جَمَعَ بينهما في وَقْتِ الثانيةِ [اعْتُبِرَ بَقَاءُ] (٥٤) العُذْرِ إلى حينِ دُخُولِ وَقْتِها، فإنْ زَالَ في وَقْتِ الأُولَى، كالمَرِيضِ يَبْرَأُ، والمُسَافِرِ يَقْدَمُ، والمَطَرِ يَنْقَطِعُ، لم يُبَحِ الجَمْعُ؛ لِزَوَالِ سَبَبِه. وإن اسْتَمَرَّ إلى حينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَمَعَ، وإن زَالَ العُذْرُ؛ لأنَّهما صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ في ذِمَّتِه، ولا (٥٥) بُدَّ له من فِعْلِهما.
فصل: وإن أتَمَّ الصَّلَاتَيْنِ في وَقْتِ الأُولَى، ثم زالَ العُذْرُ بعد فَراغِه منهما قبلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أجْزأتْه، ولم تَلْزَمْه الثَّانِيَةُ في وَقْتِها؛ لأنَّ الصلاةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً مُجْزِئَةً عن ما في [الذِّمَّةِ، فَبَرِئتْ] (٥٦) ذِمَّتُه منها، فلم تَشْتَغِل الذِّمَّةُ بها (٥٧) بعدَ ذلك، ولأنَّه أَدَّى فَرْضَه حَالَ العُذْرِ، فلم يَبْطُلْ بِزَوَالِه بعد ذلك، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ بعدَ فراغِه من الصلاةِ.
فصل: وإذا جَمَعَ في وَقْتِ الأُولَى، فله أن يُصَلِّىَ سُنَّةَ الثَّانِيَةِ منهما، ويُوتِرَ قبلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيةِ؛ لأنَّ سُنَّتَها تابِعَةٌ لها، فَتَتْبَعُها في فعْلِها ووَقْتِها، والوِتْرُ وَقْتُه ما بين صلاةِ العِشاءِ إلى صلاةِ الصُّبْحِ، وقد صَلَّى العِشاءَ فدَخَلَ وَقْتُه.
فصل: وإذا صَلَّى إحْدَى صَلَاتَىِ الجَمْعِ مع إمامٍ، وصَلَّى الثَّانِيَةَ مع إمامٍ آخَرَ، وصَلَّى معه مَأْمُومٌ في إحْدَى الصلاتَيْنِ، وصَلَّى معه في الثَّانِيَةِ مأْمُومٌ ثانٍ، صَحَّ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من الإِمامِ والمَأْمُومِ أحدُ مَن يَتِمُّ به الجَمْعُ، فلم يَجُزِ اخْتِلَافُه، [وإذا اشْتُرِطَ] (٥٨) دَوَامُه كالعُذْرِ اشْتُرِطَ دَوامُه في الصلاتَيْنِ. ولَنا، أنَّ لكُلِّ صَلَاةٍ حُكْمَ نَفْسِها، وهى مُنْفَرِدَة بِنِيَّتِها، فلم يُشْتَرَطِ
стр. 1262
اتِّحَاد الإِمامِ ولا المَأْمُومِ، كغيرِ المَجْمُوعَتَيْنِ. وقولُه: إنَّ الإِمامَ والمَأْمُومَ أحَدُ مَن يتمُّ به الجَمْعُ. لا يَصِحُّ، فإنَّه يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ والمُسَافِرِ الجَمْعُ مُنْفَرِدًا وفى المَطَرِ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وإنْ قُلنا: إنَّ الجَمْعَ في المَطَرِ لا يَصِحُّ إلَّا في الجماعةِ. فالذى يتِمُّ به الجَمْعُ الجماعةُ، لا عَيْنُ الإِمامِ والمَأْمُوم، ولم تَخْتَلَّ الجماعةُ، وعلى ما ذَكَرْناهُ، لو ائْتمَّ المَأْمُومُ بإمامٍ لا يَنْوِى الجَمْعَ، فنَوَاهُ المَأْمُومُ، فلمَّا سَلَّمَ الإِمامُ صَلَّى المَأْمُومُ الثانيةَ، جازَ؛ لأنَّنا أبَحْنَا له مُفَارَقَةَ إمَامِه في الصلاةِ الواحِدَةِ لِعُذْرٍ، ففى الصَّلَاتَيْنِ أوْلَى، ولأنَّ نِيَّتَهُما (٥٩) لم تَخْتَلِفْ في الصلاةِ الأُولَى، وإنَّما نَوَى أن يَفْعَلَ فِعْلًا في غيرِها، فأشْبَهَ ما لو نَوَى المُسَافِرُ في الصلاةِ الأُولَى إتْمامَ الثَّانِية، وكذلك (٦٠) لو صَلَّى المُسافِرُ بِمُقِيمِينَ، فنَوَى الجَمْعَ، فلما صَلَّى بهم الأُولَى قامَ فصَلَّى الثَّانِيَةَ، جازَ على هذا. وكذلك لو صَلَّى أحَدَ صَلاتَىِ الجَمْعِ مُنْفَرِدًا، ثم حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ يُصَلُّون الثانيةَ، فأمَّهم فيها، أو صَلَّى معَهم مَأْمُومًا، جَازَ. وقَوْلُ ابنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِى أنْ لا يجوزَ شىْءٌ من ذلك.
٢٧٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا نَسِىَ صَلَاةَ حَضَرٍ، فَذَكَرَهَا فِى السَّفَرِ، أوْ صَلَاةَ سَفَرٍ، فذَكَرَها في الْحَضَرِ، صَلَّى في الحَالَتَيْنِ (١) صَلَاةَ حَضَرٍ)
نَصَّ أحمدُ، ﵀، على هاتَيْنِ المَسْألتَيْنِ في رِوَايَةِ أبِى دَاوُدَ والأثْرَمِ. قال في رِوايةِ الأثْرَمِ: أمَّا المُقِيمُ إذا ذَكَرَها في السَّفَرِ، فذاك بالإِجْماعِ يُصَلِّى أرْبَعًا، وإذا نَسِيَها في السَّفَرِ، فذَكَرَها في الحَضَرِ، صَلَّى أرْبَعًا بالاحْتِيَاطِ، فإنَّما وَجَبَتْ عليه السَّاعَةَ، فذَهَبَ أبو عبدِ اللهِ، ﵀، إلى ظَاهِرِ الحَدِيثِ: "فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَهَا" (٢). أمَّا إذا نَسِىَ صلاةَ الحَضَرِ، فذَكَرَها في السَّفَرِ، فعليه الإِتْمَامُ
стр. 1263
إجْمَاعًا، ذَكَرَه الإِمامُ أحمدُ وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ الصلاةَ تَعَيَّنَ عليه فِعْلُها أرْبَعًا، فلم يَجُزْ له النُّقْصَانُ مِن عَدَدِها، كما لو [لم يُسافِرْ] (٣)، ولأنَّه إنَّما يَقْضِى ما فَاتَه، وقد فَاتَه أرْبَعٌ. وأمَّا إن نَسِىَ صلاةَ السَّفَرِ، فذَكَرَها في الحَضَرِ، فقال أحمدُ: عليه الإِتْمَامُ احْتِيَاطًا. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، ودَاوُدُ، والشَّافِعِىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: يُصَلِّيها صلاةَ سَفَرٍ؛ لأنَّه إنَّما يَقْضِى ما فَاتَه، ولم يَفُتْه إلَّا رَكْعَتانِ. ولَنا، أنَّ القَصْرَ رُخْصَةٌ من رُخَصِ السَّفَرَ، فيَبْطُلُ بِزَوَالِه، كالمَسْحِ ثَلَاثًا. ولأنَّها وَجَبَتْ عليه في الحَضَرِ، بدَلِيلِ قولِه ﷺ : "فَلْيُصَلِّها إذَا ذَكَرَهَا". ولأنَّها عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيْها في الحَضَرِ، غلَب فيها حُكْمُه، كما لو دَخَلَتْ به السَّفِينَةُ البَلَدَ في أثْناء الصلاةِ، وكالمَسْحِ. وقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بالجُمُعَةِ (٤) إذا فاتَتْ، وبالمُتَيَمِّمِ إذا فَاتَتْه الصَّلَاةُ، فقَضاها عندَ وُجُودِ الماءِ.
فصل: وإن نَسِيَها في سَفَرٍ، فذَكَرَها فيه، قَضَاها مَقْصُورَةً، لأنَّها وَجَبَتْ في السَّفَرِ، وفُعِلَتْ فيه، أشبَهَ ما لو صَلَّاهَا في وَقْتِها. وإن ذَكَرَها في سَفَرٍ آخَرَ، فكذلك؛ لما ذَكَرْنَا. وسَوَاءٌ ذَكَرَها في الحَضَرِ أو لم يَذْكُرْها. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا (٥) ذَكَرَها في الحَضَرِ لَزِمَتْهُ تَامَّةً؛ لأنَّه وَجَبَ عليه فِعْلُها تَامَّةً بِذِكْرِه إيَّاها. فَبَقِيَتْ في ذِمَّتِه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ وُجُوبَها وفِعْلَها في السَّفَرِ، فكانَتْ صلاةَ سَفَرٍ، كما لو لم يَذْكُرْها في الحَضَرِ. وذَكَرَ بعضُ أصْحَابِنا، أنَّ مِن شَرْطِ القَصْرِ كَوْنَ الصلاةِ مُؤَدَّاةً؛ لأنَّها صلاةٌ مَقْصُورَةٌ، فاشْتُرِطَ لها الوَقْتُ، كالجُمُعَةِ. وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّ هذا اشْتِرَاطٌ بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ لم يَرِد الشَّرْعُ به، والقِياسُ على الجُمُعَةِ غيرُ
стр. 1264
صَحِيحٍ، فإنَّ الجُمُعَةَ لا تُقْضَى، ويُشْتَرَطُ لها الخُطْبَتانِ والعَدَدُ والاسْتِيطَانُ، فجاز اشْتِرَاطُ الوَقْتِ لها، بِخِلافِ صلاةِ السَّفَرِ.
فصل: وإذا سَافَرَ بعد دُخُولِ [وَقْتِ الصلاةِ] (٦)، فقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه رِوَايتانِ؛ إحْدَاهما، لَهُ (٧) قَصْرُها. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ أنَّ له قَصْرَها. وهذا قولُ مالكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصحْابِ الرَّأْى؛ لأنَّه سَافَرَ قبلَ خُرُوجِ وَقْتِها. أشْبَهَ ما لو سافَرَ قبلَ وُجُوبِها. والثانية، ليس له قَصْرها؛ لأنَّها وَجَبَتْ عليه في الحَضَرِ، فلَزِمَهُ إتْمَامُها، كما لو سَافَرَ بعد خُرُوجِ وَقْتِها، أو بعدَ إحْرَامِه بها، وفارَق ما قَبْلَ الوَقْتِ؛ لأنَّ الصلاةَ لم تَجِبْ عليه.
٢٧٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا دَخَلَ مَعَ مُقِيمٍ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، أَتَمَّ) (١)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُسَافِرَ متى ائْتَمَّ بمُقِيمٍ، لَزِمَهُ الإِتْمامُ، سَوَاءٌ أدْرَكَ جَمِيعَ الصلاةِ أو رَكْعَةً، أو أقَلَّ. قال الأثْرَمُ: سألْتُ أبا عبدِ اللهِ عن المُسَافِرِ، يَدْخُلُ في تَشَهُّدِ الْمُقِيمين (٢)؟ قال: يُصَلِّى أرْبَعًا. وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وجماعةٍ من التَّابِعِينَ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال إسحاقُ: لِلْمُسَافِرِ القَصْرُ؛ لأنَّها صَلَاةٌ يَجُوزُ فِعْلُها رَكْعَتَيْنِ، فلم تَزِدْ بالائْتِمامِ، كالفَجْرِ. وقال طَاوُسٌ، والشَّعْبِىُّ، وَتَمِيمُ بنُ حَذْلَمٍ (٣)، في المُسَافِرِ يُدْركُ من صلاةِ المُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ: يُجْزِيَانِ. وقال الحسنُ،
стр. 1265
والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ: إنْ أدْرَكَ رَكعَةً أتمَّ، وإن أَدْرَكَ دُونَها قَصَرَ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ مِنَ (٤) الصلاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ" (٥). ولأنَّ من أدْرَكَ من الجُمُعَةِ رَكْعَةً أتَمَّها جُمُعَةً، ومَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن ذلك، لا يَلْزَمُه فَرْضُها. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قِيلَ له: ما بالُ المُسَافِرِ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ في حَالِ الانْفِرَادِ، وأرْبَعًا إذا ائْتَمَّ بمُقِيمٍ؟ فقال: تلك السُّنَّةُ. رَوَاه أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٦)، وقولُه: السُّنَّةُ. يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ . ولأنَّه فِعْلُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولا نَعْرِفُ لهم في عَصْرِهمْ مُخَالِفًا. قال نَافِعٌ: كان ابنُ عُمرَ إذا صَلَّى مع الإِمامِ صَلَّاها أرْبَعًا، وإذا صَلَّى وَحْدَه صَلَّاها رَكعَتَيْنِ. رَوَاه مُسْلِمٌ (٧). ولأنَّ هذه صَلَاةٌ مَرْدُودةٌ من أرْبَعٍ إلى رَكْعَتَيْنِ، فلا يُصَلِّيها خَلْفَ مَن يُصَلِّى الأرْبَعَ كالجُمُعَةِ. وما ذَكَرَهُ إسحاقُ لا يَصِحُّ عِنْدَنا؛ فإنَّه لا تَصِحُّ له صلاةُ الفَجْرِ خَلْفَ مَن يُصَلِّى رُباعِيَّةً (٨)، وإدْرَاكُ الجُمُعَةِ يُخالِفُ ما نحنُ فيه، فإنَّه لو أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الجُمُعَةِ رَجَعَ إلى رَكْعَتَيْنِ، وهذا بخِلَافِه. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ" (٩). ومُفَارَقَةُ إمَامِه اخْتِلَافٌ عليه، فلم يَجُزْ مع إمْكانِ مُتَابَعَتِه. وإذا أحْرَمَ المُسافِرُونَ خَلْفَ مُسافِرٍ فأحْدَثَ، واسْتَخْلَفَ مُسافِرًا آخَرَ، فلهم القَصْرُ؛ لأنَّهم لم يَأْتَمُّوا بِمُقِيمٍ. وإن اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِمَهُم الإِتْمَامُ؛ لأنَّهم ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ، ولِلْإمامِ الذي أحْدَثَ أن يُصَلِّىَ صَلَاةَ المُسَافِرِ؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمُقِيمٍ. ولو صَلَّى المُسافِرُونَ خَلْفَ مُقِيمٍ، فأحْدَثَ واسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا أو مُقِيمًا، لَزِمَهُم الإِتْمامُ؛ لأنَّهم ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ.
стр. 1266
فإن (١٠) اسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا لم يكنْ معهم في الصلاةِ، فله أن يُصَلِّىَ صلاةَ السَّفَرِ؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمُقِيمٍ.
فصل: وإذا أحْرَمَ المُسافِرُ خَلْفَ مُقِيمٍ، أو مَن يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه مُقِيمٌ، أو مَن يَشُكُّ هل هو مُقِيمٌ أو مُسَافِرٌ؟ لَزِمَه (١١) الإِتْمامُ، وإن قَصَرَ إمَامُه؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الصلاةِ تَامَّةً، فليس له نِيَّةُ قَصْرِها مع الشَّكِّ في وُجُوبِ إتْمَامِها، ويَلْزَمُه إتْمَامُها اعْتِبَارًا بالنِّيَّةِ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. وإن غَلَبَ على ظَنِّه أنَّ الإِمامَ مُسَافِرٌ؛ لِرُؤْيَةِ حِلْيَةِ المُسافِرِينَ عليه وآثَارِ السَّفَرِ، فله أنْ يَنْوِىَ القَصْرَ، فإنْ قَصَرَ إمامُه قَصَرَ معه، وإن أتَمَّ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُه، وإن نَوَى الإِتْمَامَ لَزِمَهُ الإِتْمامُ، سواءٌ قَصَرَ إمَامُه، أو أتَمَّ، اعْتِبَارًا بالنِّيَّةِ. وإن نَوَى القَصْرَ فأحْدَثَ إمَامُه قبلَ عِلْمِهِ بحالِه، فله القَصْرُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ إمَامَهُ مُسَافِرٌ، لِوُجُودِ دَلِيلهِ، وقد أُبِيحَتْ له نِيَّةُ القَصْرِ، بِنَاءً على هذا الظَّاهِرِ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهُ الإِتْمامُ احْتِياطا.
فصل: إذا صَلَّى المُسَافِرُ صلاةَ الخَوْفِ بمُسَافِرِينَ، ففَرَّقَهم فِرْقَتَيْنِ، فأحْدَثَ قبلَ مُفارَقةِ الطَّائِفَةِ الأولَى، واسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِمَ الطَّائِفَتَيْنِ الإِتْمَامُ، لِوُجُودِ الائْتِمَامِ بمُقِيمٍ، [وإن كان ذلك بعدَ مُفَارَقَةِ الأُولَى، أَتَمَّتِ الثَّانِيَةُ وَحْدَها، لاخْتِصَاصِها بالائْتِمامِ بالمُقِيمِ] (١٢). وإنْ كان الإِمامُ مُقِيمًا، فاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا ممَّن كان معه في الصَّلَاةِ، فعلى الجَمِيعِ الإِتْمامُ؛ لأنَّ المُسْتَخْلَفَ قد لَزِمَهُ الإِتْمَامُ باقْتِدَائِه بالمُقِيمِ، فصارَ كالمُقِيمِ، وإنْ لم يكنْ دَخَلَ معه في الصلاةِ، وكان اسْتِخْلَافُه قبلَ مُفَارَقَةِ الأُولَى، فعليها الإِتْمامُ؛ لائْتِمَامِها بمُقِيمٍ، ويَقْصُرُ الإِمامُ والطَّائِفَةُ الثانيةُ. وإن اسْتُخْلِفَ بعد دُخُولِ الثَّانِيَةِ معه، فعلى الجَمِيع الإِتْمامُ،
стр. 1267
وللمُسْتَخْلَفِ القَصْرُ وَحْدَه؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمُقِيمٍ.
٢٧٦ - مسألة؛ قال: (وإذا صَلَّى مُسَافِرٌ ومُقِيمٌ خَلْفَ مُسَافِرٍ، أَتَمَّ المُقِيمُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ)
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُقِيمَ إذا ائْتَمَّ بالمُسَافِرِ، وسَلَّمَ المُسَافِرُ من رَكْعَتَيْنِ، أنَّ على المُقِيمِ إتْمَامَ الصلاةِ. وقد رُوِىَ عن (١) عِمْرَانَ بن حُصَينٍ قال: شَهِدْتُ الفَتْحَ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فأقَامَ بمَكَّةَ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، لا يُصَلِّى إلَّا رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يقولُ لأَهْلِ البَلَدِ: "صَلُّوا أَرْبَعًا، فإنَّا سَفْرٌ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢). ولأنَّ الصلاةَ وَاجِبَةٌ عليه أرْبَعًا، فلم يكن له تَرْكُ شىْءٍ من رَكَعاتِها، كما لو لم يَأْتَمَّ بمُسافِرٍ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذا صَلَّى بمُقِيمِينَ أن يقولَ لهم عَقِيبَ تَسْلِيمهِ: أَتِمُّوا، فإنَّا سَفْرٌ. لما ذَكَرْنا من الحَدِيثِ، ولِئَلَّا يَشْتَبِهَ على الجَاهِلِ عَدَدُ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، فيَظُنَّ أنَّ الرُّبَاعِيةَ رَكْعَتانِ. وقد رَوَى الأَثْرَمُ، عن الزُّهْرِىِّ، أنَّ عُثمانَ إنَّما أتَمَّ الصلاةَ لأنَّ الأعْرَابَ حَجُّوا، فأرَادَ أن يُعَرِّفَهُمْ أنَّ الصلاةَ أرْبَعٌ.
فصل: وإذَا أمَّ المُسَافِرُ المُقِيمِينَ، فأتَمَّ بهم الصلاةَ، فصلاتُهم تَامَّةٌ صَحِيحَةٌ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ وإسحاقُ. وقال أبو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِىُّ: تَفْسُدُ صلاةُ المُقِيمِينَ، وتَصِحُّ صلاةُ الإِمامِ والمُسَافِرِينَ معه. وعن أحمدَ نحوُ ذلك. قال القاضي: لأنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ نَفْلٌ من الإِمامِ، فلا يَؤُمُّ بها مُفتَرِضِينَ. ولنَا، أنَّ المُسَافِرَ يَلْزَمُه الإِتْمامُ بِنِيَّتِه، فيكونُ الجميعُ (٣) وَاجِبًا، ولو (٤) كانتْ نَفْلًا
стр. 1268
فائْتِمَامُ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ جائِزٌ، على ما مَضَى.
فصل: وإنْ أمَّ المُسَافِرُ مُسافِرِينَ، فنَسِىَ فصلاهَا تَامَّةً، صَحَّتْ صلاتُه وصلاتُهم، ولا يَلْزَمُ لذلك سُجُودُ سَهْوٍ؛ لأنَّها زِيَادَةٌ لا يُبْطِلُ الصلاةَ عَمْدُها، فلا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِها، كزِيَاداتِ الأقْوَالِ، مثلِ القِرَاءَةِ في السُّجُودِ والقُعُودِ، وهل يُشْرَعُ السُّجُودُ لها؟ يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَيْنِ في الزِّياداتِ المَذْكُورَة. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ أَنَّه لا يَحْتاجُ إلى سُجُودٍ؛ لأنَّه أتَى بالأصْلِ فلم يَحْتَجْ إلى جُبْرانٍ. ووَجْهُ مَشْرُوعِيَّتِه أنَّ هذه زِيادَةٌ نَقَصَتِ الفَضِيلَةَ، وأخَلَّتْ بالكَمَالِ، فأشْبَهَتِ القِراءةَ في غير مَحَلِّها، وقِرَاءَةَ السُّورَةِ في الأُخْرَيَيْنِ. وإذا ذَكَرَ الإِمامُ بعد قِيَامِه إلى الثَّالِثَة، لم يَلْزَمْهُ الإِتْمَامُ، وله أن يَجْلِسَ، فإنَّ المُوجبَ لِلْإِتْمامِ نِيَّتُه، أو الائْتِمامُ بمُقِيمٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما. وإنْ عَلِمَ المَأْمُومُ أنَّ قِيَامَه لِسَهْوٍ، وسَبَّحُوا به، لم يَلْزَمْهُ مُتَابَعَتُه؛ لأنَّه سَهْوٌ فلا يَجِبُ اتِّبَاعُه فيه، ولهم مُفارَقَتُه إن لم يَرْجِعْ، كما لو قامَ إلى ثَالِثَة في الفَجْرِ، وإنْ تَابَعُوهُ لم [تبْطُلْ صلاتُهم؛ لأنَّها زيادةٌ لا] (٥) تُبْطِلُ صلاة الإِمَامِ، فلا تَبْطُلُ صَلَاةُ المَأْمُومِ بمُتَابَعَتِه فيها، كزِيَاداتِ الأقْوَالِ، ولأنَّهم لو فارَقُوا الإِمامَ، وأَتَمُّوا، صَحَّتْ صلاتُهم، فمع مُوَافَقَتِه أوْلَى. وقال القاضي: تَفْسُدُ صلاتُهم؛ لأنَّهم زَادُوا رَكْعَتَيْنِ عَمْدًا. وإنْ لم يَعْلَمُوا هلْ قَامَ سَهْوًا أو عَمْدًا، لَزِمَهُم مُتَابَعَتُه، ولم يكنْ لهم مُفَارَقَتُه، لأنَّ حُكْمَ وُجُوبِ المُتَابَعَةِ ثَابِتٌ. فلا يزُولُ بالشَّكِّ.
٢٧٧ - مسألة؛ قال: (وإذا نَوَى المُسَافِرُ الإِقَامَةَ في بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إحْدَى وعِشْرِينَ صَلَاةً، أَتَمَّ)
المَشْهُورُ عن أحمدَ، ﵀، أنَّ المُدَّةَ التي تُلْزِمُ المُسَافِرَ الإِتْمامَ بِنِيَّةِ
стр. 1269
الإِقامةِ فيها، هي ما كان أكْثَرَ من إحْدَى وعِشْرِينَ صَلَاةً. رَوَاه الأثْرَمُ، والمرُّوذِىُّ، وغيرُهما. وعنه أنَّه إذا نَوَى إقامةَ أرْبَعةِ أيَّامٍ أتَمَّ، وإن نَوَى دُونَها قَصَرَ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ الثَّلاثَ حَدُّ القِلَّةِ، بدَلِيلِ قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "يُقِيمُ المُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِه (١) ثَلَاثًا" (٢). ولمَّا أخْلَى عمرُ رَضِىَ اللهُ عنه، أهْلَ الذِّمَّةِ، ضَرَبَ لمن قَدِمَ منهم (٣) تَاجِرًا ثلاثًا (٤)، فدَلَّ على أنَّ الثَّلَاثَ في حُكْمِ السَّفَرِ، وما زَادَ في حُكْمِ الإِقَامَةِ. ورُوِىَ (٥) هذا القولُ عن عُثمانَ، رَضِىَ اللهُ عنه. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: إن أقامَ خمسةَ عَشَرَ يَوْمًا مع اليَوْمِ الذي يَخْرُجُ فيه أتَمَّ، وإنْ نَوَى دُونَ ذلك قَصَرَ. وَرُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، والليْثِ بن سَعْدٍ؛ لما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، أنَّهما قالا: إذا قَدِمْتَ وفى نَفْسِكَ أن تُقِيمَ بها خمسَ عَشَرَةَ لَيْلَة فأكْمِلِ الصلاةَ. ولا يُعْرَفُ لهما (٦) مُخَالِفٌ. ورُوِىَ عن سَعِيد بن المُسَيَّبِ مثلُ هذا القَوْلِ. ورَوَى عنه قتادَةُ، قال: إذا أقَمْتَ أرْبَعًا فَصَلِّ أرْبَعًا، وَرُوِى عن عليٍّ، رَضِى اللهُ عنه، قال: يُتِمُّ الصلاةَ الذي يُقِيمُ عَشْرًا، ويَقْصُرُ الصلاةَ الذي يقولُ: أخْرُجُ اليومَ أخْرُجُ غدًا. شَهْرًا. وهذا قولُ محمدِ بن عليٍّ وابنِه، والحسنِ بن صَالِحٍ. وعن ابنِ عَبَّاسٍ قال: إذا قَدِمْتَ
стр. 1270
بَلْدَةً، فلم تَدْرِ متى تَخْرُجُ، فأتِمَّ الصلاةَ، وإن قلتَ: أخْرُجُ اليَوْم، أخْرُجُ غدًا. فَأقَمْتَ عَشْرًا، فأتِمَّ الصلاةَ. وعنه، أنَّه قال: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ أقَامَ في بَعضِ أسْفَارِه تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ. قال ابنُ عَبَّاسٍ: فنحنُ إذا أقمْنا تِسْعَ عَشْرَةَ نُصَلِّى رَكْعَتَيْن، وإذا زِدْنَا على ذلك أتْمَمْنَا. رَوَاه البُخَارِىُّ (٧). وقال الحسنُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلى (٨) أن تَقْدَمَ مِصْرًا، فأتِمَّ الصلاةَ وصُمْ. وقالتْ عائشةُ: إذا وَضعْتَ الزَّادَ والمزَادَ فأتِمَّ الصلاةَ (٩). وكان طَاوُسٌ إذا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى أرْبَعًا. ولنَا، ما رَوَى أنَسٌ، قال: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حتى رَجَعَ، وأقامَ بمَكَّةَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). وذَكَرَ أحمدُ حديثَ جابِرٍ وابنِ عَبَّاسٍ (١١) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ، فأقامَ النَّبِىُّ ﷺ اليَوْمَ الرَّابِعَ
стр. 1271
والخَامِسَ والسَّادِسَ والسَّابِعَ، وصَلَّى الفَجْرَ بالأبْطَح يَوْمَ الثَّامِن، فكان يَقْصُرُ الصلاةَ في هذه الأيَّامِ، وقد أجْمَعَ على إقَامَتِها. قال: فإِذا أجْمَعَ أن يُقِيمَ كما أقَامَ النَّبِىُّ ﷺ قَصَرَ، وإذا أجْمَعَ على أَكْثَرَ من ذلك أتَمَّ. قال الأَثْرَمُ: وسمعتُ أبا عَبدِ اللهِ يَذْكُرُ حَدِيثَ أنَسٍ في الإِجْمَاعِ على الإقامَةِ لِلْمُسَافِرِ. فقال: هو كَلَامٌ ليس يَفْقَهُه كُلُّ أَحَدٍ. وقولُه: أقَامَ النَّبِىُّ ﷺ عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. فقال: قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ وخَامِسَةٍ وسَادِسَةٍ وسَابِعَةٍ. ثم قال: وثامِنَةٍ يوم التَّرْوِيَةِ، وتَاسِعَةٍ وعَاشِرَةٍ. فإنَّما وَجْهُ حَدِيثِ أنَسٍ أنَّه حَسَبَ مُقامَ النَّبِىَّ ﷺ بمَكَّةَ ومِنًى، وإلَّا فَلَا وَجْه له عِنْدِى غيرُ هذا. فهذه أرْبَعَةُ أَيَّامٍ، وصلاةُ الصُّبْحِ بها يوم التَّرْوِيَةِ تَمامُ إحْدَى وعِشْرِينَ صلاةً يَقْصُرُ (١٢)، فهذا يَدُلُّ على أنَّ مَن أقَامَ إحْدَى وعِشْرِينَ صلاةً يَقْصُرُ، وهى تَزِيدُ على أرْبَعَة أيَّامٍ، وهذا صَرِيحٌ في خِلَافِ قَوْلِ (١٣) من حَدَّهُ بأربعةِ (١٤) أيَّامٍ. وقولُ أصْحَابِ الرَّأْىِ: لم نَعْرِفْ لهما (١٥) مُخَالِفًا في الصَّحابَةِ. غيرُ صَحِيحٍ، فقد ذَكَرْنَا الخِلافَ فيه عنهم، وذَكَرْنَا عن ابنِ عَبَّاسٍ نَفْسِه خِلافَ ما حَكَوْهُ عنه. رَوَاهُ سَعِيدٌ في سُنَنِه، ولم أجِدْ ما حَكَوْهُ عنه فيه. وحَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ في إقَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَجْهُه أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُجْمِعِ الإِقامةَ. قال أحمدُ: أقَامَ النَّبِىُّ ﷺ بمَكَّةَ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ زَمَنَ الفَتْحِ؛ لأنَّه أرَادَ حُنَيْنًا، ولَم يكنْ ثَمَّ إجْمَاعُ المقَامِ (١٦). وهذه هي (١٧) إقَامَتُه التي رَوَاهَا ابنُ عَبَّاسٍ، واللهُ أعلمُ.
فصل: ومن قَصَدَ بَلَدًا بِعَيْنِه، فوَصَلَهُ غيرَ عازِمٍ على الإِقامَةِ به مُدَّةً يَنْقَطِعُ فيها
стр. 1272
حكمُ سَفَرِه، فله القَصْرُ فيه. قال أحمدُ، في مَن دَخَلَ مَكَّةَ لم يُجْمِعْ على إقامَةٍ تَزِيدُ على إقامَةِ النَّبِيِّ ﷺ بها، وهو أن يَقْدَمَ رَابِعَ ذِى الحجَّةِ: فله القَصْرُ؛ وذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان في أسْفارِه يَقْصُرُ حتى يَرْجِعَ، وحين قَدِمَ مَكَّةَ وأقامَ بها ما أقامَ كان يَقْصُرُ فيها، وهذا خِلافُ قولِ عائشةَ والحسنِ. ولا فَرْقَ بين أن يَقْصِدَ الرُّجُوعَ إلى بَلَدِه، كما فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ، على ما في حَدِيثِ أنَسٍ، وبينَ أن يُرِيدَ بَلَدًا آخَرَ، كما فَعَلَ ﷺ في غَزْوَةِ الفَتْحِ، على ما في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ.
فصل: وإن مَرَّ في طَرِيقِه على بَلَدٍ له فيه أَهْلٌ أو مالٌ. فقال أحمدُ، في مَوْضِعٍ: يُتِمُّ. وقال في مَوْضِعٍ: يُتِمُّ إلَّا أن يكونَ مَارًّا. وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ. وقال الزُّهْرِىُّ: إذا مَرَّ بِمَزْرَعَةٍ له أتَمَّ. وقال مالِكٌ: إذا مَرَّ بقَرْيَةٍ فيها أهْلُه أو مالُه أتَمَّ، إذا أرادَ أن يُقيمَ بها يَوْمًا ولَيْلَةً. وقال الشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يَقْصُرُ، ما لم يُجْمِعْ على إقامَةِ أرْبَعٍ؛ لأنَّه مُسَافِرٌ لم يُجْمِعْ على أرْبَعٍ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عُثمانَ، أنَّه صَلَّى بمِنًى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فأنْكَرَ النَّاسُ عليه، فقال: يا أيُّها الناسُ، إنِّي تَأهَّلْتُ بمَكَّةَ منذُ قَدِمْتُ، وإنِّى سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "من تَأَهَّلَ في بَلَدٍ فلْيُصَلِّ صَلَاةَ المُقِيمِ". رَوَاه الإِمامُ أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (١٨). وقال ابنُ عَبَّاسٍ: إذا قَدِمْتَ على أهْلٍ لك أو مَالٍ، فصَلِّ صَلَاةَ المُقِيمِ (١٩). ولأنَّه مُقِيمٌ ببَلَدٍ فيه أَهْلُه، أشْبَهَ (٢٠) البَلَدَ الذي سَافَرَ منه.
فصل: قال أحمدُ: مَن كان مُقِيمًا بمَكَّةَ، ثم خَرَجَ إلى الحَجِّ، وهو يُرِيدُ أن
стр. 1273
يَرْجِعَ إلى مَكَّةَ، فلا يُقِيمُ بها حتى يَنْصَرِفَ، فهذا يُصَلِّى بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ؛ لأنَّه حين خَرَجَ من مَكَّةَ أنْشَأَ السَّفَرَ، [إلى بلدِه، ليس على أنَّ عَرَفَةَ سَفَرُه، كمَن كان أنْشأَ السَّفَرَ] (٢١)، فهو في سَفَرٍ من حِينِ خَرَجَ من مَكَّةَ. ولو أنَّ رَجُلًا كان مُقِيمًا ببَغْدَادَ، فأرَادَ الخُرُوجَ إلى الكُوفَةِ، فعَرَضَتْ له حَاجَةٌ بالنَّهْرَوَانِ (٢٢)، ثم رَجَعَ فمَرَّ ببَغْدَادَ ذَاهِبًا إلى الكُوفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إذا كان يَمُرُّ ببَغْدَادَ مُجْتَازًا، لا يُرِيدُ الإِقامَةَ بها. وإن كان الذي خَرَجَ إلى عَرَفَةَ في نِيَّتِه الإِقَامَةُ بمَكَّةَ إذا رَجَعَ، فإنَّه لا يَقْصُرُ بِعَرَفَة، ولذلك أهْلُ مَكَّةَ لا يَقْصُرُونَ. وإن صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ (٢٣) مَكِّىٍّ يَقْصُرُ الصلاةَ بعَرَفَة رَكْعَتَيْنِ، ثم قام (٢٤) بعدَ صلاةِ الإِمَامِ، فأضافَ إليها رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، صَحَّتْ صلاتُه (٢٥)؛ لأنَّ المَكِّىَّ يَقْصُرُ بِتَأْوِيلٍ، فَصَحَّتْ صلاةُ مَن يَأْتَمُّ به.
فصل: وإذا خَرَجَ المُسَافِرُ، فذَكَرَ حَاجَةً، فرَجَعَ إليها، فله القَصْرُ في رُجُوعِه، إلَّا أنْ يكونَ نَوَى أن يُقِيمَ إذا رَجَعَ مُدَّةً تَقْطَعُ القَصْرَ، أو يكونَ أهْلُه أو مالُه في البَلَدِ الذي رَجَعَ إليه؛ لما ذَكَرْنَا. هكذا حُكِىَ عن أحمدَ. وقولُه، في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: أتَمَّ، إلَّا أنْ يكونَ مَارًّا. يَقْتَضِى أنَّه إذا قَصَد أخْذَ حَاجَتِه، والرُّجُوعَ من غيرِ إقامَةٍ، أنَّه يَقْصُرُ. والشَّافِعِىُّ يرَى له القَصْرَ، ما لم يَنْوِ في رُجُوعِه الإِقَامَةَ في البَلَدِ أرْبَعًا، قال: ولو [أتَمَّ كان] (٢٦) أحَبَّ إلَىَّ. وقال مالِكٌ: يُتِمُّ حتى
стр. 1274
يَخْرُجَ فاصِلًا الثانيةَ (٢٧). ونحوه قولُ (٢٨) الثَّوْرِىِّ. ولَنا، أنَّه قد ثَبَتَ له حُكْمُ السَّفَرِ بخُرُوجِه، ولم تُوجَدْ إقامَةٌ تَقْطَعُ حُكْمَه، فأشْبَهَ ما لو أتَى قَرْيَةً غيرَ مَخْرَجِه.
٢٧٨ - مسألة؛ قال: (وَإنْ قَالَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ، وغَدًا (١) أخْرُجُ. قَصَرَ، وإن أقَامَ شَهْرًا)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن لم يُجْمِعِ الإِقامةَ مُدَّةً تَزِيدُ على إحْدَى وعِشْرِينَ صلاةً، فله القَصْرُ، ولو أقامَ سِنِينَ، مثل أنْ يُقِيمَ لِقَضاءِ حاجَةٍ يَرْجُو نَجاحَها، أو لِجِهادِ عَدُوٍّ، أو حَبَسَه (٢) سُلْطَانٌ أو مَرَضٌ، وسَوَاءٌ غَلَبَ على ظَنِّه انْقِضاءُ الحاجَةِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، أو كَثِيرَةٍ، بعدَ أن يَحْتَمِلَ انْقِضَاؤُها في المُدَّةِ التي لا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ لِلْمُسَافِرِ أن يَقْصُرَ ما لم يُجْمِعْ إقَامَةً، وإن أتَى عليه سِنُونَ. وقَد رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: أقامَ النَّبِيُّ ﷺ في بعضِ أسْفَارِه تِسْعَ عَشرَةَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٣). وقال جابِرٌ: أقَامَ النَّبِىُّ ﷺ في غزْوَةَ تَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ الإِمَامُ أحْمَدُ في "مُسْنَدِه" (٤). وفي حَدِيثِ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أقَامَ بمَكَّةَ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ لا يُصَلِّى إلَّا رَكْعَتَيْنِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٥). وَرُوِى عن عبدِ الرحمنِ بن المِسْوَرِ، عن أبيهِ، قال: أقَمْنَا مع سَعْدٍ بعَمَّانَ أو سَلْمانَ، فكان يُصَلِّى
стр. 1275
رَكْعَتَيْنِ، ويُصَلِّى أَرْبَعًا، فذَكَرْنا ذلك له. فقال: نحنُ أعلمُ. رَوَاه الأَثْرَمُ (٦). ورَوَى سَعِيدٌ، بإسْنَادِه عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، قال: أقَمْنا مع سَعْدٍ ببعضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُها سَعْدٌ، ونُتِمُّها (٧). وقال نافِعٌ: أقامَ ابنُ عمرَ بأذْرَبِيجَانَ (٨) سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وقد حال الثَّلْجُ بينه وبين الدُّخُولِ (٩). وعن حَفْصِ بن عبدِ اللهِ: أنَّ أنَسَ بنَ مَالِكٍ أقَامَ بالشَّامِ سنتَيْن (١٠) يُصَلِّى صَلَاةَ المُسَافِرِ. وقال أنَسٌ: أقَامَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِرَامَهُرْمُزَ (١١) سَبْعَةَ أشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصلاةَ (١٢). وعن الحسنِ، عن عبدِ الرحمنِ بن سَمُرَةَ، قال: أقَمْتُ معه سَنَتَيْنِ (١٣) بِكَابُلَ (١٤) يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، ولا يُجَمِّعُ (١٥). وقال إبراهيمُ: كانوا يُقِيمُونَ بالرّىِّ (١٦) السَّنَةَ وأكْثَرَ من ذلك، وبِسِجِسْتَانَ (١٧) السَّنَتَيْنِ، لا يُجَمِّعُونَ ولا يَصُومُونَ، وقد ذَكَرْنَا عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: ويَقْصُرُ إذا قال اليَوْمَ
стр. 1276
أخْرُجُ، غَدًا أَخرُجُ (١٨). شَهْرًا (١٩)، وهذا مثلُ قولِ الْخِرَقِيِّ، ولَعَلَّ الْخِرَقِيَّ ﵀ إنَّما قال ذلك اقْتِدَاءً به، ولم يُرِدْ أنَّ نَهَايَةَ القَصْرِ إلى شَهْرٍ، وإنَّما أرَادَ أنَّه لا نِهَايَةَ لِلْقَصْرِ، واللهُ أعلمُ.
فصل: وإنْ عَزَمَ على إقَامَةٍ طَوِيلَةٍ في رُسْتَاق (٢٠)، يَتَنَقَّلُ فيه من قَرْيَةٍ إلى قَرْيَةٍ، لا يُجْمِعُ على الإِقَامَةِ بِوَاحِدَةٍ منها مُدَّةً تُبْطِلُ حُكْمَ السَّفَرِ، لم يَبْطُلْ حُكْمُ سَفَرِه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَ عَشْرًا بمَكَّةَ وعَرَفَةَ ومِنًى، فكان يَقْصُرُ في تلك الأيَّامِ كُلِّها. ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِه عن مُوَرِّقٍ، قال: سَأَلْتُ ابنَ عمرَ، قلتُ: إنِّي رَجُلٌ تَاجِرٌ، آتِى الأهْوَازَ (٢١)، فأنْتَقِلُ في قُرَاهَا من قَرْيَةٍ إلى قَرْيَةٍ، فأُقِيمُ الشَّهْرَ وأكْثَرَ من ذلك؟ قال: تَنْوِى الإِقامَةَ؟ . قلتُ: لا. قال: لا أُراكَ إلَّا مُسافِرًا، صَلِّ صلاةَ المُسَافِرِينَ. ولأنَّه لم يَنْوِ الإِقَامَة في بَلَدٍ بعَيْنِه، فأشْبَهَ المُتَنَقِّلَ في سَفَرِه من مَنْزِلٍ إلى مَنْزِلٍ.
فصل: وإذا دَخَلَ بَلَدًا، فقال: إنْ لَقِيتُ فَلانًا (٢٢) أقَمْتُ، وإنْ لم ألْقَه لم أُقِم. لم يَبْطُلْ حُكْمُ سَفَرِه؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ بالإِقامَةِ، ولأن المُبْطِلَ لِحُكْمِ السَّفَرِ هر العَزْمُ على الإِقامَةِ، ولم يُوجَدْ، وإنَّما عَلَّقَهُ على شَرْطٍ، وليس ذلك بِحرامٍ.
فصل: ولا بَأْسَ بالتَّطَّوعِ نَازِلًا وسَائِرًا على الرَّاحِلَةِ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُسَبِّحُ على ظَهْرِ رَاحِلَتِه حيثُ كان وَجْهُه، يُومِئُ بِرأْسِه. وكان ابنُ عمرَ يَفْعَلُه. ورُوِىَ نحْو ذلك عن جابِرٍ، وأنَسٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (٢٣).
стр. 1277
وَرَوَتْ أمُّ هانِىءٍ بنتُ أبي طالِبٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ في بَيْتِها، فصَلَّى ثَمَانىَ رَكَعَاتٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٤). وعن عليٍّ، ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَتَطَوَّعُ في السَّفَرِ. رَوَاه سَعِيدٌ (٢٥). ويُصَلِّى رَكْعَتَىِ الفَجْرِ والوِتْرَ؛ لأنَّ ابن عمرَ رَوَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُوتِرُ على بَعِيرِهِ. ولمَّا نَامَ النَّبِىُّ ﷺ عن صَلَاةِ الفَجْرِ حتى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، صَلَّى رَكْعَتَىِ الفَجْرِ قَبْلَها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهما (٢٦). فأمَّا سَائِرُ السُّنَنِ والتَّطَوُّعَاتِ قبلَ الفَرَائِضِ وبَعْدَها، ققال أحمدُ: أرْجُو أنْ لا يكونَ بالتَّطَوُّعِ في السَّفَرِ بَأْسٌ. وَرُوِىَ عن الحسنِ، قال: كان أصْحَابُ رسولِ اللهِ ﷺ يُسَافِرُونَ، فيَتَطَوَّعُونَ قبلَ المَكْتُوبَةِ وبعدَها (٢٧). ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، وأنَسٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبي ذَرٍّ، وجَمَاعَةٍ من التَّابِعِينَ كَثِيرٍ. وهو قولُ مالكٍ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ. وكان ابنُ عمرَ لا يَتَطَوَّعُ مع الفَرِيضَةِ قَبْلَها ولا بَعْدَها، إلَّا مِن جَوْفِ اللَّيْلِ، ونُقِلَ ذلك عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بنِ جُبيرٍ، وعليِّ بن الحسينِ؛ لما رُوِىَ أنَّ ابْنَ عمرَ رَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ بعدَ الصلاةِ. فقال: لو كنتُ مُسَبِّحًا لأتْمَمْتُ صلاتِى،
стр. 1278
يا ابْنَ أخِى: صَحِبْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ حتى قَبَضَهُ اللهُ، وصَحِبْتُ أبا بكرٍ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ حتى قَبَضَهُ اللهُ. وذَكَرَ عمرَ، وعثمانَ، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢٨). مُتَّفَقٌ عليه (٢٩) وَوَجْهُ الأوَّل (٣٠) ما رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ الحَضَرِ، فكُنَّا نُصَلِّي قَبْلَها وبَعْدَها، وكُنَّا نُصَلِّي في السَّفَرِ قَبْلَها وبَعْدَها. رَوَاه ابنُ مَاجَه (٣١). وعن أبى بَصْرَةَ الغِفَارِيّ، عن البَراءِ بن عازِبٍ، قال: صَحِبْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فما رَأيْتُه تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إذا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣٢). وحَدِيثُ الحسنِ عن أصْحَابِ رسولِ اللَّه ﷺ قد ذَكَرْنَاه. فهذا يَدُلُّ على أنَّه لا بَأْسَ بِفِعْلِها، وحَدِيثُ ابنِ عمرَ يَدُلُّ على أنَّه لا بَأْسَ بِتَرْكِها، فيُجْمَعُ بين الأحَادِيثِ، واللهُ أعلمُ.
стр. 1279
كتابُ صلاةِ (٣٣) الجُمُعَةِ
الأصْلُ في فَرْضِ الجُمُعةِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أما الكِتابُ فقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣٤). فأمر بالسَّعْىِ، ومُقْتَضَى (٣٥) الأمْرِ الوُجُوبُ، ولا يَجِبُ السُّعْىُ إلَّا إلى واجبٍ (٣٦)، ونهى عن البَيْعِ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ به عنها، فلو لم تكنْ وَاجِبَةً لما نَهَى عن البَيْعِ من أجْلِها، والمُرَادُ بالسَّعْيِ ها هُنا الذَّهَابُ إليها، لا الإِسْراعُ، فإنَّ السَّعْىَ في كِتابِ اللهِ لم يُرَدْ به العَدْوُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ (٣٧). وقال: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ (٣٨). وقال: ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ (٣٩). وقال: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٤٠). وأَشْبَاهُ هذا لم يُردْ بشيءٍ منه (٤١) العَدْوَ, وقد رُوىَ عن عمرَ أنَّه كان يَقْرَؤُها: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وأمَّا السُّنَةُ، فقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقوَامٌ عن وَدْعِهِم الجُمُعَاتِ أوْ لَيَخْتمَنَّ اللهُ على قُلُوبِهِمْ، ثم ليَكُونُنَّ من الغَافِلينَ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٢). وعن أبي
стр. 1280
الجَعْدِ الضَّمْرىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللهُ على قَلْبِهِ". وقال ﵇: "الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ، إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أو امْرَأَةٌ، أو صَبِيٌّ، أو مَرِيضٌ". رَوَاهُما أبو دَاوُدَ (٤٣). وعن جابِرٍ، قال: "خَطَبَنَا رَسولُ اللهِ ﷺ فقال: "وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّه تَعَالَى قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُم الجُمُعَةَ في مُقَامِي هذا، في يَوْمِي هذَا، فِي شَهْرِى هذَا، مِنْ عَامِي هذَا، فَمَنْ تَرَكَها في حَيَاتِى أوْ بَعْدَ مَوْتِى (٤٤)، ولَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أو جَائِرٌ، أسْتِخْفَافًا بِها، أوْ جُحُودًا (٤٥) لَهَا (٤٦)، فَلَا جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، ولَا بَارَكَ لَهُ في أَمْرِه، أَلَا ولَا صَلَاةَ لَهُ، ألَا ولَا زَكَاةَ لَهُ، ألَا ولَا حَجَ لَهُ، أَلَا ولَا صَوْمَ لَهُ، ولَا بِرَّ لَهُ، حَتَّى يَتُوبَ، فَإنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٤٧). وأجْمَعَ المُسلمون على وُجُوبِ الجُمُعَةِ.
٢٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ)
المُسْتَحَبُّ إقَامَةُ الجُمُعةِ بعدَ الزَّوَالِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك. قال
стр. 1281
سَلَمَةُ (١) بنُ الأكْوَعِ: كُنَّا نُجَمِّعُ مع النَّبِيِّ ﷺ إذا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثم نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَىْءَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن أنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُصَلِّي الجُمُعةَ حين تَمِيلُ الشَّمْسُ. أَخْرَجَه البُخَارِيُّ (٣). ولأنَّ في ذلك خُرُوجًا من الخِلَافِ، فإنَّ عُلَماءَ الأُمَّةِ اتَّفَقُوا على أنَّ ما بعدَ الزَّوَالِ وَقْتٌ للجُمُعَةِ، وإنَّما الخِلَافُ فيما قبلَه. ولا فَرْقَ في اسْتِحْبَابِ إقَامَتِها عَقِيبَ الزَّوَالِ بينَ شِدَّةِ الحَرِّ، وبينَ غيرِه؛ فإنَّ الجُمُعَةَ يَجْتَمِعُ لها النَّاسُ، فلو انْتَظَرُوا الإِبْرادَ شَقَّ عليهم، وكذلك كان النَّبىُّ ﷺ يَفْعَلُها إذا زَالَتِ الشَّمْسُ في الشِّتَاءِ والصَّيْفِ على مِيقَاتٍ واحِدٍ. ويُسْتَحَبُّ أنْ يصْعَدَ لِلْخُطْبَةِ على مِنْبَرٍ لِيُسْمِعَ النَّاس، وكان النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ على مِنْبَرِهِ. وقال سَهْلُ بن سَعْدٍ: أرْسَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى فُلَانَةَ - امْرأَة سَمَّاهَا سَهْلٌ - "أنْ مُرِى غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِى أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إذا كَلَّمْتُ النّاسَ" مُتَّفَقٌ عليه (٤). وقالتْ أُمُّ هِشَامٍ بنتُ حَارِثَةَ بنِ النُّعْمَان: ما أخَذْتُ ق إلَّا
стр. 1282
عن لِسَانِ رسولِ اللهِ ﷺ ، يَقْرَؤُها كُلَّ جُمُعَةٍ على المِنْبَرِ إذا خَطَبَ النَّاسَ (٥). وليس ذلك واجِبًا، فلو خَطَبَ على الأرْضِ، أو على رَبْوَةٍ، أو وِسَادَةٍ، أو على رَاحِلَتِه، أو غيرِ ذلك، جَازَ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد كان قبلَ أن يُصْنَعَ المِنْبَرُ يَقُومُ على الأرْضِ. اهـ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنَّ يَكُونَ المِنْبَرُ عن (٦) يَمِينِ القِبْلَةِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كذا (٧) صَنَعَ.
٢٨٠ - مسألة؛ قال: (فَإذَا اسْتَقْبَلَ النَّاسَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِ، وجَلَسَ)
يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذا خَرَجَ أن يُسَلِّمَ علَى النَّاسِ، ثم إذا صَعِدَ المِنْبَرَ فاسْتَقْبَلَ الحَاضِرِينَ سَلَّمَ عليهم، وجَلَسَ إلى أن يَفْرَغَ المُؤَذِّنُونَ من أذَانِهم. كان ابنُ الزُّبَيْرِ إذا عَلَا على المِنْبَرِ سَلَّمَ، وفَعَلَهُ عمرُ بن عبدِ العزيزِ. وبه قال الأوْزَاعِيُّ والشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ: لا يُسَنُّ السَّلَامُ عَقِيبَ الاسْتِقْبَالِ؛ لأنَّه قد سَلَّمَ حَالَ خُرُوجِهِ. ولنَا، ما رَوَى جَابِرٌ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا صَعِدَ المِنْبَرَ سَلَّمَ. رَوَاه ابنُ مَاجَه (١). وعن ابنِ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَلَّمَ علَى مَن عندَ المِنْبَرِ جَالِسًا، فإذا صَعِدَ المِنْبَرَ تَوَجَّهَ النَّاسَ
стр. 1283
[ثم] (٢) سَلَّمَ عَلَيْهِم. رَوَاه أبو بكرٍ، بإسْنَادِه (٣). عن الشَّعبيِّ، قال: كان رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا صَعِدَ المِنْبَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ، فقال: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ"، ويَحْمَدُ اللهَ تعالى، ويُثْنِى عليه، ويَقْرأُ سُورَةً، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فَيَخْطُبُ، وكان أبو بكرٍ وعمرُ يَفْعَلَانِه. رَوَاه الأثْرَمُ (٤). ومتى سَلَّمَ رَدَّ عليه النَّاسُ؛ لأنَّ رَدَّ السَّلامِ آكَدُ من ابْتِدَائِه. ثم يَجْلِسُ حتى يَفْرَغَ المُؤَذِّنُونَ لِيَسْتَرِيحَ. وقد رَوَى ابنُ عمر، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كان (٥) يَجْلِسُ إذا صَعِدَ المِنْبَرَ حتى يَفْرَغَ - أُراهُ (٥) - المُؤَذِّنُونَ (٦)، ثم يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثم يَجْلِسُ فلا يَتَكَلَّمُ، ثم يَقُومُ فَيَخْطُبُ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٧).
٢٨١ - مسألة؛ قال: (وأخَذَ المُؤَذِّنُونَ في الْأَذَانِ، وهَذَا الْأَذَانُ الَّذِى يَمْنَعُ الْبَيْعَ، ويُلْزِمُ السَّعْىَ، إلَّا لِمَنْ مَنْزِلُه في بُعْدٍ، فعَلَيْه أنْ يَسْعَى في الوَقْتِ الَّذِى يَكُونُ بِهِ (١) مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ)
أمَّا مَشْرُوعِيَّةُ الأَذَانِ عَقِيبَ صُعُودِ الإِمامِ فلا خِلافَ فيه، فقد كان يُؤَذَّنُ للنَّبِىِّ ﷺ ، قال السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ: كان النِّدَاءُ إذا صَعِدَ الإِمامُ على المِنْبَرِ على عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وأبى بكرٍ وعمرَ، فلمَّا كان عثمانُ كَثُرَ النَّاسُ، فزَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ
стр. 1284
على الزَّوْرَاءِ. رَوَاه البُخَارِيُّ (٢). وأمَّا قَوْلُه: "هذا الأذَانُ الذي يَمْنَعُ البَيْعَ ويُلْزِمُ السَّعْىَ". فلأَنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بالسَّعْىِ، ونَهَى عن البَيْعِ بعد النِّدَاءِ، بقَوْلِه سُبْحَانَه: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣). والنِّدَاءُ الذي كان على عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ هو النِّدَاءُ عَقِيبَ جُلُوسِ الإِمامِ على المِنْبَرِ، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ به دونَ غيرِه، ولا فَرْقَ بين أن يكُونَ ذلك قبلَ الزَّوَالِ أو بعدَه. وحَكَى القاضي رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّ البَيْعَ يحْرُمُ بزَوَالِ الشَّمْسِ، وإن لم يَجْلِس الإِمامُ على المِنْبَرِ. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ اللهَ تعالى عَلَّقَه على النِّداءِ، لا على الوَقْتِ، ولأنَّ المَقْصُودَ بهذا إدْرَاكُ الجُمُعَةِ، وهو يَحْصُلُ بما ذَكَرْنا دون ما ذَكَرَهُ، ولو كان تَحْرِيمُ البَيْعِ مُعَلَّقًا بالوَقْتِ لمَا اخْتَصَّ بالزَّوَالِ، فإنَّ ما قَبْلَه وَقْتٌ أيضًا، فأمَّا من كان مَنْزِلُه بَعِيدًا لا يُدْرِكُ الجُمُعَةَ بالسَّعْىِ (٤) وَقْتَ النِّدَاءِ، فعليه السَّعْيُ في الوَقْتِ الذي يكونُ به مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ، والسَّعْيُ قبلَ النِّدَاءِ من ضَرُورَةِ إدْرَاكِها، وما لا يَتِمُّ الوَاجِبُ إلَّا به وَاجِبٌ، كاسْتِقَاءِ الماءِ من البِئْرِ لِلوُضُوءِ إذا لم يَقْدِرْ على غيرِه، وإمْسَاكِ جُزْءٍ من اللَّيْلِ مع النَّهارِ في الصَّوْمِ، ونحوِهما.
فصل: وتَحْرِيمُ البَيْعِ، وَوُجُوبُ السَّعْيِ، مُخْتَصٌّ (٥) بالمُخَاطَبِينَ بالجُمُعَةِ،
стр. 1285
فأمَّا غيرُهم من النِّسَاءِ والصِّبْيَانِ والمُسَافِرِينَ، فلا يَثْبُتُ في حَقِّه ذلك. وذَكَرَ ابنُ أبي موسى في غيرِ المُخَاطَبِينَ رِوَايَتَيْنِ. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنَا؛ فإنَّ اللَّه تعالى إنَّما نَهَى عن البَيْعِ مَنْ أمَرَهُ بالسَّعْيِ، فغيرُ المُخَاطَبِ بالسَّعْيِ لا يَتَنَاوَلُه النَّهْيُ، ولأنَّ تَحْرِيمَ البَيْعِ مُعَلَّلٌ بما يَحْصُلُ به مِن الاشْتِغَالِ عن الجُمُعَةِ، وهذا مَعْدُومٌ في حَقِّهِم. فإنْ كان المُسَافِرُ في غير المصْرِ، أو كان إنْسَانًا مُقِيمًا بِقَرْيَةٍ لا جُمُعَةَ على أهْلِها، لم يَحْرُمِ البَيْعُ قَوْلًا وَاحِدًا، [ولم يُكْرَهْ] (٦). وإن كان أحَدُ المُتَبَايِعَيْنِ مُخَاطَبًا والآخَرُ غيرَ مُخَاطَبٍ، حَرُمَ في حَقِّ المُخَاطَبِ، وكُرِهَ في حَقِّ غيرِه؛ لما فيه من الإِعانَةِ على الإِثْمِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْرُمَ أيضًا؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٧).
فصل: ولا يَحْرُمُ غيرُ البَيْعِ من العُقُودِ، كالإِجارَةِ والصُّلْحِ والنِّكَاحِ. وقيل: يَحْرُمُ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أَشْبَهَ البَيْعَ. ولَنا، أنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بالبَيْعِ، وغيرُه لا يُسَاوِيهِ في الشّغْلِ عن السَّعْيِ؛ لِقِلَّةِ وُجُودِه، فلا يَصِحُّ قِيَاسُه علَى البَيْعِ.
فصل: ولِلسَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ وَقْتَانِ: وَقْتُ وُجُوبٍ، وَوَقْتُ فَضِيلَةٍ. فأمَّا وَقْتُ الوُجُوبِ فما ذَكَرْنَاه، وأما وَقْتُ الفَضِيلَةِ فمِن أوَّلِ النَّهَارِ، فكُلَّما كان أبْكَرَ كان أوْلَى وأفْضَلَ. وهذا مَذْهَبُ الأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِيِّ، وابْنِ المُنْذِرِ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: لا يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ قبلَ الزَّوَالِ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "من رَاحِ إلى الجُمُعَةِ" (٨). والرَّوَاحُ بعدَ الزَّوَالِ، والغُدُوُّ قبلَه، قال النبيُّ ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أو رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا فِيها" (٩). ويقال: تَرَوَّحْتُ
طَوَوا الصُّحُفَ، وجَاءُوا يَستمِعُونَ". مُتَّفَقٌ عليه (١٢). وقال عَلْقَمَةُ: خَرَجْتُ مع عبدِ اللهِ إلى الجُمُعَةِ، فَوَجَدْتُ ثلاثةً قد سَبَقُوه، فقال: رَابِعُ أرْبَعَةٍ، وما رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ، إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الجُمُعَةِ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (١٣). ورُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ واغْتَسَلَ، وبَكَّرَ وابْتَكَرَ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أجْرُ سَنَةٍ، صِيَامُها وقِيَامُها". أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ (١٤)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. رَوَاه ابنُ مَاجَه (١٤)، وزَادَ: "ومَشَى ولَمْ يَرْكَبْ، ودَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ ولَمْ يَلْغُ". قوله "بَكَّرَ" أي خَرَجَ في بُكْرَةِ النَّهَارِ، وهى أوَّلُه. "وابْتَكَرَ" بالَغَ في التَّبْكِيرِ، أي جاءَ في أَوَّلِ البُكْرَةِ، على ما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
* تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ *
وقِيلَ: مَعْنَاه ابْتَكَرَ العِبادةَ مِن بكُورِه. وقيل: ابْتَكَرَ الخُطْبَةَ. أي حَضَرَ
стр. 1288
الخُطْبَةَ، مَأْخُوذٌ مِن بَاكُورَةِ الثَّمَرَةِ، وهى أوَّلُها. وغيرُ هذا أجْوَدُ؛ لأنَّ مَن جاءَ في بُكْرَةِ النَّهَارِ، لَزم أن يَحْضُرَ أوَّلَ الخُطْبَةِ. وقوله: "غَسَّلَ واغْتَسَلَ" أي جَامَعَ امْرَأتَه ثم اغْتَسَلَ. ولهذا قال في الحَدِيثِ الآخَرِ: "من اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ" (١٥). قال أحمدُ: تَفْسِيرُ قَوْلِه: "من غَسَّلَ واغْتَسَلَ" مُشَدَّدَةً، يُرِيدُ يُغَسِّل أهْلَه، وكان (١٦) غيرُ وَاحِدٍ من التَّابِعِينَ: عبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وهِلَالُ بن يَساف (١٧)، يَسْتَحِبُّونَ أن يُغَسِّلَ الرَّجُلُ أهْلَه يَوْمَ الجُمُعَةِ، وإنَّما هو علَى أنْ يَطَأَ. وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك ليكونَ أسْكَنَ لِنَفْسِه، وأغَضَّ لِطَرْفِهِ في طَرِيقهِ. ورُوِىَ ذلك عن وَكِيعٍ أيضًا. وقيل: المُرَادُ به غَسَّلَ رَأْسَه، واغْتَسَلَ في بَدَنِه. حُكِيَ هذا عن ابنِ المُبَارَكِ. وقوله: "غُسْلَ الجَنَابَةِ" على هذا التَّفْسِيرِ. أي كغُسْلِ الجَنَابَةِ. وأمَّا قولُ مالِكٍ فَمُخَالِفٌ لِلْآثَارِ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ يُسْتَحَبُّ فِعْلُها عند الزَّوَالِ، وكان النَّبِىُّ ﷺ يُبَكِّرُ بها، ومتى خَرَجَ الإِمَامُ طُوِيَت الصُّحُفُ، فلم يُكْتَبْ مَن أتَى الجُمُعَةَ بعدَ ذلك، فأىُّ فَضِيلَةٍ لهذا؟ وإن أخَّرَ بعدَ ذلك شَيْئًا دَخَلَ في النَّهْي والذَّمِّ، كما قال النَّبِىُّ ﷺ للذى جَاءَ يَتَخَطَّى النَّاسَ: "رَأَيْتُكَ آنَيْتَ وآذَيْتَ" (١٨). أي أخَّرْتَ المَجِىءَ. وقال عمرُ لعثمانَ حين جاءَ وهو يَخْطُبُ: أىُّ سَاعَةٍ هذه؟ على سَبِيلِ الإِنْكَارِ عليه. وإن أَخَّرَ أَكْثَرَ من هذا فاتَتْهُ الجُمُعَةُ،
стр. 1289
فكيفَ يكونُ لهؤلاءِ بَدَنَةٌ، أو بَقَرَةٌ، أو فَضْلَةٌ (١٩)، وهم من أهْلِ الذَّمِّ. وقوله: "رَاحَ إلى الجُمُعَةِ". أي ذَهَبَ إليها. لا يَحْتَمِلُ غيرَ هذا.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أنْ يَمْشِىَ ولا يَرْكَبَ في طَرِيقِها؛ لقوله: "ومَشَى ولم يَرْكَبْ". ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه لم يَرْكَبْ في عِيدٍ ولا جِنَازَةٍ (٢٠). والجُمُعَةُ في مَعْنَاهُما، وإنَّما لم يَذْكُرْها، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان بابُ حُجْرَتِه شَارِعًا في المَسْجِدِ، يَخْرُجُ منه إليه، فلا يَحْتَمِلُ الرُّكُوبَ، ولأنَّ الثَّوَابَ على الخُطُوَاتِ، بِدَلِيلِ ما رَوَيْنَاه، ويُسْتَحَبُّ أنَّ يكونَ عليه السَّكِينَةُ والوَقَارُ في حالِ مَشْيِه؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا وعَلَيْكُم السَّكِينَةُ والوَقَارُ، ولا تُسْرِعُوا" (٢١). ولأنَّ المَاشِىَ إلى الصلاةِ في صلاةٍ، ولا يُشَبِّكُ بين أَصَابِعهِ، ويُقَارِبُ بين خُطَاهُ، [لتَكونَ أكثرَ لحسناتِه] (٢٢). وقد رَوَيْنَا عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه خَرَجَ مع زيد (٢٣) بن ثَابِتٍ إلى الصَّلَاةِ، فقارَبَ بينَ خُطَاهُ، ثم قال: "إنَّمَا فَعَلْتُ لِتَكْثُرَ خُطَانَا في طَلَبِ الصَّلَاةِ" (٢٤). ورُوِىَ عن عبدِ اللَّه بن رَوَاحَةَ، أنَّه كان يُبَكِّرُ إلى الجُمُعَةِ، ويَخْلعُ نَعْلَيْه، ويَمْشِى حَافِيًا، ويقْصُرُ (٢٥) في مَشْيِه، رَوَاه الأثْرَمُ. ويُكْثِرُ ذِكْرَ اللهِ في طَرِيقِه، ويَغُضُّ بَصَرَه، ويقولُ ما ذَكَرْنَاه في بابِ صِفَةِ
стр. 1290
الصَّلَاةِ. ويقولُ أيضًا: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ، وأفْضَلِ مَنْ سَأَلَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ" (٢٦). وروَيْنا عن بَعْضِ الصَّحابةِ، أنَّه مَشَى إلى الجُمُعَةِ حَافِيًا، فَقِيلَ له في ذلك، فقال: إنِّي سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ اللهِ، حَرَّمَهُمَا اللهُ عَلَى النَّارِ" (٢٧).
فصل: وتَجِبُ الجُمُعَةُ والسَّعْيُ إليها، سَوَاءٌ كان مَن يُقِيمُها سُنِّيًّا، أو مُبْتَدِعًا، أو عَدْلًا، أو فَاسِقَا. نَصَّ عليه أحمدُ، رُوِىَ عن العباسِ بن عبدِ العظيمِ، أنَّه سَأَل أبا عبدِ اللهِ، عن الصَّلَاةِ خَلْفَهُم - يَعْنِى المُعْتَزِلَةَ - يَوْمَ الجُمُعَةِ، قال: أمَّا الجُمعةَ فيَنْبَغِى شُهُودُها، فإن كان الذي يُصَلِّي منهم، أعادَ، وإن كان لا يَدْرِى أنَّه منهم، فلا يُعِيدُ. قلتُ: فإنْ كان يُقال: إنَّه قد قال بِقَوْلِهم. قال: حتى يَسْتَيْقِنَ. ولا أعْلَمُ في هذا بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا، والأصْلُ في هذا عُمُومُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَمَنْ تَرَكَهَا في حَيَاتِى أو بَعْدِى وله إمَامٌ عَادِلٌ أو جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بها، أو جُحُودًا بِهَا، فَلَا جَمَعَ اللهُ لَهُ (٢٨) شَمْلَهُ" (٢٩). وإجْمَاعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عمرَ وغيرَه من أصْحابِ رسولِ اللهِ
стр. 1291
- ﷺ كانوا يَشْهَدُونها مع الحَجَّاج ونُظَرَائِه، ، ولم يُسْمَعْ عن (٣٠) أحدٍ منهم التَّخَلُّفُ عنها. وقال عبدُ اللهِ بن أبي الهُذَيْلِ: تَذَاكَرْنا الجُمُعَةَ أيَّامَ المُخْتَارِ، فأجْمَعَ رَأْيُهُم على أن يَأْتُوه، فإنَّما عليه كَذِبُه. ولأنَّ الجُمُعَةَ مِن أعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، ويَتَوَلَّاها الأئِمَّةُ أو من (٣١) وَلَّوْهُ، فترْكُها خَلْفَ مَنْ هذه صِفَتُه يُؤَدِّى إلى سُقُوطِها. وجاءَ رَجُلٌ إلى محمدِ بن النَّضْرِ الحَارِثِيِّ (٣٢)، فقال: إنَّ لِى جِيرَانًا مِن أهْلِ الأهْوَاءِ، فَكُنْتُ أعِيبُهم وأتَنَقَّصُهُم، فَجاءُونى فقالُوا: ما تَخْرُجُ تُذكِّرُنا؟ قال: وأيَّ شَيءٍ يَقُولُونَ؟ قال: أَوَّلُ ما أقُولُ لك، أنَّهم لا يَرَوْنَ الجُمُعَةَ. قال: حَسْبُكَ، ما قَوْلُكَ في مَن رَدَّ على أبى بكرٍ وعمرَ، رَحِمَهما اللهُ؟ قال: قلتُ، رَجُلُ سَوْءٍ. قال: فما قَوْلُك في مَن رَدَّ على النَّبِيِّ ﷺ ؟ قال: قلتُ كافِرٌ. فمَكَثَ سَاعَةً، ثم قال: ما قَوْلُكَ في مَن رَدَّ على العَلِيِّ الأعْلَى؟ ثم غُشِىَ عليه، فمَكَثَ ساعة، ثم قال: رَدُّوا عليه واللهِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَها واللهِ وهو يَعْلَمُ أنَّ بَنِى العَبَّاسِ سيَلُونها (٣٣). إذا ثَبَتَ هذا فإنَّها (٣٤) تُعَادُ خَلْفَ مَن يُعَادُ خَلْفَهُ بَقِيَّةُ الصَّلَوَاتِ. وحُكِىَ عن أبي عبدِ اللهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها لا تُعَادُ. وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى. والظَّاهِرُ مِن حالِ الصَّحَابَةِ، رَحْمَةُ اللهِ عليهم، أنَّهم لم يَكُونُوا يُعِيدُونَها، فإنَّه لم يُنْقَلْ عنهم ذلك.
٢٨٢ - مسألة؛ قال: (فَإِذَا فَرَغُوا مِنَ الْأَذَانِ خَطَبَهُمْ قَائِمًا)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الخُطْبَةَ شَرْطٌ في الجُمُعَةِ، لا تَصِحُّ بِدُونِها. كذلك قال
стр. 1292
عَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، وقَتَادَةُ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحَاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا، إلَّا الحسنَ، قال: تُجْزِئُهم جَمِيعَهُم، خَطَبَ الإِمامُ أو لم يَخْطُبْ؛ لأنَّها صَلَاةُ عِيدٍ، فلم تُشْتَرَطْ لها الخُطْبَةُ، كصلَاةِ الأضْحَى. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. والذِّكْرُ هو الخُطْبَةُ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ ما تَرَكَ الخُطْبَةَ لِلْجُمُعَةِ في حالٍ؛ وقد قال: "صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِى أُصَلِّى" (١). وعن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ لأجْلِ الخُطْبَةِ (٢). وقولُ عائشةَ نحوٌ من هذا. وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: كانت الجُمُعَةُ أرْبَعًا فَجُعِلَت الخُطْبَةُ مَكانَ الرَّكْعَتَيْنِ. وقولُه: "خَطَبَهُم قَائِمًا". يَحْتَمِلُ أنه أرَادَ اشْتِراطَ القِيامِ في الخُطْبَةِ، وأنَّه متى خَطَبَ قَاعِدًا لغيرِ عُذْرٍ، لم تَصحَّ. ويَحْتَمِلُه كلامُ أحمدَ، ﵀. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن الخُطْبَةِ قَاعِدًا، أو يَقْعدُ في إحْدَى الخُطْبَتَيْنِ؟ فلم يُعْجِبْهُ، وقال: قال اللهُ تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٣). وكان النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا. فقال له الهَيْثَمُ بن خَارِجَةَ (٤): كان عمرُ بن عبدِ العَزِيزِ يَجْلِسُ في خُطْبَتِه. فظَهَرَ منه إنْكَارٌ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وقال القاضي: يُجْزِئُه الخُطْبَةُ قَاعِدًا. وقد نَصَّ عليه أحمدُ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ ليس من شَرْطِه الاسْتِقْبَالُ، فلم يَجِبْ له القِيَامُ كالأذانِ. وَوَجْهُ الأوَّل ما رَوَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وهو قائِمٌ، يَفْصِلُ بينهما بِجُلُوسٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٥). وقال جَابِرُ بن سَمُرَةَ: إن
стр. 1293
رسولَ اللهِ ﷺ كان يَخْطُبُ قَائِمًا، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمن نَبَّأَكَ أنَّه كان (٦) يَخْطُبُ جَالِسًا فقد كَذَبَ، فقد واللهِ صَلَّيْتُ معه أكْثَرَ من ألْفَىْ صَلَاةٍ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ (٧). فأمَّا إن قَعَدَ لِعُذْرٍ، من مَرَضٍ، أو عَجْزٍ عن القِيامِ، فلا بَأْسَ، فإنَّ الصلاةَ تَصِحُّ من القاعِدِ العاجزِ عن القِيامِ، فالخُطْبَةُ أوْلَى. ويُسْتَحَبُّ أن يَشْرَعَ في الخُطْبَةِ عند فَراغِ المُؤَذِّنِ من أذَانِه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَسْتَقْبِلَ النّاسُ الخَطِيبَ إذا خَطَبَ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه: يكُونُ الإِمَامُ [عن يَمِينِى] (٨) مُتَبَاعِدًا، فإذا أرَدْتُ أن أنْحَرِفَ إليه حَوَّلْتُ وَجْهِى عن القِبْلَةِ، فقال: نعم، تَنْحَرِفُ إليه. وممَّن كان يَسْتَقْبِلُ الإِمامَ ابنُ عمرَ، وأنَسٌ. وهو قولُ شُرَيْحٍ، وعَطاء، ومَالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وسَعِيدِ بن عبدِ العزِيزِ، وابنِ جابِر (٩)، ويَزِيدَ ابنِ أبي مَرْيَمَ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحاقَ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا كالإِجْمَاعِ. ورُوِىَ عن الحسنِ أنَّه اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ولم يَنْحَرِفْ إلى الإِمامِ. وعن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ أنَّه كان
стр. 1294
لا يَسْتَقْبِلُ هشامَ بن إسماعيلَ إذا خَطَبَ، فوَكَلَ به هِشَامٌ شُرَطِيًّا يَعْطِفُه إليه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لما رَوَى عَدِيُّ بن ثَابِتٍ، عن أبِيه، عن جَدِّهِ، قال: كان النَّبِيُّ ﷺ إذا قَامَ على المِنْبَرِ اسْتَقْبَلَهُ أصْحَابُه بِوُجُوهِهم، رَوَاه ابنُ مَاجَه (١٠). وعن مُطِيعِ بن يَحْيَى (١١) المَدَنِي، عن أبِيه، عن جَدِّهِ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قَامَ على المِنْبَرِ أقْبَلْنَا بِوُجُوهِنا إليه. أخْرَجَه الأثْرَمُ. ولأنَّ ذلك أبْلَغُ في سَمَاعِهم، فاسْتُحِبَّ، كاسْتِقْبَالِ الإِمَامِ إيَّاهم.
٢٨٣ - مسألة؛ قال: (فَحَمِدَ اللهَ، وأَثْنَى عَلَيْهِ، وصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وجَلَسَ وقَامَ، فَأَتَى أَيْضًا [بِحَمْدِ اللهِ] (١) والثَّنَاءِ عَلَيْهِ، والصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وقَرَأَ وَوَعَظَ، وإنْ أرَادَ أن يَدْعُوَ لإِنْسَانٍ دَعَا)
وجُمْلَتُه أنَّه يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ خُطْبَتانِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ. وقال مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: يُجْزئُهُ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ عليه، فإنَّه قال: لا تكونُ الخُطْبَةُ إلَّا كما خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ ، أو (٢) خُطْبَةً تَامَّةً. وَوَجْهُ الأوَّلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كما رَوَيْنا في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، وجَابِرِ بن سَمُرَةَ، وقد قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمونِى أُصَلِّى". ولأنَّ الخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ، فكُلُّ خُطْبَةٍ مَكَانَ رَكْعَةٍ، فالإِخْلالُ بإحْدَاهما كالإِخْلالِ بإحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ. ويُشْتَرَطُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ منهما حَمْدُ اللهِ تعالى، والصَّلَاةُ على رسولِه ﷺ ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "كُلُّ أَمْرٍ ذِى بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ" (٣). وإذا وَجَبَ ذِكْرُ اللَّه تعالى،
стр. 1295
وَجَبَ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ ، لِمَا رُوِىَ في تَفْسيرِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٤). قال: لا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرْتَ مَعِى (٥)، ولأنَّه مَوْضِعٌ وَجَبَ فيه ذِكْرُ اللهِ تعالى، والثَّنَاءُ عليه، فوَجَبَتْ (٦) فيه الصلاةُ على النَّبِيِّ ﷺ ، كالأذانِ والتَّشَهُّدِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الصلاةُ على النَّبِيِّ ﷺ ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَذْكُرْ في خُطْبَتِه (٧) ذلك. فأمَّا القِرَاءَةُ، فقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يُشْتَرَطَ لكُلِّ واحِدَةٍ من الخُطْبَتَيْنِ. وهو ظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ؛ لأنَّ الخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، فكانت القِرَاءَةُ شَرْطًا فيهما كالرَّكْعَتَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تُشْتَرَطَ في إحْدَاهما؛ لما رَوَى الشَّعْبِيُّ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا صَعَدَ المِنْبَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ، فقال: "السَّلَامُ عَلَيْكُم". ويَحْمَدُ اللهَ، ويُثْنِى عليه، ويَقْرَأ سُورَةً، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ، ثم يَنْزِلُ، وكان أبو بكرٍ وعُمَرُ يَفْعَلَانِه. رَوَاه الأثْرَمُ (٨). وظاهِرُ هذا أنَّه إنَّما قَرَأَ في الخُطْبَةِ الأُولَى، وَوَعَظَ في الخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ. وظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أنَّ المَوْعِظَةَ إنَّما تكونُ في الخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ؛ لهذا الخَبَرِ. وقال القاضي: تَجِبُ في الخُطْبَتَيْنِ؛ لأنَّها (٩) المَقْصُودُ من الخُطْبَةِ، فلم يَجُزِ الإِخْلَالُ بها. وقال أَبو حنيفةَ: لو أتَى بِتَسْبِيحَةٍ واحِدَةٍ أجْزَأَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ولم يُعَيِّنْ ذِكْرًا، فأجْزَأَ ما يَقَعُ عليه اسْمُ
стр. 1296
الذِّكْرِ، ويَقَعُ اسْمُ الخُطْبَةِ على دون ما ذَكَرْتُمُوهُ، بدَلِيلِ أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: عَلِّمْنِى عَمَلًا أدْخُلُ به الجَنَّةَ. فقال: "لَئِنْ أَقْصَرْتَ فِي الْخُطْبَةِ لَقَدْ أَعْرَضْتَ في الْمَسْأَلَةِ" (١٠). وعن مالِكٍ رِوَايَتَانِ، كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الذِّكْرَ بفِعْلِه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، قال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: كانتْ صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ قَصْدًا، وخُطْبَتُه قَصْدًا، يَقْرَأُ آياتٍ من القُرْآنِ، ويُذَكِّرُ النَّاسَ (١١). وقال جابِرٌ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ النّاسَ، يَحْمَدُ اللَّه، ويُثْنِى عليه بما هو أهْلُهُ، ثم يقولُ: "مَنْ يَهْدِه اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ" (١٢). وقال ابنُ عمرَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ قائِمًا، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ (١٣). كما يَفْعَلُونَ اليَوْمَ. فأمَّا التَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ فلا يُسَمَّى خُطْبَةً. والمُرَادُ بالذِّكْرِ الْخُطْبَةُ، وما رَوَوْهُ مَجَازٌ؛ فإنَّ السُّؤالَ لا يُسَمَّى خُطْبَةً، ولذلك لو ألْقَى مَسْأَلَةً على الحاضِرِينَ لم يَكْفِ ذلك اتّفَاقًا. قال أصْحَابُنا: ولا يَكْفِى في القِرَاءَةِ أقَلُّ مِن آيةٍ، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَقْتَصِرْ على أقَلَّ مِن ذلك، ولأنَّ الحُكْمَ لا يَتَعَلَّقُ بما دُونَها، بدَلِيلِ مَنْعِ الجُنُبِ من قِراءَتِها، دونَ ما هو أقَلُّ من ذلك. وظَاهِرُ كلامِ
стр. 1297
أحمدَ أنَّه لا يَشْتَرِطُ ذلك؛ لأنَّه قال: القِراءَةُ في الخُطْبَةِ على المِنْبَرِ ليس فيها شيءٌ مُؤَقَّتٌ، ما شاءَ قَرَأ. وقال: إنْ خَطَبَ بهم وهو جُنُبٌ، ثم اغْتَسَلَ وصَلَّى بهم، فإنَّه يُجْزِئُه. والجُنُبُ مَمْنُوعٌ من قِرَاءَةِ آيةٍ. والْخِرَقِيُّ قال: قَرَأَ شَيْئًا من القُرْآنِ. ولم يُعَيِّن المَقْرُوءَ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجِبَ شيءٌ سِوَى حَمْدِ اللهِ والمَوْعِظَةِ؛ لأنَّ ذلك يُسَمَّى خُطْبَةً، ويَحْصُلُ به المَقْصُودُ، فأجْزَأَ، وما عداهُ فليس على اشْتِرَاطِه دَلِيلٌ. ولا يَجِبُ أنْ يَخْطُبَ على صِفَةِ خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بالاتِّفَاقِ؛ لأنَّه قد رُوِىَ أنَّه كان يَقْرَأُ آياتٍ، ولا يَجِبُ [أنْ يقْرأَ] (١٤) آياتٍ، ولكن يُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ آياتٍ كذلك، ولِمَا رَوَتْ أُمُّ هِشَامٍ بنتُ حارِثَةَ بن النُّعْمَان، قالت: ما أخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلَّا مِن فِى رسول اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بها في كُلِّ جُمُعَةٍ. وعن أُخْتٍ لِعَمْرَةَ كانت أَكْبَرَ منها مثلُ هذا، رَوَاهما مُسْلِمٌ (١٥)، وفي حَدِيثِ الشعْبِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَقْرَأُ سُورَةً (١٦).
فصل: يُسْتَحَبُّ أنْ يَجْلِسَ بين الخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك. كما رَوَيْنا في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، وجَابِرِ بن سَمُرَةَ (١٧). وليستْ وَاجِبَةً في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال الشَّافِعِيُّ: هي وَاجِبَةٌ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَجْلِسُها. ولَنا، أنَّها جَلْسَةٌ ليس فيها ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فلم تكنْ وَاجِبَةً كالأُولَى، وقد سَرَدَ الخُطْبَةَ جَمَاعَةٌ، منهم المُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ، وأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ. قالَه أحمدُ. وَرُوِىَ عن أبِي إسحاقَ، قال: رأيتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ على المِنْبَرِ، فلم يَجْلِسْ حتى فَرَغَ. وجُلُوسُ النَّبِيِّ ﷺ كان للاسْتِرَاحَةِ، فلم تكنْ وَاجِبَةً،
стр. 1298
كالأُولَى، ولكن يُسْتَحَبُّ، فإنْ خَطَبَ جَالِسًا لِعُذْرٍ فَصَلَ بين الخُطْبَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ، وكذلك إن خَطَبَ قَائِمًا فلم يَجْلِسْ. قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: ذَهَبَ مالِكٌ، والعِرَاقِيُّونَ، وسَائِرُ فُقهاءِ الأمْصارِ إلَّا الشَّافِعِيَّ، إلى (١٨) أنَّ الجُلُوسَ بين الخُطْبَتَيْنِ لا شىءَ على مَنْ تَرَكَهُ.
فصل: والسُّنَّةُ أنْ يَخْطُبَ مُتَطَهِّرًا. قال أبو الخَطَّابِ: وعنه أن ذلك من شَرائِطِها، وللشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كالرِّوَايَتَيْنِ. وقد قال أحمدُ، في من خَطَبَ وهو جُنُبٌ، ثم اغْتَسَلَ وصَلَّى بهم: يُجْزِئُه. وهذا إنَّما يكونُ إذا خَطَبَ في غيرِ المَسْجِدِ، أو خَطَبَ في المَسْجِدِ غيرَ عالِمٍ بحالِ نَفْسِهِ، ثم عَلِمَ بعد ذلك، والأشْبَهُ بأُصُولِ المَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ [من الجَنَابَةِ] (١٩)؛ فإنَّ أصْحابَنا قالوا: يُشْتَرَطُ قِرَاءَةُ آيةٍ فصاعِدًا. وليس ذلك لِلْجُنُبِ، ولأنَّ الْخِرَقِيَّ اشْتَرَطَ لِلأذَانِ الطَّهارَةَ من الجَنابةِ، فالخُطْبَةُ أوْلَى. فأمَّا الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى فلا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصلاةَ، فلم تكنِ الطَّهارةُ فيه شَرْطًا كالأذانِ، لكن يُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ مُتَطَهِّرًا من الحَدَثِ والنَّجَسِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُصَلِّى عَقِيبَ الخُطْبَةِ، لا يَفْصِلُ بينهما بطَهارَةٍ، فدَلَّ (٢٠) على أنَّه كان مُتَطَهِّرًا، والاقْتِدَاءُ به إن لم يَكُنْ وَاجِبًا فهو سُنَّةٌ. ولأنَّنا اسْتَحْبَبْنَا ذلك للأَذانِ، فالخُطْبَةُ أوْلَى، ولأنَّه لو لم يكنْ مُتَطَهِّرًا احْتاجَ إلى الطَّهارَةِ بين الصلاةِ والخُطْبَةِ، فيَفْصِلُ بينهما، وَرُبَّما طَوَّلَ على الحاضِرِينَ.
فصل: والسُّنَّةُ أن يَتَوَلَّى الصلاةَ مَنْ يَتَوَلَّى الخُطْبَةَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَتَوَلَّاهُما بِنَفْسِه، وكذلك خُلَفَاؤُهُ من بعدِه. وإن خَطَبَ رَجُلٌ،
стр. 1299
وصَلَّى آخَرُ لِعُذْرٍ، جَازَ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولو خَطَبَ أَمِيرٌ، فَعُزِلَ وَوُلِّيَ غيرُه، فصَلَّ ى بهم، فصَلَاتُهم تَامَّةٌ. نَصَّ عليه؛ لأنه إذا جَازَ الاسْتِخْلَافُ في الصلاةِ الواحِدَةِ لِلْعُذْرِ، ففى الخُطْبَةِ مع الصلاةِ أوْلَى. وإنْ لم يكنْ عُذْرٌ، فقال أحمدُ، ﵀: لا يُعْجِبُنِي مِن غيرِ عُذْرٍ. فَيَحْتَمِلُ المَنْعَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَتَوَلَّاهُما، وقد قال: "صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى" (٢١). ولأن الخُطْبةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ. ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عن الصَّلَاةِ، فأشْبَهَتَا صَلَاتَيْنِ. وهل يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ المُصَلِّى ممَّن حَضَرَ الخُطْبَةَ؟ فيه رِوَايَتَانِ: إحْدَاهما، يُشتَرَطُ ذلك. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه إمَامٌ في الجُمُعَةِ، فاشْتُرِطَ حُضُورُهُ الخُطْبَةَ، كما لو لم يَسْتَخْلِفْ. والثانيةُ، لا يُشْتَرَطُ. وهو قولُ الأوْزَاعِيِّ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه ممن تَنْعَقِدُ به الجُمُعَةُ، فجازَ أنْ يَؤُمَّ فيها. كما لو حَضَرَ الخُطْبَةَ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀ أنَّه لا يجوزُ الاسْتِخْلَافُ لِعُذْرٍ ولا غيرِه. قال، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، في الإِمامِ إذا أحْدَثَ بعدَ ما خَطَبَ، فَقَدَّمَ رَجُلًا يُصَلِّى بهم: لم يُصَلِّ بهم إلَّا أرْبَعًا، إلَّا أن يُعِيدَ الخُطْبَةَ، ثم يُصَلِّى بهم رَكْعَتَيْنِ. وذلك لأنَّ هذا لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن أحدٍ من خُلَفائِه. والأوَّلُ المذهبُ.
فصل: ومن سُنَنِ الخُطْبَةِ أنْ يَقْصِدَ الخَطِيبُ تِلْقَاءَ وَجْهِه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفعلُ ذلك، ولأنَّه أبْلَغُ في سَمَاعِ النَّاسِ، وأعْدَلُ بينهم، فإنَّه لو الْتَفَتَ إلى أحَدِ جَانِبَيْه لأعْرَضَ عن الجانِبِ الآخَرِ، ولو خالَفَ هذا، واسْتَدْبَرَ النَّاسَ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، صَحَّتِ الخُطْبَةُ؛ لِحُصُولِ المَقْصُودِ بدُونه، فأشْبَهَ ما لو أَذَّنَ غيرَ مُسْتَقْبِلٍ القِبْلَة. ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ صَوْتَه؛ ليُسْمِعَ النَّاسَ. قال جابِرٌ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وعَلَا صَوْتُه، واشْتَدَّ غَضَبُه، حتى
стр. 1300
كأنَّه مُنْذِرُ جَيْشٍ يقولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُم، ويقول: "أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّه تَعَالَى، وخَيْرَ الهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".
ويُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الخُطْبَةِ؛ لما رَوَى عَمَّار، قال: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وقِصَرَ خُطْبَتِه مَئِنَّةٌ (٢٢) مِنْ فِقْهِهِ، فأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، واقْصُرُوا الخُطْبَةَ". وقال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: كنتُ أُصَلِّى مع النَّبِيِّ ﷺ ، فكانت صلاتُه قَصْدًا، وخُطْبَتُه قَصْدًا، رَوَى هذه الأحَادِيثَ كُلَّها مُسْلِمٌ (٢٣). وعن جابِرِ بن سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يُطِيلُ المَوْعِظَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إنَّما هي كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٤).
ويُسْتَحَبُّ أنْ يَعْتَمِدَ على قَوْسٍ، أو سَيْفٍ، أو عَصًا؛ لما رَوَى الحَكَمُ بنُ حَزْنٍ الكُلَفِيُّ (٢٥) قال: وَفَدْتُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فأَقَمْنَا أيَّامًا شَهِدْنَا فيها الجُمُعَةَ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فقامَ مُتَوَكِّئًا على عَصًا أو قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللهَ، وأثْنَى عليه كَلِمَاتٍ طَيِّباتٍ خَفِيفَاتٍ مُبَارَكَاتٍ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٦). ولأنَّ ذلك