فصل: إذا صَلَّى خَلْفَ مَن يشُكُّ (١٢) في إسْلَامِه، أو كَوْنِه خُنْثَى، فصلاتُه صَحِيحَةٌ، ما لم يَبِنْ كُفْرُه، وكَوْنُه خُنْثَى مُشْكِلًا؛ لأنَّ الظَّاهِرَ من المُصَلِّينَ الإِسْلامُ، سِيَّما إذا كان إماما، والظَّاهِرَ السَّلَامَةُ من كَوْنِه خُنْثَى، سِيَّما مَن يَؤُمُّ الرِّجالَ، فإنْ تَبَيَّنَ بعدَ الصَّلاةِ أنَّه كان كافِرًا أو خُنْثَى مُشْكِلًا، فعليْه الإِعادةُ على ما بَيَّنَّا. فإنْ كان الإِمامُ مِمَّنْ يُسْلِمُ تَارَةً ويَرْتَدُّ أُخْرَى، لم يُصَلِّ خَلْفَه، حتى يَعْلَمَ على أيِّ دِينٍ هُو، فإنْ صَلَّى خَلْفَه، ولم (١٣) يَعْلَمْ ما هو عليه نَظَرْنَا؛ فإنْ كان قد عَلِمَ قبلَ الصلاةِ إسْلامَه، وشَكَّ في رِدَّتِه، فهو مُسْلِمٌ. وإن عَلِمَ رِدَّتَهُ، وشَكَّ في إسْلَامِهِ، لم تَصِحَّ صلاتُه. فإن كان عَلِمَ إسْلامَه، فصَلَّى خَلْفَه، فقال بعد الصلاةِ: ما كنتُ أسْلَمْتُ أو ارْتَدَدْتُ. لم تَبْطُل الصَّلاةُ؛ لأنَّ صلاتَه كانت صَحِيحَةً حُكْمًا، فلا يُقْبَلُ قَوْلُ هذا في إبْطَالِها؛ لأنَّه مِمَّنْ لا يُقْبَلُ قَوْلُه. وإذا صَلَّى خَلْفَ من عَلِمَ رِدَّتَه، فقال بعدَ الصَّلاةِ: قد كنتُ أسْلَمْتُ. قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّه مِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُه.
فصل: قال أصْحَابُنا: يُحْكَمُ بإسْلَامِه بالصَّلَاةِ، سَوَاءٌ كان في دارِ الحَرْبِ أو في دارِ الإِسلامِ، وسَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أو فُرَادَى، فإن أقامَ بعد ذلك على (١٤) الإِسْلامِ فلا كلامَ، وإن لم يُقِمْ عليه فهو مُرْتَدٌّ، يَجْرِى عليه أحْكامُ المُرْتَدِّينَ. وإن ماتَ قبل ظُهُورِ ما يُنَافِى الإِسْلامَ فهو مُسْلِمٌ يَرِثُهُ وَرَثَتُه المُسلمون دونَ الكافرين. وقال أبو حنيفةَ: إن صَلَّى جَمَاعَةً أو مُنْفَرِدًا في المَسْجِدِ، كقَوْلِنا، وإن صَلَّى فُرَادَى في غيرِ المَسْجِدِ، لم يُحْكَمْ بإسْلامِه. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: لا يُحْكَمُ بإسْلامِهِ بِحالٍ؛ لأنَّ الصلاةَ من فُرُوعِ الإِسلامِ، فلم يَصِرْ مُسْلِمًا بِفِعْلِها، كالحَجِّ والصِّيامِ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا
стр. 1157
إلهَ إلَّا اللهُ، فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ، إلَّا بِحَقِّهَا" (١٥). وقال بعضُهم: إن صَلَّى في دارِ الإِسْلامِ فليْس بِمُسْلِمٍ؛ لأنَّه قد يَقْصِدُ الاسْتِتارَ بالصلاةِ، وإخْفاءَ دِينِه، وإن صَلَّى في دارِ الحَرْبِ فهو مُسْلِمٌ؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ في حَقِّه. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "نُهِيتُ عن قَتْلِ المُصَلِّينَ" (١٦). وقال: "بَيْنَنَا وبَيْنَهُم الصَّلَاةُ" (١٧). فَجَعَلَ الصَّلاةَ حَدًّا بين الإِسْلامِ والكُفْرِ، فَمن صَلَّى فقد دَخلَ في حَدِّ الإِسْلامِ، وقال في المَمْلُوكِ: "فإذا صَلَّى فَهُوَ أخُوكَ" (١٨).
стр. 1158
ولأنَّها عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بالمُسلمين، فالإِتْيانُ بها إسْلامٌ كالشَّهَادَتَيْنِ، وأمَّا الحَجُّ فإنَّ الكُفَّارَ كانوا يَفْعَلُونَه، والصِّيَامُ إمْسَاكٌ عن المُفْطِراتِ، وقد يَفْعَلُه مَن لَيْس بِصائِمٍ.
فصل: فأمَّا صلاتُه في نَفْسِه، فأمْرٌ بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإن عَلِمَ أنَّه كان قد أسْلَمَ، ثم تَوَضَّأَ وصَلَّى بنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فصلاتُه صَحِيحَةٌ، وإن لم يكن كذلك، فعليه الإِعادَةُ؛ لأنَّ الوُضُوءَ لا يَصِحُّ مِن كافِرٍ، وإذا لم يُسْلِمْ قبلَ الصلاةِ، كان حالَ شُرُوعِه فيها غيرَ مُسْلِمٍ، ولا مُتَطَهِّرٍ، فلم يَصِحَّ منه.
٢٥٥ - مسألة؛ قال: (وإن صَلَّت امْرَأَةٌ بالنِّسَاءِ قامَتْ مَعَهُنَّ في الصَّفِّ وَسَطًا)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ، هل يُسْتَحَبُّ أن تُصَلِّىَ المَرْأةُ بالنِّساءِ جَمَاعَةً؟ فَرُوِىَ أنَّ ذلك مُسْتَحَبٌّ، ومِمَّنْ رُوِىَ عنه أنَّ المَرْأةَ تَؤُمُّ النِّسَاءَ عائشةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحَاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وَرُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، أنَّ ذلك غيرُ مُسْتَحَبٍّ. وكَرِهَهُ أصْحابُ الرَّأْىِ، وإن فَعَلَتْ أجْزَأَهُنَّ. وقال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وقَتَادَةُ: لَهُنَّ ذلك في التَّطَوُّعِ دونَ المَكْتُوبَة. وقال الحَسَنُ، وسليمان (١) بن يَسَارٍ: لا تَؤُمُّ في فَرِيضَةٍ ولا نَافِلَةٍ. وقال مالِكٌ: لا يَنْبَغِي لِلْمَرْأةِ أن تَؤُمَّ أحَدًا؛ لأنَّه يُكْرَهُ لها الأذَانُ، وهو دُعاءُ الجَماعةِ، فيُكْرَهُ (٢) لها ما يُرَادُ الأذَانُ لَهُ. ولَنا، حَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ (٣)، ولأَنَّهُنَّ من أهْلِ الفَرْضِ، فأشْبَهْنَ الرِّجالَ، وإنَّما كُرِهَ لَهُنَّ الأذَانُ لما فيه من رَفْعِ الصَّوْتِ، ولَسْنَ من أهْلِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها إذا صَلَّتْ بهنَّ قامَتْ في وَسَطِهِنَّ، لا نَعْلَمُ فيه
стр. 1159
خِلَافًا بين مَن رَأَى لها أن تَؤُمَّهُنَّ، ولأنَّ المَرْأَةَ يُسْتَحَبُّ لها التَّسَتُّرُ، ولذلك لا يُسْتَحَبُّ لها التَّجَافِى، وكَوْنُها في وَسَطِ الصَّفِّ أسْتَرُ لها؛ لأنَّها تَسْتَتِرُ بِهِنَّ من جَانِبَيْها، فاسْتُحِبَّ لها ذلك كالعُرْيَانِ، فإن صَلَّتْ بين أيْدِيهِنَّ احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه مَوْقِفٌ في الجُمْلَةِ، ولهذا كان مَوْقِفًا للرَّجُلِ، واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّها خَالَفَتْ مَوْقِفَها، أشْبَهَ ما لو خَالَفَ الرَّجُلُ مَوْقِفَهُ.
فصل: وتَجْهَرُ في صَلَاةِ الجَهْرِ، وإن كان ثَمَّ رِجَالٌ لا (٤) تَجْهَرُ، إلَّا أن يَكُونُوا من مَحَارِمِها، [فلا بَأْسَ] (٥).
فصل: ويُبَاحُ لَهُنَّ حُضُورُ الجماعةِ مع الرِّجَالِ؛ لأنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ مع رَسُولِ اللَّه ﷺ ، [قالت عائشةُ: كان النِّسَاءُ يُصَلِّينَ معِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ] (٦)، ثم يَنْصَرِفْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ من الغَلَسِ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وقال النَّبِيُّ ﷺ : "لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ، وليَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ". يعني غيرَ
стр. 1160
مُتَطَيِّبَاتٍ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٨). وصَلَاتُها في بَيْتِها خَيْرٌ لها وأفْضَلُ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: قالَ رَسولُ اللَّه ﷺ : "لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُم المَسَاجِدَ، وبُيُوتُهنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٩). وقال ﷺ : "صَلَاةُ المَرْأَةِ في بَيْتِها أَفْضَلُ من صَلَاتِها في حُجْرَتِها، وصَلَاتُها في مَخْدَعِهَا أفْضَلُ من صَلَاتِها في بَيْتِها". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٠).
فصل: إذا أَمَّتِ المَرْأَةُ امْرَأَةً واحِدَةً، قامَتِ المَرْأَةُ عن يَمينِها، كالمَأْمُومِ مع الرِّجالِ، وإن صَلَّتْ خَلْفَ رَجُلٍ قامَتْ خَلْفَه، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ" (١١). وإن كان مَعَهُما رَجُلٌ قامَ عن يَمِينِ الإِمَامِ والمَرْأةُ خَلْفَهُما، كما رَوَى أنَسٌ: أن رسولَ اللهِ ﷺ صَلَّى به وبِأُمِّه أو خَالَتِه، فأقَامَنِى في يَمينِه، وأقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنَا. رَوَاه مُسْلِمٌ (١٢). وإن كان مع الإِمامِ رَجُلٌ وصَبِيٌّ
стр. 1161
وامْرَأةٌ، وكانوا في تَطَوُّعٍ، قَامَا خَلْفَ الإِمامِ والمَرْأَةُ خَلْفَهُما. كما رَوَى أنَسٌ، أن رَسولَ اللهِ ﷺ صَلَّى بهم، قال: فَصَفَفْتُ أنا واليَتِيمُ وَرَاءَهُ، والمَرْأةُ خَلْفَنَا، فصَلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثم انْصَرَفَ. مُتَّفَقٌ عليه (١٣). وإن كانت فَرْضًا جَعَلَ الرَّجُلَ عن يَمِينِه، والغُلَامَ عن يَسَارِهِ، كما فَعَلَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ بِعَلْقَمَةَ والأسْوَدِ، ورَوَاهُ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه فَعَلَ ذلك. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٤). وإن وَقَفَا جَمِيعًا عن يَمينِه فلا بَأْسَ، وإن وَقَفَا وَرَاءَهُ. فرَوَى الأثْرَمُ أنَّ أحْمدَ تَوَقَّفَ في هذه المَسألةِ، وقال: ما أدْرِى. فَذُكِرَ له حَدِيثُ أنَسٍ. فقال: ذاك في التَّطَوُّعِ. واخْتَلَفَ أصْحَابُنا فيه، فقال بَعْضُهم: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ لا يَصْلُحُ إمَامًا لِلرِّجَالِ في الفَرائِضِ (١٥) فلم يُصافِّهم كالمَرْأَةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ؛ لأنَّه يَصِحُّ أنْ يُصَافَّ الرَّجُل في النَّفْلِ فصَحَّ في الفَرْضِ، كالمُتَنَفِّلِ يَقِفُ مع المُفْتَرِضِ، ولا يُشْتَرَطُ في صِحَّةِ مصافَّتِه صِحَّةُ إمَامَتِه، بدَلِيلِ الفاسِقِ والعَبْدِ والمُسَافِرِ في الجُمُعَةِ، والمُفْتَرِضِ مع المُتَنَفِّلِ، ويُفَارِقُ المَرْأَةَ؛ لأنَّه يَصِحُّ أن
стр. 1162
يُصَافَّ الرِّجَالَ في التَّطَوُّعِ ويَؤْمَّهُم فيه في رِوَايةٍ، بخِلَافِ المَرْأَةِ. وقال الحَسنُ في ثلاثةٍ أحَدُهُم امْرَأَةٌ: يَقُومُونَ مُتَوَاتِرِينَ، بعضُهم خَلْفَ بَعْضٍ. ولَنا، حَدِيثُ أنَسٍ، وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، لا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَ فيه، إلَّا الحَسنَ، واتِّبَاعُ السُّنّةِ أوْلَى، وقولُ الحَسَنِ يُفْضِى إلى وُقُوفِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ فَذًّا، ويَرُدُّه حَدِيثُ وَابِصَةَ وعليِّ بن شَيْبانَ (١٦). وإن اجْتَمَعَ رِجَالٌ وصِبْيَانٌ وخَنَاثَى ونِسَاءٌ تَقَدَّمَ الرِّجالُ، ثم الصِّبْيَانُ، ثم الخَنَاثَى، ثم النِّساءُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فَصَفَّ [الرِّجالَ، ثم صَفَّ] (١٧) خَلْفَهم الغِلْمانَ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٨).
فصل: وإن وَقَفَتِ المَرْأَةُ في صَفِّ الرِّجالِ (١٩)، كُرِهَ، ولم تَبْطُلْ صلاتُها، ولا صَلاةُ من يَلِيها. وهذا مَذْهَبُ الشَّافعِيِّ. وقال أبو بكرٍ: تَبْطُلُ صلاةُ من يَلِيها ومن خَلْفَها دُونها. وهذا قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه مَنْهِيٌّ عن الوُقُوفِ إلى جانِبِها، أشْبَهَ ما لو وَقَفَ بين يَدَىِ الإِمامَ. ولَنا، أنَّها لو وَقَفَتْ في غيرِ صَلاةٍ لم تَبْطُلْ صلاتُه، فكذلك في الصلاةِ، وقد ثَبَتَ أنَّ عائشةَ كانت تَعْتَرِضُ بين يَدَىْ رسولِ اللهِ ﷺ نَائِمةً وهو يُصَلِّى (٢٠). وقَوْلُهُم: إنَّه مَنْهِيٌّ. قُلْنا: هي المَنْهِيَّةُ عن الوُقُوفِ مع
стр. 1163
الرِّجالِ، ولم تَفْسُدْ صَلاتُها، فصل اةُ مَن يَلِيها أَوْلَى.
٢٥٦ - مسألة؛ قال: (وصَاحِبُ البَيْتِ أحَقُّ بالْإِمَامَةِ إلَّا أن يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ)
وجُمْلَتُه أنَّ الجَماعةَ إذا أُقِيمَتْ في بيتٍ، فصَاحِبُه أوْلَى بالإِمامةِ من غيرِه، وإنْ كان فيه مَن هو أَقْرَأُ منه وأَفْقَه، إذا كان ممَّن يُمْكِنُه إمامَتُهم، وتَصِحُّ صَلَاتُهم وَرَاءَه، فَعَلَ ذلك ابنُ مَسْعُودٍ، وأبو ذَرٍّ، وحُذَيْفَةُ، وقد ذَكَرْنا حَدِيثَهم (١)، وبه قال عَطاءٌ، والشَّافِعِيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، والأصْلُ فيه قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "ولا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ في بَيْتِهِ، ولا في سُلْطَانِهِ، ولا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بإذْنِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وغيرُه (٢). ورَوَى مالِكُ بنُ الحُوَيْرِثِ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُم ولْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣). وإن كان في البيتِ ذُو سُلْطَانٍ فهو أحَقُّ مِن صَاحِبِ البَيْتِ؛ لأنَّ وِلَايَتَهُ على البَيْتِ وعَلَى صاحِبِه وغيرِه، وقد أَمَّ النَّبِيُّ ﷺ عِتْبَانَ بنَ مالِكٍ وأَنَسًا في بُيُوتِهِمَا (٤).
فصل: وإمَامُ المَسْجِدِ الرَّاتِبِ أوْلَى من غيرِه؛ لأنَّه في مَعْنَى صاحِبِ البَيْتِ
стр. 1164
والسُّلْطانِ، وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّه أتَى أرْضًا له، وعندَها مَسْجِدٌ يُصَلِّى فيه مَوْلًى لابن عمرَ، فصَلَّ ى مَعَهُم، فَسَألُوه أن يُصَلِّىَ بهم، فأبَى، وقال: صاحِبُ المَسْجِدِ أحَقُّ. ولأنَّه داخِلٌ في قوله: "مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمُّهُمْ".
فصل: وإذا أذِنَ المُسْتَحِقُّ مِن هؤُلاءِ لِرَجُلٍ في الإِمامةِ، جَازَ، وصارَ بمَنْزِلَةِ من أذِنَ في اسْتِحْقَاقِ التَّقَدُّمِ، لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إلَّا بإذْنِهِ". ولأنَّ الإِمامةَ حَقٌّ له فلهُ نَقْلُها إلى مَنْ شاءَ، قال أحمدُ: قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِى سُلْطَانِهِ، ولَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتهِ فىِ بَيْتِه إلَّا بإذْنِهِ". أرْجُو أنْ يكونَ الإِذْنُ في الكُلِّ، ولم يَرَ بَأْسًا إذا أذِنَ له أن يُصَلِّىَ.
فصل: وإن دَخَلَ السُّلْطَانُ بَلَدًا له فيه خَلِيفَةٌ، فهو أحَقُّ من خَلِيفَتِه؛ لأنَّ وِلايَتَهُ على خَلِيفَتِه وغيرِه. ولو اجْتَمَعَ العَبْدُ وسَيِّدُه في بيتِ العَبْدِ، فالسَّيِّدُ أوْلَى؛ لأنَّه المالِكُ على الحَقِيقَةِ، وَوِلايَتُه على العَبْدِ، وإن لم يَكُنْ سَيِّدُه معهم فالعَبْدُ أوْلَى؛ لأنَّه صاحِبُ البَيْتِ، ولذلك لمَّا اجْتَمَعَ ابنُ (٥) مسعودٍ وحُذَيْفَةُ وأبو ذَرٍّ في بيتِ أبي سَعِيدٍ مَوْلَى أبي أَسِيدٍ وهو عَبْدٌ، تَقَدَّمَ أبو ذَرٍّ لِيُصَلِّىَ بهم، فقالُوا له: وَرَاءَكَ. فالْتَفَتَ إلى أصْحَابِه، فقال: أكَذلك؟ قالوا: نعم. فَتأَخَّرَ، وقَدَّمُوا أبا سَعِيدٍ، فصَلَّى بهم (٦). وإن اجْتَمَعَ المُؤْجِرُ والمُسْتَأْجِرُ في الدَّارِ المُؤْجَرَةِ، فالمُسْتَأْجِرُ أوْلَى؛ لأنَّه أحَقُّ بالسُّكْنَى والمَنْفَعَةِ.
فصل: والمُقِيمُ أوْلَى من المُسَافِرِ؛ لأنَّه إذا كان إمامًا حَصَلَتْ له الصلاةُ كُلُّها في جماعةٍ، وإن أَمَّهُ المُسَافِرُ احْتَاجَ إلى إتْمَامِ الصلاةِ مُنْفَرِدًا. وإن ائْتَمَّ بالمُسَافِرِ جازَ، ويُتِمُّ الصلاةَ بعد سَلامِ إمامِه. فإنْ أتَمَّ المُسَافِرُ الصَّلاةَ جَازتْ صلاتُهم. وحُكِىَ عن أحمدَ في صَلاةِ المُقِيمِ (٧) رِوَايَةٌ أُخْرَى أنَّها لا تَجوزُ؛ لأنَّ
стр. 1165
الزِّيادَةَ نَفْلٌ أمَّ بها مُفْتَرِضِينَ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ المُسَافِرَ إذا نَوَى إتْمَامَ الصلاةِ أو لم يَنْوِ القَصْرَ، لَزِمَهُ الإِتْمَامُ، فيَصِيرَ الجَمِيعُ فَرْضًا.
٢٥٧ - مسألة؛ قال: (ويَأْتَمُّ بالْإِمَامِ مَنْ فِى أَعْلَى المَسْجِدِ وغَيْرِ المَسْجِدِ، إذَا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ)
وجُملَتُه أنَّه يَجوزُ أن يكونَ المَأْمُومُ مُسَاوِيًا لِلإِمامِ أو أعْلَى (١) منه، كالذي على (٢) سَطْحِ المَسْجِدِ أو على دِكَّةٍ عالِيَةٍ، أو رَفٍّ فيه، رُوِىَ عن أبي هُرَيْرةَ أنَّه صَلَّى بِصَلَاةِ الإِمامِ على سَطْحِ المَسْجِدِ، وفَعَلَهُ سَالِمٌ. وبه قال الشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: [يُعِيدُ إذا صَلَّى الجمعةَ] (٣) فَوْقَ سَطْحِ المَسْجِدِ بصلاةِ الإِمامَ. ولَنا، أنَّهما في المَسْجدِ، ولم يَعْلُ الإِمامَ، فصَحَّ أنْ يَأْتَمَّ به كالمُتَساوِيَيْنِ، ولا يُعْتَبَرُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ إذا كانا جَمِيعًا في المَسْجدِ. قال الآمِدِيُّ: لا خِلَافَ في المَذْهَبِ أنَّه إذا كان في أَقْصَى المَسْجدِ، وليس بينه وبين الإِمامِ ما يَمْنَعُ الاسْتِطْرَاقَ والمُشاهَدَةَ، أنَّه يَصِحُّ اقْتِدَاؤُه به، وإن لم تَتَّصِلِ الصُّفُوفُ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ وذلك لأنَّ المَسْجِدَ بُنِىَ للجماعةِ، فكُلُّ مَنْ حَصَلَ فيه فقد حَصَلَ في مَحَلِّ الجماعةِ. وإنْ كان المَأْمُومُ في غيرِ المَسجِدِ أو كانَا جَمِيعًا في غيرِ مَسْجدٍ، صَحَّ أنْ يَأْتَمَّ به، سَوَاءٌ كان مُسَاوِيًا لِلإِمامِ أو أعْلَى منه، كَثِيرًا كان العُلُوُّ أو قلِيلًا، بِشَرْطِ كَوْن الصُّفُوفِ مُتَّصِلَةً ويُشاهدُ من وَرَاءَ الإِمامِ، وسَوَاءٌ كان المَأْمُومُ في رَحْبَةِ الجامِعِ (٤)، أو دارٍ، أو على سَطْحٍ والإِمَامُ على سَطْحٍ آخَرَ، أو كانَا في صَحْرَاءَ، أو في سَفِينَتَيْنِ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أنَّه يَشْتَرِطُ أنْ لا
стр. 1166
يكونَ بينهما ما يَمْنَعُ الاسْتِطْرَاقَ في أحدِ القَوْلَيْنِ. ولَنا، أنَّ هذا لا تَأَثِيرَ له في المَنْعِ من الاقْتِدَاءِ بالإِمامِ، ولم يَرِدْ فيه نَهْيٌ، ولا هو في مَعْنَى ذلك، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الائْتِمامِ به، كال فَصْلِ اليَسِيرِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ مَعْنَى اتِّصَالِ الصُّفُوفِ أن لا يكونَ بينهَا (٥) بُعْدٌ لم تَجْرِ العادَةُ به، ولا يَمْنَعُ إمْكانَ الاقْتِدَاءِ. وحُكِىَ عن الشَّافِعِيِّ أنَّه حَدَّ الاتِّصالَ بما دُونَ ثلاثِ مائةِ ذِرَاعٍ. والتَّحْدِيدَاتُ بَابُها التَّوْقِيفُ، والمَرْجِعُ فيها إلى النُّصُوصِ والإِجْماعِ، ولا نَعْلَمُ في هذا نَصًّا نَرْجِعُ إليه ولا إجْمَاعًا نَعْتَمِدُ عليه، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فيه إلى العُرْفِ، كالتَّفَرُّقِ والإِحْرَازِ، واللهُ أعْلمُ.
فصل: فإن كان بين الإِمامِ والمَأْمُومِ حائِلٌ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الإِمامِ، أو مَنْ وَرَاءَه، فقال ابنُ حامدٍ: فيه رِوَايتانِ؛ إحْدَاهُما، لا يَصِحُّ الائْتِمامُ به. اخْتَارَهُ القاضي؛ لأن عائشةَ قالت لِنِسَاءٍ كُنَّ يُصَلِّينَ في حُجْرَتِها: لا تُصَلِّين بصَلَاةَ الإِمامِ، فإنَّكُنَّ دُونَه في حِجَابٍ. ولأنَّه يُمْكِنُهُ الاقْتِدَاءُ به (٦) في الغَالِبِ. والثانية، يَصِحُّ. قال أحْمدُ في رَجُلٍ يُصَلِّى خارِجَ المسجِدِ يومَ الجمعةِ وأبْوَابُ المَسْجِدِ مُغْلَقَةٌ: أرْجُو أنْ لا يكونَ به بَأْسٌ. وسُئِلَ عن رَجُلٍ يُصَلِّى يومَ الجُمُعَةِ وبينَه وبينَ الإِمَامِ سُتْرَةٌ، قال: إذا لم يَقْدِرْ على غيرِ ذلك. وقال في المِنْبَرِ إذا قَطَعَ الصَّفَّ: لا يَضُرُّ. ولأنَّه أمْكَنَهُ الاقْتِدَاءُ بالإِمامِ، فصَحَّ (٧) اقْتِدَاؤُه به مِن غيرِ مُشاهَدَةٍ، كالأعْمَى، ولأنَّ المُشَاهَدَةَ تُرَادُ لِلْعِلْمِ بحالِ الإِمامِ، والعِلْمُ يَحْصُلُ بِسَماعِ التَّكْبِيرِ، فَجَرَى مَجْرَى الرُّؤْيَةِ، ولا فَرْقَ بين أنْ يكونَ المَأْمُومُ في المَسجدِ أو في غيرِه، واخْتارَ القاضي أنَّه يَصِحُّ إذا كانا في المسجدِ، ولا يَصِحُّ في غيرِه؛ لأنَّ المَسجدَ مَحَلُّ الجماعةِ، وفي مَظِنَّةِ القُرْبِ، ولا يَصِحُّ في غيرِه لِعَدَمِ هذا المَعْنَى، ولِخَبَرِ عائشةَ. ولَنا، أنَّ
стр. 1167
المَعْنَى المُجَوِّزَ أو المانِعَ قد اسْتَوَيَا فيه، فوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُما في الحُكْمِ، ولا بُدَّ لمن لا يُشَاهِدُ أن يَسْمَعَ التَّكْبِيرَ، لِيُمْكِنَه الاقْتِدَاءُ، فإنْ لم يَسْمَعْ، لم يَصِحَّ ائْتِمَامُه به بِحالٍ، لأنَّه لا يُمْكِنُه الاقْتِدَاءُ به.
فصل: وكل مَوْضِعٍ اعْتَبَرْنَا المُشَاهَدَةَ، فإنَّه يَكْفِيهِ مُشَاهَدَةُ مَنْ وَرَاءَ الإِمامِ، سَوَاءٌ شَاهَدَهُ مِن بابٍ أمَامَه أو عن يَمينِه أو عن يَسَارِه، أو شَاهَدَهُ طَرَفَ الصَّفِّ الذي وَرَاءَهُ، فإنَّ ذلك يُمْكِنُه الاقْتِدَاءُ به. وإن كانت المُشَاهَدَةُ تَحْصُلُ في بعضِ أحْوَالِ الصلاةِ، فالظَّاهِرُ صِحَّةُ الصلاةِ؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، قالت: كان رَسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى مِن اللَّيْلِ، وجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرأَى النَّاسُ شَخْصَ رَسولِ اللهِ ﷺ فقامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بصَلَاتِه، وأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ بذلك، فقامَ اللَّيْلَةَ الثانِيَةَ، فقامَ معه أُناسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِه. رَوَاه البُخَارِيُّ (٨). والظَّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَه في حال قِيامِه.
فصل: وإن (٩) كان بَيْنَهما طَرِيقٌ أو نَهْرٌ تَجْرِى فيه السُّفُنُ، أو كانا في سَفِينَتَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ، ففيه وَجْهانِ: أحَدُهما، لا يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ به، وهو اخْتِيَارُ أصْحابِنا، ومذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصلاةِ، فأشْبهَ مَا يَمْنَعُ الاتِّصالَ. والثَّاني: يَصِحُّ، وهو الصَّحِيحُ عِنْدِى، ومَذهَبُ مالِكٍ والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه لا نَصَّ في مَنْعِ ذلك، ولا إجْماعَ، ولا هو في مَعْنَى ذلك، لأنَّه لا يَمْنَعُ الاقْتِدَاءَ، فإنَّ المُؤَثِّرَ في ذلك ما يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ أو سَمَاعَ الصَّوْتِ، وليس هذا بواحِدٍ منهما، وقَوْلُهم: إنَّ بَيْنَهما (١٠) ما ليْس بمَحَلٍّ للصلاةِ فيه (١١)، [فأشْبَهَ ما يَمْنَعُ] (١٢). وإن سَلَّمْنا (١٣)
стр. 1168
ذلك في الطَّريقِ فلا يَصِحُّ في النَّهْرِ، فإنَّه تَصِحُّ الصلاةُ عليه في السَّفِينَةِ، وإذا كان جَامِدًا، ثم كَوْنُه لَيْس بمَحَلٍّ للصلاةِ إنما (١٤) يَمْنَعُ الصلاة فيه، أمَّا المَنْعُ من الاقْتِدَاءِ بالإِمامِ فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ، لا يَلْزَمُ المَصِيرُ إليه، ولا العَمَلُ به، ولو كانت صلاةَ جِنَازَةٍ أو جُمُعَةٍ أو عِيدٍ، لم يُؤثِّرْ ذلك فيها؛ لأنَّها تَصِحُّ في الطَّرِيقِ، وقد صَلَّى أنَسٌ في مَوْتِ حُمَيْدِ بن عَبدِ الرَّحمنِ بِصَلَاةِ الإِمامِ، وبَيْنَهما طَرِيقٌ.
٢٥٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَكُونُ الإِمَامُ أَعْلَى مِن المَأْمُومِ)
المَشْهُورُ في المَذْهبِ أنَّه يُكْرَهُ أن يكونَ الإِمامُ أعْلَى من المَأْمُومِينَ، سَوَاءٌ أَرَادَ تَعْلِيمَهُم الصلاةَ أو لم يُرِدْ، وهو قولُ مَالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وَرُوِىَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُكْرَهُ؛ فإن عَلِيَّ بن الْمَدِينِيِّ قال: سَألَنِى أحمدُ عن حَدِيثِ سَهْلِ بن سَعْدٍ، وقال: إنَّما أَرَدْتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان أعْلَى من النَّاسِ. فلا بَأْسَ أن يكونَ الإِمامُ أعْلَى من النَّاسِ بهذا الحَدِيثِ. وقال الشَّافِعِيُّ: أخْتَارُ لِلإِمامِ الذي يُعَلِّمُ مَنْ خَلْفَه أن يُصَلِّىَ على الشَّيْءِ المُرْتَفِعِ، فيَرَاهُ مَنْ خَلْفَه، فَيَقْتَدُونَ به؛ لما رَوَى سَهْلُ بن سَعْدٍ، قال: لقد رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عليه - يعني المِنْبَرَ - فَكَبَّرَ، وكَبَّرَ النّاسُ وَرَاءَهُ، ثم رَكَعَ وهو على المِنْبَرِ، ثم رَفَعَ فنَزَلَ القَهْقَرَى حتى سَجَدَ في أصْلِ المِنْبَرِ، ثم عادَ حتى فَرَغَ من آخِر صَلَاتِه، ثم أقْبَلَ على النَّاسِ فقال: "أَيُّها النّاسُ، إنَّمَا فَعَلْتُ هذا لِتَأْتَمُّوا بِى، ولِتَعْلَمُوا صَلَاتِى". مُتَّفَقٌ عليه (١). ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ عَمَّارَ بنَ يَاسِرٍ كان بالمَدَائِنِ، فأُقِيمَتِ الصلاةُ، فتَقَدَّمَ عَمَّارٌ فقامَ على دُكَّانٍ، والنَّاسُ أسْفَلَ منه،
стр. 1169
فتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فأخَذَ بِيَدِه فاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ حتى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فلما فَرَغَ من صَلاتِه، قال له حُذَيْفَةُ: ألم تَسْمَعْ رسُولَ اللهِ ﷺ يقول: "إذَا أَمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ، فَلا يَقُومَنَّ في مَكَانٍ أرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ"؟ قال عَمَّارٌ: فلذلك اتَّبَعْتُكَ حين أخَذْتَ على يَدَيَّ. وعن هَمَّامٍ (٢)، أن حُذَيْفَةَ أَمَّ النّاسَ بالمَدَائِن على دُكَّانٍ، فأَخَذَ أبو مَسْعُودٍ بِقَمِيصِه، فجَبَذَهُ (٣)، فلما فَرَغَ من صَلَاتِه، قال: ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُم كانوا يَنْهَوْنَ عن ذلك؟ قال: بَلَى، [قد ذكرْتُ] (٤) حينَ مَدَدْتَنِى (٥). رَوَاهُما أبو دَاوُدَ (٦). وعن ابنِ مسعودٍ، أن رَجُلًا تَقَدَّمَ [يَؤُمُّ بِقَوْمٍ] (٧) على مَكَانٍ، فقامَ على دُكَّانٍ، فنَهَاهُ ابنُ مَسْعودٍ، وقال لِلْإِمامِ: اسْتَوِ مع أصْحابِكَ. ولأنَّه يَحْتَاجُ (٨) أن يَقْتَدِىَ بإمامِه، فَيَنْظُرَ رُكُوعَه وسُجُودَه، فإذا كان أعْلَى منه احْتَاجَ أنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إليه لِيُشاهِدَه، وذلك مَنْهِيٌّ عنه في الصلاةِ. فأما حَدِيثُ سَهْلٍ، فالظَّاهِرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان على الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، لِئَلَّا يَحْتَاج إلى عَمَلٍ كَثِيرٍ (٩) في الصُّعُودِ والنُّزُولِ، فَيكون ارْتِفَاعًا يَسِيرًا، فلا بَأْسَ به، جَمْعًا بين الأخْبَارِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَخْتَصَّ ذلك بالنَّبِيِّ ﷺ ؛ لأنَّه فَعَلَ شيئا ونَهَى عنه، فيكونُ فِعْلُه له ونَهْيُه لِغَيْرِه، ولذلك لا يُسْتَحَبُّ مثلُه لِغيْرِ النَّبِيِّ ﷺ . ولأنَّ النَّبِيَّ لم يُتِمَّ الصَّلاةَ على المِنْبَرِ، فإنَّ سُجُودَهُ وجُلُوسَه إنَّما كان على الأرْض، بِخِلافِ ما اخْتَلَفْنَا فيه.
فصل: ولا بَأْسَ بِالْعُلُوِّ اليَسِيرِ؛ لِحَدِيثِ سَهْلٍ، ولأنَّ النَّهْىَ مُعَلَّلٌ بما يُفْضِى إليه
стр. 1170
مِن رَفْعِ البَصرِ في الصلاةِ، وهذا يَخُصُّ الكَثِيرَ، فعلَى هذا يكونُ اليَسِيرُ مثلَ دَرَجَةِ المِنْبَرِ ونَحْوِها، لما ذَكَرْنَا في حَدِيثِ سَهْلٍ، واللهُ أعلمُ.
فصل: فإنْ صَلَّى الإِمامُ في مكانٍ أعْلَى من المَأْمُومِينَ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَصِحُّ صَلَاتُهم. وهو قولُ الأوْزَاعِيِّ؛ لأنَّ النَّهْىَ يَقْتَضِى فَسادَ المَنْهِيِّ عنه. وقال القاضي: لا تَبْطُلُ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ عَمَّارًا أَتَمَّ صلاتَه؛ ولو كانت فَاسِدَةً لَاسْتَأْنَفَها، ولأنَّ النَّهْىَ مُعَلَّلٌ بما يُفْضِى إليه من رَفْعِ البَصَرِ في الصلاةِ، وذلك لا يُفْسِدُها، فسَبَبُه أوْلَى.
فصل: وإنْ كان مع الإِمامَ مَن هو مُسَاوٍ له أو أعْلَى منه، ومَن هو أسْفَلُ منه (١٠) اخْتَصَّتِ الكَرَاهَةُ بمَن هو أسْفَلُ منه؛ لأنَّ المَعْنَى وُجِدَ فيهم دون غَيْرِهم، ويَحْتَمِلُ أن يَتَنَاوَلَ النَّهْيُ الإِمامَ؛ لِكَوْنِه مَنْهيًّا عن القِيامِ في مكانٍ أعْلَى من مُقَامِهِم، فعلَى هذا الاحْتِمَالِ تَبْطُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ عندَ من أبْطَلَ الصَّلَاةَ بارْتِكَابِ النَّهْىِ.
٢٥٩ - مسألة؛ قال: (وَمَن صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، أوْ قَامَ بِجَنْبِ الإِمَامِ عَنْ يَسَارِه، أعَادَ الصَّلَاةَ)
وجُمْلَتُه أنَّ مَن صَلَّى وَحْدَه رَكْعَةً كامِلَةً، لم تَصِحَّ صَلاتُه. وهذا قولُ النَّخَعِيِّ، والحَكَمِ، والحَسَنِ بن صَالحٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِر. وأجَازَه الحسنُ، ومالِكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ؛ لأن أبا بَكْرَةَ (١) رَكَعَ دونَ الصَّفِّ، فلم يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بالإِعادَةِ، ولأنه مَوْقِفٌ لِلْمَرْأَةِ فكان مَوْقِفًا لِلرَّجُلِ، كما لو كان مع جَمَاعَةٍ. ولَنا، ما رَوَى وَابِصَةُ بن مَعْبَدٍ، أنَّ النَّبِيَّ
стр. 1171
- ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَه أن يُعِيدَ. رَوَاه أبو دَاوُدَ، وغَيْرُه (٢). وقال أحمدُ: حَدِيث وَابِصَةَ حَسَنٌ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَّتَ الحَدِيثَ أحمدُ وإسْحاقُ. وفى لَفْظٍ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عن رَجُلٍ صَلَّى وَرَاءَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ. قال: "يُعِيدُ". رَوَاهُ تَمَّامٌ في "الفَوَائِدِ". وعن عَلِيِّ بن شَيْبانَ (٣)، أنَّه صَلَّى بهم نَبِىُّ اللهِ ﷺ ، فانْصَرَفَ ورَجُلٌ فَرْدٌ خَلْفَ الصَّفِّ، فوَقَفَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ حتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فقالَ النَّبِىُّ ﷺ : "اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، ولا صَلَاةَ لِفرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ". رَوَاه الأَثْرَمُ (٤). وقال: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: حَدِيثُ مُلَازِمِ بنِ عَمْرٍو - يعني هذا الحَدِيثَ - في هذا أيضًا حَسَنٌ؟ قال: نعم. ولأنَّه خَالَفَ المَوْقِفَ، فلم تَصِحَّ صلاتُه، كما لو وَقَفَ أمامَ الإِمامِ، فأمَّا حَدِيثُ أبي بكْرَةَ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قد نَهَاهُ فقال: "لا تَعُدْ" (٥). والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسَادَ، وعُذْرُه فيما فَعَلَهُ لِجَهْلِه بِتَحْرِيمِه، ولِلْجَهْلِ تَأْثِيرٌ في العَفْوِ، ولا يَلْزَمُ من كَوْنِه مَوْقِفًا لِلْمَرْأةِ كَوْنُه مَوْقِفًا لِلرَّجُلِ، بِدَلِيلِ اخْتِلَافِهما في كَراهَةِ (٦) الوُقُوفِ واسْتِحْبَابِه. وأمَّا إذا وَقَفَ عن يَسارِ الإِمامِ، فإنْ كان عن يَمِينِ الإِمامِ أحَدٌ، صَحَّتْ صلاتُه؛ لأن ابنَ مَسْعودٍ صَلَّى بين عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ، فلما فَرَغُوا قال: هكذا رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٧). ولأنَّ وَسَطَ الصَّفِّ مَوْقِفٌ
стр. 1172
لِلإِمامِ في حَقِّ النِّسَاءِ والعُرَاةِ. وإن لم يكنْ عن يَمينِه أحَدٌ فصلاةُ مَن وَقَفَ عن يَسَارِه فاسِدَةٌ، سَوَاءٌ كان واحِدًا أو جماعةً، وأَكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ لِلمَأْمُومِ الوَاحِدِ أنْ يَقِفَ عن يَمِينِ الإِمامِ، وأَنَّه إنْ وَقَفَ عن يَسَارِه، خَالَفَ السُّنَّةَ. وحُكِىَ عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، أنَّه كان إذا لم يكنْ معَه إلَّا مَأْمُومٌ وَاحِدٌ جَعَلَه عن يَسَارِه. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: إن وَقَفَ عن يَسَارِ الإِمامِ صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ لمَّا أَحْرَمَ عن يَسَارِ رَسولِ اللهِ ﷺ أدَارَه عن يَمِينِه، ولم تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُه، ولو لم يَكُنْ مَوْقِفًا، لَاسْتَأْنَفَ التَّحْرِيمَةَ، كأمامِ الإِمامِ، ولأنَّه مَوْقِفٌ فيما إذا كان عن الجانِبِ الآخَرِ آخَرُ، فكان مَوْقِفًا، وإن لم يكنْ آخَرُ كاليَمِينِ، ولأنَّه أحَدُ جَانِبَىِ الإِمامِ، فأَشْبَهَ اليَمِينَ. ولَنا، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، قال: قام النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى من اللَّيْلِ، فَجِئْتُ (٨)، فَقُمْتُ فَوَقَفْتُ عن يَسَارِه، فأخَذَ بِذُؤَابَتِى، فأَدَارَنِى عنِ يَمينِه. مُتَّفَقٌ عليه (٩). ورَوَى جابِرٌ، قال: قَامَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى، فَجِئْتُ، فوَقَفْتُ عن يَسَارِه، فأَدَارَنِى عن يَمينِه. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٠). وقَوْلُهُم:
стр. 1173
إنَّه لم يَأْمُرْهُ بابْتِداءِ التَّحْرِيمةِ. قُلْنا: لأنَّ ما فَعَلَه قبلَ الرُّكُوعِ لا يُؤَثِّرُ، فإنَّ الإِمامَ يُحْرِمُ قبلَ المَأْمُومِينَ، ولا يَضُرُّ انْفِرَادُه بما قبلَ إحْرَامِهم، وكذلك المَأْمومون يُحْرِمُ أحَدُهم قبلَ البَاقِينَ فلا يَضُرُّ، ولا يَلْزَمُ من العَفْوِ عن ذلك العَفْوُ عن رَكْعَةٍ كامِلَةٍ. وقَوْلُهم: إنَّه مَوْقِفٌ إذا كان عن يَمِينِ الإِمامِ آخَرُ. قُلْنا: كَوْنُه مَوْقِفًا في صُورَةٍ لا يَلْزَمُ منه (١١) كَوْنُه مَوْقِفًا في أُخْرَى، كما خَلْفَ الصَّفِّ، فإنَّه مَوْقِفٌ لِاثْنَيْنِ، ولا يكونُ مَوْقِفًا لِوَاحِدٍ، فإن مَنَعُوا هذا أثْبَتْناهُ بِالنَّصِّ.
فصل: فإنْ وَقَفَ عن يَسَارِ إمامِه وخَلْفَ الإِمامِ صَفٌّ، احْتَمَلَ أنْ تَصِحَّ صلاتُه، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَلَسَ في يَسَارِ أبي بكرٍ، وقد رُوِىَ أنَّ أبا بكرٍ كان الإِمامَ (١٢) ولأنَّ مع الإِمَامِ مَن تَنْعَقِدُ صلاتُه به، فَصَحَّ الوُقُوفُ عن يَسَارِه، كما لو كان معه عن يَمينِه آخَرُ، واحْتَمَلَ أنْ لا تَصِحَّ؛ لأنَّه لَيْس بمَوْقِفٍ إذا لم يكنْ صَفٌّ، فلم يكن مَوْقِفًا مع الصَفِّ كأمامِ الإِمامِ، وفارق ما إذا كان عن يَمينِه آخَرُ، لأنَّه معه في الصَّفِّ، فكان صَفًّا وَاحِدًا، كما لو (١٣) وَقَفَ معه خَلْفَ الصَّفِّ.
فصل: السُّنَّةُ أنْ يَقِفَ المَأْمومون خَلْفَ الإِمامِ، فإنَّ وَقَفُوا قُدَّامَهُ، لم تَصِحَّ، وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ والشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وإسْحاقُ: تَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك لا يَمْنَعُ الاقْتِداءَ به، فأشْبَهَ مَن خَلْفَه. ولَنَا، قولُه ﷺ : "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" (١٤). ولأنَّه يَحْتاجُ في الاقْتِداءِ إلى الالْتِفاتِ إلى وَرَائِه، ولأنَّ دلك لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا هو في مَعْنَى المَنْقُولِ. فلم يَصِحَّ، كما لو صَلَّى في بَيْتِه بصلاةِ
стр. 1174
الإِمامِ ويُفَارِقُ من خَلْفَ الإِمامِ، فإِنَّه لا يَحْتاجُ في الاقْتِدَاءِ إلى الالْتِفَاتِ إلى وَرَائِه.
فصل: وإذا كان المَأْمُومُ وَاحِدًا ذَكَرًا، فالسُّنَّةُ أنْ يَقِفَ عن يَمِينِ الإِمامِ رَجلًا كان، أو غُلامًا؛ لِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ وأَنَسٍ، ورَوَى جابِرُ بن عبدِ اللهِ، قال: سِرْتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةٍ، فقامَ يُصَلِّى، فَتَوَضَّأْتُ، ثم جِئْتُ حتى قُمْتُ عن يَسَارِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأخَذَ بِيَدِى، فأدَارَنِى حتَّى أقَامَنِى عن يَمِينِه، فجاءَ جَبَّارُ بنُ صَخْرٍ حتى قامَ عن يَسَارِه، فأخَذَنا بِيَدَيْهِ جَمِيعًا حتَّى أقَامَنَا خَلْفَه. رَوَاه مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ (١٥). فإن كانوا ثَلَاثَةً تَقَدَّمَ الإِمامُ، ووَقَفَ المَأْمُومانِ خَلْفَه. وهذا قولُ عمرَ، وعليٍّ، وجابِرِ بنِ زيْدٍ، والحسنِ، وعَطاءٍ، والشَّافِعِيِّ، وأصْحَابِ الرَّأْى. وكان ابنُ مسعودٍ يَرَى أن يَقِفُوا جَمِيعًا صَفًّا. ولَنَا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أخْرَجَ جَبَّارًا وجابِرًا، فَجَعَلَهُما خَلْفَه، ولمَّا صَلَّى بأنَسٍ واليَتِيمِ جَعَلَهُما خَلْفَه، وحَدِيثُ ابن مَسْعودٍ يَدُلُّ على جَوَازِ ذلك، وحَدِيثُ جابِرٍ وجَبَّارٍ يَدُلُّ على الفَضْلِ؛ لأنَّه [نَقَلَهما إليه] (١٦)، ولا يَنْقُلُهما إلَّا إلى الأَكْمَل. فإنْ كان أحَدُ المأْمُومِينَ صَبِيًّا، وكانت الصَّلَاةُ تَطَوُّعًا، جَعَلَهُما خَلْفَه، لِخَبَرِ أَنَسٍ. وإن كانَتْ فَرْضًا، جَعَلَ الرَّجُلَ عن يَمينِه، والغُلامَ عن يَسَارِه، كما جاءَ (١٧) في حَدِيثِ ابنِ مسعودٍ. وإن جَعَلَهما جَمِيعًا عن يَمينِه، جازَ، وإن وَقَفَهما خَلْفَه، فقال بعضُ أصْحابِنا: لا تَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَؤُمُّهُ، فلم يُصَافِّه (١٨) كالمَرْأَةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ؛ لأنَّه بِمَنْزِلَةِ المُتَنَفِّلِ، والمُتَنَفِّلُ يَصِحُّ أن يُصَافَّ المُفْتَرِضَ، كذا ههُنا.
فصل: وإنْ أمَّ امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "أخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أخَّرَهُنَّ اللهُ" (١٩). ولأنَّ أُمَّ أَنَسٍ وَقَفَتْ خَلْفَهما وَحْدَها. فإنْ كان مَعَهما
стр. 1175
رَجُلٌ وَقَفَ عن يَمينِه، ووَقَفَتِ المَرْأَةُ خَلْفَهما. وإن كان مَعَهما رَجُلَانِ وَقَفَا خَلْفَه، ووَقَفَتِ (٢٠) المَرْأَةُ خَلْفَهما. فإن كان أحَدُهما غُلَامًا في تَطوُّعٍ، وَقَفَ الرَّجُلُ والغُلَامُ وَرَاءَه، والمَرْأَةُ خَلْفَهُما؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ (٢١). وإن كانَتْ فَرِيضَةً، فقد ذَكَرْنا ذلك. وتَقِفُ المَرْأةُ خَلْفَهما. وإن وَقَفَتْ معهم في الصَّفِّ في هذه المَوَاضِع، صَحَّ ولم تَبْطُلْ صلاتُها ولا صلاتُهم على ما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ. وإن وَقَفَ الرَّجُلُ الواحِدُ والمَرْأَةُ خَلْفَ الإِمامِ. فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَصِحُّ؛ لأنَّها لا تؤُمُّه، فلا تكونُ معه صَفًّا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: تَصِحُّ على أصَحّ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه وَقَفَ معه مُفْتَرِضٌ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، فأشْبَهَ ما لو وَقَف معه رجلٌ (٢٢)، وليْس من الشَّرْطِ أنْ يكونَ مِمَّنْ تَصِحُّ إمَامَتُه، بِدَلِيلِ القارِئ. مع الأُمِّىِّ، والفَاسِقِ والمُتَنَفِّلِ مع المُفْتَرِضِ.
فصل: إذا كان المأْمُومُ واحِدًا، فَكَبَّرَ عَن يَسَارِ الإِمامِ، أدارَهُ الإِمامُ عن يَمِينِه، ولم تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُه، كما فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ بابْنِ عَبَّاسٍ وجابِرٍ (٢٣). وإن كَبَّرَ فَذًّا خَلْفَ الإِمامِ، ثم تَقَدَّمَ عن يَمينِه، أو جاءَ آخَرُ فوَقَفَ معه، أو تَقَدَّمَ إلى صَفٍّ بين يَدَيْه، أو كانا اثْنَيْنِ فكَبَّرَ أَحَدُهما وَتَوَسْوَسَ (٢٤) الآخَرُ، ثم كَبَّرَ قَبل رَفْعِ الإِمَامِ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ، أو كَبَّرَ وَاحِدٌ عن يَمينِه، فأحَسَّ بآخَرَ، فتَأَخَّرَ معه قبل أن يُحْرِمَ الثَّانِى، ثم أَحْرَمَ معه، أو أَحْرَمَ عن يَسَارِه، فَجاءَ آخَرُ، فوَقَفَ عن يَمينِه قبل رَفْعِ الإِمامِ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُم. وقد نَصَّ أحمدُ، في رِوَايَةِ الأثْرَمِ، في الرَّجُلَيْنِ يَقُومانِ خَلْفَ الإِمامِ، ليس خَلْفَه غيْرُهما، فإنْ كَبَّرَ أَحَدُهما قبلَ
стр. 1176
صاحِبِه خَافَ أن يَدْخُلَ في الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ، فقال: ليسَ هذا من ذاك، ذاك في الصلاةِ بكَمَالِها، أو صَلَّى رَكْعَةً كامِلَةً، وما أشْبهَ هذا، فأمَّا هذا فأرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ. ولو أحْرَمَ رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ، ثم خَرَجَ من الصَّفِّ رَجُلٌ فوَقَفَ معه، صَحَّ؛ لما ذَكَرْنا.
فصل: وإن كَبَّرَ المَأْمُومُ عن يَمِينِ الإِمامِ، ثم جاءَ آخَرُ فَكَبَّرَ عَن يَسَارِه، أخْرَجَهما الإِمامُ إلى وَرَائِه، كما فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ بِجَابِرٍ وجَبَّارٍ (٢٥)، ولا يَتَقَدَّمُ الإِمامُ، إلَّا أن يكونَ وَرَاءَهُ ضَيِّقٌ. وإن تَقَدَّم، جازَ، وإن كَبَّرَ الثانِى مع الأوَّل عن اليَمينِ وخَرَجَا، جازَ. وإن دَخَلَ الثَّانِى (٢٦)، وهما في التَّشَهُّدِ، [كَبَّرَ وجَلَسَ عن يمينِ صَاحِبِه، أو عن يَسَارِه (٢٧)، ولا يَتَأَخَّرَانِ في التَّشَهُّدِ] (٢٨)، فإنَّ في ذلك مَشَقَّةٌ.
فصل: وإنْ أحْرَمَ اثْنانِ وراءَ الإِمامِ، فخَرَجَ أحَدُهما لِعُذْرٍ، أو لغيرِ عُذْرٍ، دَخَلَ الآخُر في الصَّفِّ، أو نَبَّهَ رَجُلًا فَخَرَجَ معه، أو دَخَلَ فوَقَفَ عن يمينِ الإِمامِ، فإن لم يُمْكِنْه شيءٌ من ذلك نَوَى الانْفِرَادَ، وأتَمَّ مُنْفَرِدًا؛ لأنَّه عُذْرٌ حَدَثَ له، فأشْبَهَ ما لو سَبَقَ إمَامَه الْحَدَثُ.
فصل: إذا دَخَلَ المَأْمُومُ، فوَجَدَ في الصَّفِّ فُرْجَةً، دَخَلَ فيها، فإن لم يَجِدْ، وَقَفَ عن يَمينِ الإِمامِ، ولا يُسْتَحَبُّ أن يَجْذِبَ رَجُلًا، فيَقُومَ معه، فإنَّ لم يُمْكِنْهُ ذلك نَبَّهَ رَجُلًا فخَرَجَ فوَقَفَ معه. وبهذا قال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، قالا: يَجْذِبُ رَجُلًا فيَقُومُ معه. وكَرِهَ ذلك مَالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، واسْتَقْبَحَهُ أحمدُ، وإسْحاقُ.
стр. 1177
قال ابنُ عَقِيلٍ: جَوَّزَ أصْحابُنا جَذْبَ رَجُلٍ يقومُ معه صَفًّا، واخْتَارَ هو أن لا يَفْعَلَ، لما فيه من التَّصَرُّفِ فيه بغيرِ إذْنِه. والصَّحِيحُ جَوَازُ ذلك؛ لأن الحاجَةَ (٢٩) دَاعِيَةٌ إليه، فجازَ، كالسُّجُودِ على ظَهْرِه أو قَدَمِه حالَ الزِّحَامِ، وليس هذا تَصَرُّفًا فيه، إنَّما هو تَنْبيهٌ له لِيَخْرُجَ معه، فجَرَى مَجْرَى مَسْأَلتِه أن يُصَلِّىَ معه؛ وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لِينُوا في أَيْدى إخْوَانِكمْ" (٣٠). يُرِيدُ ذلك. فإنْ امْتَنَعَ من الخُرُوجِ معه لم يُكْرِهْهُ وصَلَّى وَحْدَه.
فصل: قال أحْمدُ: يُصَلِّى الإِمامُ بِرَجُلٍ قائِمٍ وقَاعِدٍ ويَتَقَدَّمُهما. وقال: إذا أمَّ برجُلَيْن (٣١) أحَدُهما غيرُ طَاهِرٍ، ائْتَمَّ الطاهِرُ معه. وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ إذا عَلِمَ المُحْدِثُ بِحَدَثِه، فخَرَجَ، ائْتَمَّ الآخَرُ إن كان عن يَمِينِ الإِمامِ، وإن لم يكن عن يَمينِه صارَ عن يَمينِه، كما ذَكَرْنَا. فأمَّا إنْ كان خَلْفَه، وعَلِمَ المُحْدِثُ، فأتَمَّا الصلاةَ، لم تَصِحَّ. وإن لم يَعْلَم المُحْدِثُ بِحَدَثِه حتَّى تَمَّتِ الصلاةُ، صَحَّتْ؛ لأنَّه لو كان إمَامًا صَحَّ الائْتِمَامُ به، فلأنْ تَصِحَّ مُصَافَّتُه أوْلَى.
فصل: ومن وَقَفَ معه كافِرٌ، أو مَن لا تَصِحُّ صلاتُه غيرَ ما ذَكَرْنا، لم تَصِحَّ مُصَافَّتُه؛ لأنَّ وُجُودَه وعَدَمَه وَاحِدٌ. وإن وَقَفَ معه فاسِقٌ، أو مُتَنَفِّلٌ، صارَ صَفًّا؛ لأنَّهما رَجُلَانِ صَلَاتُهما صَحِيحَةٌ، وكذلك لو وَقَفَ قارِئٌ مع أُمِّىٍّ، أو مَن (٣٢) به سَلَسُ البَوْلِ مع صَحِيحٍ، أو مُتَيَمِّمٌ مع مُتَوَضِّىءٍ، كانا صَفًّا؛ لما ذَكَرْنا. فإنْ وَقَفَ معه خُنْثَى مُشْكِلٌ، لم يكنْ صَفًّا معه، إلَّا مَن أجازَ وُقُوفَ المَرْأَةِ مع الرَّجُلِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ امْرَأةً.
стр. 1178
فصل: ولو كان مع الإِمامِ خُنْثَى مُشْكِلٌ وَحْدَه، فالصَّحِيحُ أن يقِفَه (٣٣) عن يَمينِه؛ لأنَّه إن كان رَجُلًا فقد وَقَفَ في مَوْقِفِه، وإن كان امْرَأَةً لم تَبْطُلْ صلاتُها بِوُقُوفِها مع الإِمامِ، كما لا تَبْطُل بِوُقُوفِها مع الرِّجالِ، ولا يَجُوزُ أن يَقِفَ وَحْدَه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ رَجُلًا. فإنْ كان مَعَهما رَجُلٌ، وَقَفَ الرَّجُلُ عن يمينِ الإِمامِ، والخُنْثَى عن يَسَارِه، أو عن يَمِينِ الرَّجُلِ، ولا يَقِفَا (٣٤) خَلْفَه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ امرأَةً، إلَّا عندَ مَن أجازَ مُصَافَّةَ المَرْأَةِ. فإنْ كان مَعَهم رَجُلٌ آخَرُ، وَقَفَ الثَّلَاثَةُ خَلْفَه صَفًّا؛ لما ذَكَرْنا. وإنْ كان مع الخُنْثَى خُنْثَى آخَرُ، فقال أصْحابُنا: يَقِفُ الخُنْثَيانِ صَفًّا خَلْفَ الرَّجُلَيْنِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَا امْرَأَتَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَا مع الرَّجُلَيْنِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ أحَدُهما وَحْدَه رَجُلًا، فلا تَصِحُّ صلاتُه. وإن كان معهم نِسَاءٌ، وَقَفْنَ خَلْفَ الخَنَاثَى. قال أبو الخَطَّابِ: إذا اجْتَمَعَ رِجَالٌ وصِبْيَانٌ وخَنَاثَى ونِسَاءٌ، تَقَدَّمَ الرِّجَالُ، ثم الصِّبْيَانُ، ثم الخَنَاثَى، ثم النِّسَاءُ. ورَوَى أبو مالِكٍ الأشْعَرِىُّ، عن أبِيهِ، أنَّه قال: ألا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قال: أقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَفَّ الرِّجَالَ، وصَفَّ خَلْفَهُم الغِلْمَانَ، ثم صَلَّى بهم. [ثم قال: هكذا صَلَاتُه] (٣٥). قال عَبدُ الأعْلَى (٣٦): لا أحْسَبُه إلَّا قال: "صَلَاةُ أُمَّتِى". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣٧).
فصل: السُّنَّةُ أن يَتَقَدَّمَ في الصَّفِّ الأوَّلِ أُولُوا الفَضْلِ والسِّنِّ، ويَلِى الإِمامَ أكْمَلُهم وأفْضَلُهم. قال أحمدُ: يَلِى الإِمامَ الشُّيُوخُ وأهْلُ القُرْآنِ، وتُؤَخَّرُ الصِّبْيَانُ والغِلْمانُ، ولا يَلُونَ الإِمامَ؛ لما رَوَى أبو مَسْعُودٍ الأنْصارِىُّ قال: كان رسولُ اللهِ
стр. 1179
- ﷺ يقولُ: "لِيَلِنِى مِنْكُم أُولُوا الأَحْلَامِ والنُّهَى، ثم الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثم الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". [رَوَاه مُسْلِمٌ] (٣٨). وعن أَنَسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ أن يَلِيَهُ المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ؛ لِيَأْخُذُوا عنه (٣٩). وقال أبو سَعِيدٍ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَأى في أَصْحَابِه تَأَخُّرًا، فقال: "تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بى، ولْيأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ ". [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٤٠)، وأبو دَاوُدَ (٤١). ورَوَى أحمدُ، في "مُسْنَدِه" (٤٢)، عن قَيْسِ بنِ عُبَادٍ، قال: أَتَيْتُ المَدِينَةَ لِلِقَاءِ أصْحابِ محمدٍ ﷺ ، فأُقِيمَتِ الصلاةُ، وخَرَجَ عمرُ مع أصْحابِ رسَولِ اللهِ ﷺ ، فَقُمْتُ في الصَّفِّ الأَوَّل، فجاءَ رَجُلٌ فنَظَرَ في وُجُوهِ القَوْمِ، فعَرَفَهُم غَيْرِى، فنَحَّانِى، وقامَ في مَكَانِى، فما عَقَلْتُ صَلَاتِى، فلمَّا صَلَّى قال:
стр. 1180
أىْ بُنَىَّ، لا يَسُؤْكَ اللهُ، فإنِّى لم آتِكَ الذي أَتَيْتُ بِجَهَالَةٍ، ولكنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لنا: "كُونُوا في الصَّفِّ الَّذِى يَلِينِى". وإنِّى نَظَرْتُ في وُجُوهِ القَوْمِ فعَرَفْتُهم غَيْرَكَ. وكان الرَّجلُ أبَىَّ بنَ كَعْبٍ.
فصل: وخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها، وشَرُّهَا آخِرُها، وخَيْرُ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرُّهَا أوَّلُها؛ لِقَوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أوَّلُها، وشَرُّهَا آخِرُهَا، وخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وشَرُّهَا أوَّلُها". رَوَاه مُسْلِمٌ (٤٣)، وأبو دَاوُدَ (٤٤). وعن أُبَىِّ بن كَعْبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الصَّفُّ الأوَّلُ عَلَى مِثْلِ صَفِّ المَلَائِكَةِ، ولَو تَعْلَمُونَ فَضِيلَتَهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ". رَوَاهُ أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٤٥). وعن أنَسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "أَتِمُّوا الصَّفَّ المُقَدَّمَ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ". وعن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ اللهَ ومَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ". رَوَاهُما أبو دَاوُدَ (٤٦).
стр. 1181
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ الإِمامُ في مُقَابَلَةِ وَسَطِ الصَّفِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَسِّطُوا الإِمامَ، وسُدُّوا الخَلَلَ" رَوَاهُ أبو دَاوُد (٤٧). ويُكْرَهُ أن يَدْخُلَ في طاقِ القِبْلَةِ، إِلَّا أنْ يكونَ المسجدُ ضَيِّقًا، وكَرِهَهُ ابنُ مسعودٍ، وعَلْقَمَةُ، والحسنُ، وإبْراهيمُ. وفَعَلَه سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو عبدِ الرحمنِ السُّلَمِىُّ، وقَيْسُ بنُ أبِى حازِمٍ. ولَنَا: أنَّه (٤٨) يَسْتَتِرُ به عن بعضِ المَأْمُومِينَ فَكُرِهَ، كما لو جَعَلَ بَيْنه وبَيْنَهم حِجَابًا.
فصل: ولا يُكْرَهُ لِلْإِمامِ أن يَقِفَ بين السَّوَارِى، ويُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِينَ؛ لأنَّها تَقْطَعُ صُفُوفَهم. وكَرِهَه ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِىُّ. وَرُوِىَ عن حُذَيْفَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ. ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرِينَ، ومالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لا دَلِيلَ على المَنْعِ منه. ولَنَا، ما رُوِىَ عن مُعَاوِيَةَ بنِ قُرَّةَ، عن أبِيهِ، قال: كُنَّا نُنْهَى أنْ نَصُفَّ بين السَّوَارِى على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ونُطْرَدُ عنها طَرْدًا. رَوَاه ابنُ مَاجَه (٤٩) ولأنَّها تَقْطَعُ الصَّفَّ. فإنْ كان الصَّفُّ صَغِيرًا قَدْرَ ما بين السَّارِيَتَيْنِ لم يُكْرَهْ، لأنَّه لا يَنْقَطِعُ بها.
٢٦٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا صَلَّى إمَامُ الْحَىِّ جَالِسًا صَلَّى مَنْ وَرَاءَهُ جُلُوسًا)
المُسْتَحَبُّ لِلإِمامِ إذا مَرِضَ، وعَجَزَ عن القِيامِ، أن يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا في صِحَّةِ إمامَتِه، فيَخْرُجُ من الخِلافِ، ولأنَّ صلاةَ القَائِمِ أَكْمَلُ،
стр. 1182
فَيُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ الإِمامُ كامِلَ الصلاةِ. فإن قِيلَ: فقد صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ قاعِدًا بأصْحَابِه، ولم يَسْتَخْلِفْ. قُلْنا: صَلَّى قاعِدًا لِيُبَيِّنَ الجَوَازَ، واسْتَخْلَفَ مَرَّةً أُخْرَى، ولأنَّ صلاةَ النَّبِيِّ ﷺ قاعِدًا أَفْضَلُ من صَلَاةِ غيرِه قَائِمًا. فإنْ صَلَّى بهم قاعِدًا جازَ، ويُصَلُّونَ من وَرَائِه (١) جُلُوسًا، فَعَلَ ذلك أَرْبَعَةٌ من الصَّحَابَةِ، أُسَيْدُ بنُ حُضَيْر (٢)، وجابِر، وقَيْسُ بنُ قَهْدٍ (٣)، وأبو هُرَيْرَةَ. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، وحَمَّادُ بنُ زَيدٍ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ في إحْدَى رِوَايَتَيْهِ: لا تَصِحُّ صلاةُ القادِرِ على القِيَامِ خَلْفَ القَاعِدِ. وهو قولُ محمدِ بن الحسنِ؛ لأنَّ (٤) الشَّعْبِىَّ رَوَى عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا يَؤُمَّنَّ أحَدٌ بَعْدِى جَالِسًا" أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٥). ولأنَّ القِيَامَ رُكْنٌ، فلا يَصِحُّ ائْتِمامُ القادِرِ عليه بالعاجِزِ عنه كسَائِرِ الأرْكانِ. وقال الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يُصَلُّونَ خَلْفَه قِيَامًا؛ لما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ [اسْتَخْلَفَ أبا بكرٍ، ثم إنَّ النَّبِىَّ ﷺ ] (٦) وَجَدَ في نَفْسِه خِفَّةً، فخَرَجَ بينَ رَجُلَيْنِ، فأجْلَسَاهُ إلى جَنْبِ أبي بكْرٍ، فجَعَلَ أبو بكرٍ يُصَلِّى وهو قائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أبي بكرٍ، والنَّبِىُّ ﷺ قاعِدٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وهذا آخِرُ الأمْرَيْنِ مِن رسولِ اللهِ ﷺ ، ولأنَّه رُكْنٌ قَدَرَ
стр. 1183
عليه، فلم يَجُزْ له تَرْكُه، كسائِرِ الأرْكانِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ". مُتَّفَقٌ عليه (٨). وعن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: [صَلَّى النَّبِىُّ] (٩) ﷺ في بَيْتِه، وهو شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا، وصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فأشَارَ إليهم، أنِ اجْلِسُوا، فلما انْصَرَفَ قال: "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ به، فَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وإذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، فَقُولُوا: رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ. وإذا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ". ورَوَى أَنَسٌ نَحْوَه، أخْرَجَهما البُخَارِىُّ، ومُسْلِمٌ (٨). ورَوَى جَابِرٌ، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَه. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٨). ورَوَاهُ أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ، وعَمِلَ به. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: رُوِىَ هذا الحَدِيثُ عن النَّبِيِّ ﷺ من طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ، من حَدِيثِ أَنَسٍ، وجَابِرٍ، وأبى هُريرَةَ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، كلُّها بأسَانِيدَ صِحَاحٍ. ولأنَّها حالَةُ قُعُودِ الإِمامِ، فكان على المَأْمُومِينَ مُتَابَعَتُه، كحالِ التَّشَهُّدِ. فأمَّا حديثُ الشَّعْبِىِّ فَمُرْسَلٌ، يَرْوِيهِ جابِرٌ الجُعْفِىُّ، وهو مَتْرُوكٌ. وقد فَعَلَه أرْبَعَةٌ من أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ بعدَه. وأما حديثُ الآخَرِينَ، فقال أحمدُ: ليس في هذا حُجَّةٌ؛ لأنَّ أبا بكرٍ كان ابْتَدَأَ الصلاةَ، فإِذا ابْتَدَأ الصَّلَاةَ قَائِمًا صَلُّوا قِيَامًا. فأشارَ أحمدُ إلى أنَّه يُمْكِنُ الجَمْعُ بين الحَدِيثَيْنِ، بِحَمْلِ الأوَّل على من
стр. 1184
ابْتَدَأَ الصلاةَ جَالِسًا، والثانى علَى ما إذا ابْتَدَأَ الصلاةَ قَائِمًا، ثم اعْتَلَّ فَجَلَسَ، ومتى أمْكَنَ الجمعُ بين الحَدِيثَيْنِ وَجَبَ، ولم يُحْمَلْ على النَّسْخِ، ثم يحْتَمِلُ أن أبا بكرٍ كان الإِمامَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: في بعض الأخْبَارِ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى بالنَّاسِ، وفى بعضِها أنَّ أبا بُكَرٍ كان الإِمَامَ. وقالت عائشةُ: صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ خَلْفَ أبى بكرٍ في مَرَضِه الذي مات فيه قَاعِدًا (١٠). وقال أنَسٌ: صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ [في مَرَضِه] (١١) خَلْفَ أبي بكرٍ قَاعِدًا في ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا به (١٢). قال التِّرْمِذِىُّ: كِلَا الحَدِيثَيْنِ حَسَنٌ (١٣) صَحِيحٌ، ولا يُعْرَفُ للنَّبِىِّ ﷺ خَلْفَ أبى بكرٍ صَلَاةٌ إلَّا في هذا الحَدِيثِ. ورَوَى مالِكٌ عن رَبِيعَةَ الحَديثَ، قال: وكان (١٤) أبو بكرٍ الإِمام، وكان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى بِصلاةِ أبي بكرٍ. وقال: مَا مَاتَ نَبِىٌّ حَتَّى يَؤُمَّهُ رَجُلٌ من أُمَّتِه (١٥). قال مالِكٌ: العَمَلُ عنْدنا على حديثِ رَبِيعَةَ هذا، وهو أحَبُّ إلَىَّ. فإنْ قيل: لو كان أبو بكرٍ الإِمَام لَكانَ عن يَسَارِ رسولِ اللهِ ﷺ . قُلْنا: يحْتَمِلُ أنَّه فَعَلَ ذلك؛ لأنَّ وَرَاءَهُ صَفًّا.
فصل: فإنْ صَلَّوْا وَرَاءَه قِيَامًا، فَفِيهِ وَجْهانِ: أحَدُهما، لا تَصِحُّ صَلَاتُهم. أوْمَأَ إليه أحمدُ، فإنَّه قال: إن صَلَّى الإِمامُ جَالِسًا، والَّذِين خَلْفَهُ قِيَامًا، لم يَقتَدُوا بالإِمامِ، إنَّما اتِّبَاعُهُم له (١٦) إذا صَلَّى جَالِسًا صَلَّوْا جُلُوسًا؛ وذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَهم بالجُلُوسِ، ونَهَاهم عن القِيامِ، فقال في حَدِيثِ جابِرٍ: "إذا صَلَّى الإِمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، وإذا صَلَّى قائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، ولا تَقُومُوا والإِمَامُ جَالِسٌ، كَمَا يَفْعَلُ أهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا". فَقَعدْنَا والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى فَسَادَ
стр. 1185
المَنْهِىِّ عنه. ولأنَّه تَرَكَ اتِّبَاعَ إمامِه، مع قُدْرَتِه عليه، أشْبَهَ تَارِكَ القِيامِ في حال قِيامِ إمَامِه. والثانى، تَصِحُّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى وَرَاءَه قَوْمٌ قِيَامًا، لم يَأْمُرْهم بالإِعادِة، فعَلَى هذا يُحْمَلُ الأمْرُ على الاسْتِحْبَابِ، ولأنَّه [تكلَّفٌ للقيامِ] (١٧) في مَوْضِعٍ يجوزُ له القُعُودُ أشْبَهَ المَرِيضَ إذا تَكَلَّفَ القِيامَ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَصِحَّ صَلَاةُ الجَاهِلِ بِوُجُوبِ القُعُودِ، دُونَ العالِم بذلك، كقَوْلِنَا في الذي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ. فأمَّا مَن وَجَبَ عليه القِيامُ فَقَعَدَ، فإنَّ صَلَاتَه لا تَصِحُّ؛ لأنَّه تَرَكَ رُكْنًا يَقْدِرُ على الإِتْيانِ به.
فصل: ولا يَؤُمُّ القَاعِدُ مَن يَقْدِر على القِيَامِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: أحدُهما، أن يكونَ إمامَ الحَىِّ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقالَ: ذلك لإِمامَ الحَىِّ؛ لأنَّه لا حاجة بهم إلى تَقْدِيمِ عاجِزٍ عن القِيامِ إذا لم يكن الإِمامَ الرَّاتِبَ. فلا يَتَحَمَّلُ إسْقَاطَ رُكْنٍ في الصلاةِ لغيرِ حَاجَةٍ، والنَّبِىُّ ﷺ حيثُ فَعَلَ ذلك كان هو الإِمامَ الرَّاتِبَ. الثاني، أن يكونَ مَرَضُه يُرْجَى زَوَالُه؛ لأنَّ اتِّخَاذَ الزَّمِنِ، ومن لا يُرْجَى قُدْرَتُه على القِيامِ إمامًا رَاتِبًا، يُفْضِى إلى تَرْكِهِم القِيامَ على الدَّوَامِ، ولا حاجَةَ إليه، ولأنَّ الأصْلَ في هذا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، والنبىُّ ﷺ كان يُرْجَى بُرْؤُه.
٢٦١ - مسألة؛ قال: (فَإنِ ابْتَدَأَ بِهِم الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ، ائْتَمُّوا خلْفَه قِيَامًا)
إنَّما كان كذلك لأنَّ أبا بكرٍ حيث ابْتدَأَ بهم الصلاةَ قَائِمًا، ثم جاءَ النَّبِىُّ ﷺ فأتَمَّ الصلاةَ بهم جَالِسًا، أتَمُّوا قِيَامًا، ولم يَجْلِسُوا. ولأنَّ القِيامَ هو الأصْلُ، فمَن بَدَأَ به في الصلاةِ لَزِمَهُ فى جَمِيعِها إذا قَدَرَ عليه، كالتَّنَازُعِ في صَلَاةِ المُقِيمِ يَلْزَمُه إتْمَامُها، وإن حَدَثَ مُبِيحُ القَصْرِ في أَثْنَائِها.
стр. 1186
فصل: فإن اسْتَخْلَفَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ في وَقْتِنا (١)، ثم زالَ عُذْرُه فحَضَرَ، فهل يجوزُ أنْ يَفْعَلَ كفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ مع أبي بكرٍ؟ فيه رِوايَتانِ: إحْدَاهما، ليس له ذلك. قال أحمدُ، في رِوايةِ أبي دَاوُدَ: ذلك خَاصٌّ للنَّبِىِّ ﷺ دُونَ غيرِه؛ لأنَّ هذا أمْرٌ يُخَالِفُ القِياسَ، فإنَّ انْتقَالَ (٢) الإِمامِ مَأمُومًا، وانْتِقَالَ المَأْمُومِينَ من إمامٍ إلى آخَرَ، لا يجوزُ إلَّا لِعُذْرٍ يُحْوِجُ إليه، وليس في تَقْدِيمِ الإِمامِ الرَّاتِبِ ما يُحْوِجُ إلى هذا، أمَّا النَّبِىُّ ﷺ فكانتْ له من الفَضِيلَةِ علَى غيرِه، وعِظَمِ التَّقَدُّمِ عليه، ما ليس لِغيرِه، ولهذا قال أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أبي قُحَافَةَ أن يَتَقَدَّمَ بين يَدَىْ رسولِ اللهِ ﷺ . والثانية، يجوزُ ذلك لِغيرِه. قال أحمدُ، في رِوَايَةِ أبي الحارِثِ: مَن فَعَلَ كما فَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُ، ويَقْعُدُ إلى جَنْبِ الإِمامِ، يَبْتَدِئُ القِرَاءَةَ مِن حيثُ بَلَغَ الإِمامُ، ويُصَلِّى لِلنَّاسِ قِيَامًا؛ وذلك لأنَّ الأَصْلَ أنَّ ما فَعَلَه النَّبِىُّ ﷺ كان جَائِزًا لِأُمَّتِه، ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على اخْتِصاصِه به. وفيه رِوايةٌ ثَالِثَةٌ، أنَّ ذلك لا يجوزُ إلَّا لِلْخَلِيفَةِ دون بَقيَّةِ الأَئِمَّةِ. قال في رِوَايَةِ المَرُّوذِىِّ: ليس هذا لأحَدٍ إلَّا لِلْخَلِيفَةِ؛ وذلك لأنَّ رُتْبَةَ الخِلافةِ تَفْضُلُ رُتْبَةَ سائِرِ الأئِمَّةِ، فلا يَلْحَقُ بها غيرُها، وكان ذلك لِلْخَلِيفَةِ؛ لأنَّ خَلِيفَةَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُومُ مَقامَه.
فصل: ويجوزُ لِلْعاجِزِ عن القِيامِ أن يَؤُمَّ مِثْلَه؛ لأنَّه إذا أمَّ القَادِرِينَ على القِيامِ فمِثْلُه أَوْلَى، ولا يُشْتَرَطُ في اقْتِدَائِهِم به أنْ يكونَ إمامًا رَاتِبًا، ولا مَرْجُوًّا زَوَالُ مَرَضِه؛ لأنَّه ليْس في إمامَتِه لهم تَرْكُ رُكْنٍ مَقْدُورٍ عليه، بِخِلافِ إمامَتِه لِلْقادرين على القِيامِ.
فصل: ولا يجوزُ لِتَارِكٍ رُكْنٍ منْ الأفْعالِ إمَامَةُ أحَدٍ، كالمُضْطَجِعِ، والعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ. وقال الشَّافِعِىُّ: يجوزُ؛ لأنَّه فِعْلٌ أجازَهُ المَرَضُ، فلم يُغَيِّرْ حُكْمَ الائْتِمَامِ، كالقاعِدِ بالقِيامِ. ولنَا، أنَّه
стр. 1187
أخَلَّ بِرُكْنٍ لا يسْقُطُ في النَّافِلَةِ، فلم يَجُزْ لِلْقادِرِ عليه الائْتِمامُ به، كالقَارِئِ بالأُمِّىِّ، وحُكْمُ القِيامِ أخَفُّ (٣) بِدَلِيلِ سُقُوطِه في النَّافِلَةِ، وعن المُقْتَدِينَ بالعَاجِزِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ المُصَلِّينَ خَلْفَ الجالِسِ بالجُلُوسِ (٤)، ولا خِلافَ في أنَّ المُصَلِّىَ خَلْفَ المُضْجَعِ لا يَضْطَجِعُ. فإنْ (٥) أمَّ مِثْلَه، فَقِياسُ المَذْهَبِ صِحَّتُه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى بأصْحَابِه في المَطَرِ بالإِيماءِ، والعُرَاةُ يُصَلُّونَ جَمَاعةً بالإِيماءِ (٦)، وكذلك حالَ المُسايَفَةِ.
فصل: ويَصِحُّ ائْتِمَامُ المُتَوَضِّئِ بالمُتَيَمِّمِ. لا أعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ عمْرَو بنَ العاصِ صَلَّى بأصْحابِه مُتَيَمِّمًا، وبَلَغَ ذلك (٧) النَّبِىَّ ﷺ فلم يُنْكِرْهُ (٨). وأَمَّ ابنُ عَبَّاسٍ أصْحَابَه مُتَيَمِّمًا، وفيهم عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ، في نَفَرٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلم يُنْكِرُوهُ (٩). ولأنَّه مُتَطَهِّرٌ طَهارَةً صَحِيحَةً، فأشْبَهَ المُتَوَضِّئَ. ولا يَصِحُّ ائْتِمامُ الصَّحِيحِ بمن به سَلَسُ البَوْلِ، ولا غيرِ المُسْتَحاضَةِ بها؛ لأنَّهما يُصَلِّيَانِ مع خُرُوجِ الحَدَثِ من غير طهارَةٍ له، بِخِلافِ المُتَيَمِّمِ. فأمَّا مَن كانت (١٠) عليه نَجاسَةٌ، فإنْ كانت على بَدَنِه فَتَيَمَّمَ لها، جازَ لِلطاهِرِ الائْتِمامُ به عند القاضي؛ لأنَّه كالمُتَيَمِّمِ لِلْحَدَثِ. وعلى قِياسِ قولِ أبي الخطَّابِ لا يجوزُ الائْتِمامُ به؛ لأنَّه أَوْجَبَ عليه الإِعَادَةَ. وإن كانت على ثَوْبِه، لم يَصِحَّ الائْتِمامُ به؛ لأنَّه تَارِكٌ لِشَرْطٍ. ولا يَجُوزُ ائْتِمامُ المُتَوَضِّئِ ولا المُتَيَمِّمِ بعَادِمِ الماءِ والتُّرَابِ،
стр. 1188
ولا اللَّابِسِ بالعَارِى، ولا القادِرِ على الاسْتِقْبَالِ بالعَاجِزِ عنه؛ لأنَّه تَارِكٌ لِشَرْطٍ يَقْدِرُ عليه المَأْمُومُ، فأشْبَهَ المُعَافَى بمَن به سَلَسُ البَوْلِ. ويَصِحُّ ائْتِمَامُ كُلِّ واحِدٍ من هؤلاءِ بِمِثْلِه؛ لأنَّ العُرَاةَ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً، وقد سَبَقَ هذا.
فصل: وفى صَلَاةِ المُفْتَرِضِ خَلْفَ المُتَنَفِّلِ رِوايَتانِ: إحْدَاهما، لا تَصِحُّ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ أبى الحارِثِ، وحَنْبَلٍ. واخْتارَها أكْثَرُ أصْحَابِنا. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، ومالِكٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). ولأنَّ صلاةَ المأمُومِ لا تَتَأدَّى بِنِيَّةِ الإِمامِ، أشْبَهَ صَلَاةَ الجُمُعةِ خَلْفَ مَن يُصَلِّى الظُّهْرَ. والثانيةُ، يجوزُ. نَقَلَها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ (١٢). ونَقَلَ أبو دَاوُدَ، قال: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِلَ عن رَجُلٍ صَلَّى العَصْرَ، ثم جاء فنَسِىَ، فتَقَدَّمَ فَصَلَّى (١٣) بِقَومٍ الصلاةَ، ثم ذَكَرَ لمَّا أنْ صَلَّى رَكْعَةً، فمَضَى في صلاتِه؟ قال: لا بَأْسَ. وهذا قولُ عَطاءٍ، وطَاوُسٍ، وأبى رَجَاءٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وسليمانَ بن حَرْبٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، وأبى إسحاقَ الجُوزَجَانِىّ، وهى أصَحُّ؛ لما رَوَى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، أن مُعَاذًا كان يُصَلِّى مع رسولِ اللهِ ﷺ ، ثم يَرْجِعُ فَيُصَلِّى بِقَوْمِه تِلْكَ الصلاةَ. مُتَّفَقٌ عليه (١٤). ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه صَلَّى بطائِفَةٍ من أصْحَابِه في الخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ، ثم سَلَّمَ، ثم صَلَّى بالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، ثم سَلَّمَ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٥)، والأثْرَمُ. والثانيةُ منهما تَقَعُ نَافِلَةً، وقد أمَّ بها مُفْتَرِضِينَ. ورُوِىَ عن
стр. 1189
أبى خَلْدَةَ (١٦)، قال: أَتَيْنَا رَجاءً (١٧) لِنُصَلِّىَ معه الأُولَى، فوَجَدْناهُ قد صَلَّى، فقُلْنا: جِئْنَاكَ لِنُصَلِّىَ معك. فقال: قد صَلَّيْنَا، ولكنْ لا أُخَيِّبُكم، فأقَامَ (١٨) فصَلَّ ى وصَلَّيْنا معه. رَوَاه الأثْرَمُ. ولأنَّهما صلاتانِ اتَّفَقَتَا في الأفْعَالِ، فجازَ ائْتِمامُ المُصَلِّى في إحْدَاهما بالمُصَلِّى في الأُخْرَى، كالمُتَنَفِّلِ خَلْفَ المُفْتَرِضِ. فأمَّا حَدِيثُهم فالمُرَادُ به، لا تَخْتَلِفُوا عليه في الأفْعَالِ، بِدَلِيلِ قولِه: "فَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وإذا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجمَعُونَ". ولهذا يَصِحُّ ائْتِمامُ المُتَنَفِّلِ بالمُفْتَرضِ مع اختِلافِ نِيَّتِهما، وقِيَاسُهم يَنْتَقِضُ بالمَسْبُوقِ في الجُمُعةِ يُدْرِكُ أقَلَّ من رَكْعَةٍ، يَنْوِى الظُّهْرَ خَلْفَ من يُصَلِّى الجُمُعةَ.
فصل: ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ في صِحَّةِ صَلَاةِ المُتَنَفِّلِ وَرَاءَ المُفْتَرِضِ. ولا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ (١٩) فيه اخْتِلافًا، وقد دَلَّ عليه قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّى مَعَهُ" (٢٠). والأحادِيثُ التي في إعادةِ الجماعةِ، ولأنَّ صَلَاةَ المأْمُومِ تَتَأدَّى بِنِيَّةِ الإِمامِ، بِدَلِيلِ ما لو نَوى مَكْتُوَبةً، فبَانَ قَبلَ وَقْتِها.
فصل: فإنْ صَلَّى الظُّهْرَ خَلْفَ من يُصَلِّى العَصْرَ، فَفِيه أيضًا رِوايتَانِ: نَقَلَ إسماعيلُ بنُ سعيد جَوَازَه. ونَقَلَ غيرُه المَنْعَ منه. ونَقَلَ إسماعِيلُ بنُ سعيد، قال:
стр. 1190
قلتُ لأحمدَ: فما تَرَى إن صَلَّى في رمضانَ خَلْفَ إمامٍ يُصَلِّى بهم التَّرَاوِيحَ؟ قال: يجوزُ ذلك من المَكْتُوبَةِ. وقال في رِوَايَةِ المَرُّوذِيِّ: لا يُعْجِبُنا أن يُصَلِّىَ مع قَوْمٍ التَّرَاوِيحَ، ويَأْتَمَّ بها لِلْعَتَمَةِ. وهذه فَرْعٌ على ائْتِمَامِ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ، وقد مَضَى الكلامُ فيها.
فصل: فإن كانتْ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ تُخالِفُ الأُخْرَى في الأفْعالِ، كصلاةِ الكُسُوفِ، أو الجُمُعةِ، خَلْفَ من يُصَلِّى غَيْرَهما، وصلاةِ غَيْرِهما وَرَاءَ من يُصَلِّيهما، لم تَصِحَّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لأنَّه يُفْضِى إلى مُخَالَفَةِ إمامِه في الأفْعالِ، وهو مَنْهِىٌّ عنه.
فصل: ومن صَلَّى الفَجْرَ، ثم شَكَّ، هل طَلَعَ الفَجْرُ أوْ لا؟ أو شَكَّ في صلاةٍ صَلَّاها، هل فَعَلَها في وَقْتِها أو قَبْلَه؟ لَزِمَتْهُ إعادَتُها، وله أن يَؤُمَّ في الإِعادَةِ مَنْ لم يُصَلِّ. وقال أَصْحَابُنا: يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَيْنِ في إمامةِ المُتَنَفِّلِ مُفْتَرِضًا. ولَنا، أنَّ الأصْلَ بَقاءُ الصلاةِ في ذِمَّتِه، ووُجُوبُ فِعْلِها، فَيَصحُّ أن يَؤُمَّ فيها مُفْتَرِضًا، كما لو شَكَّ. هل صَلَّى أمْ لا؟ ولو فاتَتِ المأْمُومَ رَكْعَةٌ فَصَلَّى الإِمامُ خَمْسًا سَاهِيًا، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يُعْتَدُّ لِلْمَأْمُومِ بالخامِسَةِ؛ لأنَّها (٢١) سَهْوٌ وغَلَطٌ. وقال القاضي: هذه الرَّكْعَةُ نَافِلَةٌ له، وفَرْضٌ لِلْمَأْمُومِ. فيُخَرَّج فيها الرِّوَايَتَانِ. وقد سُئِلَ أحمدُ عن هذه المَسَائِل، فتَوَقَّفَ فيها. والأَوْلَى، [إن شاء اللهُ] (٢٢)، أنَّه (٢٣) يُحْتَسَبُ له بها، لأنَّه لو لم يُحْتَسَبْ له بها لَلَزِمَهُ أن يُصَلِّىَ خَمْسًا مع عِلْمِه بذلك، ولأنَّ الخَامِسَةَ وَاجِبَةٌ على الإِمامِ عندَ مَن يُوجِبُ عليه البِناءَ على اليَقِينِ، وعند اسْتِوَاءِ الأَمْرَيْنِ عندَه، ثم إن كانت نَفْلًا، فالصَّحِيحُ صِحَّةُ الائْتِمامِ به. وقولُه: إنَّه غَلَطٌ. قُلْنا: لَا يُخْرِجُه الغَلَطُ عن أنْ يكونَ نَفْلًا مُثَابًا فيه، فلذلك قال
стр. 1191
النَّبِيُّ ﷺ : "كَانَتِ الرَّكْعَةُ والسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ" (٢٤). وإنْ صَلَّى بِقَوْمٍ الظُّهْرَ يَظُنُّهَا العَصْرَ. فقال أحمدُ: يُعِيدُ، ويُعِيدُونَ. وهذا على الرِّوَايَةِ التي مَنَعَ فيها ائْتِمَامَ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ. فإنْ ذَكَرَ الإِمامُ وهو في الصلاة، فأتَمَّها عَصْرًا، كانت له نَافِلَةً، وإن قَلَبَ نِيَّتَه إلى الظُّهْرِ، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لما ذَكَرْنَاه مُتَقَدِّمًا. وقال ابنُ حامِدٍ: يُتِمُّها والفَرْضُ باقٍ في ذِمَّتِهِ.
فصل: ولا يَصِحُّ ائْتِمامُ البَالِغِ بالصَّبِىِّ في الفَرْضِ، نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ وابن عَبَّاسٍ. وبه قال عَطَاءٌ، ومُجَاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو حنيفةَ. وأجازَهُ الحسنُ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ويَتَخَّرجُ لنا مثلُ ذلك بِنَاءً على إمامَةِ المُتَنَفِّلِ لِلْمُفْتَرِضِ؛ وَوَجْهُ ذلك عُمُومُ قولِه: "يَؤُمُّكُم أَقْرَؤُكُمْ لِكِتابِ اللهِ تَعَالَى" (٢٥). وهذا دَاخِلٌ في عُمُومِهِ. ورَوَى عَمْرُو بنُ سَلَمَةَ الْجَرْمِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِقَوْمِه: "ليَؤُمَّكُمْ (٢٦) أَقْرَؤُكُمْ". قال: فكنتُ أؤُمُّهُم وأنا ابنُ سَبْعِ سِنِينَ أو ثمَانِ سِنِينَ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وغيرُه (٢٧). ولأنَّه يُؤذِّنُ لِلرِّجَالِ، فجازَ أن يَؤُمَّهُم كالبَالِغِ. ولنا قَوْلُ ابنِ مسعودٍ وابنِ عَبَّاسٍ، ولأنَّ الإِمامةَ حالُ كَمَالٍ، والصَّبِىُّ ليس مِن أهْلِ الكَمالِ، فلا يَؤُمُّ الرِّجالَ كالمَرْأةِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ من الصَّبِىِّ الإِخْلالُ بِشَرْطٍ مِن شَرَائِط الصلاةِ أو القِرَاءَةِ حالَ الإِسْرَارِ. فأمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِىِّ (٢٨)، فقال الخَطَّابِىُّ (٢٩): كان أحمدُ يُضَعِّفُ أَمْرَ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ. وقال مَرَّةً: دَعْهُ ليس بشَىْءٍ بَيِّنٍ. وقال أبو دَاوُدَ: قِيلَ لأحمدَ: حَدِيثُ عَمْرِو بنِ سَلَمةَ؟ قال: لا أَدْرِى أَىُّ شَىْءٍ هذا! ولَعَلَّه إنَّما تَوَقَفَ عنه لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ بُلُوغَ الأمْرِ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فإنَّه كان بالبَاديَةِ في حَيٍّ
стр. 1192
من العَرَبِ بَعِيدٍ من المَدِينَةِ، وقَوَّى هذا الاحْتِمَالَ قَوْلُه في الحَدِيثِ: وكنتُ إذا سَجَدْتُ خَرَجَتْ اسْتِى. وهذا غيرُ سائِغٍ.
فصل: فأمَّا إمَامَتُه في النَّفْلِ ففيها رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، لا تَصِحُّ؛ لما ذَكَرْنَا في الفَرْضِ. والثانيةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّه مُتَنَفِّلٌ يَؤْمُّ مُتَنَفِّلِينَ، ولأنَّ النَّافِلَةَ يَدْخُلُها التَّخْفِيفُ، ولذلك تَنْعَقِدُ الجَماعةُ (٣٠) به فيها إذا كان مَأْمُومًا.
فصل: يُكْرَهُ أنْ يَؤُمَّ قومًا أَكْثَرُهم له كَارِهُونَ؛ لما رَوَى أبو أُمَامَةَ، قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُم آذَانَهُمْ: العَبْدُ الآبِقُ حتى يَرْجِعَ، وامْرَأَةٌ باتَتْ وزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وإمَامُ قَومٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ" (٣١). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وعن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: "ثَلَاثَةٌ لا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا هُمْ لَهُ كَارِهُونَ، ورَجُلٌ يَأْتِى الصَّلَاةَ دِبَارًا" - والدِّبَارُ: أن يَأْتِىَ بعدَ أنْ يَفُوتَهُ الوَقْتُ - "ورَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣٢). وقال عليٌّ لِرَجُلٍ أمَّ قومًا وهم له كَارِهُونَ: إنَّك لَخَرُوطٌ (٣٣). قال أحمدُ، ﵀: إذا كَرِهَهُ وَاحِدٌ أو اثْنَانِ أو ثَلَاثَةُ فلا بَأْسَ، حتى يَكْرَهَهُ أَكْثَرُ القَوْمِ، وإنْ كان ذا دِينٍ وسُنَّةٍ فكَرِهَهُ القَوْمُ لذلك، لم تُكْرَهْ إمَامَتُه. قال مَنْصُورٌ: أمَا إنَّا سَأَلْنَا أَمْرَ الإِمامةِ، فقِيلَ لنا: إنَّما عَنَى بهذا الظَّلَمةَ فأَمَّا من أقامَ السُّنَّةَ فإنَّما الإِثْمُ على مَنْ كَرِهَهُ.
فصل: ولا تُكْرَهُ إمَامَةُ الأعْرَابِىِّ إذا كان يَصْلُحُ لها. نَصَّ عليه. وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وكَرِهَ أبو مِجْلَزٍ
стр. 1193
إمامَتَهُ، وقال مالِكٌ: لا يَؤُمُّهُم، وإن كان أقْرَأَهُم؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٣٤). ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُم لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى". ولأنَّه مُكَلَّفٌ مِن أهْلِ الإِمامةِ، أشْبَهَ المُهَاجِرَ، والمُهَاجِرُ أَوْلَى منه؛ لأنَّه يقَدَّمُ على المَسْبُوقِ بالهِجْرَةِ، فمنَ لا هِجْرَةَ له أَوْلَى. قال أبو الخَطَّابِ: والحَضَرِىُّ أوْلَى من البَدَوِيّ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ في إمامتهِ، ولأنَّ الغَالِبَ جَفَاؤُهم، وقِلَّةُ مَعْرِفَتِهم بِحُدُودِ اللهِ.
فصل: ولا تُكْرَهُ إمامةُ وَلَدِ الزِّنَا إذا سَلِمَ دِينُه. قال عَطاءٌ: له أن يَؤُمَّ إذا كان مَرْضِيًّا، وبه قال سليْمانُ بنُ موسى (٣٥)، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وعَمْرُو بنُ دِينَار، وإسْحاقُ. وقال أصْحَابُ الرَّأْىِ: لا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ خَلْفَه. وكَرِهَ مالِكٌ أنْ يُتَّخَذَ إمامًا رَاتِبًا. وكَرِهَ الشَّافِعِىُّ إمَامَتَه؛ لأنَّ الإِمامةَ مَوْضِعُ فَضِيلَةٍ، فَكُرِهَ تَقْدِيمُه فيها كالْعَيْدِ. ولَنا، قَوْلُه ﷺ : "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ". وقالت عائشةُ: ليس عليه مِن وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَىْءٌ. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣٦) وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣٧) والعَبْدُ لا تُكْرَهُ إمَامَتُه، وإنَّما الحُرُّ أَوْلَى منه، ثم إنَّ العَبْدَ ناقِصٌ في أَحْكَامِه، لا يَلِى النِّكاحَ ولا المالَ، ولا تُقْبَلُ شَهَادَتُه في بعضِ الأَشْيَاءِ، بِخِلافِ هذا.
فصل: ولا تُكْرَهُ إمامةُ الجُنْدِىِّ والخَصِىِّ إذا سَلِمَ دينُهما؛ لما ذَكَرْنَا في العَبْدِ، ولأنَّه عَدْلٌ من أهْلِ الإِمامَةِ (٣٨)، أشْبَهَ غيرَه.
стр. 1194
فصل: من شَرْطِ صِحَّةِ الجماعةِ أن يَنْوِىَ الإِمامُ والمَأْمُومُ حالَهما، فَيَنْوِى الإِمامُ أنَّه إمامٌ، والمَأْمُومُ أنَّه مَأْمُومٌ، فإنْ صَلَّى رَجلانِ يَنْوِى كُلُّ وَاحِدٍ منهما أنَّه إمامُ صَاحِبِه، أو مَأْمُومٌ له، فصلاتُهُما فَاسِدَةٌ. نَصَّ عليهما؛ لأنَّه ائْتَمَّ بِمَنْ ليس بإمامٍ في الصُّورَةِ الأُولَى، وأَمَّ مَن لم يَأْتَمَّ به في الثَّانِيَةِ. ولو رَأَى رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ، فنَوَى الائْتِمَامَ بالمَأْمُومِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ائْتَمَّ بمَنْ لم يَنْوِ إمامَتَهُ. [وإن نَوَى الائْتِمامَ بأحَدِهما لا بِعَيْنِه، لم يَصِحَّ، حتى يُعَيِّنَ الإِمامَ؛ لأنَّ تَعْيِينَهُ شَرْطٌ] (٣٩). وإن نَوَى الائْتِمامَ بهما مَعًا، لم يَصِحَّ، لأنَّه نَوَى الائْتِمامَ بمَنْ ليس بإمامٍ، ولأنَّه نَوَى الائْتِمامَ باثْنَيْنِ، ولا يجوزُ الائْتِمامُ بأَكْثَرَ من واحِدٍ. ولو نَوَى الائْتِمامَ بإمامَيْنِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اتِّبَاعُهما مَعًا.
فصل: ولو أحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثم جاءَ آخَرُ فَصَلَّى معه، فنَوَى إمامَتَهُ، صَحَّ في النَّفْلِ. نَصَّ عليه أحمدُ. واحْتَجَّ بحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وهو أنَّ ابن عَبَّاسٍ، قال: بتُّ عندْ خَالَتِى مَيْمُونَةَ، فقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَطَوِّعًا من اللَّيْلِ، فقَامَ إلى القِرْبَةِ فَتَوَضَّأَ، فقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ لمَّا رَأَيْتُه صَنَعَ ذلك فَتَوَضَّأْتُ من القِرْبَةِ، ثم قُمْتُ إلى شِقِّهِ الأَيْسرِ، فأخَذَ بِيَدِى من وَرَاء ظَهْرِه يَعْدِلُنِى كذلك إلى الشِّقِّ الأَيْمَن. مُتَّفَقٌ عليه (٤٠). وهذا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. فأمَّا في الفَرِيضَةِ، فإن كان يَنْتَظِرُ أحَدًا كإِمامِ المَسْجِدِ يُحْرِمُ وَحْدَه ويَنْتَظِرُ من يَأْتِى فَيُصَلِّى معه، فيجوزُ ذلك أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحْرَمَ وَحْدَه، ثم جاءَ جَابِرٌ وجَبَّارٌ (٤١) فأحْرَمَا معه، فَصَلَّى بهما، ولم يُنْكِرْ فِعْلَهُما (٤٢). والظَّاهِرُ أنَّها كانت صَلَاةً مَفْرُوضَةً، لأنَّهم كانُوا مُسَافِرِينَ. وإنْ لم يَكُنْ كذلك، فقد رُوِى عن أحمدَ
стр. 1195
أنَّه لا يَصِحُّ. وهذا (٤٣) قولُ الثَّوْرِىِّ، وإسحاق (٤٤)، وأصْحَابِ الرَّأْى، في الفَرْضِ والنَّفْلِ جَمِيعًا؛ لأنَّه لم يَنْوِ الإِمامةَ في ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، فلم يَصِحَّ، كما لو ائْتَمَّ بمَأْمُومٍ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: في النَّفْسِ منها شَىْءٌ. مع أنَّ حَدِيثَ ابن عَبَّاسٍ يُقَوِّيه، وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه قد ثَبَتَ في النَّفْلِ بحديثِ ابنِ عَبَّاسِ، وحديثِ عائشةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى من اللَّيْلِ وجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فرَأَى النَّاسُ شَخْصَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقَامَ أنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصلاتِه. وقد ذَكَرْنَاهُ (٤٥). والأصْلُ مُسَاوَاةُ الفَرْضِ لِلنَّفْلِ في النِّيَّةِ، وقَوَّى ذلك حَدِيثُ جَابِرٍ وجَبَّارٍ في الفَرْضِ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى نَقْلِ النِّيَّةِ إلى الإِمامةِ فصَحَّ (٤٦) كحَالَة الاسْتِخْلَافِ، وبَيَانُ الحَاجَةِ أنَّ المُنْفَرِدَ إِذا جاءَ قَوْمٌ فأحْرَمُوا وَرَاءَه، فإن قَطَعَ الصلاةَ وأخْبَرهم (٤٧) بحَالِه قَبُحَ، وكانَ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْىِ بقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤٨) وإن أتَمَّ الصلاةَ بهم، ثم أخْبَرَهُمْ بفسادِ صَلَاتِهم كان أقْبَحَ وأشَقَّ. ولأنَّ الانْفِرَادَ أحَدُ حَالَتَىْ عَدَمِ الإِمامةِ في الصلاةِ، فجازَ الانْتِقَالُ منها إلى الإِمامةِ، كما لو كان مَأْمُومًا، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بحالةِ الاسْتِخْلافِ.
فصل: وإن أحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثم نَوَى جَعْلَ نَفْسِه مَأْمُومًا، بأنْ يَحْضرَ جَمَاعَةً، فيَنْوِىَ الدُّخُولَ معهم في صلاتِهم، ففيه رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، هو جائِزٌ، سَوَاءٌ كان في أوَّلِ الصلاةِ، أو قد صَلَّى رَكْعَةً فأكْثَرَ؛ لأنَّه نَقَلَ نَفْسَهُ إلى الجماعةِ، فجازَ، كما لو نَوَى الإِمامةَ. والثانية، لا يجوزُ؛ لأنَّه نَقَلَ نَفْسَه إلى جَعْلِه مَأْمُومًا من غير