← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

* وقد طَاوَعُوا أَمْرَ الْعَدُوَّ الْمُزَايِلِ * أي المُفارِق. أي: لا يُذْكَرُ الماءُ إلَّا مُضافًا إلى المُخالِطِ له في الغالِبِ. ويُفِيدُ هذا الوصفُ الاحْتِرازَ مِن المُضافِ إلى مَكانِه وَمَقَرِّه، كماءِ الهرِ والبئر؛ فإنَّه إذا زال عن مَكانِه زالت النِّسْبةُ في الغالِب، وكذلك ما تَغَيَّرتْ رائحتُه تغيُّرًا يَسِيرًا، فإنَّه لا يُضافُ في الغالِب. وقال القاضي (٤): هذا احْتِرازٌ من المُتَغَيِّرِ بالتُّراب؛ لأنَّه يَصْفُو عنه، ويُزايِلُ اسْمُه اسْمَه (٥). وقد دلت هذه المسألةُ على أحكام: منها؛ إباحةُ الطَّهارةِ بكلِّ ماءٍ مَوْصوفٍ بهذه الصفة التي ذكَرها، علَى أىِّ صفَةٍ كان من أصْلِ الخِلْقَةِ، من الحرارة والبُرودة، والعُذُوبة والمُلُوحة، نَزَل من السماءِ، أو نَبَع من الأرض، في بحر أو نهر أو بئر أو غَدِير، أو غير ذلك، وقد دَلَّ على ذلك قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٦)، وقولهُ سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٧)، وقولُ النبيِّ ﷺ : "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ" (٨)، وقولُه في البحر: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ". وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْم، إلَّا أنه حُكِىَ عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن

стр. 72

عمرو، رضى اللَّه عنهما، أنهما قالا في البحر: التَّيَمُّمُ أعْجَبُ إلينا منه. وقال عبد اللَّه بن عمرو: [هو نارٌ] (٩). وحَكاهُ الْمَاوَرْدِىُّ (١٠) عن سَعِيد بن المُسَيِّب (١١). والأوَّلُ أوْلَى، لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١٢)، وماء البحرِ ماءٌ، لا يجوزُ العُدُولُ إلى التَّيَمِّمِ مع وُجودِه، ورُوِىَ عن أبِى هريرة، قال: سألَ رجلٌ النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا نَركَبُ البحرَ، ونحمِلُ معنا القليلَ مِن الماء، فإن تَوَضَّأْنا به عَطِشْنَا، أفَنَتَوَضَّأُ بماءِ البحر؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" رواه (١٣) أبو داود، والنَّسائىُّ والتِّرْمِذِىُّ، وقال: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيح. ورُوِىَ عن عمر، رضىَ اللَّه عنه، أنه قال: "مَنْ لم يُطَهِّرْه ماءُ البحرِ فلا طَهَّرَهُ اللهُ"، ولأنَّه ماءٌ باقٍ عَلَى أصلِ خِلْقَتِهِ، فجاز الوضوءُ به كالعَذْبِ. وقولهم: "هو نَارٌ" إن أُرِيد به أنه نارٌ في الحال فهو خِلافُ الحِسَّ، وإن أُرِيد أنه يَصِيرُ نارًا، لم يمنَعْ ذلك الوضوءَ به في (١٤) حال كَوْنِه ماءً. ومنها، أنَّ الطهارةَ مِن النجاسةِ لا تحصُل إلَّا بما يحصُلُ به طَهارةُ الحَدَثِ؛ لِدُخولِه في عُمومِ الطهارةِ، وبهذا قال مالك، والشافعيُّ، ومحمد بن الحسن (١٥)، وزُفَرُ (١٦).

стр. 73

وقال أبو حنيفة: يجُوز إزالةُ النجاسةِ بكل مائِعٍ طاهرٍ مُزِيلٍ للعَيْن والأثَرِ، كالخَلِّ، وماء الوَرْدِ، ونحوِهما. ورُوِى عن أحمد ما يَدُلُّ علَى مِثْلِ ذلك، لأن النبيَّ ﷺ ، قال: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا (١٧) ". أطْلَقَ الغَسْلَ، فتَقْيِيدُه بالماءِ يحْتاجُ إلى دليل، ولأنَّه مائِعٌ طاهِرٌ مُزِيلٌ، فجازت إزالَةُ النجاسةِ به، كالماء، فأمَّا مالا يُزِيلُ كالمَرَقِ واللَّبَنِ فلا خلافِ في أن النجاسةَ لا تُزالُ به. ولَنَا ما رُوِىَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال لأَسْماءَ بنتِ أبى بكر (١٨): "إذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرِضْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ". أخْرَجه البُخارِىّ (١٩)، وعن أَنَسٍ رضى اللَّه عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ ، أمَرَ بذَنُوبٍ مِن ماءٍ

стр. 74

فأُهْرِيقَ علَى بَوْلِ الأَعْرابِىّ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٠)، وهذا أمرٌ يَقْتَضِى الوُجوبَ؛ ولأنَّها طَهَارةٌ تُرَادُ للصَّلاةِ، فلا تحصُل بغيرِ الماءِ، كطَهارةِ الحَدَثِ، ومُطْلَقُ حَديثِهم مُقَيَّدٌ بحَدِيثِنا، والماءُ يَختَصُّ بتَحْصِيلِ إحْدَى الطَّهارَتيْن، فكذلك الأُخْرَى. ومنها، اخْتصاصُ حصُولِ الطهارةِ بالماء، لتَخْصِيصِه إيَّاهُ بالذِّكْرِ، فلا يحصُل بمائعٍ سوَاه، وبهذا قال مالك، والشافعيُّ، وأبو عُبَيْد، وأبو يوسف (٢١). ورُوِىَ عن علىٍّ، رضىَ اللهُ عنه - وليس بثَابتٍ عنه - أنه كان لا يَرَى بأْسًا بالوُضوءِ بالنَّبِيذِ، وبه قال الحسنُ (٢٢)، والأَوْزاعِىُّ. (٢٣) وقال عِكْرِمَةُ (٢٤): النَّبِيذُ وَضوءُ مَن لم يَجِدِ الماء. وقال إسحاق (٢٥): النَّبِيذُ حُلْوًا أحَبُّ إلىَّ مِن التَّيَمُّم، وجَمْعُهما أحَبُّ إلىَّ. وعن أبي حنيفة كقَوْلِ عِكْرِمَة. وقيل عنه: يجوزُ الوضوءُ بنَبِيذِ التَّمْرِ، إذا طُبِخَ

стр. 75

واشْتَدَّ، عند عَدَمِ الماء في السَّفَرِ؛ لما رَوَى ابنُ مسعود، أنَّه كان مع رسولِ اللَّه ﷺ ليلةَ الجِنِّ، فأراد أنْ يُصَلِّىَ صلاةَ الفجر، فقال: "أَمَعَكَ وَضُوءٌ؟ " فقال: لا، مَعِى إدَاوةٌ فيها نَبِيذٌ. فقال: "تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ (٢٦) ". ولنا قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢٧). وهذا نَصٌ في الانْتِقَال إلى التُّراب عند عَدَمِ الماء، وقال النبيُّ ﷺ : "الصَّعِيدُ (٢٨) الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِم وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ". رواه أبو داود. (٢٩) ولأنَّه لا يجوز الوُضوءُ به في الحَضَرِ، أو عند (٣٠) وُجودِ الماء، فأشْبَهَ الخَلَّ والمَرَقَ، وحَدِيثُهم لا يثْبُتُ، ورَاوِيهِ أبو زيد مَجْهُولٌ عندَ أهلِ الحديث، لا يُعْرَفُ له غيرُ هذا الحديث، ولا يُعْرَفُ بصُحْبةِ عبد اللَّه. قاله التِّرْمِذِىُّ (٣١) وابنُ الْمُنْذِر (٣٢)، وقد رُوِىَ عن ابن مسعود، أنَّه سُئِلَ: هل كنتَ مع رسولِ اللهِ ﷺ ليلةَ الجِنِّ؟ فقال: ما كان معه مِنَّا أحَدٌ. رَوَاه أبو داود (٣٣). وروَى مُسْلِمٌ بإسْنَادِهِ، عن ابن مسعود، قال: لم أكُنْ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ ليلَةَ الجِنِّ، ووَدِدْتُ أنِّى كنتُ معه (٣٤).

стр. 76

فصل: فأمَّا غيرُ النَّبِيذِ من المائِعَات، [غيرِ الماء] (٣٥)، كالخَلِّ، والمَرَقِ، واللَّبَنِ، فلا خلافَ بين أهلِ العِلْم، فيما نعلم، أنه لا يجوز بها وُضوءٌ ولا غُسْلٌ، لأنَّ اللهَ تعالى أثْبَتَ الطُّهُورِيَّةَ للمَاءِ بقولِه تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٣٦)، وهذا لا يقَعُ عليه اسْمُ الماءِ. ومنها، أنَّ المُضافَ لا تحصُل به الطَّهَارةُ، وهو على ثلاثةِ أضْرُب: أحدها؛ ما لا تَحصُل به الطَّهارةُ رِوَايةً واحدة، وهو ثلاثة (٣٧) أنواع: أحدها، ما اعْتُصِر من الطَّاهِرات، كماء الورد، وماء القَرَنْفُلِ، وما يَنِزُّ (٣٨) من عُروقِ الشَّجَرِ إذا قُطِعَتْ رَطْبةً. الثاني، ما خالطَه طاهِرٌ فَغَيَّرَ اسْمَه، وغلَب علَى أجْزائِه، حتى صار صِبْغًا، أو حِبْرًا، أو خَلًّا، أو مَرَقًا، ونحو ذلك. الثالث، ما طُبِخَ فيه طاهِرٌ فَتَغَيَّر به، كماء الباقِلَّا المَغْلِىّ. فجميعُ هذه الأنواع لا يجوزُ الوُضُوءُ بها، ولا الغُسْل، لا نَعْلَم فيه خلافًا، إلَّا ما حُكِىَ عن ابن أبى لَيْلَى (٣٩) والأَصَمِّ (٤٠)، في الْمِيَاهِ الْمُعْتَصَرةِ، أنها طَهُورٌ يَرْتَفِع بها الْحَدَثُ، ويُزالُ بها النَّجَسُ. ولأَصْحابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ في ماء الباقِلَّا المَغْلِىّ، وسائِرُ مَنْ بلَغنا قولُه مِن أهلِ العلم على خِلافِهم. قال [أبو بكر] (٤١) بن المُنْذِر: أجْمَعَ كلُّ مَن نحْفَظُ قولَه مِن أهلِ العلم أن

стр. 77

الوُضوءَ غيرُ جائزٍ بماء الورد، وماء الشَّجَر، وماء العُصْفُرِ، ولا تجوزُ الطهارةُ إلَّا بماءٍ مُطْلَقٍ، يَقعُ عليه اسْمُ الماء، ولأنَّ الطهارَةَ إنَّما تجوزُ بالماء، وهذا لا يَقَعُ عليه اسْمُ الماءِ بإطْلاقِه. الضرب الثاني؛ ما خالَطَهُ طاهرٌ يُمْكِن التَحَرُّزُ منه، فغَيَّر إحْدَى صِفَاتِه، طَعْمِه، أوْ لَوْنِهِ، أو رِيحِهِ، كماء الباقِلَّا، وماء الحِمَّصِ، وماء الزَّعْفَران. واخْتلف أهلُ العِلْم في الوُضوءِ به، واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن إمامِنا، ﵀، في ذلك؛ فرُوِىَ عنه: لَا تحصلُ الطَّهارةُ به. وهو قَوْلُ مالك، والشافعىّ، وإسحاق. وقال القاضي أبو يَعْلَى: وهى أصَحُّ، وهى المنْصُورةُ عند أصحابنا في الخلاف. ونقَل عن أحمد جماعةٌ من أصحابِه، منهم أبو الحارث (٤٢)، والمَيْمُونِىّ (٤٣)، وإسحاق بن منصور (٤٤)، جوازَ الوُضوءِ به. وهذا مذهبُ أبى حنيفة وأصحابِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٤٥)، وهذا عامٌّ في كلِّ ماءٍ، لأنه نَكِرَةٌ في سِيَاقِ النَّفْىِ، والنكرةُ في سِياقِ النَّفْى تَعُمُّ، فلا يجوز التَّيَمُّمُ مع وُجودِهِ، وأيضًا قولُ النبيِّ ﷺ في حديث أبى ذَرٍّ: "التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ (٤٦) "، وهذا واجِدٌ للماءِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه كانوا يُسافِرون، وغالِبُ أسْقِيَتِهم

стр. 78

الأَدَمُ (٤٧)، والغالبُ أنَّها تُغيِّرُ الماءَ، فلم يُنْقَلْ عنهم تَيَمُّمٌ مع وُجودِ شيءٍ من تلك الْمِيَاه، ولأنَّه طَهُورٌ خالَطَه طاهِرٌ لم يَسْلُبْه اسْمَ الماء، ولا رِقَّتَه، ولا جَرَيانَه، فأشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بالدّهْنِ. ووَجْهُ الأولَى: أنه ماءٌ تغيَّر بمُخالَطة ما ليس بطَهُورٍ يُمْكِنُ الاحْتِرازُ منه، فلم يَجُزِ الوُضوءُ به، كماء الباقِلَّا الْمَغْلِىّ، ولأنه زال عن إطْلاقِه، فأشْبَه الْمَغْلِىَّ. إذا ثبَت هذا فإنَّ أصحابَنا لم يُفَرِّقُوا بين الْمَذْرُورِ في الماءِ ممَّا يُخْلَط بالماء كالزَّعْفَران والعُصْفُر والأُشْنَان ونحوه، وبين الحُبُوب من الباقِلَّا والحِمَّص، والثَّمر كالتَّمْرِ والزَّبِيب والوَرَقِ وأشْباهِ ذلك. وقال أصحابُ الشافعىِّ: ما كان مَذْرُورًا مُنِع إذا غيَّر الماءَ، وما عَداهُ لا يُمْنَع إلَّا أن يَنْحَلَّ في الماء، وإن غَيَّره مِن غيرِ انْحلالٍ لم يُسْلَبْ طَهُورِيَّتَه؛ لأنَّه تغيّر مُجاورة، أشْبَهَ تَغْيِيرَ الكافُور. ووافَقَهم أصحابُنا في الخَشَب والعِيدَان، وخالَفُوهم في سائر ما ذكرْنا؛ لأن تَغَيُّرَ الماءِ به إنَّما كان لِانْفِصَالِ أجْزاءَ منه في (٤٨) الماءِ وانْحِلَالِها فيه، فوجَب أن يُمْنَع كما لو طُبِخ فيه، ولأنَّه ماءٌ تغيَّر بمُخالَطة طاهرٍ يُمْكِنُ صَوْنُه عنه، أشْبَهَ ما لو أُغْلِىَ فيه. الضرب الثالث من المُضاف؛ ما يجوز الوُضوءُ به رِوَايةً واحدة، وهو أربعة أنواع: أحدها ما أُضِيفَ إلى مَحَلِّهِ ومَقَرِّهِ، كماء النهر والبئر وأَشْباهِهما؛ فهذا لا ينْفَكُّ منه ماءٌ وهى إضافةٌ إلى غيرِ مُخالِط. وهذا لا خلافَ فيه بين أهلِ العلم. الثانى ما لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، كالطَّحْلُب والخَزِّ وسائرِ ما ينْبُت في الماء، وكذلك وَرَق الشَّجَر الذي يسقُط في الماء، أو تحمله الرِّيحُ فتُلْقِيه فيه، وما تجْذِبُه السُّيولُ من العِيدَان والتِّبْن ونحوه، فتُلْقِيه في الماء، وما هو في قَرارِ الماء كالكِبْرِيت

стр. 79

والْقَار وغيرِهما، إذا جَرَى عليه الماءُ فتغيَّر به، أو كان في الأرض التي يقفُ فيها الماءُ، فهذا كلُّه يُعْفَى عنه؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فإن أُخِذَ شيءٌ من ذلك وألْقِىَ في الماءِ وغيَّرَه كان حُكْمُه حُكْمَ ما أمكَن التَّحَرُّزُ منه، من الزَّعْفَران ونحوِه؛ لأن الاحْتِرَازَ منه مُمْكِنٌ. الثالث ما يُوَافِقُ الماءَ في صِفَتَيْه؛ الطَّهارةِ، والطُّهُورِيَّةِ، كالتُّرابِ إذا غَيَّرَ الماءَ، لا يَمْنَعُ الطُّهورِيَّةَ؛ لأنَّه طاهرٌ مُطهِّرٌ كالماء، فإن ثَخُنَ بحيثُ لا يجرِى علَى الأعْضاءِ لم تَجُزِ الطهارةُ به؛ لأنَّه طِينٌ وليس بماء، ولا فَرْقَ في الترابِ بين وُقُوعِه في الماء عن قَصْدٍ أو غيرِ قصد، وكذلك المِلْحُ الذي أصلُه الماء كالبَحَرِىِّ، والملحِ الذي ينْعَقِدُ من الماء الذي يُرْسَلُ على السَّبِخَة فيصيرُ مِلْحًا، فلا يسْلُب الطُّهُوريَّةَ؛ لأنَّ أصْلَه الماءُ، فهو كالجَلِيد والثَّلْج، وإن كان مَعْدِنًا ليس أصلُه الماءَ فهو كالزَّعْفَران وغيره. الرابع ما يتغَيَّرُ به الماءُ بمُجاوَرتِه مِن غيرِ مُخالَطةٍ، كالدُّهْنِ علَى اختلافِ أنواعِه، والطَّاهِرَاتِ الصُّلْبةِ كالعُود والكافور والعَنْبَر، إذا لم يَهْلِكْ في الماء، ولم يَمِعْ فيه، لا يخرُج به عن إطْلاقهِ؛ لأنَّه تَغْيِيرُ مُجاوَرةٍ، أشْبَهَ ما لو ترَوَّحَ الماءُ برِيحِ شَىْءٍ إلى (٤٩) جانبِه. ولا نعلمُ في هذه الأنواع خلافا. وفي معنى الْمُتَغَيِّرِ بالدُّهْنِ ما تغيَّرَ بالْقَطِرَانِ والزِّفْتِ والشَّمْعِ لأنَّ في ذلك دُهْنِيَّةً يتَغَيَّرُ بها الماءُ تَغَيُّرَ مُجَاوَرةٍ، فلا يُمْنَعُ كالدُّهْن. فصل: والماءُ الآجِنُ، وهو الذي يتغَيَّرُ بطُولِ مُكْثِه في المكان، مِن غيرِ مُخالَطةِ شيءٍ يُغَيِّرُه، بَاقٍ علَى إطْلاقِه في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلم، قال ابنُ الْمُنْذِر: أجْمَع كلُّ مَن نَحْفَظُ قولَه مِن أهلِ العلم علَى [أنَّ] الوُضوءَ بالماء الآجِنِ مِن غيرِ نَجاسةٍ حَلَّتْ فيه جائز، غيرَ ابنِ سِيرِينَ (٥٠)، [فإنَّه كَرِهَ ذلك] (٥١). وقَوْلُ الجمهورِ أوْلَى،

стр. 80

فإنَّه يُرْوَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مِن بِئْرٍ كأنَّ ماءَه نُقَاعةُ الحِنَّاءِ (٥٢)، ولأنَّه تغيَّر مِن غيرِ مُخالَطةٍ، [فأشْبَهَ المُتَغَيِّر بالمُجاورَةِ] (٥٣). فصل: وإذا كان علَى العُضْو طاهِرٌ، كالزَّعْفَران والعَجِين، فتَغَيَّرَ به الماءُ وَقْتَ غَسْلِه، لم يَمْنَعْ حُصولَ الطَّهارةِ به؛ لأنَّه تَغَيَّر في مَحَلِّ التَّطْهِير، أشْبَهَ ما لو تغَيَّرَ الماءُ الذي تُزالُ به النَّجاسةُ في مَحَلِّها. ٢ - مسألة؛ قال: (وَمَا سَقَطَ فِيه مِمَّا ذَكَرْنَا أوْ من (١) غَيْرِهِ وَكَانَ يَسِيرًا فلم يُوجَدْ لَهُ طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رائِحةٌ كِثيرَةٌ حَتَّى يُنْسَبَ الْمَاءُ إلَيْهِ تُوُضِّئَ بِهِ). قوله: "مما ذكرنا"، يعني الباقِلَّا والحِمَّصَ والوردَ والزَّعْفَرانَ وغيرَه، يعني من الطَّاهِرات سِوَاه، وقوله: "حتَّى يُنْسَب الماءُ إليه"، أي: يُضاف إليه، علَى ما قدَّمْنا، واعْتَبر الكَثْرةَ في الرائحةِ، دونَ غيرِها مِن الصِّفات؛ لأنَّ لها سِرَايةً ونُفوذا، فإنَّها تحصُل عن مُجاوَرةٍ تارة، وعن مُخالَطةٍ أُخْرَى، فاعْتَبَر الكثرةَ فيها لِيُعْلَم أنها عن مُخالَطةٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: غيرُ الْخِرَقِىِّ، مِن أصحابِنا، ذهب إلى التَّسْوِيَةِ بين الرَّائحةِ واللَّوْن والطَّعْم؛ لأنها صفةٌ مِن صفاتِ الماء، فأشْبَهَت اللونَ والطعمَ. وقال القاضي: يجبُ التَّسْوِيةُ بين الرَّائحةِ واللَّون والطَّعم، فإن عُفِىَ عن اليَسِير في بعضِها

стр. 81

عُفِىَ عنه في بَقِيَّتهِا، وإن لم يُعْفَ [عن اليَسِيرِ] (٢) في بَعْضِها لم يُعْفَ عنه في بَقِيَّتِها. وقد ذكَرْنا مَعْنًى يقْتَضِى الفَرْقَ، إن شاء اللهُ تعالى. ولا نعلمُ خِلافًا بين أهلِ العلم في جَوازِ الوضُوءِ بماءٍ خالَطَهُ طاهرٌ، لم يُغَيِّرْهُ، إلَّا ما حُكِىَ عن أُمِّ هانِىء، في ماءٍ بُلَّ فيه خُبْزٌ: لا يُتَوَضَّأُ به (٣). ولعلها أرادتْ ما تغَيَّرَ به. وحَكَى ابنُ الْمُنْذِر، عن الزُّهْرِىّ (٤)، في (٥) كِسَرٍ بُلَّتْ في الماء (٦)، غيَّرتْ لَوْنَه أو لم تُغَيِّرْ لَوْنَه، لم يُتَوَضَّأْ به. والذي عليه الجمهورُ أوْلَى، لأنَّه طاهرٌ لم يُغَيِّرْ صِفَةَ الماء، فلم يُمْنَعْ كبَقيَّةِ الطاهِرات إذا لم تُغَيِّرْهُ، وقد اغْتَسل النبيُّ ﷺ وزوجتُه مِن جَفْنَةٍ فيها أثَرُ الْعَجِين، رَوَاه النَّسائِىُّ (٧)، وابنُ ماجَه (٨)، والأَثْرَمُ (٩). فصل: وإذا وقَع في الماءِ مائِعٌ، [لا يُغَيِّرُ الماءَ] (١٠) لموافقة صفته، وهذا يَبْعُدُ، إذ الظَّاهِرُ أنَّه لا بُدَّ أن ينْفَرِد عنه بصِفَةٍ، فيُعْتَبَرُ التَّغَيُّرُ بظُهورِ تلك الصِّفةِ. فإن اتَّفَقَ

стр. 82

ذلك اعتَبَرْناه بغَيْرِه ممَّا له صِفَةٌ تَظْهَر علَى الماء، كالحُرِّ إذا جُنِىَ عليه دوُنَ الْمُوضِحَة (١١) قَوَّمْناهُ كأنه عَبْدٌ، وإنْ شَكَّ في كَوْنِه يَمْنَع بَنَى علَى يَقينِ الطُّهُوريَّةِ؛ لأنها الأصلُ، فلا يَزُولُ عنه (١٢) بالشَّكِّ. فصل: وإن كان الواقعُ في الماء ماء مُسْتعمَلا عُفِىَ عن يَسِيرهِ. قال إسحاقُ بن منصور: قلتُ لأحمدَ: الرجلُ يتوضَّأُ، فيَنْتَضِحُ مِن وَضُوئِه في إنائِه؟ قال: لا بأسَ به. قال إبراهيم النَّخَعِيُّ (١٣): لا بُدَّ من ذلك. ونحوه عن الحسن. وهذا ظاهر حال النبيِّ ﷺ وأصْحابِه. لأنَّهم كانوا يتوَضَّؤُون مِن الأَقْداحِ والأَتْوَار (١٤)، ويَغْتَسِلُون مِن الجِفَان، وقد رُوِىَ أن النبيَّ ﷺ كانَ يغتسلُ هو ومَيْمُونَةُ مِن جَفْنَةٍ فيها أَثَرُ العَجِين (١٥)، واغْتَسل هو وعائشةُ مِن إناءٍ واحد (١٦) تخْتَلِفُ أَيْدِيهما فيه، كلُّ واحدٍ منهما يقولُ لِصاحبِه: "أَبْقِ لِى" (١٧). ومِثْلُ هذا لا يَسْلَمُ مِن رَشاشٍ يقَع في الماء، وإن كثُر الواقِعُ وتفَاحَش منَع علَى إحْدَى الرِّوايتَيْن.

стр. 83

وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن كان الأكْثَرُ الْمُسْتَعْملَ منَع، وإن كان الأقَلُّ لم يمْنَع. وقال ابنُ عقيلٍ: إن كان الواقِعُ بحيث لو كان خَلًّا غَيَّرَ الماءَ مَنَع وإلَّا فلا. وما ذكَرْنا من الخبرِ، وظاهرِ حالِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه، يَمْنَع مِن اعْتبارِه بالْخلِّ، لأنَّه مِن أسْرَعِ المائعاتِ نُفُوذًا، وأَبْلَغِها سِرَايةً، فيُؤثِّرُ قليلهُ في الماء، والحديثُ دَلَّ علَى العَفْوِ عن يَسِيرِه، فإِذًا يُرْجَع في ذلك إلى العُرْف، فما كان كثيرًا مُتفاحِشًا منَع وإلَّا فلا، وإن شَكَّ فالماءُ باقٍ علَى الطُّهُورِيَّةِ؛ لأنها الأصلُ، فلا يزولُ عنه بالشَّكِّ. فصل: فإن كان معه ماءٌ، لا يكْفِيه لطَهارته، فكَمَّلَه بمائِع لم يُغَيِّرْه، جاز الوضُوءُ به، في إحْدَى الرِّوايتيْن، لأنَّه طاهرٌ لم يُغَيِّر الماءَ فلم يَمْنَع كما لو كان الماءُ قَدْرًا يُجْزىء في الطَّهارة. والثانية: لا يجوز، لأنَّنا نَتَيقَّنُ حصُولَ غَسْلِ بعضِ أعضائِه بالمائِع. والأُولَى أوْلَى، لأنه لمَّا لم تظْهَرْ صفةُ المائع علَى الماِء صار حكمُ الجميعِ حُكْمَ الماء، وما ذكرْناه للرِّواية الثانية يبْطُل بما إذَا كان الماءُ قَدْرًا يُجْزِىء في الطَّهارةِ فخلطَه بمائعٍ، ثم توضَّأ به، وبَقِىَ قَدْرُ المائعِ أو دونه، فإنَّه يجوزُ، مع (١٨) العلم بأن المُسْتَعمَلَ بعضُ الماءِ وبعضُ المائع، وكذلكَ الباقى، لاسْتِحالةِ انْفِرَادِ الماءِ عن المائع. واللهُ أعلم فصل: ولا يُكْرَهُ الوضوءُ بالماءِ الْمُسَخَّنِ بطاهرٍ، إلَّا أنْ يكون حارًّا يمْنَعُ إسبْاغَ الوُضوءِ لحرارتهِ. وممَّن رُوِىَ عنه أنه رأى الوضوءَ بالماءِ المُسَخَّن عمرُ، وابنهُ، وابنُ عباس، وأنس، رضى اللَّه عنهم، وهو قولُ أهلِ الحِجَاز وأهلِ العراقِ جَميعهِم غيرَ مُجاهد (١٩) , ولا مَعْنى لقولهِ، فإنَّ زَيد بن أسْلَمَ رضى اللَّه عنه رَوَى (٢٠): أنَّ عمر

стр. 84

كان له قُمْقُمَةٌ (٢١) يُسَخَّن فيها الماء، (٢٢)، وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما، أنه دخل حَمَّامًا بالجُحْفَة (٢٣)، وذكر ابنُ عَقِيل حَدِيثًا عن [الأسْلَع بن] (٢٤) شَرِيك رَحَّالِ النبيِّ ﷺ ، قال: أجْنَبْتُ وأنا مع النبيِّ ﷺ فجمعتُ حَطَبًا، فَأحْمَيْتُ الماءَ، فاغتسلتُ. فأخبرتُ (٢٥) النبيَّ ﷺ فلم يُنْكِرْ عَلَيَّ. (٢٦) ولأنها صِفَةٌ، خُلِقَ عليها الماء فأشْبَهَ ما لو بَرَّدَهُ فصل: ولا تُكْرَهُ الطهارةُ بالماء المُشَمَّس. وقال الشافعيُّ: تُكْرَه الطهارةُ بماءٍ قُصِدَ إلى تَشْمِيسِه في الأوانِى، ولا أكْرَهُه إلَّا مِن جهَة الطِّبِّ؛ لما رُوِىَ عن عائشة، رضى اللَّه عنها، قالت: دخَل عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ وقد سَخَّنْتُ له الماءَ في الشمسِ، فقال: "لَا تَفْعَلى، يَا حُمَيْراءُ، فَإِنَّهُ يُورثُ الْبَرصَ (٢٧) " واختاره أبو الحسن التَّمِيمِيُّ. ولنا أنه سُخِّنَ بطاهرٍ، أشْبَهَ ما في الِبرَكِ والأنهار، وما سُخِّنَ بالنارِ وما لم يُقْصَدْ تشْمِيسُه، فإن الضَّررَ لا يخْتلِفُ بالقَصْدِ وعَدَمِه، والحديثُ غيرُ ثابتٍ، يَرْوِيه خالدُ بن إسماعيل، وهو متروكُ الحديث، وعمرو (٢٨) بن محمد الأعْسَمُ، وهو مُنْكرُ

стр. 85

الحديث. قالَه الدَّارَقُطْنِيُّ، قال: ولا يَصِحُّ عن الزُّهْرِيِّ. وحُكِىَ عن أهلِ الطِّبِّ أنهم لا يعرفون لذلك تأثيرًا في الضَّرر. فصل: فأمَّا الماءُ المُسَخَّنُ بالنَّجاسةِ، فهو على ثلاثة أقسام: أحدها، أن يَتَحَقَّقَ وصولُ شيءٍ من أجزاءِ النجاسةِ إلى الماء، فيُنَجِّسُهُ إذا كان يَسِيرًا. والثانى، أن لا يتَحَقَّق وصولُ شيءٍ مِن أجزاءِ النجاسةِ إلى الماءِ والحائلُ غيرُ حَصِينٍ، فالماءُ علَى أصلِ الطهارة، ويُكْرَهُ اسْتِعْمالُه. وقال الشافعيُّ: لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ دخل حَمَّامًا بالجُحْفَةِ. ولنا، أنَّه ماءٌ تَردَّدَ بين الطهارةِ والنجاسةِ مع وُجودِ سَببِها، فأقَلُّ أحْوالِه الكَراهةُ، والحديثُ لا يثْبُتُ عن النبيِّ ﷺ ، وإنما يُرْوَى عن ابن عباس، ولم يثبُتْ أن الوَقُودَ كان نَجِسًا، ولا أنَّ الحائلَ كان غيرَ حَصيِنٍ، والحديثُ قضيةٌ في عَيْنٍ لا يثبُتُ به نَفْىُ الكَراهةِ إلَّا في مِثْلهِا، ولا يثبُتُ به نَفْىُ الكَراهةِ علَى الإطْلاقِ. القسم الثالث، إذا كان الحائلُ حَصِينًا، فقال القاضي: يُكْرَهُ، واختار الشريفُ أبو جعفر (٢٩)، وابن عَقِيلٍ، أنه لا يُكْرَه؛ لأنه غيرُ مُترَدَّدٍ في نجاستِه، بخلافِ التي قبلَها. وذكر أبو الخَطَّاب (٣٠) في كَراهةِ المُسَخَّنِ بالنجاسة روايَتَيْن، على الإِطْلاق. فصل: ولا يُكْرَهُ الوُضوءُ والغُسْلُ بماءِ زَمْزَم؛ لأنه ماءٌ طَهُورٌ، فأشْبَهَ سائرَ المياه.

стр. 86

وعنه: يُكْرَهُ لقولِ العباس: لا أُحِلُّها لمُغْتَسِلٍ، لكن لِمُحْرِمٍ (٣١) حِلٌّ وبِلٌّ (٣٢). ولأنه يُزِيلُ به مانِعًا مِن الصلاة، أشْبَهَ إزالةَ النَّجاسةِ به. والأوَّلُ أوْلَى، وقولُ العبَّاس لا يُؤخَذُ بصَرِيحهِ في التَّحْريم، ففى غيرِه أوْلَى، وشَرَفُه لا يوُجِب الكراهةَ لاستعماله (٣٣)، كالماءِ الذي وضَع فيه النبيُّ ﷺ كَفَّه، أو اغْتَسلَ منه. فصل: الذَّائِبُ من الثَّلْج والبَرَدِ طَهُورٌ؛ لأنه ماء (٣٤) نزَل من السماء، وفى دُعاءِ النبيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ طَهِّرْنِى بالْمَاءِ والثَّلْجِ والْبَرَدِ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٥). فإن أخذ الثَّلْجَ فأمَرَّه علَى أعضائهِ لم تحصُل الطهارةُ، لأنَّ الواجبَ الغَسْلُ، وأقلُّ ذلك أن يَجْرِىَ الماءُ علَى العُضْو، إلَّا أن يكونَ خَفِيفًا فيذوبَ ويَجْرِىَ ماؤُه علَى الأعضاء، فيحصُل به الغَسْلُ، فيُجْزِئُه.

стр. 87

٣ - مسألة: قال: (ولَا يُتَوَضَّأُ بِماءٍ قَدْ تُوُضِّىءَ (١) بِهِ). يعني: الماءَ المُنْفَصِلَ عن أعضاءِ المُتَوضِّىء، والمُغْتَسِلُ في مَعْناه، وظاهرُ المذهبِ أنَّ المُسْتعمَلَ في رَفْعِ الحدثِ طاهرٌ غيرُ مُطَهِّرٍ، لا يَرْفَعُ حَدَثًا، ولا يُزِيلُ نجسًا، وبه قال اللَّيْثُ (٢) والأوْزَاعِىُّ، وهو المشهورُ عن أبي حنيفة، وإحْدَى الرِّوايتَيْن عن مالك، وظاهِرُ مذهب الشافعيِّ. وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، أنه طاهِرٌ مُطَهِّرٌ. وبه قال الحسنُ، وعَطاء (٣)، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحُول (٤)، وأهلُ الظَّاهِر، والرِّوايةُ الثانية لمالك، والقولُ الثاني للشافعيِّ. ورُوِىَ عن علَيٍّ، وابنِ عمر، وأبى أُمَامةَ فيمَن نَسِىَ مَسْحَ رأْسِه، إذا وجدَ بَللًا في لِحْيَتِه، أجْزَأَهُ أن يمسحَ رأسَه بذلك البَلَلِ. ووَجْهُ ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ (٥) "، وقال: "الْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ"، ورُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ اغْتَسلَ مِن الْجَنابةِ، فرأَى لُمْعَةً لم يُصِبْها الماءُ، فعصَر شَعَرَه عليها. رَواهما الإِمَامُ أحمد، في "المسند (٦) "، وابنُ ماجَه (٧)، وغيرُهما، ولأنه غُسِلَ به مَحَلٌّ طاهِر، فلم تَزَلْ به طُهُورِيَّتُه، كما لو غُسِلَ به الثوبُ، ولأنه لَاقَى مَحَلًّا طاهِرًا، فلا يخرُج عن

стр. 88

حُكْمِه بتَأْدِيَةِ الفَرْضِ به، كالثَّوْبِ يُصَلَّى فيه مِرَارًا. وقال أبو يوسف: هو نَجِسٌ. وهو رِوَايةٌ عن أبي حَنِيفة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي الْمَاءَ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ". رَواه أبو داود (٨)، فاقْتَضَى أنَّ الغُسْلَ فيه كالبَوْلِ فيه، ولأنه يُسَمَّى طَهارةً والطَّهارةُ لا تكون إلَّا عن نَجاسةٍ، إذْ تَطْهِيرُ الطاهرِ لا يُعْقَلُ. ولنا على طهَارتِه، أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا تَوَضَّأَ كادُوا يقْتَتِلُون علَى وَضُوئِه. روَاه البُخارِىُّ (٩)، ولأنه ﷺ صَبَّ علَى جابرٍ مِن وَضُوئِه إذْ كان مَرِيضًا (١٠)، ولو كان نَجِسًا لم يَجُزْ فِعْلُ ذلك، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ [وأصحابه] (١١) ونِسَاءَه كانوا يتوَضَّئُونَ في الأَقْداحِ والأَتْوارِ ويَغْتَسِلُون في الْجِفَانِ، ومِثْلُ هذا لا يسْلَمُ مِن رَشاشٍ يقَعُ في الماء مِن الْمُسْتَعْمَلِ، ولهذا قال إبراهيم النَّخَعِيُّ: ولا بدَّ (١٢) من ذلك.

стр. 89

فلو كان الْمُسْتَعْمَلُ نَجِسًا لَنَجُسَ الماءُ الذي يقَع فيه، وقد رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قَدَّمَتْ إليه امرأةٌ مِن نِسائِه قصعةً ليَتَوضَّأ منها، فقالت امرأة: إنِّي غَمَسْتُ يَدِى فيها وأنا جُنُبٌ. فقال: "الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ (١٣) "، ورَوَاه الإِمام أبو عبد اللَّه في "المُسْنَد" (١٤): "الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ"، وعندهم الْحَدَثُ يَرْتَفِعُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، ولأنه ماءٌ طاهر لَاقَى مَحَلًّا طاهِرًا، فكان طاهِرًا، كالذى غُسِلَ به الثَّوبُ الطاهِر، والدليلُ علَى أنَّ الْمُحْدِث طاهِر ما رَوَى أبو هريرة، رضى اللَّه عنه، قال: " لَقِيَنِى رسولُ اللهِ ﷺ وأنا جُنُبٌ. فانْخَنَسْتُ منه فاغتسلتُ ثم جئتُ، فقال: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ " قلتُ: يا رسولَ اللهِ كنتُ جُنُبًا، فكرهتُ أن أُجَالِسَك، فذهبتُ فاغْتَسَلْتُ ثم جئتُ. فقال: "سُبْحَانَ اللهِ، الْمُسْلمُ لَا يَنْجُسُ". مُتَّفَقٌ عليه (١٥)، ولأنه لو غَمَس يدَه في الماءِ لم يُنَجِّسْه، ولو مسَّ شيئًا رَطْبًا، ولو حَمَلَه مُصَلٍّ لم تَبْطُلْ صلاتهُ. وقولهم: إنه نَهَى عن الغُسْلِ مِن الجنابة في الماءِ الدَّائِم، كنَهْيِه عن البَوْلِ فيه. قلنا: النَّهْىُ يدلُّ علَى أنه يُؤثِّرُ في الماءِ، وهو الْمَنعُ مِن التَّوَضُّؤِ به، والاقِتْرانُ يقْتَضِى التَّسْوِيةَ في أصل الحُكْمِ، لا في تفْصيلهِ، وإنَّما سُمِّىَ الوضوءُ والغُسْلُ طهارةً لكَوْنِه يُنَقِّى الذُّنوبَ والآثامَ، كما ورد في الأخْبار، بدليلِ ما ذكرْناه. إذا ثبَت هذا فالدليلُ علَى خرُوجِه عن الطُّهُورِيَّةِ قولُ النبيِّ ﷺ : "لَا يَغْتَسِلْ

стр. 90

أَحَدُكُمْ في الْمَاءِ الدَّائِم وهُوَ جُنُبٌ" روَاه مُسْلم (١٦)، منَع مِن الغُسْلِ فيه كَمنْعِه مِن البَوْلِ فيه، فلولا أنه يُفِيدُه مَنْعًا لم يَنْهَ عنه، ولأنه أُزِيلَ به مانِعٌ مِن الصَّلاة، فلم يجُزْ استعمالُه في طهارةٍ أُخْرَى، كالمُسْتَعْمَلِ في إزالةِ النَّجاسةِ. فصل: وجميعُ الأحداثِ سَواءٌ فيما ذكرنا؛ الْحَدَثُ الأصْغرُ، والْجَنابةُ، والحَيْضُ، والنِّفاسُ، وكذلك الْمُنْفَصِلُ مِن غَسْلِ الميِّتِ إذا قُلْنا بطهارتِه، واخْتلَفتِ الرِّوايةُ في الْمُنْفَصِلِ عن غُسْل الذِّمِّيَّة من الحيض؛ فرُوِىَ أنه مُطهِّرٌ؛ لأنه لم يُزِلْ مانِعًا من الصلاة، أشْبَهَ [ما لو تَبَرَّد به] (١٧). ورُوِىَ أنه غيرُ مُطَهِّرٍ، لأنها أزالتْ به المانِعَ مِن وَطْءِ الزَّوج، أشْبَهَ ما لو اغْتَسلتْ به مُسْلمةٌ، فإنَّ اغْتسلتْ به مِن الجنابةِ كان مُطَهِّرًا وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه لم يُزِلْ مانِعًا مِن الصلاة، ولا اسْتُعْمِلَ في عبادةٍ، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّد (١٨) به، ويَحْتَمِلُ أن يَمْنَعَ اسْتعمالُه؛ لأنه اسْتُعْمِلَ في الغُسْلِ مِن الجنابة، أشْبَهَ ما لو اغْتسلَتْ به مسلمةٌ. فصل: وإن استُعْمِل في طهارةٍ مُسْتحبَّةٍ غيرِ واجبةٍ، كالتَّجْديد، والغَسْلةِ الثانية والثالثة في الوُضوء، والغُسْلِ للجمعة والعيديْن وغيرِهما، ففيه روايتان: إحداهما؛ أنه كالْمُسْتَعْمَلِ في رَفْع الحَدَث؛ لأنَّها طهارةٌ مشروعة، أشْبَهَ ما لو اغْتَسل به مِن جَنابةٍ. والثانية؛ لَا يَمْنَعُ؛ لأنه لم يُزِلْ مانِعًا مِن الصلاة، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّد به. فإن لم تكن الطهارةُ مشروعةً لم يُؤثِّر اسْتعمالُ الماءِ فيها شيئًا، وكان كما لو تَبَرَّدَ به (١٩)، أو غسَل به ثَوْبَه، ولا تختلفُ الرِّوايةُ أنَّ ما اسْتُعْمِل في التَّبَرُّدِ والتَّنْظيفِ، أنه باقٍ علَى إطْلاقِه، ولا نعلمُ فيه خِلافًا.

стр. 91

فصل: فأما الْمُسْتَعْملُ في تَعَبُّدٍ مِن غيرِ حَدَثٍ، كغَسْلِ اليَديْن مِن نَوْمِ الليل، فإن قُلْنا: ليس ذلك بواجبٍ لم يُؤثِّر استعمالُه في الماء، وإن قُلْنا بِوجُوبِه، فقال القاضي: هو طاهِرٌ غيرُ مُطَهِّرٍ. وذكر أبو الخطَّاب فيه روايتَيْن: إحداهما؛ أنه يخرُج عن إطْلاقِه؛ لأنه مُسْتعمَلٌ في طهارةِ تَعَبُّدٍ، أشْبَهَ المستعملَ في رَفْعِ الحَدث، ولأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أن يَغْمِسَ القائمُ مِن نَوْمِ الليل يَدَهُ في الإِناءِ قبل غسلِها (٢٠). فدَلَّ ذلك على أنه يُفِيدُ مَنْعًا. والرواية الثانية، أنه باقٍ علَى إطْلاقِه؛ لأنه لم يَرْفَعْ حَدَثًا، أشْبَهَ الْمُتَبَرَّدَ به، وعلَى قياسِه المستعْمَلُ في غَسْلِ الذَّكَرِ والأُنْثَيَيْن من الْمَذْىِ، إذا قُلْنا بوجُوبِه، لأنه في مَعْناهُ. فصل: إذا انْغَمس الجُنُبُ أو المُحْدِثُ فيما دون القُلَّتَيْن ينْوِى رَفْعَ الحدَثِ صار مُسْتعمَلا، ولم يرتفِعْ حدَثُه. وقال الشافعيُّ: يصير مُسْتعملًا ويرتفعُ حدَثُه؛ لأنه إنما يصيرُ مستعملا بارْتفاعِ حدَثِه فيه. ولنا قولُ رسولِ اللَّه ﷺ : "لَا يَغْتَسِلْ أحَدُكُمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ وهُوَ جُنُبٌ" رواه مسلم، والنَّهْىُ يقْتَضِى فسادَ المَنْهِىِّ (٢١) عنه، ولأنه بانْفِصَالِ أوَّلِ جزءٍ من الماءِ عن بدنِه صار الماء مستعمَلا، فلم يرفَعِ (٢٢) الحدثَ عن سائرِ البدن، كما لو اغْتسَل فيه (٢٣) شخصٌ آخرُ. فإن كان الماءُ قُلَّتَيْن فصَاعِدًا ارْتفَع حدَثُه، ولم يتأثَّرْ به الماءُ؛ لأنه لا يَحْمِلُ الْخَبَثَ.

стр. 92

فصل: إذا اجْتَمع ماءٌ مُستعمَلٌ إلى قُلَّتَيْنِ غيرِ مُسْتعمَلٍ صار الكلُّ طَهُورًا؛ لأنه لو كان المستعمَل نَجِسًا لصار (٢٤) الكلُّ طَهورًا، فالمستعمَل أَوْلَى. وإن انْضَمَّ إلى ما دون القُلَّتَيْن وكثُرَ المسْتعمَل ولم يبلُغْ قُلَّتيْن منع، وإن بلَغ قُلّتَيْن باجتماعِه فكذلك، ويحْتَملُ أن يزولَ المنْعُ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لمْ يَحْمِلِ الْخَبَث (٢٥) ". وإن انْضَمَّ مُستعمَلٌ إلى مستعمَلٍ ولم يبلُغِ القُلَّتَين فهو باقٍ على المَنْع، وإن بلَغ قُلَّتَيْن ففيه وجهان؛ لما ذكرْناه. ٤ - مسألة: قال: (وَإذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْن، وَهُوَ خَمْسُ قِرَبٍ، فَوَقَعَتْ فِيهِ نجَاسَةٌ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رَائحَةٌ، فَهُوَ طَاهِرٌ) . والقُلَّةُ: هي الْجَرَّة، سُمِّيتْ قلة لأنها تُقَلُّ بالأيدى، أي (١) تُحْمَلُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ (٢)، ويقَع هذا الاسمُ علَى الكبيرةِ والصغيرة، والمراد بها ها هنا قُلَّتان من قِلالِ هَجَرَ (٣)، وهما خمسُ قِرَبٍ، كلُّ قِرْبةٍ مائةُ رِطْلٍ بالعِرَاقيِّ، فتكون القُلَّتان خَمْسَمائة رطْلٍ بالعِرَاقيِّ. هذا ظاهرُ المذهبِ عند أصحابِنا، وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنه رُوِىَ عن ابن

стр. 93

جُرَيْج (٤) أنه قال: رأيتُ قِلالَ هَجَرَ، والقُلَّةُ تسَعُ قِرْبتَيْن أو قربتين وشيئًا. فالاحْتياط أن يُجْعَلَ قِرْبتَيْن ونِصْفًا. وروَى الأثْرَمُ (٥)، وإسماعيل بن سعيد (٦)، عن أحمد، أن القُلَّتيْن أربعُ قِرَبٍ، وحكاه ابنُ المُنْذِر عن أحمد فى "كتابِه"؛ وذلك لما رَوَى الْجُوزَجانِىُّ (٧)، بإسنَادِه عن يحيى بن عُقَيْل (٨)، قال: رأيتُ قِلالَ هَجَرَ، وأظنُّ كلَّ قلةٍ تأخذ قربتين. ورُوِىَ نحوُ هذا عن ابن جُرَيْج. واتَّفَق القائلون بتَحْديد الماءِ بالقِرَبِ على تقديرِ كلِّ قِرْبةٍ بمائة رِطْلٍ بالعِرَاقِىِّ، لا أعلمُ بينهم في ذلك خِلافا، ولعلهم أخذوا ذلك ممَّن اخْتَبر قِرَبَ الحجازِ، وعرف أن ذلك مِقْدارُها. وإنما خَصَصْنا هذا بقِلَالِ هَجَرَ لوَجْهَيْن: أحدهما، أَنه قد رُوِىَ في حديثٍ مُبَيَّنًا، رواه الخَطَّابِىُّ (٩) , في "مَعالِمِ السُّنَن (١٠) " بإسْنادِه إلى ابن جُرَيْج، عن النبيِّ ﷺ مُرْسَلا: "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ" وذكَر الحديثَ.

стр. 94

والثانى، أنَّ قلالَ هَجَرَ أكبرُ ما يكونُ مِن القِلالِ، وأشْهرُها في عَصْرِ النبيِّ ﷺ ، ذكَره الْخَطَّابِىُّ، قال: وهى مشهورةُ الصَّنْعةِ، معلومةُ المِقْدار. لا تَختلفُ كما لا تختلف الصِّيعانُ والْمَكايِيل، لأن (١١) الحَدَّ لا يقَعُ بالمجهول. وقال أبو عُبَيْد: هي الحِبابُ (١٢)، وهى مُسْتفيضةٌ معروفة، فينْبغِى أن يُحْمَلَ لفظُ القُلَّتَيْن عليها؛ لشُهْرتها وكِبَرها، فإنَّ كلَّ معدودٍ جُعِلَ مِقْدارًا واحدا لم يتناوَلْ إلَّا أكْبرَها، لأنها أَقربُ إلى العِلْمِ، وأقلُّ في العَدَدِ، ولذلك قُلِدَ (١٣) نِصابُ الزَّكاةِ بالأَوْسُقِ (١٤)، دون الآصُعِ (١٥) والأمْدَادِ (١٦). وقد دَلَّتْ هذه المسألةُ بصَريحها على أنَّ ما بلغ القُلَّتَيْن فلم يتغَيَّرْ بما وقَع فيه لا يَنْجسُ، وبمَفْهُومِها على أَنَّ مَا تغيَّر بالنجاسةِ نَجُسَ وإن كَثُرَ، وأنَّ ما دون القُلَّتَيْن ينْجُس بمُجَرَّدِ مُلاقاةِ النجاسةِ، وإن لم يتغَيَّرْ. فأما نجَاسةُ ما تغيَّرَ بالنَّجاسةِ فلا خلافَ فيه، قال ابنُ المُنْذِر: أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أنَّ الماءَ القليلَ والكثيرَ، إذا وقعتْ فيه نجَاسةٌ فغيَّرتْ للماءِ طَعْمًا أو لَوْنًا أو رائحةً، أنه نَجِسٌ ما دام كذلك. وقد روى أبو أُمامةَ الباهِلىُّ، أن النبيَّ ﷺ قال: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ" روَاه ابنُ ماجَه (١٧). وقال حَرْبُ بن إسماعيل: سُئِل أحمدُ عن الماءِ إذا تغيَّر طَعْمُه أو رِيحُه (١٨)، قال: لا يتوَضَّأُ به ولا يَشْرَب، وليس فيه حديثٌ، ولكنَّ اللهَ تعالى حَرَّم المَيْتَة، فإذا صارتِ الميتةُ فى الماءِ فتغيَّر طَعْمُه أو رِيحهُ، فذلك طعمُ الميتةِ ورِيحُها،

стр. 95

فلا يَحِلُّ له، وذلك أمرٌ ظاهِر. وقال الخَلَّالُ (١٩): إنما قال أحمد: ليس فيه حديثٌ. لأنَّ هذا الحديثَ يَرْوِيه سليمان بن عمر، ورِشْدِينُ بن سعد، وكلاهما ضعيفٌ، وابنُ ماجَه رواه من طريق رِشْدِين. وأمَّا ما دون القُلَّتَيْن إذا لاقَتْه النَّجاسةُ فلم يتغَيَّرْ بها، فالمشهورُ في المذهب أنه يَنْجُسُ، [وروى عن ابن عمر، وسعيد بن جبير (٢٠)، ومجاهد، وبه قال الشافعيُّ، وإسحاق، وأبو عُبَيْد] (٢١). ورُوِىَ عن أحمد روايةٌ أخرى، أنَّ الماءَ لا يَنْجُس إلَّا بالتغيُّرِ قليلَه وكثيرَه، وروى مِثْلُ (٢٢) ذلك عن حُذَيْفَة، وأبى هُرَيْرة، وابن عباس، قالو: الماءُ لا يَنْجُس. ورُوِىَ ذلك عن سعيد بن المُسَيَّب، والحسن، وعكْرِمَة، وعطاء، وجابر بن زيد (٢٣) , وابن أبي لَيْلَى، ومالك، والأَوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ (٢٤) , ويحيى القَطَّان (٢٥) , وعبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ، وابن المُنْذِر، وهو قولٌ للشافعىِّ؛ لحديثِ أبى أُمامةَ الذي أوْرَدْناه. وروَى أبو سعيد، قال: قِيلَ يا رسولَ اللَّه، أنتَوضَّأُ مِن بئرِ بُضاعةَ؟ - وهى بئرٌ

стр. 96

يُلْقَى فيها الحِيَضُ، ولحومُ الكلابِ، والنَّتَنُ - فقال: "إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ". رواه أبو داود، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (٢٦)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ (٢٧). قال الخَلَّالُ: قال أحمد: حديثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صحيحٌ. ورُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ سئل عن الحِيَاضِ التي بين مكةَ والمدينة، تَرِدُها السِّباعُ والكلابُ والحُمُرُ، وعن الطَّهارةِ بها، فقال: "لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا [ما غَبَرَ] (٢٨) طَهُورٌ (٢٩) "، ولم يُفَرِّقْ بين القلِيلِ والكثيرِ؛ ولأنه لم يَظْهَرْ عليه إحْدَى صِفَاتِ النجاسة، فلم يَنْجُسْ بها كالزَّائِدِ عن القُلَّتَيْن. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما رَوَى ابنُ عمر، رضى اللَّه عنهما، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الماءِ وما يَنُوبُه مِن الدَّوابِّ والسِّباع، فقال: "إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْن لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ". روَاه أبو داود، والنَّسائِىُّ (٣٠)، والتِّرمِذِىُّ، [وابن ماجَه] (٣١)، وفى لفظٍ: "إذا بَلَغ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَىْءٌ"، وتَحْدِيدُه بالقُلَّتَيْن يدُلُّ علَى أنَّ ما دُونَهما يَنْجُسُ، إذ لو استْوَى حُكْمُ القُلَّتيْن وما دونَهما لم يكنِ التَّحْديدُ مُفِيدًا، وصَحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِن مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يدْرِى أيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ (٣٢) ". فلولا أنه يُفِيدهُ مَنْعًا لم يَنْهَ عنه.

стр. 97

أمَر النبيُّ ﷺ بغَسْلِ الإِناءِ مِن وُلُوغِ الكلب، وإرَاقةِ سُؤْرِه، ولم يُفرِّقْ بين ما تغيَّر وما لم يتغَيَّرْ، مع أَنَّ الظاهِرَ عدمُ التَغيُّرِ، وخبرُ أبي أُمامةَ ضعيفٌ، وخبرُ بئرِ بُضاعةَ والخبرُ الآخَرُ مَحْمولان على الماءِ الكثير، بدليلِ أنَّ ما تغيَّر نَجُسَ، أو نَخُصُّهما بخبرِ القُلَّتَيْن، فإنه أخَصُّ منهما، والخاصُّ يُقَدَّمَ على العامِّ. وأما الزَّائدُ عنِ القُلَّتَيْن، إذا لم يتغيَّرْ، ولم تكنِ النجاسةُ بَوْلًا أو عَذِرَةً، فلا يخْتَلِفُ المذهبُ في طَهارتِه، ورُوِىَ ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جُبَيْر، ومُجاهِد، وهو قولُ الشافعىِّ، وإسحاق، وأبى عُبَيْدة وأبى ثَوْر (٣٣)، وهو قولُ مَن حَكَيْنا عنهم أنَّ اليَسِيَر لا ينْجُسُ إلا بالتغيُّرِ. وحُكِىَ عن ابن عباس، أنه قال: إِذَا كان الماءُ ذَنُوبَيْنِ لم يَحْمِلِ الخَبَثَ. وقال عِكْرِمة: ذَنُوبًا أو ذَنُوبَيْن. وذهب أبو حنيفة وأصحابُه إلى أنَّ الكثيرَ يَنْجُسُ بالنَّجاسةِ، إلَّا أن يبْلُغَ حَدًّا يغْلِبُ على الظَّنِّ أن النَّجاسةَ لا تصِلُ إليه. واخْتلفُوا في حَدِّه؛ فقال بعضُهم: ما إذا حُرِّك أحَدُ طَرَفَيْه لم يتحَرَّكِ الآخَرُ. وقال بعضُهم: ما بلَغ عَشْرةَ أذْرُعٍ في عشرة أذرع (٣٤)، وما دون ذلك يَنْجُسُ، وإن بلغَ ألفَ قُلَّةٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لَا

стр. 98

يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في الْمَاءِ الدِّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأ مِنْهُ". مُتفَّقٌ عليه (٣٥)، فنَهى عن الوضوءِ من الماء الرَّاكِد بعد البَوْلِ فيه، ولم يُفرِّقْ بين قليلهِ وكثيرهِ، ولأنه ماءٌ حَلَّتْ فيه نجاسةٌ لا يُؤْمَنُ انْتِشارُها إليه، فينْجُسُ بها (٣٦) كاليَسِيرِ. ولنا خَبرُ القُلَّتَيْن، وبئرِ بُضاعةَ، اللذان ذكرْناهُما؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ"، مع قولِهم له: أنتوضأُ مِن بئرِ بُضاعةَ وهى بئرٌ يُلْقَى فيها الحِيَضُ ولحومُ الكلابِ والنَّتَنُ؟ وبئر بُضاعةَ لا يبلُغ الحَدَّ الذي ذكروه. قال أبو داود: قَدَّرْتُ بئر بُضاعةَ بردَائِى، مَدَدْتُه عليها، ثم ذَرَعْتُه، فإذا عَرْضُها سِتَّةُ أذْرُعٍ، وسألتُ الذي فتَح لي باب البستان: هل غُيِّر بِناؤُها عما كانت عليه؟ قال: لا. وسألتُ قَيِّمَها عن عُمْقِها، [فقلتُ: أكثرُ ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى الْعَانةِ] (٣٧). قلت: فإذا نَقَصَ. قال: دون العَوْرَةِ (٣٨). ولأنه ماء يبلُغ القُلَّتَيْن، فأشْبَهَ ما زاد على عشرةِ أذْرُعٍ، وحديثُهم عامٌّ وحديثُنا خاصٌّ، فيجب تقديمُه. الثانى، أنَّ حديثَهم لا بُدَّ مِن تَخْصيصِه، فإنَّ ما زاد على الحدِّ الذي ذكروه لا يمْنَعُ مِن الوضُوءِ به اتِّفاقًا، وإذا وجَب تخْصيصُه كان تخْصِيصُه بقولِ النبيِّ ﷺ أوْلَى مِن تَخْصيصِه بالرَّأْىِ والتَّشَهىِّ من غيرِ أصْلٍ يُرْجَعُ إليه، ولا دليلٍ يُعْتمَد عليه، ولأنَّ ما ذكروه مِن الحدِّ تقديرٌ طريقُه التَّوْقِيفُ، لا يُصارُ إليه إلَّا بنَصٍّ أو إجْماعٍ، وليس معهم نَصٌّ ولا إجماعٌ، ولأنَّ حديثَهم خاصٌّ في البَوْلِ، ونحن نقول به على إحْدَى الرِّوايتَيْن، ونَقْصُرُ الحُكْمَ علَى ما تناولَه النَّصُّ، وهو البولُ؛ لأنَّ له من التَّأْكيد والِانْتشارِ في الماء ما ليس لغيرِه، على ما سنذكرُه إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 99

فإن قيل: المرادُ بقولِه: "لمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ". أي لم يَدْفَع الخبَثَ عن نفسِه، أي أنه يَنْجُس بالواقِع فيه. قلنا هذا فاسِدٌ لوجُوهٍ ثلاثة (٣٩): أحدُها، أنَّ في بعضِ ألفاظِه "لَمْ يَنْجُسْ" روَاه أبو داود، وابنُ ماجه، واحتجَّ به أحمدُ. الثانى، أنه لو أراد أنَّ ما بلَغ القُلَّتَيْن في القِلَّة يَنْجُسُ لكَان ما فوقَهما لا يَنْجُسُ، لِتَحَقُّقِ الفَرْقِ بينهما، فإنه جعَل القُلَّتَيْن فَصْلً ا بين ما يتنَجَّسُ [وما لا يتنَجَّس] (٤٠)؛ فلو سَوَّيْنا بينهما لم يَبْقَ فَصْلًا (٤١). الثالث، أنَّ مُقْتضاه في اللغة أنه يَدْفَعُ الْخَبَثَ عن نفسِه، مِن قولِهم: فلان لا يَحْتَمِلُ الضَّيْمَ. أي يَدْفعُه عن نفسِه، واللَّه أعلم. فصل: اخْتَلَف أصحابُنا: هل القُلَّتانِ خمسُمائة رِطْلٍ تَحْدِيدًا أو تَقْريبًا؟ قال: أبو الحسن الآمِدِيُّ (٤٢): الصحيحُ أنها تَحْدِيدٌ، وهو ظاهِرُ قولِ القاضي، وأحَدُ الوَجْهَينْ لأصحابِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ اعتبارَ ذلك كان احْتِياطًا، وما اعْتُبِرَ احْتياطًا كان واجبًا، كغَسْلِ جُزْءٍ من الرَّأْسِ مع الوَجْهِ، وإمْساكِ جُزْءٍ من الليلِ مع النهارِ في الصَّوْمِ، ولأنه قَدْرٌ يدْفَع النجاسةَ عن نفسِه، فاعْتُبِر تحقيقُه كالعَدَدَ في الغَسَلات. والصَّحيحُ أن ذلك تَقْريبٌ؛ لأنَّ الذين نقلُوا تقديرَ القِلَالِ لم يَضْبِطُوهما بحَدٍّ، إنما قال ابن جُرَيْج: القُلَّةُ تَسَعُ قِرْبتَيْن أو قربتين وشيئًا. وقال يحيى بن عُقَيل: أظنُّها تَسَعُ قِرْبتيْن. وهذا لا تَحْدِيدَ فيه؛ فإنَّ قولَهما يدُلُّ على أنهما قرَّبا الأمْرَ، والشىءُ

стр. 100

الزائدُ عن القِرْبتيْن مشكوكٌ فيه، مع أنه يقعُ علَى المجهول، والظاهِرُ قِلَّتُه؛ لأنَّ لفظَه يدلُّ على تَقارُبِ ما بين الأمْرَيْن المذكورَيْن، وكلَّما قَلَّ الشىءُ كان أقْرَبَ إلى القِرْبتيْن، وكلامُ أحمد يدلُّ علَى هذا؛ فإنه رُوِىَ عنه أن القُلَّةَ قِرْبتان، ورُوِىَ قِرْبتان ونصف، ورُوِيَ: وثلث، وهذا يدُلُّ علَى أنه لم يَحُدَّ في ذلك حَدًّا. ثم ليس للِقِرْبة حَدٌّ معلومٌ؛ فإنَّ القِرَبَ تختلفُ اختلَافًا كثيرًا، فلا يكاد قِرْبتان يتفقان في حَدٍّ واحد، ولهذا لو اشْتَرَى منه شيئًا مُقدَّرًا بالقِرَبِ، أو أسْلَمَ في شيءٍ محدودٍ بالقِرَب؛ لم يَجُزْ ذلك؛ ولأن النبيَّ ﷺ قد عَلِمَ أنَّ الناسَ لا يكِيلُون الماءَ ولا يزِنونَه، فلم يكنْ ليُعَزِّفَهم الحَدَّ بما لا يُعَرَّفُ به، وإنما أراد أنَّ مَن وجَد ماءً فيه نَجاسةٌ فظَنَّه مُقارِبًا للقُلَّتيْن توضَّأ منه، وإنْ ظَنَّه ناقِصًا عنهما مِن غَيْرِ مُقارَبةٍ لهما تَرَكَهُ. وفائدةُ هذا، أن مَن اعْتَبرَ التَّحْدِيدَ، فنقَص عن الحَدِّ شيئًا يَسِيرًا، لم يُعْفَ عنه، ونَجُسَ بوُرُودِ النجاسةِ عليه، ومَن قال بالتَّقريبِ عُفِىَ عن النَّقْصِ اليَسِير عندَه، وتعلُّق الحُكْمُ بما يُقارِبُ القُلَّتيْن، إن شَكَّ في بُلوغِ الماءِ قَدْرًا يدفَعُ النجاسةَ أو لا يدفعُها ففيه وجْهان: أحدُهما، يُحْكَم بطَهارتِه؛ لأنه كان طاهِرًا قبلَ وُقوع النجاسةِ فيه، وشَكَّ هل ينْجُس به أو لا؟ فلا يزولُ اليَقِينُ بالشَّكِّ. والثانى، يُحْكَم بنَجاستِه؛ لأن الأصلَ قِلَّةُ الماءِ، فَنبْنِى عليه، ويَلْزَمُ من ذلك النجاسةُ. فصل: فأمَّا [ماعدا] (٤٣) الماء مِن الْمَائِعاتِ، ففيه ثلاثُ روايات: إحْداهُنَّ، أنه ينْجُسُ بالنَّجاسةِ وإن كَثُرَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل عن فَأْرةٍ وقعتْ في سَمْنٍ، قال: "إِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ" روَاه الإِمامُ أحمد، في "مُسْنَدِه" (٤٤)،

стр. 101

إسْنادُه صحيحٌ على شَرْطِ "الصحيحين"، ولم يُفَرِّقْ بين كثيرِه وقليلهِ (٤٥)، لأنها لا قُوَّةَ لها علَى دَفْعِ النجاسة، فإنها لا تُطَهِّرُ غيرَها، فلا تَدْفَعُها عن نفسِها كاليَسِير. والثانية، أنها كالماءِ، لا ينْجسُ منها ما بلَغ القُلَّتَيْن إلَّا بالتغيُّر. قال حَرْب: سألتُ أحمد، قلتُ: كلب (٤٦) وَلَغَ في سَمْنٍ أو زيتٍ؟ قال: إذا كان في آنيةٍ كبيرةٍ، مِثْلِ حُبٍّ أو نحوِه، رَجَوْتُ أن لا يكونَ به بَأسٌ ويُؤْكَلُ (٤٧)، وإن كان في آنيةٍ صغيرةٍ فلا يُعْجِبُنِى. وذلك لأنه كثيرٌ، فلم ينْجُسْ بالنجاسةِ مِن غيرِ تغيُّرٍ كالماء. والثالثة، ما أصْلُه الماءُ، كالخَلِّ التَّمْرِيِّ، يدْفَعُ النجاسةَ؛ لأنَّ الغالِبَ فيه الماءُ، ومالا فلا. والأُولَى أوْلَى (٤٨). فصل: فأمَّا الماءُ المُسْتَعْمَلُ، وما كان طاهِرًا غيرَ مُطَهِّر من الماءِ، فإنه يدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِه إذا كَثُرَ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "إذا بَلَغ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا". ويحْتَمِلُ أن ينْجُسَ، لأنه طاهِرٌ غيرُ مُطَهِّر، فأشْبَهَ الخَلَّ. فصل: إذا كان الماءُ كثيرًا، فوقَع في جانبٍ منهه نجاسةٌ، فتغَيَّر بها، نظَرْتَ فيما لم يتغَيَّرْ، فإن نقَص عن القُلَّتَيْن فالجميعُ نَجِسٌ؛ لأنَّ المتغيِّرَ نَجُسَ (٤٩) بالتغَيُّرِ، والباقىَ تنجَّس بمُلاقاتِه، وإن زاد عن القُلَّتيْن فهو طاهِرٌ.

стр. 102

وقال ابنُ عَقِيلٍ، وبعضُ الشافعيَّةِ: يكون نَجسًا أيضًا، وإن كَثُرَ (٥٠) وتباعَدتْ أقطارهُ؛ لأنه ماءٌ راكِدٌ بعضُه نَجِسٌ، فكانَ جميعُه نَجِسًا، كما لو تقارَبت أقطارُه، ولأنَّ المتَغَيِّرَ مائعٌ نَجِسٌ، فينْجُسُ ما يُلاقِيه، ثم تنَجَّس بذلك ما يُلاقِيه إلى آخرِه. فإن اضْطَربَ فزال التغيُّرُ زال التَّنْجِيسُ؛ لزوَالِ عِلَّتِه. ولنا قولُ النبيِّ ﷺ : "إذَا بَلَغ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَىْءٌ". وقولُه ﷺ : "المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ". وغيرُ المتغيِّرِ قد بلَغ القُلَّتيْن ولم يتغَيَّر، فيدخُل في عُموم الأحاديث، ولأنه ماءٌ كثيرٌ لم يتغيَّرْ بالنجاسةِ، فكان طاهِرًا، كما لو لم يتغَيَّر منه شيءٌ، ولأنَّ العِلَّةَ في نجاسةِ الماءِ الكثيرِ التَغَيُّرُ فقط، فيخْتَصُّ التَّنْجِيسُ بمَحَلِّ العِلَّةِ، كما لو تغيَّرَ بعضُه بطاهِرٍ، فلا يصِحُّ القياسُ علَى ما إذا كان غيرُ المتغيِّرِ ناقِصًا عن القُلَّتيْن؛ لأنه قليلٌ ينْجُسُ بمُجَرَّدِ المُلاقاةِ للنجاسة، بخلافِ الكثير. وأما تباعدُ الأقْطارِ وتقارُبُها فلا عِبْرةَ بها، إنما العبرةُ بكَوْنِ غيرِ المتغيِّر قليلا أو كثيرًا، [فلا يمتنعُ] (٥١) الحُكْمُ بطهارةِ الماءِ المُلاصِقِ للنجاسة، بدليل ما لو كان فيه كلبٌ أو مَيْتة، فإنَّ المُلَاصِقَ له طاهِرٌ، وإن منعت طَهارته فالمُلاصِقُ للمُلاصِقِ طاهِر، وعلى قياسِ قولِهم ينبغى أن يتنَجَّس البحرُ إذا تغيَّر جانبُه، والماءُ الجارى، وكلُّ ما تغيَّر بعضُه، ولا قائل به، وقد قال أحمد في الْمَصانِعِ (٥٢) التي بطريقِ مكة: لا يُنَجِّسُ تلك شيءٌ. فصل: ولا فَرْقَ بين يَسِيرِ النجاسةِ وكثيرِها، وسواءٌ كان اليسيرُ ممَّا يُدْرِكُه الطَّرْفُ أو لا يدركُه مِن جميعِ النجاسات، إلَّا أنَّ ما يُعْفَى عن يسيرِه في الثَّوبِ، كالدَّمِ ونحوه، حكمُ الماءِ المُتَنَجِّس به حكمُه في العَفْوِ عن يَسيرِه، وكلُّ نجاسةٍ يَنْجُس بها الماءُ يصيرُ حُكْمُه حُكْمَها؛ لأنَّ نجاسةَ الماءِ ناشئةٌ عن نجاسةِ الواقع، وفَرْعٌ عليها، والفرعُ يثبُت له حكمُ أصلهِ.

стр. 103

وقيل عن الشافعىِّ: إنَّ ما لا يدركُه الطَّرْفُ من النجاسةِ مَعْفُوٌّ عنه؛ للمشقَّةِ اللاحقةِ به. ونَصَّ في موضع على أنَّ الذُبابَ إذا وقع علَى خلاءٍ رقيقٍ، أو بَوْلٍ، ثم وقَع على الثَّوْبِ، غُسِلَ موضعُه، ونجاسةُ (٥٣) الذبابِ مما لا يدركها (٥٤) الطَّرْفُ، ولأنَّ دليلَ التَّنْجيسِ لا يُفَرِّقُ بين يسِيرِ النجاسةِ وكثيرِها، ولا بين ما يُدْرِكُه الطرفُ وما لا يدركه، فالتَّفْريقُ تَحَكُّمٌ بغيرِ دليلٍ، وما ذكروه من المَشَقَّةِ غيرُ صحيحٍ، لأنَّنا إنما نحكُم بنجاسةِ ما عَلِمْنا وُصولَ النجاسةِ إليه، ومع العلمِ لا يفْترِقان في المشقَّة، ثم إن المشقةَ حِكْمةٌ لا يجوز تعْليقُ الحُكْمِ بمُجَرَّدِها، وجَعْلُ ما لا يدركُه الطرفُ ضابطًا لها غيرُ صحيحٍ، فإنَّ ذلك إنَّما يُعْرَفُ بتَوْقِيفٍ، أو اعْتبارِ الشَّرْعِ له في مَوْضِعٍ، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما. فصل: والغَدِيران إذا اتَّصَل أحدُهما بالآخَرِ بساقِيَةٍ بينهما، فيها ماءٌ قليل أو كثير، فهما ماءٌ واحد، حكمُهما (٥٥) حُكْمُ الغَدِير الواحِد، إن بلغا جميعًا قُلَّتَيْن لم يتنَجَّسْ واحدٌ منهما إلَّا بالتغَيُّرِ، وإن لم يبلُغاهما (٥٥) تنَجَّس كلُّ واحدٍ منهما بوُقوعِ النجاسةِ في أحدِهما؛ لأنَّه ماءٌ راكِدٌ مُتَّصِلٌ بعضُه ببَعْضٍ، أشْبَهَ الغَدِيرَ الواحدَ. فصل في الماء الجارى: نُقِل عن أحمد، ﵀، ما يدُلُّ على الفرقِ بين الماء الجارى والرَّاكِد؛ فإنه قال في حَوْض الحَمَّام: قد قيل إنَّه بمَنْزِلَة الماءِ الجارى. وقال في البئرِ يكونُ لها مَادَّةٌ: هو واقِفٌ لا يَجْرِى، ليس هو بمنزلةِ ما يَجْرِى. فعلَى هذا لا يتنَجَّسُ الجارى إلَّا بتغَيُّرِه، لأنَّ الأصْلَ طَهارتُه، ولم (٥٦) نعلم في تَنْجِيسه نَصًّا ولا إجْماعًا، فبَقِىَ علَى أصْلِ الطهارةِ، ولأنه يدخُلُ في عُمومِ قولِه ﵇: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ"، وقولِه: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنجِّسُهُ شَىْءٌ إِلَّا ما غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ".

стр. 104

فإن قِيلَ: قد ورَد الشرعُ بتَنْجِيسِ قليلِه؛ بقوله (٥٧) ﵇: "إِذَا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلِ الْخَبَثَ". قُلْنا: هذا حُجَّةٌ علَى طَهارتِه؛ لأنَّ ماءَ الساقية بمَجْمُوعِه قد بلَغ القُلَّتَيْن، فلا يَحْمِلُ الخَبَثَ، وتخْصِيصُ الجِرْية منه بهذا التقْديرِ تحَكُّمٌ لا دليلَ عليه، ثم الخبرُ إنما ورَد في الماءِ الرَّاكد، ولا يصحُّ قِياسُ الجارِى عليه، لِقُوَّتِه بجَريانِه واتِّصالِه بمادته، ثم الخبرُ إنما يدُلُّ بمَنْطُوقِه على نَفْىِ النجاسةِ عمَّا بلَغ القُلَّتَيْن، وإنما يُسْتَدلُّ ها هنا بمَفْهُومِه، وقَضاء حَقِّ المفهومِ يحصُل بمُخالَفةِ ما دون القُلَّتَيْن لِمَا بلَغهما، وقد حصَلتِ المُخالفةُ بكَونِ ما دون القُلَّتَيْن يفْتَرِقُ فيه الماءُ الجارى والرَّاكدُ في التَّنْجِيس، وما بَلَغهُما لا يختلِفُ، وهذا كافٍ. وقال القاضي، وأصحابُه: كلُّ جرْيَةٍ من الماءِ الجارِى مُعْتبرَةٌ بنفسِها، فإذا كانت النجاسةُ جارِيةً مع الماءِ، فما أمامَها طاهِرٌ؛ لأنها لم تصِلْ إليه، وما خَلفهَا طاهرٌ؛ لأنه لم يصِلْ إليها، والجِرْيةُ التي فيها النجاسةُ إن بلَغتْ قُلَّتَيْن فهى طاهِرةٌ، إلَّا أن تتغَيَّر بالنجاسةِ، وإن كانت دون القُلَّتَيْن فهى نَجِسةٌ، وإن كانت النجاسةُ واقِفةً في جانب النهرِ، أو قَرارِه، أو في وَهْدةٍ (٥٨) منه، فكلُّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ عليها إن كانت دون القُلَّتَيْن فهى نَجِسَةٌ، وإن [كانت الجِرْيةُ] (٥٩) قُلَّتَيْن فهى طاهرةٌ، إلَّا أن تتغَيَّرَ. والجِرْيَةُ: هي الماءُ الذي فيه النجاسةُ، وما قَرُبَ منها مِن خَلْفِها وأمامِها، ممَّا العادةُ انْتِشارُها إليه إن كانتْ ممَّا ينْتَشِر، مع ما يحُاذِى ذلك كلَّه ممَّا بين طَرَفَىِ النَّهْرِ، فإن كانت النجاسةُ مُمْتَدَّةً فلكلِّ جُزْءٍ منها مثلُ تلك الجِرْيَةِ المُعْتبرَةِ للنجاسة القليلة، ولا يُجْعلُ جميعُ ما يُحاذِيها جِرْيةً واحدةً، لئلَّا يُفضِى إلى تَنْجِيس الماء الكثيرِ بالنَّجاسةِ القليلةِ، ونَفْىِ التَّنْجِيس عن الكثيرِ مع وجُودِ النجاسةِ

стр. 105

الكثيرةِ، فإنَّ المُحاذِىَ للكثيرةِ كثيرٌ فلا يتنَجَّسُ، والمُحاذِىَ للقليلةِ قليلٌ فيتنجَّس، فإننا لو فَرضْنا كلبًا في جانبِ نهرٍ، وشَعْرةٌ منه في الجانبِ الآخَرِ، لكانَ المُحاذِى للشَّعْرةِ لا يبلُغ قُلَّتَيْن؛ لِقلَّةِ ما يحاذِيها، والمُحاذِى للكلبِ يبلُغ قِلالًا، وقد ذكر القاضي وابنُ عَقِيلٍ، أن الْجِرْيَةَ المُحاذِيةَ للنَّجاسةِ فيما بين طَرَفَىِ النهرِ ويتعَيَّنُ حَمْلُه على ما ذكَرْناه، لما بَيَّنَّاه. فإن قيل: فهذا يُفْضِى إلى التَّسْوِيَةِ بين النجاسةِ الكثيرةِ والقَلِيلةِ. قُلْنا: الشَّرْعُ سَوَّى بينهما في الماءِ الرَّاكدِ، وهو أصلٌ، فتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بينهما في الجارِى، الذي هو فَرْعٌ. فصل: فإن كان في جانبِ النهر ماءٌ واقِفٌ، مائِلٌ عن سَنَنِ الماء، مُتَّصِلٌ بالجارِى، أو كان في أرض النهرِ وَهْدَةٌ، فيها ماءٌ واقِفٌ، وكان ذلك مع الْجِرْيَةِ المُقابِلَةِ له دون القُلَّتَيْن، نَجُسَا جميعًا بوُجودِ النجاسةِ في أحدِهما؛ لأنَّه ماءٌ مُتَّصِلٌ دون القُلَّتَيْن، فينْجُس بها جميعهُ كالرَّاكِد. وإن كان أحدُهما قُلَّتَيْن لم ينْجُسْ واحدٌ منهما ما داما مُتلاقِيَيْن إلَّا بالتغيُّرِ؛ لأنَّ القُلَّتَيْن تدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِها، وعمَّا لاقَتْهُ. ثم لا يخْلُو مِن كَوْنِ النجاسةِ في النهرِ، أو في الواقِفِ، فإن كانتْ في النهرِ وهو قُلَّتان فهو طاهِرٌ علَى كلِّ حالٍ، وكذلك الواقِفُ، وإن كان دون القُلَّتَيْن فهو نَجِسٌ قبلَ مُلاقاتِه للواقفِ، فإذا حاذاه طَهُرَ باتِّصالِه به، فإذا فارَقه عاد إلى التنَجُّس؛ لقِلَّتِه مع وُجودِ النجاسةِ فيه. وإن كانت النجاسةُ في الواقِفِ لم ينْجُس بحالٍ، لأنه لا يزالُ هو وما لَاقاهُ قُلَّتَيْن. فإن كان الواقِفُ دون القُلَّتَيْن، والجِرْيَةُ كذلك، إلَّا أنهما بمجْموعِهما يَزيدان عن القُلَّتَيْن، وكانت النجاسةُ في الواقفِ، لم ينْجُسْ واحدٌ منهما؛ لأنها مع ما تُلاقِيه أكثرُ مِن قُلَّتَيْن. وإن كانتْ في النهرِ، فقياسُ قَوْلِ أصحابِنا أن ينْجُسَ الواقِفُ، والجِرْيَةُ التي فيها النجاسةُ، وكلُّ ما يَمُرُّ بعدَها بالواقِفِ؛ لأن الْجِرْيَةَ التي فيها النجاسةُ كانت نَجِسةً قبلَ مُلاقاةِ الواقفِ، ثم نَجُسَ (٦٠) بها الواقِفُ؛ لكَوْنِه ماءً دون القُلَّتَيْن وَرَدَ عليه ماءٌ نَجِسٌ، ولم تَطْهُرِ

стр. 106

الجِرْيَةُ؛ لأنها بمنزلةِ ماءٍ نَجِسٍ صُبَّ علَى ما دون القُلَّتَيْن، فلمَّا صار الواقِفُ نَجِسًا نَجُسَ ما يَمُرُّ عليه، ويَحْتَمِلُ أن يُحْكَمَ بطهارةِ الجِرْيَةِ حَالَ مُلاقاتِها للواقِف، ولا يتنَجَّسُ الواقفُ بها، لأنه ماءٌ كثيرٌ لم يتغَيَّرْ فلا يَنْجُس؛ لِقولِ النبيِّ ﷺ : "إذَا بَلَغ الْمَاءُ قُلَّتَيْن لَمْ يُنجِّسْهُ شَيْءٌ". وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وهذا كلُّه ما لم يتغيَّرْ، فإن تغيَّرَ فَهو نَجِسٌ، وحكمُه حكمُ أعْيانِ النجاسة، فإذا كان الواقفُ متغيِّرًا وحدَه فالْجرْيَةُ التي تَمُرُّ به إن كانتْ قُلَّتَيْن فهي طاهِرةٌ، وإن كانت دون القُلَّتَيْن فهى نَجِسةٌ، وإن كانت الْجِرْيَةُ مُتغيِّرةً، والواقفُ قُلَّتان، فهو طاهِرٌ، وإلَّا فهو نَجِسٌ، وإن كان بعضُ الواقفِ مُتغيِّرًا وبعضُه غيرَ متغيِّرٍ، وكان غيرُ المتغيِّر مع الجِرْيَةِ المُلاقِيَةِ له (٦١) قُلَّتَيْن لم يَنْجُسْ؛ لأنه ماءٌ زائِدٌ عن القُلَّتَيْن لم يتغيَّرْ، فكان طاهِرًا، كما لو كانت الجِرْيةُ قُلَّتَيْن، وإن كان المُتغَيِّرُ من (٦٢) الواقفِ يَلِى الجِرْيتيْن (٦٣) وغيرُ المتغيِّرِ لا يَلِيه ولا يَتَّصِل به من أعْلَى الماءِ ولا من (٦٤) أسْفَلِه، ولا مِن ناحيةٍ من نَواحِيه، وكلُّ واحدٍ منهما دون القُلَّتَيْن، فينْبغِي أن يكونَ الكلُّ نَجِسًا؛ لأنَّ كلَّ ما يُلاقِي الماءَ النَّجِسَ لا يبلغُ القُلَّتَيْن، وإن اتصَّلَ به مِن ناحيةٍ فكُلُّ ما لم يتغَيَّرْ طاهِرٌ إذا بلَغ القُلَّتَيْن؛ لأنه كالغَدِيرَيْن اللذَيْن بينهما ساقِيةٌ، وإن شَكَّ في ذلك فالماءُ طاهِرٌ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تزولُ بالشَّكِّ، واللَّه أعلم. فصل: إذا اجْتَمعتِ الجِرْياتُ في مَوْضِعٍ، فإن كان متغيِّرًا بالنجاسةِ فهو نَجِسٌ، وإن كَثُرَ، وإن كان في بعضِ الْجِرْياتِ ماءٌ طاهِر متواترٌ (٦٥) يبلع قُلَّتَين، إمَّا سابقًا وإمَّا لاحِقًا، فالجميعُ طاهِرٌ. ما لم يتغيَّرْ؛ لأنَّ القُلَّتين تدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِها، وعمَّا اجتمعتْ معه. وإن كان المجتمِعُ دون القُلَّتَين، وفي بعضِ الجِرْياتِ شيءٌ نَجِسٌ، فالكلُّ نَجِسٌ في ظاهِر المذهب. وإن كان قُلَّتَين إلَّا أن الجِرْياتِ كلَّها

стр. 107

نَجِسةٌ، أو بعضَ الجِرْياتِ طاهِرٌ وبعضَها نَجِسٌ، ولا يتوالَى مِن الطاهِر قُلَّتان، فظاهرُ المذهبِ أنَّ الجميعَ نَجِسٌ، وإن كَثُرَ، ويحْتَمِلُ أن يكونَ طاهِرًا، وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لقولهِ ﵇: "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ". ولأنَّه ماءٌ كثيرٌ لم يتغيَّرْ بالنجاسة، فكان طاهِرًا، كما لو كان متغيِّرًا فزال تغيُّرهُ بمُكْثِه. ولنا أنَّه انْضَمَّ النَّجِسُ إلى النَّجِسِ، فصار الجميعُ نَجِسًا كغيرِ الماء، وإذا (٦٦) كان بعضُ الْجِرْياتِ طاهِرًا، لكنَّه قليلٌ، فهو ممَّا لا يدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِه، فعن غيرِه أوْلَى. فإن كان الماءُ كثيرًا متُغَيِّرًا بالنجاسةِ، فزال تغيُّرهُ بنفسِه، طَهُرَ الجميعُ، وإن زال بماءٍ طاهرٍ دون القُلَّتَين، أو باجْتماعِ ماءٍ نَجِسٍ إليه، فظاهِرُ المذهبِ أنه نَجِسٌ؛ لأنه لا يدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِه، فلا يدفعُها عن غيرِه، ويَحْتَمِلُ أن يطهُرَ؛ لأنَّه أزالَ عِلَّةَ التَّنْجيس، فأزال التَّنْجِيس، كما لو زال بنَزْحٍ أو بمُكْثِه. فصل: في تطْهِير الماء النَّجِسِ، وهو ثلاثة أقسام: أحدها، ما دون القُلَّتين، فتطْهيرُه بالمُكاثرةِ بقُلَّتَين طاهِرَتين، إمَّا أن يُصَبَّ فيه، أو يَنْبُعَ فيه، فيزولُ بهما تغيُّرُه إن كان مُتَغَيِّرًا، وإن لم يكن مُتغَيِّرًا طَهُرَ بُمجَرَّدِ المُكاثَرةِ؛ لأنَّ القُلَّتَين لا تحْمِلُ الخبَثَ، ولا تنْجُس إلا بالتَّغَيُّر، ولذلك لو ورَد عليها ماءٌ نَجِسٌ لم يُنَجِّسْها، ما لم تتَغَيَّرْ به، فكذلك إذا كانت وارِدةً، ومِن ضَرُورةِ الحُكْمِ بطهارتِهما طَهارةُ ما اختلطتا (٦٧) به. القسم الثاني، أن يكونَ وَفْقَ القُلَّتَين، فلا يخلُو مِن أن يكونَ غيرَ مُتَغَيِّرٍ بالنجاسةِ، فيَطْهُر بالمُكاثَرةِ المذكورة لا غيرُ، الثاني أن يكونَ مُتغيِّرًا فيَطْهُر بأحَدِ أمْرَيْن؛ بالمُكاثرةِ المذكورةِ [إذا أزالت التَّغيُّرَ] (٦٨)، أو بتَرْكِه حتى يزولَ تغَيُّرُه بطُولِ مُكْثِه.

стр. 108

القسم الثالث، الزَّائِدُ عن القُلَّتَين، فله حالان، أحدهما، أن يكونَ نَجِسًا بغيرِ التَّغَيُّرِ، فلا طريقَ إلى تطْهِيرِه بغيرِ المُكاثرةِ، الثاني أن يكون مُتغيِّرًا بالنجاسةِ، فتطهِيرُهُ بأحد أمورٍ ثلاثة؛ المكاثرة، أو زَوالُ تغيُّرهِ بمُكْثِه، أو أن يُنْزَحَ منه ما يزولُ به التَّغَيُّرُ، ويبْقَى بعد ذلك قُلَّتان فصاعِدًا، فإنه إن بَقِيَ ما دون القُلَّتَين، قبلَ زَوالِ تغيُّرِه، لم يَبْقَ التَّغيُّرُ عِلَّةَ تَنْجِيسهِ؛ لأنه تنجَّس بدونهِ، فلا يزولُ التَّنْجِيسُ بزَوالهِ، ولذلك طَهُرَ الكثيرُ بالنَّزح وطُولِ المُكْثِ، ولم يطْهُرِ القليلُ، فإنَّ الكثيرَ لما كانت عِلّةُ تَنْجِيسه (٦٩) التغيُّرَ زالَ تنْجِيسُه بزَوالِ علَّتِه، كالخَمْرةِ إذا انقلبتْ خَلًّا، والقليلُ عِلَّةُ تنْجِيسِه المُلاقاةُ لا التغيُّرُ، فلم يُؤَثِّرْ زَوالُه في زَوالِ التَّنْجِيسِ. فصل: ولا يُعْتَبرُ في المُكاثرةِ صَبُّ الماءِ دَفعةً واحدةً؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُمْكِنٍ، لكنْ يُوصِلُ الماءَ على ما يُمْكِنُه من المبالغةِ (٧٠)، إمَّا مِن ساقيةٍ، وإمَّا دَلْوًا فدَلْوًا، أو يَسِيلُ إليه ماءُ المطَرِ، أو يَنْبُعُ قليلًا قليلًا، حتى يبلُغ قُلَّتَين فيَحْصُل به التَّطْهيرُ. فصل: فإن كُوثِرَ بما دون القُلَّتَين، فزال تغيُّرُه، أو طُرِحَ فيه ترابٌ أو مائعٌ غيَّرَ الماءَ، أو غيرُ ذلك، فزال تغيُّرُه به، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يطْهُر بذلك؛ لأنه لا يدْفَعُ النجاسةَ عن نفسِه، فعَن غيرِه أوْلَى، ولأنه ليس بطَهُورٍ، فلا يحْصُلُ به الطهارةُ كالماء النَّجِسِ. والثاني، يطْهُرُ؛ لأنَّ عِلَّةَ نجاستِه التغيُّرُ، وقد زال، فيزُولُ التَّنْجِيسُ كما لو زال بمُكْثِه، وكالخَمْرةِ إذا انقلبتْ خَلًّا. فصل: ولا يطْهُر غيرُ الماءِ من المائعاتِ بالتَّطْهيرِ، في قولِ القاضي وابنِ عَقِيل، قال ابنُ عَقِيل: إلَّا الزِّئْبَقَ؛ فإنه لقُوَّتِه وتَماسُكِه يجْرِى مَجْرَى الجامِد؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن السَّمْنِ إذا وقَعتْ فيه الفَأرَةُ، فقال: "إِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ" روَاه أبو داود، ولو كان إلى تطْهِيرِه طريقٌ لم يأمُرْ بإراقتِه. واخْتار أبو الخَطَّاب أن ما يتَأتَّى تطْهيرُه كالزَّيْتِ، يطْهُر به؛ لأنه أمْكَنَ غَسْلُه

стр. 109

بالماء، فيطْهُر به، كالجامِد، وطريقُ تَطْهيرِه جَعْلهُ في ماءٍ كثيرٍ، ويُخاضُ فيه حتى يُصِيبَ الماءُ جميعَ أجْزائِه، ثم يُتْرَك حتى يَعْلُوَ علَى الماءِ، فيُؤْخَذ، وإن تركَه في جَرَّةٍ وَصَبَّ عليه ماءً، فخاضَه به، وجَعل لها بُزالًا (٧١) يخرُج منه الماءُ، جاز، والخبرُ ورَد في السَّمْنِ، ويحْتَمِلُ أن لا يُمْكِنَ تطْهيرُه؛ لأنه يجْمُدُ في الماءِ، ويحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ ﷺ تَرَك الأمْرَ بتَطْهيرِه لمشَقَّةِ ذلك، وقِلَّةِ وُقُوعِه. فصل: وإذا وقعتِ النجاسةُ في غيرِ الماء وكان مائِعًا نَجُسَ، وإن كان جامدًا كالسَّمْنِ الجامِد أُخِذَتِ النجاسةُ بما حولها فأُلْقِيَتْ، والباقي طاهِرٌ؛ لما روَتْ مَيْمونَةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سُئِل عن فَأْرَةٍ سقَطَتْ في سَمْنٍ، فقال: "أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ" روَاه البُخارِيُّ (٧٢). وعن أبي هُرَيْرة، ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن الفَأْرةِ تمُوتُ في السَّمْنِ، فقال: "إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ" أخْرجَه (٧٣) الإِمامُ أحمد، في "مُسْنَدهِ"، وإسْنادُه علَى شَرْطِ "الصحيحين". وحَدُّ الجامِد الذي لا تَسْرِى النجاسةُ إلى جميعِه، هو المُتماسِكُ الذي فيه قوةٌ تَمْنَعُ انتقالَ النَّجاسةِ عن (٧٤) الموْضِع الذي وقعَتْ عليه النجاسةُ إلى ما سِواهُ. قال الْمَرُّوذِىُّ: قِيلَ لأبي عبد اللَّه في الدوشاب (٧٥). يعني: يقَعُ فيه نجاسةٌ؟ قال:

стр. 110

إذا كان كثيرًا أُخِذَ (٧٦) ما حَوْلَه، مِثْلَ السَّمْنِ. وقال ابنُ عَقيلٍ: حَدُّ الجامِد ما إذا فُتِحَ وِعاؤهُ لم تَسِلْ أجْزاؤُه. وظاهرُ ما رَوَيْناه عن أحمدَ خِلافُ هذا؛ فإن الدوشاب لا يكادُ يبلُغ هذا، وسَمنُ الحجازِ لا يكاد يَبْلغُهُ، والمقصودُ بالجمُودِ أن لا تَسْرِيَ النَّجاسةُ (٧٧)، وهذا حاصِلٌ بما ذكَرْناه، فيُقْتَصَرُ عليه. فصل: وإن تنجَّس العَجِينُ ونحوُه فلا سَبِيلَ إلى تطْهيرِه؛ لأنه لا يُمْكِن غَسْلُه، وكذلك إن نُقِع السِّمْسِمُ أو شيءٌ مِن الحبوب في الماءِ النَّجِس، حتى انْتفَخ وابْتَلَّ، لم يطْهُرْ. قيل لأحمد، في سمسم نُقِع في تِيغَارٍ (٧٨)، فوقَعتْ فيه فأرةٌ، فماتت؟ قال: لا يُنْتَفَعُ بشيءٍ منه. قيل له: (٧٩) أفيُغْسَلُ مِرارًا حتى يذهبَ ذلك الماءُ؟ قال: أليس قد ابْتَلَّ مِن ذلك الماءِ، لا يَنْقَى منه وإن غُسِلَ. إذا ثَبت هذا فإنَّ أحمدَ قال في العَجِين والسِّمْسِم: يُطْعَمُ النَّواضِحَ (٨٠)، ولا يُطْعَمُ لما يُؤْكَلُ لحمُه. يعني لما يُؤْكَلُ لَحْمُه قريبًا. وقال مُجاهِد، وعَطاء، والثَّوْريُّ، وأبو عُبَيْد: يُطْعَمُ الدَّجاجَ. وقال مالك، والشافعيُّ: يُطْعَم البَهائمَ. وقال ابن الْمُنْذِر: لا يُطْعَمُ شيئًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن شُحومِ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، ويُدْهَنُ بها الجلودُ، ويَسْتصْبِح بها الناسُ؟ فقال: "لَا، هُوَ حَرَامٌ" مُتَّفَقُ عليه، (٨١) وهذا في مَعْناه.
следующие страницы →