الذِّكْرِ، ويَقَعُ اسْمُ الخُطْبَةِ على دون ما ذَكَرْتُمُوهُ، بدَلِيلِ أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: عَلِّمْنِى عَمَلًا أدْخُلُ به الجَنَّةَ. فقال: "لَئِنْ أَقْصَرْتَ فِي الْخُطْبَةِ لَقَدْ أَعْرَضْتَ في الْمَسْأَلَةِ" (١٠). وعن مالِكٍ رِوَايَتَانِ، كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الذِّكْرَ بفِعْلِه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، قال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: كانتْ صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ قَصْدًا، وخُطْبَتُه قَصْدًا، يَقْرَأُ آياتٍ من القُرْآنِ، ويُذَكِّرُ النَّاسَ (١١). وقال جابِرٌ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ النّاسَ، يَحْمَدُ اللَّه، ويُثْنِى عليه بما هو أهْلُهُ، ثم يقولُ: "مَنْ يَهْدِه اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ" (١٢). وقال ابنُ عمرَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ قائِمًا، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ (١٣). كما يَفْعَلُونَ اليَوْمَ. فأمَّا التَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ فلا يُسَمَّى خُطْبَةً. والمُرَادُ بالذِّكْرِ الْخُطْبَةُ، وما رَوَوْهُ مَجَازٌ؛ فإنَّ السُّؤالَ لا يُسَمَّى خُطْبَةً، ولذلك لو ألْقَى مَسْأَلَةً على الحاضِرِينَ لم يَكْفِ ذلك اتّفَاقًا. قال أصْحَابُنا: ولا يَكْفِى في القِرَاءَةِ أقَلُّ مِن آيةٍ، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَقْتَصِرْ على أقَلَّ مِن ذلك، ولأنَّ الحُكْمَ لا يَتَعَلَّقُ بما دُونَها، بدَلِيلِ مَنْعِ الجُنُبِ من قِراءَتِها، دونَ ما هو أقَلُّ من ذلك. وظَاهِرُ كلامِ
стр. 1297
أحمدَ أنَّه لا يَشْتَرِطُ ذلك؛ لأنَّه قال: القِراءَةُ في الخُطْبَةِ على المِنْبَرِ ليس فيها شيءٌ مُؤَقَّتٌ، ما شاءَ قَرَأ. وقال: إنْ خَطَبَ بهم وهو جُنُبٌ، ثم اغْتَسَلَ وصَلَّى بهم، فإنَّه يُجْزِئُه. والجُنُبُ مَمْنُوعٌ من قِرَاءَةِ آيةٍ. والْخِرَقِيُّ قال: قَرَأَ شَيْئًا من القُرْآنِ. ولم يُعَيِّن المَقْرُوءَ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجِبَ شيءٌ سِوَى حَمْدِ اللهِ والمَوْعِظَةِ؛ لأنَّ ذلك يُسَمَّى خُطْبَةً، ويَحْصُلُ به المَقْصُودُ، فأجْزَأَ، وما عداهُ فليس على اشْتِرَاطِه دَلِيلٌ. ولا يَجِبُ أنْ يَخْطُبَ على صِفَةِ خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بالاتِّفَاقِ؛ لأنَّه قد رُوِىَ أنَّه كان يَقْرَأُ آياتٍ، ولا يَجِبُ [أنْ يقْرأَ] (١٤) آياتٍ، ولكن يُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ آياتٍ كذلك، ولِمَا رَوَتْ أُمُّ هِشَامٍ بنتُ حارِثَةَ بن النُّعْمَان، قالت: ما أخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلَّا مِن فِى رسول اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بها في كُلِّ جُمُعَةٍ. وعن أُخْتٍ لِعَمْرَةَ كانت أَكْبَرَ منها مثلُ هذا، رَوَاهما مُسْلِمٌ (١٥)، وفي حَدِيثِ الشعْبِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَقْرَأُ سُورَةً (١٦).
فصل: يُسْتَحَبُّ أنْ يَجْلِسَ بين الخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك. كما رَوَيْنا في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، وجَابِرِ بن سَمُرَةَ (١٧). وليستْ وَاجِبَةً في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال الشَّافِعِيُّ: هي وَاجِبَةٌ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَجْلِسُها. ولَنا، أنَّها جَلْسَةٌ ليس فيها ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فلم تكنْ وَاجِبَةً كالأُولَى، وقد سَرَدَ الخُطْبَةَ جَمَاعَةٌ، منهم المُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ، وأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ. قالَه أحمدُ. وَرُوِىَ عن أبِي إسحاقَ، قال: رأيتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ على المِنْبَرِ، فلم يَجْلِسْ حتى فَرَغَ. وجُلُوسُ النَّبِيِّ ﷺ كان للاسْتِرَاحَةِ، فلم تكنْ وَاجِبَةً،
стр. 1298
كالأُولَى، ولكن يُسْتَحَبُّ، فإنْ خَطَبَ جَالِسًا لِعُذْرٍ فَصَلَ بين الخُطْبَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ، وكذلك إن خَطَبَ قَائِمًا فلم يَجْلِسْ. قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: ذَهَبَ مالِكٌ، والعِرَاقِيُّونَ، وسَائِرُ فُقهاءِ الأمْصارِ إلَّا الشَّافِعِيَّ، إلى (١٨) أنَّ الجُلُوسَ بين الخُطْبَتَيْنِ لا شىءَ على مَنْ تَرَكَهُ.
فصل: والسُّنَّةُ أنْ يَخْطُبَ مُتَطَهِّرًا. قال أبو الخَطَّابِ: وعنه أن ذلك من شَرائِطِها، وللشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كالرِّوَايَتَيْنِ. وقد قال أحمدُ، في من خَطَبَ وهو جُنُبٌ، ثم اغْتَسَلَ وصَلَّى بهم: يُجْزِئُه. وهذا إنَّما يكونُ إذا خَطَبَ في غيرِ المَسْجِدِ، أو خَطَبَ في المَسْجِدِ غيرَ عالِمٍ بحالِ نَفْسِهِ، ثم عَلِمَ بعد ذلك، والأشْبَهُ بأُصُولِ المَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ [من الجَنَابَةِ] (١٩)؛ فإنَّ أصْحابَنا قالوا: يُشْتَرَطُ قِرَاءَةُ آيةٍ فصاعِدًا. وليس ذلك لِلْجُنُبِ، ولأنَّ الْخِرَقِيَّ اشْتَرَطَ لِلأذَانِ الطَّهارَةَ من الجَنابةِ، فالخُطْبَةُ أوْلَى. فأمَّا الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى فلا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصلاةَ، فلم تكنِ الطَّهارةُ فيه شَرْطًا كالأذانِ، لكن يُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ مُتَطَهِّرًا من الحَدَثِ والنَّجَسِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُصَلِّى عَقِيبَ الخُطْبَةِ، لا يَفْصِلُ بينهما بطَهارَةٍ، فدَلَّ (٢٠) على أنَّه كان مُتَطَهِّرًا، والاقْتِدَاءُ به إن لم يَكُنْ وَاجِبًا فهو سُنَّةٌ. ولأنَّنا اسْتَحْبَبْنَا ذلك للأَذانِ، فالخُطْبَةُ أوْلَى، ولأنَّه لو لم يكنْ مُتَطَهِّرًا احْتاجَ إلى الطَّهارَةِ بين الصلاةِ والخُطْبَةِ، فيَفْصِلُ بينهما، وَرُبَّما طَوَّلَ على الحاضِرِينَ.
فصل: والسُّنَّةُ أن يَتَوَلَّى الصلاةَ مَنْ يَتَوَلَّى الخُطْبَةَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَتَوَلَّاهُما بِنَفْسِه، وكذلك خُلَفَاؤُهُ من بعدِه. وإن خَطَبَ رَجُلٌ،
стр. 1299
وصَلَّى آخَرُ لِعُذْرٍ، جَازَ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولو خَطَبَ أَمِيرٌ، فَعُزِلَ وَوُلِّيَ غيرُه، فصَلَّ ى بهم، فصَلَاتُهم تَامَّةٌ. نَصَّ عليه؛ لأنه إذا جَازَ الاسْتِخْلَافُ في الصلاةِ الواحِدَةِ لِلْعُذْرِ، ففى الخُطْبَةِ مع الصلاةِ أوْلَى. وإنْ لم يكنْ عُذْرٌ، فقال أحمدُ، ﵀: لا يُعْجِبُنِي مِن غيرِ عُذْرٍ. فَيَحْتَمِلُ المَنْعَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَتَوَلَّاهُما، وقد قال: "صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى" (٢١). ولأن الخُطْبةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ. ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عن الصَّلَاةِ، فأشْبَهَتَا صَلَاتَيْنِ. وهل يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ المُصَلِّى ممَّن حَضَرَ الخُطْبَةَ؟ فيه رِوَايَتَانِ: إحْدَاهما، يُشتَرَطُ ذلك. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه إمَامٌ في الجُمُعَةِ، فاشْتُرِطَ حُضُورُهُ الخُطْبَةَ، كما لو لم يَسْتَخْلِفْ. والثانيةُ، لا يُشْتَرَطُ. وهو قولُ الأوْزَاعِيِّ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه ممن تَنْعَقِدُ به الجُمُعَةُ، فجازَ أنْ يَؤُمَّ فيها. كما لو حَضَرَ الخُطْبَةَ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀ أنَّه لا يجوزُ الاسْتِخْلَافُ لِعُذْرٍ ولا غيرِه. قال، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، في الإِمامِ إذا أحْدَثَ بعدَ ما خَطَبَ، فَقَدَّمَ رَجُلًا يُصَلِّى بهم: لم يُصَلِّ بهم إلَّا أرْبَعًا، إلَّا أن يُعِيدَ الخُطْبَةَ، ثم يُصَلِّى بهم رَكْعَتَيْنِ. وذلك لأنَّ هذا لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن أحدٍ من خُلَفائِه. والأوَّلُ المذهبُ.
فصل: ومن سُنَنِ الخُطْبَةِ أنْ يَقْصِدَ الخَطِيبُ تِلْقَاءَ وَجْهِه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفعلُ ذلك، ولأنَّه أبْلَغُ في سَمَاعِ النَّاسِ، وأعْدَلُ بينهم، فإنَّه لو الْتَفَتَ إلى أحَدِ جَانِبَيْه لأعْرَضَ عن الجانِبِ الآخَرِ، ولو خالَفَ هذا، واسْتَدْبَرَ النَّاسَ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، صَحَّتِ الخُطْبَةُ؛ لِحُصُولِ المَقْصُودِ بدُونه، فأشْبَهَ ما لو أَذَّنَ غيرَ مُسْتَقْبِلٍ القِبْلَة. ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ صَوْتَه؛ ليُسْمِعَ النَّاسَ. قال جابِرٌ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وعَلَا صَوْتُه، واشْتَدَّ غَضَبُه، حتى
стр. 1300
كأنَّه مُنْذِرُ جَيْشٍ يقولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُم، ويقول: "أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّه تَعَالَى، وخَيْرَ الهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".
ويُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الخُطْبَةِ؛ لما رَوَى عَمَّار، قال: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وقِصَرَ خُطْبَتِه مَئِنَّةٌ (٢٢) مِنْ فِقْهِهِ، فأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، واقْصُرُوا الخُطْبَةَ". وقال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: كنتُ أُصَلِّى مع النَّبِيِّ ﷺ ، فكانت صلاتُه قَصْدًا، وخُطْبَتُه قَصْدًا، رَوَى هذه الأحَادِيثَ كُلَّها مُسْلِمٌ (٢٣). وعن جابِرِ بن سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يُطِيلُ المَوْعِظَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إنَّما هي كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٤).
ويُسْتَحَبُّ أنْ يَعْتَمِدَ على قَوْسٍ، أو سَيْفٍ، أو عَصًا؛ لما رَوَى الحَكَمُ بنُ حَزْنٍ الكُلَفِيُّ (٢٥) قال: وَفَدْتُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فأَقَمْنَا أيَّامًا شَهِدْنَا فيها الجُمُعَةَ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فقامَ مُتَوَكِّئًا على عَصًا أو قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللهَ، وأثْنَى عليه كَلِمَاتٍ طَيِّباتٍ خَفِيفَاتٍ مُبَارَكَاتٍ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٦). ولأنَّ ذلك
стр. 1301
أعْوَنُ له؛ فإن لم يَفْعَلْ، فَيُسْتَحَبُّ أنْ يُسَكِّنَ أطْرَافَهُ، إمَّا أن يَضَعَ يَمِينَهُ على شِمَالِه، أو يُرْسِلَهُما سَاكِنَتَيْنِ إلى (٢٧) جَنْبَيْهِ. ويُسْتَحَبُّ أنْ يَبْدَأَ بالحَمْدِ قبلَ المَوْعِظَةِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك، ولأنَّ كُلَّ أَمْرٍ ذِى بَالٍ لا يُبْدَأُ فيه بحَمْدِ اللهِ فهو أبْتَرُ، ثم يُثنِّى بالصلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ ، ثم يَعِظُ. فإن عَكَسَ ذلك صَحَّ؛ لِحُصُولِ المقصود منه. ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ في خُطْبَتِه مُتَرَسِّلًا، مُبِينًا، مُعْربًا، لا يَعْجَلُ فيها، ولا يَمْطُطُها، وأن يكونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَّعِظًا بما يَعِظُ النَّاسَ به؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "عُرِضَ عَلَيَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُم بمَقَارِيضَ مِنْ نارٍ، فقِيلَ لي: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ" (٢٨).
فصل: سُئِلَ أحمدُ [عن مَن قرأَ] (٢٩) سورة الحَجِّ على المِنْبَرِ، أيُجْزِئُه؟ قال: لا. لم يَزَلِ النَّاسُ يَخْطُبُونَ بالثَّنَاءِ على اللَّه تعالى، والصلاةِ عَلَى رسولِ اللهِ ﷺ . وقال: لا تَكُونُ الخُطْبَةُ إلَّا كما خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ . أو خُطبَةً تَامَّة ولأنَّ هذا لا يُسَمَّى خُطْبَةً، ولا يَجمَعُ شُرُوطَها. وإنْ قَرَأ آياتٍ فيها حَمْدُ اللَّه تعالى، والمَوْعِظَةُ، وصَلَّى على النَّبِيِّ ﷺ ، صَحَّ؛ لاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ.
فصل: وإن قَرَأَ السَّجْدَةَ في أثْناء الخُطْبَةِ، فإن شَاءَ نَزَلَ فسَجَدَ، وإن أمْكَنَ السُّجُودُ على المِنْبَرِ، سَجَدَ عليه. وإن تَرَكَ السُّجُودَ، فلا حَرَجَ، فَعَلَه عمرُ وتَرَكَ (٣٠). وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وتَرَكَ عثمانُ، وأبو مُوسى، وعَمَّارُ، والنُّعْمَانُ بن بَشِيرٍ، وعُقْبَةُ بن عَامِرٍ. وبه قال أصْحَابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ السُّجُودَ عِندَهم وَاجِبٌ (٣١).
стр. 1302
وقال مالِكٌ: لا يَنْزِلُ؛ لأنَّه صلاةُ تَطَوُّعٍ، فلا يَشْتَغِلُ بها في أثْناء الخُطْبَةِ، كصلاةِ رَكْعَتَيْنِ. ولَنا، فِعْلُ عمرَ وتَرْكُه، وفِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا من الصَّحابَةِ، رَحْمَةُ اللَّه عليهم، ولأنَّه سُنَّةٌ وُجِدَ سَبَبُها، لا يَطُولُ ال فَصْلُ بها، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُها، كحَمْدِ اللَّه تعالى إذا عَطَسَ، وتَشْمِيتِ العَاطِسِ. ولا يَجِبُ ذلك؛ لما قَدَّمْنَا مِن أنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ غيرُ وَاجِبٍ. ويُفَارِقُ صلاةَ رَكْعَتَيْنِ، لأنَّ سَبَبَهَا لم يُوجَد، ويَطُولُ الفَصْلُ بها.
فصل: والمُوَالَاةُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الخُطْبَةِ. فإنْ فَصَلَ بَعْضَها من بَعْضٍ، بكلامٍ طَوِيلٍ، أو سُكُوتٍ طَوِيلٍ، أو شيءٍ غيرِ ذلك يَقْطَعُ المُوَالَاة، اسْتَأْنَفَها. والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العادَةِ. وكذلك يُشْتَرَطُ المُوالاةُ بين الخُطْبَةِ والصلاةِ. وإن احْتاجَ إلى الطَّهارَةِ تَطَهَّرَ، وبَنَى على خُطْبَتِه، ما لم يَطُلِ الفَصْلُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ، ولِنَفْسِه، والحاضِرِينَ، وإن دَعَا لِسُلْطانِ المسلمين بالصَّلَاحِ فحَسَنٌ. وقد رَوَى ضَبَّةُ بن مِحْصَنٍ (٣٢)، أنَّ أبا موسى كان إذا خَطَبَ، فحَمِدَ اللهَ، وأثْنَى عليه، وصَلَّى على النَّبِيِّ ﷺ ، يَدْعُو لِعمرَ، وأبي بكرٍ. وأنْكَرَ عليه ضَبَّةُ البِدايَةَ بِعمرَ قبلَ الدُّعاءِ لأبي بكرٍ، وَرَفَعَ ذلك إلى عمرَ، فقال لِضَبَّةَ: أنتَ أوْفَقُ (٣٣) منه وأرْشَدُ. وقال القاضي: لا يُسْتَحَبُّ ذلك؛ لأن عَطاءً قال: هو مُحْدَثٌ. وقد ذَكَرْنا فِعْلَ الصَّحابةِ له، وهو مُقَدَّمٌ على قَوْلِ عَطاءٍ؛ ولأنَّ سُلْطانَ المُسلمين إذا صَلَحَ كان فيه صَلاحٌ لهم، ففى الدُّعَاءِ له دُعاءٌ لهم، وذلك مُسْتَحَبٌّ غيرُ مَكْرُوهٍ.
٢٨٤ - مسألة؛ قال: (ويَنْزِلُ فَيُصَلِّى بهم الجُمُعةَ رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ الْحَمْدُ للهِ (١)، وسُورَةً)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ صلاةَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ عَقِيبَ الخُطْبَةِ، يَقْرَأُ في كُلِّ
стр. 1303
رَكْعَةٍ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (١) وسُورَةً، ويَجْهَرُ بالقِرَاءَةِ فيهما. لا خِلافَ في ذلك كُلِّه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ المُسلمونَ على أنَّ صلاةَ الجُمُعةِ رَكْعَتانِ. وجاءَ الحَدِيثُ عن عُمَرَ، أنَّه قال: صَلَاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ . رَوَاه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ مَاجَه (٢). ويُسْتَحَبُّ أنْ يَقْرَأَ في الأُولَى بِسُورَةِ الجُمُعةِ، والثَّانِيَةِ بِسُورَةِ المُنَافِقِينَ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لما رُوِىَ عن عُبَيْدِ اللهِ بن أبي رَافِعٍ، قال: صَلَّى بنا أبو هُرَيْرَةَ الجُمُعَة فقَرَأ سُورَةَ الجُمُعَةِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى، وفى الرَّكْعَةِ الآخِرَة إذا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ. فلما قَضَى أبو هُرَيْرَةَ الصلاةَ أدْرَكْتُه، فقلتُ: يا أبا هُرَيْرَةَ، إنَّك قَرَأْتَ بسُورَتَيْنِ كان عليٌّ يَقْرَأُ بهما بالكوفَة. قال: إنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بهما في الجُمُعَةِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). وإنْ قَرَأَ في الثَّانِيَةِ بالغَاشِيَةِ، فحَسَنٌ؛ فإنَّ الضَّحَّاكَ بنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمانَ بن بَشِيرٍ: ماذَا كان يَقْرَؤُه رسولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ، على إثْرِ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ فقال: كان يَقْرَأُ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). وإن قَرَأَ في الأُولَى بـ ﴿سَبِّحِ﴾ وفى الثانيةِ بالغَاشِيَةِ، فحَسَنٌ؛ فإن النُّعْمَانَ بن بَشِيرٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ، وفى الجُمُعَةِ،
стр. 1304
بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، فإذا اجْتَمَعَ العِيدُ والجُمُعَةُ في يومٍ واحِدٍ، قَرَأَ بهما أيضًا في الصلاتَيْنِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٥). ورَوَى سَمُرَةُ بنُ جُنْدبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَقْرَأُ في صَلَاةِ الجُمُعةِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، مَعًا (٦). رَوَاه أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ (٧). وقال مالِكٌ: أمَّا الذي جاء به الحَدِيثُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع سُورَةِ الجُمُعَةِ، والذي أَدْرَكْتُ عليه النَّاسَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَحُكِىَ عن أبي بكرٍ عبدِ العزيزِ، أنَّه كان يَسْتَحِبُّ أن يَقْرَأَ في الثَّانِيَةِ بـ (٨) ﴿سَبِّحِ﴾ ولَعَلَّه صَارَ إلى ما حكاهُ مالِكٌ، أنَّه أدْرَكَ النَّاسَ عليه. واتِّبَاعُ رسولِ اللهِ ﷺ أحْسَنُ. ومَهْمَا قَرَأَ فهو جائِزٌ حَسَنٌ، إلَّا أنَّ الاقْتِدَاءَ برسولِ اللَّه ﷺ أحْسَنُ، ولأنَّ سورَةَ الجُمُعَةِ تَلِيقُ بالجُمُعَةِ؛ لما فيها مِن ذِكْرِها، والأَمْرِ بها، والحَثِّ عليها.
٢٨٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْها، أضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى، وكانَتْ له جُمُعَةً)
أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنَّ مَن أَدْرَكَ رَكْعَةً من الجُمُعَةِ مع الإِمامِ، فهو مُدْرِكٌ
стр. 1305
لها، يُضِيفُ إليها أُخْرَى، ويُجْزِئُه. وهذا قولُ ابنِ مَسعودٍ وابنِ عمرَ، وأنَسٍ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، والحسنِ، وعَلْقَمَةَ، والأسْوَد، وعُرْوَةَ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ومالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ، لم وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجَاهِدٌ، ومَكْحُولٌ: مَن لم يُدْرِك الخُطْبَةَ صَلَّى أَرْبَعًا؛ لأنَّ الخُطْبَةَ شَرْطٌ لِلْجُمُعَةِ، فلا تكونُ جُمُعَةً في حَقِّ مَن لم يُوجَدْ في حَقِّه شَرْطُها. ولَنا، ما رَوَى الزُّهْرِيُّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً، فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ". رَوَاه الأثْرَمُ، ورَوَاه ابنُ مَاجَه (١)، ولَفْظُه: "فَلْيُصَلِّ إلَيْهَا أُخْرَى". وعن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنَا من الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم في عَصْرِهم.
٢٨٦ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَقَلَّ مِنْ ذلِكَ، بَنَى عَلَيْها ظُهْرًا، إذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ)
أمَّا مَن أدْرَكَ أقَلَّ من رَكْعَةٍ، فإنَّه لا يكونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، ويُصَلِّى ظُهْرًا أَرْبَعًا. وهو قولُ (١) جَمِيعِ مَن ذَكَرْنَا في المَسْأَلَةِ قبلَ هذه. وقال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وأبو حنيفةَ: يكونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بأيِّ قَدْرٍ أدْرَكهُ (٢) من الصلاةِ مع الإِمامِ؛ لأنَّ مَن لَزِمَهُ أن يَبْنِىَ على صلاةِ الإِمامِ إذا أدْرَكَ رَكْعَةً، لَزِمَهُ إذا أدْرَكَ أقَلَّ
стр. 1306
منها، كالمُسَافِرِ يُدْرِكُ المُقِيمَ، ولأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا من الصلاةِ، فكان مُدْرِكًا لها، كالظُّهْرِ. ولَنا، قولُه ﵇: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ". فمَفْهُومُه أنَّه إذا أَدْرَكَ أقَلَّ مِن ذلك لم يَكُنْ مُدْرِكًا لها. ولأنَّه قولُ من سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ والتَّابِعِينَ، ولا مُخَالِفَ لهم في عَصْرهم، فيكونُ إجْماعًا، وقد رَوَى بِشْرُ بن مُعَاذٍ الزَّيّاتُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ (٣)، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ أَدْرَكَ يَوْمَ الجُمُعةِ رَكْعَةً فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى، ومَنْ أَدْرَكَ دُونَها صَلَّاهَا أَرْبَعًا" (٤). ولأنَّه لم يُدْرِكْ رَكْعَةً، فلم تَصِحَّ له الجُمُعةُ، كالإِمامِ إذا انْفَضُّوا قبلَ أن يَسْجُدَ. وأمَّا المُسَافِرُ فإدْرَاكُه إدْرَاكُ إلْزَامٍ، وهذا إدْراكُه (٥) إسْقَاطٌ لِلْعَدَدِ (٦)، فَافْتَرَقَا، وكذلك يُتِمُّ المُسَافِرُ خَلْفَ المُقِيمِ، ولا يَقْصُرُ المُقِيمُ خَلْفَ المُسَافِرِ، وأمَّا الظُّهْرُ فليْس مِن شَرْطِهَا الجَمَاعَةُ، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا.
فصل: وأمَّا قَوْلُه "بِسَجْدَتَيْها" فَيَحْتَمِلُ أنَّه للتَّأْكِيدِ، كقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٧). ويَحْتَمِلُ أنَّه للاحْترَازِ مِن الذي أدْرَكَ الرُّكُوعَ، ثم فَاتَتْهُ السَّجْدَتَانِ، أو إحْدَاهما، حتى سَلَّم الإِمامُ، لِزحامٍ، أو نِسْيانٍ، أو نَوْمٍ، أو غَفْلَةٍ، وقد اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في مَن أحْرَمَ مع الإِمامِ، ثم زُحِمَ فلم يَقْدِرْ على الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حتى سَلَّمَ الإِمامُ، فرَوَى الأثْرَمُ، والمَيْمُونِىُّ، وغيرُهما، أنَّه يكونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ. اخْتارَها الخَلَّالُ. وهذا قولُ الحسنِ، والأوْزَاعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْى؛ لأنَّه قد (٨) أَحْرَمَ بالصلاةِ مع الإِمامِ في أوَّلِ رَكْعَةٍ،
стр. 1307
أشْبَهَ ما لو رَكَعَ وسَجَدَ معه. ونَقَلَ صَالِحٌ، وابنُ مَنْصُورٍ، وغيرُهما، أنَّه يَسْتَقْبِلُ الصلاةَ أَرْبَعًا. وهو ظاهِرُ قولِ الْخِرَقِىِّ، وابنِ أبي موسى، واخْتِيَارُ أبي بكرٍ، وقولُ قَتادَةَ، وأيُّوبِ السَّخْتِيَانِىّ، ويُونُسَ بن عُبَيْد، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ رَكْعَةً كامِلَةً، فلم يكن مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، كالتى قبلَها.
فصل: ومتى قَدَرَ المَزْحُومُ [على السُّجُودِ] (٩) على ظَهْرِ إنْسَانٍ، أو قَدَمِه، لَزِمَهُ ذلك، وأجْزَأهُ. قال أحمدُ، في رِوَايَةِ أحمدَ بنِ هاشِمٍ (١٠): يَسْجُدُ على ظَهْرِ الرَّجُلِ والقَدَمِ، ويُمَكِّنُ الجَبْهَة والأَنْفَ، في العِيدَيْنِ والجُمُعَةِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ: لا يَفْعَلُ. قال مالِكٌ: وتَبْطُلُ الصلاةُ إن فَعَلَ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "ومَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَرْضِ" (١١). ولَنا، ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: إذا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فلْيَسْجُدْ على ظَهْرِ أخِيهِ. رَوَاه سَعِيدٌ في "سُنَنِه" (١٢). وهذا قالَه بمَحْضَرٍ من الصَّحابَةِ وغيرِهم في يومِ جُمُعَةٍ، ولم يَظْهَرْ له مُخَالِفٌ، فكان إجْماعًا. ولأنَّه أتَى بما يُمْكِنُه حالَ العَجْزِ، فصَحَّ، كالمَرِيضِ يَسْجُدُ على المِرْفَقَةِ (١٣)، والخَبَرُ لم يَتَنَاوَل العاجِزَ؛ لأنَّ اللهَ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، ولا يَأْمُرُ العاجِزَ عن الشىءِ بِفِعْلِه.
فصل: وإذا زُحِمَ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، لم يَخْلُ مِن أن يُزْحَمَ في الأُولَى أو في
стр. 1308
الثَّانِيَةِ؛ فإن زُحِمَ في الأُولَى، ولم يَتَمَكَّنْ من السُّجُودِ على ظَهْرٍ ولا قَدَمٍ، انْتَظَرَ حتى يَزُولَ الزِّحَامُ، ثم يَسْجُدُ، ويَتْبَعُ إمَامَه، مثل ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ في صلاةِ الخَوْفِ بِعُسْفَانَ، سَجَدَ معه صَفٌّ، وبَقِىَ صَفٌّ لم يَسْجُدْ معه، فلما قَامَ إلى الثانيةِ [سَجَدُوا، وجازَ] (١٤) ذلك لِلْحَاجَةِ، كذا ها هُنا. فإذا قَضَى ما عليه، وأدْرَكَ الإِمامَ في القِيَامِ، أو في الرُّكُوعِ، تَبِعه (١٥) فيه، وصَحَّتْ له الرَّكْعَةُ، وكذا إذا تَعَذَّرَ عليه السُّجُودُ مع إمَامِه، لِمَرَضٍ، أو نَوْمٍ، أو نِسْيَانٍ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ في ذلك، فأشْبَهَ المَزْحُومَ. فإن خافَ أنَّه إنْ تَشَاغَلَ بالسُّجُودِ فاتَهُ الرُّكُوعُ مع الإِمَامِ في الثانيةِ، لَزِمَتْهُ (١٦) مُتابَعَتُه، وتَصِيرُ الثانيةُ أُولَاهُ. وهذا قولُ مالِكٍ. وقال أبو حنيفةَ: يَشْتَغِلُ بقَضَاءِ السُّجُودِ؛ لأنَّه قد رَكَعَ مع الإِمامِ، فيَجِبُ عليه السُّجُودُ بعدَه، كما لو زالَ الزِّحامُ والإِمامُ قائِمٌ. ولِلشَّافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا" (١٧). فإنْ قيل: فقد قال: "فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا". قُلْنا: قد سَقَطَ الأَمْرُ بالمُتَابَعَةِ في السِّجُودِ عن هذا لِعُذْرِه، وبَقِىَ الأمْرُ بالمُتَابَعَةِ في الرُّكُوعِ مُتَوَجّهًا لإِمْكَانِه، ولأنَّه خَائِفٌ فَوَاتَ الرُّكُوعِ، فلَزِمَتْهُ (١٨) مُتَابَعَة إمَامِه فيه (١٩)، كالمَسْبُوقِ، فأَمَّا إذا كان الإِمَامُ قَائِمًا فليس هذا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وقد فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ مثلَه بِعُسْفَانَ. إذا تَقَرَّرَ هذا، فإنَّه إن اشْتَغَلَ بالسُّجُودِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه، لم تَصِحَّ صلاتُه؛ لأنَّه تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا، وفَعَلَ ما لا يَجُوزُ له فِعْلُه. وإن اعْتَقَدَ جَوَازَ ذلك فسَجَدَ، لم يُعْتَدَّ بِسُجُودِه؛ لأنَّه
стр. 1309
سَجَدَ في مَوْضِعِ الرُّكُوعِ جَهْلًا، فأشْبَهَ السَّاهِىَ، ثم إنْ أدْرَكَ الإِمامَ في الرُّكُوعِ؛ رَكَعَ معه، وصَحَّتْ له الثانيةُ دونَ الأُولَى، وتَصِيرُ الثانيةُ أُولَاهُ، وإن فَاتَهُ الرُّكُوعُ سَجَدَ معه، فإنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ معه، فقال القاضي: يُتِمُّ بهما الرَّكْعَةَ الأُولَى. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وقِيَاسُ المذهبِ أنَّه متى قَامَ إلى الثانيةِ، وشَرَعَ في رُكُوعِها، أو شيءٍ من أفْعالِها المَقْصُودَةِ، أنَّ الرَّكْعَةَ الأُولَى تَبْطُلُ، على ما ذُكِرَ في سُجُودِ السَّهْوِ، ولكنْ إن لم يَقُمْ، ولكن سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ مِن غير قِيامٍ، تَمَّتْ رَكْعَتُه. وقال أبو الخَطَّابِ: إذا سَجَدَ مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذلك، اعْتُدَّ له به، وتَصِحُّ له الرَّكْعَةُ، كما لو سَجَدَ وإمامُه قائِمٌ، ثم إنْ أدْرَكَ الإِمامَ في رُكُوعِ الثَّانِيةِ، صَحَّتْ له الرَّكْعَتَانِ، وإنْ أدْرَكَ رَكْعةً (٢٠) بعد رَفْعِ رَأْسِه من رُكوعِها (٢١)، فيَنْبَغِى أن يَرْكَعَ ويَتْبَعَهُ، لأنَّ هذا سَبْقٌ يَسِيرٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَفُوتَهُ الثانيةُ بِفَوَاتِ الرُّكُوعِ. وإن أَدْرَكَهُ في التَّشَهُّدِ، تَابَعَهُ، وقَضَى رَكْعَةً بعد سَلامِه كالمَسْبُوقِ. قال أبو الخَطَّابِ: ويَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. ولا وَجْهَ لِلسُّجُودِ ها هُنا؛ لأنَّ المَأْمُومَ لا سُجُودَ عليه لِلسَّهْوِ (٢٢)، ولأنَّ هذا فَعَلَهُ عَمْدًا، ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلْعَمْدِ. وإن زُحِمَ عن سَجْدَةٍ واحِدَةٍ، أو عن الاعْتِدالِ بين السَّجْدَتَيْنِ، أو بين الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أو عن جَمِيعِ ذلك، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الزِّحَامِ عن السُّجُودِ. فأمَّا إنْ زُحِمَ عن السُّجُودِ في الثانيةِ، فزَالَ الزِّحامُ قبل سَلامِ الإِمامِ، سَجَدَ، وتبِعَهُ (٢٣)، وصَحَّتِ الرَّكْعَةُ. وإن لم يَزُلْ حتى سَلَّمَ، فلا يَخْلُو من أن يكونَ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ الأُولَى، أو لم يُدْركْها، فإنْ أدْرَكَها فقد أدْرَكَ الجُمُعَةَ بإدْرَاكِها، ويَسْجُدُ للثانيةِ (٢٤) بعد سَلَامِ
стр. 1310
الإِمامِ، ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، وقد تَمَّتْ جُمُعَتُه. وإنْ لم يكنْ أدْرَكَ الأُولَى، فإنَّه يَسْجُدُ بعد سَلامِ إمامِه، وتَصِحُّ له ركعةٌ (٢٥). وهل يكون مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بذلك؟ على رِوَايَتَيْنِ.
فصل: فإذا أدْرَكَ (٢٦) مع الإِمامِ رَكْعَةً، فلمَّا قام لِيَقْضِىَ الأُخْرَى ذَكَرَ أنَّه لم يَسْجُدْ مع إمامِه إلَّا سَجْدَةً واحِدَةً، أو شَكَّ هل سَجَدَ واحِدَةً أو اثْنَتَيْنِ؟ فإنَّه إنْ لم يكنْ شَرَعَ في قِرَاءَةِ الثانيةِ، رَجَعَ فسَجَدَ للأُولَى، فأتَمَّها، وقَضَى الثانيةَ، وتَمَّتْ جُمُعَتُه. نَصَّ أحمدُ على هذا، في رِوَايَةِ الأثْرَمِ. وإنْ كان شَرَعَ في قِرَاءَةِ (٢٧) الثَّانيةِ، بَطَلَتِ الأُولَى، وصَارَتِ الثانيةُ أُولَاهُ. وعلى كِلَا الحالَتَيْنِ يُتِمُّها جُمُعَةً، على ما نَقَلَهُ الأثْرَمُ. وقِياسُ الرِّوَايَةِ الأُخْرَى في المَزْحُومِ أنَّه يُتِمُّها ها هُنا ظُهْرًا؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ رَكْعَةً كامِلَةً. ولو قَضَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيةَ، ثم عَلِمَ أنه تَرَكَ سَجْدَةً من إحْدَاهما، لا يَدْرِى مِن أىِّ الرَّكْعَتَيْنِ تَرَكَها، أو شَكَّ في تَرْكِهَا، فالحُكْمُ واحِدٌ، ويَجْعَلُها من الأُولَى، ويَأْتِى بِرَكْعَةٍ مَكَانَها. وفى كَوْنِه مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَجْهانِ، بِناءً على الرِّوَايَتَيْنِ. فأمَّا إنْ شَكَّ في إدْرَاكِ الرُّكُوعِ مع الإِمامِ، مثل أنْ كَبَّرَ وَالإمامُ رَاكِعٌ، فرَفَعَ إمَامُه رَاسَه، فشَكَّ هل أدْرَكَ المُجْزِئ من الرُّكُوعِ مع الإِمامِ أو لا؟ لم يَعْتَدَّ بتلكَ الرَّكْعَةِ، ويُصَلِّى ظُهْرًا، قَوْلًا وَاحِدًا؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّه ما أَتَى بها معه.
فصل: وكُلُّ مَن أدْرَكَ مع الإِمامِ ما لا يَتِمُّ به جُمُعَةٌ، فإنَّه في قولِ الْخِرَقِىِّ يَنْوِى ظُهْرًا، فإن نَوَى جُمُعَة لم تَصِحَّ في ظاهِرِ كلامِه؛ لأنَّه اشْتَرَطَ لِلْبِناءِ على ما أدْرَكَ أنْ يكونَ قد دَخَلَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ، فمَفْهُومُه أنَّه إذا دَخَلَ بنِيَّةِ الجُمُعَةِ لم يَبْنِ عليها. وكلامُ أحمدَ، في رِوَايَةِ صالِحٍ وابنِ مَنْصُورٍ، يَحْتَمِلُ هذا؛ لِقَوْلِه في مَن
стр. 1311
أحْرَمَ، ثم زُحِمَ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حتى سَلَّمَ إمامُه، قال: يَسْتَقْبلُ ظُهْرًا أَربَعًا. فَيَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ أنَّه يَسْتَأْنِفُ الصلاةَ، وذلك لأنَّ الظُّهْرَ لا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الجُمُعَةِ ابْتِدَاءً، فكذلك دَوَامًا، كالظُّهْرِ مع العَصْرِ. وقال أبو إسحاقَ بن شَاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً؛ لئَلَّا يُخالِفَ (٢٨) نِيَّةَ إمَامِه، ثم يَبْنِى عليها ظُهْرًا. وهذا ظاهِرُ قولِ قَتادَةَ، وأيُوبَ، ويُونُسَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّهم قالوا في الذي أحْرَمَ مع الإِمامِ بالجُمُعَةِ، ثم زُحِمَ عن السُّجُودِ حتى سَلَّمَ الإِمامُ: أتَمَّها أرْبَعًا. فَجَوَّزُوا له إتْمامَها ظُهْرًا، مع كونِه إنَّما (٢٩) أحْرَمَ بالجُمُعَةِ. وقال الشَّافِعِىُّ: في (٢٩) مَن أدْرَكَ رَكْعَةً، فلمَّا سَلَّمَ الإِمامُ عَلِمَ أنَّ عليه منها سَجْدَةً، قال: يَسْجُدُ سَجْدَةً، ويَأْتِى بِثلَاث رَكَعَاتٍ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَأْتَمَّ بمن يُصَلِّى الجُمُعَةَ، فجازَ أن يَبْنِىَ صلاتَه على نِيَّتِها، كصلاةِ المُقِيمِ مع المُسافِرِ، وكما يَنْوِى أنَّه مَأْمُومٌ، ويُتِمُّ بعد سَلَامِ إمامِه مُنْفَرِدًا، ولأنَّهُ (٣٠) يَصِحُّ أن يَنْوِىَ الظُّهْرَ خَلْفَ مَن يُصَلِّى الجُمُعَةَ في ابْتِدَائِها، فكذلك (٣١) في أثْنَائِها.
فصل: وإذا صَلَّى الإِمامُ الجُمُعَةَ قبلَ الزَّوَالِ، فأدْرَكَ المَأْمُومُ معه دُونَ الرَّكْعَةِ، لم يكنْ له الدُّخُولُ معه؛ لأنَّها في حَقِّهِ ظُهْرٌ، فلا يجوزُ قبلَ الزَّوَالِ، كغيرِ (٣٢) يومِ الجُمُعَةِ، فإنْ دَخَلَ معه كانتْ نَفْلًا في حَقِّه، ولم تُجْزِئهُ عن الظُّهْرِ. ولو أدْرَكَ منها رَكْعَةً، ثم زُحِمَ عن سُجُودِها، وقُلْنا تَصِيرُ ظُهْرًا، فإنَّها تَنْقَلِبُ نَفْلًا؛ لئَلَّا تكونَ ظُهْرًا قبلَ وَقْتِها.
فصل: ولو صَلَّى مع الإِمامِ رَكْعَةً، ثم زُحِمَ في الثَّانيةِ، وأُخْرِجَ من الصَّفِّ،
стр. 1312
فصارَ فَذًّا، فَنَوَى الانْفِرَادَ عن الإِمامِ، فقياسُ المَذْهَبِ أنَّه يُتِمُّها جُمُعَةً؛ لأنَّه مُدْرِكٌ لِرَكْعَةٍ منها مع الإِمامِ، فيَبْنِى عليها جُمُعَةً، كما لو أدْرَكَ الرَّكْعةَ الثَّانيةَ. وإن لم يَنْوِ الانْفَرِادَ، وأتَمَّها مع الإِمامِ، ففيه رِوايَتَانِ: إحْدَاهما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه فَذٌّ في رَكْعَةٍ كامِلَةٍ، أَشْبَهَ ما لو فَعَلَ ذلك عَمْدًا. والثانيةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّه قد يُعْفَى في البِنَاءِ عن تَكْمِيلِ الشُّرُوطِ، كما لو خَرَجَ الوَقْتُ وقد صَلَّوْا رَكْعَةً، وكالمَسْبُوقِ برَكْعَةٍ، يَقْضِى رَكْعَةً وَحْدَهُ.
٢٨٧ - مسألة؛ قال: (وَمَتَى دَخلَ وَقْتُ العَصْرِ، وقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوا بِرَكْعَةٍ أُخْرَى، وأَجْرأَتْهُمْ جُمُعَةً)
ظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّه لا يُدْرِكُ الجُمُعَةَ إلَّا بإدْرَاكِ رَكْعَةٍ في وَقْتِها، ومتى دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ قبلَ رَكْعَةٍ لم تَكُنْ جُمُعَةً. وقال القاضي: متى دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ بعد إحْرَامِه بها أتَمَّها جُمُعَةً. ونحوَ هذا قال أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه أحْرَمَ بها (١) في وَقْتِها، أَشْبَه ما لو أتَمَّها فيه. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه إذا دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ بعدَ تَشَهُّدِه وقبل سلامِه، سَلَّمَ وأجْزأتْهُ. وهذا قولُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ. وظَاهِرُ هذا أنَّه متى دَخَلَ الوَقْتُ قبلَ ذلك، بَطَلَتْ أو انْقَلَبَتْ ظُهْرًا. وقال أبو حنيفةَ: إذا خَرَجَ وَقْتُ الجُمُعَةِ قبل فَرَاغِه منها، بَطَلَتْ، ولا يَبْنِى عليها ظُهْرًا، لأنَّهما صلاتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فلا يَبْنِى إحداهما على الأُخْرَى، كالظُّهْرِ والعَصْرِ. والظّاهِرُ أنَّ مذهبَ أبى حنيفةَ في هذا كما ذَكَرْنَا عن أحمدَ؛ لأنَّ السَّلَامَ عندَه ليْس من الصلاةِ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يُتِمُّها جُمُعَةً، ويَبْنِى عليها ظُهْرًا؛ لأنَّهما صلاتَا وَقْتٍ واحِدٍ، فجازَ بِنَاءُ إحْدَاهما على الأُخْرَى، كصلاةِ الحَضَرِ والسَّفَرِ. واحْتَجُّوا على أنَّه لا يُتِمُّها جُمُعَةً، بأنَّ ما كان شَرْطًا في بَعْضِها كان شَرْطًا في جَمِيعِها، كالطَّهارَةِ، وسَائِرِ الشُّرُوطِ. ولَنا، قولُه ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقْد أدْرَكَ
стр. 1313
الصَّلَاةَ" (٢). ولأنَّه أدْرَكَ رَكْعَةً من الجُمُعَةِ، فكان مُدْرِكًا لها، كالمَسْبُوقِ برَكْعَةٍ، ولأنَّ الوَقْتَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الجُمُعةَ، فاكْتُفِىَ به في رَكْعَةٍ، كالجَماعَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالجماعةِ، فإنَّه يَكْتَفِى بإدْراكِها في رَكْعَةٍ، فعلى هذا إنْ دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ قبلَ رَكْعَةٍ، فعلى قِياسِ قولِ الْخِرَقِىِّ، تَفْسُدُ، ويَسْتَأْنِفُها ظُهْرًا، كقولِ أبي حنيفةَ. وعلى قولِ أبي إسحاقَ بن شَاقْلا، يُتِمُّها ظُهْرًا. كقولِ الشَّافِعِىِّ، وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلَيْنِ.
فصل: إذا أدْرَكَ من الوَقْتِ ما يُمْكِنُه أن يخْطُبَ، ثم يُصَلِّىَ رَكْعَةً، فقِيَاسُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ له التَّلَبُّسَ بها؛ لأنَّه أدْرَكَ من الوَقْتِ ما يُدْرِكُها فيه. فإن شَكَّ هل أدْرَكَ مِن الوَقْتِ ما يُدْرِكُها به أو لا؟ صَحَّتْ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاءُ الوَقْتِ وَصِحَّتُها.
٢٨٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ دَخلَ والْإِمَامُ يَخْطُبُ، لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، يُوجِزُ فِيهِما)
وبهذا قال الحسنُ، وابنُ عُيَيْنَةَ، ومَكْحُولٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال شُرَيح، وابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِىُّ، وقَتَادَةُ، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ: يَجْلِسُ، ويُكْرَهُ له أن يَرْكَعَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال للذى جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ الناسِ: "اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ وأنَيْتَ". [رَوَاه ابنُ مَاجَه] (١). ولأن الرُّكُوعَ يَشْغَلُه عن اسْتِماعِ الخُطْبَةِ، فَكُرِه، كَرُكُوعِ غيرِ الدَّاخِلِ. ولَنا، ما رَوَى جَابِرٌ، قال: جاءَ رَجُلٌ والنَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ، فقال: "صَلَّيْتَ (٢) يا
стр. 1314
فُلَانُ؟ " قال: لا، قال: "قُمْ، فَارْكَعْ". وفي رِوَايةٍ: " فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولِمُسْلِمٍ (٤)، قال: ثم قال: "إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، ولْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا". وهذا نَصٌّ. ولأنَّه دَخَلَ المَسْجِدَ في غيرِ وَقْتِ النَّهْىِ عن الصَّلَاةِ، فسُنَّ له الرُّكُوعُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فلا يَجْلِسْ حتى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وحَدِيثُهُم قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ المَوْضِعُ يَضِيقُ عن الصلاةِ، أو يكونَ في آخِر الخُطْبَةِ، بحيثُ لو تَشاغَلَ بالصلاةِ فاتَتْهُ تَكْبِيرَةُ الإِحْرامِ، والظَّاهِرُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما أَمَرَهُ بالجُلُوسِ، ليَكُفَّ أذَاهُ عن النَّاسِ، لِتَخَطِّيه إيَّاهم. فإنْ كان دُخُولُه في آخِر الخُطْبَةِ، بحيثُ إذا تَشاغَلَ بالرُّكُوُعِ فاتَهُ أوَّلُ الصلاةِ، لم يُسْتَحَبَّ له التَّشَاغُلُ بالرُّكُوعِ.
فصل: ويَنْقَطِعُ التَّطَوُّعُ بِجُلُوسِ الإِمامِ على المِنْبَرِ، فلا يُصَلِّى أحَدٌ غيرَ الدَّاخِلِ يُصَلِّى تَحِيَّةَ المَسْجدِ، ويَتَجَوَّزُ فيها؛ لما رَوَى ثَعْلَبَةُ بنُ أبِى مالِكٍ، أنَّهم كانوا في زَمَنِ عمرَ بن الخَطَّابِ يومَ الجُمُعَةِ يُصَلُّونَ حتى يَخْرُجَ عمرُ، فإذا خَرَجَ عمرُ، وجَلَسَ على المِنْبَرِ، وأذَّنَ المُؤَذِّنُونَ، جَلَسُوا يَتَحَدَّثُون، حتى إذا سَكَتَ المُؤَذِّنُ وقَامَ عمرُ سَكَتُوا، فلم يَتَكَلَّمْ أحَدٌ (٦). وهذا يَدُلُّ على شُهْرَةِ الأمْرِ بينهم.
فصل: ويَجِبُ الإِنْصَاتُ مِن حين يَأْخُذُ الإِمامُ في الخُطْبَةِ، فلا يجوزُ الكلامُ
стр. 1315
لأحَدٍ من الحاضِرِينَ، ونَهَى عن ذلك عثمانُ وابنُ عمرَ. وقال ابنُ مسعودٍ: إذا رَأيْتَه يَتَكَلَّمُ، والإِمامُ يَخْطُبُ، فَاقرَعْ رَأْسَهُ بالعَصَا. وكَرِهَ ذلك عَامَّةُ أهْلِ العِلْمِ، منهم: مالِكٌ، وأبو حنيفةَ، والأوْزَاعِىُّ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى؛ لَا يَحْرُمُ الكَلَامُ. وكان سَعِيدُ بن جُبَيرٍ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وإبراهيمُ بن مُهَاجِرٍ، وأبو بُرْدَةَ يَتَكَلَّمُونَ والحَجَّاجُ يَخْطُبُ. وقال بعضُهم: إنَّا لم نُؤْمَرْ أنْ نُنْصِتَ لهذا. ولِلشَّافِعِىِّ قَوْلانِ، كالرِّوَايَتَيْنِ. واحْتَجَّ مَن أجازَ ذلك بما رَوَى أنَسٌ، قال: بينما النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إذْ قَامَ رَجُلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّه، هَلَكَ الكُرَاعُ (٧) وهَلَكَ الشَّاءُ (٨)، فَادْعُ اللهَ أن يَسْقِيَنَا. وذَكَرَ الحَدِيثَ، إلى أن قال: ثم دَخَلَ رَجُلٌ مِن ذلك البابِ في الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، ورسولُ اللهِ ﷺ قائِمٌ يَخْطُبُ، فاسْتَقْبَلَهُ قائِمًا، فقال: يا رسولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأمْوَالُ، [وانْقطَعتِ السُّبُلُ] (٩)، فَادْعُ اللهَ يَرْفَعُها عَنَّا. مُتَّفَقٌ عليه (١٠)، وَرُوِىَ أنَّ رَجُلًا قامَ، والنَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فقال: يا رسولَ اللَّه، متى السَّاعَةُ؟ فأعْرَضَ النَّبِىُّ ﷺ ، وأوْمَأَ النّاسُ إليه بالسُّكُوتِ، فلم يَقْبَلْ، وأعَادَ الكلامَ، فلمَّا كان في الثَّالِثَةِ، قال له النَّبِىُّ ﷺ : "وَيْحَكَ، مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ". قال: حُبَّ اللهِ وَرَسُولِه، قال:
стр. 1316
"إنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" (١١). ولم يُنْكِرْ عليهم النَّبِىُّ ﷺ كلامَهم، ولو حَرُمَ عليهم لأنْكَرَهُ عليهم. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "إذا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ". مُتَّفَقٌ عليه (١٢)، وَرُوِىَ عن أُبَىِّ بن كَعْبٍ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿تَبَارَكَ﴾ فذكَّرنا بأيَّامِ اللهِ، وأبو الدَّرْدَاءِ أو أبو ذَرٍّ يَغْمِزُنِى. فقال (١٣): متي أُنْزِلَتْ هذه السُّورَةُ [، فإنِّى لم أسْمَعْها إلَّا الآنَ؟ فأشارَ إليه أن اسْكُتْ، فلما انْصَرَفُوا، قال: سَأَلْتُكَ متى أُنْزِلَتْ هذه] (١٤) فلم تُخْبِرْنِى. قال أُبَىٌّ: ليس لك من صلاتِك اليومَ إلَّا ما لَغَوْتَ. فذهبَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فذكرَ له وأَخْبَرَه بما قال أُبَىٌّ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "صَدَقَ أُبَىٌّ". رَوَاهُ عبدُ اللهِ بن أحمدَ،
стр. 1317
في "المُسْنَدِ"، وابنُ مَاجَه (١٥). ورَوَى أبو بكرِ بن أبي شَيْبَةَ، بإسْنَادِه، عن أبي هُرَيْرَةَ نَحْوَه، وعن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فهُوَ كَمِثْلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا". رَوَاهُ ابنُ أبي خَيْثَمَةَ (١٦). وما احْتَجُّوا به، فيَحْتَمِلُ أنَّه مُخْتَصٌّ بمن كَلَّمَ الإِمامَ، أو كَلَّمَهُ الإِمامُ؛ لأنَّه لا يَشْتَغِلُ بذلك عن سَمَاعِ خُطْبَتِه، ولذلك سألَ النَّبِىُّ ﷺ هل صَلَّى؟ فأجابَهُ. وسَألَ عمرُ عُثمانَ حين دَخَلَ وهو يَخْطُبُ، فأجَابَه، فتَعَيَّنَ حَمْلُ أخْبَارِهم على هذا، جَمْعًا بين الأخْبَارِ، وتَوْفِيقًا بينها، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ غيرِه عليه؛ لأنَّ كلامَ الإِمامِ لا يكونُ في حالِ [خُطْبتِه بخِلافِ] (١٧) غيرِه، وإن قُدِّرَ التَّعَارُضُ فالأخْذُ بحَدِيثِنَا أوْلَى؛ لأنَّه قولُ النَّبِيِّ ﷺ ونَصُّهُ، وذلك سُكُوتُه، والنَّصُّ أقْوَى من السُّكُوتِ.
فصل: ولا فَرْقَ بين القَريبِ والبَعِيدِ؛ لِعُمُومِ ما ذَكَرْنَاه، وقد رُوِىَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: من كان قَرِيبًا يَسْمَعُ ويُنْصِتُ. ومن كان بَعِيدًا يُنْصِتُ؛ فإنَّ لِلْمُنْصِتِ الذي لا يَسْمَعُ مِن الحَظِّ ما لِلسَّامِعِ، وقد رَوَى عبدُ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبىِّ ﷺ ، قال: "يَحْضُرُ الجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، رَجُلٌ حَضَرَها يَلْغُو، وهو حَظُّهُ مِنْهَا، ورَجُلٌ حَضَرَها يَدْعُو، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللهَ، فَإنْ شَاءَ أعْطَاهُ، وإن شَاءَ مَنَعَهُ، ورَجُلٌ حَضَرَها بإنْصَاتٍ وسُكُونٍ (١٨)، ولم يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، ولم يُؤْذِ أحَدًا، فَهِىَ كَفَّارَةٌ إلَى الجُمُعَةِ الَّتِى تَلِيها، وزيَادَةُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ،
стр. 1318
وذلِكَ أنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١٩) ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٠).
فصل: ولِلْبَعِيدِ أن يَذْكُرَ اللهَ تعالى، ويَقْرَأَ القُرْآنَ، ويُصَلِّىَ على النَّبِيِّ ﷺ ، ولا يَرْفَعُ صَوْتَه، قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يُصَلِّىَ على النَّبِىِّ ﷺ فِيما بينه وبينَ نَفْسِه. ورَخَّصَ له في القِرَاءَةِ والذِّكْرِ عَطَاءٌ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والشَّافِعِىُّ. ليس له أن يَرْفَعَ صَوْتَه، ولا يُذَاكِرَ في الفِقْهِ، ولا يُصَلِّىَ، ولا يَجْلِسَ في حَلْقَةٍ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّ له المُذَاكَرَةَ في الفِقْهِ، وصلاةَ النَّافِلَةِ. ولَنا، عُمُومُ ما رَوَيْنَاهُ، وأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن الحِلَقِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قبلَ الصلاةِ. رَوَاه أبُو دَاوُدَ (٢١) ولأنَّه إذا رَفَعَ صَوْتَه مَنَعَ مَن هو أقْرَبُ منه مِن السَّمَاعِ، فيكونُ مُؤْذِيًا له، فيكونُ عليه إثْمُ مَن آذَى المُسْلِمِينَ، وصَدَّ عن ذِكْرِ اللهِ تعالى. وإذا ذَكَرَ اللهَ فيما بينه وبين نَفْسِه، مِن غير أن يُسْمِعَ أحدًا، فلا بَأْسَ. وهل ذلك أفْضَلُ أو الإِنْصاتُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أحدُهما، الإِنْصَاتُ أفْضَلُ؛ لِحَدِيثِ عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو، وقَوْلِ عثمانَ. والثاني، الذِّكْرُ أفْضَلُ؛ لأنَّه يَحْصُلُ له ثَوَابُه مِن غير ضَرَرٍ، فكان أفْضَلَ، كما قبلَ الخُطْبَةِ.
فصل: ولا يَحْرُمُ الكلامُ على الخَطِيبِ، ولا على مَن سَأَلَه الخَطِيبُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَأَلَ سُلَيْكًا الدَّاخِلَ وهو يَخْطُبُ: "أَصَلَّيْتَ؟ " قال: لا (٢٢). وعن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ بَيْنَا هو يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إذْ دَخَلَ رَجُلٌ من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فنادَاهُ عمرُ: أيَّة ساعَةٍ هذه؟ قال: إنِّي شُغِلْتُ اليَوْمَ، فلم
стр. 1319
أنْقَلِبْ إلى أهْلِى حتى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فلم أَزِدْ على أن تَوَضَّأْتُ. قال عمرُ: الوُضُوءَ أيضًا؟ وقد عَلِمْتَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَأْمُرُ بالغُسْلِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٣). ولأنَّ تَحْرِيمَ الكَلَامِ عِلَّتُه الاشْتِغَالُ به عن الإِنْصَاتِ الوَاجِبِ، وسَمَاعِ الخُطْبَةِ. ولا يَحْصُلُ ها هنا، وكذلك مَن كَلَّمَ الإِمامَ لحاجةٍ، أو سَأَلَهُ عن مَسْأَلَةٍ، بِدَلِيلِ الخَبَرِ الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُه.
فصل: وإذا سَمِعَ الإِنْسَانُ مُتَكَلِّمًا لم يَنْهَهُ بالكلامِ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ" (٢٤). ولكنْ يُشِيرُ إليه. نَصَّ عليه أحمدُ. فيَضَعُ أُصْبُعَهُ على فِيهِ. وممَّن رَأَى أن يُشِيرَ ولا يَتَكَلَّمَ، زَيْدُ بن صُوحَانَ (٢٥)، وعبدُ الرحمنِ بن أبي لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وكَرِهَ الإِشارةَ طَاوُسٌ. ولَنا، أنَّ الذي قال للنَّبِىِّ ﷺ متى السَّاعَةُ؟ أوْمَأَ النَّاسُ إليه بحَضْرَةِ رسولِ اللهِ ﷺ بالسُّكُوتِ، ولأنَّ الإِشَارَةَ تجوزُ في الصلاةِ التي يُبْطِلُها الكلامُ، ففى الخُطْبَةِ أوْلَى.
فصل: فأمَّا الكلامُ الوَاجِبُ، كتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ من البِئْرِ، أو مَن يخافُ عليه نَارًا، أو حَيَّةً أو حَرِيقًا، ونحوَ ذلك، فله فِعْلُه؛ لأنَّ هذا يَجوزُ في نَفْسِ الصلاةِ مع إفْسادِها به (٢٦)، فها هُنا أوْلَى. فأمَّا تَشْمِيتُ العاطِسِ، ورَدُّ السَّلامِ، ففيه رِوايتانِ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ سُئِلَ، يَرُدُّ الرَّجُلُ السَّلامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ؟
стр. 1320
فقال: نعم. ويُشَمِّت العاطِسَ؟ فقال: نعم، والإِمامُ يَخْطُبُ. وقال أبو عبدِ اللهِ: قد فَعَلَه غيرُ وَاحِدٍ. قال ذلك غيرَ مَرَّةٍ. وممَّن رَخَّصَ في ذلك الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ (٢٧)، وقتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وذلك لأنَّ هذا وَاجِبٌ، فوَجَبَ الإِتْيانُ به في الخُطْبَةِ، كتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ. والرِّوَايةُ الثّانيةُ، إنْ كان لا يَسْمَعُ رَدَّ السَّلامَ وشَمَّتَ (٢٨) العَاطِسَ، وإن كان يَسْمَعُ لم يَفْعَلْ. قال أبو طَالِبٍ، قال أحمدُ: إذا سمعتَ الخُطْبَةَ فَاسْتَمِعْ وأنْصِتْ، ولا تَقْرأْ، ولا تُشَمِّتْ، وإذا لم تَسْمَع الخُطْبَةَ فَاقْرأْ وشَمِّتْ وَرُدَّ السَّلامَ. وقال أبو دَاوُدَ، قلتُ لأحمدَ: يَرُدُّ السَّلامَ والإِمامُ يَخْطُبُ، ويُشَمِّتُ العاطِسَ؟ فقال: إذا كان ليس يَسْمَعُ الخُطْبَةَ فيَرُدُّ، وإذا كان يَسْمَعُ فلا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٢٩). وقيلَ لأحمدَ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ نَغْمَةَ الإِمامِ بالخُطْبَةِ، ولا يَدْرِى ما يقولُ، يَرُدُّ السَّلامَ؟ قال: لا، إذا سَمِعَ شيئا. وَرُوِىَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ؛ وذلك لأنَّ الإِنْصاتَ وَاجِبٌ، فلم يَجُز الكلامُ المانِعُ منه من غير ضَرُورَةٍ، كالأمْرِ بالإِنْصاتِ، بخِلافِ مَن لم يَسْمَعْ. وقال القاضي: لا يَرُدُّ ولا يُشَمِّتُ. وَرُوِىَ نحوُ ذلك عن ابنِ عمرَ. وهو قولُ مالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. واخْتَلَفَ فيه (٣٠) قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، فيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ هذا القولُ مُخْتَصًّا بمن يَسْمَعُ دونَ مَن لم يَسْمَعْ، فيكونُ مثلَ الرِّوَايةِ الثَّانِيةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ عَامًّا في كل حَاضِرٍ يَسْمَعُ أو لم يَسْمَعْ؛ لأنَّ وُجُوبَ الإِنْصاتِ شامِلٌ لهم، فيكونُ المَنْعُ من رَدِّ السَّلامِ وتَشْمِيتِ العَاطِس ثَابِتًا في حَقِّهِم، كالسَّامِعِينَ.
فصل: لا يُكْرَهُ الكلامُ قبل شُرُوعِهِ في الخُطْبَةِ، وبعدَ فَرَاغِه منها. وبهذا قال
стр. 1321
عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، وبَكْرٌ المُزَنِىُّ (٣١)، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، ويَعقوبُ، ومحمدٌ. وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وكَرِهَهُ الحَكَمُ. وقال أبو حنيفةَ: إذا خَرَجَ الإِمامُ حَرُمَ الكلامُ. قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: إنَّ عمرَ وابنَ عَبَّاسٍ كانا يَكْرهانِ الكلامَ والصلاةَ بعد خُرُوجِ الإِمامِ، ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابةِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ والإِمَامُ يَخْطُبُ أنْصِتْ، فقد لَغَوْتَ" (٣٢). فَخَصَّهُ بوَقْتِ الخُطْبَةِ. وقال ثَعْلَبَةُ بن أبي مالِكٍ: إنَّهم كانوا في زَمَنِ عمرَ إذا خَرَجَ عمرُ، وجَلَسَ على المِنْبَرِ، وأَذَّنَ المُؤَذِّنُونَ، جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، حتى إذا سَكَتَ المُؤَذِّنُونَ، وقام عمرُ سَكَتُوا، فلم يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ (٣٣)، وهذا يَدُلُّ على شُهْرَةِ الأمْرِ بينهم. ولأنَّ الكلامَ إنَما حُرِّمَ لأَجْلِ الإِنْصاتِ لِلْخُطْبَةِ، فلا وَجْهَ لِتَحْرِيمِه مع عَدَمِها. وقولُهم: لا مُخالِفَ لهما في الصَّحابَةِ. قد ذَكَرْنَا عن عُمُومِهِم خِلافَ هذا القَوْلِ.
فصل: فأمَّا الكلامُ في الجَلْسَةِ بين الخُطْبَتَيْنِ، فيَحْتَمِلُ أن يَكونَ جائزًا؛ لأنَّ الإِمامَ غيرُ خاطِبٍ ولا مُتَكَلِّمٍ، فأشْبَهَ ما قبلَها وبعدَها. وهذا قولُ الحسنِ. ويَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ منه، وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّه سُكُوتٌ يَسِيرٌ في أثْناء الخُطْبَتَيْنِ، أشْبَهَ السُّكُوتَ لِلتَّنَفُّسِ.
فصل: إذا بَلَغَ الخَطِيبُ إلى الدُّعاءِ، فهل يَسُوغُ الكلامُ؟ فيه وَجْهَانِ: أحَدُهما، الجَوازُ؛ لأنَّه فَرَغَ من الخُطْبَةِ، وشَرَعَ في غيرِها، فأشْبَهَ ما لو نَزَلَ.
стр. 1322
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يجوزَ؛ لأنَّه تَابِعٌ لِلْخُطْبَةِ، فيَثْبُتُ له ما ثَبَتَ لها، كالتَّطْوِيلِ في المَوْعِظَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه كان دُعَاءً مَشْرُوعًا، كالدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ولِلْإِمامِ العادِلِ، أنْصَتَ له، وإن كان لغيرِه لم يَلْزَمِ الإِنْصاتُ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له.
فصل: ويُكْرَهُ العَبَثُ والإِمامُ يَخْطُبُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣٤). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. واللَّغْوُ: الإِثْمُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٣٥). ولأنَّ العَبَثَ يَمْنَعُ الخُشُوعَ والفَهْمَ، ويُكْرَهُ أنْ يَشْرَبَ والإِمامُ يَخْطُبُ، إن كان مِمَّن يَسْمَعُ. وبه قال مالِكٌ، والأوْزاعِىُّ. ورَخَّصَ فيه مُجاهِدٌ، وطَاوُسٌ، والشَّافِعِىُّ؛ لأنَّه لا يَشْغَلُ عن السَّماعِ. ولَنا، أنَّه فِعْلٌ يَشْتَغِلُ به، أشْبَهَ مَسَّ الحَصَا. فأمَّا إن كان لا يَسْمَعُ، فلا يُكْرَهُ، نَصَّ عليه؛ لأنَّه لا يَسْتَمِعُ، فلا يَشْتَغِلُ به.
فصل: قال أحمدُ: لا تَتَصَدَّقْ على السُّؤَّالِ والإِمامُ يَخْطُبُ؛ وذلك لأنَّهم فَعَلُوا ما لا يجوزُ، فلا يُعِينُهم عليه. قال أحمدُ: وإن حَصَبَهُ كان أعْجَبَ إلىَّ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ رأى سَائِلًا يَسْألُ، والإِمامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَحَصَبَهُ. وقيل لأحمدَ: فإن تَصَدَّقَ عليه إنْسانٌ، فَناوَلَهُ والإِمامُ يَخْطُبُ؟ قال: لا يَأْخُذ منه. قيل: فإن سألَ قبلَ خُطبَةِ الإِمامِ، ثم جلس، فأعْطَانِى رَجُلٌ صَدَقَةً أُنَاوِلُها إيَّاهُ؟ قال: نعم، هذا لم يَسْألْ والإِمامُ يَخْطُبُ.
فصل: ولا بَأْسَ بالاحْتِباءِ والإِمامُ يَخْطُبُ، رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وجماعةٍ
стр. 1323
من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ . وإليه ذَهَبَ سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، وشُرَيْحٌ، وعِكْرِمَةُ بن خَالِدٍ (٣٦)، وسَالِمٌ، ونَافِعٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. قال أبو دَاوُدَ: لم يَبْلُغْنِى أن أحدًا كَرِهَه إلَّا عُبادَةُ بن نُسَىٍّ (٣٧)، لأنَّ سَهْلَ بنَ مُعَاذٍ رَوَى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن الْحَبْوَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإِمَامُ يَخْطُبُ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣٨). ولَنا، ما رَوَى يَعْلَى بنُ شَدَّادِ بن أوْسٍ، قال: شَهِدْتُ مع مُعاوِيَةَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فجمَّع بنا، فَنَظَرْتُ، فإذا جُلُّ مَن في المَسْجِدِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرأيْتُهم مُحْتَبِينَ والإِمامُ يَخْطُبُ (٣٩). وفَعَلَه ابنُ عمرَ، وأنَسٌ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخَالِفًا، فصار (٤٠) إجْمَاعًا، والحَدِيثُ في إسْنَادِه مَقالٌ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ. والأوْلَى تَرْكُه لأجْلِ الخَبَرِ، وإنْ كان ضَعِيفًا، ولأنَّه يكون مُتَهَيِّئًا لِلنَّوْمِ والوُقُوعِ وانْتِقَاضِ الوُضُوءِ، فيكونُ ترْكُه أوْلَى، واللهُ أعلمُ. ويُحْمَلُ النَّهْىُ في الحَدِيثِ على الكَراهةِ، ويُحْمَلُ أحْوالُ الصَّحابَةِ الذين فَعَلُوا ذلك على أنَّهم لم يَبْلُغْهُم الخَبَرُ. [واللهُ أعلمُ] (٤١).
٢٨٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا لم يَكُنْ في القَرْيَةِ أرْبَعُونَ رَجُلًا عُقَلَاءَ، لم تَجِبْ عَلَيْهِمُ الجُمُعَةُ)
وجُمْلَتُه أنَّ الجُمُعَةَ إنَّما تَجِبُ بِسَبْعَة شَرائِط: إحْدَاها، أن تكونَ في قَرْيَةٍ.
стр. 1324
والثَّانِى، أن يَكُونُوا أرْبَعِينَ. والثَّالِث، الذُّكُورِيَّةُ. والرَّابِع، البُلُوغُ. والخَامِس، العَقْلُ. والسَّادِسُ، الإِسْلامُ. والسَّابِع، الاسْتِيطانُ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، فأمَّا القَرْيَةُ فيُعْتَبَرُ أنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً بما جَرَتِ العادَةُ بِبِنَائِها به، مِن حَجَرٍ أو طِينٍ أو لَبِنٍ أو قَصبٍ أو شَجَرٍ ونَحْوِه، فأمَّا أَهْلُ الخِيَامِ وبُيُوتِ الشَّعَر والخَرْكاآت (١) فلا جُمُعَةَ عليهم، ولا تَصِحُّ منهم؛ لأنَّ ذلك لا يُنْصَبُ للاسْتِيطانِ غَالِبًا، وكذلك كانت قَبَائِلُ العَرَبِ حَوْلَ المَدِينَةِ، فلم يُقِيمُوا جُمُعَةً، ولا أمَرَهُم بها النَّبِيُّ ﷺ ، ولو كان ذلك لم يَخْفَ، ولم يُتْرَكْ نَقْلُه، مع كَثْرَتِه وعُمُوم البَلْوَى به، لكن إنْ كانوا مُقِيمِينَ بِمَوْضِعٍ يَسْمَعُونَ النِّداءَ، لَزِمَهُم السَّعْىُ إليها، كأهْلِ القَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ إلى جانِبِ المِصْرِ. ذَكَره القاضي. ويُشْتَرَطُ في القَرْيَةِ أيضًا أن تكونَ مُجْتَمِعَةَ البِناءِ بما جَرَتِ العادَةُ في القَرْيَةِ الواحِدَةِ، فإن كانت مُتَفَرِّقَةَ المنازِلِ تَفَرُّقًا لم تَجْرِ العادَةُ به، لم تَجِبْ عليهم الجُمُعَةُ، إلَّا أن يَجْتَمِعَ منها ما يَسْكُنُه أرْبَعُونَ، فَتَجِبُ الجُمُعَةُ بهم، ويَتْبَعُهُم الباقُونَ، ولا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ البُنْيانِ بَعْضِه بِبَعْضٍ، وحُكِىَ عن الشَّافِعِىِّ أنَّه شَرْطٌ، ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ القَرْيَةَ (٢) المُتَقَارِبَةَ البُنْيانِ قَرْيَةٌ مَبْنِيَّةٌ على ما جَرَتْ به عَادَةُ القُرَى، فأشْبَهَتِ المُتَّصِلَةَ؛ ومتى كانت القَرْيَةُ لا تَجِبُ الجُمُعَةُ على أهْلِها بأَنْفُسِهِمْ، وكانوا بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ من مِصْرٍ (٣)، أو من قَرْيَةٍ تُقامُ فيها الجُمُعَةُ، لَزِمَهُم السَّعْىُ إليها؛ لِعُمُومِ الآيةِ.
فصل: فأما الإِسْلامُ والعَقْلُ والذُّكُورِيَّةُ، فلا خِلافَ في اشْتِرَاطِها، لِوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقَادِها؛ لأنَّ الإِسْلامَ والعَقْلَ شَرْطانِ لِلتَّكْلِيفِ وصِحَّةِ العِبادَةِ
стр. 1325
المَحْضَةِ، والذُّكُورِيَّةَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها، لأنَّ الجُمُعَةَ يَجْتَمِعُ لها الرِّجالُ، والمَرْأَةُ ليستْ من أهْلِ الحُضُورِ في مجامِع الرِّجالِ، ولَكِنَّها تَصِحُّ منها لِصِحَّةِ الجماعةِ منها، فإنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ مع النَّبِيِّ ﷺ في الجماعةِ. وأمَّا البُلُوغُ، فهو شَرْطٌ أيضًا لِوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها، في الصَّحِيحِ من المذهبِ، وقَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّه مِن شَرائِط التَّكْلِيفِ، بِدَلِيلِ قَوْلِه ﵇: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِىِّ حتى يَبْلُغَ" (٤)، وذَكَرَ بعضُ أصْحابِنَا في الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّها وَاجِبَةٌ عليه، بِنَاءً على تَكْلِيفِه. ولا مُعَوَّلَ عليه.
فصل: فأمَّا الأرْبَعُونَ، فالمَشْهُورُ في المذهبِ أنَّه شَرْطٌ لِوُجُوبِ الجُمُعَةِ وصِحَّتِها. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، وعُبَيْدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ بن عُتْبةَ. وهو مذهبُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وَرُوِىَ عن أحمدَ أنَّها لا تَنْعَقِدُ إلَّا بِخَمْسِينَ؛ لما رَوَى أبو بكر النَّجَّادُ، عن عبدِ المَلِكِ الرَّقَاشِىّ، حَدَّثَنا رَجَاءُ بن سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بن عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِىِّ، عن جعفر بن الزُّبَيْرِ، عن القَاسِمِ، عن أبي أُمَامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "تَجِبُ الجُمُعَةُ عَلَى خَمْسِينَ رَجُلًا، ولا تَجِبُ عَلَى مَا دُونَ ذلِكَ" (٥). وبإسْنَادِهِ عن الزُّهْرِىِّ، عن أبي سَلَمَةَ، قال: قلتُ لأبي هُرَيْرَةَ: علَى كم تَجِبُ الجُمُعَةُ مِن رَجُلٍ؟ قال: لمَّا بَلَغ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَمْسِينَ جَمَّعَ بهم رسولُ اللهِ ﷺ . وعن أحمدَ أنَّها تَنْعَقِدُ بِثلاثةٍ. وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه يَتَنَاوَله اسْمُ الجَمْعِ، فانْعَقَدَتْ به الجماعةُ كالأرْبَعِينَ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٦) وهذه صِيغَةُ الجَمْعِ فيَدْخُلُ فيه الثَّلاثةُ. وقال أبو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ
стр. 1326
بأرْبَعَةٍ؛ لأنَّه عَدَدٌ يَزِيدُ على أَقَلِّ الجَمْعِ المُطْلَقِ، أشْبَهَ الأرْبَعِينَ. وقال رَبِيعَةُ: تَنْعَقِدُ باثْنَىْ عَشَرَ رَجُلًا؛ لما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه كَتَبَ إلى مُصْعَبِ بن عُمَيْرٍ بالمَدينَةِ، فأمَرَهُ أنْ يُصَلِّىَ الجُمُعَةَ عند الزَّوَالِ رَكْعَتَيْنِ، وأن يَخْطُبَ فيهما. فجمَّعَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ في بَيْتِ سَعْدِ بن خَيْثَمةَ باثْنَىْ عَشَرَ رَجُلًا (٧). وعن جابِرٍ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ يومَ الجُمُعَةِ، فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، فخَرَجَ النَّاسُ إليها، فلم يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشرَ رَجُلًا، أنا فيهم، فأنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٨) إلى آخر الآية. رَوَاه مُسْلِمٌ (٩). وما يُشْتَرَطُ للابْتِداءِ يُشْتَرَطُ للاسْتِدامَةِ. ولَنا، ما رَوَى كَعْبُ بنُ مَالِكٍ، قال: أَوَّلُ مَن جَمَّعَ بنا أسْعَدُ بن زُرَارَةَ، في هَزْمِ النَّبِيتِ (١٠)، مِن حَرَّةِ بَنِى بَيَاضَةَ (١١)، في نَقِيعٍ يقال له: نَقِيعُ الخَضَماتِ (١٢). قلتُ له: كم كُنْتُمْ يَوْمَئذٍ؟ قال: أرْبَعُونَ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٣)، والأثْرَمُ. ورَوَى خُصَيْفٌ، عن عَطَاءٍ، عن جابِرِ بن عبدِ اللَّه، قال: مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ في كلِّ أرْبَعِينَ فما فَوْقَها جُمُعَةً. رَوَاه
стр. 1327
الدَّارَقُطْنِىّ (١٤). وضَعَّفَهُ ابنُ الجَوْزِىِّ. وقولُ الصَّحَابِىِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ. يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ . فأمَّا مَن رَوَى أنَّهم كانوا اثْنَىْ عَشَرَ رَجُلًا، فلا يَصِحُّ؛ فإنَّ ما رَوَيْنَاهُ أصَحُّ منه رَوَاهُ أصْحَابُ السُّننِ. والخبَرُ الآخَرُ يَحْتَمِلُ أنَّهم عَادُوا فحَضَرُوا القَدْرَ الواجِبَ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم عادُوا قبلَ طُولِ ال فَصْلِ . فأمَّا الثَّلاثةُ والأرْبَعَةُ فَتَحَكُّمٌ بالرَّأْىِ فيما لا مَدْخَلَ له فيه، فإنَّ التَّقْدِيراتِ بَابُها التَّوْقِيفُ، فلا مَدْخَلَ لِلرَّأْىِ فيها، ولا مَعْنَى لاشْتِرَاطِ كَوْنِه جَمْعًا، ولا لِلزِّيَادَةِ على الجَمْعِ، إذْ لا نَصَّ في هذا ولا مَعْنَى نَصٍّ، ولو كان الجَمْعُ كافِيًا فيه، لاكْتُفِىَ بالاثْنَيْنِ؛ فإنَّ الجماعةَ تَنْعَقِدُ بهما.
فصل: فأمَّا الاسْتِيطانُ، فهو شَرْطٌ في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وهو الإِقامَةُ في قَرْيَةٍ، على الأوْصافِ المَذْكُورَةِ، لا يَظْعَنُونَ عنها صَيْفًا ولا شِتَاءً، ولا تَجِبُ على مُسافِرٍ ولا على مُقِيمٍ في قَرْيَةٍ يَظْعَنُ أهْلُها عنها في الشِّتاءِ دُونَ الصَّيْفِ، أو في بعض السَّنَةِ، فإنْ خَرِبَتِ القَرْيَةُ أو بعضُها، وأهْلُها مُقِيمُونَ بها، عازِمُونَ على إصْلاحِها، فَحُكْمُها باقٍ في إقامَةِ الجُمُعَةِ بها. وإنْ عَزَمُوا على النُّقْلَةِ عنها، لم تَجِبْ عليهم؛ لِعَدَمِ الاسْتِيطانِ.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ (١٥): أحدهما، الحُرِّيَّةُ. ونَذْكُرُها في مَوْضِعِها إن شاءَ اللهُ تعالى. والثانى، إذْنُ الإِمامِ. والصَّحِيحُ أنَّه ليس بَشَرْطٍ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. والثانية: هو شَرْطٌ. رُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والأوْزَاعِىِّ، وحَبِيبِ بن أبي ثَابِتٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُقِيمُها إلَّا الأئِمَّةُ في كل عَصْرٍ، فصارَ ذلك إجْماعًا. ولَنا، أنَّ عليًّا صَلَّى الجُمُعَةَ بالنَّاسِ
стр. 1328
وعثمانُ مَحْصُورٌ، فلم يُنْكِرْهُ أحَدٌ، وصَوَّبَ ذلك عمانُ، وأمَرَ بالصلاةِ معهم. فَرَوَى حُمَيْدُ بن عبدِ الرحمنِ، عن عُبَيْدِ اللهِ بن عَدِىّ بن الْخِيَار، أنَّه دَخَلَ على عثمانَ وهو مَحْصُورٌ، فقال: إنَّه قد نَزَلَ بك ما تَرَى، وأنتَ إمَامُ العَامَّةِ، [وهو يُصَلِّى بنا إمَامَ فِتْنَةٍ، وأنا أَتَحَرَّجُ من الصَّلَاةِ معه] (١٦). فقال: إنَّ الصَّلَاةَ مِن أحْسَنِ ما يَعْمَلُ النَّاسُ، فإذَا أحْسَنُوا فأحْسِنْ معهم، وإذا أساءُوا فاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُم. أخْرَجَهُ البُخَارِىُّ (١٧)، والأثْرَمُ. وهذا لَفْظُ رِوَايَةِ الأثْرَمِ. وقال أحْمَدُ: وَقَعَتِ الفِتْنَةُ بالشَّامِ تِسْعَ سِنِينَ، فكانوا يُجَمِّعُونَ. ورَوَى مَالِكٌ، في "المُوَطَّأ" (١٨) عن أبى جَعفرٍ القَارِئ، أنَّه رَأى صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ في الفِتْنَةِ حين حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فخَرَجَ يَتْبَعُ النَّاسَ، يقولُ: مَن يُصَلِّى بالنّاسِ. حتى انْتَهَى إلى عبدِ اللهِ بن عمرَ، فقال له عبدُ اللهِ بن عمَرَ: تَقَدَّمْ أنتَ فَصَلِّ بين يَدَى النَّاسِ. ولأنَّها مِن فَرَائِضِ الأعْيَانِ، فلم يُشْتَرَطْ لها إذْنُ الإِمامِ، كالظُّهْرِ، ولأنَّها صلاةٌ أَشْبَهَتْ سائِرَ الصَّلَوَاتِ. وما ذَكَرُوهُ إجْمَاعًا لا يَصِحُّ، فإنَّ النَّاسَ يُقِيمُونَ الجُمُعَاتِ في القُرَى من غير اسْتِئْذَانِ أحَدٍ، ثم لو صَحَّ أنَّه لم يَقَعْ إلَّا ذلك لَكان إجْماعًا على جَوَازِ ما وَقَعَ، لا علَى تَحْرِيمِ غيرِه، كالحَجِّ يَتَوَلَّاهُ الأئِمَّةُ، وليس بِشَرْطٍ فيه. فإنْ قُلْنا: هو شَرْطٌ. فلم يَأْذَن الإِمامُ فيه (١٩)، لم يَجُزْ أن يُصَلُّوا جُمُعَةً، وصَلَّوْا ظُهْرًا. وإنْ أذِنَ في إقَامَتِها ثم مات، بَطَلَ إذْنُه بِمَوْتِه (١٩). فإنْ صَلَّوْا، ثم بَانَ أنَّه قد مَاتَ قبلَ ذلك، فهل تُجْزِئُهم صَلَاتُهم؟ على رِوَايَتَيْنِ: أصَحُّهما، أنَّها تُجْزِئُهم؛ لأنَّ المُسْلِمِينَ في الأمْصارِ النَّائِيَةِ عن بَلَدِ الإِمامِ لا يُعِيدُونَ ما صَلَّوْا من الجُمُعَاتِ بعدَ مَوْتِه، ولا نَعْلَمُ أحَدًا أنْكَرَ ذلك عليهم، فكان إجْماعًا. ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادَةِ
стр. 1329
يَشُقُّ؛ لِعُمُومِه في أَكْثَرِ البُلْدَانِ. وإن تَعَذَّرَ إذْنُ الإِمَامِ لِفِتْنَةٍ، فقال القاضي: ظَاهِرُ كلامِه صِحَّتُها بغيرِ إذْنٍ، على كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ. فعلَى هذا يكونُ الإِذْنُ مُعْتَبَرًا مع إمْكانِه، ويَسْقُطُ اعْتِبَارُه بِتَعَذُّرِهِ.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ المِصْرُ. رُوِىَ نحوُ ذلك عن ابنِ عمرَ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ، والأوْزَاعِىِّ، واللَّيْثِ، ومَكْحُولٍ، وعِكْرِمَةَ، والشَّافِعِىِّ. وَرُوِىَ عن عليٍّ رَضِىَ اللهُ عنه أنَّه قال: لا جُمُعَةَ ولا تَشْرِيقَ إلَّا في مِصْرٍ جَامِعٍ (٢٠). وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وإبراهيمُ، وأبو حَنِيفَةَ، ومحمدُ بن الحسنِ؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا جُمُعَةَ ولا تَشْرِيقَ إلَّا في مِصْرٍ جَامِعٍ" (٢٠). ولَنا، ما رَوَى كَعْبُ بنُ مالِكٍ، أنَّه قال: أسْعَدُ بن زُرَارَةَ أَوَّلُ مَن جَمَّعَ بنا في هَزْمِ النَّبِيتِ من حَرَّةِ بَنِى بَيَاضَةَ، في نَقِيعٍ يقالُ له: نَقِيعُ الخَضَماتِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢١). قال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لِعَطَاءٍ: تَعْنِى إذا كان (٢٢) ذلك بِأَمْرِ النَّبِىِّ ﷺ ؟ قال. نعم. قال الخَطَابِىُّ (٢٣): حَرَّةُ بَنِى بَيَاضَةَ قريةٌ (٢٤) على مِيلٍ من المَدِينَةِ. وعن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: إنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بعدَ جُمُعَةِ المَدِينَةِ لَجُمُعَةٌ جُمِّعتْ بِجُوَاثَا (٢٥) من البَحْرَيْنِ مِن قُرَى عَبْدِ القَيْسِ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٢٦). ورَوَى أبو
стр. 1330
هُرَيْرَةَ، أنَّه كَتَبَ إلى عمرَ يَسْأَلُه عن الجُمُعَةِ بالبَحْرَيْنِ، وكان عامِلَه عليها. فكَتَبَ إليه عمرُ: جمِّعُوا (٢٧) حيثُ كُنْتُمْ. رَوَاه الأثْرَمُ (٢٨). قال أحمدُ: إسْنَادٌ (٢٩) جَيِّدٌ. فأمَّا خَبَرُهم فلم يَصِحَّ. قال أحمدُ: ليس هذا بِحَدِيثٍ، وَرَوَاه الأعْمَشُ، عن [أبى سعيد] (٣٠) الْمَقْبُرِىِّ، ولم يَلْقَهُ. قال أحمدُ: الأعْمَشُ لم يَسْمَعْ من [أبى سعيدٍ] (٣٠)، إنَّما هو عن عليٍّ، وقولُ عمرَ يُخَالِفُه.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الجُمُعَةِ إقَامَتُها في البُنْيانِ، ويجوزُ إقامَتُها فيما قارَبَهُ من الصَّحْراءِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا تجُوزُ في غيرِ البُنْيَانِ؛ لأنَّه مَوْضِعٌ يجوزُ لِأَهْلِ المِصْرِ قَصْرُ الصلاةِ فيه، فأشْبَهَ البَعِيدَ. ولَنا، أن مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ جَمَّعَ بالأنْصَارِ في هَزْمِ النَّبِيتِ في نَقِيعِ الخَضَماتِ (٣١)، والنقيعُ: بَطْنٌ من الأَرْضِ يَسْتَنْقِعُ فيه الماءُ مُدَّةً، فإذا نَضَبَ الماءُ نَبَتَ الكَلَأُ. ولأنَّه مَوْضِعٌ لِصلاةِ العِيدِ، فجَازَتْ فيه الجُمُعَةُ، كالجامِعِ، ولأنَّ الجُمُعَةَ صلاةُ عِيدٍ، فجازَتْ في المُصَلَّى كصلاةِ الأضْحَى، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذلك، ولا نَصَّ في اشْتِرَاطِه، ولا معْنَى نَصٍّ، فلا يُشْتَرَطُ.
٢٩٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ صَلَّوْا أَعَادُوهَا ظُهْرًا)
وجُمْلَتُه أنَّ ما كان شَرْطًا لِوُجُوبِ الجُمُعَةِ، فهو شَرْطٌ لِانْعقادِها، فمتى
стр. 1331
صَلَّوْا جُمُعَةً مع اخْتِلال بعضِ شُرُوطِها، لم يَصِحَّ، ولَزِمَهُم أن يُصَلُّوا ظُهْرًا، ولا يُعَدُّ في الأرْبَعِينَ الذينَ تَنْعَقِدُ بهم الجُمُعَةُ مَنْ لا تَجِبُ عليه، ولا يُعْتَبَرُ اجْتِماعُ الشُّرُوطِ لِلصِّحَّةِ، بل تَصِحُّ ممَّن لا تَجِبُ عليه، تَبَعًا لمن وَجَبَتْ عليه، ولا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِها كَوْنُه ممَّن تَنْعَقِدُ به، فإنَّها تَجِبُ على مَن يَسْمَعُ النِّدَاءَ مِن غيرِ أهْلِ المِصْرِ، ولا تَنْعَقِدُ به.
فصل: ويُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الشُّرُوطِ في القَدْرِ الوَاجِبِ من الخُطْبَتَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: لا يُشْتَرَطُ العَدَدُ فيهما؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصلاةَ، فلم يُشْتَرَطْ له العَدَدُ، كالأذانِ. ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ من شَرائِطِ الجُمُعَةِ، فكان مِن شَرْطِهِ العَدَدُ، كَتكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، ويُفَارِقُ الأذَانَ، فإنَّه ليس بِشَرْطٍ، وإنَّما مَقْصُودُه الإِعْلام، والإِعْلامُ لِلْغَائِبِينَ، والخُطْبَةُ مَقْصُودُها التَّذْكِيرُ والمَوْعِظَةُ، وذلك إنَّما يكونُ لِلْحاضِرِينَ، وهى مُشْتَقَّةٌ من الخِطابِ، والخِطابُ إنَّما يكونُ لِلْحَاضِرِينَ. فعلَى هذا إن انْفَضُّوا في أثْنَاءِ الخُطْبَةِ، ثم عَادُوا فحَضَرُوا القَدْرَ الواجِبَ، أجْزأَهم، وإلَّا لم يُجْزِئْهم، إلَّا أنْ يَحْضُرُوا القَدْرَ الواجِبَ، ثم يَنْفَضُّوا ويَعُودُوا قبلَ شُرُوعِهِ في الصلاةِ، مِن غيرِ طُولِ الفَصْلِ، فإنْ طالَ الفَصْلُ، لَزِمَه إعادَةُ الخُطْبَةِ، إن كان الوَقْتُ مُتَّسِعًا؛ لأنَّهم مِن أهل وُجُوبِ الجُمُعَةِ، والوَقْتُ مُتَّسِعٌ لها، لِتَصحَّ لهم الجُمُعَةُ، وإن ضاقَ الوَقْتُ صَلَّوْا ظُهْرًا، والمَرْجعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العادَةِ.
فصل: ويُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الشُّرُوطِ في جَمِيعِ الصلاةِ، فإنْ نَقَصَ العَدَدُ قبلَ كَمالِها، فظَاهِرُ كَلَامِ أحمدَ أنَّه لا يُتِمُّها جُمُعَةً. وهذا أحدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه فَقَدَ بعضَ شَرائِطِ الصلاةِ، فأشْبَهَ فَقْدَ الطَّهَارَةِ. وقِيَاسُ قولِ الخِرَقِىِّ أنَّهم إن انْفَضُّوا بعد رَكْعَةٍ، أنَّه يُتِمُّها جُمُعةً. وهذا قولُ مالِكٍ، وقال المُزَنِىُّ: هو الأشْبَهُ عندِى؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الجُمُعةِ رَكْعَةً أضَافَ إلَيْهَا
стр. 1332
أُخْرَى" (١). ولأنَّهم أدْرَكُوا رَكْعَةً، فَصَحَّتْ لهم جُمُعَةً، كالمَسْبُوقينِ بِرَكْعَةٍ، ولأنَّ العَدَدَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الجُمُعَةَ، فلم يَفُتْ بِفَواتِه في رَكْعَةٍ، كما لو دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ وقد صَلَّوْا رَكْعَةً. وقال أبو حنيفةَ: إن انْفَضُّوا بعدَ ما صَلَّى رَكْعَةً بسَجْدَةٍ واحِدَةٍ، أتَمَّهَا جُمُعَةً؛ لأنَّهم أدْرَكُوا مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ، فأَشْبَهَ ما لو أَدْرَكُوها بسَجْدَتَيْها. وقال إسحاقُ: إن بَقِىَ معه اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أتَمَّها جُمُعَةً؛ لأنَّ أَصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ انْفَضُّوا عنه، فلم يَبْقَ معه إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا (٢)، فأَتَمَّها جُمُعَةً (٣). وقال الشَّافِعِىُّ، في أحَدِ أَقْوالِه: إن بَقِىَ معه اثْنَانِ، أتَمَّها جُمُعَةً. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّهم (٤) أقَلُّ الجَمْعِ. وحَكَى عنه أبو ثَوْرٍ: إنْ بَقِىَ معه واحِدٌ أتَمَّها جُمُعَةً؛ لأنَّ الاثْنَيْنِ جَمَاعَةٌ. ولَنا، أنَّهُم لم يُدْرِكُوا رَكْعَةً كامِلَةً بشُرُوطِ الجُمُعَةِ، فَأْشْبَهَ ما لو انْفَضَّ الجَمِيعُ قبلَ الرُّكُوعِ في الأُولَى. وقولُهُم: أدْرَكَ مُعْظَمَ الركَّعَةِ. يَبْطُلُ بمَن لم يَفُتْه من الرَّكْعَةِ إلَّا السَّجْدَتَانِ، فإنَّه قد (٥) أدْرَكَ مُعْظَمَها. وقولُ الشَّافِعِىِّ: بَقِىَ معه مَن تَنْعَقِدُ به الجَماعةُ. قُلْنا (٥): لا يَصِحُّ، لأنَّ هذا لا يَكْفِى في الابتِداءِ، فلا يَكْفِى في الدَّوامِ. إذا ثَبَتَ هذا فكُلّ مَوْضِعٍ قُلْنا لا يُتِمُّها جُمُعَةً. فَقِيَاسُ قولِ الْخِرَقِىِّ أنها تَبْطُلُ، ويَسْتَأْنِفُ ظُهْرًا، إلَّا أن يُمْكِنَهُم فِعْلُ الجُمُعَةِ مَرَّةً أُخْرَى، فيُعِيدُونَها. قال أبو بكرٍ: لا أعْلَمُ خِلافًا عن أحمدَ، إن لم يَتِمَّ العَدَدُ في الصلاةِ والخُطْبَة، أنَّهم يُعِيدُونَ الصلاةَ. وقِيَاسُ قولِ أبى إسحاقَ بن شَاقْلا أنَّهم يُتِمُّونَها ظُهْرًا. وهذا قولُ القاضي. وقال: قد نَصَّ عليها أحمدُ في الذي زُحِمَ عن أَفعَالِ الجُمُعَةِ حتى سَلَّمَ الإِمامُ، يُتِمُّها ظُهْرًا. وَوَجْهُ القَوْلَيْنِ قد تَقَدَّمَ (٦).
стр. 1333
٢٩١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا [يَحْتَاجُ إلَى جَوَامِعَ، فَصَلَاةُ الجُمُعَةِ في جَمِيعِهَا جَائِزَةٌ)
وجُمْلَتُه أنَّ البَلَدَ متى كان كَبِيرًا] (١)، يَشُقُّ على أهْلِه الاجْتِماعُ في مَسْجِدٍ واحِدٍ، ويَتَعَذَّرُ ذلك لِتَباعُدِ أقْطارِه، أو ضِيقِ مَسْجِدِه عن أهْلِه، كبَغْدَادَ وأصْبهَانَ ونَحْوِهِما من الأمْصَارِ الكِبارِ، جَازَتْ إقامَةُ الجماعةِ فيما يُحْتَاجُ إليه مِن جَوَامِعِها. وهذا قولُ عَطَاءٍ. وأجازَهُ أبو يوسفَ في بَغْدَادَ دونَ غيرِها؛ لأنَّ الحُدُودَ تُقامُ فيها في مَوْضِعَيْنِ، والجُمُعَةُ حيثُ تُقامُ الحُدُودُ، ومُقْتَضَى قولِه، أنَّه لو وُجِدَ بَلَدٌ آخَرُ تُقامُ فيه الحُدُودُ في مَوْضِعَيْنِ، جازَتْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في مَوْضِعَيْنِ منه؛ لأنَّ الجُمُعَةَ حيثُ تُقامُ الحُدُودُ. وهذا قولُ ابنِ المُبَارَكِ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ والشَّافِعِىُّ: لا تجوزُ الجُمُعَةُ في بَلَدٍ واحِدٍ في أكْثَرَ من مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَكُنْ يُجَمِّعُ إلَّا في مَسْجِدٍ واحِدٍ، وكذلك الخُلَفَاءُ بعده، ولو جَازَ لم يُعَطِّلُوا المساجدَ، حتى قال ابنُ عمرَ: لا تُقامُ الجُمُعَةُ إلَّا في المَسْجِدِ الأكْبَر، الذي يُصَلِّى فيه الإِمامُ. ولَنا، أنَّها صلاةٌ شُرِعَ لها الاجْتِماعُ والخُطْبَةُ، فجَازَتْ فيما يُحْتَاجُ إليه من المَوَاضِعِ، كصلاةِ العِيدِ، وقد ثَبَتَ أنَّ عليًّا، رضِىَ اللهُ عنه، كان يَخْرُجُ يومَ العِيدِ إلى المُصَلَّى، ويَسْتَخْلِفُ على ضَعْفَةِ النَّاسِ أبا مسعودٍ البَدْرِىَّ، فيُصَلِّى بهم. فأمَّا تَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ إقامةَ جُمُعَتَيْنِ، فَلِغِنَاهم عن إحْدَاهما، ولأنَّ أصْحَابَه كانوا يَرَوْنَ سَماعَ خُطْبَتِه، وشُهُودَ جُمُعَتِه، وإن بَعُدَتْ مَنازِلُهم؛ لأنَّه المُبَلِّغُ عن اللهِ تعالى، وشارِعُ الأحْكامِ، ولمَّا دَعَتِ الحَاجَةُ إلى ذلك في الأمْصارِ صُلِّيَتْ في أَماكِنَ، ولم يُنْكَرْ، فَصارَ إجْماعًا. وقولُ ابنِ عمرَ، يَعْنِى أنَّها لا تُقامُ في المساجِدِ الصِّغارِ، ويُتْرَكُ الكَبِيرُ. وأمَّا اعْتِبارُ ذلك بإقامةِ الحُدُودِ، فلا وَجْهَ له. قال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ يقولُ: أيُّ حَدٍّ كان يُقامُ
стр. 1334
بالمَدِينَةِ؟ قَدِمَها مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ وهم مُخْتَبِئُونَ (٢) في دارٍ، فجَمَّعَ بهم وهم أرْبَعُونَ.
فصل: فأمَّا مع عَدمِ الحاجةِ فلا يجوزُ [أكثرُ من واحِدةٍ] (٣)، وإن حَصلَ الغِنَى باثْنتَيْن (٤) لم تَجُزِ الثالثةُ، وكذلك ما زادَ، لا نَعْلَمُ في هذا مُخَالِفًا، إلَّا أن عَطاءً قِيلَ له: إن أهْلَ البَصْرةِ لا يَسَعُهُم المَسْجِدُ الأكبرُ. قال: لِكُلِّ قَوْمٍ مَسْجِدٌ يُجَمِّعُونَ فيه، ويُجْزِئُ ذلك من التَّجْمِيعِ في المَسْجِدِ الأكبرِ. وما عليه الجُمْهُورُ أوْلَى، إذْ لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ وخُلَفَائِه أنَّهم جَمَّعُوا أكثرَ من جُمُعَةٍ، إذْ لم تَدْعُ الحاجةُ إلى ذلك، ولا يجوزُ إثْباتُ الأحْكامِ بالتَّحَكُّمِ بغير دَلِيلٍ، فإن صَلَّوْا جُمُعَتَيْنِ في مِصْرٍ واحِدٍ من غير حاجَةٍ، وإحْدَاهُما جُمُعَةُ الإِمامِ، فهى صَحِيحَةٌ تَقَدَّمَتْ أو تَأَخَّرَتْ، والأُخْرَى باطِلَةٌ؛ لأنَّ في الحُكْمِ بِبُطْلَانِ جُمُعَةِ الإِمامِ افْتِيَاتًا عليه، وتَفْوِيتًا له الجُمُعَةَ ولمن يُصَلِّى معه، ويُفْضِى إلى أنَّه متى شاءَ أرْبَعُونَ أن يُفْسِدُوا (٥) صَلَاةَ أهْلِ البَلَدِ أمْكَنَهُم ذلك، بأن يَجْتَمِعُوا في مَوْضِعٍ، ويَسْبِقُوا أهْلَ البَلَدِ بِصلاةِ الجُمُعَةِ. وقيل: السَّابِقَةُ هي الصَّحِيحَةُ؛ لأنها لم يَتَقَدَّمْها ما يُفْسِدُها، ولا تَفْسُدُ بعدَ صِحَّتِها بما بعدَها. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لما ذَكَرْنا. وإن كانت إحْداهُما في المَسْجِدِ الجامِعِ، والأُخْرَى في مكانٍ صَغِيرٍ لا يَسَعُ المُصَلِّينَ، أو لا يُمْكِنُهم الصلاةُ فيه؛ لاخْتِصَاصِ السُّلْطَانِ وجُنْدِه به، أو غيرِ ذلك، أو كان أحدُهما في قَصَبَةِ البَلَدِ، والآخَرُ في أقْصَى المَدِينَةِ، كان مَن وُجِدَتْ فيه هذه المعانى صلاتُهم صَحِيحَةٌ دُونَ الأُخْرَى. وهذا قولُ مالِكٍ؛ فإنَّه قال: لا أرَى
стр. 1335
الجُمُعَةَ إلَّا لأهْلِ القَصَبَةِ؛ وذلك لأنَّ لهذه المعانى مَزِيَّةً تَقْتَضِى التَّقْدِيمَ، فقُدِّم بها، كجُمُعَةِ الإِمامِ. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ السَّابِقَةُ منهما (٦) دُونَ الأُخْرَى؛ لأنَّ إذْنَ الإِمامِ آكَدُ، ولذلك اشْتُرِط في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وإن لم يَكُنْ لإِحْداهما مَزِيَّةٌ، لِكَوْنِهِما جَمِيعًا مَأذُونًا فيهما، أو غيرَ مَأْذُونٍ في وَاحِدَةٍ منهما، وتَسَاوَى المكانانِ في إمْكَانِ إقامةِ الجُمُعَةِ في كلِّ وَاحِدٍ (٧) منهما، فالسَّابِقَةُ هي الصَّحِيحَةُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ بِشُرُوطِها، ولم يُزَاحِمْها ما يُبْطِلُها، ولا سَبَقَها ما يُغْنِى عنها، والثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِكَوْنِها وَاقِعَةً في مِصْرٍ أُقِيمَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، تُغْنى عمَّا سِوَاها. ويُعْتَبَرُ السَّبْقُ بالإِحْرَامِ؛ لأنَّه متى أُحْرِمَ بإحْدَاهما حَرُمَ الإِحْرامُ بِغَيْرِها؛ لِلْغِنَى عنها. فإن وَقَعَ الإِحْرَامُ بهما معا فهما بَاطِلَتَانِ معا (٨)؛ لأنَّه لا يمكن صِحَّتُهُما معا، وليستْ إحْداهما بالفَسادِ أوْلَى من الأُخْرَى، فبَطَلَتَا، كالمُتَزَوِّجِ أُخْتَيْنِ، أو إذا زَوَّجَ الوَلِيَّانِ رَجُلَيْنِ. وإن لم تُعْلَم الأُولَى منهما، أو لم يُعْلَمْ كَيْفِيَّةُ وُقوعِهِما، بَطَلَتَا أيضًا؛ لأن إحْدَاهما باطِلَةٌ، ولم تُعْلَمْ بِعَيْنِها، وليستْ إحْدَاهُما بالإِبْطالِ أوْلَى من الأُخْرَى، فبَطَلَتا كالمَسْألَتَيْنِ. ثم إن عَلِمْنَا فَسادَ الجُمُعَتَيْنِ لِوُقُوعِهِما معا، وَجَبَ إعَادَةُ الجُمُعَةِ إن أمْكَنَ ذلك، لِبَقَاءِ الوَقْتِ؛ لأنَّه مِصْرٌ ما أُقِيمَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، والوَقْتُ مُتَّسِعٌ لإِقَامَتِها فلَزِمَتْهم، كما لو لم يُصَلُّوا شيئا. وإن تَيَقَّنَّا صِحَّةَ إحْدَاهُما لا بِعَيْنِها، فليس لهم أن يُصَلُّوا إلا ظُهْرًا؛ لأنَّه مِصْرٌ تَيَقَّنَّا سُقُوطَ فَرْضِ الجُمُعَةِ فيه بالأُولَى منْهما، فلم تَجُزْ إقَامَةُ الجُمُعَةِ فيه، كما لو عَلِمْناها. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أَنَّ لهم إقامةَ جُمُعَةٍ أُخْرَى؛ لأنَّنا حَكَمْنَا بفَسَادِهما معا، فكان المِصْرُ ما صُليتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأن الصَّحِيحَةَ لم تَفْسُدْ، وإنَّما لم يُمْكِنْ إثْباتُ حُكْمِ الصِّحَّةِ لها بِعَيْنِها، لِجَهْلِها، فيَصِيرُ هذا