سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وأَرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ". رَوَاه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٣٥) وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. ورَوَى أبو أيُّوبَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ تُفتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ". وقد ذَكَرْناهُ (٣٦). علَى أرْبَعٍ قبلَ العَصْرِ؛ لقوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ : "رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أرْبَعًا". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣٧)، وعن عَليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ : وأرْبَعًا قبلَ الظُّهْرِ إذا زَالَتِ الشَّمْسُ، ورَكْعَتَيْنِ بعدَها، وأرْبَعًا قبلَ العَصْرِ، يَفْصِلُ بين كلّ رَكْعَتَيْنِ بالسَّلامِ على المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ والنَّبِيِّينَ ومن تَبِعَهُم من المُسْلِمِينَ. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٣٨). وعلى أَرْبَعٍ بعد سُنَّةِ المَغْرِبِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى بَعْدَ المَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ، لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ اثْنَتَىْ عَشرَةَ سَنَةً" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣٩)،
стр. 1052
وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا من حَدِيثِ عمرَ بنِ أبي خَثْعَمٍ. وضَعَّفَهُ البُخَارِيُّ جِدًّا. وعلى أرْبَعٍ بعدَ العِشَاءِ؛ لما رُوِىَ عن شُرَيْحِ بْنِ هَانِىءٍ، عن عائشةَ، قال: سَأَلْتُها عن صَلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ فقالتْ: ما صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ العِشَاءَ قَطُّ إلَّا صَلَّى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، أو سِتَّ رَكَعَاتٍ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٤٠).
فصل: واخْتُلِفَ في أرْبَعِ رَكَعَاتٍ، منها رَكْعَتَانِ قبلَ المَغْرِبِ بعدَ الأذَانِ؛ فظَاهِرُ كَلَامِ أحمدَ، أنَّهما جَائِزَتانِ ولَيْسَتَا سُنَّةً. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ، الرَّكْعَتَانِ قبلَ المَغْرِبِ؟ قال: ما فَعَلْتُه قَطُّ إلَّا مَرَّةً، حين سَمِعْتُ الحَدِيثَ، وقال: فيهما أحاديثُ جِيَادٌ، أو قال: صِحَاحٌ، عن النَّبِيِّ ﷺ وأصْحَابِه والتَّابِعِينَ. إلَّا أنَّه قال: "لِمَن شَاءَ" (٤١). فمن شَاءَ صَلَّى. وقال: هذا شَىْءٌ يُنْكِرُه النَّاسُ. وضَحِكَ كالمُتَعَجِّبِ، وقال: هذا عندهم عَظِيمٌ. والدَّلِيلُ على جَوَازِهما ما رَوَى أنَسٌ، قال: كُنَّا نُصَلِّى علَى عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بعد غُرُوبِ الشَّمْسِ قبلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ. قال المُخْتَارُ بن فُلْفُلٍ: فقلت له، أكان رسولُ اللهِ ﷺ صَلَّاهُمَا؟ قال: كان يَرَانَا نُصَلِّيهما، فلم يَأْمُرْنَا ولم يَنْهَنَا. مُتَّفَقٌ عليه (٤٢). وقال أنَس: كُنَّا بالمَدِينَةِ إذا أَذَّنَ المُؤذِّنُ لِصَلَاةِ المَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِىَ، فرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ، حتى إنَّ الرَّجُلَ الغَرِيبَ لَيَدْخُلُ المَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أنَّ الصَّلَاةَ قِد صُلِّيَتْ، مِن كَثْرَةِ من يُصَلِّيهما. رَوَاه مُسْلِمٌ (٤٣). وعن عبدِ اللهِ بْنِ
стр. 1053
المُغَفَّلِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلَاةٌ". قالَها ثَلَاثًا، ثم (٤٤) قال في الثَّالِثَة: "لِمَنْ شَاءَ". أخْرَجَهُما مُسْلِمٌ (٤٥). وقال عُقْبَةُ: كُنَّا نَفْعَلُه على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ . وعن عبدِ اللَّه (٤٦) المُزَنِيِّ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ". قال: ثم قال: "صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ". قال: ثم قال: "صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ". خَشْيَةَ أنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. مُتَّفَقٌ عليه (٤٧). ومنها، الرَّكْعَتَانِ بعد الوِتْرِ، فظَاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهما، وإنْ فَعَلَهما إنْسَانٌ جَاز. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن الرَّكْعَتَيْنِ بعدَ الوِتْرِ، قِيلَ له: قد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ، فما تَرَى فيهما (٤٨)؟ فقال: أرْجُو إنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ أنْ (٤٩) لا يُضَيَّقَ عليه، ولكن يكون وهو جَالِسٌ، كما جاءَ الحديثُ. قلتُ: تَفْعَلُه أنْتَ؟ قال: لا، ما أفْعَلُه. وعَدَّهما أبو الحَسنِ الآمِدِيُّ من السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ. والصَّحِيحُ أنَّهُما لَيْسَتَا بِسُنَّةٍ؛
стр. 1054
لأنَّ أكْثَرَ مَن وَصَفَ تَهَجُّدَ النَّبِيِّ ﷺ لم يَذْكُرْهُمَا؛ مِن ذلك حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ, وزيدِ بنِ خالدٍ، وعائشةَ، فيما رَوَاهُ عنها عُرْوَةُ وعبدُ اللهِ بنُ شَقِيق، والقاسمُ، واخْتَلَفَ فيه (٥٠) عن أبي سَلَمَةَ، وأكْثَرُ الصَّحابةِ ومَن بَعْدَهم مِن أهْلِ العِلْمِ على تَرْكِهما (٥١). ووَجْهُ الجَوازِ، ما رَوَى سعدُ بنُ هشامٍ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُصَلِّى مِن اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ، ثم يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنا، ثم يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بعدَ ما يُسَلِّمُ، وهو قاعِدٌ، فتلك إحْدَى عَشرةَ زَكْعَةً. وقال أبو سَلَمةَ: سأَلْتُ عائشةَ عن صَلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالت: كان يُصَلِّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّى ثمَانِىَ رَكَعَاتٍ، ثم يُوتِرُ، ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ وهو جَالِسٌ، فإذا أرَادَ أنْ يَرْكَعَ قامَ فرَكَعَ ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ بينَ النِّدَاءِ والإِقَامَةِ من صَلَاةِ الصُّبْحِ. رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٥٢). ورَوَى ذلك أبو أُمَامَةَ أيضًا، وأوْصَى بهما خالدُ بن مَعْدَانَ، وكَثِيرُ بن مُرَّةَ الحَضْرَمِيُّ، وفَعَلَهما الحسنُ، فهذا وَجْهُ جَوَازِهما. النَّوْعُ الثَّالِث:
стр. 1055
صَلَوَاتٌ مُعَيَّنَةٌ سِوَى ذلك، منها صَلَاةُ الضُّحَى، وهى مُسْتَحَبَّةٌ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ قال: أوْصَانِي خَلِيلِى بِثَلَاثٍ: صِيَامُ ثَلَاثَة أَيَّامٍ مِن كلِّ شَهْرٍ، ورَكْعَتَىِ الضُّحَى، وأنْ أُوتِرَ قبلَ أن أَرْقُدَ. مُتَّفَقٌ عليه (٥٣). وعن أبي الدَّرْدَاء، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: أَوْصَانِي حَبِيبِى بثَلَاثٍ لن أَدَعَهُنَّ ما عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ من كل شَهْرٍ، وصَلَاةِ الضُّحَى، وأنْ لا أنَامَ حتى أُوتِرَ. ورَوَى أبُو ذَرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "يُصْبِحُ على كُلِّ سُلَامَى (٥٤) مِن أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وأمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، ونَهْىٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، ويُجْزِىءُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُما من الضُّحَى". رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٥٥). فأقَلُّها رَكْعَتَانِ لهذا الخبرِ، وأكْثَرُها ثَمَانٍ في قَوْلِ
стр. 1056
أصْحابِنا؛ لما رَوَتْ أُمُّ هَانَئٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وصَلَّى ثمانِىَ رَكَعَاتِ، فلم أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ منها، غيرَ أنَّه يُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ. مُتَّفَقٌ عليه (٥٦). ووَقْتُها إذا عَلَتِ الشَّمْسُ واشْتَدَّ حَرُّهَا؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ" (٥٧). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥٨). قال بعضُ أصْحَابِنا: لا تُسْتَحَبُّ المُدَاوَمَةُ عليها؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُدَاوِمْ عليها، قالت عائِشَةُ: ما رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّى الضُّحَى قَطُّ. مُتَّفَقٌ عليه (٥٩). وعن عبدِ اللهِ بن شَقِيق، قال: قلتُ لِعَائِشَةَ: أكان رَسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى الضُّحَى؟ قالتْ: لا، إلَّا أنْ يَجِىءَ مِن مَغِيبِه. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦٠). وقال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي لَيْلَى: ما حَدَّثَنِي أحَدٌ أنَّه رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّى الضُّحَى إلَّا أُمَّ هانِئٍ، فإنَّها حَدَّثَتْ أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فصَلَّى ثَمَانِىَ
стр. 1057
رَكَعَاتٍ، ما رَأيْتُه قَطُّ صَلَّى صَلَاةً أخَفَّ منها، غيرَ أنَّه كان يُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ. مُتَّفَقٌ عليه (٦١). ولأنَّ في المُدَاوَمَةِ عليها تَشْبِيهًا بالفَرَائِضِ. وقال أبو الخَطَّابِ: تُسْتَحَبُّ المُدَاوَمَةُ عليها؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوْصَى بها أصْحابَه. وقال: "من حَافَظَ عَلَى شَفعَةِ (٦٢) الضُّحَى غُفِرَتْ ذُنُوبُه وإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ" (٦٣). قال التِّرْمِذِيُّ: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حَدِيثِ النَّهَّاسِ بن قَهْمٍ. ولأنَّ أَحَبَّ العَمَلِ إلى اللهِ ما دَاوَمَ عليه صَاحِبُه.
فصل: فأمَّا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ، فإنَّ أحمدَ قال: ما تُعْجِبُنى. قِيلَ له: لِمَ؟ قال: ليس فيها شَىْءٌ يَصِحُّ. ونَفَضَ يَدَهُ كالمُنْكِرِ. وقد رُوِى عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال للعَبَّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ: "يا عَمَّاهُ، ألَا أُعْطِيكَ، ألَا أَمْنَحُكَ، ألَا أَحْبُوكَ، ألَا أَفْعَلُ بِكَ؟ عَشْرُ خِصَالٍ إذا أنتَ فَعَلْتَ ذلك غَفَرَ اللهُ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوَّلَه وآخِرَهُ، وقَدِيمَهُ وحَدِيثَهُ، وخَطَأَهُ وعَمْدَهُ، وصَغِيرَهُ وكَبِيرَهُ، وسِرَّهُ وعَلَانِيَتَهُ، عَشرُ خِصَالٍ؛ أنْ تُصَلِّىَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأَ في كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وسُورَةً، فإذا فَرَغْتَ مِنَ القُرْآنِ، قلتَ سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلّهِ، ولَا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّة، ثُمَّ تَرْكَعُ، فتَقُولُها وأنتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأسَكَ من الرُّكُوعِ، فَتَقُولُها عَشْرا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدا، فَتَقُولُها وأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرا، ثُمَّ تَسْجُدُ، فَتَقُولُها عَشْرا، ثم تَرْفَعُ رَأْسَكَ، فَتَقُولُها عَشْرا، فذلك خَمْسٌ وسَبْعُونَ في كُلّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذلِكَ في الأرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تُصَلِّيَها فِي كلِّ يَوْمٍ مَرَّةً
стр. 1058
فَافْعَلْ، فإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فإن لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فإنْ لم تَفْعَلْ فَفِى عُمْرِكَ مَرَّةً". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٦٤). ولم يُثْبِتْ أحمدُ الحَدِيثَ المَرْوِيَّ فيها، ولم يَرَهَا مُسْتَحَبَّةً، وإن فَعَلَها إنْسَانٌ فلا بَأْسَ؛ فإنَّ النَّوافِلَ والفَضَائِلَ لا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الحَدِيثِ فيها (٦٥).
فصل: في صَلَاةِ الاسْتِخَارَةِ: عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّه الأنْصَارِيِّ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخارَةَ في الأُمُورِ كُلِّها، كما يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ من القُرْآنِ، يقول: "إذَا هَمَّ أحَدُكُمْ بالأمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وأسْتَقْدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وأسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فإنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أقْدِرُ، وتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وأنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لي في دِينى ومَعَاشِي (٦٦) وعَاقِبَةِ أَمْرِي، أو قال: "في عَاجِلِ أمْرِي وآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لي ويَسِّرْهُ لي، ثُمَّ بَارِكْ لي فيهِ، وإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هذَا الأَمْرَ شَرٌّ لي في دِينى ومَعِيشَتِى وعَاقِبَةِ أمْرِى" أو قال: "في عَاجِلِ أمْرِى وَآجِلِه، فَاصْرِفْهُ عَنِّى، وَاصْرِفْنى عَنْهُ، وَاقْدُرْ (٦٧) لِىَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ رَضِّنِى بِهِ"
стр. 1059
ويُسَمِّى حَاجَتَهُ. أخْرَجَهُ البُخَارِيّ (٦٨)
فصل: في صَلَاةِ الحَاجَةِ: عن عَبْدِ اللهِ بنِ أبي أوْفَى، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ إلَى اللهِ حَاجَةٌ، أو إلَى أحَدٍ مِن بَنى آدَمَ، فَلْيَتَوَضَّأْ، ولْيُحْسِنِ الوُضُوءَ، ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، [ثُمَّ لْيُثْنِ] (٦٩) عَلَى اللهِ تَعَالَى، ولْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لْيَقُلْ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ العَلِيُّ العَظِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ الْعَظِيمِ، الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، والغنِيمَةَ مِنْ كلّ بِرٍّ، والسَّلَامَةَ مِنْ كلّ إثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلَّا غَفَرْتَهُ، ولا هَمًّا إلَّا فَرَّجْتَهُ، ولا حَاجَةً هِى لَكَ رِضًا إلَّا قَضَيْتَها، يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٧٠)، وقال: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
فصل: في صَلاةِ التَّوْبةِ: عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: حَدَّثَنِي أبو بكرٍ، وصَدَقَ أبو بكرٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى إلَّا غَفَرَ له". ثم قَرَأ
стр. 1060
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ (٧١) إلى آخرِها. رَوَاه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٧٢)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
فصل: ويُسَنُّ لمن دَخَلَ المَسْجِدَ أنْ لا يَجْلِسَ حتى يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ قبلَ جُلُوسِه؛ لما رَوَى أبُو قَتَادَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (٧٣). فإذا (٧٤) جَلَسَ قبلَ الصَّلاةِ سُنَّ له أنْ يَقُومَ فَيُصَلِّىَ؛ لما رَوَى جَابِرٌ، قال: جَاءَ سُلَيْكٌ الغَطَفَانِيُّ ورسولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، فجَلس (٧٥) فقالَ: "يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وتَجَوَّزْ فِيهِمَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧٦). ويُسْتَحَبُّ أنَ يَتَطوَّعَ بِمثْلِ تَطَوُّعِ النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا صَلَّى الفَجْرَ يُمْهِلُ حتَّى إذا كانتِ الشَّمْسُ مِن ههُنا - يعني مِن قِبَلِ المَشْرِقِ - مِقْدَارَها من صَلَاةِ (٧٧) العَصْرِ من ههُنا - يعني من قِبَلِ المَغْرِبِ - قام فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثم يُمهِلُ حتى إذا كانتِ الشَّمْسُ من ههُنا - يعني من قِبَلِ المَشْرِقِ - مِقْدَارَها من صَلَاةِ الظُّهْرِ
стр. 1061
من ههُنا قامَ فَصَلَّ ى أَرْبَعًا، وأرْبَعًا قبل الظُّهْرِ إذا زَالَتِ الشَّمْسُ، ورَكْعَتَيْنِ بَعدَها، وأرْبَعًا قبل العَصْرِ، يَفْصِلُ بين كلِّ رَكْعَتَيْنِ بالسَّلَامِ على المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ والنَّبيِّينَ ومَن تَبِعَهُم من المُسْلِمِينَ. فتلك سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً، تَطَوُّعُ رسولُ اللهِ ﷺ بالنَّهَارِ، وقَلَّ مَنْ يُدَاوِم عليها (٧٨).
فصل: فأمَّا النَّوَافِلُ المُطْلَقَةُ فَتُشْرَعُ في اللَّيْلِ كُلِّه، وفي النَّهَارِ فيما سِوَى أوْقَات النَّهْىِ، وتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أفْضَلُ من تَطَوُّعِ النَّهَارِ. قال أحمدُ: ليس بعدَ المَكْتُوبَةِ عندى أفضَلُ مِن قِيَامِ اللَّيْلِ. والنَّبِيُّ ﷺ قد أُمِرَ بذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (٧٩). ورَوَى أبو هُرَيْرَة، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ" (٨٠). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ (٨١). وكان قِيَامُ اللَّيْلِ مَفْرُوضًا؛ بِدَلِيلِ قَولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ (٨٢) ثم نُسِخَ بقَوْلِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ (٨٣) الآية.
فصل: " وأفْضَلُ التَّهَجُّدِ جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِر؛ لما رَوَى عمرُو بنُ عَبَسَةَ، قال: قلتُ، يا رسولَ اللهِ، أىُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قال: "جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَصَلِّ
стр. 1062
ما شِئْتَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٨٤). وقال النَّبِيُّ ﷺ : "أفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، ويَقُومُ ثُلُثَهُ، ويَنَامُ سُدُسَهُ" (٨٥). وفي حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ في صِفَةِ تَهَجُّدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه نَامَ حتى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أو قَبْلَه بِقلِيلٍ، أو بعدَه بِقَلِيلٍ، ثم اسْتَيْقَظَ - فَوَصَفَ تَهَجُّدَه حتى قال: ثُمَّ أوْتَرَ، ثم اضْطَجَعَ حتَّى جاء المُؤَذِّنُ. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ أوَّلَ اللَّيْلِ، ويُحْيِى آخِرَهُ، ثُمَّ إنْ كانتْ له حاجَةٌ إلى أهْلِه قَضَى حَاجَتَهُ، ثم يَنَامُ (٨٦)، فإذا كان عندَ النِّدَاءِ الأَوَّلِ وَثَبَ، فأفَاضَ عليه الماءَ، وإن لم يَكُنْ له حاجةٌ تَوَضَّأ. وقالت: [ما أَلْفَى رسولَ اللهِ ﷺ السَّحَرُ] (٨٧) الأعْلَى في بَيْتِي إلَّا نَائِما. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (٨٨). وفي رِوَايَةِ أبي دَاوُدَ: فما يَجِىءُ السَّحَرُ حتى يَفْرَغَ
стр. 1063
من وِتْرِهِ، ولأنَّ آخِرَ اللَّيْلِ يَنْزِلُ فيه الرَّبُّ ﵎ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؛ كما (٨٩) رَوَى أبو هُريْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبُ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنى فأُعْطِيهِ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرُ لَهُ؟ " مُتَّفَقٌ عليه (٩٠). قال أبو عبدِ اللهِ: إذا أغْفَى - يَعْنى بعدَ التَّهَجُّدِ - فإنَّه لا يَبِينُ عليه أثرُ السَّهَرِ، وإذا لم يُغْفِ يَبِينُ عليه. وقال مَسْرُوقٌ: سألتُ عائشةَ: أيَّ حِينٍ كان يُصَلِّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قالت: كان إذا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ، فَصَلَّى. مُتَّفَقٌ عليه (٩١).
стр. 1064
فصل: ويقولُ عند انْتِبَاهِه ما رَوَاه عُبَادَةُ، عن النَّبِيِّ ﷺ , أنَّه قال: "مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلّهِ، وسُبْحَانَ اللهِ، ولَا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، ولَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا باللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى، أو دَعَاءً اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإنْ تَوَضَّأَ وصَلَّى، قُبِلَتْ صَلَاتُه". رَوَاه البُخَارِيُّ (٩٢). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قَامَ من اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قال: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّمواتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ (٩٣) السَّمواتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ مَلِكُ السَّموَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ أنْتَ الحَقُّ؛ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وقَوْلُكَ الحَقُّ، ولِقَاؤُكَ حَقٌّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والسَّاعَةُ حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، ومُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أَنَبْتُ، وبِكَ خَاصَمْتُ، وإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فاغْفِرْ لِى ما قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ، ومَا أَسْرَرْتُ ومَا أَعْلَنْتُ، أنْتَ المُقَدِّمُ وأنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إلهَ إلَّا أنْتَ، ولَا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٩٤). وفي
стр. 1065
مُسْلِم: "أنتَ رَبُّ السَّموَاتِ والأرْضِ". وفيه: "أنْتَ إلهِى لَا إلهَ إلَّا أنْتَ". وعن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قَامَ من اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَه: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكَائِيلَ وإسْرَافِيلَ، فاطِرَ السَّموَاتِ والأرْض، عالمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، أنتَ تَحْكُمُ بين عَبِادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بإِذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ". أخْرَجَه مُسْلِمٌ (٩٥). وعنها، قالت: كان - تَعْنِى رسولَ اللهِ ﷺ إذا قَامَ كَبَّرَ عَشْرا، وحَمَدَ عَشْرا، وسَبَّحَ عَشْرا، وهَلَّلَ عَشْرا، واسْتَغْفَرَ عَشْرا، وقال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وعَافِنِي" ويَتَعَوَّذُ من ضِيقِ المُقَامِ يَوْمَ القِيَامَةِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٩٦).
стр. 1066
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَتَسَوَّكَ؛ لما رَوَى حُذَيْفَةُ، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ إذا قَامَ مِن اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بالسِّوَاكِ. مُتَّفَقٌ عليهِ (٩٧). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه رَقَدَ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فاسْتَيْقَظَ، فتسوَّك (٩٨) وتَوَضَّأ. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كُنَّا نُعِدُّ له - تَعْنِى رَسولَ اللهِ ﷺ سِوَاكَهُ وطَهُورَهُ، فيَبْعَثُه اللَّه ما شاءَ أن يَبْعَثَه، فَيَتَسَوَّكُ، وَيتَوَضَّأُ، ويُصَلِّى تسعَ رَكَعَاتٍ. أخْرَجَهما مُسْلِمٌ (٩٩).
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يفْتَتِحَ (١٠٠) تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ؛ [لما رَوَى أبو هُريرَةَ، رَضِى اللهُ عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "إذا قَامَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ برَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ"] (١٠١) وعن زَيدِ بنِ خالدٍ أنَّه قال: لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثم صَلَّى (١٠٢) رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طوِيلتَيْن (١٠٣) ثم صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وهما دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُما، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وهما دُونَ
стр. 1067
اللَّتَيْنِ قَبْلَهُما، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وهما دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُما، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وهما دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُما، ثم أوْتَرَ، وذلك ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَة. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: كان رسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى من اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشرَةَ رَكْعَةً. أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ (١٠٤). وقد اخْتُلِفَ في عَدَدِ رَكَعَاتِ تَهَجُّدِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ ففى هذينِ الحَدِيثَيْنِ أنَّه ثَلَاثَ عَشرَةَ رَكْعَةً، وقالت عائِشةُ، ما كَان يَزِيدُ في رَمَضَانَ ولا غَيْرِه على إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَة، يُصلِّي أرْبَعًا، فلا تَسْأَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصَلِّي أرْبَعًا، فلا تَسْأَل عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصَلِّي ثَلَاثًا. وفي لفظٍ قالت: كانتْ صَلَاتُه في شَهْرِ رَمَضَانَ وغيرِه باللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشرَةَ رَكْعَةً، منها رَكْعَتَا الفَجْرِ. وفي لَفْظٍ: منها الوِتْرُ ورَكْعَتَا الفَجْرِ. وفي لَفْظٍ: كان يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشرَةَ رَكْعَةً، بِرَكْعَتَىِ الفَجْرِ. وفي لَفْظٍ: كان يُصَلِّي فيما بين صَلَاةِ العِشَاءِ إلى الفَجْرِ إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ من كلّ رَكْعَتَيْنِ، ويُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ. مُتَّفَقٌ عليهِنّ (١٠٥). وَلعَلَّها تَعُدَّ الرَّكْعَتَيْنِ
стр. 1068
الخَفِيفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهما غيرُها، ويحْتَمِلُ أنَّه صَلَّى في لَيْلَةٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وفي لَيْلَةٍ إحْدَى عَشْرَةَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَقْرأَ المُتَهَجِّدُ جُزْءًا من القُرْآنِ في تَهَجُّدِه؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَفْعَلُهُ، وهو مُخَيَّرٌ بين الجَهْرِ بالقِرَاءَة والإِسْرَارِ بها، إلَّا أنَّه إنْ كان الجَهْرُ أنْشَطَ له في القِرَاءةِ، أو كان بِحَضْرَتِه من يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَه، أو يَنْتَفِعُ بها، فالجَهْرُ أفْضَلُ، وإنْ كان قَرِيبا منه مَن يَتَهَجَّدُ، أو من يَسْتَضِرُّ بِرَفْعِ صَوْتهِ فالإِسْرَارُ أوْلَى، وإنْ لم يكن لا هذا ولا هذا، فَلْيَفْعَل ما شَاءَ. قال عبدُ اللهِ بنُ أبي قَيْسٍ: سألتُ عائشةَ: كيف كانَتْ قِرَاءَةُ رسولِ اللهِ؟ فقالت: كُلَّ ذلك كان يَفْعَلُ، رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ (١٠٦). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال أبو هُرَيْرَةَ: كانتْ قِرَاءَةُ رسولِ اللهِ ﷺ يَرْفَعُ طَوْرًا، ويَخْفِضُ طَوْرًا. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: كانتْ قِرَاءَةُ رسولِ اللَّه ﷺ على قَدْرِ ما يَسْمَعُه مَنْ في الحُجْرَةِ وهو في البَيْتِ. رَوَاهما أبو دَاوُدَ (١٠٧). وعن أبي قَتَادَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ، فإذا هو بأبي بكرٍ يُصَلِّي، يَخْفِضُ مِن صَوْتِه، ومَرَّ بِعمرَ
стр. 1069
وهو يُصَلِّي رَافِعا صَوْتَه، قال: فلمَّا اجْتَمَعْنَا عندَ النَّبِيِّ ﷺ قال: "يَا أبَا بَكْرٍ، مَرَرْتُ بِكَ وأنْتَ تُصَلِّى تَخْفِضُ صَوْتَك" قال: إنِّي أسْمَعْتُ مَن نَاجَيْتُ يا رسولَ اللهِ. قال: "ارْفَعْ قَلِيلًا". وقال لِعمرَ: "مَرَرْتُ بِكَ وأنْتَ تُصَلِّى رَافِعا صَوْتَكَ". قال، فقال: يا رسولَ اللهِ أُوقِظُ الوَسْنَانَ، وأطْرُدُ الشَّيْطَانَ. قال: "اخْفِضْ مِنْ صَوْتِك شَيْئا". رَوَاه أَبو دَاوُدَ (١٠٨). وقال أبو سعيدٍ: اعْتَكَفَ رسولُ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ، فَسَمِعَهم يَجْهَرُونَ بالقِرَاءَةِ، فكَشَفَ السِّتْرَ، وقال: "أَلَا إنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤُذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلا يَرْفَعْ بَعْضُكُم عَلَى بَعْضٍ فِي القِرَاءَةِ" أو قال: "في الصَّلَاةِ". أخْرَجَه أبو دَاوُدَ (١٠٩).
فصل: ومَن كان له تَهَجُّدٌ فَفَاتَهُ، اسْتُحِبَّ له قَضَاؤُهُ بين صَلَاةِ الفَجْرِ والظُّهْرِ؛ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أو عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ، فَقَرأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الفَجْرِ وصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّما قَرَأَهُ من اللَّيْلِ". وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا عَمِلَ عَمَلًا أثْبَتَهُ، وكان إذا نَامَ من اللَّيْلِ، أو مَرِضَ، صَلَّى من النَّهَارِ ثِنْتَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. قالت: وما رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ قَامَ لَيْلةً حتى الصَّبَاحِ، وما صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إلَّا رَمَضَانَ. أخْرَجَهُما مُسْلِمٌ (١١٠).
стр. 1070
فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّنَفُّلُ بين المَغْرِبِ والعِشَاءِ؛ لما رُوِىَ عن أنَسِ بن مَالِكٍ في هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (١١١) الآية، قال: كانوا يَتَنَفَّلُونَ (١١٢) ما بين المَغْرِبِ والعِشَاءِ، يُصَلُّونَ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١١٣). وعن عائشةَ رَضِى اللهُ عنها، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قال: "مَنْ صَلَّى بَعْدَ المَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَة بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى الجَنَّةِ" (١١٤). قال أبو عيسى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
فصل: وما وَرَدَ عن النَّبِيِّ ﷺ تَخْفِيفُه أو تَطْوِيلُه، فالأفْضَلُ اتبَاعُه فيه، فإنَّه ﵇ لا يَفْعَلُ إلَّا الأفْضَلَ، وقد ذَكَرْنا بعضَ ما كان النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُهُ ويُطَوِّلُهُ، وما عَدَا ذلك فاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فيه؛ فَرُوِىَ أنَّ الأفْضَلَ كَثْرَةُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، لقولِ ابْنِ مسعودٍ: إنّي لأعْلَمُ النَّظَائِرَ التي كان رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ سُورَتَيْنِ في كلّ رَكْعَةٍ، عِشْرُونَ سُورَةً من المُفَصَّلِ. رَوَاهُ مُسْلمٌ (١١٥). وقال النبيُّ ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ (١١٦) سَجْدَةً إلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، ومَحَا عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، ورَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً" (١١٧). والثانية، التَّطْوِيلُ أفْضَلُ؛ لقَوْلِ
стр. 1071
رسولِ اللهِ ﷺ : "أفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ القُنُوتِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١١٨) ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان أَكْثَر صَلَاتِه التَّهْجُّدُ وكان يُطِيلُه، علَى ما قد مَرَّ ذِكْرُه، ولا يُداوِمُ إلَّا على الأفْضَل. والثالثة، هما سَوَاءٌ؛ لِتَعَارُضِ الأخْبَارِ في ذلك. واللهُ أعْلمُ.
فصل: والتَّطَوُّعُ في البَيْتِ أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ : "عَلَيْكُمْ بالصَّلَاةِ فىِ بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ المَرْءِ فىِ بَيْتهِ إلَّا الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ". رَوَاه مُسْلِمٌ (١١٩). وعن زيدِ بن ثابِتٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "صَلَاةُ المَرْءِ فىِ بَيْتِه أَفْضَلُ من صَلَاتِه في مَسْجِدِي هَذَا، إلَّا المَكْتُوبَةَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٢٠). وقال: "إذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِى مَسْجِدِه فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِه نَصِيبا مِنْ صَلَاتِه؛ فإنَّ اللهَ
стр. 1072
جَاعِلٌ فِي بَيْتِه مِن صَلَاتِه خَيْرًا". رَوَاه مُسْلِمٌ (١٢١). ولأنَّ الصَّلَاةَ في البَيْتِ أقْرَبُ إلى الإِخْلَاصِ. وأَبْعَدُ من الرِّيَاءِ، وهو مِن عَمَلِ السِّرِّ، وفِعْلُه في المَسْجِدِ عَلَانِيَةٌ والسِّرُّ أفْضَلُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ للإِنْسَانِ تَطَوُّعَاتٌ يُدَاوِمُ عليها، وإذا فاتَتْ يَقْضِيها. قال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ ﵀ يقول: يُعْجِبُنِي أنْ يكونَ للِرَّجُلِ رَكَعَاتٌ من اللَّيْلِ والنَّهَارِ مَعْلُومَةٌ، فإذا نَشِطَ، طَوَّلَها، وإذا لم يَنْشَطْ خَفَّفَها. وقالتْ عائشةُ: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ أيُّ الأَعْمَالِ أفْضَلُ؟ قال: "أَدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ". وفي لفظٍ قال: "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إلى اللهِ الّذي يُدَاوِمُ عليه صَاحِبُه، وإنْ قَلَّ". مُتَّفَقٌ عليه (١٢٢). وقالتْ: كان النَّبِىُّ ﷺ إذا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أنْ يُدَاوِمَ عليها. وقالتْ: كان عَمَلُه دِيمةً، وكان إذا عَمِلَ عَمَلًا أثْبَتَهُ. رَوَاه مُسْلِمٌ (١٢٣). وقال عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو: قالَ لي رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَكُنْ مِثْلَ
стр. 1073
فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ" مُتَّفَقٌ عليه (١٢٤).
فصل: يَجُوزُ التَّطَوُّع جَمَاعَةً (١٢٥) وفُرَادَى؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَ الأمْرَيْنِ كِلَيْهِما، وكان أكْثَرُ تَطَوُّعِهِ مُنْفَرِدًا، وصَلَّى بِحُذَيْفَةَ مَرَّةً، وبِابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّةً، وبِأَنَسٍ وأُمِّهِ واليَتِيمِ مَرَّةً، وأَمَّ أَصْحَابَه في بَيْتِ عِتْبَانَ مَرَّةً، وأَمَّهُم في لَيَالِي رَمَضَانَ ثَلَاثًا، وسَنَذْكُرُ أكْثَرَ (١٢٦) هذه الأَخْبَارِ في مَواضِعها إن شاءَ اللهُ تَعَالَى، وهى كُلُّها صِحَاحٌ جِيَادٌ.
٢٤٠ - مسألة؛ قال: (ويُبَاحُ أنْ يَتَطَوَّعَ جَالِسًا)
لا نَعْلَمُ خِلَافًا في إباحةِ التَّطَوُّعِ جالِسًا، وأنَّه في القِيَامِ أفْضَلُ، وقد قال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَائِمِ". مُتَّفَقٌ عليه (١). وفي لَفْظِ مُسْلِمٍ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ" (٢). وقالت عائشةُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَمُتْ حتى كان كَثِيرٌ من صَلَاتِه وهو جَالِسٌ (٣).
стр. 1074
وَرُوِىَ نحوُ ذلك عن حَفْصَةَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمْروٍ (٤)، وجَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، أخرَجَهُنَّ مُسْلِمٌ (٥). ولأنَّ كَثِيرًا مِن النَّاسِ يَشُقُّ عليه طُولُ القِيَامِ، فلو وَجَبَ في التَّطَوُّعِ لَتُرِكَ أكْثَرُه، فَسامَحَ الشَّارِعُ في تَرْكِ القِيَامِ فيه تَرْغِيبًا في تَكْثِيرِه، كما سَامَحَ في فِعْلِه على الرَّاحِلَةِ في السَّفَرِ، وسَامَحَ في نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مِنَ النَّهَارِ.
٢٤١ - مسألة؛ قال: (ويَكْونُ فِي حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا، ويَثْنِى رِجْلَيْهِ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ)
وجُمْلَتُه أنَّه يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَطَوِّعِ جَالِسًا أن يكونَ في حالِ القِيَامِ مُتَرَبِّعًا، رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وأنَسٍ، وابْنِ سِيرِينَ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحَاقَ. وعن أبي حنيفةَ كقَوْلِنا. وعنه يَجْلِسُ كيف شَاءَ. [ورُوِىَ عن ابنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةَ، وابْنِ عُمَرَ: يَجْلِسُ] (١) [كيف شَاءَ] (٢)؛ لأنَّ القِيَامَ سَقَطَ، فَسَقَطَتْ هَيْئَتُه. وَرُوِىَ عن ابْنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةَ، وابْنِ سِيرِينَ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ، وعَطَاءٍ الخُرَاسَانِيّ (٣)، أنَّهم كانو يَحْتبُونَ في التَّطَوُّعِ. واخْتُلِفَ فيه عن عَطَاءٍ، والنَّخَعِيِّ. ولَنا، أنَّ القِيَامَ يُخَالِفُ القُعُودَ فيَنْبَغِي أن تُخَالِفَ هَيْئَتُه في بَدَلِه هَيْئَةَ غيْرِه، كمُخَالَفَةِ القِيَامِ غيرَه، وهو مع هذا أبْعَدُ من السَّهْوِ والاشْتِبَاهِ، وليس إذا سَقَطَ القِيَامُ لِمَشَقَّتِه يَلْزَمُ سُقُوط مالا مَشَقَّةَ فيه، كمَنْ سَقَطَ عنه الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، لا يَلْزَمُ سُقُوطُ الإِيماءِ بهما. وهذا الذي ذَكَرْنا من
стр. 1075
صِفَةِ الجُلُوسِ مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِبٍ، إذ لم يَرِدْ بإيجابهِ دَلِيلٌ. فأمَّا قَوْلُه: "ويَثْنِي رِجْلَيْه في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ". فقد روِىَ عن أنَسٍ. قال أحمدُ: يُرْوَى عن أنَسٍ، أنَّه صَلَّى مُتَرَبِّعًا، فلمَّا رَكَعَ ثَنَى رِجْلَه. وهذا قولُ الثَّوْريِّ. وحَكَى ابنُ المُنَذِرِ، عن أحمدَ، وإسْحَاقَ، أنَّه لا يَثْنِي رِجْلَيْه إلَّا في السُّجُودِ خاصَّةً، ويكونُ في الرُّكُوعِ على هَيْئَةِ القِيَامِ. وذَكَرَهُ أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبي يوسفَ ومحمدٍ، وهو أقْيَسُ؛ لأنَّ هَيْئَةَ الرَّاكِعِ في رِجْلَيْه هَيْئَةُ القَائِمِ، فَيَنْبَغِى أن يكونَ على هَيْئَتِهِ، وهذا أَصَحُّ في النَّظَرِ، إلَّا أن أحمدَ ذَهَبَ إلى فِعْلِ أنَسٍ، وأخَذَ به.
فصل: وهو مُخَيَّرٌ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، إن شاءَ مِن قِيَامٍ، وإن شاءَ من قُعُودٍ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ الأمْرَيْنِ. قالت عائِشَةُ: لم أرَ رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ، حتى أسَنَّ، فكان يَقْرَأُ قَاعِدًا، حتى إذا أرَادَ أن يَرْكَعَ، قَامَ فَقَرَأ نَحْوًا من ثَلَاثِينَ آيةً، أو أَرْبَعِينَ آية، ثم رَكَعَ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعنها، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّي ليلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَليْلًا طَوِيلًا قاعِدًا، وكان إذا قَرَأَ وهو قَائِمٌ رَكَعَ وسَجَدَ [وهو قَائِمٌ، وإذا قَرَأَ وهو قَاعِدٌ رَكَعَ وسَجَدَ وهو] (٥) قَاعِدٌ. رَوَاه مُسْلِمٌ (٦). قال التِّرْمِذِيُّ: كِلَا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ، قال: وقال أحمدُ وإسْحَاقُ:
стр. 1076
والعَمَلُ على كِلَا الحَدِيثَيْنِ.
٢٤٢ - مسألة؛ قال: (والمَرِيضُ إذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيدُ في مَرَضِهِ صَلَّى قَاعِدًا)
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَنْ لا يُطِيقُ القِيَامَ، له أنْ يُصَلِّىَ جَالِسًا. وقد قال النَّبِيُّ ﷺ لِعمْرَانَ بن حُصَيْنٍ: "صَلِّ قَائِمًا، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". رَوَاه البُخارِىُّ، وأبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ (١)، وزَادَ: "فَإنْ لم تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) ". ورَوَى أنَسٌ، قال: سَقَطَ رسولُ اللهِ ﷺ عن فَرَسٍ، فَخُدِشَ أو جُحِشَ (٣) شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فدَخَلْنَا عليه نَعْودُه. فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى قَاعِدًا، وصَلَّيْنَا خَلْفَه قُعُودًا. مُتَّفَقٌ عليه (٤).
стр. 1077
إن أمْكَنَهُ القِيَامُ، إلَّا أنَّه يَخْشَى زِيَادَةَ مَرَضِه به، أو تَبَاطُؤَ بُرْئِه، أو يَشُقُّ عليه مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فله أنْ يُصَلِّىَ قاعدًا. ونَحْوَ هذا قال مالِك وإسْحاقُ. وقال مَيْمُونُ بن مِهْرَانَ (٥): إذا لم يَسْتَطِعْ أنْ يَقُومَ لِدُنْيَاهُ، فلْيُصَلِّ جَالِسًا. وحُكِىَ عن أحمدَ نَحْوُ ذلك. ولَنا قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٦). وتَكْلِيفُ القِيَامِ في هذه الحال حَرَجٌ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى جَالِسًا لَمَّا جُحِشَ شِقُّهُ الأيْمَنُ (٧)، والظَّاهِرُ أنَّه لم يكنْ يَعْجِزُ عن القِيَامِ بالكُلِّيَّةِ؛ لكنْ لمَّا شَقَّ عليه القِيَامُ سَقَطَ عنه، فكذلك تَسْقُطُ عن غيرِه. وإذا صَلَّى قَاعِدًا فإنَّه يكونُ جُلُوسُه علَى صِفَةِ جُلُوسِ المُتَطَوِّعِ، جَالِسًا على ما ذَكَرْنا.
فصل: وإنْ قَدَرَ على القِيَامِ، بأنْ يَتَّكِئَ على عَصًى، أو يَسْتَنِدَ إلى حائِطٍ، أو يَعْتَمِدَ على أحَدِ جانِبَيْه، لَزِمَهُ؛ لأنَّه قَادِرٌ على القِيَامِ مِن غير ضَرَرٍ، فَلَزِمَه، كما لو قَدَرَ بغيرِ هذه الأشْياء.
فصل: وإن قَدَرَ على القِيَامِ، إلَّا أنَّه يكونُ على هَيْئَةِ الرَّاكِعِ كالأحْدَبِ، أو مَنْ هو في بَيْتٍ قَصِيرِ السَّقْفِ، لا يمكِنُه الخُرُوجُ منه، أو في سَفِينَةٍ، أو خَائِفٍ لا يَأْمَنُ أن يُعْلَمَ به (٨) إذا رَفَعَ رَأْسَه، فإنَّه إن كان ذلك لِحَدَبٍ أو كِبَرٍ، لَزِمَه (٩) قِيَامُ مِثْلِه، وإنْ كان لغيرِ ذلك، احْتَمَلَ أن يَلْزَمَهُ القِيَامُ، قِيَاسًا على الأحْدَبِ،
стр. 1078
واحْتَمَل أن لا يَلْزَمَه، فإن أحمدَ، ﵀، قال في الذي في السَّفِينَةِ لا يَقْدِرُ على أن يَسْتَتِمَّ قائِمًا، لِقِصَرِ سَمَاءِ السَّفِينَةِ: يُصَلِّي قَاعِدًا، إلَّا أن يكونَ شَيْئًا يَسِيرًا. فيُقَاسُ عليه سائِرُ ما في مَعْناه؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا" وهذا لم يَسْتَطِعِ القِيَامَ.
فصل: [ ومن قَدَرَ على القِيَامِ، وعَجَزَ عن الرُّكُوعِ أو السُّجُودِ، لم يَسْقُطْ عنه القِيَامُ] (١٠)، ويُصَلِّى قائِمًا، فَيُومِئُ بالرُّكُوعِ، ثم يَجْلِسُ فَيُومِئُ بالسُّجُودِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ القِيَامُ. ولأنَّها صَلَاةٌ لا رُكُوعٌ فيها ولا سُجُودٌ، فسَقَطَ فيها القِيَامُ كصَلَاةِ النَّافِلَةِ على الرَّاحِلَةِ. ولَنا، قَولُ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١١). وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "صَلِّ قَائِمًا". ولأنَّ القِيَامَ رُكْنٌ قَدَرَ عليه، فَلَزِمَهُ الإِتْيَانُ به، كالقِرَاءَةِ، والعَجْزُ عن غيرِه لا يَقْتَضِى سُقُوطَه (١٢)، كما لو عَجَزَ عن القِرَاءَةِ، وقِيَاسُهم فاسِدٌ لِوُجُوهٍ: أحدُها، أنَّ الصَّلَاةَ على الرَّاحِلَةِ لا يَسْقُطُ فيها الرُّكُوعُ. والثاني، أنَّ النَّافِلَةَ لا يَجِبُ فيها القِيَامُ، فما (١٣) سقَطَ على الرَّاحِلَةِ لسُقُوطِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. والثالثُ، أنه مَنْقُوضٌ بِصَلَاةِ الجِنَازَةِ.
فصل: وإن قَدَرَ المَرِيضُ على الصَّلَاةِ وَحْدَهُ قَائِمًا، ولا يَقْدِرُ على ذلك مع الإِمامِ لِتَطْوِيلهِ، احْتَمَلَ (١٤) أن يَلْزَمَهُ القِيَامُ ويُصَلِّىَ وَحْدَهُ؛ لأنَّ القِيَامَ آكَدُ لِكَوْنِه رُكْنًا في الصَّلَاةِ لا تَتِمُّ إلَّا به، والجَمَاعَةُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِها، واحْتَمَلَ أنَّه مُخَيَّرٌ بين الأمْرَيْنِ، لأنَّنا أبَحْنَا له تَرْكَ القِيَامِ المَقْدُورِ عليه، مع إمَامِ الحَيِّ العاجِزِ عن القِيَامِ، مُرَاعَاةً لِلْجَماعةِ، فههُنا أوْلَى، ولأنَّ الأجْرَ (١٥) يَتَضَاعَفُ بالجَمَاعَةِ أكْثَرَ
стр. 1079
مِن تَضَاعُفِه بالقِيَامِ، بِدَلِيلِ أنَّ "صَلَاةَ القَاعِدِ علَى النِّصْفِ من صَلَاةِ القَائِمِ" (١٦). و"صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ سَبْعًا وعِشْرِينَ دَرَجَةً" (١٧). وهذا أحْسَنُ، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
٢٤٣ - مسألة؛ قال: (فَإنْ لم يُطِقْ جَالِسًا فَنَائِمًا)
يعني مُضْطَجعًا، سَمَّاهُ نَائِمًا لأنَّه في هَيْئَةِ النَّائِمِ، وقد جاء مثلُ هذه التَّسْمِيَةِ عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "صَلَاةُ القَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ القَائِمِ، وصَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِن صَلَاةِ القَاعِدِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١) هكذا. فمنَ عَجَزَ عن الصَّلَاةِ قَاعِدًا فإنَّه يُصَلِّي على جَنْبِه، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ بوَجْهِه، وهذا قَوْلُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وابْنِ المُنْذِرِ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَارِثُ العُكْلِيّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأىِ: يُصَلِّى مُسْتَلْقِيًا، وَوَجْهُه ورِجْلَاهُ إلى القِبْلَةِ؛ ليكونَ إيمَاؤُه إليها، فإنَّه إذا صَلَّى على جَنْبِه كان وَجْهُه في الإِيمَاءِ إلى غيرِ القِبْلَةِ. ولَنا،
стр. 1080
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". ولم يَقُلْ: فإنْ لم يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا. ولأنَّه يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ إذا كان على جَنْبِه، ولا يَسْتَقْبِلُها إذا كان على ظَهْرِه، وإنما يَسْتَقْبِلُ السَّمَاءَ، ولذلك يُوضَعُ المَيِّتُ في قَبْرِه على جَنْبِه [قَصْدًا لتوجُّهِه] (٢) إلى القِبْلَةِ. وقَوْلُهم: إن وَجْهَهُ في الإِيمَاءِ يكونُ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ. قُلْنا: اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ من الصَّحِيحِ لا يكونُ في حالِ الرُّكُوعِ بوَجْهِه، ولا في حالِ السُّجُودِ، إنَّما يكونُ إلى الأرْضِ، فلا يُعْتَبَرُ في المَرِيضِ (٣) أن يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ فيهما أيضًا. إذا ثَبَتَ هذا، فالمُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على جَنْبِه الأيْمَنِ، فإنْ صَلَّى على الأيْسَرِ، جازَ؛ فإنَّ (٤) النَّبِىَّ ﷺ لم يُعَيِّنْ جَنْبًا بِعَيْنِه، ولأنَّه يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ على أيِّ الجَنْبَيْنِ كان. وإنْ صَلَّى على ظَهْرِه، مع إمْكَانِ الصَّلَاةِ على جَنْبِه، فَظَاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّه نَوْعُ اسْتِقْبَالٍ، ولهذا يُوَجَّهُ المَيِّتُ عندَ المَوْتِ كذلك. والدَّلِيلُ يَقْتَضِى أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه خَالَفَ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ في قوله: "فَعَلَى جَنْبٍ". ولأنَّ (٥) نَقَلَهُ إلى الاسْتِلْقَاءِ عندَ عَجْزِه عن الصَّلَاةِ على جَنْبِه، يَدُلُّ (٦) على أنَّه لا يَجُوزُ ذلك مع إمْكانِ الصَّلَاةِ على جَنْبِه، ولأنَّه تَرَكَ الاسْتِقْبَالَ مع إمْكَانِه، وإن عَجَزَ عن الصَّلَاةِ على جَنْبِه، صَلَّى مُسْتَلْقِيًا؛ للخَبَرِ، ولأنَّه عَجَزَ عن الصَّلَاةِ على جَنْبِه، فَسَقطَ، كالقِيَامِ والقُعُودِ.
فصل: إذا كان بِعَيْنِه مَرَضٌ. فقال ثِقَاتٌ من العُلماءِ بالطِّبِّ: إن صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أمْكَنَ مُدَاوَاتُك. فقال القاضي: قِيَاسُ المذهبِ جوازُ ذلك. وهو قولُ جَابِرِ بن زيدٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ. وكَرِهَهُ عُبَيْدُ اللهِ بن عبدِ اللهِ بن عُتْبَةَ، وأبو
стр. 1081
وَائِلٍ. وقال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ: لا يَجُوزُ؛ لما رُوِىَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ، أنَّه لمَّا كُفَّ بَصَرُهُ أَتاهُ رَجُلٌ، فقال (٧): لو صَبَرْتَ عَلَىَّ سَبْعَةَ أيَّامٍ لم تُصَلِّ إلَّا مُسْتَلْقِيًا دَاوَيْتُ عَيْنَكَ، ورَجَوْتُ أن تَبْرَأَ. فأرْسَلَ في ذلك إلى عائشةَ، وأبى هُريْرَةَ، وغيرِهما من أصْحَابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فَكُلٌّ (٨) قال له: إن مِتَّ في هذه الأيَّام فما الذي تَصْنَعُ بالصَّلَاةِ؟ فَتَرَكَ مُعَالَجةَ عَيْنِه، ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى جَالِسًا لَمَّا جُحِشَ شِقُّه الأيْمَنُ (٩)، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَكُنْ يُعْجِزُه (١٠) عن القِيَامِ، لكنْ كَانت عليه مَشَقَّةٌ فيه، أو خَوفُ ضَرَرٍ، وأيُّهما قُدِّرَ فهو حُجَّةٌ على الجوازِ ههُنا، ولأنَّا أبَحْنا له تَرْكَ الوُضُوءِ إذا لم يَجِد الماءَ إِلَّا بِزِيَادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، حِفْظًا لِجُزْءٍ من مَالِه، وتَرْكَ الصَّوْمِ لأجْلِ المَرَضِ والرَّمَدِ، ودَلَّت الأخْبَارُ على جَوازِ تَرْكِ القِيَامِ لأجْلِ الصَّلَاةِ على الرَّاحِلَةِ، خَوْفًا من ضَرَرِ الطِّينِ في ثِيَابِه وبَدَنِه، وجَازَ تَرْكُ الجُمُعةِ والجَمَاعَةِ صِيَانَةً لِنَفْسِه وثِيابِه (١١) من البَلَلِ والتَّلَوُّثِ بالطِّينِ، وجازَ تَرْكُ القِيَامِ اتِّبَاعًا لإِمامِ الحَىِّ إذا صَلَّى جَالِسًا، والصَّلَاةُ على جَنْبِه ومُسْتَلْقِيًا في حالِ الخَوْفِ من العَدُوِّ، ولا يَنْقُصُ الضَّرَرُ بِفَوَاتِ البَصَرِ عن الضَّرَرِ في هذه الأحْوَالِ، فأمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ - إن صَحَّ - فيَحْتَمِلُ أنَّ المُخْبِرَ لم يُخْبِرْ عن يَقِينٍ، وإنَّما قال: أرْجُو. أو أنَّه لم يُقْبَلْ خَبَرُهُ لِكَوْنِه وَاحِدًا، أو مَجْهُولَ الحالِ، بِخِلَافِ مَسْألَتِنا.
فصل: وإن عَجَزَ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ أوْمَأ بهما، كما يُومِئُ بهما في حَالَةِ الخوْفِ، ويَجْعَلُ السُّجُودَ أخْفَضَ من الرُّكُوعِ، وإن عَجَزَ عن السُّجُودِ وَحْدَه رَكَعَ، وأوْمَأَ بالسُّجُودِ، وإن لم يُمْكِنْه أن يَحْنِىَ ظَهْرَهُ حَنَى رَقَبَتَه، وإن تَقَوَّسَ
стр. 1082
ظَهْرُه فصارَ كأنه وَاقِعٌ، فمتَى أرَادَ الرُّكُوعَ زادَ في انْحِنَائِه قليلًا، ويُقَرِّبُ وَجْهَه إلى الأرْضِ في السُّجُودِ أكْثَرَ ما يُمْكِنُه. وإن قَدَرَ على السُّجُودِ على صُدْغِهِ لم يَفْعَلْ؛ لأنَّه ليس من أعْضاءِ السُّجُودِ. وإن وَضَعَ بين يَدَيْهِ وِسَادَةً، أو شَيْئًا عالِيًا، أو سَجَدَ على رَبْوَةٍ أو حَجَرٍ، جَازَ، إذا لم يُمْكِنْه تَنْكِيسُ وَجْهِه أكْثَرَ من ذلك. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، عن أحمدَ، أنَّه قال: أخْتارُ السُّجُودَ على المِرْفَقَةِ (١٢). وقال: هو أحَبُّ إلىَّ من الإِيماءِ. وكذلك قال إسْحاقُ. وجَوَّزَهُ الشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. ورَخَّصَ فيه ابنُ عَبَّاسٍ. وسَجَدَتْ أُمُّ سَلَمَةَ على المِرْفَقَةِ. وكَرِهَ ابنُ مسعودٍ السُّجُودَ على عُودٍ، وقال: يُومِئُ إيماءً. ووَجْهُ الجَوازِ؛ أنَّه أتَى بما يُمْكِنُه من الانْحِطَاطِ، فأجْزَأَه، كما لو أوْمَأَ، فأمَّا إن رَفَعَ إلى وَجْهِه شَيْئًا فَسَجَدَ عليه، فقال بعضُ أصْحَابِنا: لا يُجْزِئُه. وَرُوِىَ عن ابْنِ مسعودٍ، وابْنِ عمرَ، وجَابِرٍ، وأنَسٍ، أنَّهم قالوا: يُومِئُ، ولا يَرْفَعُ إلى وَجْهِه شَيْئًا. وهو قولُ عَطَاءٍ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ. ورَوَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، أنه قال: أىَّ ذلك فَعَلَ، فلا بَأْسَ، يُومِئُ، أو يَرْفَعُ المِرْفَقَةَ فَيَسْجُدُ عليها. قِيل له: المِرْوَحَةَ؟ قال: لا. أمَّا المِرْوَحَة فلا. وعن أحمدَ، أنَّه قال: الإِيمَاءُ أحَبُّ إلَىَّ. وإن رَفَعَ إلى وَجْهِه شَيْئًا فَسَجَدَ عليه، أجْزَأَهُ. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. ولا بُدَّ مِن أن يكونَ بحيثُ لا يُمْكِنُه الانْحِطَاطُ أكْثَرَ منه، ووَجْهُ ذلك، أنَّه أتَى بما أمْكَنَه مِن وَضْعِ (١٣) رَأْسِه، فأجْزَأهُ، كما لو أوْمَأ. وَوَجْهُ الأَوَّل أنَّه سَجَدَ على ما هو حَامِلٌ له، فلم يُجْزِهِ، كما لو سَجَدَ على يَدَيْهِ.
فصل: وإن لم يَقْدِرْ على الإِيماءِ بِرَأْسِه، أوْمَأَ بطَرْفِه، ونَوَى بِقَلْبِه، ولا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عنه ما دَامَ عَقْلُه ثَابِتًا. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ أنَّ الصَّلَاةَ تَسْقُطُ عنه. وذَكَرَ القاضي أنَّ هذا ظَاهِرُ كَلَامِ أحمدَ في رِوَايةِ محمدِ بن يَزِيدَ (١٤)؛ لما رُوِىَ عن أبي سعيدٍ
стр. 1083
الخُدْرِىّ أنَّه قِيلَ له في مَرَضِه: الصَّلَاةَ. فقال: قد كَفَانِى، إنَّما العَمَلُ في الصِّحَّةِ. ولأنَّ الصَّلَاةَ أفْعالٌ عَجَزَ عنها بالكُلِّيَةِ، فسَقَطَتْ عنه؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١٥). ولَنا ما ذَكَرْنَاه من حَدِيثِ عِمْرَانَ (١٦)، وأنه مُسْلِمٌ بالِغٌ عَاقِلٌ (١٧)، فَلَزِمَتْه الصَّلَاةُ، كالقَادِرِ علَى الإِيمَاءِ بِرَأْسِه، ولأنَّه قَادِرٌ على الإِيماءِ، أشْبَه الأصْلَ.
فصل: إذا صَلَّى جَالِسًا، فَسَجَدَ سَجْدَةً، وأوْمَأَ بالثانية، مع إمْكَانِ السُّجُودِ، جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذلك، وفَعَلَ مثلَ ذلك في الثَّالثةِ (١٨)، ثم عَلِمَ قبل سَلَامِه، سَجَدَ سَجْدَةً تُتِمُّ له الرَّكْعَةَ الثَّانِيَة، وأتَى بِرَكْعَةٍ، كما لو تَرَكَ السُّجُودَ نِسْيَانًا. وذَكَرَ القاضي أنَّه تَتِمُّ له الرَّكْعَةُ الأُولَى بِسَجْدَةِ الثَّانِيَةِ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، وليس هذا مُقْتَضَى مَذْهَبِنا؛ فإنَّه مَتَى شَرَعَ في قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ قبلَ إتْمَامِ الأُولَى، بَطَلَتِ الأُولَى، وصَارَتِ الثَّانِيةُ أُولَاهُ، وقد مَضَى هذا في سُجُودِ السَّهْو.
فصل: ومتى قَدَرَ المَرِيضُ، في أثناء الصَّلَاةِ، على ما كان عَاجِزًا عنه، من قِيَامٍ، أو قُعُودٍ، أو رُكُوعٍ، أو سُجُودٍ، أو إيمَاءٍ، انْتَقَلَ إليه، وبَنَى على ما مَضَى من صَلَاتِه. وهكذا لو كان قَادِرًا، فعَجَزَ في (١٩) أثْنَاءِ الصَّلَاةِ، أتَمَّ صَلَاتَهُ على حَسَبِ حالِه؛ لأنَّ ما مَضَى مِن الصَّلَاةِ كان صَحِيحًا، فيَبْنِى عليه، كما لو لم يَتَغَيَّرْ حَالُه.
стр. 1084
٢٤٤ - مسألة؛ قال: (والِوَتْرُ رَكْعَةٌ)
نَصَّ على هذا أحمدُ ﵀. فقال: إنَّا نَذْهَبُ في الوِتْرِ إلى رَكْعَةٍ، وممَّن رُوِىَ عنه ذلك: عثمانُ بنُ عفانَ، وسعدُ بن أبي وَقَّاصٍ، وزيدُ بن ثابِتٍ، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عمرَ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وأبو موسى، ومُعاويةُ، وعائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنهم، وفَعَلَ ذلك مُعَاذٌ القارِئُ (١)، ومعه رِجَالٌ من أصْحَابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، لا يُنْكِرُ ذلك منهم أحَدٌ، وقال ابنُ عمرَ: الوِتْرُ رَكْعَةٌ، كان ذلك وِتْرَ رسولِ اللهِ ﷺ وأبى بكرٍ، وعمرَ. وبهذا قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطَاءٌ، ومالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال هَؤُلَاءِ: يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ ثم يُسَلِّمُ، ثم يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ. وقد رُوِىَ عن ابْنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الوِتْرُ رَكْعَةٌ من آخِرِ اللَّيْلِ" (٢). وقالتْ عائشةُ: كانتْ صَلَاةُ رسولِ اللهِ ﷺ من اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، ويُوتِرُ بِسَجْدَةٍ. وفى لَفْظٍ: كان يُصَلِّى باللَّيْلِ إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ منها بَواحِدَةٍ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فأوْتِرْ بوَاحِدَةٍ". أَخْرَجَهُنَّ مُسْلِمٌ (٣).
فصل: قوله: "الوِتْرُ رَكْعَةٌ" يَحْتَمِلُ أنه أرَادَ: جَمِيعُ الوِتْرِ رَكْعَةٌ، وما يُصَلَّى قَبْلَه
стр. 1085
ليس مِن الوِتْرِ، (٤) قال الإِمامُ أحمدُ: إنَّما (٥) نَذْهَبُ في الوِتْرِ إلى رَكْعَةٍ، ولكن يكونُ قَبْلَها صلاةُ عَشْرِ (٦) رَكَعاتٍ، ثم يُوتِرُ ويُسَلِّمُ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ أقلُّ الوِتْرِ رَكْعَةٌ. فإنَّ أحمدَ قال: إنَّا نَذْهَبُ في الوِتْرِ إلى رَكَعَةٍ، وإنْ أوْتَرَ بثَلَاثٍ أو أكْثَرَ فلا بَأْسَ، وممَّن رُوِىَ عنه أنَّه أوْتَرَ بثَلَاث؛ عمرُ، وعلىٌّ، وأُبَىٌّ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عَبَّاسٍ، وأبو أُمَامَةَ، وعمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ. وبه قال أصْحَابُ الرَّأْىِ. قال أبو الخَطَّابِ: أَقَلُّ الوِتْرِ رَكْعَةٌ، وأكْثَرُه إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَةً، وأدْنَى الكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ. وقال الثَّوْرِىُّ، وإسْحَاقُ: الوِتْرُ ثَلَاثٌ، وخَمْسٌ، وسَبْعٌ، وتِسْعٌ، وإحْدَى عَشرَةَ. وقال أبو موسى: ثَلَاثٌ أحَبُّ إلىَّ من وَاحِدَةٍ، وخَمْسٌ أحَبُّ إلىَّ مِن ثَلَاثٍ، وسَبْعٌ أحَبُّ إلىَّ من خَمْسٍ، وتِسْعٌ أحَبُّ إلىَّ من سَبْعٍ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ. إنَّما هي وَاحِدَةٌ، أو خَمْسٌ، أو سَبْعٌ، أو أكْثَرُ من ذلك، يُوتِرُ بما شَاءَ. وقد رَوَى أبو أيُّوب قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أحَبَّ أنْ يُوتِرَ بخَمْسٍ فَلْيَفْعَل، ومن أحَبَّ أن يُوتِرَ بثَلَاثٍ فَلْيَفْعَل، ومن أحَبَّ أن يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَل". أخْرَجَه أبو دَاوُدَ (٧). ورَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُوتِرُ بِتِسْعٍ، ورَوَتْ، أنَّه كان يُوتِرُ بِسَبْعٍ، ورَوَتْ، أنَّه كان يُوتِرُ بخَمْسٍ. رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ (٨). وعن عبدِ اللهِ بن قَيْسٍ، قال: قلتُ لِعائشةَ: بِكَمْ
стр. 1086
كان رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ؟ قالت: كان يُوتِرُ بأَرْبَعٍ وثَلَاثٍ وسِتٍّ وثَلَاثٍ، وثَمَانٍ وثَلَاثٍ، وعَشْرٍ وثَلَاثٍ، ولم يكنْ يُوتِرُ بأَقَلَّ من سَبْعٍ، ولا بأَكْثَرَ من ثَلَاثَ عَشرَةَ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٩).
٢٤٥ - مسألة؛ قال: (يَقْنُتُ فِيهَا)
يَعْنِى أنَّ القُنُوتَ مَسْنُونٌ في الوِتْرِ، في الرَّكْعَةِ الوَاحِدَةِ، في جَمِيعِ السَّنَةِ. هذا المَنْصُوصُ عندَ أصْحَابِنا، وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وإبراهيمَ، وإسْحاقَ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ. وعن أحمدَ رِوَايةٌ أخْرَى، أنَّه لا يَقْنُتُ إلَّا في النِّصْفِ الأخِيرِ من رمضانَ. وَرُوِى ذلك عن عليٍّ وأُبىٍّ. وبه قال ابنُ سِيرِينَ، وسعيدُ بن أبي الحسنِ (١)، والزُّهْرِىُّ، ويحيى بن وَثَّابٍ (٢)، ومالِكٌ والشَّافِعِىُّ. واخْتَارَه أبو بكرٍ الأَثْرَمُ؛ لما رُوِىَ عن الحسنِ، أن عُمَرَ جَمَعَ النّاسَ على أُبىِّ بنِ كَعْبٍ، فكان يُصَلِّى لهم عِشْرِينَ لَيْلَةً (٣)، ولا يَقْنُتُ إلّا في النِّصْفِ الباقِى (٤). رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٥)، وهذا كالإِجْمَاعِ. وقال قَتَادَةُ: يَقْنُتُ في السَّنَةِ
стр. 1087
كُلِّها إلَّا في النِّصْفِ الأَوَّل مِن رمضانَ؛ لهذا الخَبَرِ، وعن ابنِ عمرَ أنَّه لا يَقْنُتُ إلَّا في النِّصْفِ الأخِيرِ من رمضانَ. وعنه لا يَقْنُتُ في صَلَاةٍ بِحَالٍ. والرِّوَايَةُ الأُولَى (٦) هي المُخْتَارَةُ عِندَ أكْثَرِ الأصْحابِ. وقد قال أحمدُ، في رِوَايَةِ المَرُّوذِىِّ: كنتُ أذْهَبُ إلى أنَّه في النِّصْفِ من شَهْرِ رَمضانَ، ثم إنِّي قَنَتُّ، هو دُعَاءٌ وخَيْرٌ. وَوَجْهُه ما رُوِىَ عن أُبَىٍّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُوتِرُ، فيَقْنُتُ قبل الرُّكُوعِ (٧). وعن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَقُولُ في آخِرِ وَتْرِهِ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وأَعُوذُ بمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" (٨). وكان لِلدَّوَامِ، وفِعْلُ أُبَىٍّ يَدُلُّ على أنَّه رَأْيُه (٩). ولا يُنْكَرُ اخْتَلَافُ الصَّحَابَةِ في هذا، ولأنَّه وِتْرٌ، فيُشْرَعُ فيه القُنُوتُ، كالنِّصْفِ الآخِرِ، ولأنَّه ذِكْرٌ شُرِعَ (١٠) في الوِتْرِ، فشُرِعَ (١١) في جَمِيعِ السَّنةِ، كسَائِرِ الأذْكَارِ.
فصل: ويَقْنُتُ بعدَ الرُّكُوعِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ (١٢)، وأبى قِلَابَةَ، وأبى المُتَوَكّلِ (١٣)، وأيُّوبَ
стр. 1088
السَّخْتِيَانِىّ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: أنَا (١٤) أذْهَبُ إلى أنَّه بعدَ الرُّكُوعِ، فإنْ قَنَتَ قبلَه، فلا بَأْسَ. ونحوَ هذا قال أيُّوبُ السَّخْتِيَانِىّ؛ لما رَوَى حُمَيْدٌ، قال: سُئِلَ أنَسٌ عن القُنُوتِ في صَلَاةِ الصُّبْحِ، فقال: كُنَّا نَقْنُتُ قبلَ الرُّكُوعِ وبعدَه، رَوَاه ابنُ مَاجَه (١٥). وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: يَقْنُتُ قبلَ الرُّكُوعِ. ورُوِىَ ذلك عن أُبَىٍّ، وابنِ مَسعودٍ، وأبى موسى، والبَرَاءِ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأنَسٍ، وعمرَ بن عبدِ العَزِيزِ، وعَبِيْدَةَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبِي لَيْلَى، وحُمَيْدٍ الطَّوِيل؛ لأنَّ في حَدِيثِ أُبىٍّ: ويَقْنُتُ قبل الرُّكُوعِ. وعن ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ [قنَتَ قبلَ الرُّكوعِ (١٦). ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرةَ، وأنَسٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ] (١٧) قَنَتَ بعدَ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٨). قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن هذه المَسْأَلَة؟ فقال: اقْنُت بعدَ الرُّكُوعِ. وذَكَرَ حَدِيثَ الزُّهْرِىِّ، عن سعيدٍ، وأبِى سَلمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، وأنسٍ عن النَّبِيِّ ﷺ ، وغيرَ واحدٍ قَنَتَ بعد الرُّكُوعِ. وحَدِيثُ ابنِ مسعودٍ يَرْوِيهِ أبَانُ بنُ أبِى عَيَّاشٍ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. وحَدِيثُ أُبَىٍّ قد تُكُلِّم فيه أيضًا، وقِيلَ ذِكْرُ القُنُوتِ فيه غيرُ صَحِيحٍ. واللهُ أعلمُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقُولَ في قُنُوتِ الوِتْرِ ما رَوَى الحسنُ بنُ عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: عَلَّمَنِى رسولُ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أقُولُهُنَّ في الوِتْرِ: "اللَّهُمَّ اهْدِنِى فِي
стр. 1089
مَنْ هَدَيْتَ، وعَافِنى فِي مَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِى في مَنْ تَوَلَّيْتَ، وبَارِكْ لي فِيَما أَعْطَيْتَ، وقِنى شَرَّ ما قَضَيْتَ، إنَّكَ تَقْضِى ولا يُقْضَى عَلَيْكَ، وإنَّه لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، ولَا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وتَعَالَيْتَ". وأخْرَجَه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (١٩)، وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، ولا نَعْرِفُ عن النبيِّ ﷺ في القُنُوتِ شَيْئًا أحْسَنَ من هذا. ويقولُ ما رَوَى علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ كان [يقولُه في وِتْرِه] (٢٠) وقد ذَكَرْنَاه (٢١) وعن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قَنَتَ في صلَاةِ الفَجْرِ، فقال: "بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ، ونَسْتَهْدِيكَ (٢٢)، ونَسْتَغْفِرُكَ، ونُؤْمِنُ بك، وَنتَوَكَّلُ عليك، ونُثْنِى عليك الخَيْرَ كُلَّه، ونَشْكُرُكَ (٢٣)، ولا نَكْفُرُكَ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، ولك نُصَلِّى ونَسْجُدُ، وإلَيْكَ نَسْعَى ونَحْفِدُ، ونَرْجُو رَحْمَتَكَ، ونَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّارِ مُلْحِقٌ، اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ" (٢٤). وهاتان سُورَتَانِ في مُصْحَفِ أُبَىِّ بن كَعْبٍ.
стр. 1090
[ورَوَى أبو عُبَيْدٍ، بإسْنَادِه، عن عُرْوَةَ (٢٥)، أنه قال: قَرَأْتُ في مُصْحَفِ أُبَىِّ بن كَعْبٍ] (٢٦) هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكُ. اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ". وقال ابنُ سِيرِينَ: كَتَبَهُما أُبَىٌّ في مُصْحَفِهِ. يَعْنِى إلى قَوْلِه: "بالكُفَّارِ (٢٧) مُلْحِقٌ". قال ابنُ قُتَيْبَةَ: "نَحْفِدُ" نُبَادِرُ. وأصل الحَفْدِ: مُدَارَكَةُ الخَطْوِ والإِسْرَاعِ (٢٨). "والجِدُّ" بِكَسْرِ الجِيمِ، أي الحَقُّ لا اللَّعِبُ، "مُلْحِقٌ" بِكَسْرِ الحاءِ لاحِقٌ. وهكذا يُرْوَى هذا الحَرْفُ، يقال: لَحِقْتُ القَوْمَ وأَلْحَقْتُهم بِمَعْنًى وَاحِدٍ. ومن فَتَحَ الحَاءَ أرَاد أن اللهَ يُلْحِقُهُ إيَّاهُ، وهو مَعْنًى صَحِيحٌ، غيرَ أن الرِّوَايَةَ هي الأُولَى. وقال الخَلَّالُ: سألْتُ ثَعْلَبًا عن مُلْحِقٍ ومُلْحَقٍ؟ فقال: العربُ تَقُولُهما مَعًا.
فصل: إذا أخَذَ الإِمامُ في القُنُوتِ، أَمَّنَ مَن خَلْفَهُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. وقالَه إسْحَاقُ. وقال القاضي: وإن دَعَوْا معه فلا بَأْسَ. وقيل لأحمدَ: إذا لم أسْمَعْ قُنُوتَ الإِمامِ أدْعُو؟ قال: نعم. فيَرْفَعُ يَدَيْهِ في حالِ القُنُوتِ. قال الأثْرَمُ: كان أبو عبدِ اللهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ في القُنُوتِ إلى صَدْرِهِ. واحْتَجَّ بأنَّ ابنَ مسعودٍ رَفَعَ يَدَيْهِ في القُنُوتِ إلى صَدْرِه. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ. وبه قال إسْحَاقُ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وأنْكَرَهُ مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وَيزِيدُ بنُ أبى مريمَ (٢٩). ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا دَعَوْتَ اللهَ فادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، وَلا تَدْعُ بِظُهُورِهِما، فإذا فَرَغْتَ فامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٣٠). ولأنَّه فِعْلُ مَن سَمَّيْنَا