وعلى كلِّ حالٍ، فقد ثَبَتَ أنَّ تَحْسِينَ الصَّوْتِ بالقُرْآنِ، وتَطْرِيبَه، مُسْتَحَبٌّ غيرُ مَكْرُوهٍ، ما لم يَخْرُجْ ذلك إلى تَغْيِيرِ لَفْظِه، وزِيَادَةِ [حُروفٍ فيه] (٦٤)، فقد رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالت للنَّبِىِّ ﷺ : أسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ في المَسْجِدِ لم أسْمَعْ قِرَاءَةً أحْسَنَ من قِرَاءَتِه. فقام النَّبىُّ ﷺ فاسْتَمَعَ قِرَاءَتَه، ثم قال: "هذَا سَالِمٌ مَوْلَى أبى حُذَيْفَةَ، الحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى جَعَلَ فىِ أُمَّتِى مِثْلَ هذَا (٦٥) ". وقال النَّبِىُّ ﷺ لأبي موسى: "إنِّى مَرَرْتُ بِكَ البَارِحَةَ وأَنتَ تَقْرَأُ، فَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ". فقال أبو موسى: لو أَعْلَمُ أنَّك تَسْتَمِعُ لَحَبَّرْتُه لك تَحْبِيرًا (٦٦). مع ما ذَكَرْنَا مِن الأخْبارِ، واللهُ أعْلمُ.
стр. 1122
المغْني
لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة
المقْدسيّ الجَمَّاعِيليّ الدِّمَشْقيّ الصَّالحِيّ الحَنْبَلِيّ
٥٤١ - ٦٢٠ هـ
تحقيق
الدكتور
عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي
الدكتور
عبد الفتاح محمد الحلو
الجزء الثالث
دَار عَالَم الكُتبُ
للطباعة والنشر والتوزيع
الرياض
стр. 1123
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1124
المغْني
стр. 1125
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م
الطبعة الثانية
١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م
الطبعة الثالثة
١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م
مصححة، منقحة
دَار عَالَم الكُتب
للطباعة والنشر والتوزيع
العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢
ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦
المملكة العربية السعودية
стр. 1126
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بابُ الإِمَامةِ
الجَماعةُ وَاجِبَةٌ للصَّلواتِ الخَمْسِ، يُرْوَى (١) نحوُ ذلك عن ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبى مُوسى. وبه قال عَطاءٌ، والأوْزَاعِىُّ، [وأبو ثَوْرٍ] (٢). ولم يُوجِبْها مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ على صَلَاةِ الفَذِّ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً". مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُنْكِرْ على اللَّذَيْنِ قالا: صَلَّيْنَا في رِحَالِنا (٤). ولو كانت وَاجِبَةً لأنْكَرَ عليْهما، ولأنَّها لو كانتْ وَاجِبَةً في الصلاةِ لكانتْ شَرْطًا لها كالجُمُعَةِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٥). الآية، ولو لم تَكُن وَاجِبَةً لَرَخَّصَ فيها حَالَةَ الخَوْفِ، ولم يُجِز الإِخْلَالَ بوَاجِباتِ الصَّلَاةِ من أجْلِها. ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "والَّذِى نَفْسِى بِيَدِه لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِحَطَبٍ لِيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بالصُّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا؛ ثم آمُرَ رَجُلًا فيَؤُمَّ النَّاسَ، ثم أخَالِفَ إلى رِجَالٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُم". مُتَّفَقٌ عليه (٦). وفيه ما يَدُلُّ
стр. 1127
على أنَّه أرَادَ الجماعةَ؛ لأنَّه لو أرَادَ الجُمُعَةَ لَما هَمَّ بالتَّخَلُّفِ عنها. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: أتَى النبيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فقال: يا رسولَ اللهِ، ليس لي قائِدٌ يَقُودُنِى إلى المَسْجِدِ فسَأَلَه أن يُرَخِّصَ له أن يُصَلِّىَ في بَيْتِه، فَرَخَّصَ له، فلما وَلَّى دَعَاهُ، فقال: "تَسْمَعُ النِّدَاءَ بالصَّلَاةِ؟ " قال: نَعَم. قال: "فَأَجِبْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). وإذا لَمْ يُرَخَّصْ لِلأعْمَى الذي [لَا يَجِدُ قَائِدًا له] (٨)، فغَيْرُه أوْلَى. وعن ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَمِعَ المُنَادِى فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ" قالوا: وما العُذْرُ؟ قال: "خَوْفٌ، أو مَرَضٌ، لم تُقْبَلْ منه الصَّلَاةُ الَّتِى صَلَّى". أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (٩). ورَوَى أبو الدَّرْدَاءِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال: "مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ في قَرْيَةٍ، أو بَلَدٍ، لا تُقامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إلَّا، اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالجَمَاعَةِ، فَإنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ القَاصِيَةَ". أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (١٠). وحَدِيثُهم يَدُلُّ على أنَّ الجَمَاعَةَ غيرُ مُشْتَرَطَةٍ، ولا نِزَاعَ بَيْنَنَا فيه، ولا يَلْزَمُ من الوُجُوبِ الاشْتِرَاطُ، كوَاجِبَاتِ الحَجِّ، والإِحْدَادِ في العِدَّةِ.
فصل: ولَيْستِ الجماعةُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ نَصَّ عليه أحمدُ. وخَرَّجَ ابنُ
стр. 1128
عَقِيلٍ وَجْهًا في اشْتِرَاطِها، قِيَاسًا على سَائِرِ وَاجِباتِ الصَّلَاةِ. وهذا ليس بصَحِيحٍ؛ بِدَلِيلِ الحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ احْتَجُّوا بهما والإِجْماعِ، فإنَّنا لا نَعْلَمُ قَائِلًا بوُجُوبِ الإِعَادَةِ على مَنْ صَلَّى وَحْدَه، إلَّا أنَّه رُوِىَ عن جَمَاعَةٍ من الصَّحابَةِ، منهم ابنُ مَسْعُودٍ، وأبو موسى، أنَّهم قالُوا: من سَمِعَ النِّدَاءَ وتَخلَّف (١١) مِن غير عُذْرٍ، فلا صلَاة له.
فصل: وتَنْعَقِدُ الجماعة بِاثْنَيْنِ فصَاعِدًا. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، وقد رَوَى أبو مُوسى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الاثْنَانِ فما فَوْقَهُما جَمَاعَةٌ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (١٢). وقال النَّبِىُّ ﷺ لمالِكِ بن الحُوَيْرِثِ وصَاحِبِه: "إذا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّن أحَدُكُما، وليَؤُمَّكُما أكْبَرُكُما" (١٣). وأَمَّ النبيُّ ﷺ حُذَيْفَةَ مَرَّةً، وابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّةً (١٤)، وَابْنَ عَبَّاسٍ مَرَّةً (١٥).
стр. 1129
ولو أَمَّ الرَّجُلُ عَبْدَه أو زَوْجَتَه أدْرَكَ فَضِيلَةَ الجَمَاعَةِ، وإن أَمَّ صبِيًّا جَازَ في التَّطَوُّعِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَّ فيه ابْنَ عَبَّاسٍ وهو صَبِىٌّ. وإن أَمَّهُ في الفَرْضِ، فقال أحمدُ: لا تَنْعَقِدُ به الجَمَاعَةُ؛ لأنَّه لا يَصْلُحُ أن يَكُونَ إمَامًا؛ لِنَقْصِ حَالِه، فَأَشْبَهَ مَنْ لا تَصِحُّ صَلَاتُه. وقال أبو الحسنِ الآمِدِىُّ: فيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَصِحُّ [أنْ يَكونَ إمَامًا] (١٦)؛ لأنَّه مُتَنَفِّلٌ، فَجَازَ أن يكونَ مَأْمُومًا بالمُفْتَرِضِ، كالبالِغِ، ولذلك قال النَّبِىُّ ﷺ في الرَّجُلِ الذي فاتَتْهُ الجَمَاعَةُ: "منَ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّى مَعَهُ" (١٧).
فصل: ويَجُوزُ فِعْلُها في البَيْتِ والصَّحْرَاءِ، وقِيلَ فيه رِوَايَةٌ أُخْرَى: إن حُضورَ المَسْجِدِ واجِبٌ إذا كان قَرِيبًا منه؛ لأنَّه رُوِىَ (١٨) عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا صَلاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا في المَسْجِدِ" (١٩) ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِى: جُعِلَتْ لي الأَرْضُ طَيِّبةً وطَهُورًا ومَسْجِدًا، فأَيُّما رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حيثُ كانَ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٠). وقالت عائشةُ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَيْتهِ، وهو شَاكٍ (٢١) فصَلَّى جَالِسًا، وصَلَّى وَرَاءَه قَوْمٌ قِيَامًا، فأَشَارَ إليهم أن اجْلِسُوا. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٢٢)، وقال النَّبِىُّ ﷺ لِرَجُلَيْنِ:
стр. 1130
"إذا صَلَّيْتُما في رِحَالِكُما، ثم أَدْرَكْتُمَا الجَمَاعَةَ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، تَكُنْ لَكُما نَافِلَةً" (٢٣). وقولُه: "لَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا فِى المَسْجِدِ" لا نَعْرِفُه إلَّا من قَوْلِ عليٍّ نَفْسِه، كذلك رَوَاهُ سَعِيدٌ في "سُنَنِه"، والظَّاهِرُ أنَّه إنَّما أرَادَ الجَمَاعَةَ؛ وعَبَّرَ بالمَسْجِدِ عن الجماعةِ لأنَّه مَحَلُّهَا، ومَعْنَاهُ لا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا مع الجماعةِ. وقِيلَ: أرَادَ به الكَمالَ [والفَضِيلَةَ] (٢٤)، فإنَّ الأخْبَارَ الصَّحِيحةَ دَالَّةٌ على أن الصَّلاةَ في غيرِ المَسْجِدِ صَحِيحةٌ جَائِزَةٌ.
فصل: وفِعْلَ الصَّلَاةِ فيما كَثُرَ فيه الجَمْعُ من المَساجدِ أفْضَلُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَه، وصَلَاتُه مَعَ الرَّجُلَيْنِ أزْكَى مِنْ صَلَاتِه مَعَ الرَّجُلِ؛ ومَا كَانَ أَكْثَرَ، فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللهِ تَعَالَى". رَوَاهُ أحمدُ في "المُسْنَدِ" (٢٥)، فإن تَساوَيَا في الجماعةِ ففِعْلُها في المَسْجِدِ العَتِيقِ أَفْضَلُ؛ لأن العِبادةَ فيه أكْثَرُ. وإن كان في جِوارِه أو غير جِوَارِه مَسْجِدٌ لا تَنْعَقِدُ الجَمَاعَةُ فيه إلَّا بحُضُورِه، ففِعْلُها فيه أوْلَى؛ لأنَّه يَعْمُرُه بإقامةِ الجماعةِ فيه، ويُحَصِّلُها لمن يُصَلِّى فيه. وإنْ كانت تُقَامُ فيه، وكان في قَصْدِه غيرَه كَسْرُ قَلْبِ إمَامِه أو جَمَاعَتِه، فجَبْرُ قُلُوبِهم أوْلَى. وإنْ لم يَكُنْ كذلك فهل الأفْضَلُ قَصْدُ
стр. 1131
الأبْعَدِ أو الأقْرَبِ؟ فيه رِوَايتانِ: إحْدَاهما قَصْدُ الأبْعَدِ؛ لِتَكْثُرَ خُطَاهُ في طَلَبِ الثَّوَابِ [فَتَكُون حَسناتُه أكْثَرَ] (٢٦). والثانية، الأقْرَب؛ لأنَّ له جِوَارًا، فكان أَحَقَّ بصلاتِه كما أنَّ الجَارَ أَحَقُّ بِهَدِيَّةِ جَارِه ومَعْرُوفِه من البَعِيدِ. وإنْ كان البَلَدُ ثَغْرًا، فالأفْضَلُ اجْتِمَاعُ النَّاسِ في مَسْجِدٍ واحدٍ ليَكُونَ أعْلَى للكَلِمَةِ، وأوْقَعَ لِلْهَيْبَةِ، وإذا جاءهُم خَبَرٌ عن عَدُوِّهِمْ سَمِعَهُ جَمِيعُهم، وإن أرَادُوا التَّشَاوُرَ في أمْرٍ حَضَرَهُ (٢٧) جَمِيعُهم، وإنْ جاءَ عَيْنٌ لِلكُفَّارِ (٢٨) رَآهُم فأخْبَرَ بِكَثْرَتِهِم. قال الأوْزَاعِىُّ: لو كان الأَمْرُ إلَىَّ لَسَمَّرْتُ أبْوَابَ المَسَاجِدِ التي في الثُّغُورِ (٢٩). أو نحو هذا. لِيَجْتَمِعَ النّاسُ في مَسْجِدٍ واحِدٍ.
فصل: ولا يُكْرَهُ إعادةُ الجماعةِ في المسجِدِ، ومعناه أنَّه إذا صَلَّى إمامُ الحَىِّ، وحَضَرَ جمَاعةٌ أُخْرَى، اسْتُحِبَّ لهم أنَ يُصَلُّوا جَمَاعَةً، وهذا (٣٠) قولُ ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وقَتَادَةَ، وإسحاقَ. وقال سَالِمٌ، وأبو قِلَابَةَ، وأيُّوبُ، وابنُ عَوْنٍ، واللَّيْثُ، والبَتِّىُّ (٣١)، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ: لا تُعَادُ الجَمَاعَةُ في مَسْجِدٍ له إمامٌ رَاتِبٌ، في غير مَمَرِّ النَّاسِ. فمَن فاتَتْهُ الجَمَاعَةُ، صَلَّى مُنْفَرِدًا؛ لئلا يُفْضِى إلى اخْتِلَافِ القُلُوبِ والعَدَاوَةِ والتَّهاوُنِ في الصَّلَاةِ مع الإِمامِ، ولأنَّه مَسْجِدٌ له إمامٌ رَاتِبٌ، فَكُرِهَ فيه إعادةُ الجمَاعةِ، كمسجدِ النَّبِيِّ ﷺ . ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﷺ : "صَلَاةُ
стр. 1132
الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الفَذِّ بِخَمْسِ وعِشْرِينَ دَرَجَةً (٣٢). وفي رِوَايَةٍ: "بسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً". ورَوَى أبو سَعِيد قال: جاءَ رَجُلٌ، وقد صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ قال: "أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا؟ " فَقامَ رَجُلٌ، فَصَلَّى معه (٣٣) قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَاه الأثْرَمُ، وأبو دَاوُدَ، فقال: "ألَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّى مَعَهُ". ورَوَى الأثْرَمُ (٣٤)، بإسْنَادِهِ عن أبي أُمَامَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وزَادَ: قال: فَلَمَّا صَلَّيَا، قال: "وهَذَانِ جَمَاعَةٌ". ولأنَّه قادِرٌ على الجَمَاعَةِ، فاسْتُحِبَّ له فِعْلُها، كما لو كان المَسْجِدُ في مَمَرِّ النَّاسِ.
فصل: فأمَّا إعَادَةُ الجَمَاعَةِ في المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، والمَسْجِدِ الأقْصَى، فقد رُوِىَ عن أحمدَ كَرَاهَةُ إعادَةِ الجماعةِ فيها. وذَكَرَه أصْحَابُنا، لئلَّا يَتَوَانَى النَّاسُ في حُضُورِ الجَمَاعَةِ مع الإِمامِ الرَّاتِبِ فيها إذا أَمْكَنَتْهُم الصَّلَاةُ في الجَمَاعَةِ مع غيرِه. وظَاهِرُ خَبَرِ أبى سَعِيدٍ وأبى أُمَامَةَ، أنَّ ذلك لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ هذا كان في مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، والمَعْنَى يَقْتَضِيه أيضًا، فإنَّ فَضِيلَةَ الجَمَاعَةِ تَحْصُلُ فيها، كَحُصُولِها في غَيرِها.
٢٤٨ - مسألة؛ قال: (ويَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى)
لا خِلَافَ في التَّقْدِيمِ بالقِرَاءَةِ والفِقْه على غَيرِهما. واخْتُلِفَ في أيِّهما يُقَدَّمُ على صاحِبِه؟ فَمذْهَبُ أحمدَ، ﵀، تَقدِيمُ القَارِىء. وبهذا قال ابنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ (١)، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال عَطَاءٌ، ومالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ: يَؤُمُّهُم أَفْقَهُهم إذا كان يَقْرأُ ما يَكْفِى في الصَّلَاةِ؛ لأنَّه قد
стр. 1133
يَنُوبُه في الصَّلَاةِ ما لا يَدْرِى ما يَفْعَلُ فيه إلَّا بالفِقْهِ (٢)، فيَكُونُ أَوْلَى، كالإِمَامةِ الكُبْرَى والحُكْمِ. ولَنا، ما رَوَى أَوْسُ بن ضَمْعَجٍ، عن أبي مَسْعُودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُم لِكِتَابِ اللهِ، فَإنْ كَانُوا فِى الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُم بالسُّنَّةِ، فَإنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً فأَقْدَمُهُم هِجْرَةً، فَإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَوَاءً فأَقْدَمُهُم سِنًّا". أو قال: "سِلْمًا" (٣). ورَوَى أبو سَعِيدٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ فَلْيَؤُمَّهُم أَحَدُهُمْ، وأَحَقُّهُمْ بالإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ". رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٤). وعن ابنِ عمرَ، قال: لمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العَصْبَةَ (٥)، موضع بقُبَاءَ، كان يَؤُمُّهُم سَالِمٌ مَوْلَى أبى حُذَيْفَةَ، وكان أكْثَرَهم قُرْآنًا. رَوَاه البُخَارِىُّ، وأبو دَاوُدَ (٦). وكان فيهم عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وأبو سلمةَ بن عبدِ الأسدِ. وفي حَدِيثِ عمرِو (٧) بن سَلَمَةَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا" (٨). ولأنَّ
стр. 1134
القِرَاءَةَ رُكْنٌ في الصَّلَاةِ فكان القادِرُ عليها أَوْلَى، كالقَادِرِ على القِيَامِ مع العَاجِزِ عنه. فإن قيل: إنَّما أَمَر النَّبِىُّ ﷺ بِتَقْدِيمِ القارِئ لأنَّ الصَّحابةَ (٩) كان أَقْرؤُهم أَفْقهَهُمْ، فإنَّهم كانوا إذا تَعَلَّمُوا القُرْآنَ تَعلَّمُوا معه أحْكَامَهُ، قال ابنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا لا نُجَاوِزُ عَشْرَ آياتٍ حتى نَعْرِفَ أَمْرَها، ونَهْيَها، وأحْكَامَها. قلنا: اللَّفْظُ عامٌّ فيجبُ الأَخْذُ بِعُمُومِه دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ، ولا يُخَصُّ ما لم يَقُمْ دَلِيلُ (١٠) تَخْصِيصِه، علَى أنَّ في الحَدِيثِ ما يُبْطِلُ هذا التَّأْوِيلَ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "فَإنِ اسْتَوَوْا فأَعْلَمُهُمْ بالسُّنَّةِ". ففاضَلَ بينهم في العِلْمِ بالسُّنَّةِ مع تَسَاوِيهِمْ في القِرَاءةِ، ولو قدَّم القارئَ لِزِيَادَةِ عِلْمِه (١١) لَما نقَلهم عندَ التَّسَاوِى فيه إلى الأعْلَمِ بالسُّنَّةِ، ولو كان العِلْمُ بالفِقْهِ على قَدْرِ القِرَاءَةِ لَلَزِمَ من التِّسَاوِى في القِرَاءَةِ التَّسَاوِى فيه، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "أَقْرَؤُكُمْ أُبَىٌّ، وأَقْضَاكُمْ عَلِىٌّ، وأَعْلَمُكُمْ بالحَلَالِ والحَرَامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وأَفْرَضُكُم زَيْدُ بنُ ثابِتٍ" (١٢). فقد فَضَّلَ بالفِقْه مَن هو مَفْضُولٌ بالقِرَاءةِ، وفَضَّل بالقِرَاءةِ من هو مَفْضُولٌ بالقَضَاءِ والفَرَائِضِ وعِلْمِ الحَلالِ
стр. 1135
والحَرامِ. قيل لأبي عبدِ اللهِ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : "مُرُوا أبَا بَكْرٍ يُصَلِّى (١٣) بالنَّاسِ". أهو خِلَافُ حَدِيثِ أبى مَسْعُودٍ؟ قال: لا، إنما قَولُه لأبِى بكْرٍ - عندى - "يُصَلِّى بالنَّاسِ" لِلْخِلافَةِ، يعني أن الخَلِيفَةَ أحَقُّ بالإِمامَةِ، وإن كان غيرُه أقْرأَ منه، فأَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ أبا بكرٍ بالصَّلَاةِ يَدُلُّ على أنَّه أرَادَ اسْتِخْلافَهُ.
فصل: ويُرَجَّحُ أحَدُ القَارِئَيْنِ على الآخَرِ بِكَثْرَةِ القُرْآنِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا". وإن تَسَاوَيا في قَدْرِ ما يَحْفَظ كلُّ واحِدٍ منهما، وكان أحَدُهُما أجْوَدَ قِرَاءَةً وإعْرَابًا فهو أوْلَى؛ لأنَّه أقْرأُ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِه: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ". وإنْ كان أحَدُهما أكْثَرَ حِفْظًا، والآخَرُ أقَلَّ لَحْنًا وأجْوَدَ قِرَاءَةً، فهو أوْلَى؛ لأنَّه أعْظَمُ أجْرًا في قِرَاءَتِه؛ لقولِه ﷺ : "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، ومَنْ قَرَأهُ ولَحَنَ فِيهِ فَلَهُ بكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (١٤)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٤٩ - مسألة؛ قال: (فَإنِ اسْتَوَوْا فَأفْقَهُهُمْ)
وذلك لِقَوْلِ رَسولِ اللهِ ﷺ : "فَإنْ كانُوا فِى القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأعْلَمُهُمْ بالسُّنَّةِ"، ولأن الفِقْهَ يُحْتَاجُ إليه في الصَّلَاةِ لِلإِتْيَانِ بوَاجِبَاتِها وسُنَنِها، وجَبْرِها إن عَرَضَ ما يُحْوِجُ إليه فيها، فإن اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ قارِئَانِ، وأَحَدُهما أقْرأُ، والآخَرُ
стр. 1136
أفْقَهُ، قُدِّمَ الأقْرَأُ. نَصَّ عليه لِلْخَبَرِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: الأفْقَهُ أوْلَى؛ لِتَمَيُّزِهِ بما لا يُسْتَغْنَى عنه في الصَّلَاةِ. وهذا يُخَالِفُ عُمُومَ الخَبَرِ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وإن اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ، أحَدُهما أعْلَمُ بأحْكَامِ الصَّلَاةِ، والآخَرُ أَعْرَفُ بما سِوَاها، فالأعْلَمُ بأحْكَامِ الصلاةِ أوْلَى؛ لأنَّ عِلْمَهُ يُؤَثَّرُ في تَكْمِيلِ الصلاةِ بِخِلَافِ الآخَرِ.
٢٥٠ - مسألة؛ قال: (فإن اسْتَوَوْا فَأَسَنُّهُمْ)
يَعْنِى أكْبَرُهم سِنًّا، يُقَدَّمُ عند اسْتِوَائِهِمْ في القِرَاءَةِ والْفِقْهِ. وظَاهِرُ قَوْلِ أحمدَ، أنَّه يُقَدَّمُ أَقْدَمُهما هِجْرَةً، ثم أسَنُّهُما؛ لأنَّه ذَهَبَ إلى حَدِيثِ أبى مَسْعُودٍ، وهو مُرَتَّبٌ هكَذا. قال الخَطَّابِىُّ (١): وعلى هذا التَّرْتِيبِ تُوجَدُ أكْثَرُ أَقَاوِيل العُلَمَاءِ. ومعنى تَقْديمِ (٢) الهِجْرةِ أنْ يكونَ أحَدُهُما أسْبَقَ هِجْرَةً من دارِ الحَرْبِ إلى دَارِ الإِسْلَامِ، لأن الهِجْرَةَ قُرْبَةٌ وطَاعَةٌ، فقُدِّمَ (٣) السَّابِقُ إليها لِسَبْقِهِ إلى الطَّاعَةِ. فإذا اسْتَوَيَا فيها، إمَّا لِهِجْرَتِهِما معا، أو لعَدَمِها (٤) منهما، فأسَنُّهُم؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لمالِكِ بن الحُوَيْرِثِ وصاحِبِهِ: "ليَؤُمَّكُما أكْبَرُكُما". مُتَّفَقٌ عليه (٥). ولأنَّ السِّنَّ (٦) أَحَقُّ بالتَّوْقِيرِ والتَّقْدِيِم. وكذلك قال النَّبِىُّ ﷺ لعَبدِ الرحمنِ بن سَهْلٍ، لمَّا تَكَلَّمَ في أخيه: "كَبِّرْ كَبِّرْ" (٧). أي دَع
стр. 1137
الأكْبَرَ يَتَكَلَّم. وقال أبُو عبدِ اللهِ بن حامِدٍ: أَحَقُّهُم بعد القِرَاءةِ والفِقْهِ أشْرَفُهُم، ثم أقْدَمُهم هِجْرَةً، ثم أسَنُّهُم. والصَّحِيحُ، الأخْذُ بما دَلَّ عليه حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ في تَقدِيمِ السَّابِقِ بالهِجْرَةِ، ثم الأَسَنِّ؛ لِتَصْرِيحِهِ بالدَّلَالَةِ، ولا دَلَالَة في حَدِيثِ مالِكِ بن الحُوَيْرِثِ على تَقْدِيم الأَسَنِّ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ في حَقِّهِما هِجْرَةٌ ولا تَفَاضُلُهما في شَرَفٍ، ويُرَجَّحُ بتقدُّمِ (٨) الإِسْلامِ كَالتَّرْجِيحِ بتقدُّمِ (٨) الهِجْرَةِ، فإنَّ في بعضِ ألْفَاظِ حَدِيثِ أبى مَسْعُودٍ: "فإن كانوا في الهِجْرَةِ سَوَاءً فأقْدَمُهُم سِلْمًا" ولأنَّ الإِسْلامَ أشْرَفُ من الهِجْرَةِ، فإذا قُدِّمَ بِتَقَدُّمِها فتَقَدُّمُه أوْلَى. فإذا اسْتَوَوْا في هذا كُلِّه قُدِّمَ أَشْرَفُهُم، أي أعْلَاهُمْ نَسَبًا، وأفْضَلُهم في نَفْسِه، وأعْلَاهم قَدْرًا؛ لِقَوْلِ رَسولِ اللهِ ﷺ : "قَدِّمُوا قُرَيشًا ولا تَقَدَّمُوهَا" (٩).
فصل: فإن اسْتَوَوْا في هذه الخِصَالِ، قُدِّمَ أتْقاهُم وأوْرَعُهم؛ لأنَّه أشْرَفُ في الدِّينِ، وأَفْضَلُ وأَقْرَبُ إلى الإِجابَةِ، وقد جاء: "إذَا أَمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَزَالُوا في سَفَالٍ". ذَكَرَهُ الإِمامُ أحْمدُ في "رِسَالَتِه" (١٠) , ويُحْمَلُ تقديمُ هذا على الأشْرَف، لأنَّ شَرَفَ الدِّينِ خَيْرٌ من شَرَفِ الدُّنْيَا، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١١). فإذا اسْتَوَوْا في هذا كُلِّه أُقْرِعَ بَيْنَهم. نَصَّ عليه أحْمدُ، ﵀. وذلك لأنَّ سَعْدَ بن أبِى وَقَّاصٍ أَقْرَعَ بينهم في الأذانِ، فالإِمامةُ أوْلَى، ولأنَّهم تَسَاوَوْا في الاسْتِحْقَاقِ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ، فأُقْرِعَ
стр. 1138
بينهم كَسَائِرِ الحُقُوقِ. وإن كان أحَدُهُما يَقُومُ بعمَارةِ المَسْجِدِ وتَعَاهُدِه فهو أَحَقُّ به، وكذلك إنْ رَضِىَ الجِيرَانُ أحَدَهما دُونَ الآخَرِ، قُدِّمَ بذلك. ولا يُقَدَّمُ بِحُسْنِ الوَجْهِ؛ لأنَّه لا مَدْخَلَ له في الإِمَامةِ، ولا أَثرَ له فيها، وهذا كلُّه تَقْدِيمُ اسْتِحْبَابٍ، لا تَقْدِيمُ اشْتِرَاطٍ، ولا إيجَابٍ، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، فلو قُدِّمَ المَفْضُولُ كان ذلك جائِزًا؛ لأنَّ الأمْرَ بهذا (١٢) أمْرُ أدَبٍ واسْتِحْبَابٍ.
٢٥١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَةٍ، أو يَسْكَرُ، أعَادَ)
الإِعْلانُ الإِظْهارُ، وهو ضِدُّ الإِسْرَارِ. فَظَاهِرُ هذا أنَّ مَن ائْتمَّ بمن يُظْهِرُ بِدْعَتَه، ويَتَكَلَّمُ بها، ويَدْعُو إليها، أو يُنَاظِرُ عليها، فَعليه الإِعادَةُ. ومن لم يُظْهِرْ بِدْعَتَه، فلا إعادةَ على المُؤْتَمِّ به، وإن كان مُعْتَقِدًا لها. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبِى عَبدِ اللهِ: الرَّافِضَةُ الَّذينَ يَتَكَلَّمُونَ بما تَعْرِف؟ فقال: نعم، آمُرُه أَن يُعِيدَ. قيل لأبي عَبدِ اللَّه: وهكذا أهْلُ البِدعِ كُلُّهم؟ قال: لا، إنَّ منهم من يَسْكُتُ، ومنهم مَن يَقِفُ ولا يَتَكَلَّمُ. وقال: لا تُصَلِّ خَلْفَ أحَدٍ من أهل الأهْوَاءِ، إذا كان دَاعِيةً إلى هَوَاهُ. وقال: لا تُصَلِّ خَلْفَ المُرْجِئِ إذا كان دَاعِيَةً. وتَخْصِيصُه الدَّاعِيَةَ، ومن يَتَكَلَّمُ بالإِعَادَةِ، دون من يَقِفُ ولا يَتَكَلَّمُ، يَدُلُّ على ما قُلْنَاهُ. وقال القاضي: المُعْلِنُ بالبِدْعَةِ من يَعْتَقِدُهَا بِدَلِيلٍ، وغيرُ المُعْلِن من يَعْتَقِدُها تَقْلِيدًا. ولَنا، أنَّ حَقِيقَةَ الإِعْلانِ هو الإِظْهارُ، وهو ضِدُّ الإخْفَاءِ والإِسْرَارِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (١) وقال تَعَالَى مُخْبِرًا عن إبْراهيمَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ (٢) ولأنَّ المُظْهِرَ لِبِدْعَتِه لا عُذْرَ لِلْمُصَلِّى خَلْفَه؛ لِظُهُورِ
стр. 1139
حالِه، والمُخْفِى لها مَن يُصَلِّى خَلْفَه مَعْذُورٌ، وهذا له أثرٌ في صِحَّةِ الصَّلَاةِ، ولهذا لم تَجِب الإِعَادَةُ خَلْفَ المُحْدِثِ والنَّجِسِ إذا لم يُعْلَمْ حَالُهُما؛ لِخَفاءِ ذلك مِنْهُما. وَوَجَبَتْ على المُصَلِّى خَلْفَ الكافِرِ والأُمِّىِّ؛ لِظُهُورِ حالِهما غالِبًا. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه لا يُصَلِّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ بِحَالٍ. قال، في رِوَايَةِ أبى الحَارِثِ: لا يُصَلِّى خَلْفَ مُرْجِىءٍ ولا رَافِضىٍّ، ولا فاسِقٍ، إلَّا أن يَخَافَهُم فَيُصَلِّى، ثم يُعِيدُ. وقال أبو دَاوُدَ، قال أحمدُ: متى ما صَلَّيْتَ خَلْفَ من يَقُولُ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ. فأَعِدْ. قلتُ: وتَعْرِفُه. قال: نعم. وعن مالِكٍ، أنَّه لا يُصَلِّى خَلْفَ أهْلِ البِدَعِ. فحَصَلَ مِن هذا أنَّ مَن صَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ مُعْلِنٍ بِبِدْعَتِه، فعليه الإِعادةُ. ومن لم يُعْلِنْها ففِى الإِعَادَةِ خَلْفَه رِوَايتانِ. وأبَاحَ الحسنُ، وأبو جعفرٍ، والشَّافِعِىُّ الصلَاةَ خَلْفَ أهْلِ البِدَعِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلهَ إلَّا اللهُ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٣). ولأنَّه رَجُلٌ صلاتُه صَحِيحَةٌ، فَصَحَّ الائْتِمَامُ به كغَيْرِه. وقال نافِعٌ: كان ابنُ عُمرَ يُصَلِّى مع الخَشَبِيَّةِ (٤) والخَوَارِجِ زَمَنَ ابنِ الزُّبَيْرِ، وهم يَقْتَتِلُونَ. فقِيلَ له: أتُصَلِّى مع هؤلاءِ، ومع هؤلاءِ، وبَعْضُهم يَقْتُلُ بعْضًا؟ فقال: مَن قال: حَىَّ علَى الصَّلَاةِ. أَجَبْتُه، ومَن قال: حَىَّ على الفَلَاحِ. أجَبْتُه، ومَن قال: حَىَّ على قَتْلِ أَخِيكَ المُسْلِم، وأَخْذِ مَالِه. قلتُ: لا. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وقال ابنُ المُنْذِرِ، وبعضُ الشَّافِعِيَّةِ: من نُكَفِّرُهُ بِبِدْعَتِه كالذى [يَكْذِبُ على اللَّه أو رسولِهِ] (٥) بِبِدْعَتِه، لا نُصَلِّى خَلْفَه، ومن لا نُكَفِّرهُ
стр. 1140
تَصِحُّ الصَّلاةُ خَلْفَهُ. ولنا: ما رَوَى جابِرٌ، قال: "سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ على مِنْبَرِه يقولُ: "لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، ولَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ، أو يَخَافَ سَوْطَهُ أو سَيْفَهُ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٦)، وهذا أخَصُّ مِن حَدِيثِهِم، فتَعَيَّنَ تَقْدِيمُه، وحَدِيثُهُم نَقُولُ به في الجُمَعِ والأعْيادِ (٧)، وهو مُطْلَقٌ، فالعَمَلُ به في مَوْضِعٍ يَحْصُلُ الوفاءُ بدلالتِه (٨)، وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بالخُنْثَى والأُمِّىِّ. ويُرْوَى عن حَبِيبِ بنِ عمرَ الأنْصَارِىّ، عن أبِيهِ، قال: سألْتُ وَاثِلَةَ بنَ الأَسْقَعِ، قلتُ: أُصَلِّى خَلْفَ القَدَرِىِّ؟ قال: لا تُصَلِّ خَلْفَه. ثم قال: أمَّا أنا لو صَلَّيْتُ خَلْفَه لأعَدْتُ صَلَاتِى. رَوَاهُ الأثْرَمُ. وأمَّا قولُ الْخِرَقِىِّ: "أو يَسْكَرُ". فإنَّه يَعْنِى مَن يَشْرَبُ ما يُسْكِرُه مِن أىِّ شَرَابٍ كان، فإنَّه لا يُصَلِّى خَلْفَه لِفِسْقِه. وإنما خَصَّهُ بالذِّكْرِ، فيما يُرَىَ من بينِ (٩) سَائِرِ الفُسَّاقِ، لِنَصِّ أحمدَ عليه. قال أبو دَاوُدَ (١٠): سألْتُ (١١) أحْمدَ، وقيل له: إذا كان الإِمامُ يَسْكَرُ؟ قال: لا تُصَلِّ خَلْفَه ألْبَتَّةَ. وسَأَلَهُ رَجُلٌ، قال: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَجُلٍ، ثم عَلِمْتُ أنَّه يَسْكَرُ، أُعِيدُ؟ قال: نعم، أَعِدْ. قال: أيَّتُهما صَلَاتِى؟ قال: التي صَلَّيْتَ وَحْدَكَ. وسَأَلهُ رَجُلٌ. قال: رَأَيْتُ رَجُلًا سَكْرَانَ، أُصَلِّى خَلْفَهُ؟ قال: لا. قال: فأُصَلِّى وَحْدِى؟ قال: أين أَنْتَ؟ في البادِيَةِ؟ المساجِدُ كَثِيرَةٌ. قال: أنا في حَانُوتِى. قال: تَخَطَّاهُ إلى غَيْرِه من المساجِدِ. فأمَّا مَن يَشْرَبُ مِن النَّبِيذِ
стр. 1141
المُخْتَلَفِ فيه ما لا يُسْكِرُه، مُعْتَقِدًا حِلَّهُ، فلا يَأْسَ بالصَّلاةِ خَلْفَه. نَصَّ عليه أحْمدُ (١٢). فقال: يُصلِّى خَلْفَ من يَشْرَبُ المُسْكِرَ على التَّأْوِيلِ، نحن نَرْوِى عنهم الحَدِيثَ، ولا نُصَلِّى خَلْفَ من يَسْكَرُ. وكلام الْخِرَقِىِّ بِمَفْهُومِه يَدُلُّ على ذلك؛ لِتَخْصِيصِه مَن سَكِرَ بالإِعادَةِ خَلْفَهُ. وفي مَعْنَى شَارِبِ ما يُسْكِرُهُ (١٣) كُلُّ فاسِقٍ، فلا يُصَلِّى خَلْفَه. نَصَّ عليه أحمدُ. فقال: لا تُصَلِّ خَلْفَ فاجرٍ ولا فاسِقٍ. وقال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحْمدَ، ﵀، سُئِلَ عن إمامٍ، قال: أُصَلِّى بكم رمضانَ بكذا وكذا دِرْهَمًا. قال: أسْألُ اللهَ العَافِيَةَ، من يُصَلِّى خَلْفَ هذا؟ وَرُوِىَ عنه أنَّه قال: لا تُصَلِّ خَلْفَ من لا يُؤَدِّى الزَّكاةَ، ولا تُصَلِّ خَلْفَ مَن يُشَارِطُ، ولا بَأْسَ أن يَدْفَعُوا إليه من غيرِ شَرْطٍ. وهذه النُّصُوصُ تَدُلُّ على أنَّه لا يُصَلِّى خَلْفَ فاسِقٍ. وعنه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ الصَّلاةَ خلفَه (١٤) جائِزَةٌ، ذَكَرَها أصْحابُنا. وهذا مَذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلُّوا خَلْفَ منْ قَالَ لَا إلهَ إلَّا اللهُ". وكان ابنُ عمرَ يُصَلِّى خَلْفَ الحَجَّاجِ، والحُسينُ والحسنُ، وغيرُهما من الصَّحَابةِ كانوا يُصَلُّونَ مع مَرْوَانَ. والَّذِين كانوا في وِلَايَةِ زِيَادٍ وابْنِه كانوا يُصَلُّونَ مَعَهُما. وصَلَّوْا وراءَ الوَليدِ بن عُقْبَةَ، وقد شَرِبَ الخَمْرَ وصَلَّى الصُّبْحَ أَرْبَعًا، وقال: أَزِيدُكم. فصَارَ هذا إجْمَاعًا. وَرُوِىَ عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رَسولُ اللهِ ﷺ : "كيفَ أنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِها؟ " قال: قلتُ: فما تَأْمُرُنِى؟ قال: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتها، فإنْ أدْرَكْتَهَا مَعَهم
стр. 1142
فَصَلِّ، فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٥). وفى لَفْظٍ: "فَإنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِها كَانَتْ لَكَ (١٦) نافِلَةً، وإلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ". وفى لَفْظٍ: "فإن أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَصَلِّ، ولَا تَقُلْ: إنِّي قَدْ صَلَّيْتُ، فَلَا أُصَلِّى". وفى لَفْظٍ: "فَإنَّهَا زِيادَةُ خَيْرٍ". وهذا فِعْلٌ يَقْتَضِى فِسْقَهُمْ، وقد أَمَرَهُ بالصَّلَاةِ مَعَهُم، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ (١٧) صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً" (١٨) عَامٌّ، فيَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ، ولأنَّه رَجُلٌ تَصِحُّ صَلاتُه لِنَفْسِهِ، فصَحَّ الائْتِمَامُ به كالعَدْلِ. ووَجْهُ الأُولَى قَولُه ﵇: "لا يَؤُمَّنَّ فاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أنْ يَقْهَرَهُ بسُلْطَانِهِ أوْ سَيْفِهِ" (١٩). ولأنَّ الإِمامةَ تَتَضَمَّنُ حَمْلَ القِرَاءَةِ، ولا يُؤْمَنُ تَرْكُه لها، ولا يُؤْمَنُ تَرْكُ بَعْضِ شَرَائِطِها كالطَّهَارَةِ، ولَيْس ثَمَّ أَمَارَةٌ ولا غَلَبَةُ ظَنٍّ يُؤَمِّنان ذلك. والحَدِيثُ أجَبْنَا عنه، وفِعْلُ الصَّحَابَةِ مَحْمُولٌ على أنَّهم خَافُوا الضَّرَرَ بِتَرْكِ الصلاةِ معهم، فقد رَوَيْنَا عن عَطَاءٍ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، أنَّهما كانا في المَسْجِدِ، والحَجَّاجُ يَخْطُبُ، فَصَلَّيَا بالإِيماءِ، وإنَّما فَعَلَا ذلك لِخَوْفِهِما على أنفُسِهما إن صَلَّيَا على وَجْهٍ يَعْلَمُ بهما. ورَوَيْنَاهُ عن قَسامَةَ بن زُهَيْرٍ. قال: لمَّا كان من شَأْنِ فُلَانٍ ما كان، قال له (٢٠) أبو
стр. 1143
بَكْرةَ (٢١): تنَحَّ عن مُصَلَّانَا، فإنَّا لا نُصَلِّى خَلْفَكَ. وحَدِيثُ أبى ذَرٍّ: يَدُلُّ على صِحَّتِها نافِلَةً، والنِّزَاعُ في الفَرْضِ.
فصل: فأمّا الجُمَعُ والأَعْيَادُ فإنَّها تُصَلَّى خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وفَاجِرٍ. وقد كان أحْمدُ يَشْهَدُها مع المُعْتَزِلَة، وكذلك العُلَمَاءُ الذينَ في عَصْرِهِ. وقد رَوَيْنَا أنَّ رَجُلًا جاءَ محمدَ بنَ النَّضْرِ (٢٢)، فقال له: إنَّ لي جِيرَانًا من أهْلِ الأهْوَاءِ، لا يَشْهَدُونَ الجُمُعَةَ. قال حَسْبُكَ، مَا تَقُولُ في مَن يرُدُّ (٢٣) على أبى بكرٍ وعمَرَ؟ قال: رَجُلُ سَوْءٍ. قال: فإن رَدَّ على النَّبِيِّ ﷺ ؟ قال: يَكْفُرُ. قال: فإن رَدَّ على العَلِىِّ الأعْلَى؟ ثم غُشِىَ عليه، ثم أفَاقَ، فقال: رُدُّوا عليه، والَّذِى لا إله إلّا هُو فإنَّهُ قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢٤) وهو يَعْلَمُ أنَّ بَنِى العَبَّاسِ سَيَلُونَها. ولأنَّ هذه الصَّلاةَ من شَعَائِرِ الإِسْلامِ الظَّاهِرَةِ؛ وتَلِيها الأئِمَّةُ دُونَ غَيرِهم، فَتَرْكُها خَلْفَهم يُفْضِي إلى تَرْكِها بالكُلِّيَّةِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّها تُعَادُ خَلْفَ مَن يُعَادُ خَلْفَه غيرُها. قال أحْمدُ: أمَّا الجُمُعَةُ فَيَنْبَغِى شُهُودُها، فإنْ كان الذي يُصَلِّى منهم أعادَ. وَرُوِىَ عنه أنَّه قال: مَن أعادَها فهو مُبْتَدِعٌ. وهذا يَدُلُّ بعُمُومِه على أنَّها لا تُعَادُ خَلْفَ فاسِقٍ ولا مُبْتَدِعٍ؛ لأنَّها صَلَاةٌ أُمِرَ بها، فلم تَجِبْ إعادَتُها كسائِرِ الصَّلَوَاتِ.
فصل: فإنْ كان المُبَاشِرُ لها عَدْلًا، والْمُوَلِّى له غيرَ مَرْضِىِّ الحَالِ لِبِدْعَتِه أو فِسْقِه، لم يُعِدْها. نَصَّ عليه. وقِيلَ له: إنَّهم يقُولُون إذا كان الذي وَضَعَه يقولُ
стр. 1144
بِقَوْلِهم فَسَدَتِ الصَّلَاةُ. قال: لستُ أقولُ بهذا. ولأنَّ صَلَاتَه (٢٥) إنَّما تَرْتَبِطُ بِصَلاةِ إمامِه، فلا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى في غيرِه، كالحَدَثِ أو كَوْنِه أُمِّيًّا. وعنه: تُعَادُ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
فصل: وإن لم يَعْلَمْ فِسْقَ إمامِهِ، ولا بِدْعَتَه، حتى صَلَّى معه، فإنَّه يُعِيدُ. نَصَّ عليه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا إعادةَ عليه؛ لأنَّ ذلك ممَّا يَخْفَى، فأشْبَهَ المُحْدِثَ والنَّجِسَ. والصَّحِيحُ أنَّ هذا يُنْظَرُ فيه، فإن كان مِمَّنْ يُخْفِى بِدْعَتَهُ وفُسُوقَه، صَحَّتِ الصلاةُ خَلْفَه، لما ذَكَرْنَا في أوَّل المَسْأَلَةِ، وإن كان مِمَّنْ يُظْهِرُ ذلك، وَجَبَتِ الإِعادةُ خَلْفَه، على الرِّوَايَةِ التي تَقولُ بِوُجُوبِ إعادَتِها خَلْفَ المُبْتَدِعِ؛ ولأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ الائْتِمامَ، فاسْتَوَى فيه العِلْمُ وعَدَمُه, كما لو كان أُمِّيًّا، والحَدَثُ والنَّجاسةُ يُشْتَرَطُ خَفَاؤُهُما على الإِمامِ والمَأْمُومِ معا، ولا يَخْفَى على الفَاسِقِ فِسْقُ نَفْسِه، ولأنَّ الإِعادةَ إنَّما تَجِبُ خَلْفَ مَن يُعْلِنُ بِبِدْعَتِه، وليْس ذلك في مَظِنَّةِ الخَفاءِ، بِخِلافِ الحَدَثِ والنَّجاسَةِ.
فصل: وإنْ لم يَعْلَمْ حالَهُ ولم يَظْهَرْ منه ما يَمْنَعُ الائْتِمَامَ به، فصلاةُ المَأْمُومِ صَحِيحَةٌ. نَصَّ عليه أحْمدُ؛ لأنَّ الأصْلَ في المُسْلمين السَّلَامةُ. ولو صَلَّى خَلْفَ من يَشُكُّ في إسْلامِه، فصلاتُه صَحِيحَةٌ؛ لأن الظَّاهِرَ أنَّه لا يَتَقَدَّمُ للإِمامةِ إلَّا مُسْلِمٌ.
فصل: فأمَّا المُخَالِفُونَ في الفُرُوعِ كأصْحابِ أبى حَنيفةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، فالصلاةُ خَلْفَهم صَحِيحَةٌ غيرُ مَكْرُوهَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الصَّحابةَ والتَّابِعِينَ، ومَن بَعْدَهم لم يَزَلْ بَعْضُهم يَأْتَمُّ بِبَعْضٍ، مع اخْتِلَافِهِم في الفُرُوعِ، فكان ذلك إجْماعًا، ولأنَّ المُخَالِفَ إمَّا أن يكونَ مُصِيبًا في اجْتِهَادِه،
стр. 1145
فَلهُ أجْرانِ؛ أجْرٌ [على اجْتهادِه] (٢٦)، وأجْرٌ لإِصَابَتِه، أو مُخْطِئًا فله أجْرٌ على اجْتِهادِه، ولا إثْمَ عليه في الخَطَإِ، لأنَّه مَحْطُوطٌ عنه. فإن عَلِمَ أنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا أو شَرْطًا يَعْتَقِدُهُ المَأْمُومُ دُونَ الإمامِ، فظاهِرُ كلامِ أحْمدَ صِحَّةُ الائْتِمامِ به. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسألُ عن رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمٍ، وعليه جُلُودُ الثَّعَالِبِ، فقال: إنْ كان يَلْبَسُه وهو يَتَأَوَّلُ: "أَيُّما إهَابٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ" (٢٧). يُصَلِّى خَلْفَهُ. قِيلَ له، أفَتَرَاهُ أنتَ جَائِزًا؟ قال: لا، نحنُ لا نَراهُ جَائِزًا، ولكنْ إذا كان هو يَتَأَوَّلُ فلا بَأْسَ أنْ يُصَلِّىَ خَلْفَهُ. ثم قال أبو عبدِ اللهِ: لو أنَّ رَجُلًا لم يَرَ الوُضُوءَ من الدَّم لم يُصَلِّ خَلْفَه؟ ثم قال: نحنُ نَرَى الوُضُوءَ من الدَّمِ، فلا نُصَلِّى خَلْفَ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، ومالِكٍ، ومَن سَهَّل في الدَّمِ؟ أي: بَلَى. ورأيْتُ لِبعضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ مَسْأَلَةً مُفْرَدَةً في الرَّدِّ عَلَى من أنْكَرَ هذا، واسْتَدَلَّ بأنَّ الصَّحابةَ كان يُصَلِّى بَعْضُهم خَلْفَ بَعْضٍ مع الاخْتِلافِ. ولأنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أو كالمُصِيبِ في حَطِّ المَأْثَمِ عنه، وحُصُولِ الثَّوابِ، وصِحَّةِ الصلاةِ لِنَفْسِه، فجازَ (٢٨) الائْتِمامُ به، كما لو لم يَتْرُكْ شَيئا. وذَكَرَ القاضي فيه رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّه لا يَصِحُّ ائْتِمامُه به؛ لأنَّه يَرْتَكِبُ ما يَعْتَقِدُه المَأْمُومُ مُفْسِدًا لِلصلاةِ، فلم يَصِحَّ ائْتِمامُه به، كما لو خَالَفه في القِبْلَةِ حالَ الاجْتِهَادِ فيها.
فصل: وإن فَعَلَ شيئا من المُخْتَلَفِ فيه، يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فإنْ كان يَتْرُكُ ما يَعْتَقِدُه شَرْطًا لِلصلاةِ، أو وَاجِبًا فيها، فصلاتُه فاسِدَةٌ، وصلاةُ مَن يَأْتَمُّ به، وإنْ كان المَأْمُومُ يُخَالِفُه في اعْتِقَادِ ذلك؛ لأنَّه تَرَكَ وَاجِبًا في الصلاةِ، فَفَسَدَتْ صلاتُه وصَلاةُ مَن ائْتَمَّ به، كالمُجْمَعِ عليه. وإن كان يَفْعَلُ ما يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ في غيرِ
стр. 1146
الصلاةِ، كالمُتَزَوِّجِ بغيرِ وَلِىٍّ مِمَّنْ يَرى فَسَادَهُ، وشَارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فهذا إنْ دامَ على ذلك، فهو فاسِقٌ، حُكْمُه حُكْمُ سَائِرِ الفُسَّاقِ، وإنْ لم يَدُمْ عليه، فلا بَأْسَ بالصلاةِ خَلْفَه؛ لأنَّه من الصَّغَائِرِ. ومتى كان الفَاعِلُ كذلك عامِّيًّا قَلَّدَ من يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ، فلا شَىْءَ عليه فيه (٢٩)؛ لأنَّ فَرْضَ العَامِّىِّ سُؤَالُ العُلَمَاءِ وتَقْلِيدُهم؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٠).
فصل: ولا تَصِحُّ الصلاةُ خَلْفَ مَجْنُونٍ؛ لأنَّ صَلَاتَهُ لِنَفْسِهِ باطِلَةٌ. وإن كان يُجَنُّ تَارَةً، ويُفِيقُ أُخْرَى، فَصَلَّى وَرَاءَهُ حالَ إفَاقَتِه، صَحَّتْ صَلاتُه، ويُكْرَهُ الائْتِمامُ به؛ لِئَلَّا يَكُونَ قد احْتَلَمَ حالَ جُنُونِه ولم يَعْلَمْ، ولِئَلَّا يُعَرِّضَ الصَّلاةَ لِلإِبْطَالِ في أثْنَائِها، لِوُجُودِ الجُنُونِ فيها، والصلاةُ صَحِيحَةٌ، لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ، فلا تَفْسُدُ بالاحْتِمالِ.
فصل: وإذا أُقِيمَتِ الصلاةُ والإِنْسانُ في المَسْجِدِ، والإِمامُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ لِلإِمامةِ، فإنْ شاءَ صَلَّى خَلْفَهُ، وأعادَ. وإن نَوَى الصلاةَ وَحْدَهُ، وَوَافَقَ الإِمامَ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقِيَامِ والقُعُودِ، فصلاتُه صَحِيحَةٌ؛ لأنَّه أتَى بأفْعَالِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها على الكَمالِ، فلا تَفْسُدُ بِمُوَافَقَتِه غيرَه في الأفْعالِ، كما لو لم يَقْصِدِ المُوَافَقَةَ. ورُوِىَ عن أحْمدَ أنَّه يُعِيدُ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يكونُ في المسجدِ، فتُقَامُ الصلاةُ، ويكون الرَّجُلُ الذي يُصَلِّى بهم لا يَرَى الصلاةَ خَلْفَه، ويَكْرَهُ الخُرُوجَ من المَسْجِدِ بعدَ النِّداءِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قال: إن خَرَجَ كان في ذلك شُنْعَةٌ، ولكن يُصَلِّى معه، ويُعِيدُ، وإن شاءَ
стр. 1147
أن يُصَلِّىَ بصلاتِه، ويكون يُصَلِّى لِنَفْسِه، ثم يُكَبِّرُ (٣١) ويَرْكَعُ لِنَفْسِه، ويَسْجُدُ لِنَفْسِه، ولا يُبَالِى أن يكونَ سُجُودُه مع سُجُودِه، وتَكْبِيرُه مع تَكْبِيرِه. قلتُ: فإن فَعَلَ هذا صَلَّى (٣٢) لِنَفْسِه أيُعِيدُ؟ قال: نعم. قلت: فكَيْفَ يُعِيدُ، وقد جاء أن الصلاةَ هي الأُولَى، وحديثُ النَّبِيِّ ﷺ : "اجْعَلُوا صَلَاتَكُم مَعَهُمْ سُبْحَةً" (٣٣). قال: إنما ذاكَ صَلَّى وَحْدَه فنَوَى الفَرْضَ، أمَّا إذا صَلَّى معه وهو يَنْوِى أن لا يَعْتَدَّ بها فليْس هذا مثلَ هذا. فقد نصَّ على الإِعادَةِ، ولكنَّ تَعْلِيلَه فسادَها (٣٤) بِكَوْنِه نَوَى أنْ لا يَعْتَدَّ بها، يَدُلُّ على صِحَّتِها وإجْزَائِها إذا نَوَى الاعْتِدَادَ بها، وهو الصَّحِيحُ لما ذَكَرْنا أوَّلًا، وكذلك لو كان الذينَ [لا يَرْضَوْنَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ جَمَاعَةً، فأمَّهُم أَحَدُهُم ووَافَقُوا] (٣٥) الإِمامَ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، كان جَائِزًا، واللَّه أعْلَمُ.
٢٥٢ - مسألة؛ قال: (وإمَامَةُ العَبْدِ والأَعْمَى جَائِزَةٌ)
هذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ غُلَامًا لها كان يَؤُمُّها (١). وصَلَّى ابنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبو ذَرٍّ وَرَاءَ أبى سَعِيدٍ مَوْلَى أبى أَسِيدٍ، وهو عَبْدٌ (٢). ومِمَّنْ أجازَ ذلك: الحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ،
стр. 1148
والحَكَمُ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحَاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكَرِهَ أبو مِجْلَزٍ إمامةَ العَبْدِ، وقال مالِكٌ: لا يَؤُمُّهُم إلَّا أن يَكُونَ قَارِئًا وهم أُمِّيُّونَ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "يَؤُمُّ القَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى" (٣)، وقال أبو ذَرٍّ: إنَّ خَلِيلى أوْصَانِى أنْ أسْمَعَ وأُطِيعَ، وإن كان عَبْدًا مُجَدَّعَ (٤) الأطْرَافِ، وأنْ أُصَلِّىَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، "فإن أدْرَكْتَ القَوْمَ وقد صَلَّوْا، كُنْتَ قَدْ (٥) أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ، وإلَّا كانَتْ لَكَ نافِلَةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، فَعَلَتْ عائشةُ ذلك، وَرُوِىَ أنَّ أبا سَعِيدٍ مَوْلَى أبى أَسِيدٍ، قال: تَزَوَّجْتُ وأنا عَبْدٌ، فَدَعَوْتُ نَفَرًا من أصْحَابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فأجَابُونى، فكان فيهم أبو ذَرٍّ، وابنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ، فحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وهم في بَيْتِى، فتَقَدَّمَ أبو ذَرٍّ لِيُصَلِّىَ بهم، فقَالُوا له: وَرَاءَكَ؟ فالتَفَتَ إلى ابْنِ مَسعودٍ، فقال: أكذلِكَ يا أبا عبدِ الرحمن؟ قال: نعم. فَقَدَّمُونى، وأنا عَبْدٌ، فصَلَّيْتُ بهم. رَوَاهُ صَالِحٌ في "مَسَائِلِه" بإسْنَادِه (٧)، وهذه قضيَّةٌ (٨) مثلُها يَنْتَشِرُ، ولم يُنْكَرْ ولا عُرِفَ مُخَالِفٌ لها، فكان ذلك إجْماعًا، ولأنَّ الرِّقَّ حَقٌّ ثَبَتَ عليه، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ إمامَتِه كالدَّيْن، ولأنَّه من أهْلِ الأذَانِ لِلرِّجالِ يَأْتِى بالصَّلاةِ على الكَمالِ، فكان له أنْ يَؤُمَّهُم كالحُرِّ. وأمَّا الأعْمَى فلا نَعْلَمُ في صِحَّةِ إمامَتِه خِلَافًا، إلَّا ما حُكِىَ عن أنَسٍ، أنَّه قال: ما حَاجَتُهم إليه. وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: كَيْفَ أؤُمُّهُم وهم يَعْدِلُونَنِى إلى
стр. 1149
القِبْلَةِ (٩). والصَّحِيحُ عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه كان يَؤُمُّ وهو أعْمَى، وعِتْبانَ بن مالِكٍ، وقَتَادَةَ، وجَابِرٍ. وقال أنَسٌ: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابنَ أمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وهو أعْمَى. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٠). وعن الشَّعْبِىِّ، أنَّه قال: غَزَا النَّبِىُّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، كلُّ ذلك يُقَدِّمُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُصَلِّى بالنَّاسِ. رَوَاهُ أبو بكرٍ (١١). ولأَنَّ العَمَى فَقْدُ حَاسَّةٍ لا يُخِلُّ بِشَىْءٍ من أفْعَالِ الصلاةِ ولا بِشُرُوطِها، فأشْبَه فَقْدَ الشَّمِّ. فإذا ثَبَتَ هذا فالحُرُّ أوْلَى من العَبْدِ، لأنَّه أكْمَلُ منه وأشْرَفُ، ويُصَلّى الجُمُعَةَ والعِيدَ إمَامًا بِخِلَافِ العَبْدِ. وقال أبو الخَطَّابِ: والبَصِيرُ أوْلَى من الأعْمَى؛ لأنه يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِعِلْمِه، ويَتَوَقَّى النَّجَاسَاتِ بِبَصَرِهِ. وقال القاضي: هما سَوَاءٌ؛ لأنَّ الأعْمَى أخْشَعُ، لأنَّه لا يَشْتَغِلُ (١٢) في الصَّلَاةِ بالنَّظَرِ إلى ما يُلْهِيه، فيكون ذلك في مُقابَلَةِ [فَضِيلةِ البصَرِ] (١٣) عليه، فَيَتَسَاوَيانِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأن البَصِيرَ لو غَمَّض (١٤) عَيْنيْه (١٥) كان مَكْرُوهًا، ولو كان ذلك فَضِيلَةً لكَان مُسْتَحَبًّا، لأنَّه يُحصِّلُ بِتَغْمِيضِه ما يُحصِّلُه الأعْمَى، ولأنَّ البَصِير إذا غَضَّ بَصَرَه مع إمْكَانِ النَّظَرِ كان له الأجْرُ فيه، لأنَّه يَتْرُكُ المَكْرُوهَ مع إمْكَانه اخْتِيَارًا، والأعْمَى يَتْرُكُه اضْطِرَارًا، فكان أدْنَى حَالًا، وأقَلَّ فَضْلًا (١٦).
стр. 1150
فصل: ولا تَصِحُّ إمَامَةُ الأخْرَسِ بمِثْلِه، ولا غيرِه، لأنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا، وهو القِراءةُ، تَرْكًا مَأْيُوسًا من زَوَالِه، فلم تَصِحَّ إمامَتُه، كالعَاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
فصل: وتَصِحُّ إمَامَةُ الأصَمِّ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بِشَىْءٍ من أفْعالِ الصلاةِ، ولا شُرُوطِها، فأشْبَهَ الأعْمَى؛ فإن كان أصَمَّ أعْمَى صَحَّتْ إمامَتُه لذلك. وقال بعضُ أصْحابِنا: لا تَصِحُّ إمَامَتُه؛ لأنَّه إذا سَهَا لا يُمْكِنُ تَنْبِيهُه بِتَسْبِيحٍ ولا إشارَةٍ، والأَوْلَى صِحَّتُّها؛ فإنَّه لا يَمْنَعُ من صِحَّةِ الصلاةِ احْتِمالُ عَارِضٍ لا يُتَيَقَّنُ وُجُودُه، كالمَجْنُونِ حالَ إفَاقَتِه.
فصل: فأمَّا أقْطَعُ اليَدَيْنِ، فقال أحْمدُ، ﵀: لم أسْمَعْ فيه شَيْئًا. وذَكَرَ الآمِدِىُّ فيه رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُما: تَصِحُّ إمَامَتُه. اخْتَارَها القاضي؛ لأنَّه عَجْزٌ لا يُخِلُّ بِرُكْنٍ في الصلاةِ. فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ إمَامَتِه، كأقْطَعِ أحَدِ الرِّجْلَيْنِ والأنْفِ. والثَّانية: لا تَصِحُّ. اخْتَارَها أبو بكرٍ؛ لأنه يُخِلُّ بالسُّجُودِ على بعض أعْضاءِ السُّجُودِ، أشْبَهَ العَاجِزَ عنِ السُّجُودِ على جَبْهَتِه. وحُكْمُ أقْطَعِ اليَدِ الوَاحِدَةِ كالحُكْمِ في قَطْعِهما جَمِيعًا، وأما أقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ فلا يَصِحُّ الائْتِمامُ به؛ لأنَّه مَأْيُوسٌ من قِيامِهِ، فلم تَصِحَّ إمامَتُه كالزَّمِنِ. وإن كان مَقْطُوعَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ، ويُمْكِنُه القِيامُ، صَحَّتْ إمامَتُه. ويَتَخَرَّجُ على قولِ أبى بكرٍ أنْ لا تَصِحَّ إمَامَتُه؛ لإِخلَالِه بالسُّجُودِ على عُضْوٍ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه يَسْجُدُ على البَاقِى من رِجْلِه أو حَائِلِها.
٢٥٣ - مسألة؛ قال: (وَإنْ أمَّ أُمِّىٌّ أُمِّيًّا وقَارِئًا أعَادَ القَارِئُ وَحْدَهُ)
الأُمِّىُّ مَن لا يُحْسِنُ الفَاتِحَةَ أو بَعْضَها، أو يُخِلُّ بِحَرْفٍ منها، وإن كان يُحْسِنُ غيرُها، فلا يجوزُ لمن يُحْسِنُها أنْ يَأْتَمَّ به، ويَصِحُّ لِمثْلِه أن يَأْتَمَّ به، ولذلك خَصَّ الْخِرَقيُّ القَارِئَ بالإِعادَةِ فيما إذا أمَّ أُمِّيًّا وقَارِئًا. وقال القاضي: هذه
стр. 1151
المَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ على أنَّ القارِىء مع جَمَاعةٍ أُمِّيِّينَ حتى إذا فَسَدَتْ صَلاةُ القَارِىءِ بَقِىَ خَلْفَ الإِمامِ اثْنانِ فصَاعِدًا. فإن كان معه أُمِّىٌّ واحِدٌ، وكانا خَلْفَ الإِمامِ أعادَا جَميعًا؛ لأنَّ الأُمِّىَّ صَارَ فَذًّا. والظَّاهِرُ أنَّ الخِرَقِىَّ إنَّما قَصَدَ بَيانَ مَنْ تَفْسُدُ صَلَاتُه بالائْتِمامِ بالأُمِّىِّ، وهذا يَخُصُّ القَارِيءِ دُونَ الأُمِّىِّ، ويَجُوزُ أن تَصِحَّ صَلَاةُ الأُمِّىِّ؛ لِكَوْنِه عن يَمِينِ الإِمامِ، أو كَوْنِهما جَمِيعًا عن يَمينِه، أو معهم أُمِّىٌّ آخَرُ، وإن فَسَدَتْ صَلَاتُه لِكَوْنه فَذًّا، فما فَسَدَتْ لائْتِمَامِه بمِثْلِه، إنَّما فَسَدَتْ لِمَعْنًى آخَرَ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ في الجديد، وقيل عنه: يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ القَارِيءُ بالأُمِّىِّ في صلاةِ الإِسْرَارِ دون صلاةِ الجَهْرِ. وقيل عنه: يجوزُ أن يَأْتَمَّ به في الحَالَيْنِ؛ لأنَّه عَجَزَ عن رُكْنٍ، فَجازَ للقَادِرِ عليه الائْتِمَامُ به، كالقَاعِدِ بالقَائِمِ. وقال أبو حنيفةَ: تَفْسُدُ صَلَاةُ الإِمامِ أيضًا؛ لأنَّه لمَّا أَحْرَمَ معه القَارِىءُ لَزِمَتْهُ القِرَاءَةُ عنه، لِكَوْنِ الإِمامِ يتَحَمَّلُ (١) القِرَاءَةَ عن المَأْمُومِ، فعَجَزَ عنها، فَفَسدَتْ صَلاتُه. ولَنا على الأَوَّلِ، أنَّه ائْتَمَّ بعَاجِزٍ عن رُكْنٍ سِوَى القِيامِ يَقْدِرُ عليه المَأْمُومُ، فلم تَصِحَّ، كالمُؤْتَمِّ بالعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ولأنَّ الإِمامَ يَتَحَمَّلُ القِرَاءةَ عن المَأْمُومِ، وهذا عاجِزٌ عن التَّحَمُّلِ لِلْقِرَاءةِ الوَاجِبَةِ على المَأْمُومِ، فلم يَصِحَّ له الائْتِمَامُ به، لِئَلَّا يُفْضِى إلى أن يُصَلِّىَ بغير قِرَاءةٍ، وقِيَاسُهم يَبْطُلُ بالأخْرَسِ والعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقِيَامِ (٢)، ولا مَدْخَلَ للتَّحَمُّلِ فيه، بخِلافِ القِراءةِ. ولنا على صِحَّةِ صلاةِ الإِمامِ، أنَّه أَمَّ مَن لا يَصِحُّ له الائْتِمامُ به، فلم تَبْطُلْ صلاتُه، كما لو أمَّتِ امْرَأَةٌ رَجُلًا ونِسَاءً. وقَوْلُهم: إنَّه يلْزَمُه (٣) القِرَاءةُ عن القَارِيءِ. لا يَصحُّ؛ لأن اللهَ تعالى قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤). ومَنْ لا تَجِبُ عليه القِرَاءَةُ عن نَفْسِه، فعَنْ غَيْرِه أوْلَى. وإن أَمَّ
стр. 1152
الأُمِّىُّ قَارِئًا وَاحِدًا، لم تَصِحَّ صَلَاةُ وَاحِدٍ منهما؛ لأنَّ الأُمِّىَّ نَوَى الإِمَامَةَ وقد صَارَ فَذًّا.
فصل: وإنْ صَلَّى القَارِيءُ خَلْفَ مَنْ لا يَعْلَمُ حَالَهُ في صَلَاةِ الإِسْرَارِ، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه لا يَتَقَدَّمُ إلَّا مَن يُحْسِنُ القِرَاءَةَ، ولم يتخَرَّمِ الظَّاهِرُ، فإنَّه أَسَرَّ في مَوْضِعِ الإِسْرارِ، وإن كان يُسِرُّ في صَلاةِ الجَهْرِ، ففيه وَجْهانِ: أحَدُهُما، لا تَصِحُّ صلاةُ القَارِىء. ذَكَرَه القاضي؛ لأن الظَّاهِرَ أنَّه لو أحْسَنَ القِرَاءَةَ لَجَهَرَ. والثانى، تَصِحُّ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه لا يَؤُمُّ النَّاسَ إلَّا مَنْ يُحْسِنُ القِرَاءةَ، وإسْرَارُه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ نِسْيانًا، أو لِجَهْلِه، أو لأنَّه لا يُحْسِنُ أكْثَرَ من الفَاتحةِ، فلا تَبْطُلُ الصلَاةُ بالاحْتِمالِ. فإن قال: قد قَرَأْتُ في الإِسْرارِ. صَحَّت الصَّلاةُ على الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُه. ويُسْتَحَبُّ الإِعادةُ احْتِرَازًا من أن يكونَ كاذِبًا، ولو أسَرَّ في صَلاةِ الإِسْرارِ، ثم قال: ما كنتُ قَرَأْتُ الفاتحةَ. لَزِمَهُ ومَن وَرَاءَهُ الإِعادةُ، وقد رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى بهم المَغْرِبَ، فلما سَلَّمَ قال: أما سَمِعْتُمُونِى قَرأْتُ؟ قالوا: لا. قال: فما قَرَأْتُ في نَفْسِى. فأعادَ بهم الصَّلَاةَ.
فصل: ومن تَرَكَ حَرْفًا من حُرُوفِ الفاتحةِ؛ لِعَجْزِه عنه، أو أبْدَلَهُ (٥) بغَيرِه، كالألْثَغِ الذي يَجْعَلُ الرَّاءَ غَيْنًا، والأَرَتِّ الذي يُدْغِمُ حَرْفًا في حَرْفٍ، أو يَلْحَنُ لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، كالذى يَكْسِرُ الكافَ من إيَّاكَ، أو يَضُمُّ التَّاءَ من أَنْعَمْتَ، ولا يَقْدِرُ على إصْلَاحِه، فهو كالأُمِّىِّ، لا يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ به قارِىءٌ. ويَجُوزُ لِكُلِّ واحِدٍ منهم أن يَؤُمَّ مِثْلَه؛ لأنهما أُمِّيَّانِ، فجَازَ لأحَدِهما الائْتِمامُ بالآخَرِ، كاللَّذَيْنِ لا يُحْسِنانِ شَيْئًا. وإن كان يَقْدِرُ على إصْلَاحِ شيءٍ من ذلك فلم يَفْعَلْ، لم تَصِحَّ صَلَاتُه، ولا صَلَاةُ من يَأْتَمُّ به.
стр. 1153
فصل: إذا كان رَجُلَانِ لا يُحْسِنُ واحِدٌ منهما الفَاتِحَةَ، وأحَدُهما يُحْسِنُ سَبْعَ آياتٍ من غَيْرِها، والآخَرُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا من ذلك، فهما أُمِّيَّانِ، لِكُلِّ واحِدٍ منهما الائْتِمامُ بالآخَرِ، والمُسْتَحَبُّ أنْ (٦) يَؤُمَّ الذي يُحْسِنُ الآيَاتِ؛ لأنه أقْرَأُ، وعلى هذا كُلُّ مَنْ لا يُحْسِنُ الفاتحةَ، يَجُوزُ أنْ (٧) يَؤُمَّ مَنْ لا يُحْسِنُها، سواءٌ اسْتَوَيَا في الجَهْلِ أو كانا مُتَفَاوِتَيْنِ فيه.
فصل: تُكْرَهُ إمامةُ اللَّحَّانِ، الذي لا يُحِيلُ المَعْنَى، نَصَّ عليه أحْمدُ. وتَصِحُّ صلاتُه بِمَنْ لا يَلْحَن؛ لأنَّه أتَى بِفَرْضِ القِرَاءةِ، فإن أحالَ المَعْنَى في غَيْرِ الفاتحةِ، لم يَمْنَعْ صِحَّةَ صلاتِه (٨)، ولا الائْتِمامَ به، إلَّا أن يَتَعَمَّدَهُ، فَتَبْطُلُ صلاتُهُما.
فصل: ومَن لا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الحُرُوفِ، كالضَّادِ والقافِ، فقال القاضي: تُكْرَهُ إمَامَتُه، وتَصِحُّ أعْجَمِيًّا كان أو عَرَبِيًّا. وقيل في مَن قَرَأَ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بالظَّاءِ: لا تَصِحُّ صَلَاتُه؛ لأنه يُحِيلُ المَعْنَى يُقال: ظَلَّ يَفْعَلُ كذا: إذا فَعَلَهُ نَهَارًا، فَحُكْمُه حُكْمُ الألْثَغِ. وتُكْرَهُ إمَامَةُ التَّمْتَامِ، وهو من يُكَرِّرُ التَّاءَ، والفَأْفَاءِ (٩)، وهو مَن يُكَرِّرُ الفاءَ. وتَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهما؛ لأنَّهما يَأْتِيَانِ بالحُرُوفِ على الكَمالِ، ويَزِيدانِ زِيَادَةً هما مَغْلُوبانِ عليها، فعُفِىَ عنها، وكُرِهَ (١٠) تَقدْيِمُهما لهذه الزِّيَادَةِ.
٢٥٤ - مسألة؛ قال: (وإن صَلَّى خَلْفَ مُشْرِكٍ أو امْرَأَةٍ أو خُنْثَى مُشْكِلٍ، أعَادَ الصَّلَاةَ)
وجُمْلَتُه أنَّ الكافِرَ لا تَصِحُّ الصلاةُ خَلْفَه بحالٍ سَوَاءٌ عَلِمَ بِكُفْرِه بعد فَراغِه من
стр. 1154
الصلاةِ، أو قبلَ ذلك، وعلى من صَلَّى وَرَاءَه الإِعادَةُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ، والمُزَنِىُّ: لا إعادةَ على مَن صَلَّى خَلْفَه، وهو لا يَعْلَمُ؛ لأنَّه ائْتَمَّ بِمَنْ لا يَعْلَمُ حَالَه، فأَشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ. ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ من أهْلِ الصَّلاةِ، فلم تَصِحَّ صَلاتُه، كما لو ائْتَمَّ بمَجْنُونٍ، وأمَّا المُحْدِثُ فَيُشْتَرَطُ أن لا يَعْلَمَ حَدَثَ نَفْسِه، والكَافِرُ يَعْلَمُ حالَ نَفْسِه. وأما المَرْأةُ فلا يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ بها الرَّجُلُ بحَال، في فَرْضٍ ولا نَافِلَةٍ، في قول عامَّةِ الفُقَهَاءِ، وقال أبو ثَوْرٍ: لا إعادَةَ على مَن صَلَّى خَلْفَها. وهو قِيَاسُ قَوْلِ المُزنِىِّ. وقال بعضُ أصْحَابِنا: يَجُوزُ أن تَؤُمَّ الرِّجَالَ في التَّرَاوِيح، وتكونُ وَراءَهُم؛ لما رُوِىَ عن أُمِّ وَرَقَةَ بنت عَبْدِ اللهِ بن الحارِثِ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ لها مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لها، وأَمَرَها أن تَؤُمَّ أهْلَ دَارِها. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١). وهذا عَامٌّ في الرِّجالِ والنِّساءِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لا تَؤُمَّنَّ امرَأَةٌ رَجُلًا" (٢)، ولأنَّها لا تُؤَذِّنُ لِلرِّجالِ، فلم يَجُزْ لها (٣) أن تَؤُمَّهُمْ، كالمَجْنُونِ، وحَدِيثُ أمِّ ورقَةَ إنَّما أَذِنَ لها أن تَؤُمَّ نِسَاءَ (٤) أهْلِ دَارِها، كذلك رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٥). وهذه زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها، ولو لم يُذْكَرْ ذلك لَتعَيَّنَ حَمْلُ الخَبَرِ عليه؛ لأنَّه أذِنَ لها أن تَؤُمَّ في الفَرَائِضِ، بِدَلِيلِ أنَّه جَعَلَ لها مُؤَذِّنًا، والأذَانُ إنَّما شُرِعَ (٦) في الفَرَائِضِ، ولا خِلافَ في أنَّها لا تَؤُمُّهم في الفَرَائِضِ، ولأنَّ تَخْصِيصَ ذلك بالتَّرَاوِيحِ واشْتِرَاطَ تَأَخُّرِها تَحَكُّمٌ يُخَالِفُ الأُصُولَ بغيرِ دَلِيلٍ، فلا يجُوزُ المَصِيرُ إليه، ولو قُدِّرَ ثُبُوتُ ذلك لأُمِّ وَرَقَةَ، لَكان خَاصًّا
стр. 1155
لها، بِدَلِيلِ أنَّه لا يُشْرَعُ لِغَيْرِها من النِّساءِ أذَانٌ ولا إقامَةٌ، فتَخْتَصُ [بالإِمامةِ لاخْتِصَاصِها] (٧) بالأذَانِ والإِقَامَةِ. وأمَّا الخُنْثَى فلا يجوزُ أن يَؤُمَّ رَجُلًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ امْرَأةً، ولا يَؤُمُّ خُنْثَى مِثْلَه؛ لأنَّه يَجوزُ أن يكونَ الإِمَامُ امْرَأةً والمَأْمُومُ رَجُلًا. ولا يَجوزُ أن تَؤُمَّهُ امْرَأَةٌ لاحْتِمالِ أن يكونَ رَجُلًا. قال القاضي: رَأيْتُ لأبي حَفْصٍ البَرْمَكِىِّ (٨) أنَّ الخُنْثَى لا تَصِحُّ صَلَاتُه في جَمَاعَةٍ؛ لأنَّه إن قَامَ مع [الرِّجَالِ احْتملَ أن يكونَ امْرأَةً، وإن قَامَ مع] (٩) النَّسَاءِ أو وَحْدَه أو ائْتَمَّ بِامْرَأةٍ احْتَمَلَ أن يكونَ رَجُلًا، وإن أَمَّ الرِّجَالَ احْتمَلَ أن يكونَ امْرَأةً. وإن أمَّ النِّساءَ فقامَ وَسَطَهُنَّ احْتَمَلَ أنَّه رَجُلٌ، وإن قامَ بين أيدِيهن احْتَمَلَ أنَّه امْرَأَةٌ، ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ صَلاتُه في هذه الصُّورَةِ، وفى صُورَةٍ أُخْرى، وهو أن يَقومَ في صَفِّ الرِّجَالِ مَأْمُومًا؛ فإن المَرْأَةَ إذا قامتْ في صَفِّ الرِّجَالِ لم تَبْطُلْ صَلاتُها ولا صَلاةُ مَن يَلِيها.
فصل: يُكْرَهُ أنْ يَؤُمَّ الرَّجُلُ نِسَاءً أجانِبَ، لا رَجلَ مَعَهُنَّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى أنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بالمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ (١٠). ولا بَأْسَ أن يَؤُمَّ ذَوَاتَ مَحَارِمه، وأنْ يَؤُمَّ النِّساءَ مع الرِّجالِ، فإنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ مع النَّبِىِّ ﷺ في المَسْجِدِ، وقد أَمَّ النَّبِىُّ ﷺ نِسَاءً، وقد أَمَّ النَّبِىُّ ﷺ أَنسًا وأُمَّهُ في بَيْتِهم (١١).
стр. 1156
فصل: إذا صَلَّى خَلْفَ مَن يشُكُّ (١٢) في إسْلَامِه، أو كَوْنِه خُنْثَى، فصلاتُه صَحِيحَةٌ، ما لم يَبِنْ كُفْرُه، وكَوْنُه خُنْثَى مُشْكِلًا؛ لأنَّ الظَّاهِرَ من المُصَلِّينَ الإِسْلامُ، سِيَّما إذا كان إماما، والظَّاهِرَ السَّلَامَةُ من كَوْنِه خُنْثَى، سِيَّما مَن يَؤُمُّ الرِّجالَ، فإنْ تَبَيَّنَ بعدَ الصَّلاةِ أنَّه كان كافِرًا أو خُنْثَى مُشْكِلًا، فعليْه الإِعادةُ على ما بَيَّنَّا. فإنْ كان الإِمامُ مِمَّنْ يُسْلِمُ تَارَةً ويَرْتَدُّ أُخْرَى، لم يُصَلِّ خَلْفَه، حتى يَعْلَمَ على أيِّ دِينٍ هُو، فإنْ صَلَّى خَلْفَه، ولم (١٣) يَعْلَمْ ما هو عليه نَظَرْنَا؛ فإنْ كان قد عَلِمَ قبلَ الصلاةِ إسْلامَه، وشَكَّ في رِدَّتِه، فهو مُسْلِمٌ. وإن عَلِمَ رِدَّتَهُ، وشَكَّ في إسْلَامِهِ، لم تَصِحَّ صلاتُه. فإن كان عَلِمَ إسْلامَه، فصَلَّى خَلْفَه، فقال بعد الصلاةِ: ما كنتُ أسْلَمْتُ أو ارْتَدَدْتُ. لم تَبْطُل الصَّلاةُ؛ لأنَّ صلاتَه كانت صَحِيحَةً حُكْمًا، فلا يُقْبَلُ قَوْلُ هذا في إبْطَالِها؛ لأنَّه مِمَّنْ لا يُقْبَلُ قَوْلُه. وإذا صَلَّى خَلْفَ من عَلِمَ رِدَّتَه، فقال بعدَ الصَّلاةِ: قد كنتُ أسْلَمْتُ. قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّه مِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُه.
فصل: قال أصْحَابُنا: يُحْكَمُ بإسْلَامِه بالصَّلَاةِ، سَوَاءٌ كان في دارِ الحَرْبِ أو في دارِ الإِسلامِ، وسَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أو فُرَادَى، فإن أقامَ بعد ذلك على (١٤) الإِسْلامِ فلا كلامَ، وإن لم يُقِمْ عليه فهو مُرْتَدٌّ، يَجْرِى عليه أحْكامُ المُرْتَدِّينَ. وإن ماتَ قبل ظُهُورِ ما يُنَافِى الإِسْلامَ فهو مُسْلِمٌ يَرِثُهُ وَرَثَتُه المُسلمون دونَ الكافرين. وقال أبو حنيفةَ: إن صَلَّى جَمَاعَةً أو مُنْفَرِدًا في المَسْجِدِ، كقَوْلِنا، وإن صَلَّى فُرَادَى في غيرِ المَسْجِدِ، لم يُحْكَمْ بإسْلامِه. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: لا يُحْكَمُ بإسْلامِهِ بِحالٍ؛ لأنَّ الصلاةَ من فُرُوعِ الإِسلامِ، فلم يَصِرْ مُسْلِمًا بِفِعْلِها، كالحَجِّ والصِّيامِ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا
стр. 1157
إلهَ إلَّا اللهُ، فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ، إلَّا بِحَقِّهَا" (١٥). وقال بعضُهم: إن صَلَّى في دارِ الإِسْلامِ فليْس بِمُسْلِمٍ؛ لأنَّه قد يَقْصِدُ الاسْتِتارَ بالصلاةِ، وإخْفاءَ دِينِه، وإن صَلَّى في دارِ الحَرْبِ فهو مُسْلِمٌ؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ في حَقِّه. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "نُهِيتُ عن قَتْلِ المُصَلِّينَ" (١٦). وقال: "بَيْنَنَا وبَيْنَهُم الصَّلَاةُ" (١٧). فَجَعَلَ الصَّلاةَ حَدًّا بين الإِسْلامِ والكُفْرِ، فَمن صَلَّى فقد دَخلَ في حَدِّ الإِسْلامِ، وقال في المَمْلُوكِ: "فإذا صَلَّى فَهُوَ أخُوكَ" (١٨).
стр. 1158
ولأنَّها عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بالمُسلمين، فالإِتْيانُ بها إسْلامٌ كالشَّهَادَتَيْنِ، وأمَّا الحَجُّ فإنَّ الكُفَّارَ كانوا يَفْعَلُونَه، والصِّيَامُ إمْسَاكٌ عن المُفْطِراتِ، وقد يَفْعَلُه مَن لَيْس بِصائِمٍ.
فصل: فأمَّا صلاتُه في نَفْسِه، فأمْرٌ بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإن عَلِمَ أنَّه كان قد أسْلَمَ، ثم تَوَضَّأَ وصَلَّى بنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فصلاتُه صَحِيحَةٌ، وإن لم يكن كذلك، فعليه الإِعادَةُ؛ لأنَّ الوُضُوءَ لا يَصِحُّ مِن كافِرٍ، وإذا لم يُسْلِمْ قبلَ الصلاةِ، كان حالَ شُرُوعِه فيها غيرَ مُسْلِمٍ، ولا مُتَطَهِّرٍ، فلم يَصِحَّ منه.
٢٥٥ - مسألة؛ قال: (وإن صَلَّت امْرَأَةٌ بالنِّسَاءِ قامَتْ مَعَهُنَّ في الصَّفِّ وَسَطًا)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ، هل يُسْتَحَبُّ أن تُصَلِّىَ المَرْأةُ بالنِّساءِ جَمَاعَةً؟ فَرُوِىَ أنَّ ذلك مُسْتَحَبٌّ، ومِمَّنْ رُوِىَ عنه أنَّ المَرْأةَ تَؤُمُّ النِّسَاءَ عائشةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحَاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وَرُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، أنَّ ذلك غيرُ مُسْتَحَبٍّ. وكَرِهَهُ أصْحابُ الرَّأْىِ، وإن فَعَلَتْ أجْزَأَهُنَّ. وقال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وقَتَادَةُ: لَهُنَّ ذلك في التَّطَوُّعِ دونَ المَكْتُوبَة. وقال الحَسَنُ، وسليمان (١) بن يَسَارٍ: لا تَؤُمُّ في فَرِيضَةٍ ولا نَافِلَةٍ. وقال مالِكٌ: لا يَنْبَغِي لِلْمَرْأةِ أن تَؤُمَّ أحَدًا؛ لأنَّه يُكْرَهُ لها الأذَانُ، وهو دُعاءُ الجَماعةِ، فيُكْرَهُ (٢) لها ما يُرَادُ الأذَانُ لَهُ. ولَنا، حَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ (٣)، ولأَنَّهُنَّ من أهْلِ الفَرْضِ، فأشْبَهْنَ الرِّجالَ، وإنَّما كُرِهَ لَهُنَّ الأذَانُ لما فيه من رَفْعِ الصَّوْتِ، ولَسْنَ من أهْلِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها إذا صَلَّتْ بهنَّ قامَتْ في وَسَطِهِنَّ، لا نَعْلَمُ فيه
стр. 1159
خِلَافًا بين مَن رَأَى لها أن تَؤُمَّهُنَّ، ولأنَّ المَرْأَةَ يُسْتَحَبُّ لها التَّسَتُّرُ، ولذلك لا يُسْتَحَبُّ لها التَّجَافِى، وكَوْنُها في وَسَطِ الصَّفِّ أسْتَرُ لها؛ لأنَّها تَسْتَتِرُ بِهِنَّ من جَانِبَيْها، فاسْتُحِبَّ لها ذلك كالعُرْيَانِ، فإن صَلَّتْ بين أيْدِيهِنَّ احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه مَوْقِفٌ في الجُمْلَةِ، ولهذا كان مَوْقِفًا للرَّجُلِ، واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّها خَالَفَتْ مَوْقِفَها، أشْبَهَ ما لو خَالَفَ الرَّجُلُ مَوْقِفَهُ.
فصل: وتَجْهَرُ في صَلَاةِ الجَهْرِ، وإن كان ثَمَّ رِجَالٌ لا (٤) تَجْهَرُ، إلَّا أن يَكُونُوا من مَحَارِمِها، [فلا بَأْسَ] (٥).
فصل: ويُبَاحُ لَهُنَّ حُضُورُ الجماعةِ مع الرِّجَالِ؛ لأنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ مع رَسُولِ اللَّه ﷺ ، [قالت عائشةُ: كان النِّسَاءُ يُصَلِّينَ معِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ] (٦)، ثم يَنْصَرِفْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ من الغَلَسِ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وقال النَّبِيُّ ﷺ : "لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ، وليَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ". يعني غيرَ
стр. 1160
مُتَطَيِّبَاتٍ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٨). وصَلَاتُها في بَيْتِها خَيْرٌ لها وأفْضَلُ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: قالَ رَسولُ اللَّه ﷺ : "لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُم المَسَاجِدَ، وبُيُوتُهنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٩). وقال ﷺ : "صَلَاةُ المَرْأَةِ في بَيْتِها أَفْضَلُ من صَلَاتِها في حُجْرَتِها، وصَلَاتُها في مَخْدَعِهَا أفْضَلُ من صَلَاتِها في بَيْتِها". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٠).
فصل: إذا أَمَّتِ المَرْأَةُ امْرَأَةً واحِدَةً، قامَتِ المَرْأَةُ عن يَمينِها، كالمَأْمُومِ مع الرِّجالِ، وإن صَلَّتْ خَلْفَ رَجُلٍ قامَتْ خَلْفَه، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ" (١١). وإن كان مَعَهُما رَجُلٌ قامَ عن يَمِينِ الإِمَامِ والمَرْأةُ خَلْفَهُما، كما رَوَى أنَسٌ: أن رسولَ اللهِ ﷺ صَلَّى به وبِأُمِّه أو خَالَتِه، فأقَامَنِى في يَمينِه، وأقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنَا. رَوَاه مُسْلِمٌ (١٢). وإن كان مع الإِمامِ رَجُلٌ وصَبِيٌّ