صَلَّوْا جُمُعَةً مع اخْتِلال بعضِ شُرُوطِها، لم يَصِحَّ، ولَزِمَهُم أن يُصَلُّوا ظُهْرًا، ولا يُعَدُّ في الأرْبَعِينَ الذينَ تَنْعَقِدُ بهم الجُمُعَةُ مَنْ لا تَجِبُ عليه، ولا يُعْتَبَرُ اجْتِماعُ الشُّرُوطِ لِلصِّحَّةِ، بل تَصِحُّ ممَّن لا تَجِبُ عليه، تَبَعًا لمن وَجَبَتْ عليه، ولا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِها كَوْنُه ممَّن تَنْعَقِدُ به، فإنَّها تَجِبُ على مَن يَسْمَعُ النِّدَاءَ مِن غيرِ أهْلِ المِصْرِ، ولا تَنْعَقِدُ به.
فصل: ويُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الشُّرُوطِ في القَدْرِ الوَاجِبِ من الخُطْبَتَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: لا يُشْتَرَطُ العَدَدُ فيهما؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصلاةَ، فلم يُشْتَرَطْ له العَدَدُ، كالأذانِ. ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ من شَرائِطِ الجُمُعَةِ، فكان مِن شَرْطِهِ العَدَدُ، كَتكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، ويُفَارِقُ الأذَانَ، فإنَّه ليس بِشَرْطٍ، وإنَّما مَقْصُودُه الإِعْلام، والإِعْلامُ لِلْغَائِبِينَ، والخُطْبَةُ مَقْصُودُها التَّذْكِيرُ والمَوْعِظَةُ، وذلك إنَّما يكونُ لِلْحاضِرِينَ، وهى مُشْتَقَّةٌ من الخِطابِ، والخِطابُ إنَّما يكونُ لِلْحَاضِرِينَ. فعلَى هذا إن انْفَضُّوا في أثْنَاءِ الخُطْبَةِ، ثم عَادُوا فحَضَرُوا القَدْرَ الواجِبَ، أجْزأَهم، وإلَّا لم يُجْزِئْهم، إلَّا أنْ يَحْضُرُوا القَدْرَ الواجِبَ، ثم يَنْفَضُّوا ويَعُودُوا قبلَ شُرُوعِهِ في الصلاةِ، مِن غيرِ طُولِ الفَصْلِ، فإنْ طالَ الفَصْلُ، لَزِمَه إعادَةُ الخُطْبَةِ، إن كان الوَقْتُ مُتَّسِعًا؛ لأنَّهم مِن أهل وُجُوبِ الجُمُعَةِ، والوَقْتُ مُتَّسِعٌ لها، لِتَصحَّ لهم الجُمُعَةُ، وإن ضاقَ الوَقْتُ صَلَّوْا ظُهْرًا، والمَرْجعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العادَةِ.
فصل: ويُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الشُّرُوطِ في جَمِيعِ الصلاةِ، فإنْ نَقَصَ العَدَدُ قبلَ كَمالِها، فظَاهِرُ كَلَامِ أحمدَ أنَّه لا يُتِمُّها جُمُعَةً. وهذا أحدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه فَقَدَ بعضَ شَرائِطِ الصلاةِ، فأشْبَهَ فَقْدَ الطَّهَارَةِ. وقِيَاسُ قولِ الخِرَقِىِّ أنَّهم إن انْفَضُّوا بعد رَكْعَةٍ، أنَّه يُتِمُّها جُمُعةً. وهذا قولُ مالِكٍ، وقال المُزَنِىُّ: هو الأشْبَهُ عندِى؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الجُمُعةِ رَكْعَةً أضَافَ إلَيْهَا
стр. 1332
أُخْرَى" (١). ولأنَّهم أدْرَكُوا رَكْعَةً، فَصَحَّتْ لهم جُمُعَةً، كالمَسْبُوقينِ بِرَكْعَةٍ، ولأنَّ العَدَدَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الجُمُعَةَ، فلم يَفُتْ بِفَواتِه في رَكْعَةٍ، كما لو دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ وقد صَلَّوْا رَكْعَةً. وقال أبو حنيفةَ: إن انْفَضُّوا بعدَ ما صَلَّى رَكْعَةً بسَجْدَةٍ واحِدَةٍ، أتَمَّهَا جُمُعَةً؛ لأنَّهم أدْرَكُوا مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ، فأَشْبَهَ ما لو أَدْرَكُوها بسَجْدَتَيْها. وقال إسحاقُ: إن بَقِىَ معه اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أتَمَّها جُمُعَةً؛ لأنَّ أَصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ انْفَضُّوا عنه، فلم يَبْقَ معه إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا (٢)، فأَتَمَّها جُمُعَةً (٣). وقال الشَّافِعِىُّ، في أحَدِ أَقْوالِه: إن بَقِىَ معه اثْنَانِ، أتَمَّها جُمُعَةً. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّهم (٤) أقَلُّ الجَمْعِ. وحَكَى عنه أبو ثَوْرٍ: إنْ بَقِىَ معه واحِدٌ أتَمَّها جُمُعَةً؛ لأنَّ الاثْنَيْنِ جَمَاعَةٌ. ولَنا، أنَّهُم لم يُدْرِكُوا رَكْعَةً كامِلَةً بشُرُوطِ الجُمُعَةِ، فَأْشْبَهَ ما لو انْفَضَّ الجَمِيعُ قبلَ الرُّكُوعِ في الأُولَى. وقولُهُم: أدْرَكَ مُعْظَمَ الركَّعَةِ. يَبْطُلُ بمَن لم يَفُتْه من الرَّكْعَةِ إلَّا السَّجْدَتَانِ، فإنَّه قد (٥) أدْرَكَ مُعْظَمَها. وقولُ الشَّافِعِىِّ: بَقِىَ معه مَن تَنْعَقِدُ به الجَماعةُ. قُلْنا (٥): لا يَصِحُّ، لأنَّ هذا لا يَكْفِى في الابتِداءِ، فلا يَكْفِى في الدَّوامِ. إذا ثَبَتَ هذا فكُلّ مَوْضِعٍ قُلْنا لا يُتِمُّها جُمُعَةً. فَقِيَاسُ قولِ الْخِرَقِىِّ أنها تَبْطُلُ، ويَسْتَأْنِفُ ظُهْرًا، إلَّا أن يُمْكِنَهُم فِعْلُ الجُمُعَةِ مَرَّةً أُخْرَى، فيُعِيدُونَها. قال أبو بكرٍ: لا أعْلَمُ خِلافًا عن أحمدَ، إن لم يَتِمَّ العَدَدُ في الصلاةِ والخُطْبَة، أنَّهم يُعِيدُونَ الصلاةَ. وقِيَاسُ قولِ أبى إسحاقَ بن شَاقْلا أنَّهم يُتِمُّونَها ظُهْرًا. وهذا قولُ القاضي. وقال: قد نَصَّ عليها أحمدُ في الذي زُحِمَ عن أَفعَالِ الجُمُعَةِ حتى سَلَّمَ الإِمامُ، يُتِمُّها ظُهْرًا. وَوَجْهُ القَوْلَيْنِ قد تَقَدَّمَ (٦).
стр. 1333
٢٩١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا [يَحْتَاجُ إلَى جَوَامِعَ، فَصَلَاةُ الجُمُعَةِ في جَمِيعِهَا جَائِزَةٌ)
وجُمْلَتُه أنَّ البَلَدَ متى كان كَبِيرًا] (١)، يَشُقُّ على أهْلِه الاجْتِماعُ في مَسْجِدٍ واحِدٍ، ويَتَعَذَّرُ ذلك لِتَباعُدِ أقْطارِه، أو ضِيقِ مَسْجِدِه عن أهْلِه، كبَغْدَادَ وأصْبهَانَ ونَحْوِهِما من الأمْصَارِ الكِبارِ، جَازَتْ إقامَةُ الجماعةِ فيما يُحْتَاجُ إليه مِن جَوَامِعِها. وهذا قولُ عَطَاءٍ. وأجازَهُ أبو يوسفَ في بَغْدَادَ دونَ غيرِها؛ لأنَّ الحُدُودَ تُقامُ فيها في مَوْضِعَيْنِ، والجُمُعَةُ حيثُ تُقامُ الحُدُودُ، ومُقْتَضَى قولِه، أنَّه لو وُجِدَ بَلَدٌ آخَرُ تُقامُ فيه الحُدُودُ في مَوْضِعَيْنِ، جازَتْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في مَوْضِعَيْنِ منه؛ لأنَّ الجُمُعَةَ حيثُ تُقامُ الحُدُودُ. وهذا قولُ ابنِ المُبَارَكِ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ والشَّافِعِىُّ: لا تجوزُ الجُمُعَةُ في بَلَدٍ واحِدٍ في أكْثَرَ من مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَكُنْ يُجَمِّعُ إلَّا في مَسْجِدٍ واحِدٍ، وكذلك الخُلَفَاءُ بعده، ولو جَازَ لم يُعَطِّلُوا المساجدَ، حتى قال ابنُ عمرَ: لا تُقامُ الجُمُعَةُ إلَّا في المَسْجِدِ الأكْبَر، الذي يُصَلِّى فيه الإِمامُ. ولَنا، أنَّها صلاةٌ شُرِعَ لها الاجْتِماعُ والخُطْبَةُ، فجَازَتْ فيما يُحْتَاجُ إليه من المَوَاضِعِ، كصلاةِ العِيدِ، وقد ثَبَتَ أنَّ عليًّا، رضِىَ اللهُ عنه، كان يَخْرُجُ يومَ العِيدِ إلى المُصَلَّى، ويَسْتَخْلِفُ على ضَعْفَةِ النَّاسِ أبا مسعودٍ البَدْرِىَّ، فيُصَلِّى بهم. فأمَّا تَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ إقامةَ جُمُعَتَيْنِ، فَلِغِنَاهم عن إحْدَاهما، ولأنَّ أصْحَابَه كانوا يَرَوْنَ سَماعَ خُطْبَتِه، وشُهُودَ جُمُعَتِه، وإن بَعُدَتْ مَنازِلُهم؛ لأنَّه المُبَلِّغُ عن اللهِ تعالى، وشارِعُ الأحْكامِ، ولمَّا دَعَتِ الحَاجَةُ إلى ذلك في الأمْصارِ صُلِّيَتْ في أَماكِنَ، ولم يُنْكَرْ، فَصارَ إجْماعًا. وقولُ ابنِ عمرَ، يَعْنِى أنَّها لا تُقامُ في المساجِدِ الصِّغارِ، ويُتْرَكُ الكَبِيرُ. وأمَّا اعْتِبارُ ذلك بإقامةِ الحُدُودِ، فلا وَجْهَ له. قال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ يقولُ: أيُّ حَدٍّ كان يُقامُ
стр. 1334
بالمَدِينَةِ؟ قَدِمَها مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ وهم مُخْتَبِئُونَ (٢) في دارٍ، فجَمَّعَ بهم وهم أرْبَعُونَ.
فصل: فأمَّا مع عَدمِ الحاجةِ فلا يجوزُ [أكثرُ من واحِدةٍ] (٣)، وإن حَصلَ الغِنَى باثْنتَيْن (٤) لم تَجُزِ الثالثةُ، وكذلك ما زادَ، لا نَعْلَمُ في هذا مُخَالِفًا، إلَّا أن عَطاءً قِيلَ له: إن أهْلَ البَصْرةِ لا يَسَعُهُم المَسْجِدُ الأكبرُ. قال: لِكُلِّ قَوْمٍ مَسْجِدٌ يُجَمِّعُونَ فيه، ويُجْزِئُ ذلك من التَّجْمِيعِ في المَسْجِدِ الأكبرِ. وما عليه الجُمْهُورُ أوْلَى، إذْ لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ وخُلَفَائِه أنَّهم جَمَّعُوا أكثرَ من جُمُعَةٍ، إذْ لم تَدْعُ الحاجةُ إلى ذلك، ولا يجوزُ إثْباتُ الأحْكامِ بالتَّحَكُّمِ بغير دَلِيلٍ، فإن صَلَّوْا جُمُعَتَيْنِ في مِصْرٍ واحِدٍ من غير حاجَةٍ، وإحْدَاهُما جُمُعَةُ الإِمامِ، فهى صَحِيحَةٌ تَقَدَّمَتْ أو تَأَخَّرَتْ، والأُخْرَى باطِلَةٌ؛ لأنَّ في الحُكْمِ بِبُطْلَانِ جُمُعَةِ الإِمامِ افْتِيَاتًا عليه، وتَفْوِيتًا له الجُمُعَةَ ولمن يُصَلِّى معه، ويُفْضِى إلى أنَّه متى شاءَ أرْبَعُونَ أن يُفْسِدُوا (٥) صَلَاةَ أهْلِ البَلَدِ أمْكَنَهُم ذلك، بأن يَجْتَمِعُوا في مَوْضِعٍ، ويَسْبِقُوا أهْلَ البَلَدِ بِصلاةِ الجُمُعَةِ. وقيل: السَّابِقَةُ هي الصَّحِيحَةُ؛ لأنها لم يَتَقَدَّمْها ما يُفْسِدُها، ولا تَفْسُدُ بعدَ صِحَّتِها بما بعدَها. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لما ذَكَرْنا. وإن كانت إحْداهُما في المَسْجِدِ الجامِعِ، والأُخْرَى في مكانٍ صَغِيرٍ لا يَسَعُ المُصَلِّينَ، أو لا يُمْكِنُهم الصلاةُ فيه؛ لاخْتِصَاصِ السُّلْطَانِ وجُنْدِه به، أو غيرِ ذلك، أو كان أحدُهما في قَصَبَةِ البَلَدِ، والآخَرُ في أقْصَى المَدِينَةِ، كان مَن وُجِدَتْ فيه هذه المعانى صلاتُهم صَحِيحَةٌ دُونَ الأُخْرَى. وهذا قولُ مالِكٍ؛ فإنَّه قال: لا أرَى
стр. 1335
الجُمُعَةَ إلَّا لأهْلِ القَصَبَةِ؛ وذلك لأنَّ لهذه المعانى مَزِيَّةً تَقْتَضِى التَّقْدِيمَ، فقُدِّم بها، كجُمُعَةِ الإِمامِ. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ السَّابِقَةُ منهما (٦) دُونَ الأُخْرَى؛ لأنَّ إذْنَ الإِمامِ آكَدُ، ولذلك اشْتُرِط في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وإن لم يَكُنْ لإِحْداهما مَزِيَّةٌ، لِكَوْنِهِما جَمِيعًا مَأذُونًا فيهما، أو غيرَ مَأْذُونٍ في وَاحِدَةٍ منهما، وتَسَاوَى المكانانِ في إمْكَانِ إقامةِ الجُمُعَةِ في كلِّ وَاحِدٍ (٧) منهما، فالسَّابِقَةُ هي الصَّحِيحَةُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ بِشُرُوطِها، ولم يُزَاحِمْها ما يُبْطِلُها، ولا سَبَقَها ما يُغْنِى عنها، والثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِكَوْنِها وَاقِعَةً في مِصْرٍ أُقِيمَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، تُغْنى عمَّا سِوَاها. ويُعْتَبَرُ السَّبْقُ بالإِحْرَامِ؛ لأنَّه متى أُحْرِمَ بإحْدَاهما حَرُمَ الإِحْرامُ بِغَيْرِها؛ لِلْغِنَى عنها. فإن وَقَعَ الإِحْرَامُ بهما معا فهما بَاطِلَتَانِ معا (٨)؛ لأنَّه لا يمكن صِحَّتُهُما معا، وليستْ إحْداهما بالفَسادِ أوْلَى من الأُخْرَى، فبَطَلَتَا، كالمُتَزَوِّجِ أُخْتَيْنِ، أو إذا زَوَّجَ الوَلِيَّانِ رَجُلَيْنِ. وإن لم تُعْلَم الأُولَى منهما، أو لم يُعْلَمْ كَيْفِيَّةُ وُقوعِهِما، بَطَلَتَا أيضًا؛ لأن إحْدَاهما باطِلَةٌ، ولم تُعْلَمْ بِعَيْنِها، وليستْ إحْدَاهُما بالإِبْطالِ أوْلَى من الأُخْرَى، فبَطَلَتا كالمَسْألَتَيْنِ. ثم إن عَلِمْنَا فَسادَ الجُمُعَتَيْنِ لِوُقُوعِهِما معا، وَجَبَ إعَادَةُ الجُمُعَةِ إن أمْكَنَ ذلك، لِبَقَاءِ الوَقْتِ؛ لأنَّه مِصْرٌ ما أُقِيمَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، والوَقْتُ مُتَّسِعٌ لإِقَامَتِها فلَزِمَتْهم، كما لو لم يُصَلُّوا شيئا. وإن تَيَقَّنَّا صِحَّةَ إحْدَاهُما لا بِعَيْنِها، فليس لهم أن يُصَلُّوا إلا ظُهْرًا؛ لأنَّه مِصْرٌ تَيَقَّنَّا سُقُوطَ فَرْضِ الجُمُعَةِ فيه بالأُولَى منْهما، فلم تَجُزْ إقَامَةُ الجُمُعَةِ فيه، كما لو عَلِمْناها. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أَنَّ لهم إقامةَ جُمُعَةٍ أُخْرَى؛ لأنَّنا حَكَمْنَا بفَسَادِهما معا، فكان المِصْرُ ما صُليتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأن الصَّحِيحَةَ لم تَفْسُدْ، وإنَّما لم يُمْكِنْ إثْباتُ حُكْمِ الصِّحَّةِ لها بِعَيْنِها، لِجَهْلِها، فيَصِيرُ هذا
стр. 1336
كُلُّه (٩) كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّانِ أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، وجُهِلَ السَّابِقُ منهما، فإنه لا يَثْبُتُ حُكْمُ الصِّحَّةِ بالنِّسْبَةِ إلى واحِدٍ بعَيْنِه، ويثْبُتُ (١٠) حُكْمُ النِّكَاحِ في حَقِّ المَرْأَةِ، بحيثُ لا يَحلُّ لها أن تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ. فأمَّا إن جَهِلْنَا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهما، فالأوْلَى أنْ لا يَجُوزَ إقامَةُ الجُمُعَةِ أيضًا؛ لأنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ إحْدَاهما، لأنَّ وُقُوعَهما معا بحيثُ لا يَسْبِقُ إحْرَامُ إحْدَاهما الأُخْرَى بَعِيدٌ جدًّا، وما كان في غايةِ النُّدْرَةِ فَحُكْمُه حُكْمُ المَعْدُومِ، ولأنَّنا شَكَكْنا في شَرْطِ إقَامَةِ الجُمُعَةِ، فلم يَجُزْ إقامَتُها مع الشَّكِّ في شَرْطِها. ويَحْتَمِلُ أنَّ لهم إقامَتَها؛ لأنَّنا لم نَتَيَقَّن المانِعَ من صِحَّتِها. والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: وإنْ أحْرَمَ بالجُمُعَةِ، فتَبَيَّنَ في أثْناء الصلاةِ أن الجُمُعَةَ قد أُقِيمَتْ في المِصْرِ، بَطَلَتِ الجُمُعَةُ، ولَزِمَهُم اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه أحْرَمَ بها في وَقْتٍ لا يجوزُ الإِحْرامُ بالجُمُعَةِ، فلا تَصِحُّ، فأشْبَهَ ما لو تَبَيَّنَ أنَّه أحْرَمَ بها بعد دُخُولِ وَقْتِ العَصْرِ. وقال القاضي: يُسْتَحَبُّ أن يَسْتَأْنِفَ ظُهْرًا. وهذا من قَوْلِه يَدُلُّ على أنَّ له إتْمامَها ظُهْرًا قِيَاسا على المَسْبُوقِ الذي أَدْرَكَ دُونَ الرَّكْعَةِ، وكما لو أَحْرَمَ بالجُمُعَةِ فَانْفَضَّ العَدَدُ قبلَ إتْمامِها. والفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ فإنَّ هذا أحْرَمَ بها في وَقْتٍ لا تَصِحُّ الجُمُعَةُ فيه، ولا يجوزُ الإِحْرَامُ بها، والأَصْلُ الذي قاسَ عليه بخِلافِ هذا.
فصل: وإذا كانت قَرْيَةٌ إلى جَانِبِ مِصْرٍ، يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ منه، فأقامُوا جُمُعَةً فيها، لم تَبْطُلْ جُمُعَةُ أهْلِ المِصْرِ؛ لأَنَّهم في غيرِ المِصْرِ، ولأنَّ لِجُمُعَةِ المِصْرِ مَزِيَّةً بِكَوْنِها فيه. ولو كان مِصْرَانِ مُتَقَارِبَانِ، يَسْمَعُ أَهْلُ كلِّ مِصْرٍ نِداءَ المِصْرِ الآخَرِ، كأَهْلِ مِصْرَ (١١) والقَاهِرَة، لم تَبْطُلْ جُمُعَةُ أحَدِهما بِجُمُعَةِ الآخَرِ. وكذلك القَرْيتانِ المُتَقارِبتانِ؛ لأنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ منهم حُكْمَ أنفُسِهِمْ، بِدَلِيلِ أنَّ جُمُعَةَ أحَدِ
стр. 1337
الفَرِيقَيْنِ لا يَتِمُّ عَدَدُها بالفَرِيقِ الآخَرِ، ولا تَلْزَمُهُم الجُمُعَةُ بكَمَالِ العِدَّةِ بالفَرِيقِ الآخَر، وإنَّما يَلْزَمُهم السَّعْىُ إذا لم يكنْ جُمُعَةً، فهم كأهْلِ [المَحَلَّةِ القَرِيبَةِ من المِصْرِ] (١٢).
٢٩٢ - مسألة؛ قال: (ولا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا امْرَأَةٍ)
وعن أبي عبدِ اللهِ، ﵀، في العَبْدِ رِوَايتانِ: إحْدَاهما، أنَّ الجُمُعَةَ عليه وَاجِبَةٌ. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى ليستْ عليه بوَاجِبَةٍ. أمَّا المَرْأَةُ فلا خِلافَ في أنَّها لا جُمُعَةَ عليها. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ من نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ أنْ لا جُمُعَةَ على النِّساءِ. ولأنَّ المَرْأَةَ ليستْ من أهْلِ الحُضُورِ في مَجامِعِ الرِّجالِ، ولذلك لا تَجِبُ عليها جَماعةٌ. وأمَّا المُسَافِرُ فأَكثرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنَّه لا جُمُعَةَ عليه كذلك. قالَه مالِكٌ في أهْلِ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ في أهْلِ العِرَاقِ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وَرُوِىَ ذلك عن عَطَاءٍ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ، والحسنِ، والشَّعْبِىِّ. وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ، أنَّها تَجِبُ عليه؛ لأنَّ الجَمَاعَةَ تَجِبُ عليه، فالجُمُعَةُ أوْلَى. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُسَافِرُ فلا يُصَلِّى الجُمُعَةَ في سَفَرِه، وكان في حَجَّةِ الوَدَاعِ بِعَرَفَةَ يومَ جُمُعَةٍ، فصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ، وجَمَعَ بينهما، ولم يُصَلِّ جُمُعَةً، والخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، كانُوا يُسَافِرُونَ للحَجِّ (١) وغيرِه، فلم يُصَلِّ أحَدٌ منهم الجُمُعَةَ في سَفَرِه، وكذلك غيرُهم من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ومَن بَعْدَهم. وقد قال إبراهيمُ: كانوا يُقِيمُونَ بالرّىِّ السَّنَةَ وأكْثَرَ من ذلك، وبِسجِسْتَانَ السِّنِينَ. لا يُجَمِّعُونَ ولا يُشَرِّقُونَ. وعن الحسنِ عن عبدِ الرحمنِ بن سَمُرَةَ قال: أقَمْتُ معه سَنَتَيْن (٢) بكَابُلَ، يَقْصُرُ
стр. 1338
الصَّلَاةَ، ولا يُجَمِّعُ. رَوَاهُما سَعِيدٌ. وأقامَ أنَسٌ بِنَيْسَابُورَ سَنَةً أو سَنَتَيْنِ، فكان لا يُجَمِّعُ (٣)، ذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ، وهذا إجْمَاعٌ مع السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فيه، فلا يَسُوغُ مُخَالَفَتُه.
فصل: فأمَّا العَبْدُ، ففيه رِوَايتانِ: إحْدَاهُما، لا تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ. وهو قولُ مَن سَمَّينا في حَقِّ المُسَافِرِ. والثانيةُ، تَجِبُ عليه، ولا يَذْهَبُ من غيرِ إذْنِ سَيِّدِه. نَقَلَها المَرُّوذِىّ، واخْتَارَها أبو بكرٍ، وبذلك قالت طَائِفَةٌ، إلَّا أنَّ له تَرْكَها إذا مَنَعَهُ السَّيِّدُ، واحْتَجُّوا بقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ (٤). ولأنَّ الجماعةَ تَجِبُ عليه، والجُمُعَةُ آكَدُ منها، فتكونُ أَوْلَى بالوُجُوبِ. وحُكِىَ عن الحسنِ، وقَتَادَةَ، أنَّها تَجِبُ على العَبْدِ الذي يُؤَدِّى الضَّرِيبَةَ، لأنَّ حَقَّهُ عليه قد تَحَوَّلَ إلى المالِ، فأَشْبَهَ مَن عليه الدَّيْنُ. ولَنا، ما رَوَى طَارِقُ بنُ شِهَابٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ، إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أو امْرَأَةٌ، أو صَبِىٌّ، أو مَرِيضٌ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٥)، وقال: طَارِقٌ رَأى النَّبِىَّ ﷺ ، ولم يَسْمَعْ منه، وهو من أصْحابِه. وعن جابِرٍ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَن كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فعَلَيْه الجُمُعَةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا مَرِيضًا، أو مُسَافِرًا، أو امْرَأَةً أو صَبِيّا، أو مَمْلُوكًا". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٦). وعن تَمِيمٍ الدَّارِىِّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا على خَمْسَةٍ: امْرَأَةٍ، أو صَبِىٍّ، أو مَرِيضٍ، أو مُسَافِرٍ، أو عَبْدٍ". رَوَاه رَجَاءُ بن المُرَجَّى (٧) الغِفَارِىُّ (٨)، في "سُنَنِه" (٩).
стр. 1339
ولأنَّ الجُمُعَةَ يَجِبُ السَّعْىُ إليها من مَكَانٍ بَعِيدٍ، فلم تَجِبْ عليه، كالحَجِّ والجِهادِ، ولأنَّه مَمْلُوكُ المَنْفَعَةِ، مَحْبُوسٌ على السَّيِّدِ، أَشْبَهَ المَحْبُوسَ بالدَّيْنِ، ولأنَّها لو وَجَبَتْ عليه لَجازَ له المُضِىُّ إليها مِن غيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ولم يكنْ لِسَيِّدِه مَنْعُه منها، كسائِرِ الفَرائِضِ، والآيةُ مَخْصُوصَةٌ بِذَوِى الأعْذارِ، وهذا منهم.
فصل: والمُكَاتَبُ والمُدَبَّرُ حُكْمُهما في ذلك حُكْمُ القِنِّ؛ لِبَقَاءِ الرّقِّ فيهما. وكذلك مَن بعضُه حُرٌّ، فإن حَقَّ سَيِّدِه مُتَعَلِّقٌ به. وكذلك لا يَجِبُ عليه شيءٌ ممَّا يَسْقُطُ عن العَبْدِ.
فصل: إذا أجْمَعَ المُسَافِرُ إقَامَةً تَمْنَعُ القَصْرَ، ولم يُرِد اسْتِيطانَ البَلَدِ، كطالب (١٠) العِلْمِ، أو الرِّباطِ، أو التَّاجِر الذي يُقِيمُ لِبَيْعِ مَتَاعِه، أو مُشْتَرِى شيءٍ لا يُنْجَزُ إلَّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ففيه وَجْهَانِ: أحَدُهما، تَلْزَمُه الجُمُعَةُ؛ لِعُمُومِ الآيةِ، ودَلَالَةِ الأخْبارِ التي رَوَيْناهَا، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ أوْجَبَها إلَّا على الْخَمْسةِ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُم، وليس هذا منهم. والثانى: لا تَجِبُ عليه؛ لأنَّه ليس بمُسْتَوْطِنٍ، والاسْتِيطانُ من شَرْطِ الوُجُوبِ، ولأنَّه لم يَنْوِ الإِقامَةَ في هذا البَلَدِ على الدَّوَامِ، فأشْبَهَ أهْلَ القَرْيَةِ الذين يَسْكُنُوَنها صَيْفًا ويَظْعَنُونَ عنها شِتَاءً، ولأنهم كانوا يُقِيمُونَ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ لا يُجَمِّعُونَ ولا يُشَرِّقُونَ، أي لا يُصَلُّونَ جُمُعَةً ولا عِيدًا. فإنْ قُلْنا: تَجِبُ الجُمُعَةُ عليه فالظَّاهِرُ أنَّها لا تَنْعَقِدُ به، لِعَدَمِ الاسْتِيطانِ الذي هو مِن شَرْطِ الانْعِقادِ.
فصل: ولا تَجِبُ الجُمُعَةُ على مَن في طَرِيقِه إليها مَطَرٌ يَبُلُّ الثِّيابَ أو وَحَلٌ يَشُقُّ المَشْىُ إليها فيه. وحُكِىَ عن مالِكٍ أنَّه كان لا يَجْعَلُ المَطَرَ عُذْرًا في التَّخَلُّفِ عنها. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه أمَرَ مُؤَذِّنَهُ في يَوْمِ جُمُعَةٍ في يَوْمٍ مَطِيرٍ إذا
стр. 1340
قلتَ: أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فلا تَقُلْ: حَىَّ على الصَّلَاةِ. قُلْ: صَلُّوا في بُيُوتِكُمْ. فقال: فكأنَّ النّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذلك. فقال: أتَعْجَبُونَ مِن ذا؟ فَعَلَ ذا مَن هو خَيْرٌ مِنِّى، إنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وإنِّى كَرِهْتُ أنْ أُخْرِجَكُم إليها فَتَمْشُوا في الطِّينِ والدَّحْضِ (١١). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١٢). ولأنَّه عُذْرٌ في الجَمَاعَةِ، فكان عُذْرًا في الجُمُعَةِ، كالمَرَضِ، وتَسْقُطُ الجُمُعَةُ بكل عُذْرٍ يُسْقِطُ الجَماعةَ، وقد ذَكَرْنا الأعْذارَ في آخِرِ صِفَةِ الصلاةِ (١٣)، وإنما ذَكَرْنا المَطَرَ ههُنا لِوُقُوعِ الخِلافِ فيه.
فصل: تَجِبُ الجُمُعَةُ على الأعْمَى. وقال أبو حنيفةَ: لا تَجِبُ عليه. ولنا عُمُومُ الآيةِ، والأخْبَارِ. وقولُه: "الجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا على أَرْبَعَةٍ" (١٤). وما ذَكَرْنَا في وُجُوبِ الجَمَاعَةِ عليه.
٢٩٣ - مسألة؛ قال: (وإنْ حَضَرُوهَا أجْزَأَتْهُم)
يَعْنِى تُجْزِئُهُم الجُمُعَةُ عَنِ الظُّهْرِ، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ أنْ لا جُمُعَةَ على النِّساءِ، وأجْمَعُوا على أنَّهُنَّ إذا حَضَرْنَ فَصَلَّيْنَ الجُمُعَةَ أنَّ ذلك يُجْزِئُ عَنْهُنَّ؛ لأنَّ إسْقاطَ الجُمُعَةِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُنَّ، فإذا تَحَمَّلُوا (١) المَشَقَّةَ وصَلَّوْا (١)، أجْزَأهُم (١)،
стр. 1341
كالمَرِيضِ.
فصل: والأفْضَلُ لِلْمُسَافِرِ حُضُورُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّها أكْمَلُ. فأمَّا العَبْدُ فإن أذِنَ له سَيِّدُه في حُضُورِها فهو أفْضَلُ؛ لِيَنالَ فَضْلَ الجُمُعَةِ وثَوابَها، ويَخْرُجَ من الخِلافِ. وإن مَنَعَهُ سَيِّدُه لم يَكُنْ له حُضُورُها، إلَّا أن نَقُولَ بوُجُوبِها عليه. وأما المرأةُ فإن كانت مُسِنَّةً فلا بَأْسَ بحُضُورِها، وإن كانت شابَّةً، جازَ حُضُورُها، وصلاتُهُما (٢) في بُيُوتِهِما خَيْرٌ لهما، كما رُوِىَ في الخَبَرِ: "وبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ" (٣). وقال أبو عمرٍو الشَّيْبَانِىُّ (٤): رَأيْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يُخْرِجُ النِّساءَ من الجامِعِ يوم الجُمُعَةِ، يقول: اخْرُجْنَ إلى بُيُوتِكُنَّ خَيْرٌ لَكُنَّ.
فصل: ولا تَنْعَقِدُ الجُمُعَةُ بأحَدٍ من هؤلاءِ، ولا يَصِحُّ أن يَكُونَ إمامًا فيها. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ: يَجُوزُ أن يكونَ العَبْدُ والمُسَافِرُ إمَامًا فيها. وَوَافَقَهُم مالِكٌ في المُسافِرِ. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ أنَّ الجُمُعَةَ تَصِحُّ بالعَبِيدِ والمُسافِرِينَ؛ لأنَّهم رِجالٌ تَصِحُّ منهم الجُمُعَةُ. ولَنا، أنَّهم مِن غيرِ أهْلِ فَرْضِ الجُمُعَةِ، فلم تَنْعَقِد الجُمُعَةُ بهم، ولم يَجُزْ أن يَؤُمُّوا فيها، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ولأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما تَنْعَقِدُ بهم تَبَعًا لمن انْعَقَدَتْ به، فلو انْعَقَدَتْ بهم [أو كانوا أئِمةً فيها صَارَ التَّبَعُ مَتْبُوعًا، وعليه يخرجُ الحُرُّ المُقِيمُ، ولأنَّ الجُمُعَةَ لو انْعَقَدَتْ بهم] (٥) لانْعَقَدَتْ بهم مُنْفَرِدينَ، كالأحْرَارِ المُقِيمِينَ، وقِيَاسُهم مُنْتَقِضٌ بالنِّساءِ والصِّبْيانِ.
فصل: فأمَّا المَرِيضُ، ومَن حَبَسَهُ العُذْرُ من المَطَرِ والخَوْفِ، فإذا تَكَلَّفَ حُضُورَها وَجَبَتْ عليه، وانْعَقَدَتْ به، ويَصِحُّ أن يكونَ إمامًا فيها؛ لأنَّ سُقُوطَها
стр. 1342
عنهم إنَّما كان لِمَشَقَّةِ السَّعْىِ، فإذا تَكَلَّفُوا وحصَلُوا في الجامِعِ، زالَتِ المَشَقَّةُ، فوجبتْ عليهم، كغيرِ أهْلِ الأعْذارِ.
٢٩٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ، أعَادَها بَعْدَ صَلَاتِه ظُهْرًا)
يَعْنِى مَن وَجَبَتْ عليه الجُمُعَةُ إذا صَلَّى الظُّهْرَ قبلَ أن يُصَلِّىَ الإِمامُ الجُمُعَةَ، لم يَصِحَّ، ويَلْزَمُه السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ إنْ ظَنَّ أنَّه يُدْرِكُها؛ [لأنَّها المَفْرُوضَةُ عليه، فإنْ أَدْرَكَها معه صَلَّاهَا، وإن فَاتَتْهُ فعليه صَلَاةُ الظُّهْرِ] (١). وإنْ ظَنَّ أنَّه لا يُدْرِكُها انْتَظَرَ حتى يَتَيَقَّنَ أنَّ الإِمامَ قد صَلَّى، ثم يُصَلِّى الظُّهْرَ. وهذا قولُ مالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ في الجَدِيدِ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ في القَدِيمِ: تَصِحُّ ظُهْرُه قبلَ صلاةِ الإِمامِ؛ لأنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الوَقْتِ بدَلِيلِ سائِرِ الأيَّامِ، وإنَّما الجُمُعَةُ بَدَلٌ عنها، وقَائِمَةٌ مَقَامَها، ولهذا إذا تَعَذَّرَتِ الجُمُعَةُ صَلَّى ظُهْرًا، فمتى (٢) صَلَّى الظُّهْرَ فقد أتى بالأصْلِ، فأجْزَأهُ كسائِرِ الأيَّامِ. وقالَ أبو حنيفةَ: ويلْزَمُه (٣) السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ، فإن سَعَى بَطَلَتْ ظُهْرُه، وإنْ لم يَسْعَ، أجْزَأتْهُ. ولَنا، أنَّه صَلَّى ما لم يُخاطَبْ به، وتَرَكَ ما خُوطِبَ به، فلم تَصِحَّ، كما لو صَلَّى العَصْرَ مَكانَ الظُّهْرِ، ولا نِزاعَ في أنَّه مُخاطَبٌ بالجُمُعَةِ، [فسَقَطَتْ عنه الظُّهْرُ، كما لو كان بَعِيدًا] (٤)، وقد دَلَّ عليه النَّصُّ والإِجْماعُ، ولا خِلافَ في أنَّه يَأْثَمُ بِتَرْكِها وتَرْكِ السَّعْىِ إليها، ويَلْزَمُ من ذلك أنْ لا يُخاطَبَ بالظُّهْرِ؛ لأنَّه لا يُخاطَبُ في الوَقْتِ بِصلاتَيْنِ، ولأنَّه يَأْثَمُ بِتَرْكِ الجُمُعَةِ وإن صَلَّى الظُّهْرَ، ولا يَأْثَمُ بفِعْلِ الجُمُعَةِ وتَرْكِ الظُّهْرِ بالإِجْماعِ، والوَاجِبُ ما يَأْثَمُ بِتَرْكِه دونَ ما لم يَأْثَمْ به. وقَوْلُهم: إن الظُّهْرَ فَرْضُ
стр. 1343
الوَقْتِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّها لو كانَتِ الأصْلَ لَوَجَبَ عليه فِعْلُها، وأثِمَ بِتَرْكِها، ولم تُجْزِه صلاةُ الجُمُعَةِ مع إمْكَانِها، فإنَّ البَدَلَ لا يُصارُ إليه إلَّا عندَ تَعَذُّرِ المُبْدَلِ، بدَلِيلِ سَائِرِ الأبْدالِ مع مُبْدَلَاتِها، ولأنَّ الظُّهْرَ لو صَحَّتْ لم تَبْطُلْ بالسَّعْىِ إلى غيرِها، كسائِرِ الصَّلَوَاتِ الصَّحِيحَةِ، ولأنَّ الصلاةَ إذا صَحَّتْ بَرِئَتِ الذِّمَّةُ منها، وأسْقَطَتِ الفَرْضَ عَمَّنْ صَلَّاها، فلا يَجُوزُ اشْتِغَالُها بها بعد ذلك، ولأنَّ الصلاةَ إذا فُرِغَ منها لم تَبْطُلْ بِشىءٍ مِن مُبْطِلَاتِها، فكَيْفَ تَبْطُلُ بما ليسَ من مُبْطِلاتِها، ولا وَرَدَ الشَّرْعُ به. فأمَّا إذا فَاتَتْهُ الجُمُعَةُ فإنَّه يَصِيرُ إلى الظُّهْرِ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ لا يُمكنُ قَضَاؤُهَا؛ لأنَّها لا تَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطِها، ولا يُوجَدُ ذلك في قَضَائِها، فتَعَيَّنَ المَصِيرُ إلى الظُّهْرِ عند عَدَمِها، وهذا حالُ البَدَلِ.
فصل: فإن صَلَّى الظُّهْرَ، ثم شَكَّ: هل صَلَّى قبل صلاةِ الإِمامِ أو بَعْدَها؟ لَزِمَهُ (٥) إعادَتُها؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاءُ الصلاةِ في ذِمَّتِه، فلا يَبْرَأُ منها إلَّا بِيَقِينٍ، ولأنَّه صَلَّاهَا مع الشَّكِّ في شَرْطِها، فلم تَصِحَّ، كما لو صَلَّاهَا مع الشَّكِّ في طَهارَتِها. وإن صَلَّاهَا مع صلاةِ الإِمامِ لم تَصِحَّ؛ لأنَّه صَلَّاها قبل فَراغِ الإِمامِ منها، أشْبَهَ ما لو صَلَّاهَا قَبْلَه في وَقْتٍ يَعْلَمُ أنَّه لا يُدْرِكُها.
فصل: فأمَّا مَن لا تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ، كالمُسافِرِ، والعَبْدِ، والمَرْأةِ، والمَرِيضِ، وسائِرِ المَعْذُورِينَ، فله أن يُصَلِّىَ الظُّهْرَ قبلَ صلاةِ الإِمامِ في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: لا تَصِحُّ صلاتُه قبلَ الإِمامِ؛ لأنَّه لا يَتَيَقَّنُ بَقَاءَ العُذْرِ، فلم تَصِحَّ صلاتُه كغيرِ المَعْذُورِ. ولَنا، أنَّه لم يُخاطَبْ بالجُمُعَةِ، فصَحَّتْ منه الظُّهْرُ، كما لو كان بَعِيدًا من مَوْضِعِ الجُمُعَةِ. وقولُه: لا يَتَيَقَّنُ بَقاءَ العُذْرِ. قُلنا: أما المَرْأَةُ فمَعْلُومٌ بَقاءُ عُذْرِها، وأما غيرُها فالظَّاهِرُ بَقاءُ عُذرِهِ،
стр. 1344
والأصْلُ اسْتِمْرارُه، فأشْبَهَ المُتَيَمِّمَ إذا صَلَّى في أوَّل الوَقتِ، والمَرِيضَ إذا صَلَّى جَالِسًا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إنْ صَلَّاهَا، ثم سَعَى إلى الجُمُعَةِ، لم تَبْطُلْ ظُهْرُه، وكانت الجُمُعَةُ نَفْلًا في حَقِّه، سَوَاءٌ زالَ عُذْرُه أو لم يَزُلْ. وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ ظُهْرُه بالسَّعْىِ إليها، كالتى قَبْلَها. ولَنا، ما رَوَى أبو العَالِيَةِ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن الصَّامِتِ، فقلتُ: نُصَلِّى يَوْمَ الجُمُعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ؟ فقال: سألتُ أبَا ذَرٍّ عن ذلك، فقال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقال: "صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِها، واجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً". وفى لَفْظٍ: "فإنْ (٦) أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ ، فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ" (٧). ولأنَّها صلاةٌ صَحِيحَةٌ أَسْقَطَتْ فَرْضَهُ، وأبْرَأَتْ ذِمَّتَهُ، فأشْبَهَتْ ما لو صَلَّى الظُّهْرَ مُنْفَرِدًا، ثم سَعَى إلى الجَماعَةِ، والأفْضَلُ أنْ لا يُصَلُّوا إلَّا بعد صلاةِ الإِمامِ؛ لِيَخْرُجُوا من الخِلافِ، ولأنَّه يَحْتَمِلُ زَوَالَ أعْذارِهِم، فيُدْرِكُونَ الجُمُعَةَ.
فصل: ولا يُكْرَهُ لمن فَاتَتْهُ الجُمُعَةُ، أو لم يَكُنْ من (٨) أهْلِ فَرْضِها، أن يُصَلِّىَ الظُّهْرَ في جَماعَةٍ، إذا أمِنَ أن يُنْسَبَ إلى مُخالَفَةِ الإِمامِ، والرَّغْبَةِ عن الصلاةِ معه، أو أنَّه يَرَى الإِعادَةَ إذا صَلَّى معه. فَعَلَ ذلك ابنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ، والحسنُ بن عُبَيْدِ اللهِ (٩)، وإيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ (١٠). وهو قولُ الأَعْمَشِ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ. وكَرِهَهُ الحسنُ، وأبو قِلَابَةَ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 1345
لم يَخْلُ من مَعْذُورينَ، فلم يُنْقَلْ أنَّهم صَلَّوْا جَماعَةً. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً" (١١). وَرُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ أنَّه فَاتَتْهُ الجُمُعَةُ، فَصَلَّى بِعَلْقَمَةَ والأسْوَد (١٢). واحْتَجَّ به أحْمَدُ، وفَعَلَهُ من ذَكَرْنَا من قبلُ، ومُطَرِّفٌ (١٣)، وإبراهيمُ. قال أبو عبدِ اللهِ: ما أَعْجَبَ النَّاس يُنْكِرُونَ هذا، فأمَّا زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ فلم يُنْقَلْ إلينا أنَّه اجْتَمَعَ جَماعَةٌ مَعْذُورُونَ يَحْتاجُونَ إلى إقامَةِ الجَماعَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ إعَادَتُها جَماعَةً في مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا في مَسْجِدٍ تُكْرَهُ إعادَةُ الجماعةِ فيه، وتُكْرَهُ أيضًا في المَسْجِدِ الذي أُقِيمَتْ فيه الجُمُعَةُ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى النِّسْبَةِ إلى الرَّغْبَةِ عن الجُمُعَةِ، أو أنَّه لا يَرَى الصلاةَ خَلْفَ الإِمامِ، أو يُعِيدُ الصلاةَ معه فيه، وفيه افْتِيَاتٌ على الإِمامِ، ورُبَّما أفْضَى إلى فِتْنَةٍ، أو لِخَوْفِ ضَرَرٍ به وبغيرِه، وإنَّما يُصَلِّيها في مَنْزِلِه، أو مَوْضِعٍ لا تَحْصُلُ هذه المَفْسَدَةُ بِصلاتِها فيه.
٢٩٥ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ لمن أَتَى الجُمُعَةَ أن يَغْتَسِلَ، ويَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ، ويَتَطَيَّبَ) .
لا خِلافَ في اسْتِحْبابِ ذلك، وفيه آثَارٌ كَثِيرةٌ صَحِيحَةٌ؛ منها ما رَوَى سَلْمَانُ الفَارِسىُّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويَتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ من طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِه، أو يَمَسُّ من طِيبِ بَيْتِه، ثم يَخْرُجُ، فلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثم يُصَلِّى ما كُتِبَ له، ثم يُنْصِتُ إذا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ له ما بَيْنَهُ وبين الجُمُعَةِ الأُخْرَى". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (١). وليس ذلك بواجِبٍ
стр. 1346
في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال التِّرْمِذِىُّ: العَمَلُ على هذا عندَ أهْلِ العِلْمِ من أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، ومن بَعْدَهُم. وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقيل: إنَّ هذا إجْماعٌ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ عُلَماءُ المُسْلِمِينَ قَدِيمًا وحَدِيثًا على أنَّ غُسْلَ الجُمُعَةِ ليس بِفَرْضٍ وَاجِبٍ. وحُكِىَ عن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه وَاجِبٌ، وَرُوِى ذلك عن أبي هُرَيْرَةَ، وعمرِو بنِ سُلَيْم (٢). وقاوَل عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ رَجُلًا، فقال عَمَّارٌ: إنَّه إذًا شَرٌّ ممَّن لا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ. وَوَجْهُه قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "غُسْلُ الجُمُعَةِ واجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". وقولُه ﵇: "مَنْ أَتَى مِنْكُم الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ". وعن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال: "حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبْعَةِ أيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وجَسَدَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (٣). ولَنا، ما رَوَى سَمُرَةُ بن جُنْدُبٍ،
стр. 1347
قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِها ونِعْمَتْ، ومَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفضَلُ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ والتِّرْمِذِىُّ (٤)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وعن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثم أَتَى الجُمُعَةَ فاسْتَمَعَ وأنْصَتَ، غُفِرَ له ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الجُمُعَةِ، وزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ومَنْ مَسَّ الحَصَا فَقَدْ لَغَا". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وأيضا فإنَّه إجْمَاعٌ، حيث قال عمرُ لعُثمانَ: أيَّةُ سَاعَةٍ هذه؟ فقال: إنِّي شُغِلْتُ اليَوْمَ فلم أنْقَلِبْ إلى أهْلِى حتى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فلم أَزِدْ على الوُضُوء. فقال له عمرُ: والوُضُوءَ أيضًا. وقد عَلِمتَ أنَّ
стр. 1348
رسولَ اللهِ ﷺ كان يَأْمُرُ بالغُسْلِ؟ (٦) ولو كان وَاجِبًا لَرَدَّهُ، ولم يَخْفَ على عثمانَ وعلى من حَضَرَ من الصَّحابَةِ، وحَدِيثُهُم مَحْمُولٌ على تَأْكِيدِ النَّدْبِ، ولذلك ذُكِرَ في سِيَاقِه: "وسِوَاكٌ، وأنْ يَمَسَّ طِيبًا". كذلك رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). والسّوَاكُ، ومَسُّ الطِّيبِ، لا يَجِبُ، ولما ذَكَرْنَا من الأَخْبَارِ، وقالت عائشةُ: كان النَّاسُ مِهْنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وكانوا يَرُوحُونَ إلى الجُمُعَةِ بِهَيْئَتِهِم، فتَظْهَرُ لهم رَائِحَةٌ، فَقِيلَ لهم: لو اغْتَسَلْتُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بنحو هذا المَعْنَى (٨).
فصل: وَقْتُ الغُسْلِ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فمن اغْتَسَلَ بعدَ ذلك أجْزَأهُ، وإن اغْتَسَلَ قبلَه لم يُجْزِئْهُ، وهذا قولُ مُجاهِدٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ. وحُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ أنَّه يُجْزِئُه الغُسْلُ قبلَ الفَجْرِ. وعن مالِكٍ: أنَّه لا يُجْزِئُه الغُسْلُ إلَّا أن يَتَعَقَّبَهُ الرَّواحُ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "من اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ" (٩). واليَوْمُ من طُلُوعِ الفجْرِ. وإن اغْتَسَلَ، ثم أَحْدَثَ، أجْزَأهُ الغُسْلُ، وكَفاهُ الوُضُوءُ. وهذا قولُ مُجَاهِدٍ، والحسنِ، ومالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ. واسْتَحَبَّ طَاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتَادَةُ، ويَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ (١٠)، إعَادَةَ الغُسْلِ. ولَنا، أنَّه اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فدَخَلَ في عُمُومِ الخَبَرِ، وأَشْبَهَ مَن لم
стр. 1349
يُحْدِثْ، والحَدَثُ إنَّما يُؤَثِّرُ في الطَّهارَةِ الصُّغْرَى، ولا يُؤَثِّرُ في المَقْصُودِ من الغُسْلِ، وهو التَّنْظِيفُ، وإزالَةُ الرَّائِحَةِ، ولأنَّه غُسْلٌ، فلا يُؤَثِّرُ الحَدَثُ في إبْطالِهِ، كَغُسْلِ الجَنابَةِ.
فصل: ويَفْتَقِرُ الغُسْلُ إلى النِّيَّةِ؛ لأنَّه عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ، كتَجْدِيدِ الوُضُوءِ، فإن اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ والجَنابَةِ غُسْلًا وَاحِدًا وَنواهُما، أجْزَأهُ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، ومُجاهِدٍ، ومَكْحُولٍ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وقد ذَكَرْنَا أنَّ مَعْنَى قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "من غَسَّلَ واغْتَسَلَ" (١١) أي جَامَعَ، واغْتَسَلَ، ولأنَّهما غُسْلانِ اجْتَمَعَا، فأَشْبَهَا غُسْلَ الحَيْضِ والجَنابَةِ، وإن اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ، ولم يَنْوِ غُسْلَ الجُمُعَةِ، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهُما لا يُجْزِئُه. وَرُوِىَ عن بعضِ بَنِى أبى قَتادَةَ، أنَّه دَخَلَ عليه يَوْمَ الجُمُعَةِ مُغْتَسِلًا، فقال: لِلْجُمُعَةِ اغْتَسَلْتَ؟ فقال: لا، ولكن لِلْجَنابَةِ. قال: فأعِدْ غُسْلَ الجُمُعَةِ. وَوَجْهُ ذلك قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (١٢). والثَّانِى يُجْزِئُه؛ لأنَّه مُغْتَسِلٌ، فيَدخُلُ في عُمُومِ الحَدِيثِ، ولأنَّ المَقْصُودَ التَّنْظِيفُ، وهو حَاصِلٌ بهذا الغُسْلِ، وقد رُوِىَ في بعضِ الحَدِيثِ: "من اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ" (١٣).
فصل: ومَن لا يَأْتِى الجُمُعَةَ فلا غُسْلَ عليه. قال أحمدُ: ليس على النِّساءِ غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وعلى قِياسِهِنَّ الصِّبْيانُ والمُسافِرُ والمَرِيضُ. وكان ابنُ عمرَ، وعَلْقَمَةُ، لا يَغْتَسِلانِ في السَّفَرِ، وكان طَلْحَةُ يَغْتَسِلُ. وَرُوِىَ عن مُجَاهِدٍ، وطَاوُسٍ، ولَعَلَّهُم أخَذُوا بِعُمُومِ قَوْلِه ﷺ : "غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ على كُلِّ
стр. 1350
مُحْتَلِمٍ". وغيرِه من الأَخْبَارِ العَامَّةِ، ولَنا، قَوْلُه ﷺ : "مَنْ أَتَى الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (١٤). ولأنَّ المَقْصُودَ التَّنْظِيفُ، وقَطْعُ الرَّائِحَةِ حتى لا يَتَأَذَّى غيرُه به، وهذا مُخْتَصٌّ بمن أَتَى الجُمُعَةَ، والأَخْبارُ العامَّةُ يُرادُ بها هذا، ولهذا سَمَّاهُ غُسْلَ الجُمُعَةِ، ومَن لا يَأْتِيها لا يكونُ غُسْلُه غُسْلَ الجُمُعَةِ، وإن أتاهَا أحَدٌ ممَّن لا تَجِبُ عليه اسْتُحِبَّ له الغُسْلُ لِعُمُومِ الخَبَرِ، وَوُجُودِ المَعْنَى فيه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ بن سَلَام، أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ في يَوْمِ الجُمُعَةِ يقول: "ما عَلَى أَحَدِكُمْ لو اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ جُمُعَةٍ سِوَى ثَوْبَىْ مِهْنَتِه". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (١٥). وجَاءَ في حَدِيثٍ: "مَنْ لَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِه يَوْمَ الجُمُعَةِ، واغْتَسَلَ" (١٦). وذَكَرَ الحَدِيثَ. وأَفْضَلُها البَيَاضُ، لِقَوْلِه ﵇: "خَيْرُ ثِيَابِكُم البَيَاضُ، أَلْبِسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ، وكَفِّنُوا فيها مَوْتَاكُمْ" (١٧). ويُسْتَحَبُّ أن يَعْتَمَّ ويَرْتَدِىَ، لأنَّ
стр. 1351
النَّبِيَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك، والإِمَامُ في هذا ونحوِه آكَدُ مِن غيرِه، لأنَّه المَنْظُورُ إليه مِن بين النَّاسِ.
فصل: والطِّيبُ (١٨) مَنْدُوبٌ إليه، والسِّوَاكُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وسِوَاكٌ، وأنْ يَمَسَّ طِيبًا" (١٩). ورَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ، جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ مِنْكُم إلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ، وإنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، وعَلَيْكُمْ بالسِّوَاكِ" (٢٠). ويُسْتَحَبُّ أن يَدَّهِنَ، ويَتَنَظَّفَ بأخْذِ الشَّعر، وقَطْع الرَّائحة؛ لِقَوْلِه ﵇: "لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويَتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أو يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثم يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثم يُصَلِّي ما كُتِبَ لَهُ، ثم يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ له ما بَيْنَهُ وبين الجُمُعَةِ الأُخْرَى" (٢١).
فصل: إذا أَتَى المَسْجِدَ كُرِهَ له أن يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ". وقوله: "ولَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، ولَمْ يُؤْذِ أحَدًا" (٢٢). وقولِه في الذي جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ [يومَ الجمعةِ] (٢٣): "اجْلِسْ، فقد آذَيْتَ وَآنَيْتَ" (٢٤). وَرُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إلَى جَهَنَّمَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٢٥)، وقال: لا
стр. 1352
نَعْرِفُه إلَّا من حَدِيثِ رِشْدِين بن سَعْدٍ، وقد ضَعَّفَهُ بعضُ أهْلِ العِلْمِ من قِبَلِ حِفْظِه، فأمَّا الإِمامُ إذا لم يَجِدْ طَرِيقًا، فلا يُكْرَهُ له التَّخَطِّي، لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
فصل: فإن رَأى فُرْجَةً لا [يَصِلُ إليها] (٢٦) إلَّا بالتَّخَطِّي، ففيه رِوَايَتانِ: إحْدَاهُما، له التَّخَطِّي. قال أحمدُ: يَدْخُلُ الرَّجُلُ ما اسْتَطَاعَ، ولا يَدَعُ بين يَدَيْهِ موضِعًا فارغًا، فإن جَهِلَ فَتَرَكَ بين يَدَيْهِ خَاليًا فَلْيَتَخَطَّ الذي يَأْتِي بعده، ويَتَجَاوَزْه إلى المَوْضِعِ الخالِي، فإنَّه لا حُرْمَةَ لمن تَرَكَ بين يَدَيْهِ خَاليًا، وقَعَدَ في غيرِه. وقال الأوْزَاعِيُّ: يَتَخَطَّاهُم إلى السَّعَةِ. وقال قَتادَةُ: يَتَخَطَّاهُمْ إلى مُصَلَّاهُ. وقال الحسنُ: تَخَطُّوا رِقابَ الذين يَجْلِسُونَ على أبْوَابِ المَساجِدِ، فإنَّه لا حُرْمَةَ لهم. وعن أحمد، رِوَايَةٌ أخْرَى، إنْ كان يَتَخَطَّى الواحِدَ والاثْنَيْنِ فلا بَأْسَ؛ لأنَّه يَسِيرٌ، فَعُفِي عنه، وإن كَثُرَ كَرِهْناه. وكذلك قال الشَّافِعِيُّ، إلَّا أنْ لا يَجدَ السَّبيلَ إلى مُصَلَّاهُ إلَّا بأن يَتَخَطَّى، فيسَعُه التَّخَطِّي، إن شاء اللهُ تعالى. ولَعْلَّ قَوْلَ أَحمدَ، ومن وَافَقَهُ في الرِّوَايَةِ الأُولَى، فيما إذا تَرَكُوا مَكانًا وَاسِعًا، مثل الذين يَصُفُّونَ في آخِرِ المَسْجدِ، ويَتْرُكُونَ بين أيْدِيهم صُفُوفًا خَالِيَةً، فهؤلاءِ لا حُرْمَةَ لهم. كما قال الحسنُ؛ لأنَّهم خَالَفُوا أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَغِبُوا عن الفَضِيلَة وخَيْرِ الصُّفُوفِ، وجَلَسُوا في شَرِّهَا، ولأنَّ تَخَطِّيَهم ممَّا لا بُدَّ منه، وقولَه الثَّانِي في حَقِّ مَن لم يُفرِّطُوا (٢٧)، وإنَّما جَلَسُوا في مَكانِهِم؛ لامْتِلاءِ ما بين أيديهم، لكنْ فيه سَعَةٌ يُمْكِنُ الجُلُوسُ فيه لازْدِحَامِهِمْ، ومتى (٢٨) لم يُمْكِن الصلاةُ إلَّا بالدُّخُولِ
стр. 1353
وَتَخَطِّيهِم، جازَ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
فصل: إذا جَلَسَ في مَكانٍ، ثم بَدَتْ له حاجَةٌ، أو احْتاجَ إلى (٢٩) الوُضُوءِ، فله الخُرُوجُ. قال عُقْبَةُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بالمَدِينَةِ العَصْرَ، فسَلَّمَ، ثم قامَ مُسْرِعًا، فتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ إلى حُجَرِ بعضِ نِسائِه. فقال: "ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنا، فكَرِهْتُ أن يَحْبِسَنِي، فأَمَرْتُ بِقِسْمَتِه". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٠)، فإذا قامَ من مَجْلِسِه، ثم رَجَعَ إليه، فهو أحَقُّ به، لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ قَامَ من مَجْلِسِه، ثم رَجَعَ إلَيْهِ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ" (٣١). وحُكْمُه في التَّخَطِّي إلى مَوْضِعِه حُكْمُ من رَأى بين يَدَيْهِ فُرْجَةً.
فصل: وليس له أن يُقِيمَ إنْسَانًا ويَجْلِسَ في مَوْضِعِه، سَوَاءٌ كان المكانُ رَاتِبًا لِشَخْصٍ يَجْلِسُ فيه، أو مَوْضِعَ حَلْقَةٍ لمن يُحَدِّث فيها، أو حَلْقَةً للفُقَهَاءِ (٣٢) يَتَذَاكَرُونَ فيها، أو لم يَكُنْ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن
стр. 1354
يُقِيمَ الرَّجُلُ - يعني أخاه - مِن مقْعَدِهِ، ويَجْلِسَ فيه. متَّفَقٌ عليه (٣٣). ولأنَّ المَسْجِدَ بَيْتُ اللهِ، والنَّاسُ فيه سَوَاءٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٣٤). فمَن سَبَقَ إلى مكانٍ فهو أحَقُّ به؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣٥)، وكمَقَاعِدِ الأسْواقِ، ومَشارِعِ المِيَاهِ والمَعَادِنِ، فإنْ قَدَّمَ صَاحِبًا له، فَجَلَسَ في موْضِعٍ، حتى إذا جَاءَ قَامَ النَّائِبُ وأجْلَسَه، جازَ؛ لأنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِه، وقد رُوىَ أن محمدَ بن سِيرِينَ كان يُرْسِلُ غُلَامًا له يَوْمَ الجُمُعَةِ، فيَجْلِسُ فيه، فإذا جَاءَ محمدٌ قَامَ الغُلَامُ، وجَلَسَ محمدٌ فيه. وإنْ لم يَكُنْ نَائِبًا فقَامَ لِيَجْلِسَ آخَرُ في مَكَانِه، فله الجُلُوسُ فيه؛ لأنَّه قامَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِه، فأشْبَهَ النَّائِبَ. وأمَّا القَائِمُ فإن انْتَقَلَ إلى مثلِ مَكَانِه الذي آثَرَ به في القُرْبِ، وسَمَاعِ الخُطْبَةِ، فلا بَأْسَ، وإن انْتَقَلَ إلى ما دُونَه، كُرِهَ له؛ لأنَّه يُؤْثِرُ على نَفْسِه في الدِّينِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُكْرَهَ؛ لأنَّ تَقْدِيمَ أهْلِ الفَضْلِ إلى ما يلي الإِمامَ مَشْرُوعٌ، ولذلك قال النَّبِيُّ ﷺ : "لَيِلنِي مِنْكُم أُولُو الأَحْلَامِ والنُّهَى" (٣٦). ولو آثَرَ شَخْصًا بمكانِه، لم يَجُزْ لِغَيْرِه أن يَسْبِقَه إليه؛ لأنَّ الحَقَّ لِلْجالِسِ آثَرَ به غيرَه فقامَ مَقامَه في اسْتِحْقَاقِه، كما لو تَحَجَّرَ مَوَاتًا، أو سَبَقَ إليه، ثم آثَرَ غيرَه به. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يجوزُ (٣٧) ذلك؛ لأنَّ القَائِمَ أسْقَطَ حَقَّهُ بالقِيامِ،
стр. 1355
فَبَقِيَ على الأصْلِ، فكان السَّابِقُ إليه أحَقَّ به، كمَن وَسَّعَ لِرَجُلٍ في طَرِيقٍ، فمَرَّ غَيْرُه. وما قُلْنَا أصَحُّ، ويُفَارِقُ التَّوْسِعَةَ في الطَّريقِ، لأنَّها إنَّما جُعِلَتْ لِلْمُرُورِ فيها، فمن انْتَقَلَ من مَكَانٍ فيها لم يَبْقَ له فيه (٣٨) حَقٌّ يُؤْثِرُ به، وليس كذلك المَسْجِدُ، فإنَّه لِلْإِقامَةِ فيه، ولا يَسْقُطُ حَقُّ المُنْتَقِلِ مِن مكانِه إذا انْتَقَلَ لِحاجَةٍ، وهذا إنَّما انْتَقَلَ مُؤْثِرًا لِغيرِه، فأشْبَهَ النَّائِبَ الذي بَعَثَهُ إنْسانٌ لِيَجْلِسَ في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له. ولو كان الجالِسُ مَمْلُوكًا، لم يَكُنْ لِسَيِّدِه أن يُقيمَهُ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ هذا ليسَ بمالٍ، وهو حَقٌّ دِينِيٌّ، فاسْتَوَى هو وسَيِّدُه فيه، كالحُقُوقِ الدِّينِيَّة كُلِّها، واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن فَرَشَ مُصَلًّى له في مكانٍ، ففيه وَجْهانِ: أحدهُما، يجوزُ رَفْعُه، والجُلُوسُ في مَوْضِعِه، لأنَّه لا حُرْمَةَ له، ولأنَّ السَّبْقَ بالأجْسامِ، لا بالأوْطِئَةِ والمُصَلَّياتِ، ولأنَّ تَرْكَهُ يُفْضِي إلى أنَّ صَاحِبَه يَتَأَخَّرُ، ثم يَتَخَطَّى رِقَابَ المُصَلِّينَ، ورَفْعُه يَنْفِي ذلك. والثاني: لا (٣٩) يَجُوزُ؛ لأنَّ فيه افْتِياتًا على صَاحِبِه، رُبَّما أفضَى إلى الخُصُومَةِ، ولأنَّه سَبَقَ إليه، فكان كَمُتَحَجِّرِ المَواتِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ من الإِمامِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ غَسَّلَ واغْتَسَلَ، وبَكَّرَ وابْتَكَرَ، ومَشَى ولَمْ يَرْكَبْ، ودَنَا مِنَ الإِمَامِ فاسْتَمَعَ، ولم يَلْغُ، كَانَ لَهُ بكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ، أجْرُ صِيَامِهَا وقِيَامِها". رَوَاه أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، وابنُ مَاجَه (٤٠). وهذا لَفْظُهُ. وعن سَمُرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "احْضَرُوا الذِّكْرَ، وَادْنُوا مِن الْإِمَامِ، فَإنَّ الرَّجُلَ لا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حتَّى يُؤَخَّرَ في الجَنَّةِ وإنْ دَخَلَهَا". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٤١)، ولأنَّه أمْكَنُ له من السَّماعِ.
стр. 1356
فصل: وتُكْرَهُ الصلاةُ في المَقْصُورَةِ التي تُحْمَى. نَصَّ عليه أحمدُ، وَرُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنَّه كان إذا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وهو في المَقْصُورَةِ، خَرَجَ. وكَرِهَهُ الأحْنَفُ، وابنُ مُحَيْرِيزٍ، والشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ. ورَخَّصَ فيها أنَسٌ، والحسنُ، والحسينُ، والقَاسِمُ، وسَالِمٌ، ونَافِعٌ؛ لأنَّه مَكانٌ من الجامِعِ، فلم تُكْرَه الصَّلَاةُ فيه، كسائِرِ المَسْجِدِ. وَوَجْهُ الأوَّل، أنَّه يُمْنَعُ النَّاسُ من الصلاةِ فيه، فصار (٤٢) كالمَغْصُوبِ، فَكُرِهَ لذلك. فأمَّا إن كانت لا تُحْمَى، فيَحْتَمِلُ أن لا تُكْرَهَ الصلاةُ فيها؛ لِعَدَمِ شَبَهِ الغَصْبِ. ويَحْتَمِلُ أن تُكْرَهَ؛ لأنَّها تَقْطَعُ الصُّفُوفَ، فأشْبَهَتْ ما بين السَّوارِي. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في الصَّفِّ الأَوَّل، فقال في مَوْضِعٍ: هو الذي يَلِي المَقْصُورَة؛ لأنَّ المَقْصُورَةَ تُحْمَى. وقال: ما أدْرِى هل الصَّفُّ الأَوَّلُ الذي يَقْطَعُه المِنْبَرُ، أو الذي يَلِيه؟ والصَّحِيحُ أنَّه الذي يَقْطَعُه المِنْبَرُ؛ لأنَّه هو الأوَّلُ في الحَقِيقَةِ، ولو كان الأَوَّلُ ما دُونَه أفْضَى (٤٣) إلى خُلُوِّ ما يَلِي الإِمامَ. ولأنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ كان يَلِيه فُضَلاؤُهم، ولو كان الصَّفُّ الأوَّلُ وَرَاءَ المِنْبَرِ، لَوَقَفُوا فيه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن نَعَسَ [يَوْمَ الجُمُعَةِ، أن يتحَوَّلَ عن (٤٤) مَوْضِعِه؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقول: "إذا نَعَسَ] (٤٥) أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ في مَجْلِسِه، فَلْيَتَحَوَّلْ إلَى غَيْرِه". رَوَاه أبو مَسْعُودٍ أحمدُ بن الفُرَاتِ (٤٦)، في "سُنَنِه"، والإِمامُ أحمدُ، في "مُسْنَدِه" (٤٧). ولأنَّ تَحَوُّلَهُ عن
стр. 1357
مَجْلِسِه يَصْرِفُ عنه النَّوْمَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ من الصلاةِ على رسولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ لما رُوِيَ عن أبي الدَّرْدَاء قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ فإنَّه مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ المَلَائِكَةُ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٤٨). وعن أَوْسِ بن أوْسٍ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "أفْضَلُ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ قُبِضَ، وفِيهِ النَّفْخَةُ، وفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فإنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ". قالوا: يا رسولَ اللهِ: وكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عليك وقد أَرِمْتَ، أي بَلِيتَ. قال: "إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٤٩).
فصل: ويُسْتَحَبُّ قِراءَةُ الكَهْفِ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ لما رُوِيَ عن عَلِيٍّ ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ الكَهْفَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فهو مَعْصُومٌ إلى ثَمَانِيَة أيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، فَإِنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ عُصِمَ مِنْهُ". رَوَاه زَيْدُونُ بن عليٍّ (٥٠) في كِتَابِه بإسْنَادِه (٥١). وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّه قال: من قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ الجُمُعَةِ [أضاءَ له من النُّورِ ما بَيْنَهُ وبين البَيْتِ العَتِيقِ. وقال خالدُ بن مَعْدَانَ (٥٢): مَن قَرأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ الجُمُعَةِ] (٥٣) قبلَ أن يَخْرُجَ الإِمَامُ كانتْ له
стр. 1358
كَفَّارَةً ما بينَه وبينِ الجُمُعَةِ، وبَلَغَ نُورُهَا البَيْتَ العَتِيقَ.
فصل: يُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ من الدُّعَاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، لَعَلَّه يُوَافِقُ سَاعَةَ الإِجابةِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فقال: "فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا، إلَّا أعْطَاهُ إيَّاهُ". وأشَارَ بيدِه يُقَلِّلُهَا، وفي لَفْظٍ: "وهو قائِمٌ يُصَلِّي". مُتَّفَقٌ عليه (٥٤). واخْتُلِفَ في تلك السَّاعَةِ، فقال عبدُ اللهِ بن سَلَامٍ، [وطَاوُسٌ: هي آخِرُ سَاعَةٍ في يَوْمِ الجُمُعَةِ. وفَسَّرَ ابنُ سلامٍ الصَّلَاةَ بِانْتِظَارِها. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا، عن النَّبِيِّ ﷺ ، فرُوِيَ عن عبدِ اللهِ بن سَلامٍ] (٥٥)، قال: قلتُ ورسولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ: إنَّا لَنَجِدُ في كِتَابِ اللَّه: في يَوْمِ الجُمُعَةِ سَاعَة لا يُوَافِقُها عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ فيها شَيْئًا إلَّا قَضَى اللهُ حَاجَتَهُ. قال عبدُ اللهِ بن سَلَامٍ: فأشارَ إلىّ النَّبِيِّ ﷺ "أو بَعْضُ سَاعَةٍ". فقلتُ: صَدَقْتَ أو بَعْضُ سَاعَةٍ. قلتُ: أيُّ سَاعَةٍ هي؟ قال: "هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَار". قلتُ: إنَّها ليستْ سَاعَةَ صَلَاةٍ قال: "بَلَى، إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا
стр. 1359
صَلَّى، ثم جَلَسَ لا يُجْلِسُه إلا الصَّلَاةُ، فهو في صَلَاةٍ. رَوَاه ابنُ مَاجَه (٥٦). ويكونُ القِيامُ على هذا بِمَعْنَى المُلازَمَةِ والإِقامَةِ، كَقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٥٧). وعن أَنَسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الْتَمِسُوا السَّاعَةَ التي تُرْجَى في يَوْمِ الجُمُعَةِ بعد العَصْرِ إلى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ". أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٥٨). وقِيلَ: هي ما بين أن يَجْلِسَ الإِمامُ إلى أن يَقْضِيَ الصلاةَ؛ لما رَوَى أبو موسى، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "هِيَ مَا بَيْنَ أن يَجْلِسَ الإِمَامُ إلَى أن يَقْضِيَ الصَّلَاةَ". رَوَاه مُسْلِمٌ (٥٩)، وعن عَمْرِو بنِ عَوْفٍ المُزَنِيّ: قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقولُ: "في الجُمُعَةِ سَاعَةٌ من النَّهَارِ، لا يَسْأَلُ العَبْدُ فيها شَيْئًا إلَّا أُعْطِيَ سُؤْلَه". قيل: أيُّ سَاعَةٍ هي؟ قال: "حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إلَى الانْصِرَافِ مِنْها" (٦٠). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. فعلَى هذا التَّفْسِيرِ تكونُ السَّاعَةُ مُخْتَلِفَةً، فتكونُ في حَقِّ كُلِّ قَوْمٍ في وقتِ صلاتِهم. وقيل: هي ما بين الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ومن العَصْرِ إلى غُرُوبِها. وقيل: هي السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ من النَّهارِ. وقال كَعْبٌ: لو قَسَّمَ الإِنْسَانُ جُمَعَهُ في جُمَعٍ أَتَى على تِلْكَ السَّاعَةِ (٦١). وقيل هي مُتَنَقِّلَةٌ في اليَوْمِ. وقال ابنُ
стр. 1360
عمرَ: إنَّ طَلَبَ حاجَةٍ في يَوْمٍ لَيَسِيرٌ (٦٢). وقيل: أخْفَى اللهُ تعالى هذه السَّاعَةَ لِيَجْتَهِدَ عِبَادُه في دُعَائِه في جَمِيعِ اليَوْمِ طَلَبًا لها، كما أَخْفَى لَيْلَةَ القَدْرِ في لَيالِي رمضانَ، وأوْلِياءَهُ في الخَلْقِ، ليَحْسُنَ الظَّنُّ بالصَّالِحِينَ كُلِّهم.
٢٩٦ - مسألة؛ قال: (وَإنْ صَلَّوا الجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، أجْزأتْهُمْ)
وفي بَعْضِ النُّسَخِ، في السَّاعَةِ الخامِسَةِ. والصَّحِيحُ في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. وظاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أنَّه لا يجوزُ صلاتُها فيما قبل السَّادِسَةِ. وَرُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، وجَابِرٍ، وسَعِيدٍ، ومُعَاوِيةَ، أنهم صَلَّوها قبلَ الزَّوَالِ. وقال القاضي، وأصْحَابُه: يجوزُ فِعْلُها في وَقْتِ صلاةِ العِيدِ. ورَوَى ذلك عبدُ اللهِ، عن أبِيهِ، قال: نذهبُ إلى أنَّها كصلاةِ العِيدِ. وقال مُجاهِدٌ: ما كان لِلنَّاسِ عِيدٌ إلَّا في أوَّلِ النَّهارِ. وقال عَطاءٌ: كُلُّ عِيدٍ حين يَمْتَدُّ الضُّحَى؛ الجُمُعَةُ، والأضْحَى، والفِطْرُ؛ لما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: ما كان عِيدٌ إلَّا في أَوَّلِ النَّهَارِ، ولقد كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بنا الجُمُعَةَ في ظِلِّ الْحَطِيمِ (١). رَوَاهُ ابن البَخْتَرِيِّ (٢) في "أمَالِيهِ" بإسْنَادِه. وَرُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، ومُعاوِيَةَ، أنَّهما صَلَّيَا الجُمُعَةَ ضُحًى، وقالا: إنَّما عَجَّلْنَا خَشْيَةَ الحَرِّ عليكم. ورَوَى الأثْرَمُ حَدِيثَ ابنِ مسعودٍ. ولأنَّها عِيدٌ فجَازَتْ في وَقْتِ العِيدِ، كالفِطْرِ والأضْحَى، والدَّلِيلُ على أنَّها عِيدٌ قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّه عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ" (٣). وقولُه:
стр. 1361
"قد اجْتَمَعَ لَكُمْ في يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ" (٤). وقال أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ: وَقْتُها وَقْتُ الظُّهْرِ، إلَّا أنَّه يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُها في أوَّلِ وَقْتِها؛ لِقَوْلِ سَلَمةَ بن الأكْوَعِ: "كُنَّا نُجَمِّعُ مع النَّبِيِّ ﷺ إذا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثم نَرْجِعُ نَتَتبَّعُ الفَىْءَ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وقال أَنَسٌ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حين تَمِيلُ الشَّمْسُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦). ولأنَّهما صلاتَا وَقْتٍ، فكان وَقْتُهُما وَاحِدًا، كالمَقْصُورَةِ والتَّامَّةِ، ولأنَّ إحْدَاهما بَدَلٌ عن الأُخْرَى، وقَائِمَةٌ مَقامَها، فأشْبَهَا (٧) الأصْلَ المَذْكُورَ، ولأنَّ آخِرَ وَقْتِهِما واحِدٌ، فكان أَوَّلُه واحِدًا، كصلاةِ الحَضَرِ والسَّفَرِ. ولنا، على جَوازِها في السَّادِسَةِ السُّنَّةُ والإِجْمَاعُ؛ أما السُّنَّةُ فما رَوَى جابِرُ بن عبدِ اللهِ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي - يعني الجُمُعَةَ - ثم نَذْهَبُ إلى جِمَالِنَا فَنُرِيحُها حتى تَزُولَ الشَّمْسُ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٨). وعن سَهْلِ بن سَعْدٍ، قال: ما كُنَّا نَقِيلُ ولا نَتَغَدَّى إلَّا بعد الجُمُعَةِ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٩). قال ابنُ قُتَيْبَةَ: لا يُسَمَّى غَدَاءً، ولا قَائِلَةً، بعد الزَّوَالِ. وعن سَلَمَةَ، قال: كنا نُصَلِّي مع رسولِ اللَّه ﷺ الجُمُعَةَ، ثم نَنْصَرِفُ وليس لِلْحِيطانِ فَيْءٌ. [نَسْتَظِلُّ به] (١٠). رَوَاه أبو دَاوُدَ (١١). وأما الإِجْمَاعُ، فرَوَى الإِمامُ أحمدُ، عن وَكِيعٍ، عن جَعفرِ
стр. 1362
ابن بُرْقَانَ، عن ثابِتِ بن الحَجَّاجِ، عن عبدِ اللهِ بن سِيدَانَ، قال: شَهِدْتُ الخُطْبَةَ مع أبي بكرٍ، فكانتْ صَلَاتُه وخُطْبَتُه قبلَ نِصْفِ النَّهَارِ، وشَهِدْتُها مع عمرَ بن الخَطَّابِ، فكانتْ صَلَاتُه وخُطْبَتُه إلى أنْ أقولَ قد انْتَصَفَ (١٢) النَّهَارُ، ثم صَلَّيْتُها مع عثمانَ بن عَفَّانَ، فكانتْ صَلَاتُه وخُطْبَتُه إلى أن أقولَ قد زَالَ النَّهَارُ، فما رَأَيْتُ أحَدًا عابَ ذلك ولا أنْكَرَهُ. قال: وكذلك رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، وجابِرٍ، وسَعِيدٍ، ومُعاوِيةَ، أنَّهم صَلَّوا قبلَ الزَّوالِ، وأحادِيثُهم تَدُلُّ على أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَها بعد الزَّوالِ في كَثِيرٍ من أوْقاتِه، ولا خِلافَ في جَوازِه، وأنَّه الأفْضَلُ والأوْلَى، وأحَادِيثُنَا تَدُلُّ على جَوازِ فِعْلِها قبلَ الزَّوالِ، ولا تَنافِيَ بينهما. وأمَّا في أَوَّلِ النَّهارِ، فالصَّحِيحُ أنَّها لا تَجُوزُ؛ لما ذَكَرَهُ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ، ولأنَّ التَّوْقِيتَ لا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ، من نَصٍّ، أو ما يَقُومُ مَقامَه، وما ثَبَتَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن خُلَفائِه، أنَّهم صَلَّوها في أوَّلِ النَّهارِ، ولأنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ كونُ وَقْتِها وَقْتَ الظُّهْرِ، وإنَّما جازَ تَقْدِيمُها عليه بما ذَكَرْنا من الدَّلِيلِ، وهو مُخْتَصٌّ بالسَّاعَةِ السَّادِسَةِ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُها عليها، واللهُ أعلمُ. ولأنَّها لو صُلِّيَتْ في أوَّلِ النَّهارِ لَفاتَتْ أَكْثَرَ المُصَلِّينَ، لأنَّ (١٣) العَادَةَ اجْتِمَاعُهم لها عند الزَّوالِ، وإنما يَأْتِيها ضُحًى آحَادٌ من النّاسِ، وعَدَدٌ يَسِيرٌ، كما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه أَتَى الجُمُعَةَ، فَوَجَدَ أربَعَةً قد سَبَقُوهُ، فقال: رَابِعُ أرْبَعَةٍ، وما رَابِعُ أرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ. إذا ثَبَتَ هذا، فالأوْلَى أنْ لا تُصَلَّى إلَّا بعد الزَّوالِ؛ لِيَخْرُجَ من الخِلافِ، ويَفْعَلُها في الوَقْتِ الذي كان النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُها فيه في أكْثَرِ أوْقَاتِه، ويُعَجِّلُها في أوَّلِ وَقْتِهَا في الشِّتَاءِ والصَّيْفِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُعَجِّلُها، بِدَلِيلِ الأخْبارِ التي رَوَيْناهَا، ولأنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ لها في أوَّلِ وَقْتِها، ويُبَكِّرُونَ إليها قبل وَقْتِها، فلو انْتَظَرَ الإِبْرادَ بها لَشَقَّ على الحاضِرِينَ،
стр. 1363
وإنَّما جُعِلَ الإِبْرادُ بالظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ التي يَحْصُلُ أعْظَمُ منها بالإِبْرادِ بالجُمُعَةِ.
فصل: وإن اتَّفَقَ عِيدٌ في يَوْمِ جُمُعَةٍ، سَقَطَ حُضُورُ الجُمُعَةِ عَمَّنْ صَلَّى العِيدَ، إلَّا الإِمامَ، فإنَّها لا تَسْقُطُ عنه إلَّا أن لا (١٤) يَجْتَمِعَ له من يُصَلِّي به الجُمُعَةَ. وقيل: في وُجُوبِها على الإِمامِ رِوَايَتَان وممَّن قال بِسُقُوطِها الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ. وقيل: هذا مذهبُ عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وسَعِيدٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وقال أكْثَرُ الفُقَهَاءِ تَجِبُ الجُمُعَةُ؛ لِعُمُومِ الآيَةِ، والأخْبَارِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِها، ولأنَّهما صلاتانِ واجِبتانِ، فلم تَسْقُطْ إحْدَاهُما بالأُخْرَى، كالظُّهْرِ مع العِيدِ. ولَنا، ما رَوَى إيَاسُ بن أبي رَمْلَةَ الشَّامِيُّ، قال: شَهِدْتُ معاويةَ يَسْأَلُ زيدَ بنَ أَرْقَم: هل شَهِدْتَ مع رسولِ اللهِ ﷺ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا في يَوْمٍ وَاحِدٍ؟ قال: نعم. قال: فكيف صَنَعَ؟ قال: صَلَّى العِيدَ، ثم رَخَّصَ في الجُمُعَةِ، فقال: "مَنْ شَاءَ أنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ". رَوَاه أبُو دَاوُدَ، ورَوَاهُ (١٥) الإِمامُ أحمدُ، ولَفْظُه: "مَنْ شَاءَ أنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ" (١٦). وعن أبي هُرَيْرَةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: "اجْتَمَعَ في يَوْمِكُم هذا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أجْزَأَهُ مِنَ الجُمُعَةِ، وإنَّا مُجَمِّعُونَ". رَوَاه (١٧) ابن مَاجَه (١٨). وعن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، عن النبيِّ ﷺ نَحْوُ ذلك. ولأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما زَادتْ عن الظُّهْرِ
стр. 1364
بالخُطْبَةِ، وقد حَصَلَ سَمَاعُها في العِيدِ، فأجْزَأ (١٩) عن سَمَاعِها ثانِيًا، ولأنَّ وَقْتَهُما واحِدٌ بما بَيَّنَّاهُ، فسَقَطَتْ إحْدَاهُما بالأُخْرَى، كالجُمُعَةِ مع الظُّهْرِ، وما احْتَجُّوا به مَخْصُوصٌ بما رَوَيْنَاهُ، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالظُّهْرِ مع الجُمُعَةِ، فأمَّا الإِمامُ فلم تَسْقُطْ عنه؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "وإنَّا مُجَمِّعُونَ". ولأنَّه لو تَرَكَها لامْتَنَع فِعْلُ الجُمُعَةِ في حَقِّ مَن تَجِبُ عليه، ومَن يُرِيدُها ممَّن سَقَطَتْ عنه، بخِلافِ غيرِه من النَّاسِ.
فصل: وإن قَدَّمَ الجُمُعَةَ فصَلَّاها في وَقْتِ العِيدِ، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، قال: تُجْزِئُ الأُولَى (٢٠) منهما، فعلَى هذا تُجْزِئُه عن العِيدِ والظُّهْرِ، ولا يَلْزَمُه شيءٌ إلى العَصْرِ، عندَ مَن جَوَّزَ الجُمُعَةَ في وَقْتِ العِيدِ. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ، بإسْنَادِهِ عن عَطاءٍ، قال: اجْتَمَعَ يومُ الجُمُعَةِ ويومُ فِطْرٍ على عهدِ ابنِ الزُّبَيْرِ، فقال: عِيدَانِ قد اجْتَمَعَا في يَوْمٍ واحِدٍ، فجَمَعَهُما وصَلَّاهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً (٢١)، فلم يَزِدْ عليهما حتى صَلَّى العَصْرَ. وَرُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه بَلَغَهُ فِعْلُ ابنِ الزُّبَيْرِ، فقال: أصَابَ السُّنَّةَ (٢٢). قال الخَطَّابِيُّ: وهذا لا يَجُوزُ أن يُحْمَلَ إلَّا على قولِ مَن يَذْهَبُ إلى تَقْدِيمِ الجُمُعَةِ قبلَ الزَّوَالِ، فعلَى هذا يكون ابنُ الزُّبَيْرِ قد صَلَّى الجُمُعَةَ فسَقَطَ العِيدُ، والظُّهْرُ، ولأنَّ الجُمُعَةَ إذا سَقَطَتْ مع تَأَكُّدِها، فالعِيدُ أَوْلَى أن يَسْقُطَ بها، أمَّا إذا قَدَّمَ العِيدَ فإنَّه يَحْتَاجُ إلى أن يُصَلِّيَ الظُّهْرَ في وَقْتِها إذا لم يُصَلِّ الجُمُعَةَ.
стр. 1365
٢٩٧ - مسألة؛ قال: (وتَجِبُ الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَامِعِ فَرْسَخٌ)
هذا في حَقِّ غير أهْلِ المِصْرِ، [أمَّا أهْلُ المِصْرِ] (١) فيَلْزَمُهم كُلَّهم الجُمُعَةُ، بَعُدُوا أو قَرُبُوا. قال أحمدُ: أمَّا أهْلُ المِصْرِ فلا بُدَّ لهم من شُهُودِها، سَمِعُوا النِّداءَ أو لم يَسْمَعُوا؛ وذلك لأن البَلَدَ الواحِدَ بُنِيَ لِلْجُمُعَةِ، فلا فَرْقَ بين القَرِيبِ والبَعِيدِ، ولأنَّ المِصْرَ لا يكادُ يكونُ أكْثَرَ من فَرْسَخٍ، فهو (٢) في مَظِنَّةِ القُرْبِ، فاعْتُبِرَ ذلك. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْيِ، ونحوُه قولُ الشَّافِعِيِّ. فأمَّا غيرُ أهْلِ المِصْرِ، فَمن كان بينه وبين الجامِعِ فَرْسَخٌ فما دون، فعليه الجُمُعَةُ، وإنْ كان أبْعَدَ فلا جُمُعَةَ عليه. وَرُوِيَ نحوُ هذا عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ وهو قولُ مالِكٍ، واللَّيْثِ. وَرُوِيَ عن عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو، قال: الجُمُعَةُ على مَن سَمِعَ النِّدَاءَ. وهذا قولُ الشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ بن عَمْرٍو، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "الجُمُعَةُ على من سَمِعَ النِّدَاءَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣). والأشْبَهُ أنَّه من كَلَامِ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو. ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لِلْأَعْمَى الذي قال: ليس لي قَائِدٌ يَقُودُنِي: "أتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ " قال: نعم. قال: "فأَجِبْ" (٤). ولأنَّ مَن سَمِعَ النِّدَاءَ دَاخِلٌ في عُمُومِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥). وَرُوِيَ عن ابنِ عمرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، والحسنِ، ونَافِعٍ، وعِكْرِمَةَ، والحَكَمِ، وعَطَاءٍ، والأوْزَاعِيِّ، أنَّهم قالوا: الجُمُعَةُ على مَن آوَاهُ اللَّيْلُ إلى أهْلِه؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "الجُمُعَةُ عَلَى مَن آوَاهُ اللَّيْلُ إلى أهْلِه" (٦). وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: لا جُمُعَةَ على مَن كان خارِجَ المِصْرِ؛
стр. 1366
لأنَّ عُثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، صَلَّى العِيدَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثم قال لأهْلِ العَوالِى (٧): مَن أرادَ منكم أن يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفْ، ومن أرادَ أن يُقِيمَ حتى يُصَلِّىَ الجُمُعَةَ فَلْيُقِمْ. ولأنَّهم خَارِجُ المِصْرِ، فأشْبَهَ أهْلَ الحِلَلِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وهذا يَتناوَلُ غيرَ أهْلِ المِصْرِ إذا سَمِعُوا النِّداءَ، وحَدِيثُ عبدِ اللهِ بن عمرٍو، ولأنَّ غيرَ أهْلِ المِصْرِ يَسْمَعُونَ النِّداءَ، وهم من أهْلِ الجُمُعَةِ، فَلَزِمهم السَّعْىُ إليها، كأهْلِ المِصْرِ. وحديثُ أبى هُرَيْرَةَ غيرُ صَحِيحِ، يَرْوِيهِ عبدُ اللَّه بنُ سَعِيدٍ المَقْبُرِىّ، وهو ضَعِيفٌ، قال أحمدُ بنُ الحسنِ (٨): ذَكَرْتُ هذا الحَدِيثَ لأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، فغَضِبَ، وقال: اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ. وإنَّما فَعَلَ أحمدُ هذا، لأنَّه لم يَرَ الحَدِيثَ شَيئًا لحالِ إسْنَادِه. قال ذلك التِّرْمِذِىُّ. وأما تَرْخِيصُ عُثمانَ لأهْلِ العَوَالِى، فلأنَّه إذا اجْتَمَعَ عِيدَانِ اجْتُزِئَ بالعِيدِ، وسَقَطَتِ الجُمُعَةُ عمَّن حَضَرَهُ، علَى ما قَرَّرْناهُ فيما مَضَى. وأما اعْتِبارُ أهْلِ القُرَى بأهْلِ الحِلَلِ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ أهْلَ الْحِلَلِ غيرُ مُسْتَوْطِنِينَ، ولا هم سَاكِنُون بِقَرْيَةٍ، ولا في مَوْضِعٍ جُعِلَ للاسْتِيطانِ. وأما اعْتِبارُ حَقِيقَةِ النِّداءِ فلا يُمْكِنُ؛ لأنَّه قد يكونُ من النَّاسِ الأصَمُّ وثَقِيلُ السَّمْعِ، وقد يكونُ النِّداءُ بين يَدَىِ المِنْبَرِ، فلا يَسْمَعُه إلَّا مَن في الجامِعِ، وقد يكونُ المُؤَذِّنُ خَفِىَّ الصَّوْتِ، أو في يَوْمٍ ذِى رِيحٍ، ويكونُ المُسْتَمِعُ نائِمًا أو مَشْغُولًا بما يَمْنَعُ السَّماعَ، فلا يَسْمَعُ، ويَسْمَعُ مَن هو أَبْعَدُ منه، فيُفْضِى إلى وُجُوبِها على البَعِيدِ دونَ القَرِيبِ، وما هذا سَبِيلُه يَنْبَغِى أن يُقَدَّرَ بِمِقْدَارٍ لا يَخْتَلِفُ، والمَوْضِعُ الذي يُسْمَعُ منه النِّدَاءُ في الغَالِبِ - إذا كان المُنَادِى صَيِّيتًا، في مَوْضِع عالٍ، والرِّيحُ سَاكِنَةٌ، والأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ، والمُسْتَمِعُ سَمِيعٌ غيرُ سَاهٍ ولا
стр. 1367
لَاهٍ - فَرْسَخٌ، أو ما قَارَبَهُ، فَحُدَّ به، واللهُ أعلمُ.
فصل: وأهْلُ القَرْيَةِ لا يَخْلُونَ من حالَيْنِ: إمَّا أن يكونَ بَيْنَهم وبينَ المِصْرِ أكْثَرُ من فَرْسَخٍ، أوْ لا، فإن كان بَيْنَهُم أكْثَرُ من فَرْسَخٍ لم يَجِبْ عليهم السَّعْىُ إليه، وحَالُهم مُعْتَبَرٌ بأنْفُسِهِمِ، فإن كانوا أرْبَعِينَ وَاجْتَمَعَتْ فيهم شَرائِطُ الجُمُعَةِ، فعليهم إقامَتُها، وهم مُخَيَّرُونَ بين السَّعْىِ إلى المِصْرِ، وبين إقامَتِها في قَرْيَتِهِمْ، والأفْضَلُ إقَامَتُها [في قَرْيَتِهم] (٩)؛ لأنَّه متى سَعَى بَعْضُهم أخَلَّ على الباقِينَ الجُمُعَةَ، وإذا أقامُوا حَضَرَها جَمِيعُهم، وفى إقامَتِها بمَوْضِعِهِم تَكْثِيرُ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ. وإن كانوا ممن لا تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم فهم مُخَيَّرُونَ بين السَّعْى إليها، وبين أن يُصَلُّوا ظُهْرًا، والأفْضَلُ السَّعْىُ إليها؛ لِيَنالَ فَضْلَ السَّاعِى إلى الجُمُعَةِ ويَخْرُجَ من الخِلاف. والحالُ الثانِى، أنْ يكونَ بينهم وبين المِصْرِ فَرْسَخٌ فما دُونَ، فيُنْظَرُ فيهم، فإن كانوا أقَلَّ من أرْبَعِينَ فعليهم السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ؛ لما قَدَّمْنا. وإن كانوا ممَّن تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم، وكان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ منهم قَرْيَةً أُخْرَى، لم يَلْزَمْهُم السَّعْىُ إليها، وصَلَّوا في مَكَانِهِم، إذ ليست إحْدَى القَرْيَتَيْنِ بأولَى من الأُخْرَى. وإنْ أحَبُّوا السَّعْىَ إليها، جازَ، والأفْضَلُ أن يُصَلُّوا في مَكانِهِم، كما ذَكَرْنا من قبلُ. وإن سَعَى بَعْضُهم فنَقَصَ عَدَدُ الباقِينَ، لَزِمَهُم السَّعْىُ؛ لئَلَّا يُؤَدِّى إلى تَرْكِ الجُمُعَةِ ممَّن تَجِبُ عليه. وإن كان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ مِصْرًا، فهم مُخَيَّرُونَ أيضًا بين السَّعْىِ إلى المِصْرِ، وبين إقامَةِ الجُمُعَةِ في مَكانِهم، كالتى قَبْلَها. ذَكَرَهُ ابنُ عَقِيلٍ. وعن أحمدَ، أنَّ السَّعْىَ يَلْزَمُهم، إلَّا أن يكونَ لهم عُذْرٌ فيصَلُّونَ جُمُعَةً. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ أهْلَ القَرْيَةِ لا تَنْعَقدُ بهم جُمُعَةُ أهْلِ المِصْرِ، فكان لهم إقامَةُ الجُمُعَةِ في مَكَانِهِم، كما لو سَمِعُوا النِّداءَ من قَرْيَةٍ أُخْرَى، ولأنَّ أهْلَ القُرَى يُقِيمُونَ الجُمَعَ في بِلادِ الإِسلامِ، وإن كانوا قَرِيبًا من
стр. 1368
المِصْرِ، من غيرِ نَكِيرٍ.
فصل: وإذا كان أهْلُ المِصْرِ دُونَ الأرْبَعِينَ، فَجاءَهم أهْلُ القَرْيَةِ، فأقامُوا الجُمُعَةَ في المِصْرِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غيرُ مُسْتَوْطِنِينَ في المِصْرِ، وأهْلُ المِصْرِ لا تَنْعَقِدُ بهم الجُمُعَةُ لِقِلَّتِهِمْ. وإن كان أهْلُ القَرْيَةِ ممَّن تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأَنْفُسِهم لَزِمَ أهْلَ المِصْرِ السَّعْىُ إليهم؛ لأنَّهم مِمَّنْ بينَه وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أقَلُّ مِن فَرْسَخٍ، فَلَزِمَهُم السَّعْىُ إليها، كما يَلْزَمُ أهْلَ القَرْيَةِ السَّعْىُ إلى المِصْرِ إذا أُقِيمَتْ به وكان أهْلُ القَرْيَةِ دُونَ الأرْبَعِينَ. وإنْ كان في كُلِّ واحِدٍ منهما دُونَ الأرْبَعِينَ، لم يَجُزْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في وَاحِدٍ منهما.
فصل: ومَن تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ لا يجوزُ له السَّفَرُ بعد دُخُولِ وَقْتِها. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ. وسُئِلَ الأوْزَاعىُّ عن مُسافِرٍ سَمِعَ (١٠) أذَانَ الجُمُعَةِ، وقد أسْرَجَ دَابَّتَهُ، فقال: لِيَمْضِ في سَفَرِه؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: الجُمُعَةُ لا تَحْبِسُ عن سَفَرٍ (١١). ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ، لَا يُصْحَبُ في سَفَرِه، ولَا يُعَانُ عَلَى حَاجَتِهِ". رَوَاه الدَّارَقُطْنِىُّ في الأفْرَادِ (١٢). وهذا وَعِيدٌ لا يَلْحَقُ بالمُبَاحِ. ولأنَّ الجُمُعَةَ قد وَجَبَتْ عليه، فلم يَجُزْ له الاشْتِغالُ بما يَمْنَعُ منها، كاللَّهْوِ، والتِّجَارَةِ، وما رُوِىَ عن عمرَ، فقد رُوِىَ عن ابْنِه، وعائشةَ، أخْبَارٌ تَدُلُّ على كَراهَةِ (١٣) السَّفَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فتُعارِضُ قولَه،
стр. 1369
ثم نَحْمِلُه على السَّفَرِ قبلَ الوَقْتِ.
فصل: وإن سَافَرَ قبلَ الوَقْتِ، فذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيه ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ: إحْدَاها، المَنْعُ؛ لِحَدِيثِ ابنِ عمرَ. والثَّانِيةَ، الجَوَازُ؛ وهو قولُ الحسنِ، وابْنِ سِيرِينَ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، لِقَوْلِ عمرَ، ولأنَّ الجُمُعَةَ لم تَجِبْ، فلم يَحْرُمِ السَّفَرُ كالليل. والثَّالِثة، يُبَاحُ لِلْجِهَادِ دُونَ غيرِه. وهذا الذي ذَكَرَه القاضي؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ النَبِىَّ ﷺ وَجَّه زَيْدَ بن حَارِثَةَ، وجعفرَ بن أبي طالِبٍ، وعبدَ اللهِ بن روَاحَةَ في جَيْشِ مُؤْتَةَ، فتَخَلَّفَ عبدُ اللهِ، فرَآهُ النَّبِىُّ ﷺ ، فقال: "ما خَلَّفَكَ؟ " قال: الجُمُعَةُ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَرَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللهِ" أو قال: "غُدْوَةٌ، خَيْرٌ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". قال: فرَاحَ مُنْطَلِقًا. رَوَاه الإِمامُ أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (١٤). والأوْلَى الجَوَازُ مُطْلَقًا؛ لأنَّ ذِمَّتَه بَرِيئَةٌ من الجُمُعَةِ فلم يَمْنَعْه من (١٥) إمْكانِ وُجُوبِها عليه كما قبلَ يَوْمِها. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّ الوَقْتَ الذي يَمْنَعُ السَّفَرَ، ويُخْتلَفُ فيما قبلَه، زَوالُ الشَّمْسِ. ولم يُفَرِّق القاضي بين ما قَبْلَ الزَّوَالِ وما بعدَه. ولَعَلَّهُ بَنَى على أنَّ وَقْتَها وَقْتُ العِيدِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أبى الخَطَّابِ علَى (١٦) أن تَقْدِيمَها رُخْصَةٌ على خِلَافِ الأصْلِ، فلم يَتَعَلَّقْ به حُكْمُ المَنْعِ، كَتَقْدِيمِ الآخِرَة من المَجْمُوعَتَيْنِ إلى وَقْتِ الأُولَى.
فصل: وإنْ خافَ المُسافِرُ فَواتَ رُفْقَتِه، جازَ له تَرْكُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّ ذلك من الأعْذارِ المُسْقِطَةِ لِلْجُمُعَةِ والجَمَاعةِ، وسواءٌ كان في بَلَدِه فأرادَ إنْشاءَ السَّفَرِ، أو في غيرِه.
فصل: قال أحمدُ: إنْ شاءَ صَلَّى بعدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، وإن شَاءَ صَلَّى
стр. 1370
أرْبَعًا، وفي رِوايَةٍ: وإن شاءَ سِتًّا، وكان ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ يَرَوْنَ أن يُصَلِّىَ بعدَها أرْبَعًا؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ بَعْدَها أرْبَعًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٧). وعن عليٍّ، وأبى موسى، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وحُمَيْد بن عبدِ الرحمنِ، والثَّوْرِىِّ، أنَّه يُصَلِّى سِتًّا؛ لما رُوِى عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان إذا كان بمَكَّةَ، فصَلَّى الجُمُعَةَ، تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثم تَقَدَّمَ فَصَلَّى أرْبَعًا، وإذا كان في المَدِينَةِ صَلَّى الجُمُعَةَ، ثم رَجَعَ إلى بَيْتِه فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ولم يُصَلِّ في المَسْجِدِ، فَقِيلَ له، فقال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ ذلك. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٨). ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك كُلَّهُ، بِدَلِيلِ ما رُوِىَ من الأخْبارِ، وَرُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّى بعد الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عليه (١٩). وفى لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: وكان لا