← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

النَّبِيُّ ﷺ : "كَانَتِ الرَّكْعَةُ والسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ" (٢٤). وإنْ صَلَّى بِقَوْمٍ الظُّهْرَ يَظُنُّهَا العَصْرَ. فقال أحمدُ: يُعِيدُ، ويُعِيدُونَ. وهذا على الرِّوَايَةِ التي مَنَعَ فيها ائْتِمَامَ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ. فإنْ ذَكَرَ الإِمامُ وهو في الصلاة، فأتَمَّها عَصْرًا، كانت له نَافِلَةً، وإن قَلَبَ نِيَّتَه إلى الظُّهْرِ، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لما ذَكَرْنَاه مُتَقَدِّمًا. وقال ابنُ حامِدٍ: يُتِمُّها والفَرْضُ باقٍ في ذِمَّتِهِ. فصل: ولا يَصِحُّ ائْتِمامُ البَالِغِ بالصَّبِىِّ في الفَرْضِ، نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ وابن عَبَّاسٍ. وبه قال عَطَاءٌ، ومُجَاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو حنيفةَ. وأجازَهُ الحسنُ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ويَتَخَّرجُ لنا مثلُ ذلك بِنَاءً على إمامَةِ المُتَنَفِّلِ لِلْمُفْتَرِضِ؛ وَوَجْهُ ذلك عُمُومُ قولِه: "يَؤُمُّكُم أَقْرَؤُكُمْ لِكِتابِ اللهِ تَعَالَى" (٢٥). وهذا دَاخِلٌ في عُمُومِهِ. ورَوَى عَمْرُو بنُ سَلَمَةَ الْجَرْمِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِقَوْمِه: "ليَؤُمَّكُمْ (٢٦) أَقْرَؤُكُمْ". قال: فكنتُ أؤُمُّهُم وأنا ابنُ سَبْعِ سِنِينَ أو ثمَانِ سِنِينَ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وغيرُه (٢٧). ولأنَّه يُؤذِّنُ لِلرِّجَالِ، فجازَ أن يَؤُمَّهُم كالبَالِغِ. ولنا قَوْلُ ابنِ مسعودٍ وابنِ عَبَّاسٍ، ولأنَّ الإِمامةَ حالُ كَمَالٍ، والصَّبِىُّ ليس مِن أهْلِ الكَمالِ، فلا يَؤُمُّ الرِّجالَ كالمَرْأةِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ من الصَّبِىِّ الإِخْلالُ بِشَرْطٍ مِن شَرَائِط الصلاةِ أو القِرَاءَةِ حالَ الإِسْرَارِ. فأمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِىِّ (٢٨)، فقال الخَطَّابِىُّ (٢٩): كان أحمدُ يُضَعِّفُ أَمْرَ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ. وقال مَرَّةً: دَعْهُ ليس بشَىْءٍ بَيِّنٍ. وقال أبو دَاوُدَ: قِيلَ لأحمدَ: حَدِيثُ عَمْرِو بنِ سَلَمةَ؟ قال: لا أَدْرِى أَىُّ شَىْءٍ هذا! ولَعَلَّه إنَّما تَوَقَفَ عنه لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ بُلُوغَ الأمْرِ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فإنَّه كان بالبَاديَةِ في حَيٍّ

стр. 1192

من العَرَبِ بَعِيدٍ من المَدِينَةِ، وقَوَّى هذا الاحْتِمَالَ قَوْلُه في الحَدِيثِ: وكنتُ إذا سَجَدْتُ خَرَجَتْ اسْتِى. وهذا غيرُ سائِغٍ. فصل: فأمَّا إمَامَتُه في النَّفْلِ ففيها رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، لا تَصِحُّ؛ لما ذَكَرْنَا في الفَرْضِ. والثانيةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّه مُتَنَفِّلٌ يَؤْمُّ مُتَنَفِّلِينَ، ولأنَّ النَّافِلَةَ يَدْخُلُها التَّخْفِيفُ، ولذلك تَنْعَقِدُ الجَماعةُ (٣٠) به فيها إذا كان مَأْمُومًا. فصل: يُكْرَهُ أنْ يَؤُمَّ قومًا أَكْثَرُهم له كَارِهُونَ؛ لما رَوَى أبو أُمَامَةَ، قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُم آذَانَهُمْ: العَبْدُ الآبِقُ حتى يَرْجِعَ، وامْرَأَةٌ باتَتْ وزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وإمَامُ قَومٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ" (٣١). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وعن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: "ثَلَاثَةٌ لا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا هُمْ لَهُ كَارِهُونَ، ورَجُلٌ يَأْتِى الصَّلَاةَ دِبَارًا" - والدِّبَارُ: أن يَأْتِىَ بعدَ أنْ يَفُوتَهُ الوَقْتُ - "ورَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣٢). وقال عليٌّ لِرَجُلٍ أمَّ قومًا وهم له كَارِهُونَ: إنَّك لَخَرُوطٌ (٣٣). قال أحمدُ، ﵀: إذا كَرِهَهُ وَاحِدٌ أو اثْنَانِ أو ثَلَاثَةُ فلا بَأْسَ، حتى يَكْرَهَهُ أَكْثَرُ القَوْمِ، وإنْ كان ذا دِينٍ وسُنَّةٍ فكَرِهَهُ القَوْمُ لذلك، لم تُكْرَهْ إمَامَتُه. قال مَنْصُورٌ: أمَا إنَّا سَأَلْنَا أَمْرَ الإِمامةِ، فقِيلَ لنا: إنَّما عَنَى بهذا الظَّلَمةَ فأَمَّا من أقامَ السُّنَّةَ فإنَّما الإِثْمُ على مَنْ كَرِهَهُ. فصل: ولا تُكْرَهُ إمَامَةُ الأعْرَابِىِّ إذا كان يَصْلُحُ لها. نَصَّ عليه. وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وكَرِهَ أبو مِجْلَزٍ

стр. 1193

إمامَتَهُ، وقال مالِكٌ: لا يَؤُمُّهُم، وإن كان أقْرَأَهُم؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٣٤). ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُم لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى". ولأنَّه مُكَلَّفٌ مِن أهْلِ الإِمامةِ، أشْبَهَ المُهَاجِرَ، والمُهَاجِرُ أَوْلَى منه؛ لأنَّه يقَدَّمُ على المَسْبُوقِ بالهِجْرَةِ، فمنَ لا هِجْرَةَ له أَوْلَى. قال أبو الخَطَّابِ: والحَضَرِىُّ أوْلَى من البَدَوِيّ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ في إمامتهِ، ولأنَّ الغَالِبَ جَفَاؤُهم، وقِلَّةُ مَعْرِفَتِهم بِحُدُودِ اللهِ. فصل: ولا تُكْرَهُ إمامةُ وَلَدِ الزِّنَا إذا سَلِمَ دِينُه. قال عَطاءٌ: له أن يَؤُمَّ إذا كان مَرْضِيًّا، وبه قال سليْمانُ بنُ موسى (٣٥)، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وعَمْرُو بنُ دِينَار، وإسْحاقُ. وقال أصْحَابُ الرَّأْىِ: لا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ خَلْفَه. وكَرِهَ مالِكٌ أنْ يُتَّخَذَ إمامًا رَاتِبًا. وكَرِهَ الشَّافِعِىُّ إمَامَتَه؛ لأنَّ الإِمامةَ مَوْضِعُ فَضِيلَةٍ، فَكُرِهَ تَقْدِيمُه فيها كالْعَيْدِ. ولَنا، قَوْلُه ﷺ : "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ". وقالت عائشةُ: ليس عليه مِن وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَىْءٌ. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣٦) وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣٧) والعَبْدُ لا تُكْرَهُ إمَامَتُه، وإنَّما الحُرُّ أَوْلَى منه، ثم إنَّ العَبْدَ ناقِصٌ في أَحْكَامِه، لا يَلِى النِّكاحَ ولا المالَ، ولا تُقْبَلُ شَهَادَتُه في بعضِ الأَشْيَاءِ، بِخِلافِ هذا. فصل: ولا تُكْرَهُ إمامةُ الجُنْدِىِّ والخَصِىِّ إذا سَلِمَ دينُهما؛ لما ذَكَرْنَا في العَبْدِ، ولأنَّه عَدْلٌ من أهْلِ الإِمامَةِ (٣٨)، أشْبَهَ غيرَه.

стр. 1194

فصل: من شَرْطِ صِحَّةِ الجماعةِ أن يَنْوِىَ الإِمامُ والمَأْمُومُ حالَهما، فَيَنْوِى الإِمامُ أنَّه إمامٌ، والمَأْمُومُ أنَّه مَأْمُومٌ، فإنْ صَلَّى رَجلانِ يَنْوِى كُلُّ وَاحِدٍ منهما أنَّه إمامُ صَاحِبِه، أو مَأْمُومٌ له، فصلاتُهُما فَاسِدَةٌ. نَصَّ عليهما؛ لأنَّه ائْتَمَّ بِمَنْ ليس بإمامٍ في الصُّورَةِ الأُولَى، وأَمَّ مَن لم يَأْتَمَّ به في الثَّانِيَةِ. ولو رَأَى رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ، فنَوَى الائْتِمَامَ بالمَأْمُومِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ائْتَمَّ بمَنْ لم يَنْوِ إمامَتَهُ. [وإن نَوَى الائْتِمامَ بأحَدِهما لا بِعَيْنِه، لم يَصِحَّ، حتى يُعَيِّنَ الإِمامَ؛ لأنَّ تَعْيِينَهُ شَرْطٌ] (٣٩). وإن نَوَى الائْتِمامَ بهما مَعًا، لم يَصِحَّ، لأنَّه نَوَى الائْتِمامَ بمَنْ ليس بإمامٍ، ولأنَّه نَوَى الائْتِمامَ باثْنَيْنِ، ولا يجوزُ الائْتِمامُ بأَكْثَرَ من واحِدٍ. ولو نَوَى الائْتِمامَ بإمامَيْنِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اتِّبَاعُهما مَعًا. فصل: ولو أحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثم جاءَ آخَرُ فَصَلَّى معه، فنَوَى إمامَتَهُ، صَحَّ في النَّفْلِ. نَصَّ عليه أحمدُ. واحْتَجَّ بحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وهو أنَّ ابن عَبَّاسٍ، قال: بتُّ عندْ خَالَتِى مَيْمُونَةَ، فقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَطَوِّعًا من اللَّيْلِ، فقَامَ إلى القِرْبَةِ فَتَوَضَّأَ، فقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ لمَّا رَأَيْتُه صَنَعَ ذلك فَتَوَضَّأْتُ من القِرْبَةِ، ثم قُمْتُ إلى شِقِّهِ الأَيْسرِ، فأخَذَ بِيَدِى من وَرَاء ظَهْرِه يَعْدِلُنِى كذلك إلى الشِّقِّ الأَيْمَن. مُتَّفَقٌ عليه (٤٠). وهذا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. فأمَّا في الفَرِيضَةِ، فإن كان يَنْتَظِرُ أحَدًا كإِمامِ المَسْجِدِ يُحْرِمُ وَحْدَه ويَنْتَظِرُ من يَأْتِى فَيُصَلِّى معه، فيجوزُ ذلك أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحْرَمَ وَحْدَه، ثم جاءَ جَابِرٌ وجَبَّارٌ (٤١) فأحْرَمَا معه، فَصَلَّى بهما، ولم يُنْكِرْ فِعْلَهُما (٤٢). والظَّاهِرُ أنَّها كانت صَلَاةً مَفْرُوضَةً، لأنَّهم كانُوا مُسَافِرِينَ. وإنْ لم يَكُنْ كذلك، فقد رُوِى عن أحمدَ

стр. 1195

أنَّه لا يَصِحُّ. وهذا (٤٣) قولُ الثَّوْرِىِّ، وإسحاق (٤٤)، وأصْحَابِ الرَّأْى، في الفَرْضِ والنَّفْلِ جَمِيعًا؛ لأنَّه لم يَنْوِ الإِمامةَ في ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، فلم يَصِحَّ، كما لو ائْتَمَّ بمَأْمُومٍ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: في النَّفْسِ منها شَىْءٌ. مع أنَّ حَدِيثَ ابن عَبَّاسٍ يُقَوِّيه، وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه قد ثَبَتَ في النَّفْلِ بحديثِ ابنِ عَبَّاسِ، وحديثِ عائشةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى من اللَّيْلِ وجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فرَأَى النَّاسُ شَخْصَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقَامَ أنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصلاتِه. وقد ذَكَرْنَاهُ (٤٥). والأصْلُ مُسَاوَاةُ الفَرْضِ لِلنَّفْلِ في النِّيَّةِ، وقَوَّى ذلك حَدِيثُ جَابِرٍ وجَبَّارٍ في الفَرْضِ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى نَقْلِ النِّيَّةِ إلى الإِمامةِ فصَحَّ (٤٦) كحَالَة الاسْتِخْلَافِ، وبَيَانُ الحَاجَةِ أنَّ المُنْفَرِدَ إِذا جاءَ قَوْمٌ فأحْرَمُوا وَرَاءَه، فإن قَطَعَ الصلاةَ وأخْبَرهم (٤٧) بحَالِه قَبُحَ، وكانَ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْىِ بقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤٨) وإن أتَمَّ الصلاةَ بهم، ثم أخْبَرَهُمْ بفسادِ صَلَاتِهم كان أقْبَحَ وأشَقَّ. ولأنَّ الانْفِرَادَ أحَدُ حَالَتَىْ عَدَمِ الإِمامةِ في الصلاةِ، فجازَ الانْتِقَالُ منها إلى الإِمامةِ، كما لو كان مَأْمُومًا، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بحالةِ الاسْتِخْلافِ. فصل: وإن أحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثم نَوَى جَعْلَ نَفْسِه مَأْمُومًا، بأنْ يَحْضرَ جَمَاعَةً، فيَنْوِىَ الدُّخُولَ معهم في صلاتِهم، ففيه رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، هو جائِزٌ، سَوَاءٌ كان في أوَّلِ الصلاةِ، أو قد صَلَّى رَكْعَةً فأكْثَرَ؛ لأنَّه نَقَلَ نَفْسَهُ إلى الجماعةِ، فجازَ، كما لو نَوَى الإِمامةَ. والثانية، لا يجوزُ؛ لأنَّه نَقَلَ نَفْسَه إلى جَعْلِه مَأْمُومًا من غير

стр. 1196

حاجَةٍ، فلم يَجُزْ كالإِمامِ، وفارَق نَقْلَه إلى الإِمامةِ؛ لأنَّ الحاجةَ دَاعِيَةٌ إليه، فعَلَى هذا يَقْطَعُ صَلاتَه، ويَسْتَأْنِفُ الصلاةَ معهم. قال أحمدُ، في رَجُلٍ دَخَلَ المسجدَ فصَلَّ ى رَكْعَتَيْنِ، أو ثَلَاثًا، يَنْوِى الظُّهْرَ، ثم جاءَ المُؤَذِّنُ فأقامَ الصلاةَ: سَلَّمَ مِن هذه، وتَصِيرُ له تَطَوُّعًا، ويَدْخُلُ معهم. قِيلَ له: فإن دَخَلَ في الصلاةِ مع القَوْمِ، واحْتَسَب به. قال: لا يُجْزِئُه حتَّى يَنْوِىَ بها الصلاةَ مع الإِمامِ في ابْتِدَاءِ الفَرْضِ. فصل: وإنْ أحْرَمَ مَأْمُوما، ثم نَوَى مُفَارَقَةَ الإِمامِ، وإِتْمَامَها مُنْفَرِدًا لِعُذْرٍ، جَازَ؛ لما رَوَى جابِرٌ، قال: كان مُعَاذٌ يُصَلِّى مع رسولِ اللهِ ﷺ صلاةَ العِشَاءِ، ثم يَرْجِعُ إلى قَوْمِه فيَؤُمُّهُم، فأَخَّرَ النَّبِىُّ ﷺ صلاةَ العِشَاءِ، فصَلَّى مَعَهُ، ثم رَجَعَ إلى قَوْمِه فقَرَأ سُورَةَ البَقَرَةِ، فتَأَخَّرَ رَجُلٌ فَصَلَّى وَحْدَهُ، فَقِيلَ له: نَافَقْتَ يا فُلَانُ. قال: ما نَافَقْتُ، ولكن لآتِيَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ فأُخْبِرُه، فأتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فذَكَرَ له ذلك، فقال: "أَفْتَّانٌ أنتَ يا مُعَاذُ؟ أَفْتَّانٌ أَنتَ يا مُعَاذُ؟ " مَرَّتَيْنِ "اقْرَأْ سُورَةَ كذا وسُورَةَ كذا"، قال: "وسُورَةَ ذَاتِ البُرُوجِ، واللَّيْلِ إذَا يَغْشَى، والسَّمَاءِ والطَّارِقِ، وهل أتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ" مُتَّفَقٌ عليه (٤٩). ولم يَأْمُرِ النَّبِىُّ ﷺ الرَّجُلَ بالإِعادةِ، ولا أَنْكَرَ عليه فِعْلَه، والأَعْذَارُ التي يَخْرُجُ لأجْلِها، مثل المَشَقَّةِ بِتَطْوِيلِ الإِمَامِ، أو المَرَضِ، أو خَشْيَةِ غَلَبَة النُّعَاسِ، أو شَىْءٍ يُفْسِدُ صلاتَه، أو خَوْفِ فَوَاتِ مالٍ أو تَلَفِه، أو فَوْتِ رُفْقَتِه، أو من يَخْرُجُ من الصَّفِّ لا يَجِدُ من يَقِفُ معه، وأشْبَاه هذا. وإن فَعَلَ ذلك لِغَيْرِ عُذْرٍ، ففيه رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، تَفْسُدُ صَلَاتُه؛ لأنَّه تَرَكَ مُتَابَعَةَ إمَامِه لِغَيْرِ عُذْرٍ، أشْبَهَ ما لو تَرَكَها مِن غير نِيَّةِ المُفَارَقَةِ. والثانية: تَصِحُّ؛ لأنَّه لو نَوَى المُنْفَرِدُ كَوْنَه مَأْمُومًا لَصَحَّ في رِوَايَةٍ، فنيَّةُ الانْفِرَادِ أوْلَى، فإن المأْمُومَ قد يصِيرُ مُنْفَرِدًا بغيرِ نِيَّةٍ، وهو المَسْبُوقُ إذا سَلَّمَ إمَامُه، وغيرُه لا يَصيرُ مَأْمُومًا بغيرِ نِيَّةٍ بحالٍ.

стр. 1197

فصل: وإن أَحْرَمَ مَأْمُومًا، ثم صَارَ إمَامًا، أو نَقَلَ نَفْسَه إلى الائْتِمَامِ بإمامٍ آخَرَ، جازَ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، وهو إذا سَبَقَ الإِمامَ الحَدَثُ، فاسْتَخْلَفَ مَن يُتِمُّ بهم الصلاةَ، وقد ذَكَرْنا هذا. ولا يَصِحُّ في غيرِه، إلَّا أن يُدْرِكَ اثْنانِ بعضَ الصلاةِ مع الإِمامِ، فلمَّا سَلَّمَ ائْتَمَّ أحَدُهما بِصَاحِبِه في بَقِيَّة الصَّلَاةِ، ففيه وَجْهَانِ. وإن نَوَى كُلُّ واحِدٍ منهما أنَّه إمَامُ صَاحِبِه، أو مَأْمُومٌ له، فَسَدَتْ صَلَاتُهما؛ لما ذَكَرْناهُ من قَبْلُ. وإن نَوَى الإِمامُ (٥٠) الائْتِمامَ بغيرِه لم يَصِحَّ إلَّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، وهو إذا اسْتَخْلَفَ الإِمامُ مَن يُصَلِّى، ثم جاءَ في أثْناء الصلاةِ، فتَقَدَّمَ فصارَ إمامًا، وبَنَى على صَلَاةِ خَلِيفَتِه، وفى ذلك ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، قد ذَكَرْناها. ٢٦٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ رَاكِعًا فرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى دَخَلَ في الصَّفِّ، وهُوَ لَا يَعْلَمُ بقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأبِى بَكْرَةَ: "زَادَكَ اللهُ حِرْصًا ولَا تَعُدْ" قيل له: لا تَعُدْ. وقد أَجْزَأَتْه صَلَاتُه، فإنْ عَادَ بَعْدَ النَّهْىِ لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُه، ونَصَّ أَحْمَدُ، ﵀، على هذا في رِوَايَةِ أبِى طَالِبٍ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَنْ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثم دَخَلَ فيه، لا يَخْلُو من ثلاثةِ أحْوَالٍ: إمَّا أن يُصَلِّىَ رَكْعَةً كامِلَةً، فلا تَصِحُّ صلاتُه؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ" (١). والثانى، أن يَدِبَّ رَاكِعًا حتَّى يَدْخُلَ في الصَّفِّ قَبْلَ رَفْعِ الإِمَامِ رَأْسَه من الرُّكُوعِ، أو أن يَأْتِىَ آخَرُ فيَقِفَ معه قبلَ أن يَرْفَعَ الإِمامُ رَأْسَه من الرُّكُوعِ فإنَّ صَلَاتَه تَصِحُّ؛ لأنَّه أدْرَكَ مع الإِمامِ في الصَّفِّ ما يُدْرِكُ به الرَّكْعَةَ. وممن رَخَّصَ في رُكُوعِ الرَّجُلِ دُونَ الصَّفِّ زَيْدُ بن ثابِتٍ، وفَعَلَهُ ابنُ مسعودٍ، وزَيْدُ بنُ وَهْبٍ، وأبو بكرِ بن عبدِ الرحمنِ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وابنُ جُرَيْحٍ.

стр. 1198

وجَوَّزَه الزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشَّافِعِىُّ، إذا كان قَرِيبًا من الصَّفِّ. الحالُ الثَّالِثُ، إذا رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ، ثم دَخَلَ في الصَّفِّ، أو جاءَ آخَرُ فوَقَفَ معه قبلَ إتْمَامِ الرَّكْعَةِ، فهذه الحالُ التي يُحْمَلُ عليها قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: "ونَصَّ أحمدُ". فمتى كان جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذلك، صَحَّتْ صلاتُه، وإن عَلِمَ، لم تَصِحَّ. ورَوَى أبو دَاوُدَ، عن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ، ولم يُفَرِّقْ. وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ أبا بكرَةَ فَعَلَ ذلك، وفَعَلَه مَنْ ذَكَرْنا من الصَّحَابَةِ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ أبا بَكْرَةَ انْتَهى إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو رَاكِعٌ، فرَكَعَ قبلَ أن يَصِلَ إلى الصَّفِّ، فذَكَرَ ذلك للنَّبِىِّ ﷺ فقال: "زَادَكَ اللهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٢)، ورَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢)، ولَفْظُه: أنَّ أَبَا بَكْرَةَ جَاءَ ورسولُ اللهِ ﷺ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثم مَشَى إلى الصَّفِّ، فلمَّا قَضَى النَّبِىُّ ﷺ الصَّلَاةَ، قال: "أَيُّكُم الَّذِى رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إلى الصَّفِّ؟ " فقال أبُو بَكْرَةَ: أنا. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، ولَا تَعُدْ". فلم يَأْمُرْهُ بإعادَةِ الصلاةِ، ونَهَاهُ عن العَوْدِ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسَادَ. فإن قِيلَ: إنَّما نَهَاهُ عن التَّهَاوُنِ والتَّخَلُّفِ عن الصَّلَاةِ قُلْنا: إنَّما يَعُودُ النَّهْىُ إلى المَذْكُورِ، والمَذْكُورُ الرُّكُوعُ دُونَ الصَّفِّ، ولم يَنْسِبْهُ النَّبِىُّ ﷺ إلى التَّهَاوُنِ، وإنَّما نَسَبَهُ إلى الحِرْصِ، ودَعَا له بالزِّيَادَةِ فيه، فكَيْفَ يَنْهَاهُ عن التَّهَاوُنِ، وهو مَنْسُوبٌ إلى ضِدِّهِ؟ ورُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها لا تَصِحُّ صَلَاتُه، عالِمًا كان أو جاهِلًا؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ في الصَّفِّ ما يُدْرِكُ به الرَّكَعَةَ، أشْبَهَ ما لو صَلَّى رَكْعَةً كامِلَةً، وعلى هذا يُحْمَلُ حَدِيثُ أبي بَكْرَةَ، على أنَّه دَخَلَ في الصَّفِّ قبلَ رَفْعِ النَّبِيِّ

стр. 1199

- ﷺ رَأْسَهُ، وقد قال أبو هُرَيْرَةَ: لا يَرْكَعْ أحَدُكم حتَّى يَأْخُذَ مَقَامَهُ من الصَّفِّ. ولم يُفَرِّقِ القاضي في هذه المَسْأَلَة بين من رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ ثم دَخَلَ، وبين من دَخَلَ فيه رَاكِعًا، وكذلك كَلَامُ أحمد والْخِرَقِىِّ، ولا تَفْرِيقَ فيه، والدَّلِيلُ يَقْتَضِى التَّفْرِيقَ، فيُحْمَلُ كَلَامُهم عليه، وقد ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ نحْوًا ممَّا ذَكَرْنا. فصل: وإن فَعَلَ هذا لِغَيْرِ عُذْرٍ، ولا خَشِىَ الفَوَاتَ، ففيه وَجْهانِ: أحَدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه لو لم يُجْزِ مُطْلَقًا لم يُجْزِ حالَ العُذْرِ، كالرَّكْعَةِ كُلِّها. والثاني، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ الأصْلَ أن لا يَجُوزَ؛ لِكَوْنِه يَفُوتُه في الصَّفِّ ما تَفُوتُه الرَّكْعَةُ بِفَوَاتِه، وإنَّما أُبِيحَ لِلمعْذُورِ (٣) لِحَدِيثِ أبى بَكْرَةَ، ففى غيرِه يَبْقَى على (٤) الأصْل. فصل: إذا أحَسَّ بِدَاخِلٍ، وهو في الرُّكُوعِ، ويُرِيدُ (٥) الصلاةَ معه، وكانت الجماعةُ كَثِيرَةً، كُرِهَ انْتِظارُه؛ لأنَّه يَبْعُدُ أن يكونَ فيهم مَنْ لا يَشُقُّ عليه، وإن كانت الجماعةُ يَسِيرَةً، وكان انْتِظارُه يَشُقُّ عليهم، كُرِه أيضًا؛ لأن الذين معه أعْظَمُ حُرْمَةً من الدَّاخِلِ، فلا يَشُقُّ عليهم لِنَفْعِه، وإن لم يَشُقَّ لِكَوْنه يَسِيرًا، فقد قال أحمدُ: يَنْتَظِرُه ما لم يَشُقَّ على مَن خَلْفَهُ. وهذا مَذْهَبُ أبي مِجْلَزٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وعبدِ الرحمنِ بن أبي لَيْلَى، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. وقال الأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَنْتَظِرُه؛ لأنَّ انْتِظَارَهُ تَشْرِيكٌ في العِبادة، فلا يُشْرَعُ، كالرِّياءِ. ولَنا، [أنَّه انْتِظارٌ] (٦) يَنْفَعُ ولا يَشُقُّ، فيُشْرَع (٧)، كَتَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ وتَخْفِيفِ الصلاةِ، وقد ثَبَتَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى حتى لَا يَسْمَعَ وَقْعَ

стр. 1200

قَدَمٍ (٨). وأَطَالَ السُّجُودَ حين رَكِبَ الحسنُ على ظَهْرِه، وقال: "إن ابْنِى هذَا ارْتَحَلَنِى فكَرِهْتُ أنْ أُعْجِلَهُ" (٩). وقال: "إِنِّى لأسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ وأَنَا في الصَّلَاةِ، فأُخَفِّفُها، كَرَاهَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ" (١٠). وقال: "مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإنَّ فِيهِمُ الكَبِيرَ والضَّعِيفَ وذَا الحَاجَةِ" (١١). وشُرعَ الانْتِظَارُ في صَلَاةِ الخَوْفِ لِتُدْرِكَه (١٢) الطَّائِفَةُ الثَّانِيةُ، ولأنَّ مُنْتَظِرَ الصلاةِ في صلاةٍ، وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يَنْتَظِرُ الجماعةَ، فقال جابِرٌ: كان النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى العِشَاءَ أحيانا، وأحيانا إذا رَآهُم قد (١٣) اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذا رَآهُم قد (١٣) أَبْطأُوا أَخَّرَه (١٤) وبهذا كُلِّه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه مِن التَّشْرِيكِ. قال القاضي: والانْتِظارُ جائِزٌ، غيرُ

стр. 1201

مُسْتَحَبٍّ، وإنَّما يَنْتَظِرُ مَن كان ذا حُرْمَةٍ، كأهْلِ العِلْمِ ونُظَرَائِهم من أهل الفَضْلِ. ٢٦٣ - مسألة؛ قال: (وسُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خلْفَهُ) . وجُمْلَتُه أنَّه يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّى أن يُصَلِّىَ إلى سُتْرَةٍ، فإنْ كان في مَسْجِدٍ أو بَيْتٍ صَلَّى إلى الحائِطِ أو سَارِيةٍ، وإنْ كان في فَضاءٍ صَلَّى إلى شيءٍ شاخِصٍ بين يَدَيْه، أو نَصَبَ بين يَدَيْه حَرْبَةً أو عَصًا، أو عَرَضَ البَعيرَ فَصَلَّى إليه، أو جَعَلَ رَحْلَهُ بين يَدَيْه. وسُئِلَ أحمدُ: يُصَلِّى الرَّاحِلُ إلى سُتْرَةٍ في الحَضَرِ والسَّفَرِ؟ قال: نعم، مثلُ مُؤْخِرَة (١) الرَّحْلِ. ولا نَعْلَمُ في اسْتِحْبَابِ ذلك خِلَافًا، والأصْلُ فيه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان تُرْكَزُ الحَرْبَةُ فيُصَلِّى إليها (٢)، ويَعْرِضُ البَعِيرَ فَيُصَلِّى إليه (٣)، ورَوَى أبو جُحَيْفَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رُكِزَتْ له العَنَزَةُ، فتَقَدَّمَ وصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بين يَدَيْهِ الحِمَارُ والكَلْبُ، لا يُمْنَعُ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن طَلْحَةَ بن عُبيدِ اللهِ (٥)، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا وَضَعَ أحَدُكُم بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ

стр. 1202

الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ ولا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذلِكَ". أخْرَجَه مُسْلِمٌ (٦). إذا ثَبَتَ هذا، فإن سُتْرَةَ الإِمامِ سُتْرَةٌ لمَن خَلْفَه. نَصَّ على هذا أحمدُ، وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. كذلك قال ابنُ المُنْذِرِ. وقال التِّرْمِذِىُّ: قال أهْلُ العِلْمِ: سُتْرَةُ الإِمامِ سُتْرَةٌ لمَن خَلْفَه. قال أبو الزِّنَادِ: كُلُّ (٧) من أَدْرَكْتُ من فُقَهَاءِ المَدِينَة الذين يُنْتَهَى إلى قَوْلِهم؛ سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، والقَاسِمُ بن محمدٍ، وأبو بكرِ بن عبد الرحمن، وخَارِجَةُ. بن زَيْدٍ، وعُبَيْدُ اللَّه بن عبد اللهِ بن عُتْبَةَ، وسُليمانُ بن يَسَارٍ، وغَيْرُهم، يقولون: سُتْرَةُ الإِمامِ سُتْرَةٌ لمَن خَلْفَه. وَرُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ. وبه قال النَّخَعِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وغيرُهم؛ وذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى إلى سُتْرَةٍ، ولم يَأْمُرْ أصْحَابَه بِنَصْبِ سُتْرَةٍ أُخْرَى. وفي حَدِيثٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: أقْبَلْتُ رَاكِبًا على حمارٍ أَتَانٍ (٨)، والنَّبِىُّ يُصَلِّى بالنَّاسِ بِمِنًى إلى غيرِ جِدَارٍ، فمَرَرْتُ بين يَدَىْ بعضِ (٩) الصَّفِّ، فنَزَلْتُ، فأرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتعُ، ودخلتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ عَلَيَّ أحَدٌ. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). ومعنى

стр. 1203

قَوْلِهم: سُتْرَةُ الإِمامِ سُتْرَةٌ لمَن خَلْفَه. أنَّه متى لم يَحُلْ بين الإِمامِ وسُتْرَتِه شيءٌ يَقْطَعُ الصلاةَ، فصل اةُ المأْمُومِينَ صَحِيحَةٌ، لا يَضُرُّها مُرُورُ شيءٍ بين أَيْدِيهم في بَعْضِ الصَّفِّ، ولا فيما بَيْنَهم وبين الإِمامِ، وإن مَرَّ ما يَقْطَعُ الصلاةَ بين الإِمامِ وسُتْرَتِه قَطَعَ صلاتَه وصلاتَهم، وقد دَلَّ على هذا ما رَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، قال: هَبَطْنَا مع النَّبِيِّ ﷺ مِن ثَنِيَّةِ أذَاخِرَ (١١) فحَضَرَتِ الصلاةُ - يعني (١٢) [فصَلَّى] (١٣) إلى جَدْرٍ (١٤) - فاتَّخَذَها قِبْلَةً، ونحنُ خَلْفَه، فجاءت بَهْمَةٌ (١٥) تَمُرُّ بينَ يَدَيْه، فما زَالَ يَدْرَؤُها حتى لَصِقَ بَطْنَه بالجَدْرِ، فمَرَّتْ مِن وَرَائِه. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٦). فلَوْلَا أن سُتْرَتَهُ سُتْرَةٌ لهم لم يَكُنْ بين مُرُورِها بين يَدَيْهِ وخَلْفَه فَرْقٌ. فصل: وقَدْرُ السُّتْرَةِ في طُولِها ذِرَاعٌ أو نَحْوُه. قال الأَثْرَمُ: سُئِلَ أبو عبدِ اللهِ عن آخِرَةِ الرَّحْلِ كم مِقْدَارُها؟ قال: ذِرَاعٌ. كذا قال عَطاءٌ: ذِرَاعٌ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وَرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّها قَدْرُ عَظْمِ الذِّرَاعِ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. والظَّاهِرُ أن هذا على سَبِيل التَّقْرِيبِ لا التَّحْدِيدِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ

стр. 1204

- ﷺ قَدَّرَها بآخِرَةِ الرَّحْلِ (١٧)، وآخِرَةُ الرَّحْلِ تختلفُ (١٨) في الطُّولِ والقِصَر، فتارَةً تكونُ ذرَاعًا، وتارَةً تكونُ أقَلَّ منه، فما قَارَبَ الذِّرَاعَ أجْزَأ الاسْتِتَارُ به، واللهُ أعْلَمُ. فأمَّا قَدْرُها في الغِلَظِ والدِّقَّةِ فلا حَدَّ له نَعْلَمُه، فإنَّه يجوزُ أن تكونَ دَقِيقةً كالسَّهْمِ والحَرْبَةِ، وغَلِيظَةً كالحائِطِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَسْتَتِرُ بالعَنَزَةِ (١٩). وقال أبو سَعِيدٍ: كنا نَسْتَتِرُ بالسَّهْمِ والحَجَرِ في الصلاةِ. ورُوِىَ عن سَبْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "اسْتَتِرُوا في الصلاةِ ولو بِسَهْمٍ". رَوَاهُ الأَثْرَمُ (٢٠). وقال الأوْزَاعِىُّ: يُجْزِئُه السَّهْمُ والسَّوْطُ. قال أحمدُ: وما كان أعْرَضَ فهو أعْجَبُ إلىَّ؛ وذلك لأنَّ قَوْلَه "ولو بِسَهْمٍ" يَدُلُّ على أنَّ غيرَه أوْلَى منه. فصل: ويُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّى أن يَدْنُوَ مِن سُتْرَتِه؛ لما رَوَى سَهْلُ بنُ أبى حَثْمَةَ (٢١)، يَبْلُغُ به النَّبِىَّ ﷺ أنَّه قال: "إذا صَلَّى أَحَدُكُم إلَى سُتْرَةٍ، فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَع الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢٢). وعن أبي سَعِيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أحَدُكُم فَلْيُصَلِّ إلى سُتْرَةٍ، ولْيَدْنُ مِنْهَا". رَوَاهُ الأَثْرَمُ (٢٣). وعن سَهْلِ بن سَعْدٍ، قال: كان بينَ النَّبِيِّ ﷺ وبين

стр. 1205

القِبْلَةِ مَمَرُّ الشَّاةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٤). وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ارْهَقُوا الْقِبْلَةَ" (٢٥). رَوَاه الأَثْرَمُ (٢٦). وذَكَرَ الخَطَّابِىُّ في "مَعَالِم السُّنَنِ" (٢٧) أن مالِكَ بنَ أَنَسٍ كان يُصَلِّى يوما مُتَنَائِيًا (٢٨) عن السُّتْرَةِ، فمَرَّ به رَجُلٌ لا يَعْرِفُه، فقال: أيُّها المُصَلِّى، ادْنُ من سُترَتِكَ. فجَعَلَ مالِكٌ يَتَقَدَّم: هو يَقْرأُ: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (٢٩). ولأنَّ قُرْبَه من السُّتْرَةِ أصْوَنُ لِصَلَاتِه وأَبْعَدُ من أن يَمُرَّ بَيْنَه وبَيْنَها شَيْءٌ يَحُولُ بَيْنَه وبَيْنَها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجْعَلُ بَيْنَه وبَيْنَ سُتْرَتِه ثلاثةَ أَذْرُعِ فما دُون. قال مُهَنَّا: سأَلْتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجُلِ يُصَلِّى، كم يَنْبَغِى أنْ (٣٠) يكون بَيْنَه وبَيْنَ القِبْلَة؟ قال: يَدْنُو من القِبْلَةِ ما اسْتَطَاعَ. ثم قال بعدُ: إنَّ ابنَ عمرَ، قال: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ في الكَعْبَةِ، فكان بينَه وبينَ الحائِطِ ثلاثةُ أذْرُعٍ (٣١). قال المَيْمُونِيُّ (٣٢): فقد رَأَيْتُكَ على نحو من أرْبَعَةٍ. قال: بالسَّهْوِ. وكان عبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ يَجْعَلُ بَيْنَه وبَيْن سُتْرَتِه سِتَةَ أذْرُعٍ. قال عَطَاءٌ: أقَلُّ ما يَكْفِيكَ ثلاثةُ أذْرُعٍ. وبه قال الشَّافِعِىُّ؛

стр. 1206

لِخَبَرِ ابنِ عمرَ، عن بِلَالٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى في مُقَدَّمِ البَيْتِ، وبينَه وبينَ الجِدَارِ ثلاثةُ أذْرُعٍ (٣٣). وكلَّما دَنَا فهو أَفْضَلُ؛ لما ذَكَرْنا من الأَخْبَارِ والمَعْنَى. فصل: ولا بَأْسَ أن يَسْتَتِرَ ببَعِيرٍ أو حَيَوَانٍ، وفَعَلَه ابنُ عمرَ، وأَنَسٌ. وحُكِىَ عن الشَّافِعِىِّ، أنَّه لا يَسْتَتِرُ بِدَابَّةٍ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى إلى بَعِيرٍ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ، ومُسْلِمٌ (٣٤). وفى لَفْظٍ. قَال (٣٥): كان رسولُ اللَّه ﷺ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ، ويُصَلِّى إليها. قال: قلتُ: فإذا ذَهَبَ الرِّكَابُ؟ قال: كان (٣٦) يَعْرِضُ الرَّحْلَ، ويُصَلِّى إلى آخِرَتِه، فإن اسْتَتَرَ بإنْسَانٍ فلا بَأْسَ، لأنَّه (٣٧) يَقُومُ مَقَامَ غيرِه من السُّتْرَةِ، وقد رُوِىَ عن حُمَيْدِ بن هِلَالٍ، قال: رَأى عمرُ بنُ الخَطَّابِ رَجُلًا يُصَلِّى، والنَّاسُ يَمُرُّونَ بين يَدَيْهِ، فَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ، وقال بثَوْبِه هكذا، وبَسَطَ يَدَيْهِ هكذا. وقال: صَلِّ، ولا تَعْجَلْ. وعن نافِعٍ، قال: كان ابنُ عمرَ إذا لم يَجِدْ سَبِيلًا إلى سَارِيَةٍ مِن سَوَارِى المَسْجِدِ، قال: وَلِّنِى ظَهْرَكَ. رَوَاهُما النَّجَّادُ (٣٨) بإسْنَادِهِ.

стр. 1207

فصل: فإن لم يَجِدْ سُتْرَةً خَطَّ خَطًّا، وصَلَّى إليه، وقامَ ذلك مَقَامَ السُّتْرَةِ، نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والأَوْزَاعِىُّ، وأنْكَرَ مالِكٌ الخَطَّ، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وأبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ بالخَطِّ بالعِرَاقِ، وقال بِمِصْرَ: لا يَخُطُّ المُصَلِّى خَطًّا، إلا أنْ يكونَ فيه سُنَّةٌ تُتَّبَعُ. ولنَا، ما رَوَى أبو هُريرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "إذا صَلَّى أحَدُكُم فلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِه شَيْئًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ أَمَامَهُ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣٩). وسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى أنْ تُتَّبَعَ. فصل: وصِفَةُ الخَطِّ مثلُ الهِلَالِ. قال أبو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ يقول غيرَ مَرَّةٍ، وسُئِلَ عن الخَطِّ فقال: هكذا عَرْضًا مثلَ الهِلَالِ. قال: وسَمِعْتُ مُسَدَّدًا، قال: قال ابن دَاوُدَ: الخَطُّ بالطُّولِ. وقال في رِوَايَةِ الأثْرَمِ: قالوا: طُولًا، وقالوا: عَرْضًا. وقال: أمَّا أنا فأخْتَارُ هذا. ودَوَّرَ بإصْبَعِه مثلَ القَنْطرَةِ. وكيف ما خَطَّهُ أجْزأَهُ، فقد نَقَلَ حَنْبَلٌ، أنَّه قال: إن شاءَ مُعْتَرِضًا، وإن شاءَ طُولًا، وذلك لأنَّ الحَدِيثَ مُطْلَقٌ في الخَطِّ، فكَيْفَ ما أَتَى به فقد أتَى بالخَطِّ، فَيُجْزِئُه ذلك، واللهُ أعلمُ. فصل: وإنْ كان معه عَصًا فلم يُمْكِنْه نَصْبُها. فقال الأَثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ: الرَّجُلُ يكونُ معه عَصًا، لم يَقْدِرْ على غَرْزِها، فألْقَاها بين يَدَيْه، أيُلْقِيها طُولًا أم عَرْضًا؟ قال: لا، بل عَرْضًا. وكذلك قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والأوْزَاعِىُّ. وكَرِهَه النَّخَعِىُّ. ولَنا، أنَّ هذا في مَعْنَى الخَطِّ، فيَقُومُ مَقَامَه، وقد ثَبَتَ اسْتِحْبَابُ الخَطِّ بالحَدِيثِ الذي رَوَيْنَاهُ.

стр. 1208

فصل: وإذا صَلَّى إلى عُودٍ أو عَمُودٍ أو شيءٍ في مَعْنَاهما، اسْتُحِبَّ له أن يَنْحَرِفَ عنه، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ (٤٠)، عن المِقْدَادِ بن الأسْوَدِ قال: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ صَلَّى إلى عُودٍ أو إلى عَمُودٍ ولا شَجَرَةٍ، إلَّا جَعَلَه على حَاجِبِه الأيْمَنِ أو الأيْسَرِ، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا. أي لا يَسْتَقْبِله فيَجْعَله وَسَطًا. ومَعْنى الصَّمْدِ: القَصْدُ. فصل: تُكْرَهُ الصلاةُ إلى المُتَحَدِّثِينَ، لئلَّا يَشْتَغِلَ بِحَدِيثِهم. واخْتُلِفَ في الصلاةِ إلى النَّائِم، فرُوِىَ أنَّه يُكْرَهُ، وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يُكْرَهُ في الفَرِيضَةِ خَاصَّةً، ولا يُكْرَهُ في التَّطَوُّعِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُصَلِّى من اللَّيْلِ وعائشةُ مُعْتَرِضَةٌ بين يَدَيْهِ كاعْتِرَاضِ الجنَازَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤١). قال أحمدُ: هذا في التَّطَوُّعِ، والفَرِيضَةُ أشَدُّ. وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن الصَّلَاةِ إلى النَّائِم والمُتَحَدِّثِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٤٢). فخَرَجَ التَّطَوُّعُ من عُمُومِه، لِحَدِيثِ عائشةَ، بَقِىَ الفَرْضُ على مُقْتَضَى العُمُومِ. وقيل: لا يُكْرَهُ فيهما؛ لأنَّ حَدِيثَ عائشة صَحِيحٌ، وحَدِيثُ النَّهْىِ ضَعِيفٌ. قَالَهُ (٤٣) الخَطَّابِىُّ. وقد قال أحمدُ: لا فَرْقَ بين الفَرِيضَةِ والنَّافِلَةِ إلَّا في صَلَاةِ الرَّاكِبِ. وتَقدِيمُ قِيَاسِ الخَبَرِ الصّحِيحِ أوْلَى من الخَبَرِ الضَّعِيفِ. فصل: ويُكْرَهُ أن يُصَلِّىَ مُسْتَقْبِلًا وَجْهَ إنْسَانٍ؛ لأنَّ عمرَ أدَّبَ على ذلك. وفى حَدِيثِ عائشةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُصَلِّى حِذَاءَ وَسَط السَّرِيرِ، وأنا مُضْطَجِعَةٌ

стр. 1209

بينَه وبينَ القِبْلَة، تكونُ لىَ الحاجَةُ فأَكْرَهُ أن أَقُومَ فأَسْتَقْبِلَه، فأنْسَلُّ انْسِلَالًا. مُتَّفَقٌ عليه (٤٤). ولأنَّه شِبْهُ السُّجُودِ لذلك الشَّخْص. ويُكْرَهُ أن يُصَلِّىَ إلى نارٍ. قال أحمدُ: إذا كان التَّنُّورُ في قِبْلَتِه لا يُصَلِّى إليه. وكَرِهَ ابنُ سِيرينَ ذلك. وقال أحْمَدُ، في السِّرَاجِ والقِنْدِيلِ يكون في القِبْلَةِ: أكْرَهُه. وأكرَهُ كُلَّ شيءٍ. حتى (٤٥) كانوا يَكْرَهُونَ أنْ يَجْعَلُوا شَيْئًا في القِبْلَةِ حتَّى المُصْحَفَ، وإنما كُرِهَ ذلك لأنَّ النَّارَ تُعْبَدُ من دُونِ اللَّه، فالصَّلَاةُ إليها تُشْبِهُ الصَّلَاةَ لها. وقال أحمدُ: لا تُصَلِّ إلى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ في وَجْهِكَ، وذلك لأنَّ الصُّورَةَ تُعْبَدُ من دونِ اللهِ. وقد رُوِىَ عن عائِشَةَ، قالت: كان لنا ثَوْبٌ فيه تَصَاوِيرُ، فجَعَلْتُه بين يَدَىْ رسولِ اللهِ ﷺ وهو يُصَلِّى، فَنَهَانِى. أو قالت: كَرِهَ ذلك. رَوَاه عبدُ الرحمنِ بن أبِى حاتِمٍ، بإسْنَادِهِ. ولأنَّ التَّصَاوِيرَ تَشْغَلُ المُصَلِّىَ بالنَّظَرِ إليها، وتُذْهِلُه عن صَلاتِه. وقال أحمدُ: يُكْرَهُ أن يكونَ في القِبلَةِ شىءٌ مُعَلَّقٌ، مُصْحَفٌ أو غيرُه، ولا بَأْسَ أن يكونَ مَوْضُوعًا بالأرْضِ. وقد رَوَى مُجاهِدٌ، قال: لم يكن عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يَدَعُ شيئًا بينَه وبينَ القِبْلَةِ إلَّا نَزَعَهُ، لا سَيْفًا ولا مُصْحَفًا. رَوَاهُ الخَلَّالُ بإسْنَادِهِ. قال أحمدُ: ولا يُكْتَبُ في القِبْلَةِ شىءٌ، وذلك لأنَّه يَشْغَلُ قَلْبَ المُصَلِّى، ورُبَّما اشْتَغَلَ بِقِرَاءَتِه عن صَلَاتِه، وكذلك يُكْرَهُ تَزْوِيقُها، وكلُّ ما يَشْغَلُ المُصَلِّىَ عن صَلَاتِه، وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى في خَمِيصَةٍ (٤٦) لها أعْلَامٌ، فلمَّا قَضَى صَلَاتَه، قال: "اذْهَبُوا بِهذِهِ إلَى أبي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَإنَّها أَلْهَتْنِى آنِفًا عَنْ صَلَاتِى. وائْتُونِى بأَنْبِجَانِيَّتِه (٤٧) ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٨). وَرُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لِعَائِشَةَ: "أَمِيطِى

стр. 1210

عَنَّا قِرَامَكِ (٤٩)، فَإنَّه لا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لي في صَلَاتى. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٥٠). وإذا كان النَّبِىُّ ﷺ ، مع ما أَيَّدَهُ اللهُ تعالى به من العِصْمَةِ والخُشُوعِ، يشْغَلُهُ (٥١) ذلك، فغيرُه من النَّاسِ أوْلَى. فصل: ويُكْرَهُ أنْ يُصَلِّىَ وأمَامَه امْرَأَةٌ تُصَلِّى؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ" (٥٢). فأمَّا في غيرِ الصلاةِ فلا يُكْرَهُ؛ لخَبَرِ عائشةَ. ورَوَى أبو حَفْصٍ، بإسْنَادِهِ، عن أُمِّ سَلَمةَ، قالتْ: كان فِرَاشِى حِيَال مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ (٥٣). وإنْ كانتْ عن يَمينِه أو يَسَارِه، لم يُكْرَهْ، وإن كانت في صَلَاةٍ. وكَرِهَ أحمدُ أن يُصَلِّىَ وبين يَدَيْهِ كافِرٌ. وَرُوِىَ ذلك عن إسْحاقَ؛ لأن المُشْرِكِينَ نَجَسٌ. فصل: ولا بَأْسَ أن يُصَلِّىَ بمَكَّةَ إلى غيرِ سُتْرَةٍ، وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ. قال الأَثْرَمُ، قيل لأحمدَ: الرَّجُلُ يُصَلِّى بمَكَّةَ، ولا يَسْتَتِرُ بشىْءٍ؟ فقال: قد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه صَلَّى ثَمَّ (٥٤) ليس بينَه وبينَ الطُّوَّافِ سُتْرَةٌ (٥٥). قال أحمدُ: لأنَّ مَكَّةَ ليستْ كغيرِها، كأنَّ مَكَّةَ مَخْصُوصَةٌ. وذلك لما رَوَى كَثِيرُ بنُ كَثِيرِ بنِ المُطَّلِبِ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ المُطَّلبِ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّى حِيَالَ الحِجْرِ، والنّاسُ يَمُرُّونَ بين يَدَيْهِ. رَوَاه الخَلَّالُ بإسْنَادِهِ (٥٦). ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ عن المُطَّلبِ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا

стр. 1211

فَرَغَ من سَعْيِهِ، جاءَ حتَّى يُحَاذِىَ الرُّكْنَ بينَه وبينَ السَّقِيفَةِ، فصَلَّ ى رَكْعَتَيْهِ في حاشِيَةِ المَطَافِ، وليس بينَه وبينَ الطُّوَّافِ أحَدٌ. (٥٧) وقال ابنُ أبي عَمَّار (٥٨): رأيتُ ابنَ الزُّبَيْرِ جاءَ يُصَلِّى، والطُّوَّافُ بينه وبين القِبْلَةِ، تَمُرُّ المَرْأةُ بينَ يديْه، فينتظرُها (٥٩) حتى تَمُرَّ، ثم يَضَعُ جَبْهَتَهُ في مَوْضِعِ قَدَمِهَا (٦٠). رَوَاهُ حَنْبَلٌ، في كِتَابِ "المَنَاسِكِ". وقال المُعْتَمِرُ، قلتُ لِطَاوُسٍ: الرَّجُلُ يُصَلِّى - يعنِى بمَكَّةَ - فيَمُرُّ بينَ يديْه الرَّجُلُ والمَرْأةُ؟ فقال: أوَلا يَرَى الناسُ بَعْضُهم بَعْضًا. وإذا هو يَرَى أنَّ لهذا البَلَدِ حالًا ليس لِغَيْرِه من البُلْدَانِ، وذلك لأنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ بمَكَّةَ لأجْلِ قَضَاءِ نُسُكِهِم، ويَزْدَحِمُونَ فيها، ولذلك سُمِّيَتْ بَكَّةَ، لأنَّ الناسَ يَتَبَاكُّونَ فيها، أي: يَزْدَحِمُونَ ويَدْفَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، فلو مَنَعَ المُصَلِّى مَنْ يَجْتَازُ بين يَدَيْهِ لَضاقَ على النَّاسِ، وحُكْمُ الحَرَمِ كلِّه حُكْمُ مَكَّةَ في هذا، بِدَلِيلِ ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: أقْبَلْتُ رَاكِبًا على حِمَارٍ أَتَانٍ، والنَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى بالنَّاسِ بمِنًى إلى غيرِ جِدَارٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٦١). ولأنَّ الحَرَمَ كُلَّه مَحَلُّ المَشاعِرِ والمَناسِكِ، فجَرَى مَجْرَى مَكَّةَ في ما ذَكَرْنَاه. فصل: ولو صَلَّى في غيرِ مَكَّةَ إلى غيرِ سُتْرَةٍ، لم يكنْ به بَأْسٌ، لِما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ في فَضاءٍ ليس بين يَدَيْهِ شىْءٌ. رَوَاه

стр. 1212

البُخَارِىُّ (٦٢). وَرُوِىَ عن الفَضْلِ بن عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أتَاهُم في بَادِيَتِهم فصَلَّى إلى غير سُتْرَةٍ (٦٣). ولأنَّ السُّتْرَةَ ليستْ شَرْطًا في الصلاةِ، وإنَّما هي مُسْتَحَبَّةٌ. قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يُصَلِّى في فَضَاءٍ ليسَ بين يَدَيْه سُتْرَةٌ ولا خَطٌّ: صَلَاتُه جَائِزَةٌ. وقال: أحَبُّ إليَّ (٦٤) أن يَفْعَلَ، فإنْ لم يَفْعَلْ يُجْزِئهُ. ٢٦٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى فَلْيَرْدُدْهُ) وجُمْلَتُه أنَّه ليْس لأحَدٍ أن يَمُرَّ بين يَدَىِ المُصَلِّى إذا لم يكنْ بين يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، فإنْ كانَتْ بين يَدَيْهِ سُتْرَةٌ لم يَمُرَّ أحَدٌ بينَه وبينَها؛ لما رَوَى أبو جَهْمٍ الأنْصَارِيُّ، قال، قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لو يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَىِ المُصَلِّى مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ، لَكَانَ أنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بين يَدَيْهِ". مُتَّفَقٌ عليه (١). ولِمُسْلِمٍ (٢): "لَأَنْ يَقِفَ أحَدُكُمْ مائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَىْ

стр. 1213

أخِيهِ وهُوَ يُصَلِّى". وقد سَمَّى النَّبِىُّ ﷺ الذي يَمُرُّ بين يَدَىِ المُصَلِّى شَيْطَانًا، وأَمَرَ بِرَدِّه ومُقَاتَلَتِه. ورُوِىَ عن يَزِيدَ بن نِمْرَان (٣) قال: رأيتُ رَجلًا بِتَبُوكَ مُقْعَدًا، فقال: مَرَرْتُ بينَ يَدَىْ رسولِ اللهِ ﷺ وأنا على حِمَارٍ وهو يُصَلِّى، فقال: "اللَّهُمَّ اقْطَعْ أَثَرَهُ". فما مَشَيْتُ عليها بعدُ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٤). وفى لَفْظٍ قال: "قَطَعَ صَلَاتَنَا، قَطَعَ اللهُ أَثَرَهُ". وإن أرادَ أحدٌ المُرُورَ بينَ يَدَىِ المُصَلِّى، فله مَنْعُه في قول أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ نهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وسالم. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ولا أعْلَمُ فيه خِلَافًا، والأصْلُ فيه ما رَوَى أبو سَعِيدٍ، قال: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يقول: "إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى إلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أحَدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْه، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). ورَوَاه أبو دَاوُدَ (٦)، ولَفْظُ رِوَايَتِه: "إذا كَانَ أحَدُكُمْ يُصَلِّى فَلَا يَدَعْ أحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وليَدْرَأْهُ ما اسْتطَاعَ، فإنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْه، فَإنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ". ومعناه: أي لِيَدْفَعْهُ. وهذا في أوّلِ الأمْرِ لا يَزِيدُ

стр. 1214

على دَفْعِه، فإن أبَى، ولَجَّ، فليُقَاتِلهُ، أي يعْنُفُ (٧) في دَفْعِه عن (٨) المُرُورِ، فإنَّما هو شَيْطَانٌ، أي فِعْلُه فِعْلُ الشَّيْطَانِ، أو الشَّيْطَانُ يَحْمِلُه على ذلك. وقِيلَ معناه: أنَّ معه شَيْطَانًا. وأكْثَرُ الرِّوَاياتِ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ المارَّ بينَ يَدَىِ المُصَلِّى إذا لَجَّ في المُرُورِ، وأَبَى الرُّجُوعَ، أنَّ المُصَلِّىَ يَشْتَدُّ عليه في الدَّفْعِ، ويَجْتَهِدُ في رَدِّهِ، ما لم يُخْرِجْهُ ذلك إلى إفسَادِ صَلَاتِه بِكَثْرَةِ العَمَلِ فيها. وَرُوِى عنه أنَّه قال: يَدْرَأُ ما استطَاعَ، وأكْرَهُ القِتَالَ فى الصلاةِ. وذلك لما يُفْضِى إليه من الفِتْنَةِ وفَسَادِ الصَّلَاةِ، والنَّبِىُّ ﷺ إنَّما أمَرَ بِرَدِّه ودَفْعِه حِفظًا لِلصَّلَاةِ عمَّا يَنْقُصُها، فَيُعْلم أنَّه لم يُرِدْ ما يُفْسِدُها ويَقْطَعُها بالكُلِّيَّةِ، فيُحْمَلُ لَفْظُ المُقَاتَلَةِ على دَفْعٍ أَبْلَغَ من الدَّفْعِ الأوَّلِ. واللهُ أَعلمُ. وقد رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ؛ قالت: كان النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى في حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمةَ، فمَرَّ بين يَدَيْهِ عبدُ اللهِ، أو عمرُ بن أبي سَلَمةَ، فقال بِيَدِه، فرَجَعَ، فمَرَّتْ زينبُ بنتُ أُمِّ سَلَمةَ، فقال بِيَدهِ هكذا، فمَضَتْ، فلما صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ قال: "هُنَّ أغْلَبُ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٩). وهذا يَدُلُّ على أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَجْتَهِدْ في الدَّفْعِ. فصل: يُسْتَحَبُّ أنْ يَرُدَّ ما مَرَّ بين يَدَيْه مِن كَبِيرٍ وصَغِيرٍ، وإنْسَانٍ وبَهِيمَةٍ؛ لما رَوَيْنَا من رَدِّ النَّبِيِّ ﷺ عمرَ وزينبَ وهما صَغِيرَانِ، وفي حَدِيثِ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى إلى جَدْرٍ، فَاتَّخَذَه قِبْلَةً ونحنُ خَلْفَهُ، فجَاءَتْ بَهْمَةٌ تمُرُّ بين يَدَيْهِ، فما زَالَ يُدارِئُها حتَّى لَصِقَ بَطْنُه بالجَدْرِ، فمَرَّتْ من وَرَائه (١٠).

стр. 1215

فصل: فإنْ مَرَّ بين يَدَيْهِ إنْسَانٌ فعَبَرَ، لم يُسْتَحَبَّ رَدُّهُ مِن حيثُ جاءَ. وهذا قولُ الشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ، وابن المُنْذِرِ، وَرُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه يَرُدُّهُ مِن حيثُ جَاءَ، وفَعَلَه سَالِمٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ بِرَدِّه، فتَنَاوَلَ العَابِرَ. ولَنا، أنَّ هذا مُرُورٌ ثانٍ، فيَنْبَغِى أنْ لا يُنْسَبَ إليه كالأوَّلِ، ولأنَّ المارَّ لو أرادَ أنْ يَعُودَ مِن حيثُ جاءَ لكان مَأْمُورًا بِمَنْعِه، ولم يَحِلَّ لِلْعَابِرِ العَوْدُ، والحَدِيثُ لم يتناوَلِ العَابِرَ، إنَّما (١١) في الخَبَرِ: "فأرَادَ (١٢) أن يَجْتَازَ بين يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ". وبعدَ العُبُورِ فليس هذا مُرِيدًا للاجْتِيَازِ. فصل: والمُرُورُ بين يَدَىِ المُصَلِّى يَنْقُصُ الصلاةَ ولا يَقْطَعُها. قال أحمدُ: يَضَعُ من صلاتِه، ولكن لا يَقْطَعُها. وَرُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّ مَمَرَّ الرَّجُلِ لَيَضَعُ (١٣) نِصْفَ الصلاةِ. وكان عبدُ اللَّه إذا مَرَّ بين يَدَيْه رَجُل الْتَزَمَهُ حتى يَرُدَّهُ. رَوَاه البُخَارِىُّ (١٤) بإسْنَادِه. قال القاضي: يَنْبَغِى أن يُحْمَلَ نَقْصُ الصلاةِ على مَنْ أمْكَنَه الرَّدُّ فلم يَفْعَلْهُ، أمَّا إذا رَدَّ فلم يُمْكِنْه الرَّدُّ فصَلَاتُه تَامَّةٌ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه ما يَنْقُصُ الصلاةَ، فلا (١٥) يُؤَثِّرُ فيها ذَنْبُ غيرِه. فصل: ولا بَأْسَ بالعَمَلِ اليَسِيرِ في الصلاةِ لِلْحاجةِ. قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يَحْمِلَ الرَّجُلُ ولدَه في الصلاةِ الفَرِيضَةِ؛ لِحَديثِ أبى قَتَادةَ، وحَدِيثِ عائشةَ، أنَّها اسْتَفْتَحَتِ البابَ، فمشَى النَّبِىُّ ﷺ وهو في الصلاةِ حتى فَتَح لها (١٦). وأمَرَ

стр. 1216

النَّبِىُّ ﷺ بِقَتْلِ الأسْوَدَيْنِ في الصلاةِ (١٧). فإذا رَأَى العَقْرَبَ خَطَا إليها، وأخذ النَّعْلَ، وقَتلَها، ورَدَّ النَّعْلَ إلى مَوْضِعِها؛ لأنَّ ابْنَ عمرَ نَظَرَ إلى رِيشَةٍ فحَسِبَها عَقْرَبًا، فضَرَبَهَا بنَعْلِه، وحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه الْتَحَفَ بإزَارِه وهو في الصَّلاةِ (١٨). فلا بَأْسَ إن سَقَطَ رِدَاءُ الرَّجُلِ أن يَرْفَعَه، وإن انْحَلَّ إزَارُه أن يَشُدَّهُ. وإذا عَتَقَتِ الأمَةُ وهى تُصَلِّى اخْتَمَرَتْ، وبَنَتْ على صلاتِها. وقال: من فَعَلَ كفِعْلِ أبى بَرْزَةَ، حين مَشَى إلى الدَّابَّةِ وقد أفْلَتَتْ منه (١٩)، فصَلَاتُه جَائِزَةٌ. وهذا لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ هو المُشَرِّعُ، فما فَعَلَهُ أو أَمرَ به، فلا بَأْسَ به. ومثلُ هذا ما رَوَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى على مِنْبَرِهِ، فإذا أرادَ أن يَسْجُدَ نَزَلَ عن المِنْبَرِ فسَجَدَ بالأرْضِ، ثم رَجَعَ إلى المِنْبَرِ كذلك، حتى قَضَى صلاتَهُ (٢٠). وحَدِيثُ جَابِرٍ في صَلَاةِ الكُسُوفِ، قال: ثم تَأَخَّرَ، وتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَه، حتى انْتَهَيْنَا إلى النِّسَاءِ، ثم تَقَدَّم، وتَقَدَّمَ النّاسُ معه، حتى قَامَ في مَقَامِه. مُتَّفَقٌ عليه (٢١). وعن أبي بَكْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى بنا، فكان الحسنُ بنُ عليٍّ يَجىءُ وهو صَغِيرٌ، فكان كُلَّما سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَثَبَ على ظَهْرِه، ويَرْفَعُ (٢٢) النَّبِىُّ ﷺ رَأْسَه رَفْعًا رَفِيقًا حتى يَضَعَهُ بالأرْضِ (٢٣). رَوَاهُ الأثْرَمُ (٢٤).

стр. 1217

وحَدِيثُ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَزَلْ يُدَارِئُ البَهْمَةَ حتى لَصِقَ بِالجَدْرِ (٢٥). وحدِيثُ أبي سَعِيدٍ [في الأمْرِ] (٢٦) بِدَفْعِ المارِّ بين يَدَىِ المُصَلِّى، ومُقَاتَلَتِه إذا أبَى الرُّجُوعَ (٢٧). فكُلُّ هذا وأشْبَاهُه لا بَأْسَ به في الصلَاةِ، ولا يُبْطِلُها، ولو فَعَلَ هذا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، كُرِهَ، ولا يُبْطِلُها أيضًا. ولا يَتَقَدَّرُ الجائِزُ من هذا بثَلَاثٍ ولا بِغَيْرِها من العَدَدِ؛ لأنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ الظَّاهِرُ منه زِيَادَتُه (٢٨) على ثَلَاث، كتَأخُّرِه حتى تَأخَّرَ الرِّجَالُ فانْتَهَوا إلى النِّساءِ، وفي حَمْلِه أُمَامَةَ وَوضْعِها في كُلِّ رَكْعَةٍ، وهذا في الغَالبِ يَزِيدُ على ثلاثةِ أفْعَالٍ، وكذلك مَشْىُ أبِى بَرْزَةَ مع دَابَّتِه. ولأنَّ التَّقْديرَ بابُه التَّوْقِيفُ، وهذا لا تَوْقِيفَ فيه، ولكن يُرْجَعُ في الكَثِيرِ واليَسِيرِ إلى العُرْفِ، فيما يُعَدُّ كَثِيرًا أو يَسِرًا، وكُلُّ ما شَابَه فِعْلَ النَّبِىِّ ﷺ فهو مَعْدُودٌ يَسِيرًا. وإن فَعَلَ أفْعَالًا مُتَفَرِّقَةً لو جُمِعَتْ كانت كَثيرةً، وكُلُّ واحِدٍ منها بِمُفْرَدِه يَسِيرٌ، فهى في حَدِّ اليَسِيرِ؛ بِدَلِيلِ حَمْلِ النَّبِىِّ ﷺ لأُمَامَةَ في كُلِّ رَكْعَةٍ وَوَضْعِها. وما كَثُرَ وزَادَ على فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أبْطَلَ الصَّلَاةَ سَوَاءٌ كان لِحَاجَةٍ أو غيرِها، إلَّا أن يكُونَ لِضَرُورَةٍ، فيكونُ حُكْمُه حُكْمَ الخَائِفِ، فلا تَبْطُلُ صلاتُه به، وإن احْتاجَ إلى الفِعْلِ الكَثِيرِ في الصلاةِ لِغيرِ ضَرُورَةٍ، قَطَعَ الصلاةَ، وفَعَلَه. قال أحمد: إذا رَأى صبيينِ يَقْتَتِلَانِ، يتَخَوَّفُ أن يُلْقَىَ أَحدُهما صَاحِبَه في البِئْرِ، فإنَّه يَذْهَبُ إليهما فيُخَلِّصُهما، ويَعُودُ في صلاتِه. وقال: إذا لَزِمَ رَجُلٌ رَجُلًا، فدَخَلَ المَسْجِدَ، وقد أُقِيمَتِ الصلاةُ، فلمَّا سَجَدَ الإِمامُ خَرَجَ المَلْزُومُ، فإنَّ الذي كان يلْزَمُه (٢٩) يَخْرُجُ في طَلَبِه. يَعْنِى: ويَبْتَدِئُ الصلاةَ. وهكذا لو رَأَى حَرِيقًا يُرِيدُ

стр. 1218

إطْفاءَهُ، أو غَرِيقًا يُرِيدُ إنْقَاذَهُ، خَرَجَ إليه، وابْتَدَأَ الصلاةَ. ولو انْتَهَى الحَرِيقُ إليه، أو السَّيْلُ، وهو في الصَّلَاةِ، ففَرَّ منه، بَنَى على صلاتِه، وأَتَمَّهَا صَلَاةَ خَائِفٍ؛ لما ذَكَرْنا مِن قَبلُ، واللهُ أعلمُ. ٢٦٥ - مسألة؛ قال: (ولا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إلَّا الكَلْبُ الأسْوَدُ البَهِيمُ (١)) يعني إذا مَرَّ بين يَدَيْهِ. هذا المَشْهُورُ عن أحمدَ، ﵀، نَقَلَهُ الجماعةُ عنه: قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أبو عبدِ اللهِ ما يَقْطَعُ الصلاةَ؟ قال: لا يَقْطَعُها عِنْدِى شىْءٌ إلَّا الكَلْبُ الأسْوَدُ البَهِيمُ. وهذا قولُ عائشةَ (٢)، وحُكِىَ عن طَاوُسٍ. ويُرْوَى (٣) عن مُعَاذٍ ومُجَاهِدٍ أنَّهما قالا: الكَلْبُ الأسْوَدُ البَهِيمُ شَيْطَانٌ، وهو يَقْطَعُ الصلاةَ. ومَعْنَى البَهِيمِ الذي ليس في لَوْنِه شيءٌ سِوَى السَّوَاد. وعن أحمدَ رِوَايَة أُخْرَى، أنَّه يَقْطَعُها الكَلْبُ الأسْوَدُ، والمَرْأَةُ إذا مَرَّتْ، والحِمَارُ. قال: وحَدِيثُ عائشةَ (٤) من النَّاسِ مَن قال: ليس بِحُجَّةٍ على هذا؛ لأنَّ المارَّ غيرُ اللَّابِثِ، وهو في التَّطَوُّعِ، وهو أسْهَلُ [من الفَرْضِ] (٥)، والفَرْضُ آكَدُ. وحَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ: مَرَرْتُ بين يَدَىْ بعضِ الصَّفِّ (٦). ليس بِحُجَّةٍ؛ لأنَّ سُتْرَةَ الإِمامِ سُتْرَةٌ لمَن خَلْفَه. ورُوِىَ هذا القَوْلُ عن أنَسٍ، وعِكْرِمَةَ، والحسنِ، وأبى الأحْوَصِ (٧). وَوَجْهُ هذا القَوْلِ ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يَقْطَعُ الصلاةَ المَرْأَةُ، والحِمَارُ،

стр. 1219

والكَلْبُ، وَيَقى ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ. وعن أبي ذِرٍّ، قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : "إذا قَامَ أحَدُكُم يُصَلِّى، فَإنَّهُ يَسْتُرُهُ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإذَا لَمْ يَكُنْ بين يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَة الرَّحْلِ، فإنَّه يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الحِمَارُ، والمَرْأَةُ، والكَلْبُ الأسْوَدُ". قال عبْدُ اللهِ بنُ الصَّامِتِ: يا أبا ذَرٍّ، ما بالُ الكَلْبِ الأسْوَدِ من الكَلْبِ الأحْمَرِ من الكَلْبِ الأصْفَرِ؟ قال: يا ابنَ أخِى، سَألْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ,كما سَأَلْتَنِى، فقال: "الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطَانٌ". رَوَاهُما مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ، وغيرُهما (٨). وقال النَّبِىُّ ﷺ لِلَّذِى مَرَّ بين يَدَيْه على حِمَارٍ: "قطَعَ صَلَاتَنَا" (٩). وقد ذَكَرْنا هذا الحَدِيثَ. وكان ابنُ عَبَّاسٍ، وعَطاءٌ يَقُولان: يَقْطَعُ الصلاةَ الكَلْبُ، والمَرْأَةُ الحَائِضُ. ورَوَاه ابنُ عَبَّاسٍ عن النَّبِيِّ ﷺ . أَخْرَجَه أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (١٠). قال أبو دَاوُدَ: رَفَعَهُ شُعْبَةُ، وَوَقَفَهُ سَعِيدٌ وهِشَامٌ وهَمَّامٌ على ابن عَبَّاسٍ. وقال عُرْوَةُ، والشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأَصْحَابُ الرَّأْىِ: لا يَقْطَعُ الصلاةَ شَىْءٌ؛ لما رَوَى أبو سَعِيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقْطَعُ

стр. 1220

الصَّلَاةَ شَىْءٌ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (١١). وعن الفَضْلِ بن عَبَّاسٍ، قال: أتَانَا رسولُ اللهِ ﷺ ، ونَحْنُ في بَادِيَةٍ، فصَلَّى في صَحْرَاءَ ليس بين يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وحِمَارَةٌ لنا وكَلْبَةٌ يَعْبَثَانِ بين يَدَيْه، فما بَالَى ذلك. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٢). وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى صلاتَه من اللَّيْلِ، وأنا مُعْتَرِضَةٌ بينَه وبين القِبْلَةِ. وحَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ: أَقبَلْتُ رَاكِبًا على حِمَارٍ أتَانٍ، والنَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى، فمَرَرْتُ علَى بعضِ الصَّفِّ، ونَزَلْتُ، فأرْسَلْتُ الأتَانَ تَرْتَعُ. فدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ عَلَىَّ أحَدٌ. مُتَّفَقٌ عليهما (١٣). وحَدِيثُ زينبَ بِنْت أُمِّ سَلمَةَ، حين مَرَّتْ بينَ يَدَىْ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلم يَقْطَعْ صلاتَه (١٤). وَرُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُصلِّى، فجاءَتْ جَارِيَتَانِ من بَنِى عبد المُطَّلِبِ، حتى أخَذَتَا بِرُكْبَتَيْهِ، ففَرَعَ بَيْنَهُما فما بَالَى ذَلك (١٥). ولَنا، حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ وأبى ذَرٍّ (١٦)، وحَدِيثُ أبى سَعِيدٍ: "لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَىْءٌ" (١٧). يَرْوِيه مُجالِدُ بن سَعِيدٍ، وهو ضَعِيفٌ، فلا يُعارَضُ به الحَدِيثُ الصَّحِيحُ، ثم حَدِيثُنا (١٨) أخَصُّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه لِصِحَّتِه

стр. 1221

وخُصُوصِهِ، وحَدِيثُ الفَضْلِ بن عَبَّاسٍ في إسْنَادِهِ مُقَاتِل، ثم يحْتَمِلُ أن الكَلْبَ لم يَكُنْ أسْوَدَ ولا بَهِيمًا، ويَجُوزُ أن يكونَا بَعِيدَيْنِ، ثم هذه الأحَادِيثُ كُلُّها في المَرْأَةِ، والحِمَارِ، يُعَارِضُ حَدِيثَ أبي هُرَيْرَةَ وأبي ذَرٍّ فيهما، فيَبْقَى الكَلْبُ الأسْوَدُ خَالِيًا عن مُعَارِضٍ، فيَجِبُ القولُ به لِثُبُوتِه، وخُلُوِّهِ عن مُعَارِضٍ. فصل: ولا يَقْطَعُ الصلاةَ شيْءٌ سِوَى ما ذَكَرْنا، لا من الكِلابِ ولا من غيرها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَصَّهَا بالذِّكْرِ. وقيل له: ما بالُ الكَلْبِ الأسْوَدِ من الكَلْبِ الأحْمَرِ من الكَلْبِ الأصْفَرِ؟ قال: "الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطَانٌ" (١٩). وكذلك (٢٠) الكَلْبُ الأسْوَدُ إذا لم يكن بَهِيمًا لم يَقْطَع الصلاةَ؛ لِتَخْصِيصِه البَهِيمَ بالذِّكْرِ، ولِقَوْلِه ﵇: "لَوْلَا أنَّ الكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أسْوَدَ بَهِيمٍ، فَإنَّهُ شَيْطَانٌ" (٢١). فبيَّنَ أنَّ الشَّيْطانَ هو الأسْوَدُ البَهِيمُ، قال ثَعْلَبٌ: البَهِيمُ: كُلُّ لَوْنٍ لم يُخَالِطْهُ لَوْنٌ آخَرُ فهو بَهِيمٌ. فمتى كان فيه لَوْنٌ آخَرُ فليس بِبَهِيمٍ. وإن كان بين عَيْنَيْهِ نُكْتَتَانِ يُخَالِفَانِ لَوْنَه لم يَخْرُجْ بهذا عن كَوْنِه بَهِيمًا، يَتَعَلَّقُ به أحْكَامُ الأسْوَد البَهِيمِ؛ [من قَطْعِ الصلاةِ، وتَحْرِيمِ صَيْدِه، وإباحةِ قَتْلِه؛ فإنَّه قد رُوِىَ في حَدِيثٍ: "عَلَيْكُم بالأسْوَدِ] (٢٢) البَهِيمِ ذِى

стр. 1222

الغُرَّتَيْنِ، فَإنَّه شَيْطَانٌ" (٢٣). فصل: ولا فَرْقَ في بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بين الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ؛ لِعُمُومِ الحَدِيثِ في كُلِّ صَلَاةٍ، ولأنَّ مُبْطِلَاتِ الصلَاةِ يَتَسَاوَى فيها الفَرْضُ والتَّطَوُّعُ في غير هذا، فكذلك هذا (٢٤)، وقد رُوِىَ عن أحْمَدَ كَلَامٌ يَدُلُّ على التَّسْهِيلِ في التَّطَوُّعِ، والصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ، وقد قال أحمدُ: يَحْتَجُّونَ في حَدِيثِ عائشةَ، بإنَّه (٢٥) في التَّطَوُّعِ، وما أعْلَمُ بين التَّطَوُّعِ والفَرِيضَةِ فَرْقًا إلَّا أنَّ التَّطَوُّعَ يُصَلَّى على الدَّابَّةِ. فصل: فإنْ كان الكَلْبُ الأسْوَدُ البَهِيمُ وَاقِفًا بين يَدَىِ المُصَلِّى، أو نَائِمًا، ولم يَمُرَّ بينَ يَدَيْه ففيه (٢٦) رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، تَبْطُلُ؛ لأنَّه بين يَدَيْه أشْبَهَ المَارَّ، وقد قالت عائشةُ: عَدَلْتُمُونَا بالكِلَابِ والحُمُرِ (٢٧). وذَكَرَتْ في مُعَارَضَةِ ذلك ودَفْعِه (٢٨) أنَّها كانت تكونُ مُعْتَرِضَةً بين يَدَىْ رسولِ اللهِ ﷺ وهو يُصَلِّى، كاعْتِرَاضِ الجِنَازَةِ. فيَدُلُّ ذلك على التَّسْوِيَةِ بينهما. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "يَقْطَعُ الصَّلاةَ المَرْأَةُ، والحِمَارُ، والكَلْبُ" (٢٩). ولم يَذْكُرْ مُرُورًا. والثانية، لا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ به؛ لأنَّ الوُقُوفَ والنَّوْمَ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ المُرُورِ، بِدَلِيلِ أنَّ عائشةَ كانت تَنَامُ بين يَدَىْ رَسولِ اللهِ ﷺ , فلا يَكْرَهُه، ولا يُنْكِره، وقد قال في المَارِّ: " [لَكَانَ أنْ] (٣٠) يَقِفَ أرْبَعِينَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" (٣١). وكان يُصَلِّى إلى

стр. 1223

البَعِيرِ، ولو مَرَّ بين يَدَيْه [لم يَدَعْهُ] (٣٢)، ولهذا مَنَعَ البَهِيمَةَ من المُرُورِ. وكان ابنُ عمرَ يقول لِنَافِعٍ: وَلِّنِى ظَهْرَكَ (٣٣). لِيَسْتَتِرَ به مِمَّن يَمُرُّ بين يَدَيْه. وقَعَدَ عمرُ بين يَدَىِ المُصَلِّى يَسْتُرُه من المُرُورِ (٣٤). فدَلَّ على أنَّ الوُقُوفَ ليسَ في حُكْمِ المُرُورِ، فلا يُقَاسُ عليه. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "يَقْطَعُ الصَّلَاةَ". لا بُدَّ فيه من إضْمَارِ المُرُورِ أو غيرِه، [فإنَّه لا يقْطَعُها إلَّا الفِعْلُ يفْعَلُه، فلا بُدَّ مِن إضْمارِ ذلك الفعلِ، وقد جاء في بعض الأخبارِ ذِكْرُ المُرورِ] (٣٥). فيَتَعَيَّنُ حَمْلُه عليه. فصل: ومَن صَلَّى إلى سُتْرَةٍ، فَمَرَّ من وَرَائِها ما يَقْطَعُ الصلاةَ، لم تَنْقَطِعْ. وإن مَرَّ من وَرَائِها غيرُ ما يَقْطَعُها، لم يُكْرَه؛ لما مَرَّ من الأحادِيث. وإن مَرَّ بينه وبينها، قَطَعَها إن كان ممَّا يَقْطَعُها، [وكُرِهَ إنْ كان ممَّا لا يقْطَعُها] (٣٦). وإن لم يَكُنْ بين يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، فمَرَّ بين يَدَيْهِ قرِيبًا منه ما يَقْطَعُها، قَطَعَها، وإن كان (٣٧) ممَّا لا يَقْطَعُها، كُرِهَ، وإن كان بَعِيدًا، لم يَتَعَلَّقْ به حُكْمٌ. ولا أعْلَمُ أحَدًا من أهْلِ العِلْمِ حَدَّ البَعِيدَ من ذلك ولا القَرِيبَ، إلَّا أنَّ عِكْرِمَةَ، قال: إذا كان بَيْنَكَ وبينَ الذي يَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَذْفَةُ الحَجَرِ (٣٨)، لم يَقطَعِ الصلاةَ. وقد رَوَى عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، في "مُسْنَدِه"، وأبو دَاوُدَ في "سُنَنِه"، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: أحْسَبُه عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنه قال: "إذا صَلَّى أحَدُكُمْ إلى غَيْرِ سُتْرَةٍ، فَإنَّه يَقْطَعُ صَلَاتَه الكَلْبُ، والحِمَارُ، والخِنْزِيرُ، والمَجُوسِىُّ، واليَهُودِيُّ، والمَرْأَةُ، ويُجْزِئُ عَنْهُ إذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ قَذْفَةٌ بِحَجَرٍ" (٣٩). هذا لَفْظُ رِوَايَةِ أبى

стр. 1224

دَاوُدَ. وفي "مُسْنَدِ عَبْدِ بنِ حُمَيْدٍ": "والنَّصْرَانِىُّ، والمَرْأَةُ الحَائِضُ". وهذا الحَدِيثُ لو ثَبَتَ، لتَعَيَّنَ المَصِيرُ إليه، غيرَ أنَّه لم يَجْزِمْ بِرَفْعِه، وفيه ما هو مَتْرُوكٌ بالإِجْماعِ، وهو ما عَدَا الثَّلَاثَة المَذْكُورَة، ولا يُمْكِنُ تَقْيِيدُ (٤٠) ذلك بمَوْضِعِ السُّجُودِ؛ فإنَّ قَوْلَه ﷺ : "إذَا لَم تَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، قَطَعَ صَلاتَه الكَلبُ الأسْوَدُ". يَدُلُّ علَى أنَّ ما هو أبْعَدُ من السُّتْرَةِ تَنْقَطِعُ صَلَاتُه بمُرُورِ الكلبِ فيه، والسُّتْرَةُ تكونُ أبْعَدَ من مَوْضِعِ السُّجُودِ، والصَّحِيحُ تَحْدِيدُ ذلك بما إذا مَشَى إليه، ودَفَعَ المَارَّ بين يَدَيْه، لا تَبْطُلُ صلاتُه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ بِدَفْعِ المَارِّ بين يَدَيْهِ (٤١)، فتَقَيَّدَ بدلالةِ (٤٢) الإِجْمَاعِ بما يَقْرُبُ منه، بحيثُ إذا مَشَى إليه لم تَبْطُلْ صلاتُه، واللَّفْظُ في الحَدِيثَيْنِ واحِدٌ، وقد تَعَذَّرَ حَمْلُهما على إطْلَاقِهما، وقد تَقَيَّدَ أحَدُهما بِدَلَالَةِ الإِجْمَاعِ بِقَيْدٍ، فتَقَيَّدَ الآخَرُ به. واللهُ أعلمُ. فصل: إذا صَلَّى إلى سُتْرَةٍ مَغْصُوبَةٍ، فاجْتَازَ وَرَاءها كَلْبٌ أسْوَدُ، فهل تَنْقَطِعُ صَلَاتُه؟ فيه وَجْهانِ ذَكَرَهُما ابنُ حَامِدٍ: أحَدُهما، تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن نَصْبِها، والصلاةِ إليها، فوُجُودُها كعَدَمِها. والثاني، لا تَبْطُلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "يَقى ذَلِكَ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ" (٤٣). وهذا قد وُجِدَ. وأصْلُ الوَجْهَيْنِ إذْا صَلَّى في ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، هل تَصِحُّ صلاتُه؟ على رِوايتَيْن.

стр. 1225

بابُ صلاةِ المُسافِرِ الأصْلُ في قَصْرِ الصلَاةِ الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتَابُ فَقَوْلُ اللهِ تعَالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤٤). قال - يَعْلَى (٤٥) بن أُمَيَّةَ - قلتُ لِعمرَ بن الخَطَّابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمِن النّاسُ؟ فقال: عَجِبْتُ ممَّا عَجِبْتَ منه، فسَأَلْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤٦). وأمَّا السُّنَّةُ، فقد تَوَاتَرَتِ الأخْبَارُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَقْصُرُ في أسْفَارِهِ، حَاجًّا، ومُعْتَمِرًا، وغَازِيًا. وقال ابنُ عمرَ: صَحِبْتُ رسولَ اللهِ حتى قُبِضَ - يَعْنِى في السَّفَرِ - وكان لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْنِ، وأبا بكرٍ حتى قُبِضَ، وكان لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْنِ، وعمرَ، وعُثْمَانَ كذلك. وقال ابنُ مَسْعُودٍ: صَلَّيْتُ مع النَّبِىِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ومع أبي بكرٍ رَكْعَتَيْنِ، ومع عمرَ رَكْعَتَيْنِ، ثم تَفَرَّقَتْ بكم الطُّرُقُ. وَوَدَدْتُ أنَّ لي من أَرْبَعٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ. وقال أنَسٌ: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى مَكَّةَ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حتى رَجَعَ، وأقَمْنَا بمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ حتى

стр. 1226

رَجَعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (٤٧). وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ في مثله الصَّلَاةُ في حَجٍّ، أو عُمْرَةٍ، أو جِهَادٍ، أنَّ له أن يَقْصُرَ الرُّبَاعِيَّةَ فيُصَلِّيَها رَكْعَتَيْنِ. ٢٦٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، أو (١) ثَمَانِيَةً وأرْبَعِينَ مِيلًا بالهاشِميِّ (٢)، فَلَهُ [أنْ يَقْصُرَ] (٣)) قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: في كم تُقْصَرُ الصَّلَاةُ؟ قال: في أربَعَة بُرُدٍ.

стр. 1227

قِيلَ له: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ؟ قال: لا. أرْبَعَة بُرُدٍ، سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، ومَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ. فمَذْهَبُ أبي عبدِ اللهِ أنَّ القَصْرَ لا يَجُوزُ في أَقَلَّ من سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، والفَرْسَخُ: ثَلَاثَةُ أمْيَالٍ، فيكون ثَمَانِيَةً وأرْبَعِينَ مِيلًا، قال القاضي: والمِيلُ: اثْنَا عَشَرَ ألْفَ قَدَمٍ، وذلك مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ قاصِدَيْن. وقد قَدَّرَهُ ابنُ عَبَّاسٍ، فقال: من عُسْفَانَ (٤) إلى مَكَّةَ، ومن الطَّائِفِ إلى مَكَّةَ، ومن جُدَّةَ إلى مَكَّةَ. وذَكَرَ صَاحِبُ المَسَالِكِ (٥)، أنَّ مِن دِمَشْقَ إلى القَطِيفَةِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِيلًا، ومن دِمَشْقَ إلى الكُسْوَةِ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا، ومِن الكُسْوَةِ إلى جَاسِم (٦) أَرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِيلًا. فعلى هذا تكونُ مَسَافَةُ القَصْرِ يَوْمَيْنِ قاصِدَيْن. وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ. وإليه ذَهَبَ مالِكٌ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ عن ابْنِ عمرَ أنَّه كان (٧) يَقْصُرُ في مَسِيرَة عشرةِ فَرَاسِخَ، قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ أن ابنَ عمرَ كان يَقْصُرُ إلى أرْضٍ له، وهى ثلاثونَ مِيلًا. وَرُوِىَ نحوُ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، فإنه قال: يَقْصُرُ في اليَوْمِ، ولا يَقْصُرُ فيما دُونَه. وإليه ذَهَبَ الأوْزَاعِيُّ. وقال: عَامَّةُ العُلَماءِ يقولونَ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ. وبه نَأْخُذُ. ويُرْوَى عن ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّه يَقْصُر في مَسِيرَة ثَلَاثَةِ أيَّامٍ. وبه قال الثَّوْرِىُّ وأبو حَنِيفَةَ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ" (٨). وهذا يَقْتَضِى أنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ له ذلك، ولأن الثَّلَاثَةَ

стр. 1228

مُتَّفَقٌ عليها، وليْسَ في أقَلَّ من ذلك تَوْقِيفٌ ولا اتِّفَاقٌ. وَرُوِىَ عن جَمَاعَةٍ من السَّلَفِ، رَحْمَةُ اللهِ عليهم، ما يَدُلُّ على جَوَازِ القَصْرِ في أقَلَّ من يَوْمٍ. فقال الأوْزَاعِىُّ: كان أنَسٌ يَقْصُرُ فيما بينَه وبينَ خَمْسَةِ فَرَاسِخَ. وكان قَبِيصةُ بنُ ذُؤَيْبٍ، وهَانِئُ بن كُلْثُومٍ، وابنُ مُحَيْرِيزٍ يَقْصُرُونَ فيما بين الرَّمْلَة وبَيْتِ المَقْدِسِ (٩). وَرُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه خَرَجَ من قَصْرِه بالكُوفَةِ حتى أتَى النُّخَيْلَةَ (١٠)، فَصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثم رَجَعَ مِن يَوْمِه، فقال: أرَدْتُ أن أُعَلِّمَكُم سُنَّتَكُمْ. وعن جُبَيْر بنِ نُفَيْر، قال: خَرَجْتُ مع شُرَحْبِيل بنِ السَّمْطِ إلى قَرْيَةٍ على رَأْسِ سَبْعَة عَشَرَ مِيلًا، أو ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فقلتُ له، فقال: رأيتُ عمرَ بن الخَطَّابِ يُصَلِّى بالحُلَيْفةِ رَكْعَتَيْنِ، وقال: إنما فَعَلْتُ كما رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يَفْعَلُ. رَوَاه مُسْلِمٌ (١١). ورُوِىَ أنَّ دِحْيةَ الكَلْبِىَّ خَرَجَ من قَرْيَةٍ من (١٢) دِمَشْقَ مَرّةً إلى قَدْرِ ثلاثَةِ أمْيَالٍ في رمضانَ، ثم إنَّه أفْطَرَ، وأفْطَرَ معه أُنَاسٌ، وكَرِهَ آخَرُونَ أن يُفْطِرُوا، فلما رَجعَ إلى قَرْيَتِه، قال: واللهِ لقد رَأَيْتُ اليَوْمَ أمْرًا ما كنتُ أظُنُّ أنِّى أرَاهُ، إن قَوْمًا رَغِبُوا عن هَدْىِ رسولِ اللهِ ﷺ . يقولُ ذلك لِلَّذِينَ صَامُوا (١٣). رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٤). ورَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنا هُشيم، عن أبِي هارُونَ العَبدِيِّ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، قال: كان رسولُ اللهِ

стр. 1229

- ﷺ إذا سَافَرَ فَرْسَخًا قصَرَ الصَّلَاةَ (١٥). وقال أنَسٌ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاثَة أمْيَالٍ، أو ثلاثةِ فَرَاسِخ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. شُعْبَةُ الشَّاكُّ. رَوَاه مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ (١٦) واحْتَجَّ أصْحَابُنَا بقولِ ابنِ عَبَّاسٍ وابن عمرَ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: يا أهْلَ مَكَّةَ، لا تَقْصُرُوا في أدْنَى من أرْبعةِ بُرُدٍ مَن عُسْفَانَ إلى مَكَّةَ (١٧). قال الخَطَّابِىُّ (١٨): وهو أصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عن ابنِ عمرَ. ولأنَّها مَسَافَةٌ تَجْمَعُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ، من الحَلِّ والشَّدِّ، فجاز القَصْرُ فيها، كَمَسَافَةِ الثَّلاث، ولم يَجُزْ فيما دُونها؛ لأنَّه لم يَثْبتْ دَلِيلٌ يُوجِبُ القَصْرَ فيه. وقولُ أنَسٍ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أمْيَالٍ، أو ثلاثةِ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ به إذا سَافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا قَصَرَ إذا بَلَغَ ثلاثةَ أمْيَالٍ. كما قال في لَفْظِه الآخَرِ: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى [في المدينةِ] (١٩) أرْبَعًا، وبِذِى الحُلَيْفةِ (٢٠) رَكْعَتَيْنِ. قال المُصَنِّفُ: ولا أرَى لِمَا صَارَ إليه الأئِمَّةُ حُجَّةً، لأنَّ أقْوَالَ الصَّحَابَةِ مُتَعَارِضَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، ولا

стр. 1230

حُجَّةَ فيها مع الاخْتِلَافِ. وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، خِلَافُ ما احْتَجَّ به أصْحَابُنا. ثم لو لم يُوجَدْ ذلك لم يكنْ في قَوْلِهِم حُجَّةٌ مع قولِ النَّبِيِّ ﷺ وفِعْلِه، وإذا لم تَثْبُتْ أقْوَالُهم امْتَنَعَ المَصِيرُ إلى التَّقْدِيرِ الذي ذَكَرُوهُ؛ لِوَجْهَيْنِ: أحدُهما، أنَّه مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ النَّبِىِّ ﷺ التي رَوَيْناها، ولِظَاهِرِ القُرْآن؛ لأنَّ ظَاهِرَهُ إبَاحَةُ القَصْرِ لمن ضَرَبَ في الأرْضِ، لِقَوْلهِ تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وقد سَقَطَ شَرْطُ الخَوْفِ بالخَبَرِ المَذْكُورِ عن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ. فبَقِىَ ظَاهِرُ الآية مُتَناوِلًا كُلَّ ضَرْبٍ في الأرْضِ. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ" (٢١). جاء لِبَيَانِ أكْثَرِ مُدَّة المَسْحِ، فلا يَصِحُّ الاحْتِجَاجُ به ها هنا، وعلى أنه يُمْكِنُه قَطْعُ المَسافةِ القَصِيرَةِ في ثلاثة أيَّامٍ، وقد سَمَّاهُ النَّبِىُّ ﷺ سَفَرًا، فقال: "لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أن تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ" (٢٢). والثانى، أنَّ التَّقْدِيرَ بَابُه التَّوْقِيفُ، فلا يجوزُ المَصِيرُ إليه بِرَأْىٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّما وليس له أصْلٌ يُرَدُّ إليه، ولا نَظِيرٌ يُقَاسُ عليه، والحُجَّةُ مع من أبَاحَ القَصْرَ لكلِّ مُسَافِرٍ، إلَّا أن يَنْعَقِدَ الإِجْمَاعُ على خِلَافِه. فصل: وإذا كان في سَفِينَةٍ في البَحْرِ، فهو كالبَرِّ، إن كانت مسافةُ سَفَرِه تَبْلُغُ مَسافةَ القَصْرِ، أُبِيحَ له، وإلَّا فلا، سواءٌ قَطَعَها في زَمَنٍ طَوِيلٍ أو قَصِيرٍ، اعْتِبَارًا
следующие страницы →