← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

رَجَعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (٤٧). وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ في مثله الصَّلَاةُ في حَجٍّ، أو عُمْرَةٍ، أو جِهَادٍ، أنَّ له أن يَقْصُرَ الرُّبَاعِيَّةَ فيُصَلِّيَها رَكْعَتَيْنِ. ٢٦٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، أو (١) ثَمَانِيَةً وأرْبَعِينَ مِيلًا بالهاشِميِّ (٢)، فَلَهُ [أنْ يَقْصُرَ] (٣)) قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: في كم تُقْصَرُ الصَّلَاةُ؟ قال: في أربَعَة بُرُدٍ.

стр. 1227

قِيلَ له: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ؟ قال: لا. أرْبَعَة بُرُدٍ، سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، ومَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ. فمَذْهَبُ أبي عبدِ اللهِ أنَّ القَصْرَ لا يَجُوزُ في أَقَلَّ من سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، والفَرْسَخُ: ثَلَاثَةُ أمْيَالٍ، فيكون ثَمَانِيَةً وأرْبَعِينَ مِيلًا، قال القاضي: والمِيلُ: اثْنَا عَشَرَ ألْفَ قَدَمٍ، وذلك مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ قاصِدَيْن. وقد قَدَّرَهُ ابنُ عَبَّاسٍ، فقال: من عُسْفَانَ (٤) إلى مَكَّةَ، ومن الطَّائِفِ إلى مَكَّةَ، ومن جُدَّةَ إلى مَكَّةَ. وذَكَرَ صَاحِبُ المَسَالِكِ (٥)، أنَّ مِن دِمَشْقَ إلى القَطِيفَةِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِيلًا، ومن دِمَشْقَ إلى الكُسْوَةِ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا، ومِن الكُسْوَةِ إلى جَاسِم (٦) أَرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِيلًا. فعلى هذا تكونُ مَسَافَةُ القَصْرِ يَوْمَيْنِ قاصِدَيْن. وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ. وإليه ذَهَبَ مالِكٌ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ عن ابْنِ عمرَ أنَّه كان (٧) يَقْصُرُ في مَسِيرَة عشرةِ فَرَاسِخَ، قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ أن ابنَ عمرَ كان يَقْصُرُ إلى أرْضٍ له، وهى ثلاثونَ مِيلًا. وَرُوِىَ نحوُ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، فإنه قال: يَقْصُرُ في اليَوْمِ، ولا يَقْصُرُ فيما دُونَه. وإليه ذَهَبَ الأوْزَاعِيُّ. وقال: عَامَّةُ العُلَماءِ يقولونَ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ. وبه نَأْخُذُ. ويُرْوَى عن ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّه يَقْصُر في مَسِيرَة ثَلَاثَةِ أيَّامٍ. وبه قال الثَّوْرِىُّ وأبو حَنِيفَةَ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ" (٨). وهذا يَقْتَضِى أنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ له ذلك، ولأن الثَّلَاثَةَ

стр. 1228

مُتَّفَقٌ عليها، وليْسَ في أقَلَّ من ذلك تَوْقِيفٌ ولا اتِّفَاقٌ. وَرُوِىَ عن جَمَاعَةٍ من السَّلَفِ، رَحْمَةُ اللهِ عليهم، ما يَدُلُّ على جَوَازِ القَصْرِ في أقَلَّ من يَوْمٍ. فقال الأوْزَاعِىُّ: كان أنَسٌ يَقْصُرُ فيما بينَه وبينَ خَمْسَةِ فَرَاسِخَ. وكان قَبِيصةُ بنُ ذُؤَيْبٍ، وهَانِئُ بن كُلْثُومٍ، وابنُ مُحَيْرِيزٍ يَقْصُرُونَ فيما بين الرَّمْلَة وبَيْتِ المَقْدِسِ (٩). وَرُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه خَرَجَ من قَصْرِه بالكُوفَةِ حتى أتَى النُّخَيْلَةَ (١٠)، فَصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثم رَجَعَ مِن يَوْمِه، فقال: أرَدْتُ أن أُعَلِّمَكُم سُنَّتَكُمْ. وعن جُبَيْر بنِ نُفَيْر، قال: خَرَجْتُ مع شُرَحْبِيل بنِ السَّمْطِ إلى قَرْيَةٍ على رَأْسِ سَبْعَة عَشَرَ مِيلًا، أو ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فقلتُ له، فقال: رأيتُ عمرَ بن الخَطَّابِ يُصَلِّى بالحُلَيْفةِ رَكْعَتَيْنِ، وقال: إنما فَعَلْتُ كما رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يَفْعَلُ. رَوَاه مُسْلِمٌ (١١). ورُوِىَ أنَّ دِحْيةَ الكَلْبِىَّ خَرَجَ من قَرْيَةٍ من (١٢) دِمَشْقَ مَرّةً إلى قَدْرِ ثلاثَةِ أمْيَالٍ في رمضانَ، ثم إنَّه أفْطَرَ، وأفْطَرَ معه أُنَاسٌ، وكَرِهَ آخَرُونَ أن يُفْطِرُوا، فلما رَجعَ إلى قَرْيَتِه، قال: واللهِ لقد رَأَيْتُ اليَوْمَ أمْرًا ما كنتُ أظُنُّ أنِّى أرَاهُ، إن قَوْمًا رَغِبُوا عن هَدْىِ رسولِ اللهِ ﷺ . يقولُ ذلك لِلَّذِينَ صَامُوا (١٣). رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٤). ورَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنا هُشيم، عن أبِي هارُونَ العَبدِيِّ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، قال: كان رسولُ اللهِ

стр. 1229

- ﷺ إذا سَافَرَ فَرْسَخًا قصَرَ الصَّلَاةَ (١٥). وقال أنَسٌ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاثَة أمْيَالٍ، أو ثلاثةِ فَرَاسِخ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. شُعْبَةُ الشَّاكُّ. رَوَاه مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ (١٦) واحْتَجَّ أصْحَابُنَا بقولِ ابنِ عَبَّاسٍ وابن عمرَ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: يا أهْلَ مَكَّةَ، لا تَقْصُرُوا في أدْنَى من أرْبعةِ بُرُدٍ مَن عُسْفَانَ إلى مَكَّةَ (١٧). قال الخَطَّابِىُّ (١٨): وهو أصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عن ابنِ عمرَ. ولأنَّها مَسَافَةٌ تَجْمَعُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ، من الحَلِّ والشَّدِّ، فجاز القَصْرُ فيها، كَمَسَافَةِ الثَّلاث، ولم يَجُزْ فيما دُونها؛ لأنَّه لم يَثْبتْ دَلِيلٌ يُوجِبُ القَصْرَ فيه. وقولُ أنَسٍ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أمْيَالٍ، أو ثلاثةِ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ به إذا سَافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا قَصَرَ إذا بَلَغَ ثلاثةَ أمْيَالٍ. كما قال في لَفْظِه الآخَرِ: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى [في المدينةِ] (١٩) أرْبَعًا، وبِذِى الحُلَيْفةِ (٢٠) رَكْعَتَيْنِ. قال المُصَنِّفُ: ولا أرَى لِمَا صَارَ إليه الأئِمَّةُ حُجَّةً، لأنَّ أقْوَالَ الصَّحَابَةِ مُتَعَارِضَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، ولا

стр. 1230

حُجَّةَ فيها مع الاخْتِلَافِ. وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، خِلَافُ ما احْتَجَّ به أصْحَابُنا. ثم لو لم يُوجَدْ ذلك لم يكنْ في قَوْلِهِم حُجَّةٌ مع قولِ النَّبِيِّ ﷺ وفِعْلِه، وإذا لم تَثْبُتْ أقْوَالُهم امْتَنَعَ المَصِيرُ إلى التَّقْدِيرِ الذي ذَكَرُوهُ؛ لِوَجْهَيْنِ: أحدُهما، أنَّه مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ النَّبِىِّ ﷺ التي رَوَيْناها، ولِظَاهِرِ القُرْآن؛ لأنَّ ظَاهِرَهُ إبَاحَةُ القَصْرِ لمن ضَرَبَ في الأرْضِ، لِقَوْلهِ تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وقد سَقَطَ شَرْطُ الخَوْفِ بالخَبَرِ المَذْكُورِ عن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ. فبَقِىَ ظَاهِرُ الآية مُتَناوِلًا كُلَّ ضَرْبٍ في الأرْضِ. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ" (٢١). جاء لِبَيَانِ أكْثَرِ مُدَّة المَسْحِ، فلا يَصِحُّ الاحْتِجَاجُ به ها هنا، وعلى أنه يُمْكِنُه قَطْعُ المَسافةِ القَصِيرَةِ في ثلاثة أيَّامٍ، وقد سَمَّاهُ النَّبِىُّ ﷺ سَفَرًا، فقال: "لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أن تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ" (٢٢). والثانى، أنَّ التَّقْدِيرَ بَابُه التَّوْقِيفُ، فلا يجوزُ المَصِيرُ إليه بِرَأْىٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّما وليس له أصْلٌ يُرَدُّ إليه، ولا نَظِيرٌ يُقَاسُ عليه، والحُجَّةُ مع من أبَاحَ القَصْرَ لكلِّ مُسَافِرٍ، إلَّا أن يَنْعَقِدَ الإِجْمَاعُ على خِلَافِه. فصل: وإذا كان في سَفِينَةٍ في البَحْرِ، فهو كالبَرِّ، إن كانت مسافةُ سَفَرِه تَبْلُغُ مَسافةَ القَصْرِ، أُبِيحَ له، وإلَّا فلا، سواءٌ قَطَعَها في زَمَنٍ طَوِيلٍ أو قَصِيرٍ، اعْتِبَارًا

стр. 1231

بالمسافةِ. وإن شَكَّ هل السَّفَرُ مُبِيحٌ لِلْقَصْرِ أوْ لا؟ لم يُبَحْ له؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الإِتْمَامِ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ. وإن قَصَرَ، لم تَصِحَّ صَلَاتُه، وإن تَبَيَّنَ له بَعْدَها أنه طَوِيلٌ؛ لأنَّه صَلَّى شَاكًّا في صِحَّةِ صَلَاتِه، فَأَشْبَهَ ما لو صَلَّى شَاكًّا في دُخُولِ الوَقْتِ. فصل: والاعْتِبَارُ بالنِّيَّةِ لا بالفِعْلِ، فيُعْتَبَرُ أن يَنْوِىَ مَسَافَةً تُبِيحُ القَصْرَ، فلو خَرَجَ يَقْصِدُ سَفَرًا بَعِيدًا، فقَصَرَ الصَّلَاةَ، ثم بَدَا له فَرَجَعَ، كان ما صَلَّاهُ مَاضِيًا صَحِيحًا، ولا يَقْصُرُ في رُجُوعِه، إلَّا أن تَكُونَ مَسَافَةُ الرُّجُوعِ مُبِيحَةً بِنَفْسِها. نَصَّ أحمدُ على هذا. ولو خَرَجَ طَالِبًا لِعَبْدٍ آبِقٍ، لا يَعْلَمُ أيْنَ هو، أو مُنْتَجِعًا غَيْثًا أو كَلَأً، متى وَجَدَهُ أقَامَ أو رَجَعَ، أو سائِحًا في الأَرْضِ لا يَقْصِدُ مَكَانًا، لم يُبَحْ له القَصْرُ، وإن سَارَ سَفَرًا أيَّامًا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ له القَصْرُ إذا بَلَغَ مَسَافَةً مُبِيحَةً له؛ لأنه مُسَافِرٌ سَفَرًا طَوِيلًا. ولنَا، أنَّه لم يَقْصِدْ مَسَافَةَ القَصْرِ، فلم يُبَحْ له، كابْتِدَاءِ سَفَرِه، ولأنَّه لم يُبَح له (٢٣) القَصْرُ في ابْتِدَائِه فلم يُبَحْ (٢٤) في أثْنَائِه، إذا لم تُعْتَبَرْ (٢٥) نِيَّتُه، كالسَّفَرِ القَصِيرِ، وسَفَرِ المَعْصِيَةِ، ومتى رَجَعَ هذا يَقْصِدُ بَلَدَه، أو نَوَى مسافةَ القَصْرِ، فله القَصْرُ؛ لِوُجُودِ نِيَّتِه المُبِيحَةِ، ولو قَصَدَ بَلَدًا بعيدًا، أو في عَزْمِه أنَّه متى وَجَدَ طِلْبَتَه دُونَه رَجَعَ أو أقَامَ، لم يُبَحْ له القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ بِسَفَرٍ طَوِيلٍ. وإن كان لا يَرْجِعُ ولا يُقِيمُ بِوُجُودِه، فله القَصْرُ. فصل (٢٦): ومتى كان لِمَقْصِدِه طَرِيقَانِ، يُبَاحُ القَصْرُ في أحَدِهما دُونَ الآخَرَ، فسَلَكَ البَعِيدَ لِيَقْصُرَ الصَّلَاةَ فيه، أُبِيحَ له؛ لأنَّه مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا مُبَاحًا، فأُبِيحَ له القَصْرُ، كما لو لم يَجِدْ سِوَاهُ أو كان الآخَرُ مَخُوفًا أو شَاقًّا.

стр. 1232

فصل: وإنْ أُخْرِجَ (٢٧) الإِنْسَانُ إلى السَّفَرِ مُكْرَهًا، كالأَسِيرِ، فله القَصْرُ إذا كان سَفَرُهُ بَعِيدًا، نَصَّ عليه أحمدُ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَقْصُرُ؛ لأنَّه غيرُ نَاوٍ لِلسَّفَرِ ولا جازِمٍ به، فإنَّ نِيَّتَهُ أنَّه متى أفْلَتَ رَجَعَ. ولَنا، أنَّه مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا غير مُحَرَّمٍ، فأُبِيحَ له القَصْرُ، كالمَرْأةِ مع زَوْجِها، والعَبْدِ مع سَيِّدِه، إذا كان عَزْمُهما أنَّه لو مَاتَ أو زالَ مُلْكُهما، رَجَعَ. وقِياسُهُم مُتْنَقِضٌ بهذا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّهُ يُتِمّ إذا صَارَ في حُصُونِهِم. نَصَّ عليه أيضًا؛ لأنَّه قد انْقَضَى سَفَرُه. ويَحْتَمِلُ أنَّه لا يَلْزَمُه الإِتْمَامُ؛ لأنَّ في عَزْمِه أنَّه متى أَفْلَتَ رَجَعَ، فأشْبَهَ المَحْبُوسَ ظُلْمًا. ٢٦٧ - مسألة؛ قال: (إِذَا جَاوَزَ بُيُوتَ قَرْيَتِه) وجُمْلَتُه أنَّه ليس لمن نَوَى السَّفَرَ القَصْرُ حتى يَخْرُجَ من بُيُوتِ قَرْيَتِه، ويَجْعَلَها وراءَ ظَهْرِه. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ ذلك عن جَمَاعَةٍ من التَّابِعِينَ. وحُكِىَ عن عَطاءٍ، وسليمانَ بن موسى، أنهما أباحا القَصْرَ في البَلَدِ لمن نَوَى السَّفَرَ. وعن الحارِثِ بن أبي رَبِيعَةَ، أنه أرَادَ سَفَرًا، فصَلَّى بهم في مَنْزِلِه رَكْعَتَيْنِ، وفيهم الأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ، وغيرُ واحِدٍ من أصْحَابِ عبدِ اللهِ. ورَوَى عُبَيْدُ بن جُبَيْرٍ، قال: كنتُ (١) مع أبى بَصْرَةَ الغِفَارِىِّ في سَفِينَةٍ من الفُسْطَاطِ، في شَهْرِ رمضانَ، فدَفَعَ، ثم قُرِّب غِذَاؤُهُ، فلم يُجَاوِزِ البُيُوتَ حتى دَعَا بالسُّفْرةِ، ثم قال: اقْتَرِبْ. فقلتُ: ألَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال أبو بَصْرَةَ: أتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ . فأكَلَ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢). ولنَا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ولا يكونُ ضَارِبًا في الأرْضِ حتى يَخْرُجَ، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه

стр. 1233

كان يَبْتَدِىءُ القَصْرَ إذا خَرَجَ من المَدِينَةِ (٣). قال أنَسٌ: صَلَّيْتُ مع النبيِّ ﷺ الظُّهْرَ بالمَدِينَةِ أرْبَعًا، وبِذِى الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). فأمَّا أبو بَصْرَةَ فإنَّه لم يَأْكُلْ حتى دَفَعَ، وقولُه: لم يُجَاوِزِ البُيُوتَ: معناه - واللهُ أعلمُ - لم يَبْعُدْ منها؛ بِدَلِيلِ قولِ عُبَيْدٍ له: ألَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ إذا ثَبَتَ هذا؛ فإنَّه يَجُوزُ له القَصْرُ وإن كان قَرِيبًا من البُيُوتِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، أن لِلَّذِى يُرِيدُ السَّفَرَ أن يَقْصُرَ الصلاةَ إذا خَرَجَ من بُيُوتِ القَرْيَةِ التي يَخْرُجُ منها. وَرُوِىَ عن مُجَاهِدٍ، أنَّه قال: إذا خَرَجْتَ مُسَافِرًا فلا تَقْصُرِ الصَّلَاةَ يَوْمَكَ ذلك إلى اللَّيْلِ، وإذا رَجَعْتَ لَيْلًا فلا تَقْصُرْ لَيْلَتَكَ حتى تُصْبِحَ. ولنَا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان إذا خَرَجَ من المَدِينَةِ لم يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ حتى يَرْجِعَ إليها (٥). وحَدِيثُ أبى بَصْرَةَ، وقال عبدُ الرحمنِ الهَمْدَانِىّ (٦): خَرَجْنَا مع عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، مَخْرَجَه إلى صِفِّينَ، فرَأيْتُه يُصَلِّى (٧) رَكْعَتَيْنِ بين الجِسْرِ وقَنْطَرَةِ الكُوفَةِ (٨). وقال البُخَارِىُّ: خَرَجَ علىٌّ فقَصَرَ، وهو يَرَى البُيُوتَ، فلمَّا رَجَعَ قِيلَ له: هذه الكُوفَةُ.

стр. 1234

قال: لا حتى نَدْخُلَها (٩). ولأنَّه مُسَافِرٌ، فأُبِيحَ له القَصْرُ، كما لو بَعُدَ (١٠). فصل: وإنْ خَرَجَ من البَلَدِ، وصارَ بينَ حِيطانِ بَساتِينِه، فله القَصْرُ؛ لأنَّه قد تَرَكَ البُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِه وإن كان حَوْلَ البَلَدِ خَرَابٌ قد تَهَدَّمَ وصارَ فَضاءً، أُبِيحَ له القَصْرُ فيه كذلك (١١). وإن كانتْ حيطانُه قائِمَةً فكذلك. قالَه الآمِدِىُّ، وقال القاضي: لا يُباحُ. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ لأنَّ السُّكْنَى فيه مُمْكِنَةٌ، أشْبَهَ العامِرَ. ولَنا، أنَّها غيرُ مُعَدَّةٍ لِلسُّكْنَى، أشْبَهَتْ حِيطانَ البَسَاتِينِ. وإن كان في وَسَطِ البَلَدِ نَهْرٌ فاجْتَازَه، فليْس له القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَخرُجْ من البَلَدِ ولم يُفَارِقِ البُنْيَانَ، فأشْبَهَ الرَّحْبَةَ والمَيْدَانَ في وَسَطِ البَلَدِ. وإن كان لِلْبَلَدِ مَحَالُّ، كُلُّ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدَة عن الأُخْرَى، كبغدادَ، فمتى خَرَجَ من مَحَلَّتِه أُبِيحَ له القَصْرُ إذا فَارَقَ مَحَلَّتَهُ، وإن كان بَعْضُها مُتَّصِلًا ببعضٍ، لم يَقْصُرْ حتى يُفَارِقَ جَمِيعَها. ولو كانت قَرْيَتانِ مُتَدَانِيَتَيْنِ، فاتَّصَلَ بِنَاءُ إحْدَاهُما بالأُخْرَى، فهما كالوَاحِدَةِ، وإن لم يَتَّصِلْ، فلِكُلِّ قَرْيَةٍ حُكْمُ نَفْسِها. [فصل: وإذا كان البَدَوِىُّ في حِلَّةٍ، لم يَقْصُرْ حتى يُفَارِقَ حِلَّتَهُ، وإن كانت حِلالًا (١٢) فلِكُلِّ حِلَّةٍ حُكْمُ نَفْسِها] (١٣)، كالقُرَى. وإن كان بَيْتُه مُنْفَرِدًا (١٤) فحتى يُفَارِقَ مَنْزِلَه ورَحْلَهُ، ويَجْعَلَه وراءَ ظَهْرِه، كالحَضَرِىِّ. ٢٦٨ - مسألة؛ قال: (إذَا كَانَ سَفَرُه وَاجِبًا أوْ مُبَاحًا) وجُمْلَتُه أنَّ الرُّخَصَ المُخْتَصَّةَ بالسَّفَرِ؛ من القَصْرِ، والجَمْعِ، والفِطْرِ،

стр. 1235

والمَسْحِ ثَلَاثًا، والصلاةِ على الرَّاحِلَةِ تَطَوُّعًا، يُبَاحُ في السَّفَرِ الواجِبِ والمَنْدُوبِ والمُبَاحِ، كسَفَرِ التِّجَارَةِ ونحوِه، وهذا قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وأصْحَابُ الرَّأىِ. وعن ابنِ مسعودٍ: لا يَقْصُرُ إلَّا في حَجٍّ أو جِهَادٍ (١)؛ لأنَّ الوَاجِبَ لا يُتْرَكُ إلَّا لِوَاجِبٍ. وعن عَطَاءٍ كقَوْلِ الجَمَاعَةِ. وعنه: لا يَقْصُرُ إلَّا في سَبِيلٍ [من سُبُلِ] (٢) الخَيْرِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما قَصَرَ في سَفَرٍ وَاجِبٍ أو مَنْدُوبٍ. ولنَا، قَوْلُ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ وقَوْلُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٣) وقالت عائشةُ: إنَّ الصلاةَ أَوَّلَ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَانِ، فأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما قال: فَرَضَ اللهُ الصلاةَ على لِسَانِ نَبِيِّكُمْ في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفى السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفى الخَوْفِ رَكْعَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). وقال عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ،

стр. 1236

والجُمُعةِ رَكْعَتَانِ، والعِيدِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وقد خَابَ مَن افْتَرَى. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وابْنُ مَاجَه (٦). ورُوِىَ عن إبراهيمَ أنَّه قال: أتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ إنِّي أُرِيدُ البَحْرَيْنِ في تِجَارَةٍ، فكَيْفَ تَأْمُرُنى في الصلاةِ؟ فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ" (٧). رَوَاهُ سَعِيدٌ، عن أبي مُعاوِيَةَ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ. وقال صَفْوَانُ بنُ عَسَّالٍ: أَمَرَنَا رسولُ اللَّه ﷺ إذا كُنَّا مُسَافِرِينَ سَفَرًا أن لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ (٨). وهذه النُّصُوصُ تَدُلُّ على إبَاحَةِ التَّرَخُّصِ (٩) في كُلِّ سَفَرٍ، وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يَتَرَخَّصُ في عَوْدِه من سَفَرِه، وهو مُباحٌ. فصل: ولا تُبَاحُ هذه الرُّخَصُ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ كالإِبَاقِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ، والتِّجَارَةِ في الخَمْرِ والمُحَرَّمَاتِ. نَصَّ عليه أحْمدُ. وهو مَفْهومُ الْخِرَقِىِّ لِتَخْصِيصِه الوَاجِبَ والمُباحَ. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ. وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو حنيفةَ: له ذلك؛ احْتِجَاجًا بما ذَكَرْنا من النُّصُوصِ، ولأنَّه مُسَافِرٌ، فأُبِيحَ له التَّرَخُّصَ كالمُطِيعِ. ولنَا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١٠). أبَاحَ الأكْلَ لمن لم يَكُنْ عَادِيًا ولا بَاغِيًا، فلا يُبَاحُ لِبَاغٍ ولا عَادٍ. قال ابنُ عَبَّاسٍ: غير باغٍ على المُسْلِمِينَ، مُفَارِقٍ لِجَمَاعَتِهِمْ، يُخِيفُ السَّبِيلَ،

стр. 1237

ولا عادٍ عليهم. ولأنَّ التَّرَخُّصَ شُرِعَ لِلْإِعَانَةِ على تَحْصِيلِ المَقْصِدِ المُبَاحِ، تَوَصُّلًا إلى المَصْلَحَةِ، فلو شُرِعَ ها هُنا لَشُرِعَ إعَانَةً على المُحَرَّمِ، تَحْصِيلًا لِلْمَفْسَدَةِ، والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عن هذا، والنُّصُوصُ وَرَدَتْ في حَقِّ الصَّحَابَةِ، وكانت أسْفَارُهم مُبَاحَةً، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ في مَن سَفَرُه مُخَالِفٌ لِسَفَرِهِم، ويَتَعَيَّن حَمْلُه على ذلك جَمْعًا بين النَّصَّيْنِ، وقِياسُ المَعْصِيَةِ على الطَّاعَةِ بَعِيدٌ، لِتَضَادِّهِما. فصل: فإن عَدِمَ العَاصِى بِسَفَرِهِ الماءَ، فعَلَيْه أن يَتَيَمَّمَ؛ لأنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ لا تَسْقُطُ، والطَّهارة لها وَاجِبَةٌ أيضًا، فيكونُ ذلك عَزِيمَةً، وهل تَلْزَمُه الإِعادَةُ؟ على وَجْهَيْنِ: أحدُهما، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، بِدَلِيلِ وُجُوبِه، والرُّخَصُ لا تَجِبُ. والثانى: عليه الإِعادةُ؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالسَّفَرِ، أشْبَهَ بَقِيَّةَ الرُّخَصِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به من التَّيَمُّمِ والصلاةِ، فلم يَلْزَمْهُ إعادَتُها، ويُفارِقُ بَقِيَّةَ الرُّخَصِ، فإنَّه يُمْنَعُ منها، وهذا يَجِبُ فِعْلُه، ولأن حُكْمَ بَقِيَّة الرُّخَصِ المَنْعُ من فِعْلِها، ولا يُمْكِنُ تَعْدِيَةُ هذا الحُكْمِ إلى التَّيَمُّمِ، ولا إلى الصلاةِ، لِوُجُوبِ فِعْلِهِما، وَوُجُوبُ الإِعَادَةِ ليس بِحُكْمٍ في بَقِيَّةِ الرُّخَصِ، فكيف يُمْكِنُ أخْذُهُ منها أو تَعْدِيَتُه عنها. ويُبَاحُ له المَسْحُ يَوْمًا ولَيْلَةً؛ لأنَّ ذلك لا يَخْتَصُّ السَّفَرَ، فأشْبَه الاسْتِجْمارَ، والتَّيَمُّمَ (١١) وغيرَهما من رُخَصِ الحَضَرِ. وقِيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه رُخْصَةٌ، فلم تُبَحْ له كَرُخَصِ السَّفَرِ، والأوَّلُ أوْلَى، وهذا يَنْتَقِضُ بِسائرِ رُخَصِ الحَضَرِ. فصل: إذا كان السَّفَرُ مُبَاحًا، فغَيَّرَ نِيَّتَهُ إلى المَعْصِيَةِ، انْقَطَعَ التَّرَخُّصُ لِزَوَالِ سَبَبِه. ولو سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ فغَيَّرَ نِيَّتَه إلى مُباحٍ، صارَ سَفَرُه (١٢) مُبَاحًا، وأُبِيحَ له ما يُباحُ في السَّفَرِ المُبَاحِ، وتُعْتَبَرُ مسافَة القَصْرِ (١٣) من حِين غَيَّرَ النِّيَّةَ. ولو كان

стр. 1238

سَفَرُه مُبَاحًا، فَنَوَى المَعْصِيَةَ بِسَفَرِه، ثم رَجَعَ إلى نِيَّةِ المُبَاحِ، اعْتُبِرَتْ مَسَافَةُ القَصْرِ من حِينَ رُجُوعِه إلى نِيَّةِ المُبَاحِ؛ لأنَّ حُكمَ سَفَرِه انْقَطَعَ بنِيَّةِ المَعْصِيَةِ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى الإِقامةَ، ثم عادَ فنَوَى السَّفَرَ. فأمَّا إن كان السَّفَرُ مُبَاحًا، لكنَّه يَعْصِى فيه، لم يَمْنَعْ ذلك التَّرَخُّصَ؛ لأنَّ السَّبَبَ هو السَّفَرُ المُباحُ (١٤)، وقد وُجِدَ، فثَبَتَ حُكمُه، ولم يَمْنَعْهُ وُجُودُ مَعْصِيَةٍ، كما أنَّ مَعْصِيَتَهُ في الحَضَرِ لا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ فيه. فصل: وفى سَفَرِ التَّنَزُّهِ والتَّفَرُّجِ رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، تُبِيحُ التَّرَخُّصَ. وهذا ظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لأنه سَفَرٌ مُباحٌ، فدَخَلَ في عُمُومِ النُّصُوصِ المَذْكُورَةِ، وقِيَاسًا على سَفَرِ التِّجَارَةِ. والثَّانِيَةُ: لا يتَرخَّصُ فيه. قال أحمدُ: إذا خَرَجَ الرَّجُلُ إلى بعضِ البُلْدَانِ [تَنَزُّهًا وتَلَذُّذًا] (١٥)، وليس في طَلَبِ حَدِيثٍ ولا حَجٍّ ولا عُمْرَةٍ ولا تِجَارَةٍ، فإنَّه لا يَقْصُرُ الصلاةَ؛ لأنَّه إنَّما شُرِعَ إعَانَةً على تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ، ولا مَصْلَحَةَ في هذا. والأوَّلُ أوْلَى. فصل: فإن سَافَرَ لزِيَارَةِ القُبُورِ والمَشَاهِدِ. فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يُبَاحُ له التَّرَخُّصُ؛ لأنَّه مَنْهِىٌّ عنِ السَّفَرِ إليها، قال النبيُّ ﷺ : "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلى ثَلَاثةِ مَسَاجِدَ".، مُتَّفقٌ عليه (١٦). والصَّحِيحُ إباحَتُه، وجَوَازُ القَصْرِ فيه؛

стр. 1239

لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يَأْتِى قُبَاءَ رَاكِبًا ومَاشِيًا، وكان يَزُورُ القُبُورَ، وقال: "زُورُوها تُذَكِّرْكُم الآخِرَةَ" (١٧). وأمَّا قَوْلُه ﷺ : "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلى ثَلَاثَة مَسَاجِدَ" فَيُحْمَلُ على نَفْىِ الفضيلِة (١٨)، لا على التَّحْرِيمِ (١٩)، وليست الفَضِيلَة شَرْطًا في إباحَةِ القَصْرِ، فلا يَضُرُّ انْتِفَاؤُها. فصل: والمَلَّاحُ الذي يَسِيرُ في سفينتِه (٢٠)، وليس له بَيْتٌ سِوَى سَفِينَتِه، فيها أهْلُه وَتَنُّورُهُ وحاجَتُه، لا يُباحُ له التَّرَخُّصُ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن المَلَّاحِ، أيَقْصُرُ، ويُفْطِرُ في السَّفِينَةِ؟ قال: أمَّا إذا كانت السَّفِينَةُ بَيْتَهُ فإنَّه يُتِمُّ ويَصُومُ. قِيلَ له: كيف تكونُ بَيْتَهُ؟ قال: لا يكونُ له بَيْتٌ غيرَها، معه فيها أهْلُهُ وهو فيها مُقِيمٌ. وهذا قولُ عَطاءٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَقْصُرُ ويُفْطِرُ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ، وقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ وَضَعَ عَن المُسَافِرِ الصَّوْمَ وشَطْرَ

стр. 1240

الصَّلَاةِ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢١). ولأنَّ كَوْنَ أَهْلِه معه لا يَمْنَعُ التَّرَخُّص، كالجَمَّالِ. ولَنا، أنَّه غيرُ ظَاعِنٍ عن مَنْزِلِه، فلم يُبَحْ له التَّرَخُّصُ، كالمُقِيمِ في البلدِ (٢٢)، فأمَّا النُّصُوصُ فإنَّ المُرَادَ بها الظَّاعِنُ عن مَنْزِلِه، وليس هذا كذلك، وأما الجَمَّال والمُكارِى فلهم التَّرَخُّصُ وإن سافَرُوا بأهْلِهِم. قال أبو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أحمدَ يقولُ في المُكارِى الذي هو دَهْرُه في السَّفَرِ: لا بُدَّ من أن يَقْدَمَ فَيُقِيمَ اليَوْمَ (٢٣). قِيلَ: فيُقِيمُ اليَوْمَ واليَوْمَيْنِ والثَّلَاثَةَ في تَهَيُّئِه للسَّفَرِ. قال: هذا يَقْصُرُ. وذَكَرَ القاضي، وأبو الخَطَّابِ، أنَّه ليس له القَصْرُ كالمَلَّاحِ. وهذا غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّه مُسَافِرٌ مَشْفُوقٌ عليه، فكان له القَصْرُ كغيرِه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على المَلَّاحِ؛ فإن المَلَّاحَ في مَنْزِلِه سَفَرًا وحَضَرًا، ومعه مَصَالِحُه وتَنُّورُه وأهْلُه، وهذا لا يُوجَدُ في غيرِه. وإن سافَرَ هذا بأهْلِه كان أشَقَّ عليه، وأبْلَغَ في اسْتِحْقَاقِ التَّرَخُّصِ، وقد ذَكَرْنا نَصَّ أحمدَ في الفَرْقِ بَيْنَهما، والنُّصُوصُ مُتَنَاوِلَةٌ لهذا بِعُمُومِها، وليس هو في مَعْنَى المَخْصُوصِ، فوَجَبَ القَوْلُ بِثُبُوتِ حُكْمِ النَّصِّ فيه، واللهُ أعلمُ. ٢٦٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ في وَقْتِ دُخُولِه إلَى الصَّلَاةِ لَمْ يَقْصُرْ) وجُمْلَتُه أنَّ نِيَّةَ القَصْرِ شَرْطٌ في جَوَازِه، ويُعْتَبَرُ وُجُودُها عندَ أوَّلِ الصلاةِ، كِنِيَّةِ الصلاةِ. وهذا قولُ الْخِرَقِىِّ، واخْتَارَه القاضي. وقال أبو بكرٍ: لا تُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ؛

стр. 1241

لأنَّ مَن خُيِّرَ في العِبَادَةِ قبلَ الدُّخُولِ فيها خُيِّرَ بعد الدُّخُولِ فيها، كالصَّوْمِ، ولأنَّ القَصْرَ هو الأصْلُ؛ بِدَلِيلِ خَبَرِ عائشةَ، وعمرَ، وابن عَبَّاسٍ، فلا يَحْتَاجُ إلى نِيَّةٍ، كالإِتْمَامِ في الحَضَرِ، ووَجْهُ الأوَّل أنَّ الإِتْمَامَ هو الأصْلُ، على ما سَنَذْكُرُه في مَسْألَةِ "ولِلْمُسَافِرِ أن يَقْصُرَ وله أن يُتِمَّ"، وإطْلَاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلى الأصْلِ، ولا يَنْصَرِفُ عنه (١) إلَّا بِتَعْيِينِ ما يَصْرِفُه إليه، كما لو نَوَى الصلاةَ مُطْلَقًا، ولم يَنْوِ إمَامًا ولا مَأْمُومًا، فإنَّه يَنْصَرِفُ إلى الانْفِرَادِ، إذْ هو الأصْلُ، والتَّفْرِيعُ يَقَعُ على هذا القَوْلِ، فلو شَكَّ في أثْناء صلاتِه، هل نَوَى القَصْرَ في ابْتِدَائِها أوْ لا، لَزِمَه إتْمَامُها احْتِيَاطًا؛ لأن الأصْلَ عَدَمُها، فإن ذَكَرَ بعدَ ذلك أنَّه كان قد نَوَى القَصْرَ، لم يَجُزْ له القَصْرُ؛ لأنَّه قد لَزِمَهُ الإِتْمَامُ، فلم (٢) يَزُلْ. ولو نَوَى الإِتْمامَ، أو ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، ففَسَدَتِ الصلاةُ، وأرَادَ إعَادَتها، لَزِمَهُ الإِتْمَامُ أيضًا؛ لأنَّها وَجَبَتْ عليه تَامَّةً بِتَلَبُّسِه بها خَلْفَ المُقِيمِ، ونِيَّةِ الإِتْمامِ. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حَنِيفَةَ: إذا فَسَدَتْ صَلاةُ الإِمامِ عادَ المُسافِرُ إلى حالِه. ولنَا، أنَّها وَجَبَتْ بالشُّرُوعِ فيها تَامَّةً، فلم يَجُزْ له قَصْرُها، كما لو لم تَفْسُدْ. فصل: ومن نَوَى القَصْرَ، ثم نَوَى الإِتْمَامَ، أو نَوَى ما يَلْزَمُه به الإِتْمَامُ من الإِقامةِ، أو قَلَبَ نِيَّتَه إلى سَفَرِ مَعْصِيَةٍ، أو نَوَى الرُّجُوعَ عن سَفَرِه، ومَسَافَةُ رُجُوعِه لا يُباحُ فيه القَصْرُ، ونحو هذا، لَزِمَهُ الإِتْمامُ، ولَزِمَ مَنْ خَلْفَه مُتَابَعَتُه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: لا يجوزُ له الإِتْمَامُ؛ لأنَّه نَوَى عَدَدًا، فإذا زَادَ عليه، حَصَلَتِ الزِّيادةُ بغيرِ نِيَّةٍ. ولنَا، أنَّ نِيَّةَ صَلَاةِ الوَقْتِ قد وُجِدَتْ، وهى أرْبَعٌ، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُ رَكْعَتَيْنِ رُخْصَةً، فإذا أَسْقَطَ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ، صَحَّتِ الصلاةُ

стр. 1242

بنِيَّتِها (٣)، ولَزِمَهِ الإِتْمَامُ، ولأنَّ الإِتْمَامَ أصْلٌ (٤)، وإنما أُبِيحَ تَرْكُه بِشَرْطٍ، فإذا زَالَ الشَّرْطُ عادَ الأصْلُ إلى حالهِ. فصل: وإذا قَصَرَ المُسَافِرُ مُعْتَقِدًا لِتَحْرِيمِ القَصْرِ، لم تَصِحَّ صلاتُه؛ لأنَّه فَعَلَ ما يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فلم يَقَعْ مُجْزِئًا، كمَنْ صَلَّى يَعْتَقِدُ أنَّه مُحْدِثٌ، ولأنَّ نِيَّةَ التَّقَرُّبِ بالصَّلَاةِ شَرْطٌ، وهذا يَعْتَقِدُ أنَّه عَاصٍ، فلا (٥) تَحْصُلُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ. ٢٧٠ - مسألة؛ قال: (والصُّبْحُ والمَغْرِبُ لا يُقْصَرَانِ، وهذا لا خِلَافَ فيه) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن لا يَقْصُرَ في صلاةِ المَغْرِبِ والصُّبْحِ، وأن القَصْرَ إنَّما هو في الرُّبَاعِيَّةِ، ولأن الصُّبْحَ رَكْعتانِ، فلو قُصِرَتْ صارتْ رَكْعَةً، وليسَ في الصَّلَواتِ (١) رَكْعَةٌ إلا الوِتْرَ، والمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ، فلو قُصِرَ منها رَكْعَةٌ لم تَبْقَ وِتْرًا، وإن قُصِرَت اثْنَتَانِ صَارَتْ رَكْعَةً، فيكون إجْحَافًا بها، وإسْقَاطًا لأكْثَرها. وقد رَوَى علىُّ بنُ عَاصِمٍ، عن دَاوُدَ بن أبي هِنْدٍ، عن عامِرٍ، عن عائشةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قالت: افْتَرَض اللهُ الصَّلَاةَ على نَبيِّكُمْ ﷺ بمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلَّا صَلَاةَ المَغْرِبِ، فلمَّا هَاجَرَ إلى المَدِينَة، فأقَامَ بها، واتَّخَذَها دَارَ هِجْرَةٍ، زَادَ إلى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا صَلَاةَ الغَدَاةِ؛ لِطُولِ القِرَاءَةِ فيها، وإلَّا صَلَاةَ الجُمُعةِ لِلْخُطْبَةِ، وإلَّا صَلاةَ المَغْرِبِ فإنَّها وِتْرُ النَّهَارِ، فَافْتَرَضَها اللهُ على عِبَادِهِ إلَّا هذه الصَّلَواتِ (١)، فإذا سَافَرَ صَلَّى الصَّلَاةَ التي كان

стр. 1243

افْتَرَضَها اللهُ عليه (٢). ٢٧١ - مسألة؛ قال: (ولِلْمُسَافِرِ أنْ يُتِمَّ ويَقْصُرَ، كَمَا لَهُ أنْ يَصُومَ ويُفْطِرَ .) المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّ المُسَافِرَ إن شاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وإن شَاءَ أَتَمَّ. وَرُوِىَ عنه أنَّه تَوَقَّفَ، وقال: أنا أُحِبُّ العَافِيَةَ من هذه المَسْألةِ. وممن رُوِىَ عنه الإِتْمامُ في السَّفَرِ: عُثْمَانُ، وسَعْدُ بنُ أبى وَقَّاص، وابنُ مَسعودٍ، وابنُ عمرَ، وعائشةُ رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وهو المَشْهُورُ عن مالِكٍ. وقال حَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ: ليس له الإِتْمَامُ في السَّفَرِ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حَنِيفَةَ. وأوْجَبَ حَمَّادٌ الإِعادةَ على مَن أتَمَّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن كان جَلَسَ بعد الرَّكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، فصَلَاتُه صَحِيحَةٌ، وإلَّا لم تَصِحَّ. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: الصَّلَاةُ في السَّفَر رَكْعَتَانِ حَتْمٌ، لا يَصْلُحُ غَيْرُهما. وَرُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه قال: مَن صَلَّى في السَّفَرِ أَرْبَعًا فهو كمَن صَلَّى في الحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ. واحْتَجُّوا بأنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِ عمرَ، وعائشةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، على ما ذَكَرْنَاهُ. وَرُوِىَ عن صَفْوَانَ بنِ مُحْرِزٍ، أنَّه سَأَلَ ابْنَ عمرَ عن الصلاةِ في السَّفَرِ، فقال: رَكْعَتَانِ، فمَن خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ (١)، ولأنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخرَيَيْن يَجُوزُ تَرْكُهما إلى غير بَدَلٍ، فلم تَجُزْ زِيَادَتُهما على الرَّكْعَتَيْنِ المَفْرُوضَتَيْنِ، كما لو زَادَهما على صلاةِ الفَجْرِ. ولنَا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا يَدُلُّ على أنَّ القَصْرَ رُخْصَةٌ

стр. 1244

مُخَيَّرٌ بين فِعْلِه وتَرْكِه، كسَائِرِ الرُّخَصِ. وقال يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ: قلتُ لِعمرَ بنِ الخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقال: عَجِبْتُ مما عَجِبْتَ منه، فسَألْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وهذا يَدُلُّ على أنَّه رُخْصَةٌ، وليس بِعَزِيمَةٍ، وأنَّها مَقْصُورَةٌ. ورَوَى الأسْوَدُ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: خَرَجْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ في عُمْرَةِ رمضانَ، فأفْطَرَ وصُمْتُ، وقَصَرَ وأتمَمْتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، بأبى أنْتَ وَأُمِّى، أفْطَرْتَ وصُمْتُ، وقَصَرْتَ وأتْمَمْتُ. فقال: أحْسَنْتِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ الطَّيَالِسِىُّ، في "مُسْنَدِه" (٣). وهذا صَرِيحٌ في الحُكْمِ. ولأنَّه لو ائْتَمَّ بمُقِيمٍ صَلَّى أرْبَعًا، وصَحَّتِ الصلاةُ، والصلاةُ لا تَزِيدُ بالائْتِمامِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وفى إجْمَاعِ الجُمْهُورِ من الفُقَهاءِ على أن المُسَافِرَ إذا دَخَلَ في صلاةِ المُقِيمِينَ، فأدْرَكَ منها رَكْعَةً أن يَلْزَمَهُ أَرْبَعٌ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ على أن القَصْرَ رُخْصَةٌ، إذ لو كان فَرْضُه رَكْعَتَيْنِ لم يَلْزَمْهُ أرْبَعٌ بحالٍ. ورَوَى بإسْنَادِهِ، عن عَطَاءٍ، عن عائشةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُتِمُّ في السَّفَرِ ويَقْصُرُ (٤). وعن أَنَسٍ، قال: كُنَّا - أَصْحَابَ رسولِ اللهِ ﷺ نُسَافِرُ، فَيُتِمُّ بَعْضُنَا، ويَقْصُرُ بَعْضُنَا، ويَصُومُ بَعْضُنَا، ويُفْطِرُ بَعْضُنَا، فلا يَعِيبُ أحَدٌ على أحَدٍ (٥).

стр. 1245

ولأنَّ ذلك إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، رَحْمَةُ اللهِ عليهم، بِدَلِيلِ أنَّ منهم (٦) مَن كان يُتِمُّ الصلاةَ، ولم يُنْكِر البَاقُونَ عليه، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أنَسٍ، وكانت عائشةُ تُتِمُّ الصلاةَ. [رواهُ البُخارىّ ومسلمٌ] (٧). وأتَمَّهَا عُثمانُ، وابنُ مسعودٍ، وسعدٌ. وقال عَطاءٌ: كانت عائشةُ وسَعْدٌ يُوفِيَانِ الصلاةَ في السَّفَرِ، ويَصُومانِ، ورَوَى الأثرَمُ بإسْنَادِهِ، عن سَعْدٍ، أنه أقامَ بعَمَّانَ (٨) شَهْرَيْنِ، فكان يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، ونُصَلِّى (٩) أرْبَعًا (١٠). وعن الْمِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ، قال: أقَمْنَا مع سَعْدٍ ببَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُها سَعْدٌ ونُتِمُّها (١٠). وسَألَ ابنَ عَبَّاسٍ رجلٌ، فقال: كنتُ أُتِمُّ الصلاةَ في السَّفَرِ. فلم يَأْمُرْهُ بالإِعادةِ. فأمَّا قولُ عائشةَ: فُرِضَت الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ. فإنَّما أرَادَتْ أنَّ ابْتِدَاءَ فَرضِها كان رَكْعَتَيْنِ، ثم أُتِمَّتْ بعد الهِجْرَةِ، فصَارَتْ أرْبَعًا. وقد صَرَّحَتْ بذلك حين شَرَحَتْ، ولذلك كانت تُتِمُّ الصلاةَ، ولو اعْتَقَدَتْ ما أرادَ هؤلاءِ لم تُتِمَّ. وقولُ ابنِ عَبَّاسٍ مثلُ قَوْلِها، ولا يَبْعُدُ أن يكونَ أخَذَهُ منها، فإنَّه لم يكنْ في زَمَنِ فَرْضِ الصلاةِ في سِنِّ مَن يَعْقِلُ الأحْكامَ، ويَعْرِفُ حَقائِقَها، ولَعَلَّه لم يكنْ مَوْجُودًا، أو كان فَرْضُها في السَّنَةِ التي وُلِدَ فيها، فإنَّها فُرِضَتْ بمَكَّة لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ قبلَ الهِجْرَةِ بِثلاثِ سِنِينَ، وكان ابنُ عَبَّاسٍ حين مات النَّبِىُّ ﷺ ابنَ ثَلَاثَ عشرةَ سَنَةً، وفي حَدِيثِه ما اتُّفِقَ على تَرْكِه، وهو قولُه: والخَوْفُ رَكْعَة. والظَّاهِرُ أنَّه أرَادَ ما أرَادَتْ عائشةُ مِن ابْتِداءِ الفَرْضِ، فلذلك لم يَأْمُر من أتَمَّ بالإِعادةِ. وقولُ عمرَ: تَمَامٌ غير قَصْرٍ. أرَادَ بها تَمامٌ في فَضْلِها غيرُ

стр. 1246

نَاقِصَة الفَضِيلَةِ. ولم يُرِدْ أنَّها غيرُ مَقْصَورَةِ الرَّكَعَاتِ؛ لأنَّه خِلَافُ ما دَلَّتْ عليه الآيَةُ والإِجْمَاعُ، إذ الخِلَافُ إنَّما هو في القَصْرِ والإِتْمَامِ، وقد ثَبَتَ بِرِوَايَتِه عن النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ يَعْلَى بن أُمَيَّةَ أنَّها مَقْصُورَةٌ، ويُشْبِهُ هذا ما رَوَاهُ مُجَاهِدٌ، قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى ابنِ عَبَّاسٍ، فقال: إني وصَاحِبٌ لي كُنَّا في سَفَرٍ، وكان صَاحِبِى يَقْصُرُ وأنا أُتِمُّ. فقالَ له ابنُ عَبَّاسٍ: أنتَ كنتَ تَقْصُرُ وصَاحِبُكَ يُتِمُّ (١١)؛ رَوَاه الأثْرَمُ (١٢)، أرادَ أن فِعْلَه أفْضَلُ من فِعْلِكَ. ثم لو ثَبَتَ أنَّ أصْلَ الفَرْضِ رَكْعَتَانِ لم يَمْتَنِعْ جَوَازُ الزِّيَادَةِ عليها، كما لو ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، ويُخَالِف زِيادة رَكْعَتَيْنِ على صَلَاةِ الفَجْرِ، فإنَّه لا يَجُوزُ زِيادتُهما بِحالٍ. ٢٧٢ - مسألة؛ قال: (والقَصْرُ والفِطْرُ أَعْجَبُ إلَى أبى عَبْدِ اللهِ، ﵀ أمَّا القَصْرُ فهو أفْضَلُ من الإِتْمامِ في قولِ جُمْهُورِ العُلماءِ، وقد كَرِهَ جماعةٌ منهم الإِتْمامَ. قال أحمدُ: ما يُعْجِبُنِى. وقال ابنُ عَبَّاسٍ للذى قال له: كنتُ أُتِمُّ الصَّلَاةَ وصَاحِبِى يَقْصُرُ: أنتَ الذي كنتَ تَقْصُرُ وصَاحِبُكَ يُتِمُّ. وشَدَّدَ ابنُ عمرَ على من أتَمَّ الصلاةَ، رُوِىَ أن رَجُلًا سَأَلَهُ عن صلاةِ السَّفَرِ، فقال: رَكْعَتَانِ، فمَن خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ (١). وقال بِشْرُ بنُ حَرْبٍ: سَأَلْتُ ابنَ عمرَ: كيف صَلَاةُ السَّفَرِ يا أبا عبد الرحمنِ؟ قال أما أنْتُمْ تَتَّبِعُونَ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ أخْبَرْتُكُمْ، وأما لا تَتَّبِعُونَ سُنَّةَ نَبِيِّكُم فلا أُخْبِرُكُم؟ قلنا: فخَيْرُ ما اتُّبعَ سُنَّةُ نَبِيِّنَا يا أبا عبدِ الرحمنِ. قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَجَ بن المَدِينَةِ لم يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ

стр. 1247

حتى يَرْجِعَ إليها. رَوَاه سَعِيدٌ (٢). قال: حَدَّثَنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن بِشْرٍ. ولما بَلَغَ ابنَ مَسْعُودٍ أن عُثمانَ صَلَّى أرْبَعًا اسْتَرْجَعَ، وقال: صَلَّيْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ومع أبى بكرٍ رَكْعَتَيْنِ، ومع عمرَ رَكْعَتَيْنِ، ثم تَفَرَّقَتْ بكم الطُّرُقُ، وَوَدَدْتُ أن حَظِّى مِن أرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتانِ (٣). وهذا قولُ مالِكٍ. ولا أعْلَمُ فيه مُخَالِفًا من الأئِمَّةِ إلَّا الشَّافِعِىَّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، قال: الإِتْمَامُ أفْضَلُ؛ لأنَّه أكْثَرُ عَمَلًا وعَدَدًا، وهو الأصْلُ، فكان أفْضَلَ، كَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. ولنَا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُدَاوِمُ على القَصْرِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنا من الأخْبَارِ، وقال ابنُ عمرَ: صَحِبْتُ رسولَ اللهِ ﷺ في السَّفَرِ، فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ حتى قَبَضَهُ اللهُ، وصَحِبْتُ أبا بكرٍ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ حتى قَبَضَهُ اللهُ، وصَحِبْتُ عمرَ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ حتى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن ابنِ مَسْعُودٍ، وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ مثلُ ذلك. ورَوَى سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "خِيَارُكُمْ مَن قَصَرَ في السَّفَرِ وأفْطَرَ". رَوَاه [سعيد و] (٥) الأثْرَمُ (٦). مع ما ذَكَرْنا من أقْوَالِ الصَّحابةِ فيما مَضَى، ولأنَّه إذا قَصَرَ أَدَّى الفَرْضَ بالإِجْمَاعِ، وإذا أتَمَّ اخْتُلِفَ فيه، وأما الغَسْلُ فلا نُسَلِّمُ (٧) له أنه أفْضَلُ من المَسْحِ، والفِطْرُ نَذْكُرُه في بَابِه. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الجَمْعِ، فرُوِىَ أنَّه أفْضَلُ من التَّفْرِيقِ؛ لأنَّه أكْثَرُ تَخْفِيفًا وسُهُولَةً، فكان أفْضَلَ كالقَصْرِ. وعنه التَّفْرِيقُ أفْضَلُ؛ لأنَّه خُرُوجٌ من الخِلَافِ، فكَان أفْضَلَ كالقَصْرِ، ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ المُدَاوَمَةُ عليه،

стр. 1248

ولو كان أفْضَلَ لأدَامَهُ كالقَصْرِ. ٢٧٣ - مسألة؛ قال: (وإذا دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ على مُسَافِرٍ، وهو يُرِيدُ أنْ يَرْتَحِلَ، صَلَّاهَا وَارْتَحَلَ، فإذا دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ صَلَّاهَا، وكذلك المغْرِبُ وعِشَاءُ (١) الآخِرَةِ، وإنْ كَانَ سَائِرًا فأحَبَّ أنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إلى وَقْتِ الثَّانِيَةِ فجَائِزٌ) جُمْلَةُ ذلك أنَّ الجَمْعَ بين الصَّلَاتَيْنِ في السَّفَرِ، في وَقْتِ إحْدَاهُما، جائِزٌ في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وممن رُوِىَ عنه ذلك سَعِيدُ بنُ زيدٍ، وسَعْدٌ، وأُسامةُ، ومُعَاذُ بن جَبَلٍ، وأبو موسى، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عمرَ. وبه قال: طَاوُسٌ، ومُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن سليمان بن أخِى زُرَيقِ بن حَكِيمٍ (٢)، قال (٣): مَرَّ بنا نَائِلَةُ بنُ (٤) رَبِيعَةَ، وأبُو الزِّنَادِ، ومحمدُ بن المُنْكَدرِ (٥)، وصَفْوَانُ بن سُلَيْمٍ (٦)، في (٧) أشْياخٍ من أهْلِ المَدِينَةِ، فأتَيْنَاهُم في مَنْزِلِهم، وقد أخَذُوا في الرَّحِيلِ، فصَلَّوا الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا حين زَالَتِ الشَّمْسُ، ثم أتَيْنَا المسجدَ، فإذا زُرَيْقُ بن حَكِيمٍ يُصَلِّى للنَّاسِ الظُّهْرَ. وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: لا يَجُوزُ الجَمْعُ إلَّا في يَوْمِ عَرَفَةَ

стр. 1249

بِعَرَفَةَ، ولَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ بها، وهذا رِوَايَةُ ابن القَاسِمِ عن مالِكٍ واخْتِيَارُهُ، واحْتَجُّوا بأن المَوَاقِيتَ تَثْبُتُ بالتَّوَاتُرِ، فلا يَجُوزُ تَرْكُها بخَبَر وَاحِدٍ (٨). ولنَا، ما رَوَى نافِعٌ عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان إذا جَدَّ به السَّيْرُ جَمَعَ بين المَغْرِبِ والعِشَاءِ، ويقول: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا جَدَّ به السَّيْرُ جَمَعَ بينهما. وعن أنَسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا ارْتَحَلَ قبلَ أن تَزِيغَ الشَّمْسُ أخَّرَ الظُّهْرَ إلى وَقْتِ العَصْرِ، ثم نَزَلَ فجَمَعَ بَيْنَهما، وإن زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أن يَرْتَحِلَ، صَلَّى الظُّهْرَ ثم رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عليهما (٩). ولِمُسْلِمٍ عن النبيِّ ﷺ ، إذَا عَجِلَ عليه السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلى وَقْتِ العَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهما، ويُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حتى يَجْمَعَ بينها وبين العِشَاء حينَ (١٠)

стр. 1250

يَغِيبُ الشَّفَقُ (١١). ورَوَى الجَمْعَ مُعَاذُ [بنُ جَبَلٍ] (١٢)، وابنُ عَبَّاسٍ، وسَنَذْكُرُ أحادِيثَهما فيما بعد (١٣)، وقَوْلُهم: لا نَترُكُ الأخْبارَ المُتَواتِرَةَ. قُلْنا: لا نَتْرُكُها، وإنَّما نُخَصِّصُها، وتَخْصِيصُ المُتَواتِرِ بالخَبَرِ الصَّحِيحِ جائِزٌ بالإِجْماعِ، وقد جازَ تَخْصِيصُ الكِتَابِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ بالإِجْمَاعِ، فتَخْصِيصُ (١٤) السُّنَّةِ بالسُّنَّةِ أَوْلَى، وهذا ظَاهِرٌ جِدًّا. فإنْ قِيلَ: مَعْنَى الجَمْعِ في الأخْبَارِ أن يُصَلِّىَ الأُولَى في آخِر وَقْتِها، والأُخْرَى في أَوَّل وَقْتِها. قُلْنَا: هذا فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أحدُهما، أنَّه قد جَاءَ الخَبَرُ صَرِيحًا في أنَّه كان يَجْمَعُهما في وَقْتِ إحْدَاهما، على ما سَنَذْكُرُه، ولِقَوْلِ أنَسٍ: أخَّرَ الظُّهْرَ إلى وَقتِ العَصْرِ، ثم نَزَل فجَمَعَ بَيْنَهما، ويُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حتى يَجْمَعَ بينها وبين العِشَاءِ حين يَغِيبَ الشَّفَقُ. فَيَبْطُلُ التَّأْوِيلُ. الثَّانى، أن الجَمْعَ رُخْصَةٌ، فلو كان على ما ذَكَرُوه لَكان أشَدَّ ضِيقًا، وأعْظَمَ حَرَجًا من الإِتْيانِ بكُلِّ صَلاةٍ في وَقْتِها؛ لأنَّ الإِتْيانَ بكُلِّ صلاةٍ في وَقْتِها أوْسَعُ من مُرَاعَاةِ طَرَفَىِ الوَقْتَيْنِ، بحيثُ لا يَبْقَى من وقْتِ الأُولَى إلا قَدْرُ فِعْلِها، ومَن (١٥) تَدَبَّرَ هذا وَجَدَه كما وَصَفْنَا، ولو كان الجَمْعُ هكذا لجَازَ الجَمْعُ بين العَصْرِ والمَغْرِبِ، والعِشاءِ والصُّبْحِ، ولا خِلَافَ بين الأُمَّةِ في تَحْرِيمِ ذلك، والعَمَلُ بالخَبَرِ على الوَجْهِ السَّابِقِ إلى الفَهْمِ منه أوْلَى من هذا التَّكَلُّفِ الذي يُصَانُ كلامُ رسولِ اللهِ ﷺ من حَمْلِه عليه. إذا ثَبَتَ هذا فمَفْهُومُ قولِ الْخِرَقِىِّ أنَّ الجَمْعَ إنَّما يَجُوزُ إذا كان سَائِرًا في وَقْتِ الأُولَى، فَيُؤَخِّرُ إلى وَقْتِ الثَّانِيَة، ثم يَجْمَعُ بَينَهما، ورَوَاهُ الأثْرَمُ عن

стр. 1251

أحمدَ، ورُوِىَ نحوُ هذا القَوْل عن سَعْدٍ، وابنِ عمرَ، وعِكْرِمَةَ، أخْذًا (١٦) بالخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهما. وَرُوِىَ عن أحمدَ جَوَازُ تَقْدِيمِ الصلاةِ الثَّانِيَة إلى الأُولَى، وهذا هو الصَّحِيحُ، وعليه أكْثَرُ الأصْحابِ. قال القاضي: الأوَّلُ هو الفَضِيلَةُ والاسْتِحْبابُ، وإن أحَبَّ أن يَجْمَعَ بين الصلاتَيْنِ في وَقْتِ الأُولَى منهما، جازَ، نَازِلًا كان، أو سَائِرًا، أو مُقِيمًا في بَلَدٍ إقَامَةً لا تَمْنَعُ القَصْرَ. وهذا قولُ عَطاءٍ، وجُمْهُورِ عُلماءِ المدِينة، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وابْنِ المُنْذِرِ؛ لما رَوَى مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، قال: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةِ (١٧) تَبُوكَ، فكان إذا ارْتَحَلَ قبلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أخَّرَ الظُّهْرَ حتى يَجْمَعَها إلى العَصْرِ، فَيُصَلِّيهما جَمِيعًا، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ (١٨) زَيْغِ الشَّمْسِ، صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، ثم سَارَ، وإذا ارْتَحَلَ قبلَ المَغْرِبِ، أَخَّرَ المَغْرِبَ حتى يُصَلِّيَها مع العِشَاءِ، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ المَغْرِبِ، عَجَّلَ العِشَاءَ، فصَلَّاهَا مع المَغْرِبِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (١٩)، وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ في الظُهْرِ والعَصْرِ مثلَ ذلك. وقيل: إنَّه مُتَّفَقٌ عليه (٢٠). وهذا صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزَاعِ. ورَوَى مالِكٌ في "المُوَطَّإِ" (٢١)، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن أبِي الطُّفَيْلِ، أنَّ مُعَاذًا أخْبَرَهُ، أنَّهم خَرَجُوا

стр. 1252

مع رسولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ بين الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشَاءِ. قال: فأخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، ثم خَرَجَ فصَلَّ ى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، ثم دَخَلَ، ثم خَرَجَ فَصَلَّى المَغْرِبَ والعِشَاءَ جَمِيعًا. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، ثابِتُ الإِسْنَادِ. وقال أهْلُ السِّيَرِ: إنَّ غَزْوَةَ (٢٢) تَبُوكَ كانت في رجب (٢٣)، سنةَ تِسْع، وفى هذا الحَدِيثِ أوْضَحُ الدَّلَائِلِ، وأَقْوَى الحُجَجِ، في الرَّدِّ على مَن قال: لا يَجْمَعُ بين الصَّلَاتَيْنِ إلَّا إذا جَدَّ به السَّيْرُ؛ لأنَّه كان يَجْمَعُ وهو نَازِلٌ غيرُ سَائِرٍ، ماكِثٌ في خِبَائِه، يَخْرُجُ فَيُصَلِّى الصلاتَيْنِ جَمِيعًا، ثم يَنْصَرِفُ إلى خِبَائِه. ورَوَى هذا الحَدِيثَ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِه" (٢٤)، قال: فكان يُصَلِّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا والمَغْرِبَ والعِشَاءَ جَمِيعًا. والأخْذُ بهذا الحَدِيثِ مُتَعَيَّنٌ؛ لِثُبُوتِه وكَوْنِه صَرِيحًا في الحُكْمِ، ولا مُعَارِضَ له، ولأنَّ الجَمْعَ رُخْصَةٌ مِن رُخَصِ السَّفَرِ، فلم يَخْتَصَّ بحَالَةِ السَّيْرِ (٢٥)، كالقَصْرِ والمَسْحِ، ولكِنَّ الأفْضَلَ التَّأْخِيرُ، لأنَّه أخْذٌ بالاحْتِيَاطِ، وخُرُوجٌ من خِلَافِ القَائِلِينَ بالجَمْعِ، وعَمَلٌ بالأحادِيثِ كُلِّها (٢٦). فصل: ولا يَجُوزُ الجَمْعُ إلَّا في سَفَرٍ يُبيحُ القَصْرَ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ،

стр. 1253

في أحَدِ قَوْلَيْه: يَجُوزُ في السَّفَرِ القَصِيرِ؛ لأنَّ أهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ، وهو سَفَرٌ قَصِيرٌ. ولنَا، أنَّه رُخْصَةٌ تَثْبُتُ لِدَفْعِ المَشَقَّةِ في السَّفَرِ، فاخْتَصَّتْ بالطَّوِيلِ، كالقَصْرِ والمَسْحِ ثلاثًا؛ ولأنَّه تَأْخِيرٌ لِلْعِبادَةِ عن وَقْتِها، فأَشْبَهَ الفِطْرَ، ولأنَّ دَلِيلَ الجَمْعِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، والفِعْلُ لا صِيغَةَ له، وإنَّما هو قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، فلا يَثْبُتُ حُكْمُها إلَّا في مِثْلِها، ولم يُنْقَلْ أنَّه جَمَعَ إلَّا في سَفَرٍ طَوِيلٍ. فصل: ويَجُوزُ الجَمْعُ لأجْلِ المَطرَ بين المَغْرِبِ والعِشَاءِ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عمرَ، وفَعَلَهُ أبَانُ بنُ عُثمانَ في أهْلِ المَدِينَةِ. وهو قولُ الفُقَهَاءِ السَّبْعَة، ومالِكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، ويُرْوَى (٢٧) عن مَرْوَانَ، وعُمَرَ بن عَبْدِ العَزِيزِ. ولم يُجَوِّزْهُ أصْحَابُ الرَّأْىِ. فصل (٢٨): ولنَا، أنَّ أبَا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ. قال: إنَّ مِن السُّنَّةِ إذا كان يَوْمٌ مَطِيرٌ أن يَجْمَعَ بين المَغْرِبِ والعِشَاءِ. رَوَاه الأثْرَمُ. وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ . وقال نافِعٌ: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يَجْمَعُ إذا جَمَعَ الأُمَرَاءُ بين المَغْرِبِ والعِشَاءِ (٢٩). وقال هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ: رأيتُ أبَانَ بن عُثمانَ يَجْمَعُ بين الصَّلَاتَيْنِ في اللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ؛ المَغْرِبِ والعِشَاءِ، فَيُصَلِّيهما معه عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وأبو سَلَمَةَ بن عبدِ الرحمنِ، وأبو بكرِ بن عبدِ الرحمنِ، لا يُنْكِرُونَه. ولا يُعْرَفُ لهم في عَصْرِهم مُخَالِفٌ، فكان إجْمَاعًا. رَوَاه الأثْرَمُ. فصل: فأمَّا الجَمْعُ بين الظُّهْرِ والعَصْرِ، فغيرُ جَائِزٍ. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبي

стр. 1254

عبدِ اللهِ: الجَمْعُ بين الظُّهْرِ والعَصْرِ في المَطَرِ؟ قال: لا، ما سَمِعْتُ. وهذا اخْتِيَارُ أبى بكرٍ، وابن حامِدٍ، وقولُ مالِكٍ. وقال أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ: فيه قَوْلَانِ، أحَدُهما أنه لا بَأسَ به. وهو قولُ أبى الخَطَّابِ، ومَذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لما رَوَى يحيى بن وَاضِحٍ، عن موسى بن عُقْبَةَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَمَعَ في المَدِينَةِ بين الظُّهْرِ والعَصْرِ في المَطَرِ (٣٠). ولأنَّه مَعْنًى أبَاحَ الجَمْعَ، فأبَاحَهُ بين الظُّهْرِ والعَصْرِ، كالسَّفَرِ. ولنَا، أنَّ مُسْتَنَدَ الجَمْعِ ما ذَكَرْنَاه مِن قَوْلِ أبى سَلَمَةَ، والإِجْمَاعِ، ولم يَردْ إلَّا في المَغْرِبِ والعِشَاءِ، وحَدِيثُهم غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّه غيرُ مَذْكُورٍ في الصِّحَاحِ والسُّنَنِ. وقولُ أحمدَ: ما سَمِعْتُ. يَدُلُّ على أنَّه ليس بِشىءٍ، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على المَغْرِبِ والعِشَاءِ؛ لما فيهما من المَشَقَّةِ لأجْلِ الظُّلْمَةِ والمَضَرَّةِ، ولا القِيَاسُ على السَّفَرِ؛ لأنَّ مَشَقّتَه لأجْلِ السَّيْرِ وفَوَاتِ الرُّفْقَةِ، وهو غيرُ مَوْجُودٍ ها هُنا. فصل: والمَطَرُ المُبِيحُ لِلْجَمْعِ هو ما يَبُلُّ الثِّيَابَ، وتَلْحَقُ المَشَقَّةُ بالخُرُوجِ فيه. وأمَّا الطَّلُّ، والمَطَرُ الخَفِيفُ الذي لا يَبُلُّ الثِّيَابَ، فلا يُبِيحُ، والثَّلْجُ كالمَطَرِ في ذلك، لأنَّه في معناه، وكذلك البَرَدُ. فصل: فأمَّا الوَحْلُ بمُجَرَّدِه. فقال القاضي: قال أصْحابُنا: هو عُذْرٌ؛ لأنَّ المَشَقَّةَ تَلْحَقُ بذلك في النِّعَالِ والثِّيَابِ، كما تَلْحَقُ بالمَطَرِ. وهو قولُ مالِكٍ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيه وَجْهًا ثانِيًا، أنَّه لا يُبِيحُ. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ مَشَقَّتَه دُونَ مَشَقَّةِ المَطَرِ، فإنَّ المَطَرَ يَبُلُّ النِّعالَ والثِّيابَ، والوَحْلُ لا يَبُلُّها، فلم يَصِحَّ قِيَاسُه عليه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الوَحْلَ يُلَوِّثُ الثِّيابَ والنِّعالَ، ويَتَعَرَّضُ الإِنْسَانُ لِلزَّلق، فيَتَأذَّى نَفْسُه وثِيابُه، وذلك أعْظَمُ من البَلَلِ، وقد سَاوَى

стр. 1255

المَطَرَ في العُذْرِ في تَرْكِ الجُمُعةِ والجَمَاعَةِ، فَدَلَّ على تَسَاوِيهما في المَشَقَّةِ المَرْعِيَّةِ في الحُكْمِ. فصل: فأمَّا الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ، في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ البَارِدَةِ، ففيها وَجْهَانِ: أَحَدُهما، يُبيحُ الجَمْعَ. قال الآمِدِىُّ: وهو أصَحُّ. وهو قولُ عمرَ بن عبدِ العزِيزِ؛ لأنَّ ذلك عُذْرٌ في الجُمُعةِ والجماعةِ، بِدَلِيلِ ما رَوَى محمدُ بن الصَّبَّاحِ، حدَّثنا سفيانُ، عن أيُّوب، عن نافِعِ، عن ابنِ عمر، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُنَادِى مُنَادِيه في اللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، أو اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ ذاتِ الرِّيح: "صَلُّوا في رِحَالِكُمْ". رَوَاه ابنُ مَاجَهَ (٣١)، عن محمدِ بن الصَّبَّاحِ. والثَّانِى، لا يُبِيحُه؛ لأنَّ المَشَقَّةَ فيه دونَ المَشَقَّةِ في المَطَرِ، فلا يَصِحُّ قِيَاسُه عليه، ولأنَّ مَشَقَّتَها مِن غيرِ جِنْسِ مَشَقَّة المَطرِ، ولا ضَابِطَ لذلك يَجْتَمِعانِ فيه، فلم يَصِحَّ إلْحَاقُه به. فصل: هل يَجُوزُ الجَمْعُ لِمُنْفَرِدٍ، أو مَن كان طَرِيقُه إلى المَسْجِدِ في ظِلَالٍ يَمْنَعُ وُصُولَ المَطَرِ إليه، أو مَن كان مُقامُه في المَسْجِدِ؟ على وَجْهَيْنِ: أحدُهما، الجَوَازُ؛ لأنَّ العُذْرَ إذا وُجِدَ اسْتَوَى فيه حالُ وُجُودِ المَشَقَّةِ وعَدَمِها، كالسَّفَرِ، ولأنَّ الحاجةَ العَامَّةَ إذا وُجِدَتْ أثْبَتَتِ الحُكْمَ في حَقِّ مَنْ ليستْ له حَاجَةٌ، كالسَّلَمِ، وإبَاحةِ اقْتِنَاءِ الكَلْبِ لِلصَّيْدِ والمَاشِيَةِ في حَقِّ مَن لا يَحْتَاجُ إليهما، ولأنَّه قد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَمَعَ في المَطَرِ، وليس بين حُجْرَتِه والمَسْجِدِ شىْءٌ (٣٢). والثاني، المَنْعُ؛ لأنَّ الجَمْعَ لأجْلِ المَشَقَّةِ، فيَخْتَصُّ بمن تَلْحَقُه المَشَقَّةُ، [دونَ مَن لا تَلْحَقُه] (٣٣)؛ كالرُّخْصَةِ في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعةِ والجَمَاعَةِ، يَخْتَصُّ بمَن تَلْحَقُه المَشَقَّةُ، دُونَ من لا تَلْحَقُه، كمن في الجَامِعِ والقَرِيبِ منه.

стр. 1256

فصل: ويجوزُ الجَمْعُ لأجْلِ المَرَضِ، وهو قولُ عَطَاءٍ، ومالِكٍ. وقال أصْحَابُ الرَّأْىِ والشَّافِعِىُّ: لا يجوزُ، فإنَّ أخْبَارَ التَّوْقِيتِ ثَابِتَةٌ، فلا تُتْرَكُ بأمْرٍ مُحْتَمِلٍ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: جَمَعَ رسولُ اللهِ ﷺ بين الظُّهْرِ والعَصْرِ، وبين (٣٤) المَغْرِبِ والعِشَاءِ، مِن غيرِ خَوْفٍ ولا مَطَرٍ. وفي رِوايَةٍ: مِن غيرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ. رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٣٥). وقد أجْمَعْنا على أنَّ الجَمْعَ لا يجوزُ لغيرِ عُذْرٍ، ثَبَتَ أنَّه كان لِمَرَضٍ، وقد رُوِىَ عن أبي عبدِ اللهِ أنَّه قال في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: هذا عِنْدِى رُخْصَةٌ لِلْمَرِيضِ والمُرْضِعِ. وقد ثبَتَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ سَهْلَةَ بنتَ سُهَيْلٍ، وحَمْنَةَ بنتَ جَحْشٍ، لمَا كانَتَا مُسْتَحَاضَتَيْنِ بتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وتَعْجِيلِ العَصْرِ، ويُجْمَعُ (٣٦) بينهما بِغُسْلٍ واحِدٍ (٣٧). فأباحَ لهما الجَمْعَ لأجْلِ الاسْتِحَاضَة. وأخْبَارُ المَوَاقِيتِ مَخْصُوصَةٌ بالصُّوَرِ التي أجْمَعْنَا على جَوَازِ الجَمْعِ فيها، فيُخَصُّ

стр. 1257

منها مَحَلُّ النِّزَاعِ بما ذَكَرْنَا. فصل: والمَرَضُ المُبِيحُ لِلْجَمْعِ هو ما يَلْحَقُه بِهِ (٣٨) بِتَأْدِيَةِ كُلِّ صلاةٍ في وَقْتِهَا مَشَقَّةٌ وضَعْفٌ. قال الأثْرَمُ، قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: المَرِيضُ يَجْمَعُ بين الصَّلَاتَيْنِ؟ فقال: إني لأرْجُو له ذلك إذا ضَعُفَ، وكان لا يَقْدِرُ إلَّا على ذلك. وكذلك يجوزُ الجَمْعُ لِلْمُسْتَحاضَةِ، ولمَن به سَلَسُ البَوْلِ، ومَن في مَعْنَاهما؛ لما رَوَيْنَا من الحَدِيثِ، واللهُ أعلمُ. فصل: والمَرِيضُ مَخَيَّرٌ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كالمُسَافِرِ. فإن اسْتَوَى عنده الأمْرَانِ فالتَّأْخِيرُ أوْلَى؛ لما ذَكَرْنَا في المُسَافِرِ. فأمَّا الجَمْعُ لِلْمَطَرِ فإنَّما يَجْمَعُ في وَقْتِ الأُولَى، لأنَّ السَّلَفَ إنَّما كانوا يَجْمَعُونَ في وَقْتِ الأُولَى، ولأنَّ تَأْخِيرَ الأُولَى إلى وَقْتِ الثَّانِيَة يُفْضِى إلى لُزُومِ المَشَقَّةِ، والخُرُوجِ في الظُّلْمَةِ، أو طُولِ (٣٩) الانْتِظارِ في المَسْجِدِ إلى دُخُولِ وَقْتِ العِشاءِ، ولأنَّ العادَةَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ لِلْمَغْرِبِ، فإذا حَبَسَهم في المَسْجِدِ لِيجْمَعَ بين الصلاتَيْنِ، كان أشَقَّ مِنْ أن يُصَلِّىَ كُلَّ صَلَاةٍ في وَقْتِها، ورُبَّما يَزُولُ العُذْرُ قبلَ خُرُوجِ وَقْتِ الأُولَى، فيَبْطُلُ الجَمْعُ ويَمْتَنِعُ. وإن اخْتارُوا تَأْخِيرَ الجَمْعِ، جَازَ. والمُسْتَحَبُّ أن يُؤَخِّرَ الأُولَى عن أوَّل وَقْتِها شيئًا. قال الأثْرَمُ: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن الجَمْعِ بين الصلاتَيْنِ في المَطَرِ؟ قال: نعم، يَجْمَعُ بينهما، إذا اخْتَلَطَ الظَّلَامُ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، كذا صَنَعَ ابنُ عمرَ. قال الأثْرَمُ: وحَدَّثَنا أبو أُسامَةَ, حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ، عن نافِعٍ، قال: كان أُمَرَاؤُنا إذا كانت اللَّيْلَةُ المَطِيرَةُ أبْطَأُوا بالمَغْرِبِ، وعَجَّلُوا العِشَاءَ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، فكان ابنُ عمر يُصَلِّى معهم، ولا يَرَى بذلك بَأْسًا. قال عُبَيْدُ اللهِ: ورَأيْتُ القَاسِمَ وسَالِمًا يُصَلِّيانِ معهم، في مثل تِلْكَ اللَّيْلَة. قِيلَ لأبي عبدِ

стр. 1258

اللهِ: فكأنَّ سُنَّةَ الجَمْعِ بين الصلاتَيْنِ في المَطَرِ عِنْدَكَ أن يَجْمَعَ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، وفى السَّفَرِ يُؤَخِّرُ حتى يَغِيبَ الشَّفَقُ. قال: نعم. فصل: ولا يَجُوزُ الجَمْعُ لِغيرِ مَنْ ذكرْنا. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: يجُوزُ إذا كانت حَاجَةٌ أو شَىْءٌ، ما لم يَتَّخِذْهُ عادَةً؛ لِحَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَمَعَ بين الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشَاءِ، مِن غيرِ خَوْفٍ ولا مَطَرٍ (٤٠). فقِيلَ لابنِ عَبَّاسٍ: لِم فَعَلَ ذلك؟ قال: أرَادَ أن لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ. ولَنا، عُمُومُ أخْبَارِ التَّوْقِيتِ، وحَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ حَمَلْناهُ على حالَةِ المَرَضِ، ويجوزُ أن يَتَنَاوَلَ مَن عليه مَشَقَّةٌ، كالمُرْضِعِ، والشَّيْخِ الضَّعِيفِ، وأشْباهِهما مِمَّنْ عليه مَشَقَّةٌ في تَرْكِ الجَمْعِ، ويحْتَمِلُ أنَّه صَلَّى الأُولَى في آخِرِ وَقْتِها، والثَّانِيَةَ في أوَّلِ وَقْتِها، فإنَّ عمرَو بن دِينار رَوَى هذا الحديثَ عن جابِرِ بن زَيْدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال عمرٌو: قلتُ لجَابِرٍ أبا الشَّعثاءِ: أظُنّهُ أخَّرَ الظُّهْرَ وعَجَّلَ العَصْرَ، وأَخَّرَ المَغْرِبَ وعَجَّلَ العِشَاءَ؟ قال: وأنا أظُنُّ ذلك (٤١). فصل: ومِن (٤٢) شَرْطِ جَوَازِ الجَمْعِ نِيَّةُ الجَمْعِ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، والآخَرُ لا يُشْتَرَطُ ذلك. وهو قَوْلُ أبى بكرٍ. والتَّفْرِيعُ على اشْتِرَاطِه. ومَوْضِعُ النِّيَّةِ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الجَمْعِ، فإنْ جَمَعَ في وَقْتِ الأُولَى فمَوْضِعُه عند الإِحْرَامِ بالأُولَى، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، لأنَّها نِيَّةٌ يَفتَقِرُ إليها، فاعْتُبِرَتْ عند الإِحْرَامِ، كَنِيَّةِ القَصْرِ. والثَّانِى مَوْضِعُها من أَوَّل الصلاةِ الأُولَى إلى سَلَامِها، أىَّ ذَلِكَ نَوَى فيه أجْزَأَهُ؛ لأنَّ مَوْضِعَ الجَمْعِ حينَ الفَرَاغِ من آخِر (٤٣) الأُولَى إلى الشُّرُوعِ في الثَّانِيَةِ، فإذا لم

стр. 1259

تَتَأَخَّرِ النِّيَّةُ عنه، أجْزَأَهُ ذلك. وإن جَمَعَ في وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فمَوْضِعُ النِّيَّةِ في وَقْتِ الأُولَى من أَوَّلِه إلى أنْ يَبْقَى منه قَدْرُ ما يُصَلِّيها؛ لأنَّه متى أَخَّرَها عن ذلك بغيرِ نِيَّةٍ صَارَتْ قَضَاءً لا جَمْعًا. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ وَقْتُ النِّيَّةِ إلى أن يَبْقَى منه قَدْرُ ما يُدْرِكُها به، وهو رَكْعَة، أو تَكْبِيرَة الإِحْرَامِ، على ما قَدَّمْنَا. والذي ذَكَرَه أصْحَابُنا الأوَّل (٤٤)، فإنَّ تَأْخِيرَها عن (٤٥) القَدْرِ الذي يَضِيقُ عن فِعْلِها حَرَامٌ. فصل: فإن جَمَعَ في وَقْتِ الأُولَى اعْتُبِرَت المُوَاصَلَةُ بينهما، وهو أن لا يُفَرِّقَ بينهما إلَّا تَفْرِيقًا يَسِيرًا. فإنْ أطالَ الفَصْلَ بينهما بَطَلَ (٤٦)؛ لأنَّ مَعْنَى الجَمْعِ المُتَابَعَةُ أو المُقَارَنَةُ (٤٧)، ولم يُمْكن (٤٨) المُتَابَعَةُ فلم يَبْقَ إلا المُقَارَنَةُ (٤٧)، فإن فَرَّقَ بينهما تَفْرِيقًا كَثِيرًا، بَطَلَ الجَمْعُ، سَوَاءٌ فَرَّقَ بينهما لِنَوْمٍ أو سَهْوٍ أو شُغْلٍ أو قَصْدٍ أو غيرِ ذلك، لأنَّ الشَّرْطَ لا يَثْبُتُ المَشْرُوطُ بِدُونِه، وإن كان يَسِيرًا لم يَمْنَعْ، لأنه لا يُمْكِن التَّحَرُّزُ منه، والمَرْجِعُ في اليَسِيرِ والكَثِيرِ إلى العُرْفِ والعادَةِ، لا حَدَّ له سِوَى ذلك، وقَدَّرَهُ بعضُ أصْحابِنَا بِقَدْرِ الإِقامةِ والوُضُوءِ، والصَّحِيحُ: أنَّه لا حَدَّ له، لأنَّ ما لم يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِه لا سَبِيلَ إلى تَقْدِيرِه، والمَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، كالإِحْرَازِ والقَبْضِ، ومتى احْتَاجَ إلى الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ، فَعَلَه إذا لم يَطُلِ الفَصْلُ (٤٩)، وإن تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ، لم يَبْطُلِ الجَمْعُ، وإن صَلَّى بينهما السُّنَّةَ، بَطَلَ الجَمْعُ، لأنَّه فَرَّقَ بينهما بِصَلَاةٍ فيبْطُلُ (٥٠) الجَمْعُ، كما لو صَلَّى بينهما

стр. 1260

غيرَها. وعنه: لا يَبْطُلُ؛ لأنه تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ، أَشْبَه ما لو تَوَضَّأَ. وإن جَمَعَ في وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَازَ التَّفْرِيقُ؛ لأنَّه متى صَلَّى الأُولَى فالثَّانِيَةُ في وَقْتِها، لا تَخْرُجُ بِتَأْخِيرِها عن كَوْنِها مُؤَدَّاةً (٥١). وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ المُتَابَعَةَ مُشْتَرَطَةٌ؛ لأنَّ الجَمْعَ حَقِيقَتُه ضَمُّ الشَّىء إلى الشَّىء، ولا يَحْصُل مع التَّفْرِيقِ. والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ الأُولَى بعد وُقُوعِها صَحِيحَةً لا تَبْطُلُ بِشَىءٍ يُوجَدُ بعدَها، والثَّانِيَةُ لا تَقَعُ إلَّا في وَقْتِها. فصل: ومتى جَمَعَ في وَقْتِ الأُولَى اعْتُبِرَ وُجُودُ العُذْرِ المُبِيحِ حالَ افْتِتَاحِ الأُولَى والفَرَاغِ منها وافْتِتَاحِ الثَّانِيَة، فمتى زَالَ العُذْرُ في أحدِ هذه الثَّلاثةِ لم يُبَحِ الجَمْعُ. وإنْ زَالَ المَطرُ في أثْناءِ الأُولَى، ثم عادَ قبلَ الفَرَاغِ منها، أو انْقَطَعَ بعدَ الإِحْرامِ بالثَّانِيَةِ، جازَ الجَمْعُ، ولم يُؤَثِّر انْقِطَاعُه؛ لأنَّ العُذْرَ وُجِدَ في وَقْتِ النِّيَّةِ، وهو عندَ الإِحْرَامِ بالأُولَى، وفى وَقْتِ الجَمْعِ، وهو آخِرُ الأُولَى وأَوَّلُ الثَّانِيَةِ، فلم يَضُرَّ عَدَمُه في غير ذلك. فأما المُسَافِرُ إذا نَوَى الإِقامةَ في أثْناءِ الصلاةِ الأُولَى، انْقطَعَ الجَمْعُ والقَصْرُ، ولَزِمَهُ الإِتْمامُ. ولو عادَ فنَوَى السَّفَرَ، لم يُبَحْ له التَّرَخُّصُ حتى يُفارِقَ البَلَدَ الذي هو فيه. وإن نَوَى الإِقامةَ بعد الإِحْرامِ بالثَّانِيةِ، أو دَخَلَتْ به السَّفِينَةُ بَلَدَهُ في أثْنَائِها، احْتَمَلَ أن يُتِمَّها، ويَصِحُّ قِيَاسًا على انْقِطَاعِ المَطَرِ. قال بعضُ أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ: هذا الذي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَنْقَلِبَ نَفْلًا، ويَبْطُلَ الجَمْعُ؛ لأنَّه أحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ، فيبْطُل (٥٢) بذلك، كالقَصْرِ والمَسْحِ، ولأنَّه زالَ شَرْطُها في أثْنَائِها، أَشْبَهَ سائِرَ شُرُوطِها. ويُفَارِقُ انْقِطَاعَ المَطرِ من وَجْهَيْنِ: أحدُهما، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْقِطَاعُه؛ لاحْتِمَالِ عَوْدِه في أثْناءِ الصلاةِ، والثانى أن يَخْلُفَهُ عُذْرٌ مُبِيحٌ، وهو الوَحْلُ، بِخِلافِ مَسْأَلَتِنَا. وكذلك الحُكْمُ في المَرِيضِ يَبْرَأُ ويَزُولُ عُذْرُه في أثْنَاءِ الصَّلاةِ (٥٣) الثَّانِيَةِ. فأمَّا إنْ

стр. 1261

جَمَعَ بينهما في وَقْتِ الثانيةِ [اعْتُبِرَ بَقَاءُ] (٥٤) العُذْرِ إلى حينِ دُخُولِ وَقْتِها، فإنْ زَالَ في وَقْتِ الأُولَى، كالمَرِيضِ يَبْرَأُ، والمُسَافِرِ يَقْدَمُ، والمَطَرِ يَنْقَطِعُ، لم يُبَحِ الجَمْعُ؛ لِزَوَالِ سَبَبِه. وإن اسْتَمَرَّ إلى حينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَمَعَ، وإن زَالَ العُذْرُ؛ لأنَّهما صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ في ذِمَّتِه، ولا (٥٥) بُدَّ له من فِعْلِهما. فصل: وإن أتَمَّ الصَّلَاتَيْنِ في وَقْتِ الأُولَى، ثم زالَ العُذْرُ بعد فَراغِه منهما قبلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أجْزأتْه، ولم تَلْزَمْه الثَّانِيَةُ في وَقْتِها؛ لأنَّ الصلاةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً مُجْزِئَةً عن ما في [الذِّمَّةِ، فَبَرِئتْ] (٥٦) ذِمَّتُه منها، فلم تَشْتَغِل الذِّمَّةُ بها (٥٧) بعدَ ذلك، ولأنَّه أَدَّى فَرْضَه حَالَ العُذْرِ، فلم يَبْطُلْ بِزَوَالِه بعد ذلك، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ بعدَ فراغِه من الصلاةِ. فصل: وإذا جَمَعَ في وَقْتِ الأُولَى، فله أن يُصَلِّىَ سُنَّةَ الثَّانِيَةِ منهما، ويُوتِرَ قبلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيةِ؛ لأنَّ سُنَّتَها تابِعَةٌ لها، فَتَتْبَعُها في فعْلِها ووَقْتِها، والوِتْرُ وَقْتُه ما بين صلاةِ العِشاءِ إلى صلاةِ الصُّبْحِ، وقد صَلَّى العِشاءَ فدَخَلَ وَقْتُه. فصل: وإذا صَلَّى إحْدَى صَلَاتَىِ الجَمْعِ مع إمامٍ، وصَلَّى الثَّانِيَةَ مع إمامٍ آخَرَ، وصَلَّى معه مَأْمُومٌ في إحْدَى الصلاتَيْنِ، وصَلَّى معه في الثَّانِيَةِ مأْمُومٌ ثانٍ، صَحَّ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من الإِمامِ والمَأْمُومِ أحدُ مَن يَتِمُّ به الجَمْعُ، فلم يَجُزِ اخْتِلَافُه، [وإذا اشْتُرِطَ] (٥٨) دَوَامُه كالعُذْرِ اشْتُرِطَ دَوامُه في الصلاتَيْنِ. ولَنا، أنَّ لكُلِّ صَلَاةٍ حُكْمَ نَفْسِها، وهى مُنْفَرِدَة بِنِيَّتِها، فلم يُشْتَرَطِ

стр. 1262

اتِّحَاد الإِمامِ ولا المَأْمُومِ، كغيرِ المَجْمُوعَتَيْنِ. وقولُه: إنَّ الإِمامَ والمَأْمُومَ أحَدُ مَن يتمُّ به الجَمْعُ. لا يَصِحُّ، فإنَّه يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ والمُسَافِرِ الجَمْعُ مُنْفَرِدًا وفى المَطَرِ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وإنْ قُلنا: إنَّ الجَمْعَ في المَطَرِ لا يَصِحُّ إلَّا في الجماعةِ. فالذى يتِمُّ به الجَمْعُ الجماعةُ، لا عَيْنُ الإِمامِ والمَأْمُوم، ولم تَخْتَلَّ الجماعةُ، وعلى ما ذَكَرْناهُ، لو ائْتمَّ المَأْمُومُ بإمامٍ لا يَنْوِى الجَمْعَ، فنَوَاهُ المَأْمُومُ، فلمَّا سَلَّمَ الإِمامُ صَلَّى المَأْمُومُ الثانيةَ، جازَ؛ لأنَّنا أبَحْنَا له مُفَارَقَةَ إمَامِه في الصلاةِ الواحِدَةِ لِعُذْرٍ، ففى الصَّلَاتَيْنِ أوْلَى، ولأنَّ نِيَّتَهُما (٥٩) لم تَخْتَلِفْ في الصلاةِ الأُولَى، وإنَّما نَوَى أن يَفْعَلَ فِعْلًا في غيرِها، فأشْبَهَ ما لو نَوَى المُسَافِرُ في الصلاةِ الأُولَى إتْمامَ الثَّانِية، وكذلك (٦٠) لو صَلَّى المُسافِرُ بِمُقِيمِينَ، فنَوَى الجَمْعَ، فلما صَلَّى بهم الأُولَى قامَ فصَلَّى الثَّانِيَةَ، جازَ على هذا. وكذلك لو صَلَّى أحَدَ صَلاتَىِ الجَمْعِ مُنْفَرِدًا، ثم حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ يُصَلُّون الثانيةَ، فأمَّهم فيها، أو صَلَّى معَهم مَأْمُومًا، جَازَ. وقَوْلُ ابنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِى أنْ لا يجوزَ شىْءٌ من ذلك. ٢٧٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا نَسِىَ صَلَاةَ حَضَرٍ، فَذَكَرَهَا فِى السَّفَرِ، أوْ صَلَاةَ سَفَرٍ، فذَكَرَها في الْحَضَرِ، صَلَّى في الحَالَتَيْنِ (١) صَلَاةَ حَضَرٍ) نَصَّ أحمدُ، ﵀، على هاتَيْنِ المَسْألتَيْنِ في رِوَايَةِ أبِى دَاوُدَ والأثْرَمِ. قال في رِوايةِ الأثْرَمِ: أمَّا المُقِيمُ إذا ذَكَرَها في السَّفَرِ، فذاك بالإِجْماعِ يُصَلِّى أرْبَعًا، وإذا نَسِيَها في السَّفَرِ، فذَكَرَها في الحَضَرِ، صَلَّى أرْبَعًا بالاحْتِيَاطِ، فإنَّما وَجَبَتْ عليه السَّاعَةَ، فذَهَبَ أبو عبدِ اللهِ، ﵀، إلى ظَاهِرِ الحَدِيثِ: "فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَهَا" (٢). أمَّا إذا نَسِىَ صلاةَ الحَضَرِ، فذَكَرَها في السَّفَرِ، فعليه الإِتْمَامُ

стр. 1263

إجْمَاعًا، ذَكَرَه الإِمامُ أحمدُ وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ الصلاةَ تَعَيَّنَ عليه فِعْلُها أرْبَعًا، فلم يَجُزْ له النُّقْصَانُ مِن عَدَدِها، كما لو [لم يُسافِرْ] (٣)، ولأنَّه إنَّما يَقْضِى ما فَاتَه، وقد فَاتَه أرْبَعٌ. وأمَّا إن نَسِىَ صلاةَ السَّفَرِ، فذَكَرَها في الحَضَرِ، فقال أحمدُ: عليه الإِتْمَامُ احْتِيَاطًا. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، ودَاوُدُ، والشَّافِعِىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: يُصَلِّيها صلاةَ سَفَرٍ؛ لأنَّه إنَّما يَقْضِى ما فَاتَه، ولم يَفُتْه إلَّا رَكْعَتانِ. ولَنا، أنَّ القَصْرَ رُخْصَةٌ من رُخَصِ السَّفَرَ، فيَبْطُلُ بِزَوَالِه، كالمَسْحِ ثَلَاثًا. ولأنَّها وَجَبَتْ عليه في الحَضَرِ، بدَلِيلِ قولِه ﷺ : "فَلْيُصَلِّها إذَا ذَكَرَهَا". ولأنَّها عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيْها في الحَضَرِ، غلَب فيها حُكْمُه، كما لو دَخَلَتْ به السَّفِينَةُ البَلَدَ في أثْناء الصلاةِ، وكالمَسْحِ. وقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بالجُمُعَةِ (٤) إذا فاتَتْ، وبالمُتَيَمِّمِ إذا فَاتَتْه الصَّلَاةُ، فقَضاها عندَ وُجُودِ الماءِ. فصل: وإن نَسِيَها في سَفَرٍ، فذَكَرَها فيه، قَضَاها مَقْصُورَةً، لأنَّها وَجَبَتْ في السَّفَرِ، وفُعِلَتْ فيه، أشبَهَ ما لو صَلَّاهَا في وَقْتِها. وإن ذَكَرَها في سَفَرٍ آخَرَ، فكذلك؛ لما ذَكَرْنَا. وسَوَاءٌ ذَكَرَها في الحَضَرِ أو لم يَذْكُرْها. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا (٥) ذَكَرَها في الحَضَرِ لَزِمَتْهُ تَامَّةً؛ لأنَّه وَجَبَ عليه فِعْلُها تَامَّةً بِذِكْرِه إيَّاها. فَبَقِيَتْ في ذِمَّتِه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ وُجُوبَها وفِعْلَها في السَّفَرِ، فكانَتْ صلاةَ سَفَرٍ، كما لو لم يَذْكُرْها في الحَضَرِ. وذَكَرَ بعضُ أصْحَابِنا، أنَّ مِن شَرْطِ القَصْرِ كَوْنَ الصلاةِ مُؤَدَّاةً؛ لأنَّها صلاةٌ مَقْصُورَةٌ، فاشْتُرِطَ لها الوَقْتُ، كالجُمُعَةِ. وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّ هذا اشْتِرَاطٌ بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ لم يَرِد الشَّرْعُ به، والقِياسُ على الجُمُعَةِ غيرُ

стр. 1264

صَحِيحٍ، فإنَّ الجُمُعَةَ لا تُقْضَى، ويُشْتَرَطُ لها الخُطْبَتانِ والعَدَدُ والاسْتِيطَانُ، فجاز اشْتِرَاطُ الوَقْتِ لها، بِخِلافِ صلاةِ السَّفَرِ. فصل: وإذا سَافَرَ بعد دُخُولِ [وَقْتِ الصلاةِ] (٦)، فقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه رِوَايتانِ؛ إحْدَاهما، لَهُ (٧) قَصْرُها. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ أنَّ له قَصْرَها. وهذا قولُ مالكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصحْابِ الرَّأْى؛ لأنَّه سَافَرَ قبلَ خُرُوجِ وَقْتِها. أشْبَهَ ما لو سافَرَ قبلَ وُجُوبِها. والثانية، ليس له قَصْرها؛ لأنَّها وَجَبَتْ عليه في الحَضَرِ، فلَزِمَهُ إتْمَامُها، كما لو سَافَرَ بعد خُرُوجِ وَقْتِها، أو بعدَ إحْرَامِه بها، وفارَق ما قَبْلَ الوَقْتِ؛ لأنَّ الصلاةَ لم تَجِبْ عليه. ٢٧٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا دَخَلَ مَعَ مُقِيمٍ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، أَتَمَّ) (١) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُسَافِرَ متى ائْتَمَّ بمُقِيمٍ، لَزِمَهُ الإِتْمامُ، سَوَاءٌ أدْرَكَ جَمِيعَ الصلاةِ أو رَكْعَةً، أو أقَلَّ. قال الأثْرَمُ: سألْتُ أبا عبدِ اللهِ عن المُسَافِرِ، يَدْخُلُ في تَشَهُّدِ الْمُقِيمين (٢)؟ قال: يُصَلِّى أرْبَعًا. وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وجماعةٍ من التَّابِعِينَ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال إسحاقُ: لِلْمُسَافِرِ القَصْرُ؛ لأنَّها صَلَاةٌ يَجُوزُ فِعْلُها رَكْعَتَيْنِ، فلم تَزِدْ بالائْتِمامِ، كالفَجْرِ. وقال طَاوُسٌ، والشَّعْبِىُّ، وَتَمِيمُ بنُ حَذْلَمٍ (٣)، في المُسَافِرِ يُدْركُ من صلاةِ المُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ: يُجْزِيَانِ. وقال الحسنُ،

стр. 1265

والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ: إنْ أدْرَكَ رَكعَةً أتمَّ، وإن أَدْرَكَ دُونَها قَصَرَ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ مِنَ (٤) الصلاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ" (٥). ولأنَّ من أدْرَكَ من الجُمُعَةِ رَكْعَةً أتَمَّها جُمُعَةً، ومَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن ذلك، لا يَلْزَمُه فَرْضُها. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قِيلَ له: ما بالُ المُسَافِرِ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ في حَالِ الانْفِرَادِ، وأرْبَعًا إذا ائْتَمَّ بمُقِيمٍ؟ فقال: تلك السُّنَّةُ. رَوَاه أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٦)، وقولُه: السُّنَّةُ. يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ . ولأنَّه فِعْلُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولا نَعْرِفُ لهم في عَصْرِهمْ مُخَالِفًا. قال نَافِعٌ: كان ابنُ عُمرَ إذا صَلَّى مع الإِمامِ صَلَّاها أرْبَعًا، وإذا صَلَّى وَحْدَه صَلَّاها رَكعَتَيْنِ. رَوَاه مُسْلِمٌ (٧). ولأنَّ هذه صَلَاةٌ مَرْدُودةٌ من أرْبَعٍ إلى رَكْعَتَيْنِ، فلا يُصَلِّيها خَلْفَ مَن يُصَلِّى الأرْبَعَ كالجُمُعَةِ. وما ذَكَرَهُ إسحاقُ لا يَصِحُّ عِنْدَنا؛ فإنَّه لا تَصِحُّ له صلاةُ الفَجْرِ خَلْفَ مَن يُصَلِّى رُباعِيَّةً (٨)، وإدْرَاكُ الجُمُعَةِ يُخالِفُ ما نحنُ فيه، فإنَّه لو أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الجُمُعَةِ رَجَعَ إلى رَكْعَتَيْنِ، وهذا بخِلَافِه. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ" (٩). ومُفَارَقَةُ إمَامِه اخْتِلَافٌ عليه، فلم يَجُزْ مع إمْكانِ مُتَابَعَتِه. وإذا أحْرَمَ المُسافِرُونَ خَلْفَ مُسافِرٍ فأحْدَثَ، واسْتَخْلَفَ مُسافِرًا آخَرَ، فلهم القَصْرُ؛ لأنَّهم لم يَأْتَمُّوا بِمُقِيمٍ. وإن اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِمَهُم الإِتْمَامُ؛ لأنَّهم ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ، ولِلْإمامِ الذي أحْدَثَ أن يُصَلِّىَ صَلَاةَ المُسَافِرِ؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمُقِيمٍ. ولو صَلَّى المُسافِرُونَ خَلْفَ مُقِيمٍ، فأحْدَثَ واسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا أو مُقِيمًا، لَزِمَهُم الإِتْمامُ؛ لأنَّهم ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ.
следующие страницы →