَ.
فصل: ومن أجازَ الاسْتِخْلافَ، فقد أجازَ نَقْلَ الجماعةِ إلى جماعةٍ أُخْرَى، لِلْعُذْرِ، ويَشْهَدُ لذلك أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جاء وأبو بكرٍ في الصَّلاةِ، فَتَأَخَّرَ أبو بكرٍ. وتَقَدَّمَ النَّبِىُّ ﷺ ، فأَتَمَّ بهم الصَّلاةَ. وفَعَلَ هذا مَرَّة أُخْرَى، جاء حتى جَلَسَ إلى جانِبِ أبي بكرٍ عن يَسَارٍ، وأبو بكرٍ عن يَمِينِه قائِمٌ، يأْتَمُّ بالنَّبِىِّ ﷺ ، ويأْتَمُّ الناسُ بأبِى بَكْرٍ. وكلا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ [مُتَّفَقٌ عليهما] (٢٢). وهذا يُقَوِّى جَوَازَ الاسْتِخْلَافِ والانْتِقَالِ من جماعةٍ إلى جماعةٍ أُخْرَى حالَ العُذْرِ. فيُخَرَّج مِن هذا أنَّه لو أدْرَكَ نَفْسان (٢٣) بعضَ الصَّلاةِ مع الإِمامِ، فلمَّا سَلَّمَ الإِمامُ ائْتَمَّ أحَدُهما بصاحِبِه،
стр. 1017
ونَوَى الآخَرُ إمامَتَه، أنَّ ذلك يَصِحُّ؛ لأنَّه في معنى الاسْتِخْلافِ، ومَن لم يُجِز الاسْتِخْلَافَ لم يُجِزْ ذلك. ولو تَخَلَّفَ إمامُ الحَىِّ عن (٢٤) الصَّلاةِ لِغَيْبَةٍ، أو مَرَضٍ، أو عُذْرٍ، وصَلَّى غيرُه، وحَضَرَ إمَامُ الحَىِّ في أثْناء الصَّلاةِ، فَتَأخَّرَ الإِمامُ، وتَقَدَّمَ إمَامُ الحَىِّ، فبَنَى على صَلاةِ خَلِيفَتِه، كما فعلَ النَّبِىُّ ﷺ وأبو بكرٍ، ففىِ ذلك وَجْهَانِ: أحَدُهما، يَجُوزُ؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ فَعَلَهُ، فَيَجُوزُ لِغيرهِ أن يفْعلَ مثلَ فِعْلِه. والثانى، لا يَجُوزُ؛ لِاحْتِمالِ أن يكونَ ذلك خاصًّا للنَّبِىِّ (٢٥) ﷺ ، لِعَدَمِ مُسَاواةِ غيرِه له في الفَضْلِ.
فصل: إذا وُجِدَ المُبْطِلُ في المأْمُومِ دونَ الإِمَامِ، مثلَ أن يكونَ (٢٦) المأْمُومُ مُحْدِثًا أو نَجِسًا ولم يَعْلَمْ بذلك إلا بعدَ فَرَاغِه من الصَّلَاةِ، أو سَبَقَهُ الحَدَثُ في أثْناء الصَّلاةِ، أو ضَحِكَ [أو تَكَلَّمَ] (٢٧) أو تَرَكَ رُكْنًا، أو غيرَ ذلك من المُبْطِلَاتِ، ولم يكنْ مع الإِمامِ مَن تَنْعَقِدُ به الصَّلاةُ سِوَاهُ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّ حُكْمَه كَحُكْمِ الإِمامِ معه في (٢٨) ما فَصَّلْناهُ؛ لأنَّ ارْتِبَاطَ صَلَاةِ الإِمَامِ بالمَأْمُومِ (٢٩) كارْتِبَاطِ صَلَاةِ المَأْمُومِ بالإِمامِ، فما فَسَدَ ثَمَّ فَسَدَ ههُنا، وما صَحَّ ثَمَّ صَحَّ ههُنا. واللهُ أعلمُ.
فصل: قال أحمدُ، ﵀، في رَجُلَيْنِ أمَّ أحَدُهما صَاحِبَه، فَشَمَّ كلُّ واحِدٍ منهما رِيحًا، أو سَمِعَ صَوْتًا يَعْتَقِدُ أنَّه مِن صَاحِبِه؛ وكُلٌّ يقولُ ليستْ (٣٠) مِنِّى: يَتَوَضَّآنِ جميعًا (٣١)، ويُصَلِّيَانِ؛ إنَّما فَسَدَت صَلَاتُهما لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَعْتَقِدُ
стр. 1018
فَسَادَ صَلاةِ صاحِبِه، وأنَّه صارَ فَذًّا، وهذا على الرِّوايَةِ التي تَقُولُ بِفَسادِ صَلَاةِ كُلِّ واحدٍ من الإِمَامِ والمَأْمُومِ بِفَسَادِ صَلاةِ صاحِبِه لِكَوْنهِ صارَ فَذًّا. وعلى الرِّوايَةِ المَنْصورةِ (٣٢)، يَنْوِى كُلُّ واحِدٍ منهما الانْفِرَادَ، ويُتِمُّ صلاتَه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما قَضَى بِفَسادِ صَلاتِهِما إذا أتَّمَّا الصَّلاةَ على ما كانَا (٣٣) عليه من غيرِ فَسْخِ النِّيَّةِ، فإنَّ المَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أنَّه مُؤْتَمٌّ بمُحْدِثٍ، والإِمام يَعْتَقِدُ أنَّه يَؤُمُّ مُحْدِثًا. وأمَّا الوُضُوءُ فَلعَلَّ الإِمامَ (٣٤) أحمدَ، ﵀، إنما أَرادَ بقولِه: يَتَوَضَّآنِ لِتَصِحَّ صَلَاتُهما جَمَاعَةً. إذ ليس لأحدِهما أن يَأْتَمَّ بصَاحِبِه أو يَؤُمَّه مع اعْتِقَادِ حَدَثِه، ولَعَلَّه أَمَرَ بذلك احْتِيَاطا، أما إذا صَلَّيَا مُنْفَرِدَيْنِ فإنَّه لا يَجِبُ الوُضُوءُ على واحدٍ منهما؛ لأنَّ يَقينَ الطَّهَارَةِ مَوْجُودٌ في كُلِّ واحدٍ منهما، والحَدَثُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ اليَقِينُ بالشَّكِّ.
فصل: ونُقِلَ عن أحمدَ، ﵀، في إمَامٍ صَلَّى بقَوْمٍ، فشَهِدَ اثْنَانِ عن يَمِينِه أنَّه أَحْدَث، وأنْكَرَ الإِمامُ وَبقِيَّةُ المأْمُومِينَ: يُعِيدُ، ويُعِيدُون. وهذا لأنَّ شَهَادَتَهُما إثْبَاتٌ يُقَدَّمُ على النَّفْىِ، لاحْتِمَالِ عِلْمِهما به، مع خَفَائِه عنه وعن بَقِيَّةِ المأْمُومِينَ. وقوله: "يُعِيدُونَ". لأنَّ المأْمُومِينَ متى عَلِمَ بَعْضُهم بحَدَثِ إمَامِهم، لَزِمَتِ الجَمِيعَ الإِعادَةُ على المَنْصُوصِ. ويَحْتَملُ أنَّه تَخْتَصُّ الإِعادَةُ بمَنْ (٣٥) عَلِمَ دونَ غيرِه على ما تَقَدَّمَ. واللهُ أعلمُ.
стр. 1019
بابُ السَّاعاتِ التي نُهِىَ عن الصَّلاةِ فيها
رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ قال: شَهِدَ عِنْدِى رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وأَرْضَاهم عِنْدِى عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن الصَّلَاةِ بعدَ الصُّبْحِ، حتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وبعدَ العَصْرِ، حتى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. وعن أبِي سَعِيدٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا صَلَاةَ بعد الصُّبْحِ حتى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، ولا صَلَاةَ بعد العَصْرِ حتى تَغِيبَ (٣٦) الشَّمْسُ" مُتَّفَقٌ عليهما (٣٧). وفى لفظٍ بعد صَلَاةِ الفَجْرِ وبعد صَلَاةِ العَصْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣٨). وعن أبي هُرَيْرَةَ مثلُ حَدِيثِ عمرَ، إلا أنه قال: وعن الصَّلَاةِ بعد الصُّبْحِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (٣٩). وعن ابنِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما،
стр. 1020
قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِذا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأخِّرُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَبْرُزَ، وإذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فأخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ" رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٤٠). وعن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، قال: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كان رسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أن نُصَلِّىَ فِيهِنَّ أو أن نَقْبُرَ فِيهِنَّ (٤١) مَوْتَانا؛ حين تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازِغَةً حتَّى تَرْتَفِعَ، وحين يَقُومُ قائِمُ الظَّهِيرَةِ حتَّى تَمِيلَ، وحين تَضَيَّفُ (٤٢) الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ. وعن عَمْرِو بن عَبَسَةَ، قال: قلتُ يَا رسولَ اللَّه، أَخْبِرْنى عن الصَّلَاةِ. قال: "صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثم اقْصِرْ عن الصَّلَاةِ حَتَّى (٤٣) تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ؛ فَإنَّهَا تَطْلُعُ حين تَطْلُعُ بين قَرْنَىْ شَيْطَانٍ، وحِينَئذٍ يَسْجُدُ لها الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ؛ فَإنَّ الصَّلَاةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمْحِ، ثُمَّ اقْصِرْ عن الصَّلَاةِ، فَإنَّ حِينَئِذٍ تُسْجرُ جَهَنَّمُ، فَإذَا أقْبَلَ الفَىْءُ فَصَلِّ، فَإنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتى تُصَلِّىَ العَصْرَ، ثُمَّ اقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ فَإنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكُفَّارُ". رَوَاهُنَّ [مُسْلِمٌ] (٤٤).
стр. 1021
٢٣٢ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ: (ويَقْضِى الفَوَائِتَ من الصَّلَوَاتِ الفَرْضِ)
وجُمْلَتُه أنَّه يَجُوزُ قَضَاءُ الفَرائِضِ الفَائِتَةِ في جَمِيعِ أوْقاتِ النَّهْىِ وغيرِها. رُوِىَ نحوُ ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، وغيرِ واحِدٍ من الصَّحابةِ. وبه قال أبو العَالِية، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا تُقْضَى الفَوَائِتُ في الأوْقاتِ الثَّلَاثَة التي في حَدِيثِ عُقْبَةَ بن عامِرٍ، إلا عَصْرَ يَوْمِه يُصَلِّيها قبلَ غُرُوبِ الشَّمْس؛ لِعُمُومِ النَّهْىِ، وهو مُتَنَاوِلٌ لِلْفَرَائِضِ وغيرِها، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا نَامَ عن صَلَاةِ الفَجْرِ حتى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أخَّرَهَا حتى ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّها صَلاةٌ، فلم تَجُزْ في هذه الأوْقات كالنَّوَافِلِ، وقد رُوِىَ عن أبي بكر، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه نامَ في دَالِيةٍ، فاسْتَيْقَظَ عندَ غُرُوبِ
стр. 1022
الشَّمْسِ، فانتَظَرَ حتى غابَتِ الشَّمْسُ ثم صَلَّى. وعن كَعْبٍ - أحْسَبُهُ - ابنَ عُجْرَةَ أنَّه نَامَ حتى طَلَعَ قَرْنُ الشَّمْسِ فأجْلَسَه، فلما أنْ تَعَالَتِ الشَّمْسُ قال له: صَلِّ الآنَ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "من نَامَ عن صَلَاةٍ أو نَسِيَها، فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفي حَدِيثِ أبى قَتَادةَ: "إنَّمَا التَّفْرِيطُ فىِ اليَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حتى يَجِىءَ وَقْتُ الأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَلْيُصلِّها حين يَنْتَبِهُ لَهَا". [رَوَاهَ مُسْلِمٌ] (٣). وخَبَرُ النَّهْىِ مَخْصُوصٌ بالقَضاءِ في الوَقْتَيْنِ الآخَرَيْنِ، وبِعَصْرِ يَوْمِه، فَنَقِيسُ مَحَلَّ النِّزَاعِ على المَخْصُوصِ، وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بذلك أيضًا، وحَدِيثُ أبى قَتَادةَ يَدُلُّ على جَوَازِ التَّأْخِيرِ، لا على تَحْرِيمِ الفِعْلِ.
فصل: ولو طَلَعَتِ الشَّمْسُ وهو في صَلَاةِ الصُّبْحِ، أتَمَّهَا. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: تَفْسُدُ؛ لأنَّها صَارَتْ في وَقْتِ النَّهْىِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا أدْرَكَ أَحَدُكُم سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ، قَبْلَ أنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وإذَا أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَه". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وهذا نَصُّ في المَسْألةِ، يُقَدَّمُ على عُمُومِ غيرِه.
стр. 1023
فصل: ويَجُوزُ فِعْلُ الصَّلَاةِ المَنْذُورَةِ في وَقْتِ النَّهْىِ، سواءٌ كان النَّذْرُ مُطْلَقا أو مُؤَقَّتا. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ، ويَتَخَرَّجُ لنا مِثْلُه بِنَاءً على صَوْمِ الوَاجِبِ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. ولَنا، أنَّها صَلَاةٌ وَاجِبَةٌ، فأشْبَهَتِ الفَوائِتَ من الفَرائِضِ وصَلَاةَ الجِنازةِ، وقد وافقَنا (٥) فيما مَضَى بعدَ صَلاةِ العَصْرِ وصَلاةِ الصُّبْحِ.
٢٣٣ - مسألة؛ قال: (ويَرْكَعُ لِلطَّوَافِ)
يعني في أوْقاتِ النَّهْىِ، ومِمَّنْ طَافَ بعد الصُّبْحِ والعَصْرِ وصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، وفَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، والحسنُ، والحسينُ، ومُجَاهِدٌ، والقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ، وفَعَلَهُ عُرْوَةُ بعدَ الصُّبْحِ، وهذا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وأنْكَرَتْ طَائِفَةٌ ذلك، منهم أبو حنيفةَ، ومالِكٌ. واحْتَجُّوا بِعُمُومِ أحادِيثِ النَّهْىِ. ولَنا، ما رَوَى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "يا بَنى عَبْدِ مَنَافٍ، لا تَمْنَعُوا أحَدًا طَافَ بهذَا البَيْتِ، وصلَّى في أىِّ ساعَة شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أو نَهَارٍ". رَوَاهُ الأثْرَمُ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنَا من الصَّحابةِ، ولأن رَكْعَتَى الطَّوَافِ تَابِعَةٌ له، فإذا أُبِيحَ المَتْبُوعُ يَنْبَغِى أن يُبَاحَ التَّبَعُ، وحَدِيثُهُم مَخْصُوصٌ بالفَوَائِتِ، وحَدِيثُنا لا تَخْصِيصَ فيه، فيكون أوْلَى.
стр. 1024
٢٣٤ - مسألة؛ قال: (ويُصَلِّى عَلَى الْجِنَازَةِ)
أمَّا الصَّلاةُ على الجِنَازَةِ بعدَ الصُّبْحِ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وبعد العَصْرِ حتى تَمِيلَ لِلْغُرُوبِ، فلا خِلَافَ فيه، قال ابْنُ المُنْذِرِ: إجْمَاعُ المُسْلِمِينَ في الصَّلاةِ على الجِنَازَةِ بعد العَصْرِ والصُّبْحِ، وأما الصَّلَاةُ عليها في الأوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ التي في حَدِيثِ عُقْبَةَ بن عامِرٍ فلا يَجُوزُ. ذَكَرَها القاضي، وغيرُه. قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عَبدِ اللهِ عن الصَّلَاةِ على الجِنَازَةِ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ؟ قال: أمَّا حين تَطْلُعُ فما يُعْجِبُنى. ثم ذَكَرَ حَدِيثَ عُقْبَةَ بن عامِرٍ. وقد رُوِىَ عن جَابِرٍ، وابْنِ عُمرَ نَحْوُ هذا الْقَولِ، وذَكَرَهُ مالِكٌ في "الْمُوَطَّإِ" عن ابن عُمرَ. وقال الخَطَّابِىُّ: هذا قَوْلُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. وقال أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، رِوَايَة أُخْرى: إن الصَّلاةَ على الجِنَازَةِ تَجُوزُ في جَمِيعِ أوْقَاتِ النَّهْى. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها صَلَاةٌ تُبَاحُ بعد الصُّبْحِ والعَصْرِ، فأُبِيحَتْ في سَائِرِ الأوْقَاتِ، كالفَرَائِضِ. ولَنا، قَوْلُ عُقْبَةَ بن عامِرٍ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كان رَسولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أن نُصَلِّىَ فِيهِنَّ، وأن نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا. وذِكْرُهُ للصَّلاةِ (١) مَقْرُونًا بالدَّفْنِ دَلِيلٌ على إرَادَةِ صَلاةِ الجِنَازَةِ. ولأنَّها صَلَاةٌ من غير الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، فلم يَجُزْ فِعْلُها في هذه الأوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ, كالنَّوَافِلِ المُطْلَقَةِ، وإنما أُبِيحَتْ بعدَ (٢) الصُّبْحِ والعَصْرِ لأنَّ مُدَّتَهما تَطُولُ، فالانْتِظَارُ يُخَافُ منه عليها، وهذه مُدَّتُها تَقْصُرُ، وأمَّا الفَرَائِضُ فلا يُقَاسُ عليها؛ لأنَّها آكَدُ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ هذه الأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ على الوَقْتَيْنِ الآخَرَيْنِ، لأنَّ النَّهْىَ فيها آكَدُ، وزَمَنُها أَقْصَرُ، فلا يُخَافُ على المَيِّتِ فيها، ولأنَّه نُهِىَ عن الدَّفْنِ فيها، والصَّلَاةُ المَقْرُونَةُ بالدَّفْنِ تَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الجِنَازَةِ، وتَمْنَعُها القَرِينَةُ من الخُرُوجِ بالتَّخْصِيصِ، بِخِلَافِ الوَقْتَيْنِ الآخَرَيْنِ. واللهُ أعلمُ.
стр. 1025
٢٣٥ - مسألة؛ قال: (ويُصَلِّى إذا كان في المَسْجِدِ وأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وقَدْ كَانَ صَلَّى (١))
وجُمْلَته أنَّ مَنْ صَلَّى فَرْضَه ثم أدْرَكَ تلك الصَّلَاةَ في جَمَاعَةٍ، اسْتُحِبَّ له إعَادَتُها، أىَّ صَلَاةٍ كانت، بِشَرْطِ أن تُقَامَ وهو في المَسْجدِ، أو يَدْخُلَ المَسْجِدَ وهم يُصَلُّونَ. وهذا قولُ الحسنِ، والشَّافِعِىِّ، وَأبى ثَوْرٍ. فإِنْ أُقِيمَتْ صلاةُ الفَجْرِ أو العَصْرِ وهو خارِجُ المَسْجِدِ، لم يُسْتَحَبَّ له الدُّخُولُ. واشْتَرَطَ القاضي لِجَوَازِ الإِعَادَةِ في وَقْتِ النَّهْىِ، أن يكونَ مع إمامِ الحَىِّ. ولم يُفَرِّق الْخِرَقِىُّ بين إمامِ الحَىِّ وغيرِه، ولا بين المُصَلِّى جَماعَةً وفُرَادَى. وكلامُ أحمدَ يَدُلُّ على ذلك أيضًا. قال الأثْرَمُ: سألت أبا عبدِ اللهِ عن مَن صَلَّى في جَمَاعَةٍ، ثم دخل المَسجدَ وهم يُصَلُّونَ، أيُصَلِّى معهم؟ قال: نعم. وذكر حَدِيثَ أبى هُرَيْرَةَ: أمَّا هذا فقد عَصَى أبا القَاسِمِ (٢). إنَّما هي نافِلَةٌ فلا يَدْخُلُ، فإن دَخَلَ صَلَّى، وإن كان قد صَلَّى في جَمَاعَةٍ، قيل لأبي عبدِ اللهِ: والمَغْرِبُ؟ قال: نعم، إلَّا أنَّه في المَغْرِبِ يَشْفَعُ. وقال مالِكٌ: إنْ كان صَلَّى وَحْدَه أعادَ المَغْرِبَ، وإن كان صَلَّى في جَمَاعَةٍ لم يُعِدْها؛ لأنَّ الحديثَ الدَّالَّ على الإِعادَةِ قال فيه: صَلَّيْنَا في رِحَالِنَا (٣). وقال أبو حنيفةَ: لا تُعادُ الفَجْرُ ولا العَصْرُ ولا المَغْرِبُ؛ [لأنَّها نافِلَةٌ فلا يجوزُ فِعْلُها في وقتِ النَّهْىِ؛ لِعُمومِ الحديثِ فيه، ولا تُعادُ المغربُ] (٤) لأنَّ التَّطَوُّعَ لا يكونُ بِوِتْرٍ. وعن ابن عمرَ، والنَّخَعِىِّ: تُعادُ الصَّلَوَاتُ كُلُّها إلَّا الصُّبْحَ والمَغْرِبَ. وقال أبو موسى، وأبوُ مِجْلَزٍ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ: تُعادُ كُلُّها إلا المَغْرِبَ، لئَلَّا يتطَوَّعَ بِوِتْرٍ. وقال الحَاكِمُ: إلَّا الصُّبْحَ وَحْدَها. ولَنا، ما رَوَى جابِرُ بنُ يَزِيدَ بنِ
стр. 1026
الأسْوَدِ، عن أبِيهِ، قال: شَهِدْتُ مع رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّتَه فَصَلَّيْتُ معه صَلَاةَ الفَجْرِ في مَسْجِدِ الخَيْفِ، وأنا غُلَامٌ شَابٌّ، فلما قَضَى صَلَاتَه إذا هو بِرَجُلَيْنِ في آخِرِ القَوْمِ لم يُصَلِّيَا معه. فقال: "عَلَىَّ بِهِما". فأُتِىَ بهما تُرْعَدُ فَرَائِصُهُما، فقال: "مَا مَنَعَكُما أنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ "، فقالا: يا رَسولَ اللَّه، قد صَلَّيْنا في رِحَالِنا. قال: "لا تَفْعَلَا، إذَا صَلَّيْتُما في رِحَالِكُما، ثُمَّ أَتَيْتُما مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٥)، والأثْرَمُ (٦).
ورَوَى مالِكٌ، في "المُوَطَّإِ (٧) " عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن بُسْرِ بن مِحْجَنٍ، عن أبِيهِ، أنَّه كان جَالِسًا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فأُذِّن للصَّلاةِ، فقامَ رسولُ اللَّه ﷺ فصَلَّى، ثم رَجَعَ ومِحْجَنٌ في مَجْلِسِه، فقال رسول اللهِ ﷺ : "مَا مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّىَ مَعَ النَّاسِ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ . فقال: بَلَى يا رسولَ اللَّه، ولكِنِّى قد صَلَّيْتُ في أَهْلِى. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وإنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ". وعن أبي ذَرٍّ قال: إنَّ خَلِيلى - يعني النَّبِىَّ ﷺ أَوْصَانِى أن أُصَلِّىَ الصَّلَاةَ لوَقْتِها، "فإذا أَدْرَكْتَها (٨) مَعَهُمْ فَصَلِّ، فإنَّهَا لَكَ نافِلَةٌ".
стр. 1027
رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩). وفي رِوَايَةٍ: "فإن أدْرَكْتَها مَعَهْم فَصَلِّ ، ولَا تَقُلْ: إنِّي (١٠) صَلَّيْتُ، فَلَا أُصَلِّى". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (١١). وهذه الأحادِيثُ بِعُمُومِها تَدُلُّ على مَحَلِّ النِّزَاعِ، وحديثُ يَزِيدَ بن الأسْوَدِ صَرِيحٌ في إعادةِ الفَجْرِ، والعَصْرُ مِثْلُها، والأحادِيثُ بإِطْلَاقِها تَدُلُّ على الإِعادةِ، سواءٌ كان مع إمَامِ الحَىِّ أو غيرِه، وسَوَاءٌ صَلَّى وَحْدَه أو في جَماعةٍ. وقد رَوَى أنَسٌ، قال: صَلَّى بنا أبو موسى الغدَاةَ في المِرْبَدِ، فانتهَيْنَا إلى المَسْجِدِ الجامِعِ، فأُقيمَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّيْنا مع المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ. وعن صِلَةَ (١٢)، عن (١٣) حُذَيْفَةَ، أنَّه أعادَ الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ، وكان قد صَلَّاهُنَّ في جَمَاعَةٍ. رَوَاهُما الأثْرَمُ.
فصل: إذا أعادَ المَغْرِبَ شَفَعَها بِرَابِعَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ، والزُّهْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحَاقُ، ورَوَاه قَتَادَةُ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ. ورَوَى صِلَةُ، عن حُذَيْفَةَ، أنَّه لمَّا أعَادَ المَغْرِبَ، قال: ذَهَبْتُ أَقُومُ في الثَّالِثَة، فأَجْلَسَنِى. وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه أَمَرَه بالاقْتِصَارِ على رَكْعَتَينِ؛ لِتكونَ شَفْعا، ويَحْتَمِلُ أنَّه أَمَرَه بالصَّلاةِ مثلَ صَلاةِ الإِمامِ. ولَنا، أنَّ هذه الصَّلاةَ نافِلَةٌ، ولا يُشْرَعُ التَّنَفُّلُ بِوِتْرٍ غيرِ الوِتْرِ، فكان زِيادَةُ رَكْعَةٍ أوْلَى من نُقْصَانِها؛ لِئَلَّا يُفَارِقَ إمَامَه قَبْلَ إتْمَامِ صَلاتِه.
فصل: إن أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وهو خَارِجٌ من المَسْجِدِ، فإن كان في وَقْتِ نَهْيٍ لم
стр. 1028
يُسْتَحَبَّ له الدُّخُولُ، وإن كان في غيرِ وَقْتِ نَهْيٍ اسْتُحِبَّ له الدُّخُولُ والصَّلاةُ (١٤) معهم، وإن دَخَلَ وصَلَّى معهم فلا بَأْسَ؛ لما ذَكَرْنَا من خَبَرِ أبى موسى. ولا يُسْتَحَبُّ؛ لما رَوَى مُجَاهِدٌ، قال: خَرَجْتُ مع ابْنِ عمرَ من دارِ عَبْدِ اللهِ بن خَالِدِ بن أُسَيْدٍ حتى إذا نَظَرَ إلى بابِ المَسْجِدِ إذا النَّاسُ في الصَّلاةِ، فلم يَزَلْ واقِفًا حتى صَلَّى النَّاسُ، وقال: إنِّي صَلَّيْتُ في البَيْتِ. (١٥)
فصل: إذا أعادَ الصَّلاةَ فالأُوْلَى فَرْضُه. رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحَاقُ، والشَّافِعِىُّ في الجَدِيد. وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وعَطَاءٍ، والشَّعْبِىِّ، التي صَلَّى معهم المَكْتُوَبةُ؛ لما رُوِىَ فِى حديثِ يَزِيدَ ابن الأسْوَدِ (١٦)، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا جِئْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ، وَإنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نافِلَةً، وهذِهِ مَكْتُوبةً". ولَنا، قَوْلُه في الحديثِ الصَّحِيحِ: "تَكُنْ لَكُما نَافِلَةً" (١٧). وقولُه في حَدِيثِ أبِى ذَرٍّ: "فإنَّها لَكَ نَافِلَةٌ" (١٨). ولأنَّ الأُولَى قد وَقَعَتْ فَرِيضَةً، وأسْقَطَتِ الفَرْضَ، بدليلِ أنَّها لا تَجِبُ ثانِيًا؛ وإذا بَرِئَتِ الذِّمَّةُ بالأُولَى اسْتَحَالَ كَوْنُ الثّانيةِ فَرِيضَةً، وجَعْلُ الأُولَى نافِلَةً. قال حَمَّادٌ، قال إبراهيمُ: إذا نَوَى الرَّجُلُ صَلَاةً وكتَبَتْها المَلائِكَةُ فمن يَسْتَطِيعُ أنْ يُحَوِّلَها! فما صَلَّى بعدَها فهو تَطوُّعٌ. وحَدِيثُهم لا تَصْرِيحَ فيه، فيَجِبُ أن يُحْمَلَ مَعْناه على ما في الأحَادِيثِ الباقيةِ سَوَاء. فعلى هذا لا يَنْوِي الثانيةَ فَرْضا، لكن يَنْوِيهَا ظُهْرًا مُعَادَةً، وإن نَوَاهَا نافِلَةً صَحَّ.
стр. 1029
فصل: ولا تَجِبُ الإِعَادَةُ. قال القاضي: لا تَجِبُ، رِوَايَةً واحِدَةً. وقال بعضُ أصْحابِنا فيها رِوَايَةً أُخْرَى: إنَّها تَجِبُ مع إمَامِ الحَىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ بها. ولَنا، أنَّها نَافِلَةٌ، والنّافِلَةُ لا تَجِبُ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "لا تُصَلِّ صَلَاةً في يومٍ، مَرَّتَيْنِ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٩). ومعناه واجِبَتَانِ. واللهُ أعْلمُ، والأمْرُ للاسْتِحْبَابِ. فعَلَى هذا إنْ قَصَدَ الإِعادَةَ فلم يُدْرِكْ إلّا رَكْعَتَيْنِ، فقال الآمِدِىُّ: يجوزُ أن يُسَلِّمَ معهم؛ لأنَّها نَافِلَةٌ، ويُسْتَحَبُّ أن يُتِمَّها؛ لأنَّه قَصَدَها أرْبَعا. ونَصَّ أحمدُ، ﵀، على أنَّه يُتِمُّها أَرْبَعا؛ لقولِه ﷺ : "وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (٢٠).
٢٣٦ - مسألة؛ قال: (في كُلِّ وَقْتٍ نُهِىَ عن الصَّلَاةِ فِيهِ، وَهُوَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ)
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأوْقاتِ المَنْهِىِّ عن الصَّلاةِ فيها؛ فذَهَبَ أحْمدُ، ﵀، إلى أنَّها مِن بعدِ الْفَجْرِ حتى ترْتَفِعَ الشَّمْسُ قَدْرَ (١) رُمْحٍ، وبعدَ العَصْرِ حتى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وحالَ قِيَامِ الشَّمْسِ حتى تَزُولَ، وعدَّها أصْحابُه خَمْسةَ أوْقاتٍ؛ من الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتٌ، ومِن طُلُوعِها إلى ارْتِفَاعِها وَقْتٌ، وحالَ قِيامِها وَقْتٌ، ومن العَصْرِ إلى شُرُوعِ الشَّمسِ في الغُرُوبِ وَقْتٌ، وإلى تَكَامُلِ الغُرُوبِ وَقْتٌ. والصَّحِيحُ أنَّ الوَقْتَ الخَامِسَ مِن حين تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ إلى أنْ تَغْرُبَ؛ لأنَّ عُقْبَةَ بنَ عامِرٍ قال: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كان رَسُولُ اللَّه ﷺ يَنْهانَا
стр. 1030
أنْ نُصَلِّىَ فِيهِنَّ، وأن نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا؛ حين تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازِغَةً حتَّى تَرْتَفِعَ، وحين يَقُومُ قائِمُ الظَّهِيرَةِ حتَّى تَمِيلَ، وحين تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حتى تَغْرُبَ (٢). فجعل هذه ثَلاثةَ أوْقاتٍ، وقد ثَبَتَ لنا وَقْتَانِ آخَرَانِ بحديثِ عمرَ وأبى سعيدٍ (٣)، فيكونُ الجميعُ خَمْسَةً. ومن جَعَلَ الخَامِسَ وَقْتَ الغُرُوبِ، فلأنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَصَّه بالنَّهْىِ في حَدِيثِ ابْنِ عمرَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: "إذا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأخِّرُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَغِيبَ" (٤). وفي حَدِيثٍ: "وَلَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُم طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا (٥). وعلى كل حالٍ فهذه الأوْقاتُ المَذْكُورَةُ مَنْهِىٌّ عن الصَّلاةِ فيها، وهو قولُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: إنما المَنْهِىُّ عنه الأوْقات الثَّلَاثَةُ التي في حديثِ عُقْبَةَ؛ بِدلِيلِ تَخْصِيصِها بالنَّهْىِ في حَدِيثِه وحَدِيثِ ابْنِ عمرَ. وقولُه: "لا تُصَلُّوا بَعْدَ العَصْرِ إلَّا أن تُصَلُّوا والشَّمْسُ مُرْتَفِعةٌ". رَوَاه أبو داودَ (٦). وقالت عَائِشَةُ: وَهِمَ عمرُ إنَّما نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يَتَحَرَّى طُلُوعَ الشَّمْسِ أو غُرُوبَهَا. ولَنا، ما ذَكَرْنا من الأحادِيثِ في أوَّلِ البابِ، وهى صَحِيحَةٌ
стр. 1031
صَرِيحَةٌ، والتَّخْصِيصُ في بعض الأحادِيث لا يُعَارِضُ العُمُومَ المُوَافِقَ له، بل يَدُلُّ على تَأَكُّدِ الحُكْمِ فيما خَصَّهُ، وقولُ عائِشةَ في رَدِّ خَبَرِ عمرَ غيرُ مَقْبُولٍ، فإنَّه مُثْبِتٌ لِرِوَايَتِه عن النَّبِيِّ ﷺ ، وهى تقولُ بِرَأْيِها، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ أصَحُّ من قَوْلِها، ثم هي قد رَوَتْ ذلك أيضًا، فرَوَى ذَكْوَانُ مَوْلَى عائِشَةَ، أنَّها حَدَّثَتْه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّى بعد العَصْرِ، ويَنْهَى عنها (٧). رَوَاهُ أبو داوُد (٨)، فكيف يُقْبَلُ رَدُّها لما قد أَقَرَّتْ بصِحَّتِه، وقد رَوَاه أبو سعيدٍ، وعَمْرُو بن عَبَسَةَ، وأبو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عمرَ، والصُّنَابِحِىُّ، وأُمُّ سَلَمةَ، كَنَحْوِ رِوَايَةِ عمرَ، فلا يُتْرَكُ هذا بمُجَرَّدِ رَأْيٍ مُخْتَلِفٍ مُتَنَاقِضٍ.
فصل: والنَّهْىُ عن الصَّلاةِ بعدَ العَصْرِ مُتَعَلِّقٌ بفِعْلِ الصَّلاةِ، فَمن لم يُصَلِّ أُبِيحَ له التَّنَفُّلُ، وإن صَلَّى غيرُه. ومن صَلَّى العَصْرَ فليس له التَّنَفُّلُ وإن لم يُصَلِّ أحَدٌ سِوَاه. لا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا عندَ مَن يَمْنَعُ الصَّلَاةَ بعدَ العَصْرِ. فأمَّا النَّهْىُ بعدَ الفَجْرِ فَيَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ، وبهذا قال سعيدُ (٩) بن المُسَيَّبِ، والعَلاءُ بنُ زِيادٍ (١٠)، وحُمَيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ (١١)، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال النَّخَعِىُّ: كانوا يَكْرَهُونَ ذلك. يَعْنِى التَّطَوُّعَ بعد طُلُوعِ الفَجْرِ. ورُوِيَتْ كَرَاهَتُه (١٢) عن عبدِ اللهِ بْنِ عمرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ النَّهْىَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ أيضًا كالعَصْرِ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن الحسنِ، والشَّافِعِىِّ؛ لما رَوَى أبو
стр. 1032
سعيدٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لا صَلَاةَ بعد صَلَاةِ العَصْرِ حتى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ولا صَلَاةَ بعد صَلَاةِ الفَجْرِ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ". رواهُ مُسْلِمٌ، وَرَوى أبو داوُدَ حَدِيثَ عُمَرَ بهذا اللَّفْظِ. وفي حَدِيثِ عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ قال: "صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثم اقْصِرْ عن الصَّلَاةِ"، كذا رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٣). وفى رِوَايَةِ أبى دَاوُدَ قال: قلتُ يا رسُولَ اللَّه، أىُّ اللَّيْلِ أسْمعُ؟ قال: "جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فصَلِّ ما شِئْتَ، فإنَّ الصَّلَاةَ مَكْتُوبَةٌ مَشْهُودَةٌ حتى تُصَلِّىَ الصُّبْحَ، ثُمَّ اقْصِرْ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَتَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ أو رُمْحَيْنِ". ولأنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ في العَصْرِ عُلِّقَ على الصَّلَاةِ دونَ وَقْتِها، فكَذَلِكَ الفَجْرُ، ولأنَّه وَقْتُ نَهْىٍ بعدَ صلاةٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِفِعْلِها، كبَعْدَ العَصْرِ. والمَشْهُورُ في المَذْهَبِ الأولُ؛ لِمَا رَوَى يَسَارُ مَوْلَى ابن عمرَ، قال: رآنىِ ابنُ عُمَرَ وأنا أُصَلِّى بعد طُلُوعِ الفَجْرِ فقال: يا يَسَارُ، إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنا ونحنُ نُصَلِّى هذه الصَّلَاةَ، فقال: "لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ، لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الفَجْر إلَّا سَجْدَتَيْنِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٤)، وفى لَفْظٍ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَانِ". رَوَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (١٥). وفى لفظ: "إلَّا رَكْعَتَىِ الفَجْرِ"، وقال: هو غَرِيبٌ، رَوَاهُ قُدَامَةُ بن موسى. وقد رَوَىَ عنه غيرُ واحِدٍ من أهْلِ العِلْمِ. وقال: هذا ما أجْمَعَ عليه أهْلُ العِلْمِ. وعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا طَلَعَ الفَجْرُ فلا صَلَاةَ إلَّا رَكْعَتَىِ الفَجْرِ" (١٦). وهذا يُبَيِّنُ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ من اللَّفْظِ المُجْمَلِ، ولا يُعَارِضُه تَخْصِيصُ ما بعدَ الصَّلاةِ بالنَّهْىِ، فإنَّ ذلك دَلِيلُ خِطابٍ، وهذا مَنْطوقٌ، فيكونُ
стр. 1033
أوْلَى. وحديثُ عَمرِو بنِ عَبَسةَ (١٧) قد اخْتَلَفَتْ ألْفَاظُ الرُّوَاةِ فيه، وهو في سُنَنِ ابنِ مَاجَه: "حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ".
٢٣٧ - مسألة؛ قال: (ولا يَبْتَدِئُ في هذه الأوْقَاتِ صَلَاةً يَتَطَوَّعُ بِهَا)
لا أعْلَمُ خِلَافًا في المَذْهَبِ أنَّه لا يَجُوزُ أن يَبْتَدِئَ صَلاةَ تَطَوُّعٍ غيرَ ذاتِ سَبَبٍ. وهو قَولُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: رَخَّصَتْ طائِفَةٌ في الصَّلَاةِ بعد العَصْرِ، رَوَيْنا ذلك عن علىٍّ، والزُّبَيْرِ، وابْنِهِ، وتَمِيمٍ الدَّارِىِّ (١)، والنُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ (٢)، وأبى أيُّوبَ الأنْصَارِىِّ، وعائشةَ، وفَعَلَه الأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ (٣)، وعمرُ، وابنُ مَيْمُونٍ، ومَسْرُوقٌ (٤)، وشُرَيحٌ، وعَبْدُ اللهِ بنُ أبى الهُذَيْلِ (٥)، وأبو بُرْدَةَ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ (٦)، وابْنُ البَيْلَمَانِىِّ (٧)، والأحْنَفُ بنُ قَيْسٍ (٨). وحُكِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لا نَفْعَلُه ولا نَعِيبُ فاعِلَهُ. وذلك لِقَوْلِ عائِشَةَ، رضىَ اللهُ عنها: ما تَرَكَ رسولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بعدَ العَصْرِ
стр. 1034
عندِى قَطُّ. وقَوْلُها: وَهِمَ عُمَرُ، إنما نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يَتَحرَّى طُلُوعَ الشَّمْسِ أو غُرُوبَها. رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (٩). وقولُ عَلِىٍّ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "لا صَلَاةَ بعد العَصْرِ إلَّا والشَّمْس مُرْتَفِعَةٌ" (١٠). ولَنا، الأحادِيثُ المَذْكُورةُ في أوَّل البابِ، وهى صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، ورَوَى أبو بَصْرَةَ، قال: صَلَّى بنَا رسولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ العَصْرِ بالمُخَمَّصِ (١١)، فقال: "إنَّ هذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٢). وهذا خاصٌّ في مَحَلِّ النِّزَاعِ. وأمَّا حديثُ عائشةَ؛ فقد رَوَى عنها ذَكْوَانُ مَوْلاها، أنَّها حَدَّثَتْه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّى بعد العَصْرَ ويَنْهَى عنها. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٣). ورَوَى أبو سَلَمَةَ، أنَّه سألَ عائشةَ عن السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّيهِما بعدَ العَصْرِ، فقالتْ: كان يُصَلِّيهما قبلَ العَصْرِ، ثم إنَّه شُغِلَ عنهما، أو نَسِيَهُما، فصَلَّاهُما بعدَ العَصْرِ، ثم أثْبَتَهُما وكان إذا صَلَّى صلاةً أثْبَتَها. وعن أُمِّ سَلَمَةَ، قالتْ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عنهما، ثم رَأَيْتُه يُصَلِّيهِما، وقال: "يَا بِنْتَ أبى أُمَيَّةَ، إنَّهُ أتَانِى نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بالإِسْلَامِ من قَوْمِهِمْ، فشَغَلُونِى عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ
стр. 1035
بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ". رَواهُما مُسْلِمٌ (١٤). وهذا يَدُلُّ على أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما فَعَلَه لِسَبَبٍ، وهو قَضاءُ ما فَاتَه من السُّنَّةِ، وأنَّه نَهَى عن الصَّلَاةِ بعدَ العَصْرِ، كما رَوَاهُ غَيْرُهما، وحَدِيثُ عائشةَ يَدُلُّ على اخْتِصَاصِ النَّبِىِّ ﷺ بذلك، ونَهْيِهِ غيرَه، وهذا حُجَّةٌ على مَن خالَفَ ذلك، فإنَّ النِّزَاعَ إنَّما هو في غيرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وقد ثَبَتَ ذلك مِن غيرِ مُعَارِضٍ له.
فصل: فأمَّا التَّطَوُّعُ لِسَبَبٍ غيرِ ما ذَكَرَه الْخِرَقِىُّ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، ﵀، في الوِتْرِ أنَّه [يُجَوِّزُ فِعْلَه] (١٥) قبلَ صلاةِ الفَجْرِ. قال الأَثْرَمُ: سَمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ: أَيُوتِرُ الرَّجُلُ بعدَ ما يَطْلُعُ (١٦) الفَجْرُ؟ قال: نعم. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وحُذَيْفَةَ، وأبِى الدَّرْداءِ، وعُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، وفَضَالَةَ بنِ عُبَيدٍ (١٧)، وعائشةَ، وعَبْدِ اللهِ بنِ عامِرِ بن رَبِيعَةَ (١٨)، وعمْرِو بن شُرَحْبِيل، وقال أَيُّوب السَّخْتَيَانِىُّ وحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ: إنَّ أكْثَرَ وِتْرَنا لَبَعْدَ
стр. 1036
طُلُوعِ الفَجْرِ. وبه قال مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه خَرَجَ بعد طُلُوعِ الفَجْرِ، فقال: لَنِعْمَ ساعَةُ الوِتْرِ هذه (١٩). ورُوِىَ عن عاصِمٍ (٢٠)، قال: "جاءَ ناسٌ إلى أبى موسى، فسَألُوه عن رَجُلٍ لم يُوتِرْ حتى أذَّنَ المُؤَذِّنُ؟ قال: لا وِتْرَ له، فَأَتَوْا عَلِيًّا فسَألُوه فقال: أغْرَقَ في (٢١) النَّزْعِ، الوِتْرُ ما بينَه وبينَ الصَّلاةِ (٢٢). وأنْكَرَ ذلك عَطَاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، وهو قولُ أبى موسى على ما حَكَيْنا، واحْتَجُّوا بِعُمُومِ النَّهْىِ. ولَنا، ما رَوَى أبو بَصْرَةَ الغِفَارِىُّ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إن اللَّه زَادَكُمْ صَلَاةً فَصَلُّوها ما بين العشَاءِ إلى صَلَاةِ الصُّبْحِ، الوِتْر الوِتْر". رَوَاهُ الأثْرَمُ، واحْتَجَّ به أحمدُ (٢٣)، ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، وأحادِيثُ النَّهْىِ الصَّحِيحَة ليستْ صَرِيحَةً في النَّهْىِ قبلَ صلاةِ الفَجْرِ، على ما قَدَّمْنَاه، إنَّما فيه حديثُ ابْنِ عمرَ وهو غَرِيبٌ، وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ (٢٤) قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ
стр. 1037
نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّهِ إذَا أصْبَحَ أوْ ذَكَرَ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٢٥). وهذا صَرِيحٌ فى مَحَلِّ النِّزَاعِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يَنْبَغِى لأَحَدٍ أن يَتَعَمَّدَ تَرْكَ الوِتْرِ حتى يُصْبِحَ؛ لهذا الخَبَرِ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "فَإذَا خَشِىَ أحَدُكُمْ الصُّبْحَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى". مُتَّفَقٌ عليه (٢٦). وهكذا قال مالِكٌ. وقال: من فاتَتْهُ صلاةُ اللَّيْلِ فله أنْ يُصَلِّىَ بعدَ الصُّبْحِ قَبلَ أن يُصَلِّىَ الصُّبْحَ، وحكاه ابنُ أبى موسى (٢٧)، في "الإِرْشادِ". مَذْهَبا لأحمدَ، قِيَاسًا على الوِتْرِ، ولأنَّ هذا الوَقْتَ لم يَثبُتِ النَّهْىُ فيه صَرِيحًا، فكان حُكمُه خَفِيفا.
فصل: فأما قَضاءُ سُنَّةِ الفَجْرِ بعدَها فَجائِزٌ، إلَّا أنَّ أحمدَ اخْتارَ أن يَقْضِيَهما مِن الضُّحَى، وقال: إنْ صَلَّاهُما بعد الفَجْرِ أجْزَأ، وأمَّا أنا فأَخْتَارُ ذلك. وقال عَطَاءٌ، وابنُ جُرَيْجٍ والشَّافِعِىُّ: يَقْضِيهما بعدَها؛ لما رُوِىَ عن قَيْسِ بن قَهْدٍ،
стр. 1038
قال: رَآنِى رسولُ اللهِ ﷺ وأنا أُصَلِّى رَكْعَتَىِ الفَجْرِ بعدَ صَلَاةِ الفَجْرِ، فقال: "ما هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ يا قَيْسُ؟ ". قلتُ: يا رسولَ اللهِ لم أَكُنْ صَلَّيْتُ رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، فهما هَاتَانِ. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٢٨). وسُكوتُ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ على الجَوازِ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ بعدَ العَصْرِ، وهذه في مَعْناها، ولأنَّها صَلَاةٌ ذاتُ سَبَبٍ، فأشْبَهَتْ رَكْعَتَى الطَّوَافِ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا يَجُوزُ؛ لِعُمُومِ النَّهْىِ، ولما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَىِ الفَجْرِ فَلْيُصَلِّهِما بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ". رواهُ التِّرْمِذِىُّ (٢٩)، وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ عَمْرِو بنِ عاصمٍ. قال ابنُ الجَوْزِىِّ، ﵀: وهو ثِقَةٌ، أخْرَجَ عنه البُخَارِىُّ. وكان ابنُ عمرَ يَقْضِيهما من الضُّحَى، وحَدِيثُ قَيْسٍ مُرْسَلٌ، قالَه أحمدُ، والتِّرْمِذِىُّ، لأنَّه يَرْوِيه مُحَمَّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ عن قَيْسٍ، ولم يَسْمَعْ منه، ورُوِىَ من طَرِيقِ يَحْيَى بن سَعِيدٍ عن جَدِّهِ (٣٠)، وهو مُرْسَلٌ أيضًا، ورَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٣١)، قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ: إنِّي لم أَكُنْ رَكَعْتُ رَكْعَتَىِ الفَجْرِ. قال: "فَلَا، إذًا". وهذا يَحْتَمِلُ النَّهْىَ. وإذا كان الأمرُ هكذا كان تَأْخِيرُها إلى وَقْتِ الضُّحَى أحْسَنَ؛ لِنَخْرُجَ من الخِلَافِ، ولا نُخَالِفَ عُمَومَ الحَدِيثِ، وإن فَعَلَها فهو جائِزٌ؛ لأنَّ هذا الخبرَ لا يقصر عن الدَّلَالَةِ على الجَوَازِ. واللَّه أعلمُ.
стр. 1039
فصل: وأمَّا قَضاءُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ بعدَ العَصْرِ، فالصَّحِيحُ جَوَازُه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَه، فإنَّه قَضَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بعد الظُّهْرِ بعد العَصْرِ في حَدِيثِ أمِّ سَلَمةَ (٣٢)، وقَضَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قبلَ العَصْر بعدَها في حَدِيثِ عَائِشَةَ (٣٣)، والاقْتِدَاءُ بما فَعَلَه النَّبِىُّ ﷺ مُتَعَيّنٌ. ولأنَّ النَّهْىِ بعد العَصْرِ خَفِيفٌ؛ لما رُوِىَ في خِلَافِه من الرُّخْصَةِ، وما وَقَعَ من الخِلَافِ فيه، وقولُ عَائِشَةَ: إنه كان يَنْهَى عنها (٣٤) معناه، واللهُ أعلمُ، أنَّه (٣٥) نَهَى عنها لغيرِ هذا السَّبَبِ، وأنَّه (٣٦) كان يَفْعَلُها على الدَّوَامِ، ويَنْهَى عن ذلك. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. ومَنَعَه أصْحَابُ الرَّأْىِ لِعُمُومِ النَّهْىِ. وما ذَكَرْنَاهُ خاصٌّ، فالأَخْذُ به أَوْلَى، إلا أن الصَّحِيحَ في الرَّكْعَتَيْنِ قبل العَصْرِ أنَّها لا تُقْضَى؛ لما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّاهُما. فقلتُ له: أنَقْضِيهما إذا فاتَتَا؟ قال: "لا". رَوَاهُ ابنُ الْبَخْتَرِىِّ (٣٧)، في الجُزْءِ الخامِسِ من حَدِيثِه.
فصل: فأمَّا قَضَاءُ السُّنَنِ في سائِرِ أوْقَاتِ النَّهْىِ، وفِعْلُ غيرِها من الصَّلَوَاتِ التي لها سَبَبٌ، كَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ، وصَلَاةِ الكُسُوفِ، وسُجُودِ التِّلَاوَةِ، فالمَشْهُورُ في المَذْهبِ أنَّه لا يَجُوزُ. ذَكَرَه الْخِرَقِىُّ في سُجُودِ التِّلَاوَةِ وصَلَاةِ الكُسُوفِ. وقال القاضي: في ذلك رِوَايتانِ؛ أَصَحُّهُما أنَّه لا يَجُوزُ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى؛ لِعُمُومِ النَّهْىِ. والثانيةُ، يَجُوزُ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذا دَخَلَ أحَدُكُم المَسْجِدَ فلا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ". مُتَّفَقٌ
стр. 1040
عليه (٣٨). وقال في الكُسُوفِ: "فإذا رَأَيْتُمُوها (٣٩) فَصَلُّوا" (٤٠). وهذا خاصٌّ في هذه الصَّلاةِ، فيُقَدَّمُ على النَّهْىِ العَامِّ في الصَّلَاةِ كُلِّها، ولأنها صَلَاةٌ ذاتُ سَبَبٍ، فأشْبَهَتْ ما ثَبَتَ جَوَازُه. ولَنا، أنَّ النَّهْىَ للتَّحْرِيمِ، والأمْرَ لِلنَّدْبِ، وتَرْكُ المُحَرَّمِ أَوْلَى من فِعْلِ المَندوبِ. وقَوْلُهُم: إن الأمْرَ خاصٌّ في الصَّلَاةِ. قُلْنا: ولكنَّه عامٌّ في الوَقْتِ، والنَّهْىُ خَاصٌّ فيه، فيُقَدَّمُ، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على القَضَاءِ بعد العَصْرِ؛ لأنَّ حُكْمَ النَّهْىِ فيه أخَفُّ، لما ذَكَرْنا، ولا على قَضَاءِ الوِتْرِ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ لذلك، ولأنَّه وَقْتٌ له، بِدليلِ حَدِيثِ أبِى بَصْرَةَ (٤١)، ولا على صَلَاةِ الجِنَازَةِ لأنها
стр. 1041
فَرْضُ كِفَايَةٍ، ويُخافُ على المَيِّتِ، ولا على رَكْعَتَىِ الطَّوَافِ، لأنَّهما تابِعَتَانِ لما لا يَمْنَعُ منه النَّهْىُ، مع أنَّنا قد ذَكَرْنَا أنَّ الصَّحِيحَ أنه لا يُصَلَّى على الجِنَازَةِ في الأوْقَاتِ الثَّلَاثَة التي في حَدِيثِ عُقْبَةَ بن عامِرٍ (٤٢). وكذلك لا يَنْبَغِى أن يَرْكَعَ لِلطَّوَافِ فيها، ولا يُعِيدَ فيها جَمَاعَةً. وإذا مُنِعَتْ هذه الصَّلَواتُ المُتَأَكّدَةُ فيها فغيرُها أوْلَى بالمَنْعِ، واللهُ أعلمُ.
فصل: ولا فَرْقَ بين مَكَّةَ وغيرِها في المَنْعِ من التَّطَوُّعِ في أوْقَاتِ النَّهْىِ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يُمْنَعُ فيها، لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا تَمْنَعُوا أحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ وصَلَّى فِى أىِّ سَاعَةٍ شاءَ مِنْ لَيْلٍ أوْ نَهَار" (٤٣). وعن أبي ذَرٍّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا بَعْدَ العَصْرِ إلَى أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، إلَّا بِمَكَّةَ" يقول: قال ذلك ثَلَاثًا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٤٤). ولنَا، عُمُومُ النَّهْىِ، وأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ الصَّلاةَ، فاسْتَوَتْ فيه مَكَّةُ وغيرُها، كالحَيْضِ، وحَدِيثُهم أراد به رَكْعَتَىِ الطَّوَافِ، فيَخْتَصُّ بهما، وحَدِيثُ أَبِى ذَرٍّ ضَعِيفٌ، يَرْوِيه عَبْدُ اللهِ بن المُؤَمَّل، وهو ضَعِيفٌ، قالَه يَحْيَى بن مَعِين.
فصل: ولا فَرْقَ في وَقْتِ الزَّوالِ [بين يومِ الجُمُعَةِ وغيره] (٤٥)، ولا بين الشِّتَاءِ والصَّيْفِ، كان عمرُ بنُ الخَطَّابِ يَنْهَى عنه، وقال ابنُ مسعودٍ: كُنَّا نُنْهَى عن ذلك. يعني يومَ الجُمُعَةِ. وقال سعيدٌ المَقْبُرِىُّ (٤٦): أدْرَكْتُ النّاسَ وهم يَتَّقُونَ ذلك. وعن عَمْرِو بنِ سَعِيدِ بن العَاصِ، عن أبيهِ قال: كنتُ ألْقَى أَصْحَاب رَسُولِ
стр. 1042
اللهِ ﷺ ، فإذا زَالَتِ الشَّمْسُ قامُوا فَصَلُّوا أَرْبَعًا. ورَخَّصَ فيه الحَسَنُ، وطَاوُسٌ، والأوْزَاعِىُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ في يوم الجُمُعَةِ؛ لمَا رَوَى أبو سعيدٍ، أنَّ النَّبَىَّ ﷺ نَهَى عن الصَّلاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الجُمُعَةِ (٤٧). وعن أبِي قَتَادَةَ مثلُه، رَوَاه أبو دَاوُدَ (٤٨). ولأنَّ النّاسَ يَنْتَظِرون الجُمُعَةِ في هذا الوَقْتِ، ولَيس عليهم قَطْعُ النَّوَافِلِ. وقال مالِكٌ: أكْرَهه إذا عَلِمْتُ انْتِصَاف النَّهَارِ، وإذا كنتُ في مَوْضِعٍ لا أعْلَمُه، ولا أَسْتَطِيعُ أنْ أنْظُرَ، فإنى أرَاه وَاسِعًا. وأبَاحَهُ فيها عَطَاءٌ في الشِّتَاءِ دون الصَّيْفِ؛ لأنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، وذلك الوَقْتُ حين تُسْجَرُ جَهَنَّمُ. ولنَا، عُمُومُ الأحادِيثِ في النَّهْىِ. وذُكرَ لأحمدَ الرُّخْصَةُ في الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ يومَ الجُمعَةِ، قال: فيه حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ من ثَلَاثَة وُجُوهٍ: حَدِيثُ عَمْرو بن عَبَسَةَ (٤٩)، وحَدِيثُ عُقْبَةَ بن عامِرٍ (٥٠)، وحَدِيثُ الصُّنَابِحِىِّ، رَوَاهُ الأثْرَمُ (٥١)، عن عَبْدِ اللَّه الصُّنَابِحِىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمّ إذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَها، فَإِذَا غَرُبَتْ فَارَقَهَا". ونَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن الصَّلَاةِ في تلك السَّاعَاتِ. ولأنَّه وَقْتُ نَهْىٍ، فاسْتَوىَ فيه يَوْمُ الجُمُعَةِ وغيرُه، كسائِرِ الأوْقاتِ، وحَدِيثُهم ضَعِيفٌ، في
стр. 1043
إسْنَادِهِ لَيْثُ [بنُ أبِى سُلَيْمٍ] (٥٢)، وهو ضَعِيفٌ، وهو مُرسَلٌ؛ لأنَّ أبا الخَلِيلِ يَرْوِيه عن أبي قَتَادَةَ، ولم يَسْمَعْ منه. وقولُهم: إنَّهم يَنْتَظِرُونَ الجُمُعَةَ. قلنا: إذا عَلِمَ وَقْتَ النَّهْىِ فليس له أنْ يُصَلِّىَ، فإنْ شَكَّ فله أنْ يُصَلِّىَ حتَّى يَعْلَمَ؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ. واللَّه أعلمُ.
٢٣٨ - مسألة؛ قال: (وَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى)
يَعْنِى يُسَلِّمُ مِن كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، والتَّطَوُّعُ قِسْمَانِ؛ تَطَوُّعُ لَيْلٍ، وتَطَوُّعُ نَهَارٍ، فأمَّا تَطَوُّعُ اللَّيْلِ فلا يَجُوزُ إلَّا مَثْنَى مَثْنَى. هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وبه قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: إن شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ، وإن شِئْتَ أرْبَعًا، وإن شِئْتَ سِتًّا، وإن شِئْتَ ثَمَانِيًا. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن عائشةَ قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وَبيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ تَسْلِيمَةٌ". رَوَاهُ الأثْرَمُ (٢).
٢٣٩ - مسألة؛ قال: (وإن تَطَوَّعَ بأَرْبَعٍ في النَّهَارِ فلا بَأْسَ)
الأَفْضَلُ في تَطَوُّعِ النَّهَارِ: أن يكونَ مَثْنَى مَثْنَى. لما رَوَى عَلِىُّ بنُ عَبْدِ اللهِ البارِقِىُّ، عن ابْنِ عمرَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنه قال: "صَلَاةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ (١) مَثْنَى مَثْنَى". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢)، والأثْرَمُ. ولأنَّه أبعَدُ من (٣) السَّهْوِ، وأشْبَهُ بِصَلاةِ
стр. 1044
اللَّيْلِ، وتَطَوُّعَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فإنَّ الصَّحِيحَ في تَطَوُّعَاتِه رَكْعَتَانِ. وذَهَبَ الحَسنُ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وحَمَّادُ ابنُ أبي سليمانَ إلى أنَّ تَطَوُّعَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى (٤) لذلك. والصَّحِيحُ أنَّه إنْ تَطَوَّعَ في النَّهارِ بأرْبَعٍ فلا بَأْسَ، فَعَلَ ذلك ابْنُ عُمرَ، وكان إسْحَاقُ يقولُ: صَلَاةُ النَّهَارِ أخْتارُ أرْبَعًا، وإن صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَازَ. ويُشْبِهُه قولُ الأوْزَاعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأيِ؛ لما رُوِىَ عن أبى أيُّوبَ، عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا يُسَلَّمُ فِيهِنَّ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٥). ولأنَّ مَفهُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" أنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ رُبَاعِيةٌ. ولنَا، على أنَّ الأفْضَلَ مَثْنَى، ما تقدَّم، وحَدِيثُ أبى أَيُّوبَ يَرْوِيه عُبَيْدةُ (٦) بن مُعَتَّبٍ، وهو ضَعِيفٌ، ومَفْهُومُ الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عليه يَدُلُّ على جَوَازِ الأرْبَعِ لا على تَفْضِيلِها، وأمَّا حَدِيثُ البَارِقِىِّ فإنَّه تَفَرَّدَ بِزِيادَةِ لَفْظَةِ "النَّهَارِ" مِن بين سائِرِ الرُّوَاةِ، وقد رَوَاهُ عن ابْنِ عمرَ نحوٌ من خَمْسَةَ عَشرَ نَفْسا، لم يَقُلْ ذلك أحدٌ سِوَاه، وكان ابنُ عمرَ يُصَلِّى أرْبَعًا، فَيدُلُّ ذلك على ضَعْفِ رِوَايَتِه، أو على أنَّ المُرَادَ بذلك الفَضِيلَةُ، مع جَوَازِ غيرِه. واللهُ أعلمُ.
فصل: قال بعضُ أصْحَابِنا: ولا يُزَادُ في اللَّيْلِ على اثْنَتَيْنِ، ولا في النَّهارِ على أرْبَعٍ، ولا يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ ولا بِثَلَاث. وهذا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ. وقال القاضي: لو صَلَّى سِتًّا في لَيْلٍ أو نَهَارٍ، كُرِهَ وصَحَّ. وقال أبو الخَطَّابِ: في صِحَّةِ التَّطَوُّعِ بِرَكْعَةٍ رِوَايتانِ؛ إحْدَاهما، يَجُوزُ؛ لما رَوَى سعيدٌ (٧)، قال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عن قَابُوسٍ، عن أبيه، قال: دَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فصَلَّى رَكْعَةً، ثم خَرَجَ
стр. 1045
فَتَبِعَهُ رَجُلٌ، فقال: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّما صَلَّيتَ رَكْعَةً. قال: هو تَطَوُّعٌ، فمن شَاءَ زَادَ، ومن شَاءَ نَقَصَ. ولَنا، أنَّ هذا خِلَافُ قَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى". ولأنَّه يَرِدِ الشَّرْعُ بمثْلِه، والأحْكَامُ إنَّما تُتَلَقَّى من الشَّارِعِ، إمَّا مِن نصِّه، أو مَعْنَى نصِّه، وليس ههُنا شَىْءٌ من ذلك.
فصل: والتَّطَوُّعَاتُ قِسْمَانِ؛ أحَدُهُما، ما تُسَنُّ له الجماعةُ، وهو صَلاةُ الكُسُوفِ والاسْتِسْقَاءِ والتَّراوِيحِ، ونَذْكُرُها، إن شاءَ اللهُ، في مَوَاضِعِها. والثانى، ما يُفْعَلُ على الانْفِرَادِ، وهى قِسْمَانِ؛ سُنَّةٌ مُعَيَّنَةٌ، ونَافِلَةٌ مُطْلَقَةٌ، فأمَّا المُعَيَّنَةُ فَتَتَنَوَّعُ أنْوَاعًا؛ منها، السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ مع الفَرَائِضِ، وهى عَشْرُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قبل الظُّهْرِ، ورَكْعَتَانِ بعدَها، ورَكْعَتَانِ بعدَ المَغْرِبِ، ورَكْعَتَانِ بعدَ العِشَاءِ، ورَكْعَتَانِ قبلَ الفَجْرِ. وقال أبو الخَطَّابِ: وأَرْبَعٌ قبل العَصْرِ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ قال: قال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "رَحِمَ اللَّه امْرَأً صَلَّى قبلَ العَصْرِ أرْبَعًا". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٨). وقال الشَّافِعِىُّ: قبل الظُّهْرِ أَرْبَعٌ؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ شَقِيقٍ، قال: سألتُ عائشةَ عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ فقالتْ: كان يُصَلِّى في بَيْتِه قبلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثم يَخْرُجُ فَيُصَلِّى بالنَّاسِ، ثم يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وكان يُصَلِّى بالناسِ المَغْرِبَ، ثم يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، ثم يُصَلِّى بالناسِ العِشَاءَ ويَدْخُلُ بَيْتِى، فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩). ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: حَفِظْتُ عن رسولِ اللهِ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ؛ رَكْعَتَيْنِ قبلَ الظُّهْرِ، ورَكْعَتَيْنِ بعدَها، ورَكْعَتَيْنِ بعدَ المَغرِبِ في بَيْتهِ، ورَكْعَتَيْنِ بعدَ العِشَاءِ في بَيْتهِ، ورَكْعَتَيْنِ قبلَ الصُّبْحِ، كانتْ ساعةً لا يُدْخَلُ علَى النَّبِيِّ ﷺ فيها، حَدَّثَتْنِى حَفْصَةُ، أنَّه
стр. 1046
كان إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ وطَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). ولِمُسْلِمٍ: وبَعدَ الجُمُعَةِ سَجْدَتَيْنِ. ولم يَذْكُرْ رَكْعَتَيْنِ قبل الصُّبْحِ. ورَوَى التِّرْمِذِىُّ عن عائِشةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ مثلَ ذلك (١١). وقال: هو حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وقوله: رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قبل العَصْرِ أرْبَعًا. تَرْغِيبٌ فيها، ولم يَجْعَلْها من السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، بِدَلِيلِ أن ابنَ عمرَ رَاوِيه ولم يَحْفَظْها عن النَّبِيِّ ﷺ ، وحَدِيثُ عائشةَ قد اخْتُلِفَ فيه، فرُوِىَ عنها مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ عمرَ.
فصل: وآكَدُ هذه الرَّكَعَاتِ رَكْعَتَا الفَجْرِ، قالت عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: إن رسولَ اللهِ ﷺ لم يكُنْ على شيءٍ من النَّوَافِلِ أشَدَّ مُعَاهَدَةً منه علَى [رَكْعَتَيْنِ قبلَ الصُّبْحِ] (١٢). مُتَّفَقٌ عليه (١٣). وفى لَفْظٍ: ما رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في شَىْءٍ من النَّوَافِلِ أَسْرَعَ مِنهُ إلى الرَّكْعَتَيْنِ قبل الفَجْرِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وقال: "رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما فِيهَا". وفى لَفْظٍ: "أحَبُّ إلَىَّ من الدُّنْيَا وما فِيها". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلُّوهُمَا ولَوْ طَرَدَتْكُمُ
стр. 1047
الخَيْلُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٤). ويُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهما، فإنَّ عائشةَ قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى رَكْعَتَى الفَجْرِ فَيُخَفِّفُ، حتى إنِّي لأَقُولُ: هل قَرَأ فِيهِما بأُمِّ الكِتَابِ؟ . مُتَّفَقٌ عليه (١٥). ويُسْتَحَبُّ أن يقْرَأَ فيهما ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لما رَوَى أبو هُرَيْرَة، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأ في رَكْعَتَىِ الفَجْرِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٦). وقال ابنُ عمرَ: رَمَقْتُ النَّبِىَّ ﷺ شَهْرًا، فكان يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ قبل الفَجْرِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١٧). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وعن ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَىِ
стр. 1048
الفَجْرِ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التي في البَقَرَةِ (١٨)، وفى الآخِرَةِ منهما ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١٩). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٠).
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضْطَجِعَ بعدَ رَكْعَتَىِ الفَجْرِ على جَنْبِهِ الأيْمَنِ، وكان أبو موسى ورَافِعُ بنُ خَدِيج، وأنَسُ بن مالِكٍ يَفْعَلُونَه، وأنْكَرَهُ ابنُ مَسعودٍ، وكان القاسِمُ، وسَالِمٌ، ونَافِعٌ لا يَفْعَلُونَه. واخْتَلَفَ (٢١) فيه عن ابْنِ عمرَ. ورُوِىَ عن أحمدَ: أنَّه ليس بِسُنَّةٍ؛ لأنَّ ابْنَ مسعودٍ أنْكَرَهُ. ولنَا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، فَلْيَضْطَجِعْ" (٢٢). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. رَوَاهُ البَزَّارُ (٢٣) في مُسْنَدِهِ وقال: "عَلَى شِقِّه الأيْمَنِ" وعن عائِشَةَ قالت: كان النبيُّ ﷺ إذا صَلَّى رَكْعَتَىِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ على شِقِّهِ الأَيْمَنِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٤). وهذا لَفْظُ رِوَايةِ البُخَارِىِّ، واتِّبَاعُ النبيِّ ﷺ في قوْلهِ وفِعْلهِ أَوْلَى من اتِّبَاعِ مَن خَالَفَه كائِنًا مَن كان.
стр. 1049
فصل: ويَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ بعدَ المَغْرِبِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لما رَوَى ابنُ مسعودٍ، قال: ما أُحْصِى ما سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يَقْرأُ في الرَّكْعَتَيْنِ بعدَ المَغْرِبِ، وفى الرَّكْعَتَيْنِ قبلَ الفَجْرِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ، وابنُ مَاجَه (٢٥).
ويُسْتَحَبُّ فِعْلُ السُّنَنِ في البَيْتِ؛ لما ذَكَرْنا من حَدِيثِ ابنِ عمرَ: أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّى رَكْعَتَىِ الفَجْرِ والمَغْرِبِ والعِشَاءِ في بَيْتهِ (٢٦)، وقال أبو دَاوُدَ: ما رأيتُ أحمدَ رَكَعَهُما، يَعْنِى [رَكْعَتَىِ الفَجْرِ] (٢٧)، في المَسْجِدِ قَطُّ، إنَّما كان يَخْرُجُ فيَقْعُدُ في المَسْجِدِ حتى تُقَامَ الصَّلَاةُ. وقال الأثْرَمُ: سمِعتُ أبا عبدِ اللهِ سُئِلَ عنِ الرَّكْعَتَيْنِ بعد الظُّهْرِ أين يُصَلَّيَانِ؟ قال: في المَسْجِدِ، ثم قال: أمَّا الرَّكْعَتَانِ قبلَ الفَجْرِ ففى بَيْتهِ، وبعد المَغْرِبِ في بَيْتهِ. ثم قال: ليس ههُنا شيءٌ آكَدُ من الرَّكْعَتَيْنِ بعد المَغْرِبِ. وذَكَرَ حَدِيثَ ابن إسْحَاقَ: "صَلُّوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ في بُيُوتِكُمْ" (٢٨). قيل لأحمدَ: فإن كان مَنْزِلُ الرَّجُلِ بَعِيدًا؟ قال: لا أدْرِى. وذلك لما رَوَى سعدُ بنُ إسْحاقَ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أتَاهُمْ في مَسْجِدِ بَنِى عبدِ الأشْهَلِ، فَصَلَّى المَغْرِبَ، فَرَآهُم يَتَطَوَّعُونَ بعدَها.
стр. 1050
فقال: "هذِهِ صَلَاةُ البُيُوتِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢٩). وعن رَافِعِ بن خدِيجٍ، قال: أتَانَا النَّبِىُّ ﷺ في بَنِى عبدِ الأشْهَلِ، فَصَلَّ ى بنا المَغْرِبَ في مَسْجِدِنا، ثم قال: "ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ في بُيُوتِكُمْ"، رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٣٠)، والأثْرَمُ، ولَفْظُه، قال: "صَلُّوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ في بُيُوتِكُمْ".
فصل: كُلُّ سُنَّةٍ قبلَ الصَّلَاةِ، فوَقْتُها من دُخُولِ وَقْتِها إلى فِعْلِ الصَّلَاةِ، وكُلُّ سُنَّةٍ بعدَها، فوَقْتُها من فِعْلِ الصَّلَاةِ إلى خُرُوجِ وَقْتِها، فإن فاتَ شيءٌ من وَقْتِ هذه السُّنَنِ، فقال أحمدُ: لم يَبْلُغْنَا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى شَيْئًا من التَّطَوُّعِ، إلَّا رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، والرَّكْعَتَيْنِ بعدَ العَصْرِ. وقال ابنُ حامِدٍ: تُقْضَى جَمِيعُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ في جَمِيعِ الأوْقَاتِ إلَّا أوقَاتِ النَّهْىِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى بَعْضَها، وقِسْنَا البَاقِىَ عليه. وقال (٣١) بعضُ أصْحابِنا: لا يُقْضَى إلَّا رَكْعَتَا الفَجْرِ (٣٢)، إلى وَقْتِ الضُّحَى، ورَكْعَتا الظُّهْرِ. فإنّ أحمدَ قال: ما أعْرِفُ وِتْرًا بعدَ الفَجْرِ. ورَكْعَتَا الفَجْرِ تُقْضَى إلى وَقْتِ الضُّحَى. قال مالِكٌ: تُقْضَى رَكْعَتَا الفَجْرِ إلى وَقْتِ الزَّوَالِ، ولا تُقْضَى بعدَ ذلك. وقال النَّخَعِىُّ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، والحَسنُ: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فلا وِتْرَ. وقال بعضُهم: مَن صَلَّى الغَدَاةَ فلا وِتْرَ عليه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لما ذَكَرْنَا وقد (٣٣) قال أحمدُ، ﵀: أُحِبُّ أن يكونَ له شَىْءٌ من النَّوَافِلِ يُحَافِظُ عليه، إذا فَاتَ قَضَاهُ (٣٤). النَّوْعُ الثَّانِى، تَطَوُّعَاتٌ مع السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، يُسْتَحَبُّ أنْ يُصَلِّىَ قبلَ الظُّهْرِ أرْبَعًا وأرْبَعًا بعدَها؛ لما رَوَتْ أم حَبِيبَةَ، قالتْ:
стр. 1051
سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وأَرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ". رَوَاه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٣٥) وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. ورَوَى أبو أيُّوبَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ تُفتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ". وقد ذَكَرْناهُ (٣٦). علَى أرْبَعٍ قبلَ العَصْرِ؛ لقوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ : "رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أرْبَعًا". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣٧)، وعن عَليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ : وأرْبَعًا قبلَ الظُّهْرِ إذا زَالَتِ الشَّمْسُ، ورَكْعَتَيْنِ بعدَها، وأرْبَعًا قبلَ العَصْرِ، يَفْصِلُ بين كلّ رَكْعَتَيْنِ بالسَّلامِ على المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ والنَّبِيِّينَ ومن تَبِعَهُم من المُسْلِمِينَ. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٣٨). وعلى أَرْبَعٍ بعد سُنَّةِ المَغْرِبِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى بَعْدَ المَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ، لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ اثْنَتَىْ عَشرَةَ سَنَةً" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣٩)،
стр. 1052
وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا من حَدِيثِ عمرَ بنِ أبي خَثْعَمٍ. وضَعَّفَهُ البُخَارِيُّ جِدًّا. وعلى أرْبَعٍ بعدَ العِشَاءِ؛ لما رُوِىَ عن شُرَيْحِ بْنِ هَانِىءٍ، عن عائشةَ، قال: سَأَلْتُها عن صَلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ فقالتْ: ما صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ العِشَاءَ قَطُّ إلَّا صَلَّى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، أو سِتَّ رَكَعَاتٍ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٤٠).
فصل: واخْتُلِفَ في أرْبَعِ رَكَعَاتٍ، منها رَكْعَتَانِ قبلَ المَغْرِبِ بعدَ الأذَانِ؛ فظَاهِرُ كَلَامِ أحمدَ، أنَّهما جَائِزَتانِ ولَيْسَتَا سُنَّةً. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ، الرَّكْعَتَانِ قبلَ المَغْرِبِ؟ قال: ما فَعَلْتُه قَطُّ إلَّا مَرَّةً، حين سَمِعْتُ الحَدِيثَ، وقال: فيهما أحاديثُ جِيَادٌ، أو قال: صِحَاحٌ، عن النَّبِيِّ ﷺ وأصْحَابِه والتَّابِعِينَ. إلَّا أنَّه قال: "لِمَن شَاءَ" (٤١). فمن شَاءَ صَلَّى. وقال: هذا شَىْءٌ يُنْكِرُه النَّاسُ. وضَحِكَ كالمُتَعَجِّبِ، وقال: هذا عندهم عَظِيمٌ. والدَّلِيلُ على جَوَازِهما ما رَوَى أنَسٌ، قال: كُنَّا نُصَلِّى علَى عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بعد غُرُوبِ الشَّمْسِ قبلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ. قال المُخْتَارُ بن فُلْفُلٍ: فقلت له، أكان رسولُ اللهِ ﷺ صَلَّاهُمَا؟ قال: كان يَرَانَا نُصَلِّيهما، فلم يَأْمُرْنَا ولم يَنْهَنَا. مُتَّفَقٌ عليه (٤٢). وقال أنَس: كُنَّا بالمَدِينَةِ إذا أَذَّنَ المُؤذِّنُ لِصَلَاةِ المَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِىَ، فرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ، حتى إنَّ الرَّجُلَ الغَرِيبَ لَيَدْخُلُ المَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أنَّ الصَّلَاةَ قِد صُلِّيَتْ، مِن كَثْرَةِ من يُصَلِّيهما. رَوَاه مُسْلِمٌ (٤٣). وعن عبدِ اللهِ بْنِ
стр. 1053
المُغَفَّلِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلَاةٌ". قالَها ثَلَاثًا، ثم (٤٤) قال في الثَّالِثَة: "لِمَنْ شَاءَ". أخْرَجَهُما مُسْلِمٌ (٤٥). وقال عُقْبَةُ: كُنَّا نَفْعَلُه على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ . وعن عبدِ اللَّه (٤٦) المُزَنِيِّ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ". قال: ثم قال: "صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ". قال: ثم قال: "صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ". خَشْيَةَ أنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. مُتَّفَقٌ عليه (٤٧). ومنها، الرَّكْعَتَانِ بعد الوِتْرِ، فظَاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهما، وإنْ فَعَلَهما إنْسَانٌ جَاز. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن الرَّكْعَتَيْنِ بعدَ الوِتْرِ، قِيلَ له: قد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ، فما تَرَى فيهما (٤٨)؟ فقال: أرْجُو إنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ أنْ (٤٩) لا يُضَيَّقَ عليه، ولكن يكون وهو جَالِسٌ، كما جاءَ الحديثُ. قلتُ: تَفْعَلُه أنْتَ؟ قال: لا، ما أفْعَلُه. وعَدَّهما أبو الحَسنِ الآمِدِيُّ من السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ. والصَّحِيحُ أنَّهُما لَيْسَتَا بِسُنَّةٍ؛
стр. 1054
لأنَّ أكْثَرَ مَن وَصَفَ تَهَجُّدَ النَّبِيِّ ﷺ لم يَذْكُرْهُمَا؛ مِن ذلك حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ, وزيدِ بنِ خالدٍ، وعائشةَ، فيما رَوَاهُ عنها عُرْوَةُ وعبدُ اللهِ بنُ شَقِيق، والقاسمُ، واخْتَلَفَ فيه (٥٠) عن أبي سَلَمَةَ، وأكْثَرُ الصَّحابةِ ومَن بَعْدَهم مِن أهْلِ العِلْمِ على تَرْكِهما (٥١). ووَجْهُ الجَوازِ، ما رَوَى سعدُ بنُ هشامٍ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُصَلِّى مِن اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ، ثم يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنا، ثم يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بعدَ ما يُسَلِّمُ، وهو قاعِدٌ، فتلك إحْدَى عَشرةَ زَكْعَةً. وقال أبو سَلَمةَ: سأَلْتُ عائشةَ عن صَلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالت: كان يُصَلِّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّى ثمَانِىَ رَكَعَاتٍ، ثم يُوتِرُ، ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ وهو جَالِسٌ، فإذا أرَادَ أنْ يَرْكَعَ قامَ فرَكَعَ ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ بينَ النِّدَاءِ والإِقَامَةِ من صَلَاةِ الصُّبْحِ. رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٥٢). ورَوَى ذلك أبو أُمَامَةَ أيضًا، وأوْصَى بهما خالدُ بن مَعْدَانَ، وكَثِيرُ بن مُرَّةَ الحَضْرَمِيُّ، وفَعَلَهما الحسنُ، فهذا وَجْهُ جَوَازِهما. النَّوْعُ الثَّالِث:
стр. 1055
صَلَوَاتٌ مُعَيَّنَةٌ سِوَى ذلك، منها صَلَاةُ الضُّحَى، وهى مُسْتَحَبَّةٌ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ قال: أوْصَانِي خَلِيلِى بِثَلَاثٍ: صِيَامُ ثَلَاثَة أَيَّامٍ مِن كلِّ شَهْرٍ، ورَكْعَتَىِ الضُّحَى، وأنْ أُوتِرَ قبلَ أن أَرْقُدَ. مُتَّفَقٌ عليه (٥٣). وعن أبي الدَّرْدَاء، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: أَوْصَانِي حَبِيبِى بثَلَاثٍ لن أَدَعَهُنَّ ما عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ من كل شَهْرٍ، وصَلَاةِ الضُّحَى، وأنْ لا أنَامَ حتى أُوتِرَ. ورَوَى أبُو ذَرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "يُصْبِحُ على كُلِّ سُلَامَى (٥٤) مِن أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وأمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، ونَهْىٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، ويُجْزِىءُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُما من الضُّحَى". رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٥٥). فأقَلُّها رَكْعَتَانِ لهذا الخبرِ، وأكْثَرُها ثَمَانٍ في قَوْلِ