← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قَوْلِ القَاضِى: حُكْمُه حُكْمُ الطَّرِيقِ، لما ذَكَرَه فيما تَقَدَّمَ. وعلى قَوْلِنا، إن كان السَّابَاطُ مُبَاحًا له، مثل أن يكونَ في دَرْبٍ غيرِ نَافِذٍ بإذْنِ أَهْلِه، أو مُسْتَحِقًّا له، أو حَدَثت (٣٠) الطَّرِيقُ بعدَه، فلا بَأْسَ بالصَّلاةِ عليه، وإن كان على طَرِيقٍ نافِذٍ، فليس ذلك له، فيَكُون المُصَلِّي فيه كالمُصَلِّي في المَوْضِعِ المَغْصُوبِ. على ما سَنَذْكُره إن شاء اللهُ تعالى. وإن كان السَّاباطُ على نَهْرٍ تَجْرِى فيه السُّفُنُ، فهو كالسَّاباطِ على الطَّرِيقِ، في القَوْلَينِ جميعا. وهذا يُؤَيِّدُ (٣١) ما ذَكَرْناه (٣٢)؛ لأنَّه لو كانت العِلَّةُ كَوْنَه تابعًا لِلقَرارِ، لجازَتِ الصَّلاةُ ههنا، لِكَوْنِ القَرَارِ غيرَ مَمْنُوعٍ من الصَّلاةِ فيه، بِدلِيلِ ما لو صَلَّى عليه في سَفِينَةٍ، أو لو جَمَدَ ماؤُه فصَلَّ ى عليه، صَحَّ، ولأنَّه لو كانت العِلَّةُ ما ذَكَرَه لَصَحَّت الصَّلاةُ على ما حَاذَى مَيْمَنَةَ الطَّرِيقِ ومَيْسَرَتَها، وما لا تَقْرَعُهُ الأَقدَامُ منها، وهذا فيما إذا كان السَّطْحُ جارِيًا (٣٣) على مَوْضِع النَّهْيِ (٣٤)، فإن كان المَسْجِدُ سَابِقًا، وجُعِلَ تَحْتَه طَريقٌ أو عَطَنٌ، أو غيرُهما من مَوَاضِع النَّهْي. أو كان في غيرِ مَقْبَرَةٍ فحَدَثَت المَقْبَرَةُ حَوْلَه، لم تُمْنَع (٣٥) الصَّلاةُ فيه، بغيرِ خِلافٍ، لأنَّه لم يَتْبَعْ ما حَدَثَ بَعْدَه، واللهُ أعلمُ. فصل: وإن بَنَى مَسْجِدًا في المَقْبَرَةِ بين القُبُورِ، فَحُكْمُه حُكْمُها؛ لأنَّه لا يَخْرُجُ بذلك عن أن يكونَ في المَقْبَرَةِ. وقد رَوَى قَتَادةُ: أن أَنَسًا مَرَّ على مَقْبَرَةٍ، وهم يَبْنُونَ فيها مَسْجِدًا، فقال أنَسٌ: كان يُكْرَهُ أن يُبْنَى مَسْجِدٌ في وَسَطِ القُبُورِ. فصل: ولا تَصِحُّ الفَرِيضَةُ في الكَعْبَةِ، ولا على ظَهْرِها. وجَوَّزَه الشَّافِعِيُّ وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه مَسْجِدٌ، ولأنه مَحَلٌّ لِصَلاةِ النَّفْلِ، فكان مَحَلًّا لِلْفَرْضِ، كخَارِجِها.

стр. 982

ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣٦). والمُصَلِّى فيها أو على ظَهْرِها غيرُ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتها، والنَّافِلَةُ مَبْنَاها على التَّخْفِيفِ والمُسامَحَةِ، بدَلِيلِ صَلاتِها قاعِدًا، وإلى غيرِ القِبْلَةِ، في السَّفَرِ على الرَّاحِلَةِ. فصل: وتَصِحُّ النَّافِلَةُ في الكَعْبَةِ وعلى ظَهْرِها. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في البَيْتِ رَكْعَتَيْنِ (٣٧). إلَّا أنَّه إنْ صَلَّى تِلْقَاءَ البابِ أو على ظَهْرِها، وكان بين يَدَيْهِ شيءٌ من بِنَاءِ الكَعْبَةِ مُتَّصِلٌ بها، صَحَّتْ صَلاتُه، فإنْ لم يَكُنْ بين يَدَيْهِ شَىءٌ شَاخِصٌ، أو كان بين يَدَيْه آجُرٌّ مُعَبَّأٌ غيرُ مَبْنِىٍّ، أو خَشَبٌ غيرُ مَسْمُورٍ فيها، فقال أصْحابُنا: لا تَصِحُّ صَلاتُه؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَقْبِلٍ لشىءٍ منها. وإن كان الخَشَبُ مَسْمُورًا، والآجُرُّ مَبْنيًّا، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّ ذلكَ تابِعٌ لها. والأوْلَى أنَّه لا يُشْتَرَطُ كَوْنُ شيءٍ منها بين يَدَيْه؛ لأنَّ الوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ مَوْضِعِها وهَوَائِها، دُونَ حِيطَانِها، بدليلِ ما لو انْهَدَمتِ الكَعْبَةُ، صَحَّتِ الصَّلاةُ إلى مَوْضِعِها، ولو صَلَّى على جَبَلٍ عالٍ يَخْرُجُ عن مُسَامَتَتِها، صَحَّتْ صَلاتُه إلى هَوَائِها، كذا ههُنا. فصل: وفى الصَّلاةِ في المَوْضِعِ المَغْصُوبِ رِوَايتانِ: إحْدَاهما، لا تَصِحُّ. وهو أحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ. والثَّانِيةُ، تَصِحُّ. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، ومَالِكٍ، والقَوْلُ الثَّانِى، للشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ النَّهْىَ لا يَعُودُ إلى الصَّلاةِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّتَها، كما لو صَلَّى وهو يَرَى غَرِيقًا، يُمْكِنُ (٣٨) إنْقَاذُه، فلم يُنْقِذْهُ، أو حَرِيقًا يَقْدِرُ على إطْفَائِه، فلم يُطْفِئْه،

стр. 983

أو مَطَلَ غَرِيمَه الذي يُمْكِنُ إيفَاؤُه وصَلَّى. ولَنا، أنَّ الصَّلاةَ عِبَادَةٌ أَتَى بها على الوَجْهِ المَنْهِيِّ عنه، فلم تَصِحَّ، كصَلاةِ الحائِضِ وصَوْمِها، وذلك لأنَّ النَّهْىَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الفِعْلِ، واجْتِنَابَه، والتَّأْثِيمَ بفِعْلِه، فكيف يكون مُطِيعًا بما هو عاصٍ به، مُمْتَثِلًا بما هو مُحَرَّمٌ عليه، مُتَقَرِّبًا بما يَبْعُدُ به، فإنَّ حَرَكَاتِه (٣٩) من القِيَامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ أفْعَالٌ اخْتِيارِيَّةٌ، هو عاصٍ بها مَنْهِيٌّ عنها. فأمَّا من رَأَى الحَرِيق فليسَ بمَنْهِيٍّ عن الصَّلاةِ، إنَّما هو مَأْمُورٌ بإطْفَاءِ الحَرِيقِ، وإنْقَاذِ الغَرِيقِ، وبالصَّلَاةِ، إلّا أنَّ أحَدَهما آكَدُ من الآخَرِ، أمَّا في مَسْأَلَتِنا فإنَّ أفْعَالَ الصَّلاةِ في نَفْسِها مَنْهِيٌّ عنها. إذا ثَبَتَ هذا فلا فَرْقَ بين غَصْبِه لِرَقَبةِ الأَرْضِ بأَخْذِهَا، أو دَعْوَاهُ مِلْكِيَّتَها، وبين غَصْبِه مَنَافِعَها، بأنْ يَدَّعِيَ إجَارَتَها ظَالِمًا، أو يَضَعَ يَدَه عليها لِيَسْكُنَها مُدَّةً أو يُخْرِجَ رَوْشَنًا (٤٠) أو سَابَاطًا في مَوْضِعٍ لا يَحِلُّ له، أو يَغْصِبَ رَاحِلَةً ويُصَلِّيَ عليها، أو سَفِينَةً ويُصَلِّىَ فيها، أو لَوْحًا فَيَجْعَلَهُ في سَفِينَةٍ ويُصَلِّيَ عليه، كلُّ ذلك حُكْمُه في الصَّلَاةِ حُكْمُ الدَّارِ، على ما بَيَّنَّاه. فصل: قال أحمدُ، ﵀: تُصَلَّى الجُمُعَةُ في المَوْضِعِ الغَصْبِ. يَعْنِى لو كان الجامِعُ أو مَوْضِعٌ منه مَغْصُوبًا، صَحَّتِ الصَّلاةُ فيه؛ لأنَّ الجُمُعَةَ تَخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ، فإذا صَلَّاها الإِمامُ في المَوْضِعِ المَغْصُوبِ، فامْتَنَعَ الناسُ من الصَّلاةِ فيه، فاتَتْهُم الجُمُعَةُ، وإن امْتَنَعَ بَعْضُهُم، فاتَتْهُ الجُمُعَةُ، ولذلك أُبِيحَتْ خَلْفَ الخَوَارِجِ والمُبْتَدِعَةِ، وكذلك تَصِحُّ في الطُّرُقِ ورِحَابِ المَسْجِدِ، لِدُعَاءِ الحَاجَةِ إلى فِعْلِها في هذه المَوَاضِع، وكذلك في الأعْيَادِ والجِنَازَةِ. فصل: قال أحمدُ، ﵀: أكْرَهُ الصَّلاةَ في أرْضِ الخَسْفِ؛ وذلك لأنها مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عليه. وقد قال النبيُّ ﷺ لأصْحَابِه يَوْمَ مَرُّوا بالحِجْر (٤١): "لا

стр. 984

تَدْخُلُوا على هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلا أن تَكُونُوا باكِينَ أن يُصيبَكُمْ مِثْلُ ما أصَابَهُمْ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٢). فصل: ولا بَأْسَ بالصَّلاةِ في الكَنِيسَةِ النَّظِيفَةِ، رَخَّصَ فيها الحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، ورُوِىَ أيضًا عن عمرَ، وأبى موسى، وكَرِهَ ابنُ عَبَّاسٍ، ومَالِكٌ الكَنَائِسَ؛ من أجْلِ الصُّوَرِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في الكَعْبَةِ وفيها صُوَرٌ (٤٣)، ثم هي دَاخِلَةٌ في قَوْلِه ﵇: "فأَيْنَما أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ (٤٤)، فإنَّه مَسْجِدٌ" (٤٥). فصل: وإذا كانت الأرْضُ نَجِسَةً، فَطَيَّنَها بِطَاهِرٍ، أو بَسَطَ عليها شيئًا طَاهِرًا، [وصَلَّى عليه، ] (٤٦) صَحَّتِ الصَّلاةُ مع الكَرَاهَةِ، في ظَاهِرِ كلامِ أحمدَ، ﵀. وهو قَوْلُ طَاوُسٍ، ومالِكٍ، والأَوْزَاعِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحاقَ، وذَكَرَ أصْحابُنا في المسألةِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّها مَدْفَنُ (٤٧) النَّجَاسَةِ، فأشْبَهَتِ المَقْبَرَةَ. ولَنا، أنَّ الطَّهَارَةَ إنَّما تُشْتَرَطُ في بَدَنِ المُصَلِّي وثَوْبِهِ ومَوْضِعِ صَلاتِه، وقد وُجِدَ ذلك كُلُّه، ولا نُسَلِّمُ العِلَّةَ في الأصْلِ، فإنَّه لو صَلَّى بينَ القُبُورِ لم

стр. 985

تَصِحَّ صَلاتُه وإن لم يَكُنْ مَدْفَنًا لِلنَّجَاسَةِ، وقد قِيلَ: إن الحُكْمَ غيرُ (٤٨) مُعَلَّلٍ. فلا يُقَاسُ عليه. فصل: ويُكْرَهُ تَطْيِينُ المَسْجِدِ بِطِينٍ نَجِسٍ، أو تَطْبِيقُه بِطوَابِقَ نَجِسَةٍ، أو بِنَاؤُه بِلَبِنٍ نَجِسٍ، أوَ آجُرٍّ نَجِسٍ، فإن فَعَلَ، وباشَرَ المُصَلِّى أرْضَه النَّجِسَةَ بِبَدَنِه أو ثِيَابِه، لم تَصِحَّ صلاتُه. وأمَّا الآجُرُّ المَعْجُونُ بالنَّجَاسَةِ، فهو نَجسٌ؛ لأنَّ النَّارَ لا تُطَهِّرُه، فإن غُسِلَ طَهُرَ ظَاهِرُه؛ لأنَّ النَّارَ أكَلَتْ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةَ، وبَقِىَ أثَرُها، فتَطْهُرُ بالغَسْلِ، كالأرْضِ النَّجِسَةِ ويَبْقَى (٤٩) باطِنُها نَجِسًا؛ لأنَّ الماءَ لم يَصِلْ إليه، فإنْ صَلَّى عليه بعد الغَسْلِ فهو كما لو صَلَّى على بِسَاطٍ طَاهِرٍ مَفْرُوشٍ على أرْضٍ نَجِسةٍ، وكذلك الحُكْم في البِسَاطِ الذي باطِنُه نَجِسٌ وظَاهِرُه طَاهِرٌ. ومتى انْكَسَرَ من الآجُرِّ النَّجِسِ قِطْعَةٌ، فظَهَرَ بعضُ باطِنِه، فهو نَجِسٌ، لا تَصِحُّ الصَّلاةُ عليه. فصل: ولا بَأْسَ بالصَّلاةِ على الحَصِيرِ والبُسُطِ من الصُّوفِ والشَّعَرِ والوَبَرِ، والثِّيَابِ من القُطْنِ والكَتَّانِ وسائِرِ الطَّاهِرَاتِ. وصَلَّى عمرُ على عَبْقَرِىٍّ (٥٠)، وابْنُ عَبَّاسٍ على طِنْفِسَةٍ، وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ وجَابِرٌ على حَصِيرٍ، وعلىٌّ وابْنُ عبَّاسٍ، وابنُ مسعودٍ، وأنَسٌ على المَنْسُوجِ. وهو قَوْلُ عَوَامِّ أهلِ العِلْمِ، إلَّا ما رُوِىَ عن جَابِرٍ، أنَّه كَرِهَ الصَّلاةَ على كل شيءٍ من الحيوانِ، واسْتَحَبَّ الصَّلاةَ على كلِّ شيءٍ من نباتِ الأرْضِ (٥١). ونحوَه قال مالِكٌ، إلَّا أنه قال في بِسَاطِ الصُّوفِ والشَّعَرِ: إذا كان سُجُودُه على الأرْضِ لم أرَ بالقِيام عليه بَأْسًا. والصَّحِيحُ: أنَّه لا بَأْسَ بالصَّلاةِ على شىءٍ من ذلك، وقد صَلَّى النبيُّ ﷺ على حَصِيرٍ في بَيْتِ عِتْبَانَ بن مالِكٍ، وأنسٍ، مُتَّفَقٌ

стр. 986

عليهما (٥٢). ورَوَى عنه المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّه كان يُصَلِّي على الحَصِيرِ والفَرْوَةِ المدْبُوغَة (٥٣). وفيما رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٥٤)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى مُلْتَفًّا بِكِسَاءٍ، يَضَعُ يَدَهُ عليه إذا سَجَدَ. ولأنَّ ما لم تُكْرَه الصَّلاةُ فيه لم تُكْرَه الصَّلاةُ عليه كالكَتَّانِ والخُوصِ. وتَصِحُّ الصَّلاةُ على ظَهْرِ الحيوانِ، إذا أمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ الأرْكانِ عليه، والنَّافِلَةُ في السَّفَرِ. وإن كان الحيوانُ نَجِسًا، عليه (٥٥) بِسَاطٌ طَاهِرٌ، صَحَّتِ الصَّلاةُ عليه؛ فإن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى على حِمَارٍ (٥٦). وفَعَلَهُ أَنَسٌ. وتَصِحُّ الصَّلاةُ على العَجَلَةِ، وهى خُشُبٌ على بَكَرَاتٍ، إذا أمْكَنَه ذلك؛ لأنَّها مَحَلٌّ تَسْتَقِرُّ عليه أعْضَاؤُه، فهى كغيرِها. ٢٢٤ - مسألة؛ قال: (وإن صَلَّى وفى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ، وإن قَلَّتْ، أَعَادَ) وقد ذَكَرْنَا أن الطَّهَارَةَ من النَّجَاسَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاةِ، ولا فَرْقَ بين كَثِيرِها وقَلِيلِها، إلَّا فيما نَذْكُرُه بعدُ، إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى. وممَّن قال: لا يُعْفَى عن يَسِيرِ البَوْلِ مثلِ رُءُوس الإِبَرِ، مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: يُعْفَى عن يَسِيرِ جَمِيعِ النَّجاساتِ؛ لأنَّه يُتَحَرَّى فيها بالمَسْحِ في مَحَلِّ الاسْتِنْجَاءِ، ولو لم يُعْفَ

стр. 987

عنها لم يَكْفِ فيها المَسْحُ كالكَثِيرِ، ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فَعُفِىَ عنه كالدَّمِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١). وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإنَّ عَامَّة عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ" (٢). ولأنها نَجَاسَةٌ لا تَشُقُّ إزالتُها، فوَجَبَتْ إزالتُها كالكَثِيرِ، وأما الدَّمُ فإنه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فإنَّ الإِنْسَانَ لا يكادُ يَخْلُو من بَثْرَةٍ أو حِكَّةٍ أو دُمَّلٍ، ويَخْرُجُ من أنْفِه وفِيهِ وغيرِهما، فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ من يَسِيرِهِ أكْثَرَ من كَثِيرِه، ولهذا فُرِّقَ في الوُضُوءِ بين قَلِيلِه وكَثِيرِه. ٢٢٥ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ يَكُونَ ذلِكَ دَمًا أو قَيْحًا يَسِيرًا مِمَّا لَا يَفْحُشُ فِي القَلْبِ) أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ يَرَوْنَ العَفْوَ عن يَسِيرِ الدَّمِ والقَيْحِ. وممن رُوِىَ عنه؛ ابْنُ عَبَّاسٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، وجابرٌ، وابنُ أبي أوْفَى (١)، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وطاوُسٌ، ومُجَاهِدٌ، وعُرْوَةُ، ومحمدُ بنُ كُناسةَ (٢)، والنَّخَعِيُّ، وقَتَادَةُ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ [في أحَدِ قَوْلَيْه] (٣)، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكان ابنُ عمرَ

стр. 988

يَنْصَرِفُ من قَلِيلِه وكَثِيرِه. وقال الحسنُ: كَثِيرُه وقَلِيلُه سَوَاءٌ. ونحوُه عن سليمانَ التَّيْمِىِّ (٤)؛ لأنَّه نَجَاسةٌ. فَأَشْبَهَ البَوْلَ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عائشةَ، قالت: قد كان يكونُ لإِحْدانَا الدِّرْعُ، فيه تَحِيضُ وفيه تُصِيبُها الجَنَابَةُ، ثم تَرَى فيه قَطْرَةً من دَمٍ، فتَقْصَعُهُ (٥) بِرِيقِهَا. وفي لَفْظٍ: ما كانَ لإِحْدانا إلَّا ثَوْبٌ، فيه تَحِيضُ، فإن أصابهُ شَىءٌ من دَمِها بَلَّتْهُ بِرِيقِها، ثم قَصَعَتْه بِظُفْرِهَا. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٦). وهذا يَدُلُّ على العَفْوِ عنه؛ لأنَّ الرِّيقَ لا يُطَهَّرُ به ويَتَنَجَّسُ به ظُفْرُها، وهو إخْبَارٌ عن دَوَامِ الفِعْلِ، ومثل هذا لا يَخْفَى علَى النَّبِيِّ ﷺ ، ولا يَصْدُرُ إلَّا عن أمْرِه، ولأنَّه قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ، ولا مُخَالِفَ لهم في عَصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا. وما حُكِىَ عن ابْنِ عمرَ فقد رُوِىَ عنه خِلافُه، فرَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِهِ، عن نافِعٍ، أنَّ ابْنَ عمرَ كان يَسْجُدُ، فيُخْرِجُ يَدَيْهِ، فيَضَعُهما بالأرْضِ، وهما يَقْطُرانِ دَمًا، مِن شُقَاقٍ (٧) كان في يَدَيْهِ، وعَصَرَ بَثْرَةً فخَرَجَ منها شيءٌ من دَمِ وقَيْحٍ، فمَسَحَه بِيَدِه وصَلَّى، ولم يَتَوَضَّأْ. وانْصِرَافُه منه في بعضِ الحالاتِ لا يُنافِى ما رَوَيْناه عنه، فقد يَتَوَرَّعُ الإِنْسان عن بعضِ ما يُرْوَى جوازُه، ولأنَّه يَشُقُ التَّحَرُّزُ منه، فعُفِىَ عنه كأثَرِ الاسْتِنْجاءِ. فصل: وظاهِرُ مذهبِ أحمدَ، أنَّ اليَسِيرَ ما لا يَفْحُشُ في القَلْبِ. وهو قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: إذا (٨) كان فَاحِشًا أعَادَه. ورُوِىَ ذلك عن سعيد بن المُسَيَّبِ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه سُئِلَ عن الكَثِيرِ؟ فقال: شِبْرٌ في شِبْرٍ. وقال في مَوْضِعٍ، قال: قَدْرُ الكَفِّ فاحِشٌ. وظَاهِرُ مذهبِه، أنَّه ما فَحُشَ في قَلْبِ مَنْ عليه الدَّمُ. وقال: قال (٩)

стр. 989

ابنُ عَبَّاسٍ: ما فَحُشَ في قَلْبِكَ. قال الخَلَّالُ: والذي اسْتَقَرَّ عليه (١٠) قَوْلُه في الفَاحِشِ، أنَّه على قَدْرِ ما يَسْتَفْحِشُه كلُّ إنْسَانٍ في نَفْسِهِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنما يُعْتَبَرُ ما يَفْحُشُ في نُفُوسِ أوْساطِ النَّاسِ. وقال قَتَادَةُ، في مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ: فاحِشٌ. ونحوُه عن النَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وحَمَّادِ ابنِ أبي سليمان، والأوْزَاعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يُرْوَى عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "تُعَادُ الصَّلاةُ من قَدْرِ الدِّرْهَمِ من الدَّمِ" (١١). ولَنا، أنَّه لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، فرُجِعَ فيه إلي العُرْفِ، كالتَّفَرُّقِ والإِحْرَازِ، وما رَوَوْهُ لا يَصِحُّ، فإنَّ الحافِظَ أبا الفَضْلِ المَقْدِسِىّ (١٢)، قال: هو مَوْضُوعٌ (١٣). ولأنَّه إنَّما يَدُلُّ على مَحَلِّ النِّزَاعِ، بدليلِ خِطَابِه، وأصْحابُ الرَّأْىِ لا يَرَوْنَه حُجَّةً. فصل: والقَيْحُ، والصَّدِيدُ، وما تَوَلَّدَ من الدَّم، بِمَنْزِلَتِه، إلَّا أن أحمدَ قال: هو أسْهَلُ من الدَّمِ. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، والحسنِ أنَّهما لم يَرَيَاهُ كالدَّمِ. وقال أبو مِجْلَزٍ، في الصَّدِيدِ: إنَّما ذَكَرَ اللهُ الدَّمَ اْلمَسْفُوحَ. وقال أُمَيُّ بنُ رَبِيعَةَ (١٤)، رَأَيْتُ طَاوُسًا كأنَّ إزارَهُ نِطْعٌ (١٥) مِن قُرُوحٍ كانت بِرِجْلَيْه. وقال إسماعيلُ السَّرَّاجُ: رَأيتُ حاشِيةَ إزَارِ مُجَاهِدٍ قد يَبِسَتْ (١٦) من الصَّدِيدِ والدَّمِ من قُرُوحٍ كانت بِسَاقَيْهِ. وقال

стр. 990

إبراهيمُ، في الذي يكونُ به الحُبُونُ (١٧): يُصَلِّي، ولا يَغْسِلُه، فإذا بَرَأَ غَسَلَه. وقال عُرْوَةُ، ومُحَمَّدُ بنُ كُناسَةَ (١٨)، مثلَ ذلك. فعلى هذا يُعْفَى منه عن أكثر مما يُعْفَى عن مِثْلِه من الدَّمِ؛ لأنه لا يَفْحُشُ منه إلَّا أكثرُ من الدَّمِ، ولأنَّ هذا لا نَصَّ فيه، وإنما ثَبَتَتِ النَّجَاسَةُ فيه لأنَّه مُسْتَحِيلٌ من الدَّمِ إلى حالٍ مُسْتَقْذَرَةٍ. فصل: ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الدَّمِ مُجْتَمِعًا أو مُتَفَرِّقًا، بحيثُ إذا جُمِعَ بَلَغَ هذا القَدْرَ، ولو كانت النَّجاسةُ في شيءٍ صَفِيقٍ (١٩)، قد نَفَذَتْ من الجَانِبَيْنِ، فاتَّصَلَ ظَاهِرُه بِبَاطِنِه، فهو نَجَاسَةٌ وَاحِدَةٌ. وإن لم يَتَّصِلا، بل كان بَيْنَهُما شيءٌ لم يُصِبْهُ الدَّمُ، فهما نَجاستانِ، إذا بَلَغَا لو (٢٠) جُمِعَا قَدْرًا لا يُعْفَى عنه لم يُعْفَ عنهما، كما لو كانا في جَانِبَيِ الثَّوْبِ. فصل: ويُعْفَى عن يَسِيرِ دَمِ الحَيْضِ؛ لما ذكرْنا من حَدِيثِ عَائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، وعن سَائِرِ دِماءِ الحَيَوانَاتِ الطَّاهِرَةِ. فأمَّا دَمُ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ فلا يُعْفَى عن يَسِيرِه؛ لأنَّ رُطُوبَاتِه الطَّاهِرَةَ من غيرِه لا يُعْفَى عن شيءٍ منها، فدَمُه أوْلَى، ولأنَّه أصابَ جِسْمَ الكَلْبِ فلم يُعْفَ عنه، كالماءِ إذا أصابَه. وهكذا كُلُّ دَمٍ أصابَ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عنها، لم يُعْفَ عن شيءٍ منه لذلك. فصل: ودَمُ ما لا نَفْسَ له سَائِلَةٌ، كالبَقِّ (٢١)، والبَرَاغِيثِ، والذُّبَابِ، ونَحْوِه، فيه رِوَايتانِ؛ إحْدَاهما، أنَّه طَاهِرٌ. وممن رَخَّصَ في دَمِ البَرَاغِيثِ عَطَاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والحَاكِمُ، وحَبيبُ بنُ أبى ثابِتٍ (٢٢)، وحَمَّادٌ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحَاقُ؛ لأنَّه لوكان نَجِسًا لَنَجُسَ الماءُ اليَسِيرُ إذا مات فيه، فإنَّه إذا مكثَ في الماءِ لا

стр. 991

يَسْلَمُ من خُرُوجِ فَضْلَةٍ منه فيه، ولأنه ليس بِدَمٍ مَسْفُوحٍ، وإنَّما حَرَّمَ اللهُ الدَّمَ المَسْفُوحَ. والرِّوَايةُ الثَّانِيَةُ، عن أحمدَ، قال في دَمِ البَرَاغِيثِ إذا كَثُرَ: إنِّي لأفْزَعُ منه. وقال النَّخَعِىُّ: اغْسِلْ ما اسْتَطَعْتَ. وقال مالِكٌ في دَمِ البَرَاغِيثِ: إذا كَثُرَ وانْتَشَرَ، فإنِّى أرَى أن يُغْسَلَ. والأوَّلُ أَظْهَرُ. وقولُ أحمدَ: إني لأفْزَعُ منه. ليس [بِتَصْرِيحٍ بنَجاستِه] (٢٣)، وإنّما هو دَلِيلٌ على تَوَقُّفِه فيه، ولأنَّ (٢٤) المَنْسُوبَ إلى [دَمِ البَرَاغِيثِ] (٢٥) إنَّما هو بَوْلُها في الظَّاهِرِ، وبَوْلُ هذه الحشراتِ ليس بِنَجِسٍ، واللهُ أَعلمُ. وقال أبُو الخَطَّابِ: دَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ؛ لأنَّ إبَاحَتَه لا تَقِفُ على سَفْحِه، ولو كان نَجِسًا، لَوَقَفَتِ الإِباحَةُ على إرَاقَتِه بالذَّبْحِ، كحَيَوانِ البَرِّ، ولأنَّه إذا تُرِكَ اسْتَحال فصارَ ماءً. وقال أبو ثَوْرٍ: هو نَجِسٌ؛ لأنَّه دَمٌ مَسْفُوحٌ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِه تعالى ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٢٦). فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في العَفْوِ عن يَسِيرِ القَىْءِ، فرُوِىَ عن أحمد، أنَّه قال: هو عِنْدِى بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ؛ وذلك لأنَّه خَارِجٌ من الإِنْسَانِ نَجِسٌ من غيرِ السَّبِيلِ، فأشْبَهَ الدَّمَ. ورُوِىَ عنه في المَذْىِ أنَّه قال: يُغْسَلُ ما أصَابَ الثَّوْبَ منه، إلَّا أن يكونَ يَسِيرًا. ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِهِ قال: سُئِلَ سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ، وأبو سَلَمةَ بن عبدِ الرحمنِ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، عن المَذْىِ يَخْرُجُ، فَكُلُّهُم قال: إنَّه بِمَنْزِلَةِ القَرْحَةِ، فما عَلِمْتَ منه فَاغْسِلْهُ، وما غَلَبَكَ منه فَدَعْهُ، ولأنَّه يَخْرُجُ من الشَّبَابِ كَثِيرًا، فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فَعُفِىَ عن يَسِيرِه، كالدَّمِ. وكذلك المَنِىُّ إذا قُلْنَا بِنَجَاسَتِه. ورُوِىَ عنه في الوَدْىِ مثلُ ذلك، إلَّا أنَّ الظَّاهِرَ عنه أن حُكْمَهُ حُكْمُ البَوْلِ؛ لأنَّه من مَخْرَجِه. ورُوِىَ عن أحمدَ أيضًا أنَّه يُعْفَى عن رِيقِ البَغْلِ والحِمارِ

стр. 992

وعَرَقِهما، إذا كان يَسِيرًا. وهو الظَّاهِرُ عن أحمدَ. قال الخَلَّالُ: وعليه مَذْهَبُ أبي عبدِ اللهِ؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه. قال أحمدُ: مَنْ يَسْلَمُ من هذا مِمَّنْ يَرْكَبُ الحَمِيرَ! إلَّا إني أَرْجُو أن يكونَ ما خَفَّ منه أسْهَلَ. قال القاضي: وكذلك ما كان في مَعْنَاهما من سِبَاعِ البَهَائِمِ، سِوَى الكَلْبِ والخِنْزِيرِ، وكذلك الحُكْم في أبْوالِها وأرْوَاثِها، وبَوْلِ الخُفَّاشِ. قال الشَّعْبىُّ، والحَاكِمُ، وحَمَّادُ، وحَبِيبُ بنُ أبي ثابِتٍ: لَا بأْسَ بِبَوْلِ الخفَافِيشِ. وكذلك الخُفَّاشُ؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فإنَّه في المساجِد يَكثُرُ، فلو لم يُعْفَ عن يَسِيرِه لم يَقَرَّ في المساجِدِ. وكذلك بَوْلُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُه، إن قُلْنَا بِنَجَاسَتِه؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه لِكَثْرَتِه. وعن أحمدَ: لا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ من ذلك؛ لأنَّ الأصْلَ أن لا يُعْفى عن شيءٍ من النَّجَاسَةِ، خُولِفَ في الدَّمِ وما تَوَلَّدَ منه، فيَبْقَى فيما عَدَاهُ على الأصْلِ. فصل: وقد عُفِىَ عن النَّجَاسَاتِ المُغَلَّظَةِ لأجلِ مَحَلِّها، في ثلاثةِ مَوَاضِعَ؛ أحدُها، مَحَلُّ الاسْتِنْجَاءِ، يُعْفَى (٢٧) فيه عن أثَرِ الاسْتِجْمَارِ بعد الإِنْقَاءِ، واسْتِيفَاءِ العَدَدِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. واخْتَلَفَ أصْحابُنا في طَهَارَتِه، فذهَب أبو عبدِ اللَّه ابنُ حَامِدٍ، وأبو حَفْصِ بن المُسْلِم، إلى طَهَارَتِه. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال، في المُسْتَجْمِرِ يَعْرَقُ في سَرَاوِيلِه: لا بَأْسَ به. ولو كان نَجِسًا لَنَجَّسَه، ووَجْهُ ذلك قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، في الرَّوْثِ والرِّمَّةِ: "إنَّهُما لا يُطَهِّران" (٢٨). مَفْهُومُه أنَّ غَيْرَهما يُطَهِّرُ، ولأنه مَعْنًى يُزِيلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ، فيُزِيلُها كالماءِ. وقال أصْحابُنا المُتَأخِّرُون: لا يُطَهِّرُ المَحَلُّ، بل هو نَجِسٌ، فلو قَعَدَ المُسْتَجْمِرُ في ماءٍ يَسِيرٍ نَجَّسَه، ولو عَرِقَ كان عَرَقُه نَجِسًا؛ لأنَّ المَسْحَ لا يُزِيلُ أجْزاءَ النَّجاسةِ كُلَّها، فالباقِى منها نَجِسٌ، لأنَّه عَيْنُ النَّجاسةِ، فأشْبَهَ ما لو وُجِدَ في المَحَلِّ وَحْدَه. الثاني، أسْفَلُ الخُفِّ والحِذَاءِ،

стр. 993

إذا أصَابَتْه نَجَاسَةٌ، فدَلَكَها بالأرْضِ حتَّى زَالَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، فَفِيه ثلاثُ رِواياتٍ: إحْداهُنَّ، يُجْزِئُ دَلْكُه بالأرْضِ، وتُبَاحُ الصَّلاةُ فيه. وهذا (٢٩) قَوْلُ الأوْزَاعِىِّ، وإسْحاقَ؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ، بإسْنَادِهِ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا وَطِئَ أَحَدُكُم الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُما التُّرابُ". وفى لَفْظٍ: "إذا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بنَعْلِهِ الْأذَى، فإنَّ التُّرابَ له طَهُورٌ". وعن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، عن رسولِ اللهِ ﷺ مثلُ ذلك، وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا جَاءَ أَحَدُكُم إلى المَسْجِدِ فَلْيَنْظُر، فإنْ رَأَى في نَعْلَيْهِ قَذَرًا أو أذًى، فَلْيَمْسَحْه، وليُصَلِّ فِيهِمَا". وعن ابْنِ مَسْعُودٍ قال: كُنَّا لا نَتَوَضَّأُ من مَوْطِئٍ. رواهما أبو دَاوُد (٣٠). ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَه كانُوا يُصَلُّونَ في نِعَالِهم. قال أبو مَسْلَمةَ سَعِيدُ بنُ يَزِيدَ: سألتُ أنسَ ابنَ مالكٍ: أكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى في نَعْلَيْه؟ قال: نعم. مُتَّفَقٌ عليه (٣١). والظَّاهِرُ أن النَّعْلَ لا تَخْلُو من نَجاسةٍ تُصِيبُها، فلو لم يُجْزِئْ دَلْكُها لم تَصِحَّ الصَّلاةُ فيها. والثَّانِيَةُ، يَجِبُ غَسْلُه كسائِرِ النَّجاساتِ؛ فإنَّ الدَّلْكَ لا يُزِيلُ جَمِيعَ أجْزاءِ النَّجاسةِ. والثَّالِثَةُ، يَجِبُ غَسْلهُ من البَوْلِ والعَذِرَةِ دونَ غيرِهما؛ لتَغَلُّظِ نَجَاسَتِهما وفُحْشِهما. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ اتِّبَاعَ الأَثَرِ واجبٌ. فإن قيلَ: فقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في نَعْلَيْه، أنَّ فِيهِمَا قَذَرًا. يَدُلُّ على [أنْ لا يُجْزِئُ] (٣٢) دَلْكُهُما، ولم يَزُلِ القَذَرُ

стр. 994

منهما. قلنا: لا دَلالَةَ في هذا؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ أنه دَلَكهما، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَدْلُكْهما؛ لأنَّه لم يَعْلَمْ بالقَذَرِ فيهما، حتَّى أخْبَرَه جِبْرِيلُ، ﵇. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ دَلْكَهما يُطَهِّرُهُما في قولِ ابْنِ حَامِدٍ؛ لِظَاهِرِ الأَخْبَارِ. وقال غيرُه: يُعْفَى عنه مع بَقَاءِ نَجَاسَتِه، كَقَوْلِهِم في أثَرِ الاسْتِنْجاءِ. وقال القاضي: إنَّما يُجْزِئُ دَلْكُهُما بعد جَفَافِ نَجَاسَتِهما؛ لأنَّه لا يَبْقَى لها أثَرٌ، وإن دَلَكهما قبلَ جَفَافهما لم يُجْزِهِ ذلك؛ لأنَّ رُطُوبَةَ النَّجَاسَةِ باقِيةٌ فلا يُعْفَى عنها. وظَاهرُ الأخْبارِ لا يُفَرِّقُ بين رَطْبٍ وجَافٍّ. ولأنَّه مَحَلٌّ اجْتُزِئُ فيه بالمَسْحِ، فجازَ في حالِ رُطُوبَةِ المَمْسُوحِ كمَحَلٍّ الاسْتِنْجَاءِ، ولأن رُطُوبَةَ المَحَلِّ مَعْفُوٌّ عنها إذا جَفَّتْ قبلَ الدَّلْكِ، فعُفِىَ (٣٣) عنها إذ جَفَّتْ به كالاسْتِجْمارِ. الثالث، إذا جَبَرَ عَظْمَهُ بعَظْمٍ نَجِسٍ فَجَبَر، لم يَلْزَمْهُ قَلْعُهُ إذا خافَ الضَّرَرَ، وأجْزَأتْه صَلاتُه، لأنَّها نَجاسةٌ باطِنَةٌ يتَضَرَّرُ (٣٤) بإزالَتِها، فأشْبَهَتْ دِمَاءَ العُرُوقِ. وقيل: يَلْزَمُه قَلْعُه، ما لم يَخَفِ التَّلَفَ. وإن سَقَطَ سِنٌّ من أسْنانِه فأعَادَها بحَرَارَتِها، فَثَبَتتْ، فهى طَاهِرَةٌ؛ لأنَّها بَعْضُه، والآدمِىُّ بجُمْلَتِه طَاهِرٌ حَيًّا ومَيِّتًا، فكذلك بَعْضُه. وقال القاضي: هي [نَجِسَةٌ، حُكْمُها] (٣٥) حُكْمُ سَائِرِ العِظَامِ النَّجِسَةِ؛ لأنَّ ما أُبِينَ من حَيٍّ فهو مَيِّتٌ. وإنَّما حُكِمَ بِطَهَارةِ الجُمْلَةِ لِحُرْمَتِها، وحُرْمَتُها آكَدُ من حُرْمَةِ البَعْضِ، فلا يَلْزَمُ من الحُكْمِ بِطَهارَتِها الحُكْمُ بِطهارَةِ ما دُونَها. فصل: وإذا كانَ على الأَجْسَامِ الصَّقِيلَة، كالسَّيْفِ والمِرْآةِ، نَجاسة، فَعُفِىَ عن يَسِيرِها، كالدَّمِ ونَحْوِه، عُفِىَ عن أثَرِ كَثِيرِها بالمَسْحِ؛ لأنَّ الباقى بعد المَسْحِ يَسِيرٌ. وإن كَثُرَ مَحَلُّه، عُفِىَ عنه، كيَسِيرِ غيرِه.

стр. 995

٢٢٦ - مسألة؛ قال: (وإذا خَفِىَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ من الثَّوْبِ اسْتَظْهَرَ، حتى يَتَيَقَّنَ أن الغَسْلَ قد أَتَى [عَلَى النَّجَاسَةِ] (١)) وجُمْلَتُه أنَّ النَّجَاسةَ إذا خَفِيتْ في بَدَنٍ أو ثَوْبٍ، وأرَادَ الصَّلاةَ فيه، لم يَجُزْ له ذلك حتَّى يَتَيَقَّنَ زَوَالَها، ولا يَتَيَقَّنُ ذلك حتَّى يَغْسِلَ كُلَّ مَحَلٍّ يحتمِلُ أن تكونَ (٢) النَّجَاسَةُ أصَابَتْه، فإذا لم يَعْلَمْ جِهَتَها من الثَّوْبِ غَسَلَه كُلَّه. وإن عَلِمَها في إحْدَى جهَتَيْه غسلَ تِلْكَ الجِهَة كُلَّها. وإن رَآها لنى بَدَنِه، أو ثَوْبٍ هو (٣) لابِسُه، غسلَ كُلَّ ما يُدْرِكُه بَصَرُه من ذلك. وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، ومَالِكٌ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال عَطَاءٌ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ: إذا خَفِيَتِ النَّجَاسَةُ في الثَّوْبِ نَضَحَهُ كُلَّه. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: يَتَحَرَّى مَكَانَ النَّجَاسَةِ فَيَغْسِلَه. ولعلَّهم يَحْتَجُّونَ بحديثِ سَهْلِ بن حُنَيْفٍ عن النَّبِيِّ ﷺ في المَذْىِ، قال: قلتُ، يا رسولَ اللهِ فكيف بما أصَابَ ثَوْبِى منه؟ قال: "يُجْزِئُكَ أن تَأْخُذَ كَفًّا من ماءٍ، فَتَنْضَحَ بِهِ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ" (٤). فأمَرَهُ بالتَّحَرِّى والنَّضْحِ. ولَنا، أنَّه مُتَيَقِّنٌ لِلْمَانِعِ من الصَّلاةِ. فلم تُبَحْ له الصَّلاةُ إلَّا بِتَيَقُّنِ زَوَالِه، كمَن تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطَّهارةِ، والنَّضْحُ لا يُزِيلُ النَّجاسةَ، وحَدِيثُ سَهْلٍ في المَذْىِ دُونَ غيرِه، فلا يُعَدَّى، لأنَّ أحْكَامَ النَّجَاسَةِ تَخْتَلِفُ. وقوله: "حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنهُ". مَحْمُولٌ على مَن ظَنَّ أنَّه أصابَ ناحِيَةً من ثَوْبِه، مِن غيرِ يَقِينٍ (٥)، فَيُجْزِئُه نَضْحُ المكانِ أو غَسْلُه. فصل: وإنْ خَفِيَتِ النَّجاسةُ في فَضاءٍ وَاسِعٍ، صَلَّى حيثُ شاءَ، ولا يَجبُ غَسْلُ جَمِيعِه؛ لأنَّ ذلك يَشُقُّ، فلو مُنِعَ من الصَّلاةِ أَفْضَى إلى أنْ لا يَجِدَ مَوْضِعًا يُصَلِّى فيه، فأمَّا إنْ كانَ مَوْضِعًا صَغِيرًا، كَبَيْتٍ ونَحْوِه، فإنَّه يَغْسِلُه كُلَّه؛ لأنَّه لا يَشُقُّ غَسْلُه، فأشْبَهَ الثَّوْبَ.

стр. 996

٢٢٧ - مسألة؛ قال: (وما خرَجَ مِنَ الإِنْسَانِ، أو الْبَهِيمَةِ الَّتِى لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا مِنْ بَوْلٍ أوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ نَجِسٌ) يعني ما خَرَجَ من السَّبِيلَيْنِ، كالبَوْلِ، والغَائِطِ، والمَذْىِ، والوَدْىِ، والدَّمِ، وغيرِه. فهذا لا نَعْلَمُ في نجاستِه خِلافًا، إلَّا أَشياءَ يَسِيرَةً، نَذْكُرُها إن شاءَ اللهُ تعالى. أمَّا بَوْلُ الآدَمِىِّ، فقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ في الذي مَرَّ به وهو يُعَذَّبُ في قَبْرِه "أنه كان لا يَسْتَتِرُ (١) من بَوْلِه". مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورُوِىَ في خَبَرٍ أنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ من البَوْلِ (٣). وأمَّا الوَدْىُ، فهو ماءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِيبَ البَوْلِ خاثِرٌ، فَحُكْمُه حُكْمُ البَوْلِ سَوَاء؛ لأنَّه خارِجٌ من مَخْرَج البَوْلِ، وجَارٍ مَجْرَاه. وأمَّا المَذْىُ، فهو ماءٌ لَزِجٌ رَقِيقٌ، يَخْرُجُ عَقِيبَ الشَّهْوَةِ، على طَرَفِ الذَّكَرِ، فظَاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه نَجِسٌ. قال هارُونُ الحَمَّال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يَذْهَبُ في المَذْىِ إلى أنْ (٤) يُغْسَلَ ما أصَابَ الثَّوْبَ منه، إلَّا أن يكونَ شيئًا (٥) يَسِيرًا. وقد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في العَفْوِ عن يَسِيرِه فيما مَضَى. ورُوِىَ عن أحْمدَ، ﵀، أنَّه بِمَنْزِلَةِ المَنِىِّ. قال، في رِوَايَةِ محمدِ بنِ الحَكَم (٦)، أنَّه [سُئِل أبو عبد اللَّه] (٧) عن المَذْىِ، أشَدُّ أو المَنِىِّ؟ قال: هما سَوَاء، ليسا من مَخرَجِ البَوْلِ، إنَّما هما من الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ، كما قال ابنُ عَبَّاسٍ: هو عِنْدِى بِمنْزِلَةِ البُصاقِ والمُخَاطِ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ نَحْوَ هذا، وعَلَّلَ بأنَّ المَذْىَ جُزْءٌ من المَنِىّ؛ لأنَّ سَبَبهما جَمِيعًا الشَّهْوَةُ، ولأنَّه خَارِجٌ تُحلِّلهُ الشَّهْوَةُ، أشْبَهَ المَنِىَّ، فظَاهِرُ المَذهَبِ أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّه خَارِجٌ من السَّبِيلِ، ليس بَدْءًا لِخَلْقِ آدَمِىٍّ، فأَشْبَهَ البَوْلَ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ منه، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. ثم

стр. 997

اخْتَلَفَ (٨) عن أحمدَ: هل يُجْزِىءُ فيه النَّضْحُ، أو يَجِبُ غَسْلُه؟ قال، في رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بنِ الحَكَمِ: المَذْىُ يُرَشُّ عليه الماءُ، أذْهَبُ إلى حَدِيثِ سَهْلِ بن حُنَيْفٍ (٩) ليس يَدْفَعه شيءٌ، وإن كان حَدِيثًا واحِدًا. وقال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: حَدِيثُ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ في المَذْىِ، ما تقولُ فيه؟ قال: الذي يَرْوِيهِ ابنُ إسْحاق؟ قلتُ: نعم. قال: لا أعلمُ شيئًا يُخَالِفُه. وهو ما رَوَى سَهْلُ بن حُنَيْفٍ، قال: كنتُ أَلْقَى من المَذْىِ شِدَّةً وعَنَاءً، فذَكَرْتُ ذلك لِرسولِ اللهِ ﷺ فقال: "يُجْزِئُكَ مِنْهُ الْوُضُوءُ". قلتُ: فكيف بما أصابَ ثَوْبِى منه؟ قال: "يَكْفِيكَ أنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ ماءٍ، فَتَنْضَحَ بِهِ حَيْثُ ترى أنَّه أصَابَ مِنْهُ". قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ورُوِىَ عنه وُجُوبُ غَسْلِه، قال محمدُ بنُ داوُدَ: سألْتُ أبا عبدِ اللَّه عن المَذْىِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، كيف العَمَلُ فيه؟ قال الغَسْلُ ليس في القَلْبِ منه شيءٌ. وقال: حَدِيثُ محمدِ بنِ إسْحاقَ رُبَّما تَهَيَّبْتُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: ومِمَّنْ أمَرَ بِغَسْلِ المَذْىِ عمرُ، وابنُ عَبَّاسٍ، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وكَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ منه في حَدِيثِ المِقْدَادِ، ولأنَّه نَجَاسَةٌ، فوَجَبَ غَسْلُه (١٠) كسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وحديثُ (١١) سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ. قال أحمدُ: حديثُ محمدِ بنِ إسْحاقَ لا أَعْرِفُه عن غَيْرِه، ولا أحْكُمُ لمحمدِ بنِ إسحاقَ، ورُبَّما تَهَيَّبْتُه. وهذا ظَاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ، واخْتِيَارُ الخَلَّالِ. فصل: وفي رُطُوبَةِ فَرْجِ المَرْأةِ احْتِمالان: أحَدُهما، أنه نَجِسٌ؛ لأنَّه في الفَرْجِ لا يُخْلقُ منه الوَلَدُ، أشْبَهَ المَذْىَ. والثانى، طَهَارَتُه؛ لأنَّ عائشةَ كانت تَفْرُكُ المَنِىَّ من ثَوْبِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو من جِمَاعٍ، فإنَّه ما احْتَلَمَ نَبِىٌّ قَطُّ، وهو يُلاقِى رُطوبةَ الفَرْجِ، ولأنَّنا لو حَكَمْنا بِنَجَاسةِ فَرْجِ المَرْأَةِ، لَحَكَمْنا بِنجاسَةِ مَنِيِّها؛ لأنَّه

стр. 998

يَخْرُجُ من فَرْجهَا، فَيَتَنجَّسُ بِرُطُوبَتِهِ. وقال القاضي: ما أصابَ منه في حالِ الجِمَاعِ فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ من المَذْىِ، وهو نَجِسٌ. ولا يَصِحُّ هذا (١٢) التَّعْلِيلُ، فإنَّ الشَّهْوَةَ إذا اشْتَدَّتْ خَرَجَ المَنِىُّ دونَ المَذْىِ، كحالِ الاحْتِلامِ. فصل: وبَوْلُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُه ورَوْثُه طَاهِرٌ. وهذا مَفْهُومُ كلامِ الْخِرَقِىِّ. وهو قَوْلُ عَطَاءٍ، والنَّخَعِىٍّ، والثَّوْرِىِّ، ومالِكٍ، قال مالِكٌ: لا يَرَى أهلُ العِلْمِ أبْوالَ ما أُكِلَ لَحْمُه وشُرِبَ لَبَنُه نَجِسًا. ورَخَّصَ في أبْوالِ الغَنَمِ الزُّهْرِىُّ، ويَحْيَى الأنْصَارِىُّ. قال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أَهْلِ العِلْمِ على إباحةِ الصَّلاةِ في مَرَابِضِ الغَنَمِ، إلَّا الشَّافِعِىَّ، فإنَّه اشْتَرَطَ أن تكونَ سَلِيمَةً من أبْعارِها وأبْوالِها. ورَخَّصَ في ذَرْقِ (١٣) الطَّائِرِ أبو جعفر (١٤)، والحَكَمُ، وحَمَّادُ، وأبو حنيفةَ. وعن أحمدَ: أنَّ ذلك نَجِسٌ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ، ونحوه عن الحسنِ؛ لأنَّه دَاخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِه ﷺ "تَنَزَّهُوا من البَوْلِ" (١٥). ولأنَّه رَجِيعٌ، فكان نَجِسًا، كَرَجِيعِ الآدَمِىِّ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ العُرَنِيِّينَ أن يَشْرَبُوا من أبْوالِ الإبِلِ (١٦)، والنَّجِسُ لا يُباحُ شُرْبُه، ولو أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ لأمَرَهم بِغَسْلِ أثرِه إذا أرادُوا

стр. 999

الصَّلاةَ، وكان النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى في مَرَابِض الغنَم. مُتَّفَقٌ عليه (١٧). وقال: "صَلُّوا في مَرَابِض الغَنَمِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٨). وهو إجْمَاعٌ، كما ذَكَرَ ابنُ المُنْذِرِ، وصَلَّى أبو موسى في مَوْضِعٍ فيه أبْعَارُ الغَنَمِ. فقِيلَ له: لو تَقَدَّمْتَ إلى ههُنا؟ فقال: هذا وذاك واحِدٌ. ولم يكن للنَّبِىِّ ﷺ وأصْحَابِه ما يُصَلُّونَ عليه من الأوْطِئَةِ والمُصَلِّيَاتِ، وإنما كانوا يُصَلُّونَ على الأرْضِ، ومَرَابِضُ الغَنَمِ لا تَخْلُو من أبعارِها وأبْوالِها، فدَلَّ على أنَّهم كانوا يُبَاشِرُونَها في صَلاتِهِم، ولأنَّه مُتَحَلِّلٌ (١٩) مُعْتَادٌ من حَيَوانٍ يُؤْكَلُ لَحْمُه، فكان طاهِرًا كاللَّبَنِ، وذَرْقِ الطَّائِرِ عندَ مَن سَلَّمهَ، ولأنَّه لو كان نَجِسًا لَتَنَجَّسَتِ الحُبُوبُ التي تَدُوسُها البَقَرُ، فإنَّها لا تَسْلَمُ من أبْوَالِها، فيَتَنَجَّسُ بعضُها، ويَخْتَلِطُ النَّجِسُ بالطَّاهِرِ، فيصيرُ حُكْمُ الجَمِيعِ حُكْمَ النَّجِسِ. فصل: فأمَّا الخارِجُ من غيرِ السَّبِيلَيْنِ، فالحَيَوانَاتُ فيه أرْبَعَةُ أقْسامٍ: أحَدُها: الآدَمِىُّ، فالخارجُ منه نَوْعانِ، طاهِرٌ، وهو رِيقُه ودَمْعُه وعَرَقُه ومُخَاطُه ونُخَامَتُه،

стр. 1000

فإنَّه جاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ في يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ، أنَّه ما تَنَخَّمَ نُخَامَةً إلّا وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ منهم، فَدَلَكَ بها وَجْهَهُ. رَوَاه البُخارِىُّ (٢٠). ولولا طهارتُها لم يفْعلُوا ذلك، وفى حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَأَىَ نُخَامَةً في قِبْلَةِ المَسْجدِ، فأقْبَلَ على النَّاسِ، فقال: "مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ يَسْتَقْبِل رَبَّه، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ! أَيُحِبُّ أنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ في وَجْهِه؟ فإذا تَنَخَّعَ أَحَدُكُم فَلْيَتَنخَّع عن يَسَارِهِ أو تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإنْ لمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هكَذَا". وَوَصَفَ القاسِمُ: فَتَفَلَ في ثَوْبِه، ثم مَسَحَ بَعْضَه ببَعْضٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢١). ولو كانت نَجِسَةً لَما أمَرَ بِمَسْحِها في ثَوْبِه وهو في الصَّلاةِ، ولا تَحْتَ قَدَمِه. ولا فَرْقَ بين ما يَخْرُجُ من الرَّأْسِ والبَلْغَمِ الخَارِجِ من الصَّدْرِ. ذَكَرَه القاضي. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ. وقال أبو الخطَّابِ: البَلْغَمُ نَجِسٌ؛ لأنَّه طَعَامٌ اسْتَحَالَ في (٢٢) المَعِدَةِ، أشْبَهَ القَىْءَ. ولَنا، أنَّه دَاخِلٌ في عُمُومِ الخَبَريْنِ، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ النُّخَامَةِ، أَشْبَهَ الآخَرَ، ولأنَّه لو كان نَجِسًا نَجِسَ به الفَمُ، ونَقَض الوُضُوءَ، ولم يَبْلُغْنَا عن الصَّحابةِ رَضِىَ اللهُ عنهم، مع عُمُومِ البَلْوَى به، شيءٌ من ذلك. وقَوْلُهم: إنَّه طَعَامٌ مُسْتَحِيلٌ في المَعِدَةِ. غير مُسَلَّمٍ، إنَّما هو مُنْعَقِدٌ من الأبْخِرَةِ، فهو كالنَّازِلِ من الرَّأْسِ، وكالمُخَاطِ، ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ المُخَاطَ. النَّوْعُ الثَّانى: نَجِسٌ، وهو الدَّمُ وما تَوَلَّدَ منه من القيْحِ والصَّدِيدِ، وما يَخْرُجُ من المَعِدَةِ من القَىْءِ والقَلْسِ، فهذا نَجِسٌ، وقد تَقَدَّمَ بَيانُ حُكْمِهِ. القِسْمُ الثَّانِى: ما أُكِلَ لَحْمُه، فالخَارِجُ منه ثلاثةُ أنْوَاعٍ: أحَدُها، نَجِسٌ، وهو الدَّمُ، وما تَوَلَّدَ منه. الثَّانِى، طَاهِرٌ، وهو الرِّيقُ والدَّمْعُ والعَرَقُ واللَّبَنُ. فهذا لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. الثَّالِثُ، القَىْءُ، ونَحْوُه، فَحُكْمُه حُكْمُ بَوْلِه؛ لأنَّه طَعامٌ مُسْتَحِيلٌ، فأشْبَهَ

стр. 1001

الرَّوْثَ، وقد دَلَّلْنا على طَهَارَةِ بَوْلهِ، فهذا أوْلَى، وكذلك مَنِيُّه. القِسْمُ الثَّالِثُ: ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه، ويُمْكنُ التَّحَرُّز منه، وهو نَوْعان: أحَدُهُما، الكَلْبُ والخِنْزِيرُ، فهما نَجِسانِ بِجَمِيعِ أجْزَائِهما وفَضَلاتِهِما، وما يَنْفصِلُ عنهما. الثَّانِى، ما عَدَاهما من سِبَاعِ البَهَائِمِ وجَوَارِحِ الطَّيْرِ والبَغْلِ والحِمَارِ، فعن أحمدَ، ﵀، أنَّها نَجِسَةٌ بِجَمِيعِ أجْزَائِها وفَضَلاتِها، إلَّا أنَّه يُعْفَى عن يَسِيرِ نَجَاسَتِها. وعنه ما يَدُلُّ على طَهَارَتِها. فَحُكْمُها حُكْمُ الآدَمِىِّ، على ما فُصِّلَ. القِسْمُ الرَّابِعُ: ما لا يُمْكِنُ التَّحَرُّز منه، وهو نَوْعانِ: أحَدُهما، ما يَنْجُسُ بالمَوْتِ، وهو السِّنَّوْرُ وما دُونَه في الخِلْقَةِ، فَحُكْمُه حُكْمُ الآدَمِىِّ، ما حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِه من الآدَمِىِّ، فهو منه نَجِسٌ. وما حَكَمْنَا بِطهارَتِه من الآدَمِىِّ، فهو منه طَاهِرٌ، إلَّا مَنِيَّهُ، فإنَّه نَجِسٌ؛ لأَنَّ مَنِىَّ الآدَمِىِّ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِىٍّ فَشَرُفَ بِتَطْهِيرِه، وهذا مَعْدُومٌ (٢٣) ههُنا. النَّوْعُ الثَّانِى، ما لا نَفْسَ له سائِلَةٌ، فهو طاهِرٌ بِجَمِيعِ أجْزَائِه وفَضَلاتِه. ٢٢٨ - مسألة؛ قال: (إلَّا بوْلُ الغُلامِ الذي لم يَأْكُل الطَّعَامَ، فإنَّه لَه يُرَشُّ الماءُ عَلَيْهِ) هذا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، إذ ليس مَعْنَى الكلامِ طَهَارَةَ بَوْلِ الغُلامِ، إنَّما أرَادَ أنَّ بَوْلَ الغُلامِ الذي لم يَطْعَم الطَّعَامَ يُجْزِئُ فيه الرَّشُّ، وهو أن يَنْضَحَ عليه الماءَ حتَّى يَغْمُرَه، ولا يَحْتَاجُ إلى مَرْشٍ (١) وعَصْرٍ، وبَوْلُ الجَارِيَةِ يُغْسَلُ وإن لم تَطْعَمْ. وهذا قَوْلُ عَلِىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال عَطَاءٌ، والحسنُ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ. وقال القاضي: رأَيْتُ لأبي إسْحاقَ بن شَاقْلا كَلامًا يَدُلُّ على طهارةِ بَوْلِ الغُلامِ؛ لأنَّه لو كان نَجِسًا لوجبَ غَسْلُه. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: يُغْسَلُ بَوْلُ الغُلامِ كما يُغْسَلُ

стр. 1002

بَوْلُ الجَارِيَةِ؛ لأنَّه بَوْلٌ نَجِسٌ، فوجبَ غَسْلُه كسائِرِ الأبْوالِ النَّجِسَةِ، ولأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالنَّجاسةِ، فاسْتَوَى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، كسائِرِ أحْكَامِهَا (٢). ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ، أنَّها أتَتْ بِابْنٍ لها صغيرٍ، لم يَأْكُل الطَّعامَ، إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأجْلَسَه رسولُ اللهِ ﷺ في حِجْرِه، فبالَ علَى ثَوْبِه، فدَعَا بماءٍ، فنَضَحَهُ، ولم يَغْسِلْهُ. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت، أُتِىَ رسولُ اللهِ ﷺ بِصَبِىٍّ، فبالَ على ثَوْبِه فدَعا بِماءٍ، فأتْبَعَهُ بَوْلَهُ، ولم يَغْسِلْهُ. مُتَّفقٌ عليهما (٣). وعن لُبَابَةَ بنتِ الحارِثِ، قالت: كان الحُسَيْنُ بنُ عَلِىٍّ في حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فبالَ عليه، فقلتُ: الْبَسْ ثَوْبًا آخَرَ، وأعْطِنِى إزَارَكَ حتى أغْسِلَه. فقال: "إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى، ويُنْضَحُ من بَوْلِ (٤) الذَّكَرِ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٥). وعن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "بَوْلُ الغُلامِ يُنْضَحُ، وبَوْلُ الجَارِيَةِ يُغْسَلُ". قال قَتَادَةُ: هذا ما لم يَطْعَمَا الطَّعَامَ، فإذا طَعِما غُسِلَ بَوْلُهما. رَوَاه الإِمامُ أحمدُ، في "مُسْنَدِه" (٦).

стр. 1003

وهذه نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ عن النَّبِيِّ ﷺ ، فاتِّبَاعُها أوْلَى، وقولُ رسولِ اللَّه ﷺ أَصَحُّ من قَوْلِ مَن خَالَفَه. فصل: قال أحمدُ: الصَّبِىُّ إذا طَعِمَ الطَّعامَ، وأرَادَهُ، واشْتَهَاهُ، غُسِلَ بَوْلُه، وليس إذا أُطْعِمَ (٧)؛ لأنَّه قد يُلْعَقُ العَسَلَ سَاعَةَ يُولَدُ، والنَّبِىُّ ﷺ حنكَ بالتَّمْرِ (٨). ولكن إذا كان يأْكلُ ويُرِيدُ الأكْلَ، فعلى هذا ما يُسْقَاهُ الصَّبِىُّ أو يُلْعَقُه للتَّدَاوِى لا يُعَدُّ طَعَامًا يُوجبُ الغَسْلَ، وما يَطْعَمُه لِغِذائه وهو يُرِيدُه ويَشْتَهِيهِ، هو المُوجِبُ لِغَسْلِ بَوْلِه. واللهُ أعلمُ. ٢٢٩ - مسألة؛ قال: (والمَنِىُّ طَاهِرٌ. وعن أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه كالدَّمِ) اخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في المَنِىِّ، فالمشهورُ: أنَّه طاهِرٌ. وعنه أنَّه كالدَّمِ، أي أنَّه نَجِسٌ. ويُعْفَى عن يَسِيرِه. وعنه: أنَّه لا يُعْفَى عن يَسِيرِه. ويُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِه على كُلّ حالٍ. والرِّوايةُ الأُولَى هي المَشْهُورَةُ في المذهبِ، وهو قَوْلُ سَعْدِ بنِ أبِى وَقَّاصٍ، وابْنِ عمرَ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: امْسَحْهُ عنك بإذْخِرَةٍ أو خِرْقَةٍ، ولا تَغْسِلْهُ إن شِئْتَ. وقال ابْنُ المُسَيَّبِ: إذا صَلَّى فيه لم يُعِدْ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ: غَسْلُ الاحْتِلامِ أمْرٌ وَاجِبٌ. وعلى هذا مذهبُ الأوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: هو نَجِسٌ، ويُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِه؛ لما

стр. 1004

رَوَتْ عَائِشَةُ أنَّها كانتْ تَغْسِلُ المَنِىَّ من ثَوْبِ رسولِ اللهِ ﷺ ، قالت: ثم أَرَى فيه بُقْعَةً أو بُقَعًا وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ (١). قال صالِحٌ: قال أبي: غَسْلُ المَنِىِّ من الثَّوْبِ أَحْوَطُ وأَثْبَتُ في الرِّوَايَةِ. وقد جاء الفَرْكُ أيضًا عن عاثِشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال في المَنِىِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ: "إنْ كَانَ رَطْبًا فاغْسِلِيهِ. وإن كان يَابِسًا فافْرُكِيهِ" (٢). وهذا أمْرٌ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. ولأنه خارِجٌ مُعْتَادٌ من السَّبِيلِ، أشْبَهَ البَوْلَ. ولَنا، ما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كُنْتُ أَفْرُكُ المَنِىَّ من ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيُصَلّى فيه. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وقال ابنُ عَبَّاسٍ: امْسَحْهُ عنك بإذْخِرَةٍ أو بِخِرْقَةٍ، ولا تَغْسِلْه، إنَّما هو كالبُزَاقِ والمُخَاطِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٤) مَرْفُوعًا إلى النبيِّ ﷺ . ولأنَّه لا يَجِبُ غَسْلُه إذا جَفَّ، فلم يَكُنْ نَجِسًا كالمُخَاطِ، ولأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِىٍّ، فكان طَاهِرًا كالطِّينِ، ويُفَارِقُ البَوْلَ من حيثُ إنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِىٍّ. فصل: فإن خَفِىَ مَوْضِعُ المَنِىِّ فُرِكَ الثَّوْبُ كُلُّه، إن قُلْنَا بِنَجَاسَتِه، وإن قُلْنَا بِطهَارَتِه اسْتُحِبَّ فَرْكُه. وإن صَلَّى فيه من غيرِ فَرْكٍ، أجْزَأه. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ

стр. 1005

وغَيْرِه ممن قال بالطَّهَارَةِ. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: يُنْضَحُ الثَّوْبُ كُلّه. وبه قال النَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ. ونحوُه عن عائشةَ وعَطَاءٍ. وقال ابنُ عمرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، والحسنُ: يُغْسَلُ الثَّوْبُ كُلُّه. ولَنا، أن فَرْكَهُ يُجْزِئُ إذا عُلِمَ مَكَانُه، فكذلك إذا خَفِىَ، وأمَّا النَّضْحُ فلا يُفِيدُ، فإنَّه لا يُطَهِّرُه إذا عُلِمَ مَكَانُه، فكذلك إذا خَفِىَ. وأمَّا إذا قُلْنا بالطَّهَارَةِ فلا يَجِبُ شيءٌ من ذلك، لكن يُسْتَحَبُّ، كحالِ العِلْمِ به. فصل: قال أحمدُ، ﵀: إنما يُفْرَكُ مَنِىُّ الرجُلِ، أمَّا مَنِىُّ المرْأةِ فلا يُفْرَكُ؛ لأنَّ الذي لِلرَّجُلِ ثَخِينٌ، والذي لِلْمَرْأةِ رَقِيقٌ. والمعنَى في هذا أن الفَرْكَ يُرَادُ لِلتَّخْفِيفِ، والرَّقِيقُ لا يَبْقَى له جِسْمٌ بعد جَفَافِه يَزُولُ بالفَرْكِ، فلا يُفِيدُ فيه شيئًا، فعلى هذا إنْ قُلْنا بِنَجَاسَتِه، فلا بُدَّ من غَسْلِه رَطْبًا كان أو يَابِسًا، كالبَوْلِ. وإن قُلْنا بِطهَارَتِه، اسْتُحِبَّ غَسْلُه، كما يُسْتَحَبُّ فَرْكُ مَنِىِّ الرَّجُلِ. وأمَّا الطَّهَارَةُ والنَّجَاسَةُ فلا يَفْتَرِقَانِ فيه؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما مَنِىٌّ، هو بَدْءٌ لِخَلْقِ آدَمِىٍّ، خارِجٌ من السَّبِيلِ. فصل: فأمَّا العَلَقَةُ، فقال ابنُ عَقِيل: فيها رِوَايَتَانِ، كالمَنِىِّ؛ لأنَّها بَدْءُ خَلْقِ آدَمِىٍّ. والصَّحِيحُ نَجَاسَتُها؛ لأنَّها دَمٌ، ولم يَرِدْ من الشَّرعِ فيها طَهَارَةٌ، وقِيَاسُها على المَنِىِّ مُمْتَنِعٌ، لِكَوْنِها دَمًا خَارِجًا من الَفرْجِ، فأَشْبَهَتْ دَمَ الحَيْضِ. فصل: ومن أمْنَى وعلى فَرْجِهِ نَجَاسَةٌ نَجُسَ مَنِيُّه؛ لإصَابَتِه النَّجَاسَةَ، ولم يُعْفَ عن يَسِيرِه لذلك. وذكر القاضي في المَنِىِّ من الجِمَاعِ أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ من المَذْىِ. وقد ذَكَرْنَا فسادَ هذا. فإنَّ مَنِىَّ النَّبِيِّ ﷺ إنَّما كان من جِمَاعٍ، وهو الذي وَرَدَتِ الأخْبارُ بِفَرْكِه، والطَّهَارَةُ لِغَيْرِه إنَّما أُخِذَتْ من طَهَارَتهِ، واللهُ أعلمُ. ٢٣٠ - مسألة؛ قال: (وَالْبَوْلَةُ (١) عَلَى الْأرْضِ يُطَهِّرُها دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الأرْضَ إذا تَنَجَّسَتْ بِنجاسةٍ مائِعَةٍ، كالبَوْلِ والخَمْرِ وغَيْرِهما. فطُهُورُها أن يَغْمُرَها بالماءِ، بحيثُ يَذْهَبُ لَوْنُ النَّجَاسةِ ورِيحُها. فما انْفَصَلَ عنها غيرَ

стр. 1006

مُتَغَيِّرٍ بها فهو طَاهِرٌ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَطْهُر الأرْضُ حتَّى يَنْفَصِلَ الماءُ، فيكونُ المُنْفَصِلُ نَجِسًا؛ لأنَّ النَّجَاسَةَ انْتَقَلَتْ إليه، فكان نَجِسًا، كما لو وَرَدتْ عليه. ولَنا، ما رَوَى أَنَسٌ، قال: جاءَ أَعْرَابِيٌّ، فبَالَ في طائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُم النبيُّ ﷺ ، فلما قَضَى بَوْلَه أمَرَ بِذَنُوبٍ من ماءٍ فَأُهْرِيقَ عليه. وفى لَفْظٍ: فَدَعَاهُ، فقال: "إنَّ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَىءٍ مِنْ هذَا الْبَوْلِ والْقَذَرِ، وإنَّما هِىَ لِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، والصَّلاةِ، وقِرَاءَةِ القُرآنِ". أو كما قال رسولُ اللَّه ﷺ وأمَرَ رَجُلًا فجاءَ بِدَلْوٍ من ماءٍ، فَشَنَّهُ عليه. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولولا أن المُنْفَصِلَ طَاهِرٌ لكان قد أمَرَ بِزِيادةِ تَنْجِيسِه؛ لأنَّه كان في مَوْضِعٍ فصارَ في مَوَاضِعَ، وإنَّما أرادَ النَّبِىُّ ﷺ تَطْهِيرَ المَسْجِدِ. فإنْ قيل: فقد رُوِىَ عن ابْنِ مَعْقِلٍ (٣)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرابِ (٤)، وأهْرِيقُوا علَى مَكَانِه ماءً" (٥). ورَوَى أبو بكرٍ ابنِ عَيَّاشٍ، عن سَمْعانَ، عن أبي وائلٍ، عن عَبْدِ اللهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: فأَمَرَ به فحُفِرَ (٦). قُلْنا: لَيْسَتْ هذه الزِّيَادَةُ في خَبَرٍ مُتَّصِلٍ، قاله الخطابِىُّ (٧). وحديثُ ابنِ مَعْقِلٍ مُرْسَلٌ. قال أبو دَاوُدَ: ابنُ مَعْقِلٍ لم يُدْرِك النبىَّ ﷺ . وحَدِيثُ سمْعَانَ مُنْكَرٌ. قالَه الإِمامُ أحمدُ (٨). وقال: ما أعْرِفُ سمْعَانَ. ولأن البَلَّة الباقِيَةَ في المَحَلِّ بعد غَسْلِه طَاهِرَةٌ، وهى بعضُ المُنْفَصِلِ، فكذلك المُنْفَصِلُ. وقولُهم: إنَّ النَّجاسةَ انْتَقَلَتْ إليه. قُلْنا: بعد طَهَارَتِها، لأن الماءَ لو لم يُطَهِّرْهَا لَنَجُسَ بها حالَ مُلَاقَاتِه لها، ولو نَجُسَ بها لمَا طَهُرَ المَحَلُّ، ولَكان الباقِى منه في المَحَلِّ نَجِسًا. قال القاضي: إنَّما

стр. 1007

يُحْكَمُ بِطهارةِ المُنْ فَصِلِ إذا نَشَفَتِ النَّجَاسَةُ، وذَهَبَتْ أجْزاؤُها، ولم يَبْقَ إِلا أَثَرُها، فإن كانت أَجْزاؤُها باقِيَةً، طَهُرَ المَحَلُّ، ونَجُسَ المُنْفَصِلُ. وهذا الشَّرْطُ الذي ذَكَرَهُ لم أَرَهُ عن أحمدَ، ولا يَقْتَضِيه كلامُ الْخِرَقِىِّ، ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه إن أرادَ بِبقاءِ أجْزَائِها بقاءَ رُطُوبَتِها، فهو خِلافُ الخَبَرِ، فإنَّ قَوْلَه: فلما قَضَى بَوْلَه أمَرَ بِذَنُوبٍ من ماءٍ فأُهْرِيقَ عليه، يَدُلُّ على أنه صُبَّ عليه عَقِيبَ فَرَاغِه منه. وان أرادَ بَقَاءَ البَوْلِ مُتَنَقِّعًا، فلا فَرْقَ بينه وبين الرُّطُوبَةِ، فإنّ قَلِيلَ البَوْلِ وكَثِيرَه في التَّنْجِيسِ سَوَاءٌ. والرُّطُوبَةُ أَجْزاءٌ تَنْجَسُ كما يَنْجَسُ المُنْتَقِعُ، فلا فَرْق إِذًا. فصل: وإن أصابَ الأرْضَ ماءُ المطرِ أو السُّيُولِ، فغَمَرَها، وجَرَى عليها (٩)، فهو كما لو صُبَّ عليها؛ لأنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ لا تُعْتَبَرُ فيه نِيَّةٌ ولا فِعْلٌ، فاسْتَوَى ما صَبَّهُ الآدَمِىُّ وما جَرَى بغيرِ صَبِّه. قال أحمدُ، ﵀، في البَوْلِ يكونُ في الأرضِ فَتُمْطِرُ عليه السَّماءُ: إذا أصَابَه من المطرِ بِقَدْرِ ما يكُونُ ذَنُوبًا، كما أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ أن يُصَبَّ على البَوْلِ، فقد طَهُرَ. وقال الْمَرُّوذِىُّ: سُئِلَ أبو عبدِ اللَّه عِن ماءِ المَطَرِ يَخْتَلِطُ بالبَوْلِ، فقال: ماءُ المَطَرِ عندى لا يُخَالِطُ شَيْئًا إِلَّا طَهَّرَهُ، إلَّا العَذِرَةَ. فإنَّها تُقْطَعُ. وسُئِلَ عن ماءِ المَطَرِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فلم يَرَ به بَأْسًا، إلَّا أن يكونَ بِيلَ فيه بعد المطرِ. وقال: كل ما يَنْزِلُ من السَّمَاءِ إلى الأرضِ فهو نَظِيفٌ، دَاسْتْهُ الدَّوَابُّ أو لم تَدُسْهُ. وقال في المِيزَابِ: إذا كان في المَوْضِعِ النَّظِيفِ فلا (١٠) بَأْسَ بما قَطَرَ عليكَ من المطرِ، إذا لم تَعْلَمْ أنَّه قَذِرٌ. قيل له: فأسْألُ عنه؟ قال: لا تَسْألْ، وما دعاكَ إلى أن تَسْألَ وهو ماءُ المطر! إذا لم يكنْ مَوْضِعَ مَخْرَجٍ، أو مَوْضِعَ قَذَرٍ، فلا تَغْسِلْه. واحْتُجَّ في طهارةِ طِينِ المطرِ بِحديثِ الأعْرَابيِّ الذي بَالَ في المَسْجدِ. قال إسحاقُ بنُ منصورٍ، وقال إسْحَاقُ بنُ رَاهُويه، كما قال أحمدُ. واحْتُجَّ بأَنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ والتَّابِعينَ كانوا يَخُوضُونَ المَطَرَ في الطُّرُقَاتِ، فلا يَغسِلُون أَرْجُلَهُم، لَمَّا غَلَبَ الماءُ القَذَرَ. وممَّن

стр. 1008

رُوِىَ عنه أنَّه خاضَ طِينَ المطرِ، وصَلَّى، ولم يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ، عمرُ، وعَلِىٌّ رَضِىَ اللَّه عنهما. وقال ابْنُ مَسعودٍ: كُنَّا لا نَتَوَضَّأُ مِن مَوْطِئ. ونحوُه عن ابْنِ عَبَّاسٍ. وقال بذلك سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وعَبْدُ اللهِ بن مَعْقِلٍ (١١) بن مُقَرِّن، والحسنُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وعَوَامُّ أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّ الأصْلَ الطَّهَارَةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ. فصل: ولا تَطْهُرُ الأرْضُ حتى يَذْهَبَ لَوْنُ النَّجَاسَةِ ورَائحَتُها؛ لأنَّ بَقَاءَهما دَلِيلٌ على بَقَاءِ النَّجاسةِ. فإنْ كانتْ ممَّا لا يَزُولُ لَوْنُها إلَّا بِمَشَقَّةٍ سَقَطَ عنه إزَالَتُها، كالثَّوْبِ، وكذلك الحُكْمُ في الرَّائِحةِ. فصل: وإذا كانت النَّجاسةُ ذاتَ أجْزاءٍ مُتَفَرِّقَة، كالرَّمِيمِ، والرَّوثِ، والدَّمِ إذا جَفَّ، فاخْتَلَطَتْ بأجْزاءِ الأرْضِ، لم تَطْهُرْ بالغَسْلِ؛ لأنَّ عَيْنَها لا تَنْقَلِبُ، ولا تَطْهُرُ إِلَّا بإزَالةِ أجْزاءِ المكانِ، بحيثُ يُتَيَقَّنُ زَوالُ أجْزَاءِ النَّجاسةِ. ولو بادَرَ البَوْلَ وهو رَطْبٌ، فقَلَعَ التُّرابَ الذي عليه أثرُه، فالباقى طَاهِرٌ؛ لأنَّ النَّجِسَ كان رَطْبًا وقد زالَ. وإنْ جَفَّ فأزالَ ما وُجِدَ عليه الأَثَرُ، لم يَطْهُرْ؛ لأنَّ الأثَرَ إنَّما يَبِينُ على ظَاهِرِ الأرْضِ، لكنْ إن قلَع ما تَيَقَّن به زَوَالَ ما أصَابَه البَوْلُ، فالباقى طَاهِرٌ. فصل: ولا تَطْهُرُ الأرْضُ النَّجِسَةُ بشَمْسٍ ولا رِيحٍ ولا جَفَافٍ (١٢). وهذا قَوْلُ أبي ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، والشَّافِعِىِّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: تَطْهُرُ إذا ذَهَبَ أثَرُ النَّجاسةِ. وقال أبو قِلابَةَ: جُفُوفُ الأرْضِ طُهُورُها؛ لأنَّ ابنَ عمرَ رَوَى أنَّ الكِلابَ كانت تَبُولُ، وتُقْبِلُ وتُدْبِرُ في المَسْجدِ، فلم يَكُونُوا يرُشُّون شَيْئًا من ذلك. أخْرَجَه أبو داوُدَ (١٣). ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَهْرِيقُوا على

стр. 1009

بَوْلِه سَجْلًا من ماءٍ" (١٤). والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، ولأنَّه مَحَلٌّ نَجِسٌ، فلم يَطْهُرْ بغيرِ الغَسْلِ، كالثِّيَابِ، وأمَّا حَدِيثُ ابنِ عمرَ، فرَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٥)، وليس فيه ذِكْرُ البَوْلِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّها كانت تَبُولُ، ثم تُقْبِلُ وتُدْبِرُ في المَسْجِدِ، فيكونُ إقْبَالُها وإدْبارُها فيه بعد بَوْلِها. فصل: ولا تَطْهُرُ النَّجاسةُ بالاسْتِحَالَةِ، فلو أُحْرِقَ السِّرْجِينُ (١٦) النَّجِسُ فصارَ رَمَادًا، أو وَقَعَ كَلْبٌ في مَلَّاحَةٍ فصَارَ مِلْحًا، لم تَطْهُرْ (١٧). لأنها نَجَاسَةٌ لم تَحْصُلْ بالاسْتِحَالَةِ. فلم تَطْهُرْ بها، كالدَّمِ إذا صارَ قَيْحًا أو صَدِيدًا، وخُرِّجَ عليه الخَمْرُ، فإنَّه نَجِسٌ بالاسْتِحَالَةِ، فجازَ أَنْ يَطْهُرَ بها. فصل: والمُنْفَصِلُ من غُسَالَةِ النَّجاسةِ، يَنْقَسِمُ (١٨) ثلاثة أقْسامٍ: أحدُها، أن يَنْفَصِلَ مُتَغيِّرًا بها، فهو نَجِسٌ إجْماعًا؛ لأنَّه مُتَغَيِّرٌ بالنَّجاسةِ، فكان نَجِسًا، كما لو وَرَدَتْ عليه. الثَّانِي، أن يَنْفَصِلَ غيرَ مُتَغَيِّرٍ قبلَ طَهَارَةِ المَحَلِّ، فهو نَجِسٌ أيضًا؛ لأنَّه ماءٌ يَسِيرٌ لاقَى نَجَاسَةً لم يُطَهِّرْها، فكان نَجِسًا، كالمُتَغَيِّرِ، وكالباقِى في المَحَلِّ، فإنَّ الباقيَ في المَحَلِّ نَجِسٌ، وهو جُزْءٌ من الماءِ الذي غُسِلَتْ به النَّجَاسَةُ، ولأنَّه كان في المَحَلِّ نَجِسًا، وعَصْرُه لا يَجْعَلُه طَاهِرًا. الثالث: المُنْفَصِلُ (١٩) غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ من الغَسْلَةِ التي طَهَّرَتِ المَحَلَّ، ففيه وَجْهانِ، أَصَحُّهُما أنَّه طَاهِرٌ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه جُزْءٌ من المُتَّصِلِ، والمُتَّصِلُ

стр. 1010

طَاهِرٌ، فكذلك المُنْ فَصِلُ ، ولأنَّه ماءٌ أزالَ حُكْمَ النَّجاسةِ، ولم يَتَغيَّرْ بها، فكان طَاهِرًا، كالمُنْفَصِلِ عن (٢٠) الأرْضِ. والثَّانِى، هو نَجِسٌ. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه ماءٌ يَسِيرٌ لاقَى نَجَاسَةً، فَنَجِسَ بها، كما لو وَرَدَتْ عليه، وإذا حَكَمْنَا بطَهَارَتِه، فهل يكونُ طَهُورًا؟ على وَجْهَيْنِ: أحدُهما، يكونُ طَهُورًا؛ لأنَّ الأَصْلَ طُهُورِيَّتُهُ، ولأن الحادِثَ فيه لم يُنَجِّسْه، ولم يُغَيِّرْه، فلم تَزُلْ طُهُورِيَّتُه، كما لو غَسَلَ به ثَوْبًا طَاهِرًا. والثانى، أنَّه غيرُ مُطَهِّرٍ، لأنَّه أزالَ مَانِعًا من الصَّلاةِ، أشْبَهَ ما رُفِعَ به الحَدَثُ. فصل: إذا جُمِعَ الماءُ الذي أُزِيلَتْ به النَّجَاسَةُ قبلَ طهارةِ المَحَلِّ وبعدَه في إنَاءٍ واحِدٍ، وكان دُونَ القُلَّتَيْنِ، فالجَمِيعُ نَجِسٌ، تَغيَّرَ أَو لم يَتَغَيَّرْ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: هو طَاهِرٌ؛ لأنَّه ماءٌ أُزِيلَتْ به النَّجَاسَةُ ولم يَتَغَيَّرْ بها، فأشْبَهَ ماءَ الغَسْلَةِ التي طَهَّرَتِ المَحَلَّ. ولَنا، أنَّه اجْتَمَعَ الماءُ النَّجِسُ والطَّاهِرُ وهو يَسِيرٌ، فكان نَجِسًا، كما لو اجْتَمَعَ مع ماءٍ غيرِ الذي غُسِلَ به المَحَلُّ. ٢٣١ - مسألة؛ قال: (وإذا نَسِىَ فَصَلَّى بهم جُنُبًا، أعَادَ وَحْدَهُ) وجُمْلَته أنَّ الإِمامَ إذا صَلَّى بالجَمَاعَةِ مُحْدِثًا، أو جُنُبًا، غيرَ عَالِمٍ بحَدَثِه، فلم يَعْلَمْ هو ولا المَأْمُومُونَ، حتَّى فَرَغُوا من الصَّلاةِ، فصَلاتُهم صَحِيحَةٌ، وصَلاة الإِمامِ باطِلَةٌ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعُثْمَانَ، وعليٍّ، وابنِ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وبه قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومَالِكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وسُلَيْمَانُ بنُ حَربٍ، وأبو ثَوْرٍ. وعن عليٍّ أنه يُعِيدُ ويُعِيدُونَ. وبه قال ابْنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه؛ لأنَّه صَلَّى بهم مُحْدِثًا، أشْبَهَ ما لو عَلِمَ. ولَنا، إجمَاعُ الصَّحَابَةِ، رَضىَ اللَّه عنهم، رُوِىَ أن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، صَلَّى بالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثم خَرَجَ إلى الجُرْفِ، فأَهْرَاقَ الماءَ، فوَجَدَ في ثَوْبِه احْتِلامًا، فأعادَ ولم [يُعِدِ النَّاسُ] (١).

стр. 1011

وعن محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ المُصْطَلِقِىِّ (٢) الخُزَاعِىّ، أنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بالنَّاسِ صلاةَ الفَجْرِ، فلمَّا أصْبَحَ وارْتَفَعَ النَّهَارُ فإذا هو بأثَرِ الجَنَابَةِ. فقال: كَبُرَتْ واللهِ، كَبُرَتْ واللهِ. فأعادَ الصَّلاةَ، ولم يَأْمُرْهُم أن يُعِيدُوا. وعن عَلِيٍّ، أنَّه قال: إذا صَلَّى الجُنُبُ بالقَوْمِ فأتَمَّ بهم الصَّلاةَ آمُرُه أن يَغْتَسِلَ ويُعِيدَ، ولا آمُرُهم أن يُعِيدُوا. وعن ابنِ عمرَ، أنَّه صَلَّى بهم الغَدَاةَ، ثم ذَكَرَ أنه صَلَّى بغيرِ وُضُوءٍ، فأعَادَ ولم يُعِيدُوا. رَوَاهُ كُلَّهُ الأثْرَمُ. وهذا في مَحَلِّ الشُّهْرَةِ، ولم يُنْقَلْ خِلافُه، فكان إجْماعًا، ولم يَثْبُتْ ما نُقِلَ عن عَلِيٍّ في خِلافِه، وعن البَرَاءِ بن عَازِبٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "إذا صَلَّى الجُنُبُ بالقَوْمِ، أعَادَ صَلاتَه، وتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلاتُهُم". أخْرَجَه أبو سليمانَ محمدُ بن الحسين (٣) الحَرَّانِىّ، في "جُزْءٍ". ولأنَّ الحَدَثَ ممَّا يَخْفَى، ولا سَبِيلَ لِلْمَأْمُومِ إلى مَعْرِفَتِه من الإِمامِ، فكان مَعْذُورًا في الاقْتِدَاءِ به، ويُفَارِقُ ما إذا عَلِمَ (٤) الإِمَامُ حَدَثَ نَفْسِه؛ لأنَّه يكونُ مُسْتَهْزِئًا بالصَّلاةِ، فاعِلًا ما (٥) لا يَحِلُّ. وكذلك إنْ عَلِمَ المَأْمُومُ، فإنَّه لا عُذرَ له في الاقْتِدَاءِ به. وقِياسُ المَعْذُورِ على غيرِه لا يَصِحُّ، والحُكْمُ في النَّجَاسَةِ كالحُكْمِ في الحَدَثِ سَوَاء؛ لأنَّها إحدَى الطَّهَارَتَيْنِ، فأشْبَهَت الأُخْرَى، ولأنَّها في مَعْناها في خَفَائِها على الإِمامِ والمَأْمُومِ، بل حكْمُ النَّجَاسَةِ أخَفُّ، وخَفاؤُها أَكْثَرُ، إِلَّا أنَّ في النَّجَاسَةِ رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّ صَلاةَ الإِمامِ تَصِحُّ أيضًا، إذا نَسِيَها. فصل: إذا عَلِمَ بِحَدَثِ نَفْسِه في الصَّلاةِ، أو عَلِمَ المَأْمُومُونَ، لَزِمَهُم اسْتِئْنَافُ الصَّلاةِ. نَصَّ عليه (٦). قال الأَثْرَمُ: سألْتُ أبا عبدِ اللهِ، عن رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمٍ وهو

стр. 1012

غيرُ طَاِهرٍ، بَعْضَ الصَّلاةِ، فذَكَرَ؟ قال: يُعْجِبُنِى أن يَبْتَدئُوا الصَّلاةَ. قلتُ له: يقولُ لهم اسْتَأْنِفُوا الصَّلاةَ؟ قال: لا، ولكن يَنْصَرِفُ ويَتَكَّلمُ، ويَبْتَدِئُون هم الصَّلاةَ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه عن أحمدَ، ﵀ رُوَايَةٌ أُخْرَى، إذا عَلِمَ المأْمُومُونَ أنَّهم يَبْنُونَ على صَلاتِهِم. وقال الشَّافِعِىُّ: يَبْنُون على صَلاتِهِم، سواء عَلِمَ بذلك، أو عَلِمَ المأْمُومُونَ؛ لأنَّ ما مَضَى من صَلاتِهِم صَحِيحٌ، فكان لهم البِناءُ عليه، كما لو قامَ إلى خَامِسَةٍ فَسَبَّحُوا به فلم يَرْجِعْ. ولَنا، أَنَّه ائْتَمَّ بمَن صَلاتُه فاسِدَةٌ مع العِلْمِ منهما أو من أحَدِهِما أشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بامْرَأةٍ. وإنَّما خُولِفَ هذا فيما إذا اسْتَمَرَّ الجَهْلُ منهما للإِجْمَاعِ، ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادةِ على المَأْمُومِينَ حالَ اسْتِمْرَارِ الجَهْلِ يَشُقُّ، لِتَفَرُّقِهِم، بِخِلافِ ما إذا عَلِمُوا في الصَّلاةِ. وإن عَلِمَ بعضُ المأْمُومِينَ دونَ بعضٍ، فالمَنْصُوصُ أنَّ صَلاةَ الجَمِيعِ تَفْسُدُ، والأوْلَى أن يَخْتَصَّ البُطْلانُ بمن عَلِمَ دُونَ مَنْ جَهِلَ؛ لأنَّه مَعْنًى مُبْطِلٌ اخْتَصَّ به، فاخْتَصَّ بالبُطْلانِ، كحَدَثِ نَفْسِه. فصل: إذا اخْتَلَّ غيرُ ذلك من الشُّرُوطِ في حَقِّ الإِمَامِ، كالسِّتَارَةِ واسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ، لم يُعْفَ عنه في حَقِّ المَأْمُومِ؛ لأنَّ ذلك لا يَخْفَى غالِبًا، بِخِلافِ الحَدَثِ والنَّجاسَةِ. وكذا إن فَسَدَتْ صَلاتُه لِتَرْكِ رُكْنٍ، فَسَدَتْ صَلاتُهُم. نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن تَرَكَ القِرَاءةَ، يُعِيدُ ويُعِيدُونَ، وكذلك في مَن تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الإِحْرامِ. فصل: وإن فَسَدَتْ لِفِعْلٍ يُبْطِلُ الصَّلاةَ، فإنْ كان عن عَمْدٍ، أفْسَدَ صَلاةَ الجَمِيعِ، وإن كان عن غيرِ عَمْدٍ، لم تَفْسُدْ صَلاةُ المأْمُومِينَ. [نَصَّ عليه أحمدُ في الضَّحِكِ أنَّه يُفْسِدُ (٧) صَلاةَ الإِمامِ، ولا تَفْسُدُ صَلاةُ المأْمُومِينَ] (٨)، وعن أحمدَ في مَن سَبَقَه الحَدَثُ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهما، أنَّ صَلَاةَ المأْمُومِينَ تَفْسُدُ؛ لأنَّه أَمْرٌ أفْسَدَ صَلاةَ الإِمامِ، فأفْسَدَ صَلاةَ المأْمُومِينَ، كَتَرْكِ الشَّرْطِ، وقد ثَبَتَ هذا الحُكْمُ في الشَّرْطِ بما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أَنَّه صَلَّى بالنَّاسِ المَغْرِبَ، فلم يَسْمَعُوا له قِرَاءَةً،

стр. 1013

فلما قَضَى صَلاتَه قالُوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ كأَنَّك خَفَضْتَ من صَوْتِكَ: قال: ما سَمِعْتُمْ؟ قالوا: ما سَمِعْنا لك قِرَاءةً. قال: فما قَرَأْتُ في نَفْسِى، شَغَلَنِى (٩) عِيرٌ جَهَّزْتُها إلى الشَّامِ. ثم قال: لا صَلاةَ إلا بِقِرَاءةٍ. قال (١٠) ثم أقَامَ، فأعَادَ وأعادَ النَّاسُ (١١). والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، لمَّا طُعِنَ وهو في الصَّلاةِ، أخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ فقَدَّمَهُ، فأتَمَّ بهم الصَّلاةَ، ولو فَسَدَتْ صَلاتُهُم لَلَزمَهُم اسْتِئْنَافُها، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على تَرْكِ الشَّرُطِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ آكَدُ، بِدَلِيلِ أنَّه لا يُعْفَى عنه بالنِّسْيَانِ، بِخِلافِ المُبْطِل. فصل: إذا سَبَقَ الإِمامَ الحَدَثُ فله أن يَسْتَخْلِفَ من يُتِمُّ بهم الصَّلاةَ، رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وعَلْقَمَةَ، وعَطَاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ صَلاةَ المَأْمُومِينَ تَبْطُلُ؛ لأنَّ أحمدَ قال: كنتُ أذْهَبُ إلى جَوَازِ الاسْتِخْلافِ، وجَبُنْتُ عنه. وقال أبو بكرٍ: تَبْطُلُ صَلاتُهم، رِوَايةً واحِدَةً؛ لأنَّه فُقِدَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلاةِ في حَقِّ الإِمَامِ، فبَطَلتْ صَلاةُ المأْمُومِ، كما لو تَعَمَّدَ الحَدَثَ. ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، لما طُعِنَ أخَذَ بِيَدِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ فقَدَّمَه، فأتَمَّ بهم الصَّلاةَ، وكان ذلك بِمَحْضرٍ من الصَّحابةِ وغيرِهم ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْمَاعًا. وقد احْتَجَّ أحمدُ بقولِ عمرَ وعليٍّ، وقَوْلُهما عندَه حُجَّةٌ، فلا مَعْدِلَ عنه. وقولُ أحمدَ: جَبُنْتُ عنه. إنَّما يدُلُّ على التَّوقُّفِ، وتَوَقُّفُه مَرَّةً لا يُبْطِلُ ما انْعَقَدَ الإِجْماعُ عليه. وإذا ثَبَتَ هذا فإنَّ لِلإِمَامِ أن يَسْتَخْلِفَ مَن يُتِمُّ بهم الصَّلاةَ، كما فَعَلَ عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه. وإن لم يَسْتَخلِفْ فقَدَّمَ المأْمُومُونَ منهم رَجُلًا فأتَمَّ بهم، جَازَ. وإن صَلُّوا وُحْدَانًا جازَ. قال

стр. 1014

الزُّهْرِيُّ، في إمام يَنُوبُه الدَّمُ أو يَرْعُفُ (١٢)، أو يَجِدُ مَذْيًا يَنْصَرفُ، وليَقُلْ: أتِمُّوا صَلاتكُم. وقال الشَّافِعِىُّ، في آخر قَوْلَيهِ: الاخْتِيَارُ أن يُصَلِّىَ القَوْمُ فُرَادَى إذا كان ذلك. ولَعَلَّ تَوَقُّفَ أَحْمَدَ إنَّما كان في الاسْتِخْلافِ، لا في صِحَّةِ صَلاةِ المأْمُومِينَ، فإنَّه قد نَصَّ على أنَّ صَلاةَ المَأْمُومِينَ لا تَفْسُدُ بِضَحِكِ الإِمامِ، فهذا أوْلَى. وإن قَدَّمَتْ كلُّ طائِفةٍ من المأْمُومِينَ لهم إمامًا فصَلَّ ى (١٣) بهم، فَقِيَاسُ المَذْهَبِ جَوَازُهُ، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: تَفْسُدُ صَلاتُهم كُلُّهُم. ولَنا، أنَّ (١٤) لهم أن يُصَلُّوا وُحْدَانًا. فكان لهم أن يُقَدِّمُوا رَجُلًا (١٥)، كحالةِ ابْتِداءِ الصلاةِ. وإنْ قَدَّمَ بَعْضُهم رَجُلًا (١٥)، وصَلَّى البَاقُونَ وُحْدَانًا، جازَ. فصل: فأمَّا الذي سَبَقَهُ الحَدَثُ، فتَبْطُلُ صَلاتُه، ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُها. قال أحمدُ: يُعْجِبُنِى أن يَتَوَضَّأَ ويَسْتَقْبِلَ. هذا قولُ الحسنِ، وعَطَاءٍ، والنَّخَعِىِّ، ومَكْحُولٍ. وعن أحمدَ أنَّه يَتَوَضَّأُ، ويَبْنِى. ورُوِىَ ذلك عن ابْنِ عمرَ، وابْنِ عَبَّاسٍ؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "من قَاءَ أو رَعَفَ في صَلَاتِهِ، فَلْيَنْصَرِف، فَليَتَوَضَّأْ، ولْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلاتِهِ" (١٦). وعنه (١٧)، رِوَايَةٌ ثالِثَةٌ، إن كان الحَدَثُ من السَّبِيلَيْنِ ابْتَدَأ، وإن كان من غيرِهما بَنَى؛ لأنَّ حُكْمَ نَجَاسَةِ السَّبِيلِ أغْلَظُ، والأثَرُ إنَّما وَرَدَ بالبِنَاءِ في الخارِجِ من غيرِ السَّبِيلِ، فلا يَلْحَقُ به ما ليسَ في مَعْنَاه. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لما رَوَى علىُّ بنُ طَلْقٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا فَسَا أحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ، فلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، ولْيُعِدْ صَلاتَهُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٨)، والأثْرَمُ.

стр. 1015

وعن عليِّ بن أبي طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أن رسولَ اللهِ ﷺ كان قائِمًا يُصَلِّى بهم، فانصَرَف، ثم جَاءَ وَرَأْسُه يَقْطُرُ، فقال: "إني قُمْتُ بِكمْ، ثُمَّ ذَكَرْتُ أنِّي كُنْتُ جُنُبًا ولم أَغْتَسِلْ، فانْصَرَفْتُ فَاغْتَسَلْتُ، فَمَنْ أصَابَه مِنْكُمْ مِثْلُ الَّذِى أصَابَنِى، أوْ أَصَابَهُ فِي بَطْنِه رِزٌّ (١٩)، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَغْتَسِلْ، أو ليَتَوَضَّأْ، ولْيَسْتَقْبِلْ صَلاتَهُ". رَوَاهُ الأثْرَمُ. ولأنَّه فقد شَرْطَ الصَّلاةِ في أثْنائها على وَجْهٍ لا يَعُودُ إِلَّا بعد زَمَنٍ طَوِيلٍ وعَمَلٍ كَثِيرٍ، ففَسَدَتْ صَلاتُه، كما لو تَنَجَّسَ نَجَاسَةً يَحْتَاجُ في إزَالَتِها إلى مثلِ ذلك، أو انْكَشَفَتْ عَوْرَتُه ولم يَجِد السُّتْرَةَ إلَّا بَعِيدَةً منه، أو تَعَمَّدَ الحَدَثَ، أو انْقَضَت مُدَّةُ المَسْحِ، وحَدِيثُهم ضَعِيفٌ. فصل: قال أصْحَابُنا: يَجُوزُ أن يَسْتَخْلِفَ مَن سبقَ بِبَعْضِ الصَّلاةِ، ولِمَن جاء بعدَ حَدَثِ الإِمامِ، فيَبْنِى على ما مَضَى من صَلاةِ الإِمامِ من قِرَاءَةٍ أو رَكْعَةٍ أو سَجْدَةٍ، ويَقْضِى بعد فَرَاغِ صلاةِ المأْمُومِينَ. وحُكِىَ هذا القَوْلُ عن عمرَ، وعليٍّ، وأَكْثَرِ مَن وَافَقَهما في الاسْتِخْلافِ. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه مُخَيَّرٌ بين أن يَبْنِىَ أو يَبْتَدِئَ. قال مالِكٌ: يُصَلِّى لِنَفْسِه صَلَاةً تامَّةً، فإذا فَرَغُوا من صَلاتِهم قَعَدُوا وانْتَظَرُوه حتَّى يُتِمَّ ويُسَلِّمَ معهم؛ لأنَّ اتِّبَاعَ المأْمُومِينَ لِلإِمامِ أوْلَى من اتِّبَاعِه لهم، فإنَّ الإِمامَ إنَّما جُعِلَ ليُؤْتَمَّ به. وعلى كِلْتا الرِّوَايَتَيْنِ إذا فَرَغَ المأْمُومُونَ قبلَ فَرَاغِ إمامِهِمْ، وقامَ لِقَضَاءِ ما فاتَه، فإنَّهم يَجْلِسُونَ ويَنْتَظِرُونَه حتى يُتِمَّ ويُسَلِّمَ بهم؛ لأنَّ الإِمامَ يَنْتَظِرُ المأْمُومِينَ في صَلاةِ الخَوْفِ، فانْتِظَارُهم له أوْلَى. وإن سَلَّمُوا ولم يَنْتَظِرُوهُ جَازَ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَسْتَخْلِف مَن يُسَلِّم بهم، والأوْلَى. انْتِظارُه. وإن سَلَّمُوا لم يَحْتَاجُوا إلى خَلِيفَةٍ، فإنَّه لم يَبْقَ من الصَّلاةِ إلَّا السَّلامُ، فلا حَاجَةَ إلى الاسْتِخْلافِ فيه. ويَقوَى عندى أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِخْلافُ في هذه الصُّورَةِ؛ لأنَّه إن بَنَى جَلَسَ في غيرِ مَوْضِعِ جُلُوسِه، وصار تَابِعًا للمَأْمُومِينَ، وإن ابْتَدَأَ جَلَسَ المَأْمُومُونَ في غيرِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِم، ولم يَرِدِ

стр. 1016

الشَّرْعُ بهذا، وإنَّما ثَبَتَ الاسْتِخْلافُ في مَوْضِع الإِجْمَاعِ، حيث لم يَحْتَجْ إلى شيءٍ من هذا، فلا يُلْحَقُ به ما لَيْسَ في مَعْناه. واللهُ أعلمُ. فصل: وإذا اسْتُخْلِفَ من لا يَدْرِى كَمْ صَلَّى؟ احْتَمَلَ أن يَبْنِىَ على اليَقِينِ، فإنْ وافَقَ الحَقَّ، وإلَّا سَبَّحُوا به، فرَجَعَ إليهم، ويَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وقال النَّخَعِىُّ: يَنْظُرُ ما يَصْنَعُ مَنْ خَلْفَه. وقال الشَّافِعِىُّ. يَتَصَنَّعُ، فإن سَبَّحُوا به جَلَسَ، وعَلِمَ أنَّها الرَّابِعَةُ. وقال الأوْزَاعِىُّ: يُصَلِّى بهم رَكْعَةً؛ لأنَّه تَيَقَّنَ بقاءَ رَكْعَةٍ، ثم يَتَأخَّرُ ويُقَدِّمُ رَجُلًا يُصَلِّى بهم ما بَقِىَ من صَلاتِهِم، فإذا سَلَّمَ قامَ الرَّجُلُ فأتَمَّ صَلاتَه. وقال مالِكٌ: يُصَلِّى لِنَفْسِه صَلاةً [ثانيةً، فإذا] (٢٠) فَرَغُوا من صَلاتِهِم قَعَدُوا وانْتَظَرُوهُ. والأقْوَالُ الثَّلاثةُ الأُولَى مُتَقَارِبَةٌ. ولَنا، على أنه لا يُسْتَخْلَفُ، أنَّه (٢١) شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فلم يَجُزْ له الاسْتِخْلافُ لذلك، كغيرِ المُسْتَخْلَفِ. ولَنا، على أنه يَبْنِى على اليَقِينِ، أنَّه شَكٌّ مِمَّنْ لا ظَنَّ له، فوَجَب البِناءُ على اليَقِينِ، كسائِرِ المُصَلِّينَ. فصل: ومن أجازَ الاسْتِخْلافَ، فقد أجازَ نَقْلَ الجماعةِ إلى جماعةٍ أُخْرَى، لِلْعُذْرِ، ويَشْهَدُ لذلك أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جاء وأبو بكرٍ في الصَّلاةِ، فَتَأَخَّرَ أبو بكرٍ. وتَقَدَّمَ النَّبِىُّ ﷺ ، فأَتَمَّ بهم الصَّلاةَ. وفَعَلَ هذا مَرَّة أُخْرَى، جاء حتى جَلَسَ إلى جانِبِ أبي بكرٍ عن يَسَارٍ، وأبو بكرٍ عن يَمِينِه قائِمٌ، يأْتَمُّ بالنَّبِىِّ ﷺ ، ويأْتَمُّ الناسُ بأبِى بَكْرٍ. وكلا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ [مُتَّفَقٌ عليهما] (٢٢). وهذا يُقَوِّى جَوَازَ الاسْتِخْلَافِ والانْتِقَالِ من جماعةٍ إلى جماعةٍ أُخْرَى حالَ العُذْرِ. فيُخَرَّج مِن هذا أنَّه لو أدْرَكَ نَفْسان (٢٣) بعضَ الصَّلاةِ مع الإِمامِ، فلمَّا سَلَّمَ الإِمامُ ائْتَمَّ أحَدُهما بصاحِبِه،

стр. 1017

ونَوَى الآخَرُ إمامَتَه، أنَّ ذلك يَصِحُّ؛ لأنَّه في معنى الاسْتِخْلافِ، ومَن لم يُجِز الاسْتِخْلَافَ لم يُجِزْ ذلك. ولو تَخَلَّفَ إمامُ الحَىِّ عن (٢٤) الصَّلاةِ لِغَيْبَةٍ، أو مَرَضٍ، أو عُذْرٍ، وصَلَّى غيرُه، وحَضَرَ إمَامُ الحَىِّ في أثْناء الصَّلاةِ، فَتَأخَّرَ الإِمامُ، وتَقَدَّمَ إمَامُ الحَىِّ، فبَنَى على صَلاةِ خَلِيفَتِه، كما فعلَ النَّبِىُّ ﷺ وأبو بكرٍ، ففىِ ذلك وَجْهَانِ: أحَدُهما، يَجُوزُ؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ فَعَلَهُ، فَيَجُوزُ لِغيرهِ أن يفْعلَ مثلَ فِعْلِه. والثانى، لا يَجُوزُ؛ لِاحْتِمالِ أن يكونَ ذلك خاصًّا للنَّبِىِّ (٢٥) ﷺ ، لِعَدَمِ مُسَاواةِ غيرِه له في الفَضْلِ. فصل: إذا وُجِدَ المُبْطِلُ في المأْمُومِ دونَ الإِمَامِ، مثلَ أن يكونَ (٢٦) المأْمُومُ مُحْدِثًا أو نَجِسًا ولم يَعْلَمْ بذلك إلا بعدَ فَرَاغِه من الصَّلَاةِ، أو سَبَقَهُ الحَدَثُ في أثْناء الصَّلاةِ، أو ضَحِكَ [أو تَكَلَّمَ] (٢٧) أو تَرَكَ رُكْنًا، أو غيرَ ذلك من المُبْطِلَاتِ، ولم يكنْ مع الإِمامِ مَن تَنْعَقِدُ به الصَّلاةُ سِوَاهُ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّ حُكْمَه كَحُكْمِ الإِمامِ معه في (٢٨) ما فَصَّلْناهُ؛ لأنَّ ارْتِبَاطَ صَلَاةِ الإِمَامِ بالمَأْمُومِ (٢٩) كارْتِبَاطِ صَلَاةِ المَأْمُومِ بالإِمامِ، فما فَسَدَ ثَمَّ فَسَدَ ههُنا، وما صَحَّ ثَمَّ صَحَّ ههُنا. واللهُ أعلمُ. فصل: قال أحمدُ، ﵀، في رَجُلَيْنِ أمَّ أحَدُهما صَاحِبَه، فَشَمَّ كلُّ واحِدٍ منهما رِيحًا، أو سَمِعَ صَوْتًا يَعْتَقِدُ أنَّه مِن صَاحِبِه؛ وكُلٌّ يقولُ ليستْ (٣٠) مِنِّى: يَتَوَضَّآنِ جميعًا (٣١)، ويُصَلِّيَانِ؛ إنَّما فَسَدَت صَلَاتُهما لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَعْتَقِدُ

стр. 1018

فَسَادَ صَلاةِ صاحِبِه، وأنَّه صارَ فَذًّا، وهذا على الرِّوايَةِ التي تَقُولُ بِفَسادِ صَلَاةِ كُلِّ واحدٍ من الإِمَامِ والمَأْمُومِ بِفَسَادِ صَلاةِ صاحِبِه لِكَوْنهِ صارَ فَذًّا. وعلى الرِّوايَةِ المَنْصورةِ (٣٢)، يَنْوِى كُلُّ واحِدٍ منهما الانْفِرَادَ، ويُتِمُّ صلاتَه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما قَضَى بِفَسادِ صَلاتِهِما إذا أتَّمَّا الصَّلاةَ على ما كانَا (٣٣) عليه من غيرِ فَسْخِ النِّيَّةِ، فإنَّ المَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أنَّه مُؤْتَمٌّ بمُحْدِثٍ، والإِمام يَعْتَقِدُ أنَّه يَؤُمُّ مُحْدِثًا. وأمَّا الوُضُوءُ فَلعَلَّ الإِمامَ (٣٤) أحمدَ، ﵀، إنما أَرادَ بقولِه: يَتَوَضَّآنِ لِتَصِحَّ صَلَاتُهما جَمَاعَةً. إذ ليس لأحدِهما أن يَأْتَمَّ بصَاحِبِه أو يَؤُمَّه مع اعْتِقَادِ حَدَثِه، ولَعَلَّه أَمَرَ بذلك احْتِيَاطا، أما إذا صَلَّيَا مُنْفَرِدَيْنِ فإنَّه لا يَجِبُ الوُضُوءُ على واحدٍ منهما؛ لأنَّ يَقينَ الطَّهَارَةِ مَوْجُودٌ في كُلِّ واحدٍ منهما، والحَدَثُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ اليَقِينُ بالشَّكِّ. فصل: ونُقِلَ عن أحمدَ، ﵀، في إمَامٍ صَلَّى بقَوْمٍ، فشَهِدَ اثْنَانِ عن يَمِينِه أنَّه أَحْدَث، وأنْكَرَ الإِمامُ وَبقِيَّةُ المأْمُومِينَ: يُعِيدُ، ويُعِيدُون. وهذا لأنَّ شَهَادَتَهُما إثْبَاتٌ يُقَدَّمُ على النَّفْىِ، لاحْتِمَالِ عِلْمِهما به، مع خَفَائِه عنه وعن بَقِيَّةِ المأْمُومِينَ. وقوله: "يُعِيدُونَ". لأنَّ المأْمُومِينَ متى عَلِمَ بَعْضُهم بحَدَثِ إمَامِهم، لَزِمَتِ الجَمِيعَ الإِعادَةُ على المَنْصُوصِ. ويَحْتَملُ أنَّه تَخْتَصُّ الإِعادَةُ بمَنْ (٣٥) عَلِمَ دونَ غيرِه على ما تَقَدَّمَ. واللهُ أعلمُ.

стр. 1019

بابُ السَّاعاتِ التي نُهِىَ عن الصَّلاةِ فيها رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ قال: شَهِدَ عِنْدِى رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وأَرْضَاهم عِنْدِى عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن الصَّلَاةِ بعدَ الصُّبْحِ، حتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وبعدَ العَصْرِ، حتى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. وعن أبِي سَعِيدٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا صَلَاةَ بعد الصُّبْحِ حتى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، ولا صَلَاةَ بعد العَصْرِ حتى تَغِيبَ (٣٦) الشَّمْسُ" مُتَّفَقٌ عليهما (٣٧). وفى لفظٍ بعد صَلَاةِ الفَجْرِ وبعد صَلَاةِ العَصْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣٨). وعن أبي هُرَيْرَةَ مثلُ حَدِيثِ عمرَ، إلا أنه قال: وعن الصَّلَاةِ بعد الصُّبْحِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (٣٩). وعن ابنِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما،

стр. 1020

قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِذا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأخِّرُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَبْرُزَ، وإذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فأخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ" رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٤٠). وعن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، قال: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كان رسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أن نُصَلِّىَ فِيهِنَّ أو أن نَقْبُرَ فِيهِنَّ (٤١) مَوْتَانا؛ حين تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازِغَةً حتَّى تَرْتَفِعَ، وحين يَقُومُ قائِمُ الظَّهِيرَةِ حتَّى تَمِيلَ، وحين تَضَيَّفُ (٤٢) الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ. وعن عَمْرِو بن عَبَسَةَ، قال: قلتُ يَا رسولَ اللَّه، أَخْبِرْنى عن الصَّلَاةِ. قال: "صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثم اقْصِرْ عن الصَّلَاةِ حَتَّى (٤٣) تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ؛ فَإنَّهَا تَطْلُعُ حين تَطْلُعُ بين قَرْنَىْ شَيْطَانٍ، وحِينَئذٍ يَسْجُدُ لها الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ؛ فَإنَّ الصَّلَاةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمْحِ، ثُمَّ اقْصِرْ عن الصَّلَاةِ، فَإنَّ حِينَئِذٍ تُسْجرُ جَهَنَّمُ، فَإذَا أقْبَلَ الفَىْءُ فَصَلِّ، فَإنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتى تُصَلِّىَ العَصْرَ، ثُمَّ اقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ فَإنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكُفَّارُ". رَوَاهُنَّ [مُسْلِمٌ] (٤٤).
следующие страницы →