← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الجِرْيَةُ؛ لأنها بمنزلةِ ماءٍ نَجِسٍ صُبَّ علَى ما دون القُلَّتَيْن، فلمَّا صار الواقِفُ نَجِسًا نَجُسَ ما يَمُرُّ عليه، ويَحْتَمِلُ أن يُحْكَمَ بطهارةِ الجِرْيَةِ حَالَ مُلاقاتِها للواقِف، ولا يتنَجَّسُ الواقفُ بها، لأنه ماءٌ كثيرٌ لم يتغَيَّرْ فلا يَنْجُس؛ لِقولِ النبيِّ ﷺ : "إذَا بَلَغ الْمَاءُ قُلَّتَيْن لَمْ يُنجِّسْهُ شَيْءٌ". وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وهذا كلُّه ما لم يتغيَّرْ، فإن تغيَّرَ فَهو نَجِسٌ، وحكمُه حكمُ أعْيانِ النجاسة، فإذا كان الواقفُ متغيِّرًا وحدَه فالْجرْيَةُ التي تَمُرُّ به إن كانتْ قُلَّتَيْن فهي طاهِرةٌ، وإن كانت دون القُلَّتَيْن فهى نَجِسةٌ، وإن كانت الْجِرْيَةُ مُتغيِّرةً، والواقفُ قُلَّتان، فهو طاهِرٌ، وإلَّا فهو نَجِسٌ، وإن كان بعضُ الواقفِ مُتغيِّرًا وبعضُه غيرَ متغيِّرٍ، وكان غيرُ المتغيِّر مع الجِرْيَةِ المُلاقِيَةِ له (٦١) قُلَّتَيْن لم يَنْجُسْ؛ لأنه ماءٌ زائِدٌ عن القُلَّتَيْن لم يتغيَّرْ، فكان طاهِرًا، كما لو كانت الجِرْيةُ قُلَّتَيْن، وإن كان المُتغَيِّرُ من (٦٢) الواقفِ يَلِى الجِرْيتيْن (٦٣) وغيرُ المتغيِّرِ لا يَلِيه ولا يَتَّصِل به من أعْلَى الماءِ ولا من (٦٤) أسْفَلِه، ولا مِن ناحيةٍ من نَواحِيه، وكلُّ واحدٍ منهما دون القُلَّتَيْن، فينْبغِي أن يكونَ الكلُّ نَجِسًا؛ لأنَّ كلَّ ما يُلاقِي الماءَ النَّجِسَ لا يبلغُ القُلَّتَيْن، وإن اتصَّلَ به مِن ناحيةٍ فكُلُّ ما لم يتغَيَّرْ طاهِرٌ إذا بلَغ القُلَّتَيْن؛ لأنه كالغَدِيرَيْن اللذَيْن بينهما ساقِيةٌ، وإن شَكَّ في ذلك فالماءُ طاهِرٌ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تزولُ بالشَّكِّ، واللَّه أعلم. فصل: إذا اجْتَمعتِ الجِرْياتُ في مَوْضِعٍ، فإن كان متغيِّرًا بالنجاسةِ فهو نَجِسٌ، وإن كَثُرَ، وإن كان في بعضِ الْجِرْياتِ ماءٌ طاهِر متواترٌ (٦٥) يبلع قُلَّتَين، إمَّا سابقًا وإمَّا لاحِقًا، فالجميعُ طاهِرٌ. ما لم يتغيَّرْ؛ لأنَّ القُلَّتين تدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِها، وعمَّا اجتمعتْ معه. وإن كان المجتمِعُ دون القُلَّتَين، وفي بعضِ الجِرْياتِ شيءٌ نَجِسٌ، فالكلُّ نَجِسٌ في ظاهِر المذهب. وإن كان قُلَّتَين إلَّا أن الجِرْياتِ كلَّها

стр. 107

نَجِسةٌ، أو بعضَ الجِرْياتِ طاهِرٌ وبعضَها نَجِسٌ، ولا يتوالَى مِن الطاهِر قُلَّتان، فظاهرُ المذهبِ أنَّ الجميعَ نَجِسٌ، وإن كَثُرَ، ويحْتَمِلُ أن يكونَ طاهِرًا، وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لقولهِ ﵇: "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ". ولأنَّه ماءٌ كثيرٌ لم يتغيَّرْ بالنجاسة، فكان طاهِرًا، كما لو كان متغيِّرًا فزال تغيُّرهُ بمُكْثِه. ولنا أنَّه انْضَمَّ النَّجِسُ إلى النَّجِسِ، فصار الجميعُ نَجِسًا كغيرِ الماء، وإذا (٦٦) كان بعضُ الْجِرْياتِ طاهِرًا، لكنَّه قليلٌ، فهو ممَّا لا يدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِه، فعن غيرِه أوْلَى. فإن كان الماءُ كثيرًا متُغَيِّرًا بالنجاسةِ، فزال تغيُّرهُ بنفسِه، طَهُرَ الجميعُ، وإن زال بماءٍ طاهرٍ دون القُلَّتَين، أو باجْتماعِ ماءٍ نَجِسٍ إليه، فظاهِرُ المذهبِ أنه نَجِسٌ؛ لأنه لا يدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِه، فلا يدفعُها عن غيرِه، ويَحْتَمِلُ أن يطهُرَ؛ لأنَّه أزالَ عِلَّةَ التَّنْجيس، فأزال التَّنْجِيس، كما لو زال بنَزْحٍ أو بمُكْثِه. فصل: في تطْهِير الماء النَّجِسِ، وهو ثلاثة أقسام: أحدها، ما دون القُلَّتين، فتطْهيرُه بالمُكاثرةِ بقُلَّتَين طاهِرَتين، إمَّا أن يُصَبَّ فيه، أو يَنْبُعَ فيه، فيزولُ بهما تغيُّرُه إن كان مُتَغَيِّرًا، وإن لم يكن مُتغَيِّرًا طَهُرَ بُمجَرَّدِ المُكاثَرةِ؛ لأنَّ القُلَّتَين لا تحْمِلُ الخبَثَ، ولا تنْجُس إلا بالتَّغَيُّر، ولذلك لو ورَد عليها ماءٌ نَجِسٌ لم يُنَجِّسْها، ما لم تتَغَيَّرْ به، فكذلك إذا كانت وارِدةً، ومِن ضَرُورةِ الحُكْمِ بطهارتِهما طَهارةُ ما اختلطتا (٦٧) به. القسم الثاني، أن يكونَ وَفْقَ القُلَّتَين، فلا يخلُو مِن أن يكونَ غيرَ مُتَغَيِّرٍ بالنجاسةِ، فيَطْهُر بالمُكاثَرةِ المذكورة لا غيرُ، الثاني أن يكونَ مُتغيِّرًا فيَطْهُر بأحَدِ أمْرَيْن؛ بالمُكاثرةِ المذكورةِ [إذا أزالت التَّغيُّرَ] (٦٨)، أو بتَرْكِه حتى يزولَ تغَيُّرُه بطُولِ مُكْثِه.

стр. 108

القسم الثالث، الزَّائِدُ عن القُلَّتَين، فله حالان، أحدهما، أن يكونَ نَجِسًا بغيرِ التَّغَيُّرِ، فلا طريقَ إلى تطْهِيرِه بغيرِ المُكاثرةِ، الثاني أن يكون مُتغيِّرًا بالنجاسةِ، فتطهِيرُهُ بأحد أمورٍ ثلاثة؛ المكاثرة، أو زَوالُ تغيُّرهِ بمُكْثِه، أو أن يُنْزَحَ منه ما يزولُ به التَّغَيُّرُ، ويبْقَى بعد ذلك قُلَّتان فصاعِدًا، فإنه إن بَقِيَ ما دون القُلَّتَين، قبلَ زَوالِ تغيُّرِه، لم يَبْقَ التَّغيُّرُ عِلَّةَ تَنْجِيسهِ؛ لأنه تنجَّس بدونهِ، فلا يزولُ التَّنْجِيسُ بزَوالهِ، ولذلك طَهُرَ الكثيرُ بالنَّزح وطُولِ المُكْثِ، ولم يطْهُرِ القليلُ، فإنَّ الكثيرَ لما كانت عِلّةُ تَنْجِيسه (٦٩) التغيُّرَ زالَ تنْجِيسُه بزَوالِ علَّتِه، كالخَمْرةِ إذا انقلبتْ خَلًّا، والقليلُ عِلَّةُ تنْجِيسِه المُلاقاةُ لا التغيُّرُ، فلم يُؤَثِّرْ زَوالُه في زَوالِ التَّنْجِيسِ. فصل: ولا يُعْتَبرُ في المُكاثرةِ صَبُّ الماءِ دَفعةً واحدةً؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُمْكِنٍ، لكنْ يُوصِلُ الماءَ على ما يُمْكِنُه من المبالغةِ (٧٠)، إمَّا مِن ساقيةٍ، وإمَّا دَلْوًا فدَلْوًا، أو يَسِيلُ إليه ماءُ المطَرِ، أو يَنْبُعُ قليلًا قليلًا، حتى يبلُغ قُلَّتَين فيَحْصُل به التَّطْهيرُ. فصل: فإن كُوثِرَ بما دون القُلَّتَين، فزال تغيُّرُه، أو طُرِحَ فيه ترابٌ أو مائعٌ غيَّرَ الماءَ، أو غيرُ ذلك، فزال تغيُّرُه به، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يطْهُر بذلك؛ لأنه لا يدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِه، فعَن غيرِه أوْلَى، ولأنه ليس بطَهُورٍ، فلا يحْصُلُ به الطهارةُ كالماء النَّجِسِ. والثاني، يطْهُرُ؛ لأنَّ عِلَّةَ نجاستِه التغيُّرُ، وقد زال، فيزُولُ التَّنْجِيسُ كما لو زال بمُكْثِه، وكالخَمْرةِ إذا انقلبتْ خَلًّا. فصل: ولا يطْهُر غيرُ الماءِ من المائعاتِ بالتَّطْهيرِ، في قولِ القاضي وابنِ عَقِيل، قال ابنُ عَقِيل: إلَّا الزِّئْبَقَ؛ فإنه لقُوَّتِه وتَماسُكِه يجْرِى مَجْرَى الجامِد؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن السَّمْنِ إذا وقَعتْ فيه الفَأرَةُ، فقال: "إِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ" روَاه أبو داود، ولو كان إلى تطْهِيرِه طريقٌ لم يأمُرْ بإراقتِه. واخْتار أبو الخَطَّاب أن ما يتَأتَّى تطْهيرُه كالزَّيْتِ، يطْهُر به؛ لأنه أمْكَنَ غَسْلُه

стр. 109

بالماء، فيطْهُر به، كالجامِد، وطريقُ تَطْهيرِه جَعْلهُ في ماءٍ كثيرٍ، ويُخاضُ فيه حتى يُصِيبَ الماءُ جميعَ أجْزائِه، ثم يُتْرَك حتى يَعْلُوَ علَى الماءِ، فيُؤْخَذ، وإن تركَه في جَرَّةٍ وَصَبَّ عليه ماءً، فخاضَه به، وجَعل لها بُزالًا (٧١) يخرُج منه الماءُ، جاز، والخبرُ ورَد في السَّمْنِ، ويحْتَمِلُ أن لا يُمْكِنَ تطْهيرُه؛ لأنه يجْمُدُ في الماءِ، ويحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ ﷺ تَرَك الأمْرَ بتَطْهيرِه لمشَقَّةِ ذلك، وقِلَّةِ وُقُوعِه. فصل: وإذا وقعتِ النجاسةُ في غيرِ الماء وكان مائِعًا نَجُسَ، وإن كان جامدًا كالسَّمْنِ الجامِد أُخِذَتِ النجاسةُ بما حولها فأُلْقِيَتْ، والباقي طاهِرٌ؛ لما روَتْ مَيْمونَةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئِل عن فَأْرَةٍ سقَطَتْ في سَمْنٍ، فقال: "أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ" روَاه البُخارِيُّ (٧٢). وعن أبي هُرَيْرة، ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن الفَأْرةِ تمُوتُ في السَّمْنِ، فقال: "إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ" أخْرجَه (٧٣) الإِمامُ أحمد، في "مُسْنَدهِ"، وإسْنادُه علَى شَرْطِ "الصحيحين". وحَدُّ الجامِد الذي لا تَسْرِى النجاسةُ إلى جميعِه، هو المُتماسِكُ الذي فيه قوةٌ تَمْنَعُ انتقالَ النَّجاسةِ عن (٧٤) الموْضِع الذي وقعَتْ عليه النجاسةُ إلى ما سِواهُ. قال الْمَرُّوذِىُّ: قِيلَ لأبي عبد اللَّه في الدوشاب (٧٥). يعني: يقَعُ فيه نجاسةٌ؟ قال:

стр. 110

إذا كان كثيرًا أُخِذَ (٧٦) ما حَوْلَه، مِثْلَ السَّمْنِ. وقال ابنُ عَقيلٍ: حَدُّ الجامِد ما إذا فُتِحَ وِعاؤهُ لم تَسِلْ أجْزاؤُه. وظاهرُ ما رَوَيْناه عن أحمدَ خِلافُ هذا؛ فإن الدوشاب لا يكادُ يبلُغ هذا، وسَمنُ الحجازِ لا يكاد يَبْلغُهُ، والمقصودُ بالجمُودِ أن لا تَسْرِيَ النَّجاسةُ (٧٧)، وهذا حاصِلٌ بما ذكَرْناه، فيُقْتَصَرُ عليه. فصل: وإن تنجَّس العَجِينُ ونحوُه فلا سَبِيلَ إلى تطْهيرِه؛ لأنه لا يُمْكِن غَسْلُه، وكذلك إن نُقِع السِّمْسِمُ أو شيءٌ مِن الحبوب في الماءِ النَّجِس، حتى انْتفَخ وابْتَلَّ، لم يطْهُرْ. قيل لأحمد، في سمسم نُقِع في تِيغَارٍ (٧٨)، فوقَعتْ فيه فأرةٌ، فماتت؟ قال: لا يُنْتَفَعُ بشيءٍ منه. قيل له: (٧٩) أفيُغْسَلُ مِرارًا حتى يذهبَ ذلك الماءُ؟ قال: أليس قد ابْتَلَّ مِن ذلك الماءِ، لا يَنْقَى منه وإن غُسِلَ. إذا ثَبت هذا فإنَّ أحمدَ قال في العَجِين والسِّمْسِم: يُطْعَمُ النَّواضِحَ (٨٠)، ولا يُطْعَمُ لما يُؤْكَلُ لحمُه. يعني لما يُؤْكَلُ لَحْمُه قريبًا. وقال مُجاهِد، وعَطاء، والثَّوْريُّ، وأبو عُبَيْد: يُطْعَمُ الدَّجاجَ. وقال مالك، والشافعيُّ: يُطْعَم البَهائمَ. وقال ابن الْمُنْذِر: لا يُطْعَمُ شيئًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن شُحومِ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، ويُدْهَنُ بها الجلودُ، ويَسْتصْبِح بها الناسُ؟ فقال: "لَا، هُوَ حَرَامٌ" مُتَّفَقُ عليه، (٨١) وهذا في مَعْناه.

стр. 111

ولنا ما رَوَى أحمدُ، بإسْنادِه، عن ابن عمر، ﵄، أنَّ قومًا اخْتَبزُوا مِن آبارِ الذين [ظلمُوا أنفسَهم] (٨٢)، فقال النبيُّ ﷺ : "أَعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ" (٨٣) احْتَجَّ به أحمد. وقال في كَسْبِ الحَجَّام: "أَطْعِمْهُ نَاضِحَكَ أَوْ رَقِيقَكَ". (٨٤) وقال أحمد: ليس هذا بمَيْتَةٍ. يعني أنَّ نَهْىَ رسولِ اللَّه ﷺ إنما تناوَل الميتةَ، وليس هذا بداخلٍ في النَّهْىِ، ولا في معناها، ولأن استعمالَ شُحومِ المَيتةِ فيما سُئل عنه النبيُّ ﷺ يُفْضِى إلى تَعَدِّي نَجاستِها، واسْتعمالِ ما دُهِنَتْ به من الجلود، فيكون مُسْتَعْمِلًا للنجاسةِ، وليس كذلك ههنا؛ فإنَّ نجاسةَ هذا لا تتعَدَّى أكْلَه. قال أحمد: ولا يُطْعَمُ لشيءٍ يُؤْكَلُ في الحالِ، ولا يُحْلَبُ لَبَنهُ، لئلَّا يتنجَّس به، يصير كالجَلَّالِ (٨٥). ٥ - مسألة؛ قال: (إِلَّا أنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أوْ عَذِرَةً مَائِعَةً فَإِنَّهُ يَنْجُسُ، إِلَّا أنْ يَكُونَ مِثْلَ المصَانِع الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ، ومَا أشْبَهَهَا مِن الْمِياهِ الْكَثِيرةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا، فَذَاكَ الَّذِي لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) .

стр. 112

يعني بالمصانع: البِرَكَ التي صُنِعَتْ مَوْرِدًا للحاجِّ، يشربون منها، يجتمعُ فيها ماءٌ كثير يكْفِيهم (١) ويفْضُلُ عنهم، فتلك لا تتَنَجَّس بشيءٍ من النَّجاساتِ ما لم تتغَيَّرْ، لا نعلمُ أحدًا خالفَ في هذا. قال ابنُ الْمُنْذِر: أجْمَع أهلُ العِلْم على أنَّ الماءَ الكثيرَ، مِثْلَ الرِّجْلِ (٢) مِن البحر ونحوه، إذا وقعتْ فيه نجاسةٌ، فَلم تُغَيِّرْ له لَوْنًا ولا طَعْمًا ولا رِيحًا، أنه بحَالِه يُتَطَهَّر منه، فأمَّا ما يُمْكِنُ نَزْحُه إذا بلَغ قُلَّتَيْن فلا يتنَجَّس بشيءٍ من النَّجاسات، إلَّا ببَوْلِ الآدَمِيِّين، أو عَذِرَتِهم المائِعة؛ فإنَّ فيه رِوَايتَيْن عن أحمد، أشْهرُهما: أنه يتنَجَّس بذلك. رُوِىَ نحوُ هذا عن عليٍّ، والحسن البصريّ. قال الخَلَّالُ: وحُدِّثنا عن عليٍّ ﵁ بإسْنادٍ صحيحٍ، أنه سُئل عن صَبِيٍّ بالَ في بئرٍ، فأمرَهم أن ينْزِفُوها (٣)، ومثلُ ذلك عن الحسن البصْرِيّ. ووَجْهُ ذلك: ما روَى أبو هُرَيرة، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الذي لَا يَجْرِى، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وفي لَفْظٍ: "ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ". صحيح. وللبُخارِيّ: "ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيه". وهذا مُتناوِلٌ للقليلِ والكثير، وهو خاصٌّ في البَوْلِ، (٥) وأصَحُّ مِن خَبَرِ (٦) القُلَّتَيْن فَيتَعَيَّنُ تَقْدِيمُه. والرِّواية الثانية، أنه لا يتَنَجَّس ما لم يتغَيَّرْ، كسائِر النَّجاسات، اخْتارَها أبو الخَطَّاب، وابنُ عَقِيل، وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأكثرُ أهلِ العلم لا يُفرِّقون بين البَوْلِ وغيرِه من النَّجاسات؛ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "إِذَا بَلَغ الْمَاءُ قُلَّتَيْن لَمْ يَنْجُسْ". ولأنَّ نجاسةَ (٧) بول الآدَمِيِّ لا تزيدُ علَى نجاسةِ بَوْلِ الكلبِ، [وهو] (٨) لا

стр. 113

يُنَجِّسُ القُلَّتَيْن، فَبوْلُ الآدَمِيِّ أوْلَى، وحديثُ أبي هُرَيْرة لا بُدَّ مِن تَخْصِيصهِ، بدليلِ ما لا يُمْكِنُ نَزْحُه، فيُقاسُ عليه ما بلَغ القُلَّتَيْن، أو يُخَصُّ بخَبرِ القُلَّتَيْن، فإنَّ تخْصِيصَه بخبرِ النبيِّ ﷺ أوْلَى مِن تخْصيصهِ بالرَّأْيِ والتَّحَكُّمِ مِن غيرِ دليلٍ، ولأنه لو تَساوَى الحديثان لَوجَب العُدولُ إلى القياسِ على سائِر النَّجاسات. فصل: ولم أجِدْ عن إمامِنا، ﵀، ولا عن [أحدٍ من] (٩) أصحابِنا، تَحْدِيدَ ما يُمْكِنُ نَزْحُه، بأكثرَ من تشْبِيهه بمَصانِع مكة. قال أحمدُ: إنما نَهَى النبيُّ ﷺ عن الرَّاكِد من آبارِ المدينة علَى قِلَّةِ ما فيها؛ لأن الْمَصانِعَ لم تَكُنْ، إنما أُحْدِثَتْ. وقال الأَثْرَمُ: سمعتُ أبا عبد اللَّه يُسْأَلُ عن الْمَصانِع التي بطريقِ مكة؟ فقال: ليس يُنَجِّسُ تلك عندي بولٌ ولا شيءٌ إذا كَثُرَ الماءُ، حتى يكون مثل (١٠) المصانِع. وقال إسحاقُ ابن منصور: سُئل أحمدُ عن بئرٍ بالَ فيها إنسانٌ؟ قال: تُنْزَحُ حتى تَغْلِبَهم. قلت: ما حَدُّه؟ قال: لا يَقْدِرُون علَى نَزْحِها. وقيل لأبي عبد اللَّه: الغَدِيرُ يُبالُ فيه؟ قال: الغديرُ أسهلُ. ولم يَرَ به بأسًا، وقال في البئر، يكون لها مَادَّةٌ: هو واقِفٌ لا يجْرِى ليس بمنزلةِ ما يجْرِى. يعني أنه يتنَجَّس بالبَوْلِ فيه إذا أمْكَنَ نَزْحُه. فصل: ولا فَرْقَ بين البَوْلِ القليلِ والكثير. قال مُهَنَّا (١١): سألتُ أحمدَ عن بئرٍ غزيرةٍ وقعتْ فيها خِرْقةٌ أصابَها بولٌ؟ قال: تُنْزَحُ. وقال في قَطْرةِ بولٍ وقعتْ في ماءٍ: لا يُتَوضَّأُ منه. وذلك لأن سائَر النَّجاساتِ لا فَرْقَ بين قليلِها وكثيرِها. فصل: إذا كانت بئرُ الماء ملاصقةً لبئرٍ فيها بَوْلٌ أو غيرُه من النَّجاسات، وشَكَّ في وُصولِها إلى الماءِ، فهو علَى أصْلِه في الطهارة. قال أحمدُ: يكونُ بين البئرِ والبَالُوعةِ ما لم يُغَيِّرْ طَعْمًا ولا رِيحًا - وقال الحسن: ما لم يتَغيَّرْ لَوْنُه أو رِيحُه - فلا

стр. 114

بَأْسَ أن يتَوَضَّأَ منها. وذلك لأن الأصْلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ، وإن أحَبَّ عِلمْ حَقِيقَةِ ذلك فْليَطْرَحْ في البئرِ النَّجِسَةِ نِفْطًا، فإن وَجَدَ رائحتَه في الماءِ عَلِمَ وُصُولَه إليه، وإلَّا فلا. وإن تغَيَّرَ الماءُ تغَيُّرًا يصْلُح أن يكونَ مِن النجاسة، ولم يعلمْ له سبَبًا آخَرَ، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّ المُلاصَقةَ سَبَبٌ، فيُحالُ الحكمُ عليه، وما عَداهُ مَشْكوكٌ فيه. ولو وجَد ماءً مُتغَيِّرًا في غير هذه الصورة، ولم يعْلَمْ سَبَبَ تغيُّرِه فهو طاهِر، وإن غلَب على ظَنِّه نَجاستُه؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزولُ بالشَّكِّ. وإن وقعتْ فيه نجاسةٌ فوجَده متغيِّرًا تَغَيُّرًا يصلُح أن يكونَ (١٢) منها فهو نَجِسٌ؛ [لأن سببَ التَّغَيُّرِ بالنجاسةِ قد وُجِدَ، فلا يُحال على غيرِه، وإن كان] (١٣) التَّغَيُّرُ لا يصلُح أن يكونَ مِن النجاسة الواقعةِ فيه، لكَثْرتِه وقِلَّتِها، أو لمُخالفتِه لَوْنَها أو طَعْمَها، فهو طاهر؛ لأننا لم (١٤) نعلمْ للنجاسةِ سَبَبًا، فأَشْبَهَ ما لو لم يقعْ فيه شيءٌ. فصل: وإن تَوَضَّأَ من الماءِ القليلِ، وصلَّى، ثم وجد فيه نجاسةً، أو تَوَضَّأَ من ماءٍ كثيرٍ، ثم وجَدهُ متغيِّرًا بنجاسةٍ، وشَكَّ؛ هل كان قبلَ وُضوئِه، أو بعدَه؟ فالأصلُ صِحَّةُ طهارتِه [وصلاتِه] (١٥)، وإن علم أنَّ ذلك كان قبلَ وُضوئِه بأمارةٍ أعاد، وإن علم أنَّ النجاسةَ قبلَ وُضوئِه ولم يعلمْ أكان دون القُلَّتَيْن، أو كان قُلَّتَيْن فنقَص بالِاسْتعمالِ، أعادَ؛ لأنَّ الأصلَ نَقْصُ الماءِ. فصل: إذا نُزِحَ ماءُ البئرِ النَّجِسِ، فنبَع فيه بعدَ ذلك ماءٌ، أو صُبَّ فيه، فهو طاهِر؛ لأنَّ أرضَ البئرِ مِن جُمْلةِ الأرضِ التي تطهرُ بالْمُكاثَرةِ بمُرورِ الماءِ عليها، وإن نجستْ جوانِبُ البئرِ، فهل يجبُ غَسْلُها؟ على روايتَيْن: إحداهما، يجبُ؛ لأنه مَحَلٌّ [أصابتْه نجاسةٌ] (١٦)، فأَشْبَهَ رأسَ البئرِ.

стр. 115

والثانية، لا يجبُ؛ [لأن المشقَّةَ تَلْحَقُ] (١٧) بذلك، فعُفِىَ عنه، كمَحَلِّ الِاسْتنجاءِ، وأسْفَلِ الحذاء. فصل: (١٨) قال محمد بن يحيى (١٩): سألتُ أبا عبد اللَّه عن قُبورِ الحجارة التي للرُّوم (٢٠) يَجِىءُ المطرُ فيصيرُ فيها، ويشربون من ذلك، ويتوَضَّؤُون؟ قال: لو غُسِلَتْ كيف تُغْسَلُ! إنَّما (٢١) يجىءُ المطرُ إلَّا أن يكونَ قد غسلَها مَرةً أو مَرَّتيْن. والأَوْلَى الحكمُ بطهارتِها؛ لأنَّ هذه قد أصابَها الماءُ مَرَّاتٍ لا يُحْصَى عددُها، وجَرَى علَى حيطانِها من ماءِ المطر ما يُطَهِّرُها بعضُه، ولأن هذه يَشُقُّ غَسْلُهَا، فأَشْبهَت الأرضَ التي تطْهُر بمجَئِ المطرِ عليها. ٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ اليَسِيرِ مَا لَيْسَ لَهُ نفْسٌ سَائِلةٌ، مِثْلُ الذُّبَابِ والْعَقْرَبِ والْخُنْفُسَاءِ ومَا أَشْبَهَ ذَلكِ، فَلَا يُنَجِّسُهُ) . النَّفْس ها هنا: الدَّم، يعني: ما ليس له دَمٌ سائل، والعربُ تسمِّى الدم نَفْسًا، قال الشاعر (١): أُنْبِئْتُ أنَّ بَنىِ سُحَيْمٍ أَدْخَلُوا ... أَبْيَاتَهُمْ تَامُورَ نَفْسِ الْمُنْذِرِ يعني: دَمَه (٢). ومنه قيل للمرأة: نُفَساء؛ لِسَيَلان دَمِها عند الولادة، وتقول

стр. 116

العرب: نَفِسَت (٣) المرأة. إذا حاضَتْ، ونُفِسَتْ مِن النِّفاس. وكلُّ ما ليس له دَمٌ سائلٌ؛ كالذي ذكَره الخِرَقيُّ، من [حيوان البَرِّ] (٤)، أو حيوانِ البحر، (٥) العَلَقِ، والدِّيدان، والسَّرَطان، ونحوها، لا يتَنَجَّسُ بالموْتِ، ولا يتَنَجَّسُ الماءُ إذا مات فيه، في قول عامَّةِ الفقهاء؛ قال ابنُ المُنْذر: لا أعلمُ في ذلك خِلافًا، إلَّا ما كان من أحدِ قَوْلىِ الشافعيِّ، قال فيها قولان؛ أحدهما، يَنْجسُ قليلُ الماء. قال بعضُ أصحابِه: وهو القياسُ. والثاني، لا يَنْجُسُ. وهو الأصْلَحُ للناس. فأمَّا الحيوانُ في نفسِه فهو عنده نَجِسٌ، [قَوْلًا واحدًا] (٦). لأنه حيوانٌ لا يُؤْكَلُ لحمُه (٧) لا (٨) لحُرْمتِه، فينْجُسُ بالموتِ، كالبَغْلِ والحمار. ولنا قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْقُلْهُ، فَإِنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وفِي اْلآخَرِ شِفَاءً". روَاه البُخارِيُّ، وأبو داود (٩)، وفى لَفْظٍ: "إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهَ، ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ؛ فإِنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيْهِ

стр. 117

سَمًّا، وفِي الْآخَرِ شِفَاءً". قال ابنُ الْمُنذِر: ثَبَتَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال ذلك. قال الشافعيُّ: مَقْلُه ليس بِقَتْلِه. قلنا: اللفظُ عامٌّ في كلِّ شرابٍ باردٍ، أو حارٍّ، أو دُهْنٍ، ممّا يمُوتُ بغَمْسِه فيه، فلو كان يُنَجِّسُ الماءَ كان أمْرًا بإفْسادِه، وقد رُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لسَلْمانَ: "يَا سَلْمَانُ، أَيُّمَا طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ مَاتَتْ فِيهِ دَابةٌ لَيْسَتْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلةٌ، فَهُوَ الْحلَالُ: أكْلُهُ، وشُرْبُهُ، ووُضُوؤُهُ". وهذا صريحٌ. أخْرَجه التِّرْمِذيُّ، (١٠) والدَّارَقُطْنِيُّ، (١١) قال التِّرْمِذِيُّ: يرْوِيه بَقِيَّةُ، (١٢) وهو يُدَلِّس (١٣)، فإذا روَى عن الثِّقاتِ جَوَّد. [ولأنه لا نَفْسَ له] (١٤) سائلةٌ، لم يتوَلَّدْ مِن النجاسةِ، فأَشْبَهَ دُودَ الخلِّ إذا مات فيه، فإنهم سَلَّمُوا ذلك ونحوَه، أنه لا ينْجُس المائِع الذي تولَّد منه، إلَّا أن يُؤْخَذَ ثم يُطْرَحَ فيه، أو يشُقَّ الاحْترازُ منه، أشْبَهَ ما ذكرْناه، وإذا ثبَت أنه لا ينْجُس، لَزِمَ أن لا يكونَ نَجِسًا؛ لأنه لو كان نَجِسًا لنَجُسَ كسائِر النَّجاسات. فصل: فإن غَيَّرَ الماءَ فحُكْمهُ حكمُ الطاهِرات؛ إن كان مما لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، كالجَرادِ يتسَاقَطُ في الماء ونحوِه، فهو كوَرَقِ الشَّجَرِ الْمُتناثِرِ في الماء، يُعْفَى عنه، وإن كان ممَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، كالذي يُلْقَى في الماء قَصْدًا، فهو كالوَرَقِ الذي يُلْقَى في الماء. ولو تغيَّر الماءُ بحَيوانٍ مُذَكىًّ، من غير أن يُصِيبَ نجاسةً، فقد نقَل إسحاقُ بن منصور، قال: سُئل أحمدُ عن شاةٍ مَذْبُوحةٍ، وقعتْ في ماءٍ فتغيَّر رِيحُ الماءِ؟ قال: لا بأسَ، إنَّما ذلك إذا كان مِن نجاسةٍ. وقال عبد اللَّه بن أحمد: قال أبي: وأمَّا

стр. 118

السمكُ إذا غيَّرَ الماءَ، فأرجُوْ أن لا يكونَ به بأْسٌ. فصل: ذكر ابنُ عَقِيل، فيمَن ضَرَبَ حيوانًا مأْكولًا، فوقَع في ماءٍ، ثم وجَده مَيِّتًا، ولم يعَلمْ؛ هل مات بالْجِرَاحةِ، أو بالماء، فالماءُ علَى أصْلهِ في الطهارة، والحيوانُ على أصْلهِ في الحَظْر، إلَّا أن تكونَ الجِرَاحةُ مُوجِبةً، فيكونُ الحيوانُ أيضًا مُباحًا؛ لأنَّ الظاهِرَ مَوْتُه بالجِرَاحِ والماءُ طاهِرٌ، إلَّا أن يقَعَ فيه دَمٌ. فصل: الحيوان ضربان: ما ليستْ له نَفْسٌ سائلةٌ، وهو نَوْعان: ما يتَوَلَّدُ مِن الطاهرات، فهو طاهرٌ حَيا وَميِّتا، وهو الذي ذكرْناه. الثاني، ما يتَولَّد مِن النجاسات، كدُودِ الحُشِّ (١٥) وصَراصِرِه، فهو نَجسٌ حَيا ومَيِّتا؛ لأنه مُتوَلِّدٌ مِن النجاسةِ فكان نَجِسًا، كوَلَدِ الكلبِ والخنزير. قال أحمدُ، في رواية الْمَرُّوذِيِّ: صَراصِرُ الكَنِيفِ والبالوعةِ، إذا وَقَعَ في الإِناءِ أو الحُبِّ، صُبَّ، وصَراصِرُ البئرِ ليست بقَذِرَةٍ، ولا تأكلُ الْعَذِرة. الضرب الثاني، ما له نَفْسٌ سائلةٌ، وهو ثلاثة أنواع: أحدها، ما تُباحُ مَيْتَتُه، وهو السَّمكُ وسائرُ حيوانِ البحر الذي لا يَعيِشُ إلَّا في الماء، فهو طاهرٌ حَيًّا ومَيِّتًا، لولا ذلك لم يُبَحْ أكلُه، وإن غيَّرَ الماءَ لم يَمْنَعْ؛ لأنه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. النوع الثاني، ما لا تُباحُ مَيْتَتُهُ غيرَ الآدَمِيِّ؛ كحيوان الْبَرِّ المأكولِ، وغيره، وحيوانِ (١٦) البحرِ الذي يعيشُ في البَرِّ، كالضِّفْدَعِ، والتِّمسْاحِ، وشِبْههما، فكلُّ ذلك ينْجسُ بالموتِ، وينجُس الماءُ القليلُ إذا مات فيه، والكثيرُ إذا غَيَّرَهُ. وبهذا قال ابنُ المبارك (١٧) , والشافعيُّ، وأبو يوسف.

стр. 119

وقال مالك، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، في الضِّفْدَعِ: إذا ماتتْ في الماء لا تُفْسِدُه؛ لأنها تعيشُ في الماءِ. أشْبَهَتِ السَّمَكَ. ولنا أنها تُنَجِّسُ غيرَ الماءِ، فتُنَجِّسُ الماءَ، كحيوانِ البَرِّ، ولأنه حيوانٌ له نَفْسٌ سائلةٌ، لا تُباحُ مَيْتَتُهُ. فأَشْبَهَ طيرَ الماء، ويُفارِق السَّمَكَ؛ فإنه مُباحٌ، ولا يُنَجِّسُ غيرَ الماء. النوع الثالث، الآدَمِيُّ، الصحيحُ في المذهبِ أنه طاهرٌ حيًّا ومَيِّتًا؛ لِقَولِ النبيِّ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ" مُتَّفَقٌ عليه. وعن أحمد: أنه سُئل عن بئرٍ وقَع فيها إنسانٌ، فمات؟ قال: يُنْزَحُ حتى يَغْلِبَهم. وهو مذهبُ أبي حنيفة، قال: يَنْجُس ويطْهرُ بالغَسْلِ؛ لأنه حيوانٌ له نَفْسٌ سائلةٌ، فنَجُسَ بالموتِ، كسائر الحيوانات. وللشافعيِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْن. والصحيحُ ما ذكرْنا أوَّلًا؛ للخَبَرِ، ولأنه آدَمِيٌّ، فلم ينْجُسْ بالموتِ، كالشَّهِيد؛ ولأنه لو نَجُس بالموت لم يطْهُرْ بالغَسْل، كسائر الحيوانات التي تنْجُس بالموتِ (١٨)، ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا بين المسلم والكافر؛ لاسْتوائهما في الآدَمِيَّة، وفي حالِ الحياة، ويحْتَمِلُ أن ينْجُسَ الكافرُ بمَوْتِه؛ لأن الخبرَ إنَّما ورد في المسلم، ولا يصِحُّ قياسُ الكافرِ عليه، لأنه لا يُصَلَّى عليه، وليس له حُرْمَةٌ كحرمَةِ المسلمِ. فصل: وحُكْمُ أجْزاءِ الآدَمِيِّ وأبْعاضِه حكمُ جُمْلتِه، سواءٌ انْفَصلتْ في حياتِه أو بعد مَوْتِه؛ لأنها أجزاء مِن جُملةٍ. فكان حكمُها كسائرِ الحيوانات الطاهِرة والنَّجِسة، ولأنها يُصَلَّى عليها، فكانت طاهرةً كجُمْلته. وذكر القاضي أنها نَجِسَةٌ، روايةً واحدة؛ لأنها لا حُرْمةَ لها، بدليلِ أنه لا يُصَلَّى عليها. ولا يَصِحُّ هذا؛ فإنَّ لها حُرْمةً، بدليل أنَّ كَسْر عَظْم الميِّتِ ككسْر عظمِ الحيِّ، ويُصَلَّى عليها إذا وُجِدَتْ من الميِّتِ، ثم تبْطُلُ بشَهِيدِ المعركة، فإنه لا يُصَلَّى عليه، وهو طاهِرٌ.

стр. 120

فصل: وفي الوَزَغِ (١٩) وَجْهان: أحدهما، لا ينْجُس بالموتِ؛ لأنه لا نَفْسَ له سائلةً، أَشْبَهَ العَقْرَبَ، ولأنه إن شَكَّ في نَجاستِه فالماءُ يَبْقَى علَى أصْلِه في الطهارة. والثاني، أنه ينجُس؛ لما رُوِىَ عن علىٍّ ﵁، أنه كان يقول: إن ماتَتِ الوَزَغَةُ أو الفأرةُ في الحُبِّ يُصَبُّ ما فِيه، وإذا ماتتْ في بئرٍ فانْزَحْها حتى تَغْلِبَكَ. فصل: وإذا مات في الماءِ حيوانٌ لا يُعْلَمُ، هل ينجُس بالموت أم لا؟ فالماء طاهرٌ. لأنَّ الأصْلَ طَهارتهُ، والنجاسةُ مَشْكوكٌ فيها، فلا نَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ. وكذلك الحكمُ إن شَرِبَ منه حيوانٌ يُشَكُّ في نجاسةِ سُؤْرِه وطهارتِه؛ لما ذكرْنا. ٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَتَوَضَّأُ بِسُؤْرِ كُلِّ بَهِيمَةٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا، إِلَّا السِّنَّوْرَ (١) وَمَا دُونَهَا في الْخِلْقَةِ). السُّؤْر. فَضْلَةُ الشُّرْب. والحيوان قسمان: نَجِس، وطاهر. فالنَّجِسُ نوعان: أحدهما، ما هو نَجِسٌ، راويةً واحدة، وهو الكلب، والخنزير، ومَا توَلَّد منهما، أو من أحدِهما، فهذا نَجِسٌ؛ عَيْنُه، وسُؤْرهُ، وجميعُ ما خرَج منه، رُوِىَ ذلك عن عُرْوَةَ (٢)، وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأبى عُبَيْد، وهو قَوْلُ أبي حنيفة في السُّؤْرِ خاصَّة. وقال مالك، والأَوْزاعِيُّ، وداود (٣): سُؤْرُهما طاهر، يُتَوَضَّأُ به ويُشْرَب، وإن وَلغَا في طعامٍ لم يحرُمْ أكلُه. وقال الزُّهْريُّ: يَتَوَضَّأُ به إذا لم يَجِدْ غيرَه.

стр. 121

وقال عَبْدَةُ بن أبي لُبابةَ (٤)، والثَّوْرِىُّ، وابن المَاجِشُون (٥)، وابن مَسْلَمة (٦): يَتَوَضَّأُ ويتَيَمَّم. قال مالك: ويُغْسَلُ الإِناءُ الذي ولَغ فيه الكلبُ تَعبُّدًا. واحْتَجَّ بعضُهم على طهارته بأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٧) ولم يأْمُرْ بغَسْلِ ما أصابَه فَمُهُ، وروَى ابنُ ماجَه بإسْنادِه، عن أبي سعيد الخُدْرِىِّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئل عن الْحِيَاضِ التي بين مكة والمدينة، تَرِدُها السِّباعُ والكلابُ والْحُمُرُ، وعن الطهارة بها؟ فقال: "لهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ" ولأنه حيوانٌ فكان طاهِرًا كالمأْكولِ. ولنا ما رَوَى أبو هُرَيْرة، رضىَ اللَّه عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا" مُتَّفَقٌ عليه (٨)، ولمُسْلم: "فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ". (٩) ولو كان سُؤْرُه طاهِرًا لم تَجُزْ إراقَتُه، ولا وجَب غَسْلُه. فإن قِيل: إنَّما وجَب غَسْلُه تَعبُّدًا، كما تُغْسَلُ أعضاءُ الوضوءِ وتُغْسلُ اليَدُ مِن نَوْمِ الليلِ. قُلْنا: الأصلُ وجُوبُ الغَسْلِ من النجاسةِ؛ بدليلِ سائرِ الغَسْل، ثم لو كان تَعَبُّدًا لمَا أمرَ بإراقةِ الماءِ، ولمَا اخْتَصَّ الغَسْلَ بموضعِ الوُلُوغ؛ لِعُمومِ اللفظِ في الإِناءِ كلِّه. وأمَّا غَسْلُ اليَد من النوم (١٠) فإنما أمَر به للِاحْتياطِ؛ لاحْتمالِ أن تكونَ يدُه قد

стр. 122

أصابَتْها نجاسةٌ، فيتَنَجَّسُ الماءُ، ثم تنْجُس أعضاؤُه به، وغَسْلُ أعضاءِ الوضوءِ شُرِعَ للوضَاءة والنظافةِ ليكونَ العَبْدُ في حالِ قيامِه بين يَدَىِ اللَّه علَى أحْسَنِ حالٍ وأكْمَلِها، ثم إن سَلَّمْنا ذلك، فإنما عَهِدْنا التَّعَبُّدَ في غَسْلِ اليدَيْن، أمَّا الآنِيَةُ والثّيابُ فإنما يجب غَسْلُها من النجاسات، وقد رُوِىَ في لفظٍ: "طهُورُ إِناءِ أحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا". أخْرَجه أبو داود (١١)، ولا يكون الطُّهُور (١٢) إلَّا في مَحَلِّ الطَّهارةِ. وقَوْلُهم: إنَّ اللَّه تعالى أمَر بأكْلِ ما أمْسَكَه الكلبُ قبلَ غَسْلِه. قُلْنا: اللَّه تعالى أمَر بأكْلِه، والنبىُّ ﷺ أمَر بغَسْلِه، فيُعْمَلُ بأمرِهما، وإن سَلَّمْنا أنه لا يجبُ غَسْلُه فلأنه يَشُقُّ، فعُفِىَ عنه، وحديثُهم قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أنَّ الماءَ المسئولَ عنه كان كثيرًا، ولذلك قال في موضعٍ آخر، حين سُئل عن الماءِ، وما يَنُوبُه مِن السِّباع: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْن لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ"، [ولأنَّ الماءَ لا ينجُس إلا بالتغيُّرِ علَى روايةٍ لنا، وشُرْبُها من الماءِ لا يُغَيِّرُه، فلم يُنَجِّسْه ذلك] (١٣). النوع الثاني، ما اخْتُلِف فيه، وهو سائرُ سِباعِ البهائم، إلَّا السِّنَّوْرَ وما دونها في الْخِلقَةِ، وكذلك جَوارِحُ الطيرِ، والحمارُ الأهْلِىُّ والبغلُ؛ فعن أحمدَ: أنَّ سُؤْرَها نَجِسٌ، إذا لم يجدْ غيرَه تيَمَّم، وتَرَكَه. ورُوِىَ عن ابن عمر: أنَّه كَرِهَ سُؤْرَ الحمار. وهو قولُ الحسن، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، (١٤) والأَوْزَاعِىِّ، وحَمَّادٍ (١٥)، وإسحاق. وعن أحمد ﵀: أنه قال في البغلِ والحمارِ: إذا لم يَجِدْ غيرَ سُؤْرِهما تَيَمَّم

стр. 123

معه. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ. وهذه الروايةُ تدُلُّ على [القوْلِ بطهارةِ] (١٦) سُؤْرِهما؛ لأنه لو كان نَجِسًا لم تَجُزِ الطهارةُ به. ورُوِىَ عن إسماعيل بن سعيد: لا بأْسَ بسُؤْرِ السِّباع؛ لأنَّ عمر قالَ في السِّباع: تَرِدُ علينا، ونَرِدُ عليها (١٧). ورخَّص في سُؤْرِ جميعِ ذلك الحسنُ، وعطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ويحيى الأنْصارِىُّ (١٨)، وبُكَيْرُ بن الأشَجِّ (١٩)، وربيعةُ (٢٠)، وأبو الزِّنادِ (٢١)، ومالكٌ، والشافعيُّ، وابن الْمُنْذِرِ؛ لحديثِ أبى سعيد في الحِيَاض (٢٢)، وقد رُوِىَ عن جابر أيضًا (٢٣)، وفي حديثٍ آخَرَ عن جابر، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل: أنتَوَضَّأ بما أفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قال: "نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا" روَاه الشَّافِعىُّ، في "مُسْنَدِه"، (٢٤) وهذا نَصٌّ، ولأنَّه حيوانٌ يجوز الانْتفاعُ به مِن غيرِ ضرورةٍ، فكان طاهِرًا كالشَّاةِ. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن الماءِ، وما يَنُوبهُ من السِّباعِ؟ فقال: "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْن لَمْ يَنْجُسْ". ولو كانت طاهرةً لم يحدّه بالقُلَّتَيْن، وقالَ

стр. 124

النبيُّ ﷺ في الْحُمُرِ يومَ خَيْبَرَ: "إِنَّهَا رِجْسٌ". (٢٥) ولأنه حيوانٌ حُرِّمَ أكْلُه، لا لحُرْمَتِه، يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه غالبًا، أَشْبَهَ الكلبَ، ولأنَّ السِّباعَ والجوارحَ الغالبُ عليها أكلُ الْمَيْتاتِ والنَّجاسات، فَتنْجُس أفْواهُها، ولا يتحقَّقُ وجودُ مُطَهِّرٍ لها، فينبغى أن يُقْضَى بنجاستِها، كالكلاب، وحديثُ أبى سعيد قد أجَبْنَا عنه، ويتعَيَّنُ حَمْلُه على الماءِ الكثير، عندَ مَن يرَى نجاسةَ سُؤْرِ الكلب، والحديثُ الآخَرُ يرْوِيه ابن أبي حَبِيبة، وهو مُنْكَرُ الحديث. قاله البُخارِىُّ (٢٦). وإبراهيمُ بن يحيى (٢٧)، وهو كَذَّابٌ. والصَّحِيحُ عندى: طهارةُ البغلِ والحمار؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يركبُها، وتُرْكَبُ في زمنِه، وفى عصرِ الصحابة، فلو كان نَجِسًا لبَيَّنَ النبيُّ ﷺ ذلك، ولأنهما ممَّا (٢٨) لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منهما لِمُقْتنيهما. فأشْبَها السِّنَّوْرَ، وقولُ النبيِّ ﷺ [في الحُمُرِ] (٢٩): "إِنَّهَا رِجْسٌ" أراد أنها مُحَرَّمةُ, كقولِه تعالى في [الخمر] (٣٠) والمَيْسِرِ والأنْصاب والأزْلام إنها ﴿رِجْسٌ﴾ (٣١)، ويحْتَمِلُ أنه أراد لَحْمَها الذي

стр. 125

كان في قُدورِهم، فإنه نجسٌ (٣٢)، لأنَّ (٣٣) ذَبْحَ ما لا يَحِلُّ أكلُه لا يُطَهِّرُه. القسم الثاني؛ طاهِرٌ في نفسِه، وسُؤْرِه وعَرَقِه، وهو ثلاثة أضْرُبٍ: الأول، الآدَمِىُّ، فهو طاهِرٌ، وسُؤْرُه طاهر، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، عند عامَّةِ أهلِ العلم، إلا أنه حُكِىَ عن النَّخَعِىِّ أنه كَرِهَ سُؤْرَ الحائض، وعن جابر بن زيد، لا يَتَوَضَّأ منه، وقد ثبَت أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "الْمُؤْمِنُ [لا يَنْجُسُ"] (٣٤). وعن عائشة، أنها كانتْ تَشْرَبُ مِن الإِناءِ، وهى حائضٌ، فيأخذُه رسولُ اللَّه ﷺ فيضَعُ فَاهُ علَى موضِع فِيهَا، فيشْربُ، وتَتَعَرَّقُ العَرْقَ (٣٥) فيأخذُه فيضَعُ فَاهُ علَى مَوْضِع فِيهَا. روَاهُ مسلم (٣٦)، وكانتْ تغسِلُ رأسَ رسولِ اللَّه ﷺ وهى حائِضٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٣٧)، وقال لعائشة: "نَاوِلِينِى الْخُمْرَةَ (٣٨) مِنَ المَسْجِدِ"

стр. 126

قالت: إنِّي حائضٌ. قال: "إِنَّ حَيْضَتكِ ليستْ فِي يَدِكِ" (٣٩). الضرب الثاني، ما أُكِل لَحْمُه؛ فقال أبو بكر ابن المُنْذِر: أجْمَعَ أهلُ العِلْم على أنَّ سُؤْرَ ما أُكِلَ لحمُه يجوزُ شُرْبُه، والوضوءُ به. فإن كان جَلَاّلًا يأكُل النجاساتِ. فذكر القاضي فيه (٤٠) روايتَيْن؛ إحداهما: أنه نَجِسُ. والثانية: طاهر. فيكونُ هذا من النوع الثاني من القِسْمِ الأولِ الْمُختَلَفِ فيه. الضرب الثالث، السِّنَّوْرُ وما دونها في الخِلْقة؛ كالفَأْرةِ، وابنِ عِرْسٍ (٤١)، فهذا ونحوُه من حَشراتِ الأرض سُؤْرُه طاهر، يجوزُ شُرْبُه والوضوءُ به. ولا يُكْرَه. وهذا قولُ أكثِر أهل العلم؛ من الصَّحابة، والتَّابِعين، من أهل المدينة، والشام، وأهل الكوفة وأصحابِ الرَّأىِ، إلَّا أبا حنيفة، فإنه كَرِهَ الوُضوءَ بسُؤْرِ الهِرِّ، فإن فعَل أجزأه. رُوِىَ (٤٢) عن ابن عمر أنه كَرِهَه، وكذلك يحيى الأنْصارِىّ، وابن أبي لَيْلَى. وقال أبو هُرَيْرة: يُغْسَلُ مَرَّةً أو مرَّتَيْن. وبه قال ابنُ المُسَيّب (٤٣).

стр. 127

وقال الحسنُ، وابن سِيرِين: يُغْسَلُ مَرَّةً. وقال طاوُس (٤٤): يُغْسَلُ سَبْعًا، كالكلب. وقد روَى أبو داود، بإسْناده، عن أبي هُرَيْرة رضىَ اللَّه عنه، عن النبيِّ ﷺ ، فذكَر الحديثَ، وقال: "إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرُّ (٤٥) غُسِلَ مَرَّةً". ولنا ما رُوِىَ عن كَبْشةَ بنتِ كعبِ بن مالِك، وكانت تحت أبى قَتادة، أنَّ أبا قَتادةَ دخل عليها، فسكَبتْ له وَضُوءًا، قالت: فجاءت هِرَّةٌ فأَصْغَى (٤٦) لها الإِناءَ حتى شَرِبَتْ، قالت كَبْشةُ: فرآنِى أنْظُرُ إليه، فقال: أتَعْجَبِين يا ابْنَةَ أخى؟ فقلتُ: نعم. فقال: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ والطَّوَّافَاتِ". أخْرَجه أبو داود [والنَّسائىُّ، والتّرْمِذِىُّ] (٤٧)، وقال (٤٨): هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيح. وهذا أحْسَنُ شيءٍ في الباب. [وهذا قد] (٤٩) دَلَّ بلفْظِه علَى نَفْىِ الكراهةِ عن سُؤْرِ الهِرِّ، وبِتَعلِيلهِ على نَفْىِ الكراهة عمَّا دونها مما يَطُوفُ علينا. وروَى ابنُ ماجَه، عن عائشة، قالت: كنتُ أتوَضَّأُ أنا

стр. 128

ورسولُ اللَّه ﷺ من إناءٍ، قد أصابَتْ منه الهِرَّةُ قبلَ ذلكِ (٥٠). وعن عائشة، أنها قالت: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "إنَّها لَيْسَتْ بنَجَسٍ، [إنَّمَا هِىَ] (٥١) مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ". وقد رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يَتَوضَّأُ بفَضْلِها. روَاه أبو داود (٥٢). فصل: إذا أكلت الهِرَّةُ نجاسةً ثم شَرِبَتْ من ماءٍ يَسِيرٍ بعدَ أن غابتْ، فالماءُ طاهِر؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَفَى عنها النجاسةَ، وتَوضَّأَ [مِن فَضْلِها] (٥٣)، مع عِلْمِه بأكْلِها النَّجاسات. وإن شربتْ قبلَ أن تَغيب، فقال القاضي، وابنُ عَقِيل: ينْجُس؛ لأنه ورَدتْ عليه نجاسةٌ مُتَيَقَّنةٌ، أَشْبَهَ ما لو أصابَه بَوْلٌ. وقال أبو الحسن الآمِدِىُّ: ظاهرُ مذهبِ أصحابِنا أنه طاهِرٌ، وإن لم تَغِبْ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ عَفَى عنها مُطْلَقًا، وعلَّل بعَدَمِ إمْكِان الاحْترازِ عنها، ولأننا حَكَمْنا بطهارةِ سُؤْرِها بعد (٥٤) الغَيْبة في مَكانٍ لا يَحتَمِلُ وُرودَها على ماءٍ كثيرٍ يُطَهِّرُ فَاهَا، ولو احْتمَل ذلك فهو شَكٌّ لا يُزِيلُ يَقينَ النجاسة، فوجَب إحالةُ الطهارةِ علَى العَفْوِ عنها، وهو شاملٌ لما قبلَ الغَيْبةِ. فصل: وإن وقَعتِ الفأرةُ أو الهِرَّةُ ونحوُهما، في مائعٍ، أو ماء يَسِيرٍ، ثم خرجتْ حَيَّةً، فهو طاهِر. نَصَّ عليه أحمدُ، فإنَّه سُئل عن الفأرةِ تقَع في السَّمْنِ الذائِبِ، فلم تَمُتْ؟ قال: لا بَأْسَ بأكْلِه. وفي روايةٍ أخرى (٥٥) قال: إذا كان حَيًّا فلا شَىْءَ، إنما الكلامُ في الميِّتِ. وقيل: يَحْتَمِلُ أن ينْجُسَ إذا أصابَ الماءُ مَخْرَجَها؛ لأنَّ مَخْرجَ النجاسةِ نجسٌ، فينْجسُ به الماءُ.

стр. 129

ولنا أنَّ الأصْلَ [طهارةُ الماء] (٥٦)، وإصابةُ الماءِ لموضعِ النجاسةِ مَشكُوكٌ فيه، فإنَّ الْمَخْرَجَ ينْضَمُّ إذا وقَع الحيوانُ في الماءِ، فلا يزولُ اليقينُ بالشَّكِّ. فصل: كلُّ حيوانٍ فحُكْمُ جِلْدِه وشَعَرِه وعَرَقِه ودَمْعهِ ولُعابِه حكمُ سُؤْرِه في الطهارة والنجاسة؛ لأنَّ السُّؤْرَ إنما يثبُت فيه حكمُ النجاسةِ في الموضع الذي [نَجُسَ بملاقاتِه] (٥٧) لُعابَ الحيوان وجسمه، فلو كان طاهِرًا كان سُؤْرُه طاهِرًا، وإذا كان نَجِسًا كان سُؤْرُه نَجِسًا. ٨ - مسألة؛ قال: (وَكُلُّ إِنَاءٍ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ؛ مِنْ وُلوغِ كَلْبٍ، أَوْ بَوْلٍ، أوْ غَيْرِه، فَإنَّهُ يُغسَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرابِ) . النجاسةُ تَنْقَسِم قسمَيْن: أحدهما؛ نجَاسة الكلبِ والخنزيرِ والمُتَوَلِّد منهما، فهذا لا يختلفُ المذهبُ في أنه يجبُ غَسْلُها سَبْعًا، إحْداهُنَّ بالتُّرابِ، وهو قولُ الشافعىِّ. وعن أحمد: أنه يجبُ غَسْلُها ثَمانِيًا، إحْداهُنَّ بالتُّرابِ. ورُوِىَ ذلك عن الحسن؛ لحديثِ عبد اللَّه بن الْمُغَفَّلِ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ". روَاه مُسْلِمٌ (١). والروايةُ الأُولَى أصَحُّ، (٢) ويُحْمَلُ هذا الحديثُ علَى أنه عَدَّ التُّرابَ ثامِنَةً؛ لأنه

стр. 130

وإن وُجِدَ مع إحْدَى الغَسَلاتِ فهو جِنْسٌ آخَرُ، فيُجْمَعُ بين الْخَبرَيْن. وقال أبو حنيفة: لا يجبُ العدَدُ في شيءٍ من النجاسات، وإنما يُغْسَلُ حتى يَغْلِبَ على الظَّنِّ نَقاؤُه من النجاسة؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال في الكلب يَلِغُ في الإِناء: "يُغْسَلُ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا" (٣) فلم يُعَيِّنْ عَدَدًا. ولأنها نجاسةٌ، فلم يجبْ فيها العَدَدُ، كما لو كانتْ علَى الأرض. ولنا ما رَوَىَ أبو هُرَيْرة أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا". مُتَّفَقٌ عليه، ولمُسلم، وأبي داود: "أُولَاهُنَّ بالتُّرَابِ". وحديثُ عبد اللَّه بن الْمُغَفَّلِ، الذي ذكرْناه. وحديثُهم (٤) يَرْويه عبدُ الوَهَّاب بنِ الضَّحَّاك، وهو ضعيفٌ (٥). وقد روَى غيرهُ من الثِّقات: "فَلْيَغْسِلَهُ سَبْعًا". وعلَى أنه يَحْتَمِلُ الشَّكَّ مِن الرَّاوِى، فينْبَغىِ أن يُتَوَقَّفَ فيه، ويُعْمَلَ بغيرهِ. وأمَّا الأرضُ فإنهَّ سُومِحَ في غَسْلِها للمَشَقَّة، بخلافِ غيرها. فصل: فإن جَعل مَكانَ التُّرابِ غيرَه؛ من الأُشْنان، (٦) والصَّابون، والنُّخالة (٧)، ونحوِ ذلك، أو غسَله غَسلْةً ثامنةً، فقال أبو بكر: فيه وجهان: أحدهما، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه طهارةٌ أُمِرَ فيها بالتُّرابِ، فلم يقُمْ غيرُه مَقامَهُ، كالتَّيَمُّمِ، ولأنَّ الأمرَ به تَعَبُّدٌ غيرُ معقولٍ، فلا يجوزُ القِياسُ فيه. والثانى يُجْزِئُه؛ لأنَّ هذه الأشياءَ أبْلَغُ من الترابِ في الإِزالةِ، فنَصُّه علَى الترابِ

стр. 131

تَنْبِيهٌ عليها، ولأنه جامِدٌ أُمِرَ به في إزالةِ النجاسة، فأُلْحِقَ به ما يُماثِلُه كالحجَرِ في الِاسْتِجْمار. فأمَّا الغَسْلَةُ الثامنةُ فالصحيحُ أنها لا تقومُ مَقامَ التراب؛ لأنَّه إنْ كان القَصْدُ به تَقْوِيةُ الماءِ في الإِزالةِ فلا يحصُل ذلك بالثامنة، لأنَّ الجمعَ بينهما أبْلَغُ في الإِزالةِ، وإن وجَب تَعَبُّدًا امْتنَع إبْدالُه، والقِياسُ عليه. وقال بعضُ أصحابِنا: إنما يجوزُ العدُولُ إلى غيرِ الترابِ عندَ عَدَمِه، أو إفْسادِ المَحَلِّ المغْسولِ به، فأمَّا مع وُجودِه وعدمِ الضَّرَرِ به (٨) فلا. وهذا قَوْلُ ابن حامد (٩). القسم الثاني؛ نَجاسةُ غيرِ الكلبِ والخنزير، ففيها رِوَايتان: إحداهما، يجبُ العَدَدُ فيها قِياسًا علَى نجاسةِ الوُلوُغِ، ورُوِىَ عن ابن عمر، أنه قال: أُمِرْنا بغَسْلِ الأنْجاسِ سَبْعًا. فيَنْصَرِفُ إلى أمْرِ النبيِّ ﷺ . والثانية، لا يجبُ العَدَدُ، بل يُجْزِئُ فيها الْمُكاثَرةُ بالماء مِن غيرِ عَدَدٍ، بحيث تزولُ عَيْنُ النجاسة. وهذا قَوْلُ الشافعىِّ؛ لما رُوِىَ عن ابن عمر، قال: كانتِ الصلاةُ خَمْسِين، والغُسْلُ مِن الجنابةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، والغَسْلُ مِن البَوْلِ سَبْعَ مَرَّات، فلم يزَلِ النبيُّ ﷺ يسْألُ حتى جُعِلَتِ الصلاةُ خَمْسًا، والغَسْلُ مِن البَوْلِ مَرَّةً، والغُسْلُ مِن الْجَنابةِ مَرَّةً" روَاه الإِمامُ أحمد، في "مُسْنَدِه" (١٠) وأبو داود. في "سُنَنِه" (١١). وهذا نَصٌّ، إلَّا أنَّ في رُواتِه أيُّوبَ بنَ جابرٍ، وهو ضعيفٌ، وقال النبيُّ ﷺ : "إِذَا أَصَابَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرِصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ". روَاه البُخارِىُّ (١٢)، ولم يأْمُرْ فيه بعَدَدٍ، وفي حديثٍ آخر، أنَّ امْرَأَةً

стр. 132

ركبتْ رِدْفَ النبيِّ ﷺ ، علَى ناقتِه، فلما نزلَتْ إذا علَى حَقِيبَتِهِ شيءٌ مِن دَمِها، فأمرَها النبيُّ ﷺ أن تَجْعَلَ في الماء مِلْحًا، ثم تَغْسِل به الدَّمَ. روَاه أبو داود (١٣)، ولم يأْمُرْها بعَدَدٍ، وأمَرَ النبيُّ ﷺ ، أنْ يُصَبَّ علَى بَوْلِ الأعْرابىِّ سَجْلٌ مِنْ مَاءٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١٤)، ولم يأْمُرْ بالعدد (١٥)، ولأنها نجاسةُ غيرِ الكلب، فلم يجبْ فيها العَدَدُ، [كنجاسة الأرضِ] (١٦). ورُوِىَ أنَّ العدَدَ لا يُعْتَبَرُ في غيرِ مَحَلِّ الاسْتِنْجاء من البَدَنِ، ويُعْتَبرُ في مَحَلِّ الِاسْتنْجاء وبقيَّة المحَالِّ. قال الخَلَّال: هذه الرِّوايةُ وَهمٌ. ولم يُثْبِتْها. فإذا قُلْنا بوجُوب العَدَدِ، ففى قَدْرِه رِوَايتان: إحداهما، سَبْعٌ؛ لِمَا قَدَّمْنا. والثانية، ثلاثٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فإنَّهُ لَا يَدْرِى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". مُتَّفَقٌ عليه (١٧)، [إلَّا قَوْلهُ "ثلاثا" انْفَرد به مُسْلمٌ] (١٨). أمَر بغَسْلِها ثلاثا؛ ليرْتَفِعَ وهمُ النَّجاسةِ، ولا يَرْفَعُ وَهْمَ النجاسةِ إلَّا ما يَرْفَعُ حَقِيقَتَها. وقد رُوِىَ أن النجاسةَ في مَحَلِّ الِاسْتِنْجاءِ تَطْهُرُ بثَلاثٍ، وفى غيرهِ تَطهُر بسَبْعٍ؛ لأنَّ مَحَلَّ الاسْتِنْجاءِ تتَكَرَّرُ فيه النجاسةُ، فاقْتَضَى ذلك التَّخْفِيفَ، وقد اجْتُزِئَ فيها بثلاثةِ أحْجارٍ، مع أنَّ الماءَ أبْلَغُ في الإِزالةِ، فأوْلَى أن يجْتَزئَ فيها بثلاثِ غَسَلاتٍ. قال القاضي: الظاهِرُ مِن قَوْلِ أحمدَ ما اخْتارَ الْخِرَقِىُّ، وهو وُجوبُ العَدَدِ في جميعِ النَّجاسات. فإن قُلْنا: لا يجبُ العَدَدُ لم يجِبِ التُّرابُ، وكذلك إن قلنا: لا يجبُ الغَسْلُ سَبْعًا؛

стр. 133

لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وجُوبِه، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ به إلَّا في نجاسةِ الوُلُوغِ. وإن قُلْنا بوجُوبِ السَّبْع، ففى وجُوبِ التُّرابِ وَجْهان: أحدهما، يجبُ؛ قياسًا علَى الوُلوغ. والثانى، لا يجبُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ، أَمَر بالغَسْلِ للدَّم وغيرِه، ولم يأمُرْ بالتراب إلَّا في نجاسةِ الوُلُوغِ، فوجَب أن يُقْتَصَرَ عليه، ولأنَّ الترابَ إن أُمِرَ به تَعَبُّدًا وجَب قَصْرُه على مَحَلِّه، وإن أُمِر به لِمَعْنىً في الوُلُوغِ لِلزُوجَةٍ فيه لا تَنْقَلِعُ إلَّا بالتُّرابِ، فلا يُوجَدُ ذلك في غيرِه. والْمُسْتَحَبُّ أن يَجْعلَ الترابَ في الغَسْلةِ الأُولَى؛ لموافقتِه لَفْظَ الخَبَر، وليأْتِىَ الماءُ عليه بعدَه فُينَظِّفَه، ومتى غَسَلَ به أجْزَأَه؛ لأنه رُوِى في حديثٍ: "إحْدَاهُنَّ بالتُّرابِ". وفي حديثٍ: "أُولَاهُنَّ". وفي حديث: "فِي الثَّامِنَةِ". فيدُلُّ علَى أنَّ مَحَلَّ الترابِ مِن الغَسَلاتِ غيرُ مَقْصُودٍ. فصل: إذا أصاب الْمَحَلَّ نجاساتٌ متساويةٌ في الحُكْمِ فهى كنجاسةٍ واحدة، وإن كان بعضُها أغْلَظُ، كالوُلُوغِ مع غيرِه، فالحكمُ لأغْلَظِها، ويدخلُ فيه ما دونَه. ولو غَسل الإِناءَ دون السَّبْعِ، ثم وَلَغَ فيه مَرَّةً أخرى، فغسَله سَبْعًا، أجْزَأَ؛ لأنه إذا أجْزَأَ عمَّا يُماثِلُ فَعَمَّا دونَه أوْلَى. فصل: وإذا غسَل مَحَلَّ الوُلوغِ (١٩) فأصاب ماءُ بعضِ الغَسَلاتِ مَحَلًّا آخَرَ، قبلَ تَمامِ السَّبْعِ، ففيه وَجْهان: أحدهما، يجب غَسْلُه سَبْعًا، وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتيارُ ابن حامدٍ، لأنها نجاسةٌ، فلا يُراعَى فيها حكمُ الْمَحلِّ الذي انفصلتْ عنه، كنجاسةِ الأرضِ ومَحَلِّ الِاسْتِنْجاء. وظاهرُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ أنه يجبُ غَسْلُها بالتُّراب، وإن كان الْمَحلُّ الذي انفصلتْ عنه قد غُسِلَ بالترابِ؛ لأنها نجاسةٌ أصابتْ غيرَ الأرضِ، فأَشْبَهتِ الأُولَى. والثانى، يجب غَسْلُه مِن الأُولَى سِتًّا، ومن الثانية خَمْسًا، ومن الثالثة أرْبعًا،

стр. 134

كذلك إلى آخرِه؛ لأنها نجاسةٌ تطْهُر في مَحَلِّها بدونِ السَّبْع، فطَهُرتْ به (٢٠) في مثلِه، كالنجاسةِ علَى الأرض، ولأن الْمُن فَصِلَ بعضُ الْمُتَّصِل، والمتصِلُ يطْهُر بذلك، فكذلك الْمُنْفَصِلُ، وتُفارِق المنفصلَ عن الأرضِ ومَحَلَّ الاسْتنجاء؛ لأن العِلَّةَ في خِفَّتها الْمَحَلُّ، وقد زالتْ عنه، فزال التَّخْفيفُ، والعِلَّةُ في تخْفِيفها ههنا قُصورُ حكْمِها بما مرَّ عليها من الغَسْلِ. وهذا لازمٌ لها [حيث كانت] (٢١)، ثم إن كانت قد انفصلتْ عن مَحَلٍّ غُسِل بالترابِ غُسِلَ مَحَلُّها بغيرِ تُرابٍ، وإن كانت الأُولَى بغير تُرابٍ غُسِلَتْ هذه بالتراب. [وهذا اختيارُ القاضي، وهو أصَحُّ إن شاء اللَّه تَعالى] (٢٢). فصل: ولا فَرْقَ بين النجاسةِ مِن وُلوغِ الكلبِ، أو يَدهِ، أو رِجْلهِ، أو شَعْره، أو غيرِ ذلك من أجْزائِه؛ لأنَّ حُكْمَ كلِّ جُزْءٍ من أَجْزاءِ الحيوانِ حكمُ بَقيَّةِ أجْزائِه، علَى ما قَرَّرْناه، وحكمُ الخِنْزيرِ حكمُ الكلبِ؛ لأنَّ النَّصَ ورَدَ (٢٣) في الكلبِ، والخِنزيرُ شَرٌّ منه وأغْلَظ منه (٢٤)؛ لأن اللَّه تعالى نَصَّ علَى تَحْرِيمه، وأجمعَ (٢٥) المسلمون علَى ذلك، وحَرُم اقْتناؤُه. فصل: وغَسْلُ النَّجاسةِ يختلفُ باخْتلافِ مَحَلِّها؛ إن كانت جِسْمًا لا يتَشَرَّبُ النجاسةَ كالآنيةِ، فغَسْلُه بإمْرارِ (٢٦) الماءِ عليه كلَّ مَرَّةٍ غَسْلَة، سواء كان بفِعْلِ آدَمِىٍّ أو غير فِعْلِه، مثل أن ينزل عليه ماءُ المطرِ، أو يكون في نهرٍ جارٍ، فتمُرُّ عليه جِرياتُ النهر، فكلُّ جِرْيةٍ تمُرُّ عليه غَسْلَةٌ؛ لأنَّ القَصْدَ غيرُ مُعْتَبرٍ، فأَشْبَه ما لو صَبَّهُ آدَمِىُّ بغيرِ قَصْدٍ، وإن وقَع في ماءٍ قليلٍ راكِدٍ نجَّسه ولم يَطْهُر، وإن كان كثيرًا

стр. 135

احْتُسِب بوَضْعهِ فيه ومُرورِ الماءِ علَى أجْزائِه غَسْلَةٌ، فإن خَضْخَضَه في الماءِ وحَرَّكه بحيثُ يَمُرُّ عليه أجْزاءٌ غيرُ التي كانتْ مُلاقِيَةً له، احْتُسِبَ بذلك غَسْلَةٌ ثانيةٌ، كما لو مَرَّتْ عليه جِرياتٌ من الماءِ الجارِى. وإن كان المغسولُ إناءً فطُرِحَ فيه الماءُ، لم يُحْتَسَبْ به غَسْلَةٌ حتى يُفْرِغَه منه؛ لأنه العادةُ في غَسْلِه، إلَّا أن يكونَ يَسَعُ قُلَّتَيْن فصاعِدًا، فَمَلَأَه، فيَحْتَمِلُ أنَّ إدارةَ الماءِ فيه تُجْرَى مُجْرَى الغَسَلات، لأنَّ أجْزاءَه تَمُرُّ عليها جِرياتٌ من الماءِ غيرُ التي كانتْ مُلاقيةً له، فأَشْبَهَ ما لو مَرَّتْ عليها جِرياتٌ مِن ماءٍ جَارٍ. وقال ابنُ عَقِيل: لا يكونُ غَسْلُه إلَّا بتَفْرِيغِه منه أيضًا. وإن كان المغْسولُ جِسْمًا تدخُل فيه أجْزاءُ النجاسة، لم يُحْتَسَبْ برَفْعهِ من الماءِ غَسْلَةٌ، إلَّا بعدَ عَصْرِه، وعَصْرُ كلِّ شيءٍ بحَسَبِه، فإن كان بِسَاطًا ثقيلًا أو زِلِّيًّا (٢٧)، فعَصْرُه بتَقْلِيبِه ودَقِّه. فصل: ما أُزِيلَتْ به النجاسةُ، إن انْفَصل مُتَغيِّرًا بالنجاسة، أو قبلَ طَهارةِ الْمحَلِّ، فهو نَجِسٌ؛ لأنه تغيَّرَ بالنجاسة [فينْجُسُ بها] (٢٨)، أو ماءٌ قليلٌ لَاقَى مَحَلّا نَجِسًا لم يُطَهِّرْهُ، فكان نَجِسًا، كما لو ورَدتْ عليه. وإن انْفَصلَ غيرَ مُتغَيِّرٍ مِن الغَسْلَةِ التي طَهُرَ بها المَحَلُّ، فإن كان المحلُّ أرضًا فهو طاهِرٌ، رِوايةً واحدةً؛ لأن النبيَّ ﷺ ، أمَر أن يُصَبَّ علَى بَوْلِ الأعْرابىِّ ذَنُوبٌ مِن ماءٍ. لِيُطَهِّرَ الأرضَ التي بالَ عليها، فلو كان المُنْفَصِلُ نَجِسًا لنَجُسَ به ما انْتَشرَ إليه مِن الأرض، فتكثُر النجاسةُ. وإن كان غيرَ الأرضِ، ففيه وَجْهان؛ قال أبو الخَطَّاب: أصَحُّهما أنه طاهِرٌ. وهو مذهبُ الشافِعىِّ؛ لأنه انْفَصَلَ عن مَحَلٍّ مَحْكومٍ بطهارتِه، فكان طاهِرًا، كالغَسْلَةِ الثامنة، وأن المُنْفَصِلَ بعضُ المُتَّصِل، والمُتَّصِلُ طاهِر، وكذلك المُنْفَصِل. والثانى: أنه نَجِسٌ. وهو قَوْلُ أبى حنيفة. واختاره أبو عبد اللَّه ابنُ

стр. 136

حامدٍ؛ لأنه ماءٌ قليلٌ، لَاقَىَ مَحَلًّا نَجِسًا، أشْبَه ما لو لم يُطَهِّرْها. قال أبو بكر: (٢٩) إنما يُحْكَمُ بطَهارةِ المُنْ فَصِلِ مِن الأرض إذا كانتْ قد نَشِفَتْ أعْيانُ البَوْلَة، (٣٠) فإن كانتْ أعْيانُها قائمةً، فجرَى الماءُ عليها، طَهَّرهَا. وفى المُنْفَصِل رِوَايتان، كالمُنْفَصِلِ عن غيرِ الأرْض. قال: وكَوْنُه نَجِسًا أصَحُّ في كلامه. [قال المصنِّفُ: ] (٣١) والأَوْلَى الحُكْمُ بطهارتهِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَر بغَسْلِ بَوْلِ الأعْرابِىِّ عَقِيبَ بَوْلِه، ولم يشْتَرِطْ نشافَه. فصل: إذا غَسل بعضَ الثَّوْبِ النَّجِسِ، جازَ، ويطْهُرُ المَغْسولُ دونَ غَيْرِه؛ فإن كان بغَمْسِ بعضِه في ماءٍ يسيرٍ راكِدٍ يَعْرُكُه فيه، نَجُسَ الماءُ، ولم يطْهُرْ منه شيءٌ؛ لأنه بغَمْسِه في الماءِ صار نَجِسًا، فلم يُطهِّرْ منه شيئًا، وإن كان يَصُبُّ علَى بعضِه في جَفْنَةٍ طَهُرَ ما طَهَّرَه، وكان المُنْفَصِلُ نَجِسًا؛ لأنه لا بُدَّ مِن أن يُلَاقِىَ الماءَ المُنْفَصِلَ جزءٌ غيرُ مَغْسُولٍ (٣٢)، فيَنْجُس به. فصل: إذا أصاب ثَوْبَ المرأةِ مِن (٣٣) دَمِ حَيْضِها، اسْتُحِبَّ أن تَحُتَّه بظُفُرِها، لتذهبَ خُشونَتهُ، ثم تَقْرُصَه لِيَلِين للغَسْلِ، ثم تغْسِلَه بالماء؛ لقَوْل النبيِّ ﷺ لأسْماءَ في دمِ الحَيْضِ: "حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ". مُتَّفَق عليه (٣٤). فإن اقْتصَرتْ علَى إزالتهِ بالماءِ جاز، فإن لم يَزُلْ لَوْنُه، وكانت إزالتُه تَشُقُّ أو يُتْلِفُ الثَّوْبَ ويضُرُّه، عُفِىَ عنه [لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ] (٣٥) ". وإن

стр. 137

اسْتَعْملتْ في إزالتهِ شيئًا يُزِيلُه كالمِلْح وغيرِه، فحَسَنٌ؛ لِمَا رَوَى أبو داود، بإسْنادِه عن امرأةٍ من غِفَار، أَنَّ النبيَّ ﷺ أرْدَفَها علَى حَقِيبَتهِ، فحاضَتْ، قالتْ: فنزلْتُ، فإذا بها دَمٌ مِنِّى، فقال: "مَالَكِ؟ لَعَلَّك نَفِسْتِ"؟ . قلتُ: نعم. قال: "فَأَصْلِحِى مِنْ نَفْسكِ، ثُمَّ خُذِى إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِى فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِى مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنَ الدَّمِ (٣٦) ". قال الخَطَّابِىُّ: فيه مِن الفِقْه؛ جَوازُ اسْتعمالِ المِلْح، وهو مَطْعُومٌ، في غَسْل الثوبِ وتَنْقِيَتِه مِن الدَّم، فعلَى هذا يجوزُ غَسْلُ الثيابِ بالعَسَلِ، إذا كان يُفْسِدُه (٣٧) الصَّابون، وبالخلِّ إذا أصابَه (٣٨) الحِبْرُ، والتَّدَلُّكُ بالنُّخالةِ، وغَسْلُ الأيْدِى بها، والبِطِّيخِ ودَقِيقِ البَاقِلَّا، وغيرها من الأشْياءِ التي لها قُوَّةُ الجِلَاء. واللَّه أعلمُ. فصل: فإذا كان في الإِناءِ خَمْرٌ أو شِبْهُه مِن النَّجاسات التي يتَشَرَّبُها الإِناءُ، ثم متى جُعِلَ فيه مائِعٌ سِوَاهُ ظهرَ فيه طَعْمُ النجاسة، [أو لَوْنُها لم يَطْهُرْ بالغَسْل؛ لأن الغَسْلَ لا يسْتَأْصِلُ أجْزاءَ النجاسة] (٣٩) مِن جِسْمِ الإِناء، فلم يُطَهِّرْهُ، كالسِّمْسِم إذا ابْتَلَّ بالنجاسة. قال الشيخ أبو الفرَج المَقْدِسِىُّ (٤٠) في "المُبْهِج" (٤١): آنِيَةُ الخمرِ منها المُزَفَّتُ، فتطْهُر بالغَسْلِ؛ لأن الزِّفْتَ يمْنَعُ وُصولَ النجَاسَةِ إلى جسم الإِناء، ومنها

стр. 138

ما ليس بمُزَفَّتٍ، فيتَشَرُّب أجْزاءَ النجاسة، فلا يطْهُر بالتَّطْهِير، فَإنَه متَى تُرِكَ فيه مائِعٌ أظْهرَ (٤٢) فيه طَعْمَ الخمرِ ولَوْنَه. ٩ - مسألة؛ قال: (وِإذَا كَانَ مَعَهُ فِي السَّفَرِ إِناءَانِ؛ نَجِسٌ وطَاهِرُ، واشْتَبَهَا عَلَيْهِ، أَرَاقَهُمَا، ويَتَيمَّم) . إنَّما خَصَّ حالةَ السفرِ بهذه المسألة؛ لأنها الحالةُ التي يجوز التَّيَمُّمُ فيها، ويُعْدَمُ فيها الماءُ غالِبًا، وأراد: إذا لم يجدْ ماءً غيرَ الإِناءَيْن المُشْتَبِهَيْن، فإنَّه متى وجدَ ماءً طَهُورًا غيرَهما توَضَّأ به، ولم يَجُزِ التَّحَرِّى ولا التَّيَمُّمُ، بغيرِ خلافٍ. ولا تخلُو الآنِيَةُ المُشْتَبِهَة مِن حالَيْن: أحدهما، أن لا يَزِيد عددُ الطاهِر علَى النَّجِسِ، فلا خِلافَ في المذهبِ أنه لا يجوزُ التَّحَرِّى فيهما. والثانى، أن يكثُرَ عددُ الطاهر (١)؛ فذهب أبو عليٍّ النَّجَّادُ (٢)، مِن أصحابِنا، إلى جَوازِ التَّحَرِّى فيها. وهو مذهبُ أبى حنيفة؛ لأنَّ الظاهرَ إصابةُ الطاهِرِ، لأنَّ جِهَة (٣) الإِباحةِ قد ترجَّحتْ، فجاز التَّحَرِّى، كما لو اشْتَبَهتْ عليه أُخْتُه في نِسَاءِ مِصْرٍ. وظاهرُ كلام أحمد: أنه لا يجوزُ التَّحَرِّى فيها بحالٍ. وهو قَوْلُ أكثرِ أصحابِه (٤). وقولُ المُزَنِىِّ (٥)، وأبى ثَوْرٍ. وقال الشافعيُّ: يتَحَرَّى، ويتَوَضَّأُ بالأغْلبِ عندَه في الحالَين؛ لأنه شَرْطٌ

стр. 139

للصلاةِ، فجاز التَّحَرِّى مِن أجْلِه، كما لو اشْتَبهَتِ القِبْلةُ، ولأن الطهارةَ تُؤَدَّى باليَقِينِ تارةً، وبالظَّنِّ أخرى، ولهذا جاز التَّوَضُّؤُ بالماءِ القليلِ المُتَغَيِّرِ، الذي لا يُعْلَمُ سببُ تغيُّره. وقال ابنُ الْمَاجِشُون: يتَوضَّأ مِن كلِّ واحدٍ منهما وُضوءًا، ويصَلِّى به. [وبه] (٦) قال محمد بن مَسْلَمة، إلَّا أنه قال: يغْسِلُ ما أصابَه من الأوَّل؛ لأنه أمْكَنَه أداءُ فَرْضِه بيَقِينٍ، فَلِزمَه، كما لو اشْتَبَهَ طاهِرٌ بطَهُورٍ، وكما لو نَسِىَ صلاةً من يومٍ لا يَعْلَمُ عَيْنَها، أو اشْتَبهتْ عليه الثِّيابُ. ولنا أنه اشْتَبَهَ المُباحُ بالمَحْظُورِ، فيما لا تُبِيحُه الضرورةُ، فلم يَجُزِ التَّحَرِّى، كما لو اسْتَوى العددُ عند أبى حنيفة، وكما لو كان أحدُهما بَوْلًا عند الشافعىِّ، فإنه قد سَلَّمه، واعْتذَر أصحابُه بأنه لا أصْلَ له في الطهارةِ. قلنا: وهذا الماءُ قد زال عنه أصلُ الطهارةِ، وصار نَجِسًا، فلم يَبْقَ للأصْلِ الزَّائلِ أثرٌ، علَى أن البولَ قد كان ماءًا، فله أصلٌ في الطهارةِ، كهذا الماءِ النَّجِسِ. وقولُهم: إذا كثُر الطاهرُ ترجَّحتِ الإِباحةُ. يبطُل بما إذا اشْتَبهتْ أختُه في مائةٍ أو مَيْتَةٌ بِمُذَكَّياتٍ، فإنه لا يجوزُ التَّحَرِّى، وإن كَثُرَ المُباحُ، وأمَّا إذا اشْتَبهتْ في نِسَاءِ مِصْرٍ، فإنه يَشُقُّ اجْتنابُهنَّ جميعًا، ولذلك يجوزُ له النِّكاحُ مِن غيرِ تَحَرٍّ. وأمَّا القِبلةُ فيُباحُ تَرْكُها للضرورةِ، كحالةِ الخوف، ويجوزُ أيضًا في السَّفر في صلاةِ النافلة، ولأن قِبْلَتَه ما يتَوجّه إليه بظَنِّه، ولو بانَ له يَقِينُ الخطأ لم يَلْزَمْه الإِعادةُ، بخلافِ مسألتِنا. وأما المُتَغَيِّرُ مِن غيرِ سببٍ يَعْلَمُه، فيجوزُ الوُضوءُ به اسْتنادًا إلى أصْلِ الطهارة، وإن غلَب على ظَنِّه نجاستُه، ولا يحتاجُ إلى تَحَرٍّ. وفي مَسْألتِنا عارَض يَقيِنَ الطهارةِ يَقِينُ النجاسة، فلم يَبْقَ له حُكْمٌ، ولهذا لا يجوزُ اسْتِعْمالُه مِن غيرِ تَحَرٍّ. ثم يبْطُل قياسُهم بما إذا كان أحدُهما بَوْلًا والآخَرُ ماءً. ويدُلُّ علَى صِحَّةِ ما قُلْنا: أنه لو توَضَّأ مِن أحدِ الإِناءَيْن وصلَّى، ثم غلَب علَى ظَنِّه في الصلاة الثانية أن الآخَرَ هو الطاهِرُ، فتَوضَّأ به وصلَّى مِن غيرِ غَسْلِ أثَرِ

стр. 140

الأوَّل، فقد عَلِمْنا أنه صلَّى بالنجاسةِ يَقِينًا، وإن غَسَلَ أثرَ الأوَّل ففيه حَرَجٌ ونَقْضٌ لاجْتهادِه باجْتهادِه، ونَعْلمُ أن إحْدَى الصلاتَيْن باطِلةٌ، لا بعَينها، فيلزَمُه إعادتُهما، فإن تَوَضَّأ مِن الأوَّلِ فقد توَضَّأ بما يعْتَقِدُه نَجِسًا. وما قالَهُ ابنُ الماجِشُون فباطِلٌ؛ فإنه يُفْضِى إلى تَنْجِيسِ نفسِه يَقِينًا، وبُطْلانِ صَلاتِه إجْماعًا. وما قالَهُ ابنُ مَسْلَمَة [ففيه حَرَجُ] (٧)، ويبْطُل بالقِبْلةِ؛ فإنَّه لا يلزمُه أن يُصَلِّىَ إلى أرْبَعِ جِهَاتٍ. فصل: وهل يجوز له التَّيَمَّمُ قبلَ إراقَتِهما؟ علَى روايتَين: إحداهما، لا يجوزُ؛ لأنَّ معه ماءٌ طاهِرًا بيَقِينٍ، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ مع وجودِه. فإن خلَطهما، أو أراقَهما، جاز له التَّيَمُّمُ؛ لأنه لم يَبْقَ معه ماءٌ طاهِرُ. والثانية، يجوزُ التَّيَمُّمُ قبلَ ذلك. اخْتارَه أبو بكر. وهو الصحيحُ؛ لأنه غيرُ قادرٍ علَى اسْتعمالِ الطاهِرِ، أشْبَهَ ما لو كان في بئرٍ في لا يُمْكِنُه اسْتِقاؤُه، وإن احْتاجَ إليهما للشُّرْبِ لم تجبْ إراقتُهما، بغيرِ خِلافٍ؛ فإنه يجوزُ له التَّيَمُّم لو كانا طاهِرَيْن، فمع الاشْتباهِ أوْلَى. وإذا أراد الشُّرْبَ تحرَّى وشَرِبَ من الطاهِر عنده؛ لأنها ضرورةٌ تُبيحُ الشُّرْبَ من النَّجِس إذا لم يجدْ غيرَه، فَمِنَ الذي يظُنُّ طَهارتَه أوْلَى. وإن لم يَغْلِبْ علَى ظنِّه طهارةُ أَحدِهما شَرِبَ مِن أحدِهما، وصار هذا كما لو اشْتَبهتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاة (٨) في حالِ الاضْطِرار، ولم يجدْ غيرَها، فإنه إذا جاز اسْتعمالُ النَّجِسِ، فاسْتعمالُ ما يظُنُّ طهارتَه أوْلَى. وإذا شَرِبَ مِن أحدِهما، أو أكل مِن المُشْتَبِهات، ثم وجَد ماءً طهورًا، فهل يلزمُه غَسْلُ فِيه؟

стр. 141

يَحْتَمِلُ وجهين: أحدهما، لا يَلْزَمُه؛ لأن الأصْلَ طهارةُ (٩) فِيهِ، فلا يزُولُ عن ذلك بالشَّكِّ. والثانى يَلْزَمُه؛ لأنه مَحَلٌّ مُنِعَ اسْتعمالُه مِن أجْلِ النجاسةِ، فلَزِمَه غَسْلُ أثَرِهِ، كالمُتَيَقَّنِ. فصل: وإذا عَلِمَ عَيْنَ النَّجِسِ اسْتُحِبَّ إراقتُه لِيُزيلَ الشَّكَّ عن نفسِه. وإن احْتاجَ إلى الشُّرْبِ شَرِبَ مِن الطاهِر، ويتيمَّم إذا لم يجدْ غيرَ النَّجِسِ. وإن خاف العَطَشَ في ثَانِى الحالِ، فقال القاضي: يتوَضَّأ بالطاهِر (١٠) ويحْبِس النَّجِسَ؛ لأنه [ليس بمُحْتاج] (١١) إلى شُرْبِه في الحال، فلم يجُز التَّيَمُّمُ مع وُجودِه. والصحيحُ، إن شاء اللَّه، أنه [يُرِيقُ النَّجِسَ] (١٢) ويتيَمَّمُ؛ لأن وُجودَ النَّجِسِ كعدَمِه عند الحاجةِ إلى الشُّرْبِ في الحالِ، وكذلك في المآلِ، وخَوْفُ العَطَشِ في إباحةِ التَّيَمُّمِ كحقيقَتِه. فصل: وإن اشْتبَه ماءٌ طَهُورٌ بماءٍ قد بطَلتْ طُهُورِيَّتُهُ، توَضَّأ مِن كلِّ واحدٍ منهما وُضوءًا كاملا، وصلَّى بالوُضوءَيْن صلاةً واحدة. لا أعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنه أمْكَنَهُ أداءُ فَرْضِه بَيقِينٍ، مِن غيرِ حَرَجٍ فيه، فيَلزمُه، كما لو كانا طَهُورَين (١٣) ولم يَكْفِه أحدُهما، وفارَق ما إذا كان نَجِسًا؛ لأنه يُنَجِّسُ أعضاءَه يَقِينًا، ولا يأْمَنُ أن يكونَ النَّجِسُ هو الثاني، فيَبْقَى نَجِسًا، ولا تصِحُّ صلاتُه، فإن احْتاجَ إلى أحدِ الإِناءَيْنِ للشُّرْبِ تحرَّى، فتَوضَّأ بالطَّهُورِ عنده، وتَيَمَّمَ معه ليحصُلَ له اليَقِينُ. واللَّه أعلمُ. فصل: وإن اشتبَهتْ عليه ثيابٌ طاهرةٌ بنَجِسةٍ، لم يجُز التَّحَرِّى، وصلَّى في كلِّ ثوبٍ بعدَد النَّجِسِ، وزادَ صلاةً. وهذا قولُ ابنِ الماجِشُون.

стр. 142

وقال أبو ثَوْرٍ، والمُزَنِىُّ: لا يُصَلِّى في شيءٍ منها، كالأوانِى. وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ: يتَحَرَّى فيها، كقَوْلهِم في الأوانِى والقِبْلَةِ. ولنا أنه أَمْكَنَهُ أداءُ فَرْضِه بيَقِينٍ من غيرِ حَرَجٍ فيلْزمُه، كما لو اشْتَبَه الطَّهُورُ بالطاهِر، وكما لو نَسِىَ صلاةً مِن يومٍ لا يعلمُ عَيْنَها. والفرقُ بين هذا وبين الأوانِى النَّجِسَةِ مِن وَجْهَيْن: أحدُهما أن اسْتعمالَ النَّجِسِ يتَنَجَّسُ به، ويمنعُ صِحَّةَ صلاتِه في الحالِ والمآلِ، وهذا بخلافِه. الثاني، أن الثَّوْبَ النَّجِسَ تُباحُ له (١٤) الصلاةُ فيه إذا لم يجدْ غيرَه، والماءُ النَّجِسُ بخلافِه. والفرقُ بينه وبين القِبْلَةِ مِن وُجوهٍ: أحدُها، أن القبلةَ يكثُر الاشْتِباهُ فيها، فيشُقُّ اعْتبارُ اليَقِينِ، فسقَط دَفْعًا للمَشَقَّةِ، وهذا بخلافِه. الثاني، أن الاشْتِباهَ ههنا حصَل بتَفْرِيطِه؛ لأنه كان يُمْكِنُه تَعْلِيمُ النَّجِسِ أو غَسْلُه، ولا يُمْكِنُه ذلك في القِبْلَةِ. الثالث، أن القِبلةَ عليها أدِلَّةٌ من النجومِ والشمسِ والقمرِ وغيرِها، فيصِحُّ الاجتهادُ في طَلَبِها، ويَقْوَى دليلُ الإِصابة لها، بحيثُ لا يَبْقَى احتمالُ الخطأ إلَّا وَهْمًا ضَعِيفًا، بخلافِ الثِّيابِ. فصل: فإن لم يعلمْ عددَ النَّجِسِ، صَلَّى فيما يَتَيقَّنُ به أنه صَلَّى في ثوبٍ طاهر، فإن كثُرَ ذلك وشَقَّ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يتَحَرَّى في أصَحِّ الوَجْهَيْن؛ دَفْعًا للمَشَّقة. والثانى لا يتحَرَّى؛ لأن هذا ينْدُرُ جِدًّا، فلا يُفْرَدُ بحُكْمٍ، ويُسْحَبُ عليه ذَيْلُ (١٥) الغالبِ. فصل: وإن ورَد ماءً فأخْبرَهُ بنَجاستِه صَبىٌّ أو كافرٌ أو فاسقٌ، لم يَلْزَمْه قَبولُ خَبرِه؛ لأنه ليس مِن أهل الشهادةِ ولا الرِّوايةِ، فلا يَلْزَمُه قبولُ خبرِه، كالطفلِ والمَجنون، وإن كان المُخْبِرُ بالغًا عاقلًا مُسْلِمًا غيرَ معلومٍ فِسْقُه، وعَيَّنَ سببَ النجاسةِ، لَزِمَ قبولُ خَبَرِه، سواء كان رجلًا أو امرأةً، حُرًّا أو عَبْدًا، معلومَ العدالةِ أو مَسْتُورَ الحالِ؛ لأنه خبرٌ دِينِىٌّ، فأشْبَهَ الخبَر بدخولِ وقتِ الصلاةِ. وإن لم يُعَيِّنْ

стр. 143

سببَها، فقال القاضي: لا يلْزمُ (١٦) قبولُ خَبَرِه؛ لاحْتمالِ اعتقادِه نجاسةَ [الماءِ بسببٍ لا يعتقدُه المُخْبَرُ، كالحنفىِّ يرَى نجاسةَ الماءِ الكثير، والشافعىّ يرى نجاسةَ] (١٧) الماء اليَسِير بما لا نَفْسَ له سائلةٌ، والمُوَسْوَسِ الذي يعتقِدُ نجاستَه بما لا يُنَجِّسُه. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَ قبولُ خَبرهِ، إذا انْتَفَتْ هذه الاحْتمالاتُ في حَقِّه. فصل: فإن أخْبره أن كلبًا وَلَغ في هذا الإِناء، لَزِمَ قبولُ خَبَرهِ، سواء كان بَصِيرًا أو ضَرِيرًا؛ لأن للضَّرِيرِ طريقًا إلى العِلْمِ بذلك بالْخَبَرِ والحِسِّ. وإن أخبرَه أن كلبًا وَلَغ في هذا الإِناءِ ولم يَلِغْ في هذا. وقال آخرُ: لم يَلِغْ في الأوَّلِ، وإنما ولغَ في الثاني. وجَب اجْتنابُهما، فيَقْبَلُ قولَ كلِّ واحدٍ منهما في الإِثْباتِ دون النَّفْى؛ لأنه يجوزُ أن يَعْلَمَ كلُّ واحدٍ منهما ما خَفِىَ علَى الآخَرِ، إلَّا أن يُعَيِّنا وَقْتًا مُعَيَّنًا، وكلبًا واحدًا، يَضِيقُ الوقتُ عن شُرْبِه منهما، فيتعارَضُ قَوْلاهما، ويَسْقُطان، ويُباحُ اسْتعمالُ كلِّ واحدٍ منهما. فإن قال أحدُهما: شَرِبَ مِن هذا الإِناء. وقال الآخَرُ: نزلَ ولم يشْرَبْ. قُدِّمَ قَوْلُ الْمُثْبِتِ، إلَّا أن يكونَ لم يتحَقَّقْ شُرْبه، مثل الضَّرِيرِ الذي يُخْبِرُ عن حِسِّه، فُيقَدَّمُ قولُ البَصِيرِ؛ لأنه أعْلَمُ. فصل: إذا سقَط علَى إنسانٍ مِن طريقٍ ماءٌ، لم يَلْزَمْه السُّؤالُ عنه؛ لأن الأصْلَ طَهارتُه، قال صالح: سألتُ أبى عن الرجلِ يَمُرُّ بالموضِعِ، فيَقْطُر عليه قَطْرةٌ أو قَطْرتان؟ فقال: إن كان مَخْرَجًا - يعني خَلاءً - فاغْسِلْه، وإن لم يكنْ مَخْرَجًا فلا يُسْألُ عنه؛ فإنَّ عمر، رَضِىَ اللَّه عنه، مَرَّ هو وعمرو بن العاص علَى حَوْضٍ، فقال عمرو: يا صاحبَ الْحَوْضِ، أتَرِدُ علَى حَوْضِكَ السِّباعُ؟ فقال عمر: يا صاحبَ الْحَوْضِ، لا تُخْبِرْنا، فإنَّا نَرِدُ عليها، وتَرِدُ علينا. روَاه مالك، في "الموطَّأ" (١٨).

стр. 144

فإن سأل، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَلْزَمُ الْمَسْئُولَ رَدُّ الجواب؛ لخبرِ عُمَرَ، ويَحْتَمِلَ أن يَلْزَمَه؛ لأنه سُئلَ عن شَرْطِ الصلاة، فلَزِمَه الجوابُ، إذا عَلِمَ، كما لو سألَهُ (١٩) عن القِبْلَةِ. وخبرُ عُمَرَ يدُلُّ علَى أن سُؤْرَ السِّباعِ غيرُ نَجِسٍ. واللَّه أعلمُ.

стр. 145

باب الآنية ١٠ - مسألة، قال أبو القاسم، ﵀: (وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ) لا يختلفُ المذهبُ في نَجاسةِ جلدِ (١) الميْتةِ قبلَ الدَّبْغِ، ولا نعلمُ أحدًا خالفَ فيه، وأمَّا بعدَ الدَّبْغِ فالمشهورُ في المذهبِ أنه نَجِسٌ يضا، وهو إحْدَى الرِّوايتَين عن مالك، ويُرْوَى ذلك عن عمرَ وابنهِ عبدِ اللَّه بن عمر، رَضِىَ اللَّه عنهما، وعِمْران بن حُصَيْن، وعائشة، رَضِىَ اللَّه عنهم. وعن أحمد رِوايةٌ أخرى: أنه يطْهُر منها جِلْدُ ما كان طاهِرًا في حالِ الحياة. ورُوِىَ نحوُ هذا عن عَطاء، والحسن، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادة (٢) ويحيى الأنصارِىِّ، وسعيد بن جُبَيْر، والأَوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ، والثَّوْرِىّ، وابن المُبارَك، وإسحاق، ورُوِىَ ذلك عن عمر، وابنِ عباس، وابنِ مسعود، وعائشة، رَضِىَ اللَّه عنهم، مع اخْتِلَافِهم فيما هو طاهِرٌ في الحياة، وهو مذهبُ الشافعىِّ، وهو يَرَى طهارةَ الحيوانات كلِّها، إلَّا الكلبَ والخنزيرَ، فيطْهُر عنده كلُّ جِلْدٍ إلَّا جِلْدُهما. وله في جِلْدِ الآدَمِىِّ وَجْهان. وقال أبو حنيفة: يطْهُر كلُّ جِلْدٍ بالدَّبْغِ، إلَّا جِلْدَ الخِنْزيرِ. وحُكِىَ عن أبي يوسف: أنه يطْهُرُ كلُّ جِلْدٍ. وهو روايةٌ عن مالك، ومذهبُ مَن حَكَم بطهارة الحيواناتِ كُلِّها؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: "إذَا دُبِغَ الإِهابُ فَقَدْ طَهُرَ". مُتَّفَقٌ عليه (٣)، ولأن رسولَ اللَّه ﷺ وجَد شاةً مَيِّتةً أُعْطِيَتْها مَولاةٌ
следующие страницы →