← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

كان رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ؟ قالت: كان يُوتِرُ بأَرْبَعٍ وثَلَاثٍ وسِتٍّ وثَلَاثٍ، وثَمَانٍ وثَلَاثٍ، وعَشْرٍ وثَلَاثٍ، ولم يكنْ يُوتِرُ بأَقَلَّ من سَبْعٍ، ولا بأَكْثَرَ من ثَلَاثَ عَشرَةَ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٩). ٢٤٥ - مسألة؛ قال: (يَقْنُتُ فِيهَا) يَعْنِى أنَّ القُنُوتَ مَسْنُونٌ في الوِتْرِ، في الرَّكْعَةِ الوَاحِدَةِ، في جَمِيعِ السَّنَةِ. هذا المَنْصُوصُ عندَ أصْحَابِنا، وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وإبراهيمَ، وإسْحاقَ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ. وعن أحمدَ رِوَايةٌ أخْرَى، أنَّه لا يَقْنُتُ إلَّا في النِّصْفِ الأخِيرِ من رمضانَ. وَرُوِى ذلك عن عليٍّ وأُبىٍّ. وبه قال ابنُ سِيرِينَ، وسعيدُ بن أبي الحسنِ (١)، والزُّهْرِىُّ، ويحيى بن وَثَّابٍ (٢)، ومالِكٌ والشَّافِعِىُّ. واخْتَارَه أبو بكرٍ الأَثْرَمُ؛ لما رُوِىَ عن الحسنِ، أن عُمَرَ جَمَعَ النّاسَ على أُبىِّ بنِ كَعْبٍ، فكان يُصَلِّى لهم عِشْرِينَ لَيْلَةً (٣)، ولا يَقْنُتُ إلّا في النِّصْفِ الباقِى (٤). رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٥)، وهذا كالإِجْمَاعِ. وقال قَتَادَةُ: يَقْنُتُ في السَّنَةِ

стр. 1087

كُلِّها إلَّا في النِّصْفِ الأَوَّل مِن رمضانَ؛ لهذا الخَبَرِ، وعن ابنِ عمرَ أنَّه لا يَقْنُتُ إلَّا في النِّصْفِ الأخِيرِ من رمضانَ. وعنه لا يَقْنُتُ في صَلَاةٍ بِحَالٍ. والرِّوَايَةُ الأُولَى (٦) هي المُخْتَارَةُ عِندَ أكْثَرِ الأصْحابِ. وقد قال أحمدُ، في رِوَايَةِ المَرُّوذِىِّ: كنتُ أذْهَبُ إلى أنَّه في النِّصْفِ من شَهْرِ رَمضانَ، ثم إنِّي قَنَتُّ، هو دُعَاءٌ وخَيْرٌ. وَوَجْهُه ما رُوِىَ عن أُبَىٍّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُوتِرُ، فيَقْنُتُ قبل الرُّكُوعِ (٧). وعن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَقُولُ في آخِرِ وَتْرِهِ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وأَعُوذُ بمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" (٨). وكان لِلدَّوَامِ، وفِعْلُ أُبَىٍّ يَدُلُّ على أنَّه رَأْيُه (٩). ولا يُنْكَرُ اخْتَلَافُ الصَّحَابَةِ في هذا، ولأنَّه وِتْرٌ، فيُشْرَعُ فيه القُنُوتُ، كالنِّصْفِ الآخِرِ، ولأنَّه ذِكْرٌ شُرِعَ (١٠) في الوِتْرِ، فشُرِعَ (١١) في جَمِيعِ السَّنةِ، كسَائِرِ الأذْكَارِ. فصل: ويَقْنُتُ بعدَ الرُّكُوعِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ (١٢)، وأبى قِلَابَةَ، وأبى المُتَوَكّلِ (١٣)، وأيُّوبَ

стр. 1088

السَّخْتِيَانِىّ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: أنَا (١٤) أذْهَبُ إلى أنَّه بعدَ الرُّكُوعِ، فإنْ قَنَتَ قبلَه، فلا بَأْسَ. ونحوَ هذا قال أيُّوبُ السَّخْتِيَانِىّ؛ لما رَوَى حُمَيْدٌ، قال: سُئِلَ أنَسٌ عن القُنُوتِ في صَلَاةِ الصُّبْحِ، فقال: كُنَّا نَقْنُتُ قبلَ الرُّكُوعِ وبعدَه، رَوَاه ابنُ مَاجَه (١٥). وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: يَقْنُتُ قبلَ الرُّكُوعِ. ورُوِىَ ذلك عن أُبَىٍّ، وابنِ مَسعودٍ، وأبى موسى، والبَرَاءِ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأنَسٍ، وعمرَ بن عبدِ العَزِيزِ، وعَبِيْدَةَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبِي لَيْلَى، وحُمَيْدٍ الطَّوِيل؛ لأنَّ في حَدِيثِ أُبىٍّ: ويَقْنُتُ قبل الرُّكُوعِ. وعن ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ [قنَتَ قبلَ الرُّكوعِ (١٦). ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرةَ، وأنَسٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ] (١٧) قَنَتَ بعدَ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٨). قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن هذه المَسْأَلَة؟ فقال: اقْنُت بعدَ الرُّكُوعِ. وذَكَرَ حَدِيثَ الزُّهْرِىِّ، عن سعيدٍ، وأبِى سَلمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، وأنسٍ عن النَّبِيِّ ﷺ ، وغيرَ واحدٍ قَنَتَ بعد الرُّكُوعِ. وحَدِيثُ ابنِ مسعودٍ يَرْوِيهِ أبَانُ بنُ أبِى عَيَّاشٍ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. وحَدِيثُ أُبَىٍّ قد تُكُلِّم فيه أيضًا، وقِيلَ ذِكْرُ القُنُوتِ فيه غيرُ صَحِيحٍ. واللهُ أعلمُ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقُولَ في قُنُوتِ الوِتْرِ ما رَوَى الحسنُ بنُ عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: عَلَّمَنِى رسولُ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أقُولُهُنَّ في الوِتْرِ: "اللَّهُمَّ اهْدِنِى فِي

стр. 1089

مَنْ هَدَيْتَ، وعَافِنى فِي مَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِى في مَنْ تَوَلَّيْتَ، وبَارِكْ لي فِيَما أَعْطَيْتَ، وقِنى شَرَّ ما قَضَيْتَ، إنَّكَ تَقْضِى ولا يُقْضَى عَلَيْكَ، وإنَّه لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، ولَا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وتَعَالَيْتَ". وأخْرَجَه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (١٩)، وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، ولا نَعْرِفُ عن النبيِّ ﷺ في القُنُوتِ شَيْئًا أحْسَنَ من هذا. ويقولُ ما رَوَى علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ كان [يقولُه في وِتْرِه] (٢٠) وقد ذَكَرْنَاه (٢١) وعن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قَنَتَ في صلَاةِ الفَجْرِ، فقال: "بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ، ونَسْتَهْدِيكَ (٢٢)، ونَسْتَغْفِرُكَ، ونُؤْمِنُ بك، وَنتَوَكَّلُ عليك، ونُثْنِى عليك الخَيْرَ كُلَّه، ونَشْكُرُكَ (٢٣)، ولا نَكْفُرُكَ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، ولك نُصَلِّى ونَسْجُدُ، وإلَيْكَ نَسْعَى ونَحْفِدُ، ونَرْجُو رَحْمَتَكَ، ونَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّارِ مُلْحِقٌ، اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ" (٢٤). وهاتان سُورَتَانِ في مُصْحَفِ أُبَىِّ بن كَعْبٍ.

стр. 1090

[ورَوَى أبو عُبَيْدٍ، بإسْنَادِه، عن عُرْوَةَ (٢٥)، أنه قال: قَرَأْتُ في مُصْحَفِ أُبَىِّ بن كَعْبٍ] (٢٦) هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكُ. اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ". وقال ابنُ سِيرِينَ: كَتَبَهُما أُبَىٌّ في مُصْحَفِهِ. يَعْنِى إلى قَوْلِه: "بالكُفَّارِ (٢٧) مُلْحِقٌ". قال ابنُ قُتَيْبَةَ: "نَحْفِدُ" نُبَادِرُ. وأصل الحَفْدِ: مُدَارَكَةُ الخَطْوِ والإِسْرَاعِ (٢٨). "والجِدُّ" بِكَسْرِ الجِيمِ، أي الحَقُّ لا اللَّعِبُ، "مُلْحِقٌ" بِكَسْرِ الحاءِ لاحِقٌ. وهكذا يُرْوَى هذا الحَرْفُ، يقال: لَحِقْتُ القَوْمَ وأَلْحَقْتُهم بِمَعْنًى وَاحِدٍ. ومن فَتَحَ الحَاءَ أرَاد أن اللهَ يُلْحِقُهُ إيَّاهُ، وهو مَعْنًى صَحِيحٌ، غيرَ أن الرِّوَايَةَ هي الأُولَى. وقال الخَلَّالُ: سألْتُ ثَعْلَبًا عن مُلْحِقٍ ومُلْحَقٍ؟ فقال: العربُ تَقُولُهما مَعًا. فصل: إذا أخَذَ الإِمامُ في القُنُوتِ، أَمَّنَ مَن خَلْفَهُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. وقالَه إسْحَاقُ. وقال القاضي: وإن دَعَوْا معه فلا بَأْسَ. وقيل لأحمدَ: إذا لم أسْمَعْ قُنُوتَ الإِمامِ أدْعُو؟ قال: نعم. فيَرْفَعُ يَدَيْهِ في حالِ القُنُوتِ. قال الأثْرَمُ: كان أبو عبدِ اللهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ في القُنُوتِ إلى صَدْرِهِ. واحْتَجَّ بأنَّ ابنَ مسعودٍ رَفَعَ يَدَيْهِ في القُنُوتِ إلى صَدْرِه. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ. وبه قال إسْحَاقُ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وأنْكَرَهُ مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وَيزِيدُ بنُ أبى مريمَ (٢٩). ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا دَعَوْتَ اللهَ فادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، وَلا تَدْعُ بِظُهُورِهِما، فإذا فَرَغْتَ فامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٣٠). ولأنَّه فِعْلُ مَن سَمَّيْنَا

стр. 1091

من الصَّحَابَةِ. وإذَا فَرَغَ من القُنُوتِ فَهلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْه (٣١)؟ فيه رِوَايَتَانِ: إحْدَاهما، لا يَفْعَلُ؛ لأنَّه رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لم أَسْمَعْ فيه بِشَىْءٍ. ولأنَّه دُعَاءٌ في الصَّلَاةِ، فلم يُسْتَحَبَّ مَسْحُ وَجْهِه فيه، كسَائِرِ دُعَائِها. الثانية، يُسْتَحَبُّ؛ للخَبَرِ الذي رَوَيْنَاهُ. ورَوَى السَّائِبُ بن يَزِيدَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ، ومَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ (٣٢). ولأنه دُعَاءٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فيه، فيَمْسَحُ بهما وَجْهَهُ، كما لو كان خَارِجًا (٣٣) مِن الصَّلَاةِ، وفارَقَ سائِرَ الدُّعاءِ، فإنَّه لا يَرْفعُ يَدَيْهِ فيه. فصل: ولا يُسَنُّ القُنُوتُ في الصُّبْحِ، ولا غيرِها من الصَّلَوَاتِ، سِوَى الوِتْرِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ مَسعودٍ، وأبى الدَّرْدَاء. وقال مالِكٌ، وابنُ أبِي لَيْلَى، والحسنُ بنُ صَالِحٍ، والشَّافِعِىُّ: يُسَنُّ القُنُوتُ في صَلَاةِ الصُّبْحِ، في جَمِيعِ الزَّمَانِ؛ لأنَّ أُنَسًا قال: ما زَالَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْنُتُ في الفَجْرِ حتى فَارَقَ الدُّنْيَا. رَوَاه الإِمامُ أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٣٤)، وكان عُمَرُ يَقْنُتُ في الصُّبْحِ بِمَحْضَرٍ من الصَّحَابَةِ وغَيْرِهم. ولَنا، ما رُوِىَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، يَدْعُو على حَىٍّ من أحْيَاءِ العَرَبِ، ثم تَرَكَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣٥). ورَوَى أبو

стр. 1092

هُرَيْرَةَ (٣٦)، [وابنُ مسعودٍ] (٣٧)، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْل ذلك. وعن أبي مالِكٍ قال: قلتُ لأَبِى: يا أبَةَ، إنَّك قد صَلَّيْتَ خَلْفَ رسولِ اللَّه ﷺ ، وأبى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ ههُنا بالكُوفَةِ نَحْوًا من خَمْس سِنِينَ، أكانوا يَقْنُتُونَ؟ قال: أي بُنَىَّ مُحْدَثٌ (٣٨). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. والعَمَلُ عليه عندَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: أوَّلُ من قَنَتَ في صَلاةِ الغَدَاةِ علىٌّ، وذلك أنَّه كان رَجُلًا مُحَارِبًا يَدْعُو على أعْدائِه. ورَوَى سعيدٌ في "سُنَنِه" عن هُشَيْمٍ، عن عُرْوَةَ الهَمْدانِىّ، عن الشَّعْبِىِّ قال: لمَّا قَنَتَ عَلِىٌّ في صَلَاةِ الصُّبْحِ، أنْكَرَ ذلك النَّاسُ. فقال علىٌّ: إنَّما اسْتَنْصَرْنَا على عَدُوِّنَا هذا. وعن أبي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه قال (٣٩): إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان لا يَقْنُتُ في صَلَاةِ الفَجْرِ، إلَّا إذا دَعَا لِقَوْمٍ، أو دَعَا على قَوْمٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وحَدِيثُ أنَسٍ يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ طُولَ القِيَامِ، فإنَّه يُسَمَّى قُنُوتًا. وقُنُوتُ عمرَ يَحْتَمِلُ أنَّه كان في أوْقَاتِ النَّوَازِلِ؛ فإنَّ أكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عنه أنَّه لم يَكُنْ يَقْنُتُ، ورَوَى ذلك عنه جَمَاعَةٌ، فَدلَّ على أنَّ قُنُوتَه كان في وَقْتِ نَازِلَةٍ. فصل: فإن نَزَلَ بالمُسْلِمينَ نَازِلَةٌ، فلِلْإِمَامِ أنْ يَقْنُتَ في صَلاةِ الصُّبْحِ. نَصَّ عليه أحمدُ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ سُئِلَ عن القُنُوتِ في الفَجْرِ؟ فقال: إذا نَزَلَ بالمُسْلِمِينَ أمْرٌ (٤٠)، قَنَتَ الإِمَامُ، وأمَّنَ مَنْ خَلْفَه. ثم قال: مثلُ

стр. 1093

مَا نَزَلَ بالمُسْلِمِينَ من هذا الكَافِرِ. يَعْنِى بَابَك (٤١). قال أبو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْأَلُ عن القُنُوتِ في الفَجْرِ؟ فقال: لو قَنَتَ أيَّامًا مَعْلُوَمةً، ثم يَتْرُكُ، كما فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ ، لَوْ (٤٢) قَنَتَ على الخُرَّمِيَّةِ، لَوْ قَنَتَ على الرُّوم (٤٣). والخُرَّمِيَّةُ: هم أصْحَابُ بَابَك. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ؛ وذلك لما ذَكَرْنا مِن أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو على حَىٍّ من أحْيَاءِ العَرَبِ، ثم تَرَكَهُ. وأن عليًّا قَنَتَ، وقال: إنَّما اسْتَنْصَرْنَا على عَدُوِّنَا هذا. ولا يَقْنُتُ آحَادُ النَّاسِ. ويقولُ في قُنُوتِه نَحْوًا ممَّا قال النَّبِىُّ ﷺ وأصْحَابه (٤٤). وَرُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان يقولُ في القُنُوتِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ، والمُسْلِمِينَ والمُسْلِمَاتِ، وأَلِّفْ بين قُلُوبِهِمْ، وأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وانْصُرْهُم على عَدُوِّكَ وعَدُوِّهِمْ، اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أهْلِ الكِتَابِ، الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، ويُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ خَالِفْ بين كَلِمَتِهِمْ، وزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وأَنْزِلْ بِهِمْ بأْسَكَ الذِى لا يُرَدُّ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ (٤٥) ". ولا يَقْنُتُ في غيرِ الصُّبْحِ من الفَرائِض. قال عبدُ اللهِ، عن أَبِيه: كلُّ شَىْءٍ يَثْبُتُ عن النَّبِيِّ ﷺ في القُنُوتِ إنَّما هو في الفَجْرِ، ولا يَقْنُتُ في الصَّلَاةِ الَّا في الوِتْرِ والغَدَاةِ، إذا كان مُسْتَنْصِرًا، يَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَقْنُتُ في الفَجْرِ والمَغْرِبِ؛ لأنَّهما صَلَاتَا جَهْرٍ في طَرَفَىِ النَّهَارِ. وقيل: يَقْنُتُ في صَلَاةِ الجَهْرِ كُلِّها، قِيَاسًا

стр. 1094

على الفَجْرِ. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن أَحَدٍ من أصْحَابِه، القُنُوتُ في غيرِ الفَجْرِ والوِتْرِ. ٢٤٦ - مسألة؛ قال: (مَفْصُولَةً مِمَّا قَبْلَها) الذي يَخْتَارُه أبو عبدِ اللهِ أنْ يَفْصِلَ رَكْعَةَ الوِتْرِ بما قَبْلَها. وقال: إن أوْتَرَ بِثَلَاثٍ لم يُسَلِّمْ فِيهِنَّ، لم يُضَيَّقْ عليه عِنْدِى. وقال: يُعْجِبُنى أن يُسَلِّمَ في الرَّكْعَتَيْنِ، وممن كان يُسَلِّمُ بين الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ ابنُ عمرَ حتى يَأْمُرَ ببعضِ حَاجَتِه. وهو مَذْهَبُ مُعَاذٍ القَارِئ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسْحاقَ، وقال أبو حنيفةَ: لا يَفْصِلُ بِسَلَامٍ. وقال الأوْزَاعِىُّ: إن فَصَلَ فَحَسَنٌ، وإن لم يَفْصِلْ فَحَسَنٌ. وحُجَّةُ مَنْ لم يَفْصِلْ قَوْلُ عائِشَةَ: أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُوتِرُ بأرْبَعٍ وثَلَاثٍ، وسِتٍّ وثَلَاثٍ، وثَمَانٍ وثَلَاثٍ (١). وقَوْلُها: كان يُصَلِّى أَرْبَعًا، فلا تَسْأَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصَلِّى أَرْبَعًا، فلا تَسْأَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصَلِّى ثَلَاثًا (٢). فَظَاهِرُ هذا أنَّه كان يُصَلِّى الثَّلَاثَ بِتَسْلِيمٍ واحِدٍ. ورَوَتْ أيضًا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُوتِرُ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ إلَّا في آخِرِهِنَّ. رَوَاه مُسْلِمٌ (٣). ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى فيما بينَ أن يَفْرَغَ من صَلَاةِ العِشَاءِ إلى الفَجْرِ إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَة، يُسَلِّمُ بين كل رَكْعَتَيْنِ، ويُوتِرُ بوَاحِدَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خِفْتَ (٥) الصُّبْحَ فأوْتِرْ بوَاحِدَةٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٦) وقِيلَ لابْنِ عمرَ: ما مَثْنَى مَثْنَى؟ قال: يُسَلِّم في كلّ

стр. 1095

رَكْعَتَيْنِ. وقال ﵇: "الوِتْرُ رَكْعَةٌ من آخِرِ اللَّيْلِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). وعن ابْنِ أبى ذِئْبٍ، عن نافِعٍ، عن ابْنِ عمرَ، أن رَجُلًا سَأَلَ رسولَ اللهِ ﷺ عن الوِتْرِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ا فْصِلْ بَيْنَ الوَاحِدَةِ والثِّنْتَيْنِ بالتَّسْلِيمِ". رَوَاهُ الأثْرَمُ، بإسْنَادِه. وهذا نَصٌّ. فأمَّا حَدِيثُ عائِشَةَ الذي احْتَجُّوا به، فليس فيه تَصْرِيحٌ بأنَّها بِتَسْلِيمٍ واحدٍ، وقد قالتْ في الحديثِ الآخَرِ: يُسَلِّم بين كلّ رَكْعَتَيْنِ. وَأمَّا إذا أوْتَرَ بِخَمْسٍ فيَأْتى الكَلَامُ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إنْ (٨) صَلَّى خَلْفَ إمامٍ، يُصَلِّى الثَّلَاثَ بِتَسْلِيمٍ واحِدٍ، تابَعَهُ؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ إمَامَهُ. وبه قال مالِكٌ. [وقد قال] (٩) أحمدُ في رِوَايةِ أبِى دَاوُدَ، في مَن يُوتِرُ فَيُسَلِّمُ من الثِّنْتَيْنِ، فيَكْرَهُونَه. يعني أهْلَ المَسْجِدِ. قال: فلو صَارَ إلى ما يُرِيدُونَ! يعني أن ذلك سَهْلٌ، لا تَضُرُّ مُوَافَقَتُه إيَّاهُم فيه. فصل: يَجُوزُ أن يُوتِرَ بإحْدَى عَشرَةَ رَكْعَةً، وبِتسْعٍ، وبِسَبْعٍ، وبِخَمْسٍ، وبِثَلَاثٍ، وبوَاحِدَةٍ؛ لما ذَكَرْنا من الأخْبَارِ. فإن أوْتَرَ بإحْدَى عَشَرَةَ سَلَّمَ مِن كلِّ رَكْعَتَيْنِ، وإن أوْتَرَ بثَلَاثٍ، سَلَّمَ من الثِّنْتَيْنِ وأوْتَرَ بوَاحِدَةٍ، وإن أَوْتَرَ بِخَمْسٍ، لم يَجْلِسْ إلَّا في آخِرِهِنَّ، وإن أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، جَلَسَ عَقِيبَ السَّادِسَة، فَتَشَهَّدَ ولم يُسَلِّمْ، ثم يَجْلِسُ بعد السَّابِعَةِ، فَيَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، وإن أوْتَرَ بتِسْعٍ، لم يَجْلِسْ إلَّا عَقِيبَ الثَّامِنَةِ، فَيَتَشَهَّدُ، ثم يَقُومُ فَيأْتى بالتَّاسِعَةِ، ويُسَلِّمُ. ونَحْوَ هذا قال إسْحاقُ. وقال القاضي: في السَّبْعِ لا يَجْلِسُ إلَّا في آخِرِهِنَّ أيضًا، كالخَمْسِ، فأما الإِحْدَى عَشرَةَ، والثَّلَاثُ فقد ذَكَرْنَاهُما. وأما الخَمْسُ، فقد رُوِىَ عن زيدِ بن ثابِتٍ؛ أنَّه كان يُوتِرُ بِخَمْسٍ، لا يَنْصَرِفُ إلَّا في آخِرِهَا. ورَوَى عُرْوَةُ عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى من اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ

стр. 1096

مِن ذلك بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ في شَىْءٍ منها، إلَّا في آخِرِهَا. مُتَّفَقٌ عليه (١٠) وعن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: ثم أوْتَرَ بِخَمْسٍ، لم يَجْلِسْ بَيْنَهُنَّ. وفى لَفْظٍ: فَتَوَضَّأ، ثم صَلَّى سَبْعًا، أو خَمسًا، أوْتَرَ بِهِنَّ، لم يُسَلِّمْ إلَّا في آخِرِهِنَّ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١١). وقال صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ (١٢): أَدْرَكْتُ النَّاسَ قبلَ الحَرَّةِ يَقُومُونَ بإحْدَى وأرْبْعِينَ رَكْعَةً، ويُوتِرُونَ بِخَمْسٍ، يُسَلِّمُونَ بينَ كلِّ اثْنَتَيْنِ، ويُوتِرُونَ بوَاحِدَةٍ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ جَمِيعًا. رَوَاه الأثْرَمُ. وأمَّا التِّسْعُ والسَّبْعُ، فَرَوَى زُرَارَةُ بنُ أوْفَى، عن سَعِيدِ بن هِشَامٍ، قال: قلتُ يَعْنى لِعائِشةَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أنْبِئِينى عن وِتْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فقالت: كُنَّا نُعِدُّ له سِوَاكَهُ وطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ ما شَاءَ أن يَبْعَثَه، فَيَتَسَوَّكُ وَيتَوَضَّأُ، ويُصَلِّى تسْعَ (١٣) رَكَعَاتٍ، لا يَجْلِسُ فيها إلَّا في الثَّامِنَةِ، فَيْذكُرُ اللَّه ويَحْمَدُه ويَدْعُوهُ، ثم يَنْهَضُ ولا يُسَلِّمُ، ثم يَقُومُ فَيُصَلِّى التَّاسِعَةَ، ثم يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللهَ ويَحْمَدُهُ (١٤) ويَدْعُوهُ، ثم يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ بعد ما يُسَلِّمُ وهو قَاعِدٌ، فتلك إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَة يا بُنَىَّ، فلما أَسَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ وأخَذَهُ اللَّحْمُ، أوْتَرَ بِسَبْعٍ، وصَنَعَ في الرَّكْعَتَيْنِ مثلَ [صُنْعِه في الأوَّلِ] (١٥). قال: فانْطَلَقْتُ إلى ابنِ عَبَّاسٍ، فَحَدَّثْتُه

стр. 1097

بِحَدِيثِها فقال: صَدَقَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ (١٦) وفي حَدِيثِ أبى دَاوُدَ، فقال ابنُ عَبَّاسٍ: هذا هو الحَدِيثُ. وفيه: أَوْتَرَ بِسَبْعٍ لم (١٧) يَجلِسْ إلَّا في السَّادِسَةِ والسَّابِعَةِ، ولم يُسَلِّمْ إلَّا في السَّابِعَةِ. وفيه، من طَرِيقٍ أُخْرَى: ويُسَلِّمُ بِتَسْلِيمَةٍ شَدِيدَةٍ، يَكادُ يُوقِظُ أهْلَ البَيْتِ من شِدَّةِ تَسْلِيمِه. وهذا صَرِيحٌ في أن السَّبْعَ يُجْلَسُ فيها عَقِبَ (١٨) السَّادِسَةِ. ولعلَّ القاضىَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: صَلَّى سَبْعًا، أو خَمْسًا، أوْتَرَ بِهِنَّ، لم يُسَلِّمْ إلَّا في آخِرِهِنَّ (١٩). وعن أُمِّ سَلمَةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبْعٍ، أو خَمْسٍ، لا يَ فْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ ولا كَلَامٍ. رَوَاه ابنُ مَاجَه (٢٠). وكلا الحَدِيثَيْنِ فيه شَكٌّ في السَّبْعِ، وليس في واحدٍ منهما أنَّه لا يَجْلِسُ عَقِيبَ السَّادِسَةِ، وحَدِيثُ عائشةَ فيه تَصْرِيحٌ بذلك، وهو إثْباتٌ (٢١)، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ. فصل: الوِتْرُ غيرُ واجِبٍ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو بكرٍ: وهو واجِبٌ. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذا خِفْتَ الصُّبْحَ، فأوْتِرْ بوَاحِدَةٍ" (٢٢). وأمَرَ به في أَحَادِيثَ كَثِيرَة، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. ورَوَى أبو أيُّوبَ، قال، قال رسول اللهِ ﷺ : "الوِتْرُ حَقٌّ [عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ] (٢٣)، فَمَنْ أحَبَّ أن يُوتِرَ بخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، ومَن أحَبَّ أن يُوتِرَ بثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ أحَبَّ أنْ

стр. 1098

يُوتِرَ بوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ". رَوَاه أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٢٤). وعن بُرَيْدَةَ، قال: سمِعتُ رَسولَ اللَّه ﷺ يقول: "الوِتْرُ حَقٌّ؛ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" (٢٥). رَوَاه أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٢٦)، من غير تَكْرَارٍ. وعن أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُه، مِن "المُسْنَدِ" أيضًا (٢٧). وعن خَارِجَةَ بنِ حُذَافَةَ، قال: خَرَجَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ غَدَاةٍ، فقال: "إنَّ اللهَ قَدْ أَمَدَّكُمْ (٢٨) بِصَلَاةٍ هِىَ (٢٩) خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وهى الوِتْرُ، فَجَعَلها لَكُمْ فِيمَا (٣٠) بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الفَجْرِ". رَواه أحمدُ (٣١)، وأبو دَاوُدَ (٣٢). وعن أبي بَصْرَةَ، قال: سمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، الوِتْرَ الوِتْرَ". رَوَاه الأثْرَمُ، واحْتَجَّ به أحمدُ (٣٣). ولَنا، ما رَوَى عبد اللهِ بنُ مُحَيْرِيز، أنَّ رَجُلًا مِن بنى كِنَانَةَ يُدْعَى المُخْدِجِىّ (٣٤)، سَمِعَ رَجُلًا بالشَّامِ

стр. 1099

يُدعَى أبا محمدٍ، يقولُ: إنَّ الوِتْرَ واجِبٌ. قال: فرُحْتُ إلى عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ، فأخْبَرْتُه، فقال عُبَادَةُ: كَذَبَ أبو محمدٍ، سمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقول: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ تَعالى عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا، اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بهِنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّه عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ". رَوَاه [أبو دَاوُدَ وأحمدُ] (٣٥). وعن عليٍّ, ﵁: إن الوِتْرَ ليس بحَتْمٍ، ولا كصَلَوَاتِكُم المَكْتُوبَة، ولكنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أوْتَرَ. ثم قال: "يا أهْلَ القُرْآنِ أَوْتِرُوا، فَإنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ". رَوَاهُ أحمدُ، في "المسند" (٣٦). وقد ثَبَتَ أنَّ الأعْرَابِىَّ لمَّا سَأَلَ النبيَّ ﷺ : ما فرَضَ اللَّه عَلىَّ في اليَوْمِ واللَّيْلةِ؟ قال: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ". قال: هل عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ؟ قال: "لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ". فقال الأعْرَابِىُّ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ لا أزِيدُ عَلَيْهِنَّ، ولا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فقال: "أفْلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ" (٣٧). ولأنَّه يَجُوزُ فِعْلُه على الرَّاحِلَةِ مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يكنْ واجِبا، كالسُّنَنِ، وقد رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبىَّ ﷺ كان يُوتِرُ على بَعِيرِه. مُتَّفَقٌ عليه (٣٨)، وقال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُسَبِّحُ على الرَّاحِلَةِ

стр. 1100

قبلَ أىِّ وِجْهَةٍ (٣٩) تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَليها، غيرَ أنَّه لا يُصَلِّى عليها المَكْتُوبَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وغيرُه (٤٠). وأحادِيثُهم قد تُكلِّمَ فيها، ثم إنَّ المُرَادَ بها تَأْكِيدُه وفَضِيلَتُه، وأنَّه سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وذلك حَقٌّ، وزِيَادَةُ الصَّلَاةِ يَجُوزُ أن تَكُونَ سُنَّةً، والتَّوَعُّدُ على تَرْكِه للمُبَالَغةِ في تَأْكيدِهِ، كَقَوْلهِ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ (٤١) هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فَلا يَقرَبَنَّ مَسْجِدَنَا" (٤٢). فصل: وهو سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، قال أحمدُ: من (٤٣) تَرَكَ الوِتْرَ عَمْدًا فهو رَجُلُ سَوْءٍ، ولا يَنْبَغِى أن تُقْبَلَ له شَهَادَةٌ. وأرَادَ المُبَالَغَةَ في تَأْكِيدِه؛ لما قد وَرَدَ فيه من

стр. 1101

الأحَادِيثِ في الأمْرِ به، والحَثِّ عليه، فَخَرجَ كَلَامُه مَخْرَجَ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، وإلَّا فقد صَرَّحَ في رِوَايةِ حَنْبَلٍ، فقال: الوِتْرُ ليس بِمَنْزِلَةِ الفَرْضِ، فلو أنَّ رَجُلًا صَلَّى الفَرِيضَةَ وَحْدَها، جَازَ له، وهما سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ الرَّكْعَتَانِ قبلَ الفَجْرِ، والوِترُ (٤٤)، فإن شَاءَ قَضَى الوِتْرِ، وإن شَاءَ لم يَقْضِهِ، وليس هما بِمَنْزِلَةِ المَكْتُوبَة. واخْتَلَفَ أصْحَابُنا في الوِتْرِ ورَكْعَتَىِ الفَجْرِ، فقال القاضي: رَكْعَتَا الفَجْرِ آكَدُ من الوِتْرِ؛ لاخْتِصَاصِهِما بعَدَدٍ لا يزَيدُ ولا يَنْقُصُ، فأشْبَهَا المَكْتُوبَةَ. وقال غيرُه: الوِتْرُ آكَدُ. وهو أَصَحُّ؛ فإنَّه (٤٥) مُخْتَلَفٌ في وُجُوبِه، وفيه من الأخْبَارِ ما لم يَأْتِ مثلُه في رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، لكن رَكْعَتَا الفَجْرِ تَلِيهِ في التَّأْكِيدِ، واللهُ أعلمُ. فصل: ووَقْتُه ما بين العِشَاءِ وطُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانى، فلو أَوْتَرَ قبلَ العِشَاءِ، لم يَصِحَّ وِتْرُهُ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: إنْ صَلَّاهُ قبلَ العِشَاءِ ناسِيًا لم يُعِدْه، وخَالَفَه صَاحِبَاه. فقالا: يُعِيدُ. وكذلك قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الوِتْرُ جَعَلَه اللهُ لَكُمْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ (٤٦) الفَجْرِ" (٤٧). [وفيه حَدِيثُ أبى بَصْرَةَ: "إنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، فَصَلُّوها مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ"] (٤٨). وفى "المُسْنَدِ" (٤٩)، عن مُعَاذٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: " [إنَّ رَبِّى زَادَنى] (٥٠) صَلَاةً، وهِىَ الوِتْرُ، ووَقْتُها مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الفَجْرِ". ولأنَّه صَلَّاهُ قبل وَقْتِه، فأشْبَه ما لو صَلَّى نَهَارًا. وإنْ أَخَّرَ الوِتْرَ حتى يَطْلُعَ الصُّبْحُ، فات وَقْتُه وصَلَّاهُ قَضَاءً. وَرُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال:

стр. 1102

الوِتْرُ ما بين الصَّلَاتَيْنِ. وعن عليٍّ، ﵁، نَحْوُه، لحَدِيثِ أبى بَصْرَةَ. والصَّحِيحُ أنَّ وَقْتَه ألى طُلُوعِ الفَجْرِ؛ لحَدِيثِ مُعَاذٍ، والحَدِيثِ الآخَرِ، وقولِ النبيِّ ﷺ : "فَإِذَا خَشِىَ أحَدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً، فأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى" (٥١). وقال: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ باللَّيْلِ وِتْرًا" مُتَّفَقٌ عليه (٥٢). وقال: "أَوْتِرُوا قَبْلَ أن تُصْبِحُوا". وقال: "الوِتْرُ رَكْعَةٌ من آخِرِ اللَّيْلِ"، وقال: "مَنْ خَافَ أنْ لا يَقُومَ من آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِه". أخْرَجَهُنَّ مُسْلِمٌ (٥٣). فصل: والأفْضَلُ فِعْلُه في آخِرِ اللَّيْلِ؛ لَقْولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ خَافَ أنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ من أَوَّلهِ، ومن طَمِعَ أن يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وذلك أَفْضَلُ" (٥٤). وهذا صَريحٌ. وقال

стр. 1103

- ﷺ : "الوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ". وكان النَّبِىُّ ﷺ يُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ (٥٥). وقالت عائشةُ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قد أوْتَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فَانْتَهى وِتْرُه إلى السَّحَرِ (٥٦). ومن كان له تَهَجُّدٌ جَعَلَ الوِتْرَ بعد تَهَجُّدِه، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك. وقال: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ باللَّيْلِ وِتْرًا" (٥٧). مع ما ذَكَرْنا من الأخْبَارِ. فإن خَافَ أن لا يَقُومَ من آخِرِ اللَّيْلِ، اسْتُحِبَّ أن يُوتِرَ أوَّلَهُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَوْصَى أبا هُرَيْرَةَ وأبا ذَرٍّ وأبا الدَّرْدَاءِ بالوِتْرِ قبلَ النَّوْمِ. وقال: "مَنْ خَافَ أنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِر من أَوَّلِهِ". وهذه الأحَادِيثُ كُلُّها صِحَاحٌ، رَوَاها مُسْلِمٌ، وغيرُه. ورَوَى أبو دَاوُدَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لأبي بكرٍ: "مَتَى تُوتِرُ؟ " قال: أُوْتِرُ من أَوَّلِ اللَّيْلِ. وقال لِعمرَ: "متى تُوتِرُ؟ " قال: آخِرَ اللَّيْلِ. فقال لأبي بكرٍ: "أخَذَ هذَا بالحَزْمِ". وقال لِعمرَ: "وأخَذَ هذَا بالقُوَّةِ" (٥٨). وأىَّ وَقْتٍ أوْتَرَ من اللَّيْلِ بعد العِشَاءِ أجْزَأهُ. لَا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، وقد دَلَّت الأخْبَارُ عليه. فصل: ومَن أوْتَرَ مِن اللَّيْلِ، ثم قامَ للتَّهَجُّدِ، فالمُسْتَحَبُّ (٥٩) أن يُصَلِّىَ مَثْنَى

стр. 1104

مَثْنَى، ولا يَنْقُضُ وِتْرَه. رُوِىَ ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعَمَّار، وسعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، وعائِذِ بنِ عَمْرٍو، وابْنِ عَبَّاسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعائشةَ. وكان عَلْقَمَةُ لا يَرَى نَقْضَ الوِتْرِ. وبه قال طَاوُس، وأبو مِجْلَزٍ. وبه قال النَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقيل لأحمدَ: ولا تَرَى نَقْضَ الوِتْرِ؟ فقال. لا. ثم قال: وإن ذَهَبَ إليه رَجُلٌ فأرْجُو، لأنَّه قد فَعَلَه جَمَاعَةٌ. ورُوِىَ (٦٠) عن عليٍّ وأُسامَةَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعمرَ، وعُثْمَانَ وسعدٍ، وابْنِ عمرَ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وابْنِ مسعُودٍ، وهو قَوْلُ إسْحاقَ. ومَعْناه أنَّه إذا قامَ لِلتَّهَجُّدِ يُصَلِّى رَكْعَةً تَشْفَعُ الوِتْرَ الأوَّلَ، ثم يُصَلِّى مَثْنَى مَثْنَى، ثم يُوتِرُ في آخِر التَّهَجُّدِ. ولَعَلَّهم ذَهَبُوا إلى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ باللَّيْلِ وِتْرًا" (٦١). ولَنا، ما رَوَى قَيْسُ بنُ طَلْقٍ، قال: زَارَنَا طَلْقُ بنُ عليٍّ في يَوْمٍ مِن رمضانَ، فأمْسَى عِنْدَنَا وأفْطَرَ، ثم قامَ بنا تلك اللَّيْلَةَ، [فأوْتَرَ بنا] (٦٢) ثم انْحَدَرَ إلى مَسْجِدِهِ (٦٣) فصَلَّ ى بأصْحَابِهِ، حتى إذا بَقِىَ الوِتْرُ قَدَّمَ رَجُلًا، فقال: أوْتِرْ بأصْحَابِكَ، فإنِّى سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "لا وِتْرَانِ في لَيْلَةٍ". رَوَاه أبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ (٦٤)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورُوِىَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، ﵁، أنَّه قال: أمَّا أنَا فإنِّى أنَامُ على فِرَاشِى، فإن اسْتيْقَظْتُ صَلَّيْتُ شَفْعا حتى الصَّبَاحِ. رَوَاه الأثْرَمُ. وكان سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ يَفْعَلُه. فصل: فإن صَلَّى مع الإِمَامِ، وأحَبَّ مُتَابَعَتَه في الوِتْرِ، وأحَبَّ أن يُوتِرَ آخِرَ

стр. 1105

اللَّيْلِ، فإنَّه إذا سَلَّمَ الإِمامُ لم يُسَلِّمْ معه، وقام فصَلَّ ى رَكْعَةً أُخْرَى يَشْفَعُ بها صَلَاتَهُ مع الإِمامِ. نصَّ عليه (٦٥). وقال: إن شَاءَ أقامَ على وِتْرِه (٦٦) وشَفَعَ إذا قَامَ. وإن شَاءَ صَلَّى مَثْنَى، مَثْنَى (٦٧). قال: ويَشْفَعُ مع الإِمامِ بِرَكْعَةٍ أحَبُّ إلىَّ. وسُئِلَ أحمدُ عمن أوْتَرَ، يُصَلِّى بعدَها مَثْنَى مَثْنَى؟ قال: نعم، ولكنْ يكُونُ [بعد ضَجْعَةِ الوِتْرِ] (٦٨). فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ في رَكَعَاتِ الوِتْرِ الثَّلَاثِ، في الأُوَلى بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفى الثانية ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفى الثَّالِثَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَقْرأُ في الثَّالِثَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، والمُعَوّذَتَيْنِ. وهو قولُ مالِكٍ في الوِتْرِ. وقال في الشَّفْعِ: لم يَبْلُغْنِى فيه شيءٌ مَعْلُومٌ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ، يَقْرأُ بالمُعَوّذَتَيْنِ في الوِتْرِ؟ قال: ولِمَ لا يَقْرَأ، وذلك لما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولَى بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفى الثانية ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفى الثالثة، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، والمُعَوِّذَتَيْنِ، رَوَاه ابنُ مَاجَه (٦٩). ولَنا، ما رَوَى أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاه أبو

стр. 1106

دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٧٠). وعن ابنِ عَبَّاسٍ مثلُه. رَوَاه ابْنُ مَاجَه (٧١). وحديثُ عائشةَ في هذا لا يَثْبُتُ؛ فإنه يَرْوِيه يحيى بنُ أيُّوب، وهو ضَعِيفٌ. وقد أنْكَرَ أحمدُ ويحيى بن مَعِينٍ زِيادةَ المُعوّذَتَيْنِ. فصل: قال أحمدُ، ﵀: الأحادِيثُ التي جاءتْ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، كان قبلَها صَلَاةٌ مُتَقَدِّمَةٌ. قيل له: أوْترَ في السَّفَرِ بِوَاحِدَةٍ؟ قال: يُصَلِّى قبلَها رَكْعَتَيْنِ. قيل له: يكونُ بين الرَّكْعَةِ وبين المَثْنَى ساعة؟ قال: يُعْجبُنِى أنْ يكونَ بَعْدَه ومعَه. ثم احْتَجَّ فقال: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِىَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ فَلْيُوتِرْ بِرَكْعَةٍ" (٧٢). فقيل له: رَجُلٌ تَنَفَّلَ بعد العِشَاءِ الآخِرَةِ ثم تَعَشَّى، ثم أرَادَ أن يُوتِرَ [يُعْجبُك أنْ يركعَ رَكْعَتَيْنِ ثم يُوتِرُ] (٧٣)؟ قال: نعم. وسُئِلَ عمَّن صَلَّى من اللَّيْلِ، ثم نَامَ ولم يُوتِرْ؟ قال: يُعْجِبُنى أن يَرْكَعَ الرَّجُلُ (٧٤) رَكْعَتَيْنِ، ثم يُسَلِّمَ، ثم يُوتِرَ بَواحِدَةٍ. وسُئِلَ عن رَجُلٍ أصْبَحَ ولم يُوتِرْ؟ قال: لا يوُتِرُ بِرَكْعَةٍ، إلَّا أن يَخَافَ طُلُوعَ الشَّمْسِ. قيل: يُوتِرُ بِثَلَاثٍ؟ قال: نعم، يُصَلِّى الرَّكْعَتَيْنِ، إلَّا أن يخافَ طُلُوعَ الشَّمْسِ. قيل له: فإذا لَحِقَ مع الإِمَامِ رَكْعَةَ الوِتْرِ؟ قال: إن كان الإِمامُ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ أجْرأَتْهُ الرَّكْعَةُ، وإن كان الإِمَامُ لا يُسَلِّمُ في الثِّنْتَيْنِ تَبِعَهُ (٧٥)، ويَقْضِى مثلَ ما صَلَّى، فإذا فَرَغَ قَامَ يَقْضِى ولا يَقْنُتُ.

стр. 1107

وقيل لأبي عبدِ اللهِ: رَجُلٌ ابْتَدَأَ يُصَلِّى تَطوُّعًا، ثم بَدَا له، فَجَعَلَ تلك الرَّكْعَة وِتْرًا؟ فقال: لا، كَيْفَ يكونُ هذا؟ قد قَلَبَ نِيَّتَهُ. قيل له: أيَبْتَدِىُّ الوِتْرَ؟ قال: نعم. وقال أبو عبدِ اللهِ: إذا قَنَتَ قبل الرُّكُوعِ كَبَّرَ، ثم أخَذَ في القُنُوتِ. وقد رُوِىَ عن عمرَ رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان إذا فَرَغَ من القِرَاءَةِ كَبَّرَ، ثم قَنَتَ، ثم كَبَّرَ حَين يَرْكَعُ. وَرُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابْنِ مسعودٍ، والْبَراءِ، وهو قولُ الثَّوْرِىّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. فصل: يُسْتَحَبُّ أن يقولَ بعد وِتْرِهِ: سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ. ثَلَاثًا، ويَمُدُّ صَوْتَه بها في الثَّالِثَةِ؛ لما رَوَى أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا سَلَّمَ من الوِتْرِ قال: "سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ". هكذا رَوَاه أبو دَاوُدَ (٧٦). وروَى عبدُ الرحمنِ بن أبْزَى قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإذا أرادَ أن يَنْصَرِفَ من الوِتْرِ قال: "سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ". ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثم يَرْفَعُ صَوْتَه بها في الثَّالِثَةِ. أخْرَجَه الإِمامُ أحمدُ في "المُسْنَدِ" (٧٧). ٢٤٧ - مسألة؛ قال: (وقِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرُونَ رَكْعَةً. يَعْنِى صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ) وهى سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وأوَّلُ مَن سَنَّها رسولُ اللهِ ﷺ ، قال أبو هُرَيْرَةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُرَغِّبُ في قِيَامِ رمضانَ، من غيرِ أنْ يَأمُرَهُم فيه بِعَزِيمةٍ، فيقول: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". وقالتْ عائشةُ:

стр. 1108

صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ في المَسْجِدِ ذاتَ لَيْلَةٍ، فصَلَّى بصَلَاتِه نَاسٌ، ثم صَلَّى من القَابِلَةِ، وكَثُرَ الناسُ، ثم اجْتَمَعُوا من اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أو الرَّابِعَةِ، فلم يَخْرُجْ إليهم رسولُ اللَّه ﷺ ، فلمَّا أصْبَحَ، قال: "قَدْ رَأيْتُ الَّذِى صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِى مِنَ الخُرُوجِ إليكُمْ إلَّا أنِّى خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ (١) عَلَيْكُمْ" قال: وذلك في رمضانَ. رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٢). وعن أبي ذَرٍّ، قال: صُمْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ رَمضانَ، فلم يَقُمْ بنا شَيْئا من الشَّهْرِ، حتى بَقِىَ سَبْعٌ. [فقامَ بنا حتى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فلما كانت السَّادِسَةُ لم يَقُمْ بِنَا] (٣)، فلما كانت الخَامِسَةُ قامَ بِنَا حتى ذَهَبَ شَطْرُ

стр. 1109

اللَّيْلِ. فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، لو نَفَلْتَنَا قِيَامَ هذه اللَّيْلَة؟ قال (٤): فقال: "إنَّ الرَّجُلَ إذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ". قال: فلما كانت الرَّابِعَةُ لم يَقُمْ، فلما كانت الثَّالِثَةُ جَمَعَ أهْلَهُ ونِسَاءَهُ والنَّاسَ، فقام بِنَا حتى خَشِينَا أن يَفُوتَنا الفَلَاحُ. قال: قلتُ: وما الفَلَاحُ؟ قال: السَّحُورُ. ثم لم يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْر. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والأثْرَمُ، وابْنُ مَاجَه (٥). وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ فإذا النَّاسُ في رَمَضَانَ يُصَلُّونَ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ. فقال: "مَا هؤُلَاءِ؟ " فقيل: هؤلاءِ نَاسٌ ليس معهم قُرْآنٌ، وأُبَىُّ بن كَعْبٍ يُصَلِّى بهم، وهم يُصَلُّونَ بِصَلَاتِه. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "أصَابُوا، ونِعْمَ مَا صنَعْوا". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٦). وقال: رَوَاهُ مُسْلِمُ بن خالدٍ، وهو ضَعِيفٌ. ونُسِبَت التَّرَاوِيحُ إلى عمرَ [ابن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه] (٧)، لأنَّه جَمَعَ النّاسَ عَلى أُبَىّ بن كَعْبٍ، فكان يُصَلِّيها بهم، فرَوَى عبدُ الرحمنِ بن عبدٍ القَارِئُ، قال: خَرَجْتُ مع [عمرَ بن الخَطَّابِ] (٨) لَيْلَةً في رمضانَ، فإذا النَّاسُ أوْزَاعٌ (٩) مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّى الرَّجُلُ لِنَفْسِه، ويُصَلِّى الرَّجُلُ فيُصَلِّى بِصَلَاتِه الرَّهْطُ، فقال عمرُ: إني أرى لو جَمَعْتُ هؤلاءِ على قَارِئٍ واحِدٍ، لَكانَ أمْثَلَ. ثم عَزَمَ فَجمَعَهُم على أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ، قال: ثم خَرَجْتُ معه لَيْلَةً أُخْرَى والنّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ. فقال: نِعْمَتِ البِدْعَةُ هذه، والتى يَنَامُونَ عنها أفْضَلُ من التي يَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وكان النّاسُ يَقُومُونَ

стр. 1110

أَوَّلَهُ. أخْرَجَهُ البُخَارِىُّ (١٠). فصل: والمُخْتَارُ عند أبى عبدِ اللهِ، ﵀، فيها عِشْرُونَ رَكْعَةً. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفة، والشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: سِتَّةٌ وثَلَاثُونَ. وزَعَم أنَّه الأمْرُ القَدِيمُ، وتَعَلَّقَ بِفِعْلِ أهْلِ المَدِينَةِ، فإنَّ صالِحًا مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، قال: أدْرَكْتُ الناسَ يَقُومُونَ بإحْدَى وأرْبَعِينَ رَكْعَة، يُوتِرُونَ منها بِخَمْسٍ. ولَنا، أنَّ عُمَرَ، ﵁، لمَّا جَمَعَ النَّاسَ على أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ، وكان يُصَلِّى بهم (١١) عِشْرِينَ رَكْعَةً، وقد رَوَى الحسنُ أن عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ على أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ، فكان يُصَلِّى لهم عِشْرِينَ لَيْلَةً، ولا يَقْنُتُ بهم إلا في النِّصْفِ الباقِى (١٢). فإذا كانت العَشْرُ الأَوَاخِرُ تَخَلَّفَ أُبَىٌّ، فصَلَّى في بَيْتِه، فكانُوا يَقُولُونَ: أبَقَ أُبَىٌّ. رَوَاه أبو دَاوُدَ، ورَوَاهُ السَّائِبُ بن يَزِيدَ، ورُوِىَ عنه من طُرُقٍ. ورَوَى مالِكٌ، عن يَزِيدَ بن رُومَان، قال: كان النّاسُ يَقُومُونَ في زَمَنِ عمرَ في رمضانَ بِثَلَاثٍ وعِشْرِينَ رَكْعَةً. وعن عليٍّ، أنَّه أمَرَ رَجُلًا يُصَلِّى بهم في رمضانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً. وهذا كالإِجْماعِ، فأمَّا ما رَوَاهُ صَالِحٌ، فإنَّ صَالِحًا ضَعِيفٌ، ثم لا نَدْرِى مَن النَّاسُ الَّذِينَ أخْبَرَ عنهم؟ فَلَعَلَّه قد أدْرَكَ جَمَاعَةً من النَّاسِ يَفْعَلُونَ ذلك، وليس ذلك بِحُجَّةٍ، ثم لو ثَبَتَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ كُلَّهم فَعَلُوه لَكانَ ما فَعَلَهُ عمرُ، وأجْمَعَ عليه الصَّحَابَةُ في عَصْرِهِ، أوْلَى بالاتِّبَاعِ، قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما فعلَ هذا أهْلُ المَدِينَةِ لأنَّهم أرَادُوا مُسَاوَاةَ أهْلِ مَكَّة، فإنَّ أهْلَ مَكَّةَ يَطُوفُونَ سَبْعًا بين كل تَرْوِيحَتَيْنِ، فَجَعَلَ أهْلُ المَدِينَةِ مكانَ كلِّ سَبْعٍ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وما كان عليه أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوْلَى وأحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ.

стр. 1111

فصل: والمُخْتَارُ عند أبى عبدِ اللهِ، فِعْلُها في الجَمَاعَةِ، قال، في رِوَايَةِ يوسفَ بن موسى: الجَمَاعَةُ في التَّرَاوِيحِ أفْضَلُ، وإن كان رَجُلٌ يُقْتَدَىَ به، فَصَلَّاهَا في بَيْتِه، خِفْتُ أن يَقْتَدِىَ النّاسُ به. وقد جاء عن النَّبِيِّ ﷺ : "اقْتَدُوا بالخُلَفَاءِ" (١٣). وقد جاءَ عن عمرَ أنَّه كان يُصَلِّى في الجَمَاعَةِ. وبهذا قال المُزَنِىُّ، وابنُ عَبْدِ الحَكَمِ، وجَمَاعَةٌ من أصْحَابِ أبى حنيفةَ، قال أحمدُ: كان جابِرٌ، وعلىٌّ، وعبدُ اللهِ يُصَلُّونَها في جَمَاعَةٍ. قال الطَّحَاوِىُّ: كلُّ مَن اخْتَارَ التَّفَرُّدَ يَنْبَغِى أنْ يكونَ ذلك على أن لا يَقْطَعَ معه القِيَامَ في المَسَاجِدِ، فأمَّا التَّفَرُّدُ الذي يُقْطَعُ معه القِيَامُ في المَسَاجِدِ فَلَا. ورُوِىَ (١٤) نحوُ هذا عن اللَّيْثِ بن سعدٍ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: قِيَامُ رَمَضَانَ لِمَن قَوِىَ في البَيْتِ أَحَبُّ إلَيْنَا؛ لما رَوَى زيدُ بنُ ثابِتٍ قال: احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ أو حَصِيرٍ (١٥)، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُصَلِّى (١٦) فيها. قَال (١٦): فَتَتَبَّعَ إليه رجَالٌ، وجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِه، قال: ثم جَاءُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا، وأبْطَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عنهم، فلم يخْرُجْ إليهم، فَرَفَعُوا أصْوَاتَهم، وحَصَبُوا البَابَ، فَخرَجَ إليهم رسولُ اللهِ ﷺ مُغْضَبًا، فقال لهم (١٧): "مَازَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بالصَّلَاةِ في بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ خَيْرَ صَلَاةِ المَرْءِ في بَيْتِه، إلَّا الصَّلَاةَ المَكْتُوَبَةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٨). ولَنا، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ على ذلك، وجَمَعَ النَّبِىُّ ﷺ أَصْحَابَهُ وأهْلَه في

стр. 1112

حديثِ أبى ذَرٍّ. وقولُه: "إنَّ القَوْمَ إذَا صَلُّوا مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُمْ قِيَامُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ" (١٩). وهذا خاصٌّ في قِيَامِ رمضانَ، فَيُقَدَّم على عُمُومِ ما احْتَجُّوا به، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ [ذلك لهم] (٢٠) مُعَلَّلٌ بِخَشْيَةِ فَرْضِه عليهم، ولهذا تَرَكَ النَّبِىُّ ﷺ القِيَامَ بهم معلّلًا بذلك أيضًا، أو خَشْيَةَ أن يَتَّخِذَهُ النّاسُ فَرْضًا، وقد أُمِنَ هذا أن (٢١) يفُعَلَ بَعْدَهُ. فإن قِيلَ: فعلىٌّ لم يَقُمْ مع الصَّحَابَةِ؟ قُلْنَا: قد رُوِىَ عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِىّ أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، قَامَ بهم في رمضانَ. وعن إسماعيلَ بن زِيادٍ، قال: مَرَّ على المَساجِدِ وفيها القَنَادِيلُ في شَهْرِ رمضانَ. فقال نَوَّرَ اللهُ على عمرَ قَبْرَه، كما نَوَّرَ عَلينا مَسَاجِدَنا. رَوَاهُما الأثْرَمُ. فصل: قال أحمدُ، ﵀: يَقْرأُ بالقَوْمِ في شهر رمضانَ ما يَخِفُّ على النَّاسِ، ولا يَشُقُّ عليهم، ولا سِيَّما في اللَّيَالى القِصَار، والأمْرُ (٢٢) على ما يَحْتَمِلُهُ النَّاسُ. وقال القاضي: لا يُسْتَحَبُّ النُّقْصَانُ عن خَتْمَةٍ في الشَّهْرِ؛ لِيَسْمَعَ النَّاسُ جَمِيعَ القُرْآنِ، ولا يَزِيدُ على خَتْمَةٍ؛ كَرَاهِيَةَ المَشَقَّةِ علَى مَن خَلْفَه. والتَّقْدِيرُ بحَالِ النَّاسِ أَوْلَى؛ فإنَّه لو اتَّفَقَ جَمَاعَةٌ يَرْضَوْنَ بالتَّطْوِيلِ ويَخْتَارُونَهُ، كان أَفْضَلَ. كما رَوَى أبو ذَرٍّ، قال: قُمْنَا مع النَّبِيِّ ﷺ حتى خَشِينَا أن يَفُوتَنَا الفَلَاحُ. يعني (٢٣) السَّحُورَ (٢٤). وقد كان السَّلَفُ يُطِيلُونَ الصَّلَاةَ، حتى

стр. 1113

قال بَعْضُهم: كانوا إذا انْصَرَفُوا يَسْتَعْجِلُونَ خَدَمَهُم بالطَّعَامِ، مَخَافَةَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وكان القارِىءُ يَقْرأُ بالمائَتَيْنِ. فصل: قال أبو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أحمدَ يقول: يُعْجِبُنى أن يُصَلِّىَ مع الإِمامِ، ويُوتِرَ معه. قال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ الرَّجُلَ إذا قَامَ مع الإِمَامِ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِه" (٢٥). قال: وكان أحمدُ يَقُومُ مع النّاسِ، ويُوتِرُ معهم. قال الأثْرَمُ: وأخْبَرَنى الذي كان يَؤُمُّه في شهرِ رمضانَ، أنَّه كان يُصَلِّى مَعهُم التَّرَاوِيحَ كُلَّها والوِتْرَ. قال (٢٦): ويَنْتَظِرُنى بعدَ ذلك حتى أَقُومَ ثم يَقُومُ، كأنَّه يَذْهَبُ إلى حَدِيثِ أبى ذَرٍّ "إذَا قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ له بَقِيَّةُ لَيْلَتِه". قال أبو دَاوُدَ: وسُئِلَ أحمدُ عن قَوْمٍ صَلَّوْا في رَمَضَانَ خَمْسَ تَرَاوِيح، ولم يَتَرَوَّحُوا بينها؟ قال: لا بَأْسَ. قال (٢٦): وسُئِلَ عَمَّنْ أدْرَكَ من تَرْوِيحهِ رَكْعَتَيْنِ، يُصَلِّى إليها رَكْعَتَيْنِ؟ فلم يَرَ ذلك. وقال هي تَطَوُّعٌ. وقيل لأحمدَ: تُؤَخِّرُ القِيَامَ - يعني في التَّرَاوِيحِ - إلى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قال: لا، سُنَّةُ المُسْلِمِينَ أحَبُّ إلىَّ. فصل: وكَرِهَ أبو عبدِ اللهِ التَّطَوُّعَ بينَ التَّرَاوِيحِ، وقال: فيه عن ثلاثةٍ من أصْحَابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ؛ عُبادَةُ، وأبو الدَّرْدَاءِ، وعُقْبةُ بن عَامِرٍ. فذُكِرَ لأبي عبدِ اللهِ فيه رُخْصَةٌ عن بعضِ الصَّحابةِ، فقال: هذا بَاطِلٌ، إنَّما فيه عن الحسنِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ. وقال أحمدُ: يَتَطَوَّعُ بعد المَكْتُوَبَةِ، ولا يَتَطَوَّعُ بين التَّرَاوِيحِ. ورَوَى الأثْرَمُ عن أبي الدَّرْدَاء، أنَّه أبْصَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ بينَ التَّرَاوِيحِ، فقال: ما هذه الصَّلَاةُ؟ أَتُصَلِّى وإمامُكَ بين يَدَيْكَ؟ ليس مِنَّا من رَغِبَ عَنَّا. وقال: من قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ أنْ يُرَى أنَّه في المَسْجِدِ وليس في صَلَاةٍ. فصل: فأمَّا التَّعْقِيبُ، وهو أنْ يُصَلِّىَ بعد التَّرَاوِيحِ نَافِلَةً أُخْرَى جَمَاعَةً، أو

стр. 1114

يُصَلِّىَ التَرَاوِيحَ في جماعةٍ أُخْرَى. فعن أحمدَ: أنَّه لا بَأْسَ به؛ لأنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ قال: ما يَرْجِعُونَ إلَّا لِخَيْرٍ يَرْجُونَه، أو لِشَرٍّ يَحْذَرُونَهُ. وكان لا يَرَى به بَأْسًا. ونَقَلَ محمدُ بنُ الحَكَمِ عنه الكَرَاهَةَ، إلَّا أنَّه قَولٌ قَدِيمٌ، والعَمَلُ على ما رَوَاهُ الجَمَاعَةُ. وقال أبو بكرٍ: [إنْ أخَّرَ] (٢٧) الصَّلَاةَ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، أو إلى آخِرِه، لم تُكْرَهْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وإنَّما الخِلَافُ فيما إذا رَجَعُوا قبلَ النَّوْمِ، والصَّحِيحُ أنَّه لا يُكْرَهُ؛ لأنَّه خَيْرٌ وطَاعَةٌ، فلم يُكْرَهُ، كما لو أَخَّرَهُ إلى آخِرِ اللَّيْلِ. فصل: في خَتْمِ القُرْآنِ: قال الفَضْلُ بن زَيَادٍ: سَألْتُ أبا عبدِ اللهِ، فقلتُ: أخْتِمُ القُرْآنَ، أجْعَلُه في الوِتْرِ أو في التَّرَاوِيحِ؟ قال: اجْعَلْهُ في التَّرَاوِيحِ، حتى يكونَ لنا دُعَاءً بين اثْنَيْنِ. قلتُ: كيف أصْنَعُ؟ قال: إذا فَرَغْتَ من آخِرِ القُرْآنِ فارْفَعْ يَدَيْكَ قبل أن تَرْكَعَ، وادْعُ بنا ونَحْنُ في الصَّلَاةِ، وأطِل القِيَامَ. قلتُ: بِمَ أدْعُو؟ قال: بما شِئْتَ. قال: ففَعَلْتُ كما (٢٨) أمَرَنى، وهو خَلْفِى يَدْعُو قَائِمًا، [ورَفَع يَدَيْه، وقال] (٢٩) حَنْبَلٌ: سمعتُ أحمدَ يقولُ في خَتْمِ القُرْآنِ: إذا فَرَغْتَ من قِرَاءَةِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارْفَعْ يَدَيْكَ في الدُّعَاءِ قبلَ الرُّكُوعِ. قلتُ: إلى أىِّ شَىْءٍ تَذْهَبُ في هذا؟ قال: رأيْتُ أهْلَ مَكَّةَ يَفْعَلُونَه، وكان سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ يَفْعَلُه معهم بِمكَّةَ. قال العَبَّاسُ بنُ عبدِ العَظِيمِ (٣٠): وكذلك أدْرَكْتُ (٣١) النَّاسَ بِالبَصْرَةِ وبِمكَّةَ. ويَرْوِى أهْلُ المَدِينَةِ في هذا شَيْئًا، وذُكِرَ عن عثمانَ بن عَفَّانَ. فصل: واخْتَلَفَ أصْحَابُنَا في قِيَامِ لَيْلَةِ الشَّكِّ؛ فَحُكِىَ عن القاضي أنَّه قال:

стр. 1115

جَرَتْ هذه المَسْألةُ في وَقْتِ شَيْخِنا أبى عَبْدِ اللهِ فَصَلَّ ى، وصَلَّاهَا القاضي أبو يَعْلَى أيضًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ" (٣٢). فَجَعَلَ القِيامَ مع الصِّيَامِ. وذَهَبَ أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ إلى تَرْكِ القِيَامِ، وقال: المُعَوَّلُ في الصِّيَامِ على حديثِ ابنِ عمرَ، وفِعْلِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ، ولم يُنْقَلْ عنهم قِيَامُ تِلْكَ اللَّيْلَة. واخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّونَ؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبانَ، وإنما صِرْنَا إلى الصَّوْمِ احْتِيَاطًا لِلْوَاجِبِ، والصَّلَاةُ غيرُ وَاجِبَةٍ، فَتَبْقَى على الأصْلِ. فصل: قال أبو طَالِبٍ: سَألْتُ أحمدَ إذا قَرَأَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ يَقْرَأُ من البَقَرَةِ شَيْئَا؟ قال: لا. فلم يسْتَحِبَّ أن يَصِلَ خَتْمَتَهُ بِقِرَاءَةِ شَىْءٍ، ولَعَلَّه لم يَثْبُتْ فيه (٣٣) عِنْدَه أثَرٌ صَحِيحٌ يَصِيرُ إليه. قال أبو دَاوُدَ: وذَكَرْتُ لأحمدَ قَوْلَ ابنِ المُبَارَكِ: إذا كان الشِّتَاءُ فَاخْتِمِ القُرْآنَ في أوَّلِ اللَّيْلِ، وإذا كان الصَّيْفُ فَاخْتِمْه في أوَّلِ النَّهَارِ. فكأنَّه أعْجَبَه. وذلك، لما رُوِىَ عن طَلْحَةَ بن مُصَرِّف (٣٤)، قال: أدْرَكْتُ أهْلَ الحرمَيْنِ (٣٥) من صَدْرِ هذه الأُمَّةِ يَسْتَحِبُّونَ الخَتْمَ في أوَّلِ اللَّيْلِ، وفى أوَّلِ النَّهَارِ، يَقُولُونَ: إذا خَتَم في أَوَّلِ اللَّيْلِ صَلَّتْ عليه المَلَائِكَةُ حتى يُصْبِحَ، وإذا خَتَمَ في أوَّلِ النَّهَارِ صَلَّتْ عليه المَلَائِكَةُ حتى يُمْسِىَ. وقال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: يُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ خَتْمَةَ النَّهَارِ في رَكْعَتَىِ الفَجْرِ أو بَعْدَهما، وخَتْمَةَ اللَّيْلِ

стр. 1116

في رَكْعَتَىِ المَغْرِبِ أو بَعْدَهما، يَسْتَقْبِلُ بخَتْمَتِه (٣٦) أوَّلَ اللَّيْلِ وأوَّلَ النَّهَارِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَجْمَعَ أهْلَهُ عند خَتْمِ القُرْآنِ وغَيْرَهم؛ لِحُضُورِ الدُّعَاءِ. قال أحمدُ: كان أنَسٌ إذا خَتَمَ القُرْآنَ جَمَعَ أهْلَهُ وَوَلَدَهُ (٣٧). ورُوِىَ ذلك عن ابن (٣٨) مَسْعُودٍ وغيرِه. ورَوَاهُ ابنُ شَاهِينَ مَرْفُوعًا إلى رسولِ اللهِ ﷺ . واسْتَحْسَنَ أبو عبد اللَّه (٣٩) التَّكْبِيرَ عند آخِرِ كُلِّ سُورَةٍ من سورةِ (٤٠) الضُّحَى إلى آخِرِ القُرْآنِ؛ لأنَّه رُوِىَ عن أْبَىّ بنِ كَعْبٍ أنه قَرَأَ على النَّبِىِّ ﷺ فأمَرَهُ بذلك، رَوَاهُ القاضي، في "الجامِعِ" بإسْنَادِهِ. فصل: وسُئِلَ أبو عبدِ اللهِ، عن الإِمَامِ في شهرِ رمضانَ، يَدَعُ الآيَاتِ من السُّورَةِ، تَرَى لِمَنْ خَلْفَه أن يَقْرَأَهَا؟ قال: نعم يَنْبَغِى له (٤١) أنْ يَفْعَلَ، قد كان بمكَّةَ يُوكِلُونَ رَجُلًا يَكْتُبُ ما تَرَكَ الإِمامُ من الحُرُوفِ وغيرِها، فإذا كان لَيْلَةَ الخَتْمَةِ أعَادَها (٤٢) وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لِتَتِمَّ الخَتْمَةُ، ويَكْمُلَ الثَّوَابُ. فصل: ولا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ القُرْآنِ في الطَّرِيقِ، والإِنْسَانُ مُضْطَجِعٌ، قال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ: خرجْتُ مع أبى عبدِ اللَّه إلى الجامِعِ فَسَمِعْتهُ يَقْرأُ سُورَةَ الكَهْفِ. وعن إبراهيمَ التَّمَيمِىّ (٤٣) قال: كُنْتُ أقْرَأُ على أبى موسى وهو يَمْشِى في الطَّرِيقِ، فإذا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ قلتُ له: أتَسْجُدُ في الطَّرِيقِ؟ قال: نعم. وعن عائشةَ أنَّها

стр. 1117

قالت: إنِّى لأَقْرَأُ القُرْآنَ وأنا مُضْطَجِعَةٌ على سَرِيرِى. رَوَاهُ الفِرْيَابِىُّ، في فَضَائِل القُرْآنِ، عن عائشةَ. فصل: يُسْتَحَبُّ أنْ يقرأَ القُرْآنَ في كلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، لِيكونَ له خَتْمَةٌ في كلِّ أُسْبُوعٍ. قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: كان أبى يَخْتِمُ القُرآنَ في النَّهَارِ في كلِّ سَبْعَة، يَقْرأُ في كلِّ يومٍ سُبْعًا، لا يَكادُ (٤٤) يترُكُه نَظَرًا. وقال حَنْبَلٌ: كان أبو عبْدِ اللهِ يَخْتِمُ من الجُمعةِ إلى الجُمعةِ. وذلك لما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لعبدِ اللهِ بن عَمْرٍو: "اقْرَأ القُرْآنَ في سَبْعٍ، ولا تَزِيدَنَّ عَلَى ذلِكَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٤٥)، وعن أوْسِ بن حُذَيْفَةَ، قال: قُلْنا لِرسولِ اللَّه ﷺ : لقد أَبْطَأْتَ عَنَّا اللَّيْلَةَ. قال: "إنَّه طَرَأَ عَلَىَّ حِزْبى مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أنْ أخْرُجَ حَتَّى أُتِمَّهُ" (٤٦). قال أوْسٌ: سألْتُ أصحابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : كيف تُحَزِّبُونَ القُرْآن؛ قالُوا: ثَلَاثٌ، وخَمْسٌ، وسَبْعٌ، وتِسْعٌ، وإحْدَى عَشرَةَ، وثَلَاثَ عَشرَةَ، وحِزْبُ المُفَصَّلِ وَحْدَه. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٤٧). ويُكْرَهُ أن يُؤَخِّرَ خَتْمَةَ القُرْآنِ أكْثَرَ من أرْبَعِينَ يَوْمًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ سألَه عبدُ اللهِ بن عَمْرٍو: في كم يَخْتِمُ القُرْآنُ؟ قال: "في أرْبَعِينَ يَوْمًا". ثم قال: "في شَهْرٍ". ثم قال: "في عِشْرِينَ". ثم قال: "في خَمْسَ عَشرَةَ". ثم قال: "في عَشْرٍ". ثم قال: "في سَبْعٍ". لم ينزلْ من سَبْعٍ. أخْرَجَه أبو دَاوُدَ (٤٨). وقال أحْمَدُ: أكْثَر ما سَمِعْتُ أنْ يُخْتَمَ القُرْآنُ في

стр. 1118

أرْبَعِينَ. ولأنَّ تَأْخِيرَه أكْثَرَ مِن ذلك يُفْضِى إلى نِسْيَانِ القُرْآنِ والتَّهَاوُنِ به، فكان ما ذَكَرْنَا أوْلَى، وهذا إذا لم يكنْ له عُذْرٌ، فأمَّا مع العُذْرِ فَواسِعٌ له. فصل: وإن قَرَأَه في ثَلَاثٍ فَحَسَنٌ؛ لما رُوِىَ عن عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو، قال: قلتُ لِرسولِ اللَّه ﷺ إنَّ: بى قُوَّةٌ. قال: "اقْرَأْهُ في ثَلَاثٍ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٤٩) فإنْ قَرَأَه في أقَلَّ من ثَلَاثٍ، فقد رُوِىَ عن أبي (٥٠) عبدِ اللهِ أنَّه قال: أكْرَهُ أن يَقْرَأَهُ في أقَلَّ مِن ثَلَاثٍ. وذلك لما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ في أقَلَّ من ثَلَاثٍ". رَوَاهُ أبو دَاوُد (٥١). ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّ ذلك غيرُ مُقَدَّرٍ، وهو على حَسَبِ ما يَجِدُ من النَّشَاطِ والقُوَّةِ؛ لأنَّ عُثمانَ كان بَخْتِمُه في لَيْلَةٍ، ورُوِىَ ذلك عن جَمَاعةٍ من السَّلَفِ. والتَّرْتِيلُ أفْضَلُ من قِرَاءَةِ الكَثِيرِ مع العَجَلَةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٥٢). وعن عائشةَ أنَّها قالت: ولا أعْلَمُ نَبِىَّ اللهِ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ في لَيْلَةٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥٣).

стр. 1119

وعنها قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يَخْتِمُ القُرْآنَ في أَقَلَّ من ثَلَاثٍ. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ، في "فَضَائِل القُرْآنِ". وقال ابنُ مسعودٍ: من قَرَأً القُرْآنَ في أقَلَّ من ثَلَاثٍ، [فهَذٌّ كهَذِّ] (٥٤) الشِّعْر، ونثْر كنَثْرِ الدَّقَلِ (٥٥). فصل: كَرِهَ أبو عبدِ اللهِ القِرَاءَةَ بالألْحَانِ، وقال: هي بِدْعَةٌ؛ وذلك لما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه ذَكَرَ في أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يُتَّخَذَ القرَآنُ مَزَامِير، يُقَدِّمُونَ أحَدَهُم ليس بأقْرَئِهِمْ ولا أَفْضَلِهِمْ إلَّا لِيُغنِّيَهم غِنَاءً (٥٦). ولأنَّ القُرآنَ مُعْجِزٌ في لَفْظِه ونَظْمِهِ، والأَلْحانُ تُغَيِّرُه. وكَلَامُ أحمدَ فى هذا مَحْمُولٌ على الإِفْرَاطِ في ذلك، بِحَيْثُ يَجْعَلُ الحَرَكَاتِ حُرُوفًا، ويَمُدُّ في غيرِ مَوْضِعِه، فأمَّا تَحْسِينُ القِرَاءَةِ والتَّرْجِيعُ فغير مَكْرُوهٍ؛ فإنَّ عبدَ اللهِ بن المُغَفَّلِ قال: سعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مكَّةَ يَقْرأُ سُورَةَ الفَتْحِ. قال: فَقَرَأ ابنُ المُغَفَّلِ، ورَجَّعَ في قِرَاءَتِه، وفى لَفْظٍ قال: قَرَأ النَّبِىُّ ﷺ عامَ الفَتْحِ في مَسِيرٍ له سُورَةَ الفَتْحِ على رَاحِلَتِه، فَرَجَّعَ في قِرَاءَتِه. قال مُعَاوِيةُ بن قُرَّةَ: لَوْلَا أنِّى أخافُ أن تَجْتَمِعَ عَلىَّ النَّاسُ لَحَكَيْتُ لكم قِرَاءَتَهُ. رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٥٧). وفى بعض الأَلْفَاظِ فقال: "أأأ". ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ "ما أَذِنَ اللهُ لِشَىْءٍ كَإذْنِه لِنَبِىٍّ (٥٨) حَسَنِ

стр. 1120

الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بالْقُرْآنِ" (٥٩)، أي (٦٠) يَجْهَرُ بِهِ. يعني ليسْتمع. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "زَيِّنُوا القُرآنَ بأصْوَاتِكُمْ (٦١) ". وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لم يَتَغَنَّ بالقُرْآنِ" (٦٢). وقد اخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنَى قولِه: "يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ". فقالَ ابنُ عُيَيْنَةَ، وأبو عُبَيْدٍ، وجماعةٌ، وغَيْرُهما: مَعْنَاهُ يَسْتَغْنِى بالقُرْآنِ. قال أبو عُبَيْدٍ: وكيف يَجُوزُ أن يُحْمَلَ على أنَّ مَنْ لم يتغنَّ (٦٣) بالقُرْآنِ لَيْسَ مِن النَّبِىِّ ﷺ ؟ وقالت طائِفَةٌ منهم: مَعْنَاهُ يُحْسِنُ قِرَاءَتَهُ، ويَتَرَنَّمُ به، ويَرْفَعُ صَوْتَه به. كما قال أبو موسى لِلنَّبِىِّ ﷺ : لو عَلِمْتُ أنَّكَ تَسْمَعُ قِرَاءَتِى لحَبَّرْتُه لك تَحْبِيرًا. وقال الشَّافِعِىُّ: يَرْفَعُ صَوْتَه به. وقال أبو عبدِ اللهِ: حَزَّنَهُ فيَقْرَؤُه بحُزْنٍ مثلِ صَوْتِ أبى موسى.

стр. 1121

وعلى كلِّ حالٍ، فقد ثَبَتَ أنَّ تَحْسِينَ الصَّوْتِ بالقُرْآنِ، وتَطْرِيبَه، مُسْتَحَبٌّ غيرُ مَكْرُوهٍ، ما لم يَخْرُجْ ذلك إلى تَغْيِيرِ لَفْظِه، وزِيَادَةِ [حُروفٍ فيه] (٦٤)، فقد رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالت للنَّبِىِّ ﷺ : أسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ في المَسْجِدِ لم أسْمَعْ قِرَاءَةً أحْسَنَ من قِرَاءَتِه. فقام النَّبىُّ ﷺ فاسْتَمَعَ قِرَاءَتَه، ثم قال: "هذَا سَالِمٌ مَوْلَى أبى حُذَيْفَةَ، الحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى جَعَلَ فىِ أُمَّتِى مِثْلَ هذَا (٦٥) ". وقال النَّبِىُّ ﷺ لأبي موسى: "إنِّى مَرَرْتُ بِكَ البَارِحَةَ وأَنتَ تَقْرَأُ، فَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ". فقال أبو موسى: لو أَعْلَمُ أنَّك تَسْتَمِعُ لَحَبَّرْتُه لك تَحْبِيرًا (٦٦). مع ما ذَكَرْنَا مِن الأخْبارِ، واللهُ أعْلمُ.

стр. 1122

المغْني لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسيّ الجَمَّاعِيليّ الدِّمَشْقيّ الصَّالحِيّ الحَنْبَلِيّ ٥٤١ - ٦٢٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو الجزء الثالث دَار عَالَم الكُتبُ للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 1123

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1124

المغْني

стр. 1125

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م مصححة، منقحة دَار عَالَم الكُتب للطباعة والنشر والتوزيع العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية
следующие страницы →