← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

لأنَّ عُثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، صَلَّى العِيدَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثم قال لأهْلِ العَوالِى (٧): مَن أرادَ منكم أن يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفْ، ومن أرادَ أن يُقِيمَ حتى يُصَلِّىَ الجُمُعَةَ فَلْيُقِمْ. ولأنَّهم خَارِجُ المِصْرِ، فأشْبَهَ أهْلَ الحِلَلِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وهذا يَتناوَلُ غيرَ أهْلِ المِصْرِ إذا سَمِعُوا النِّداءَ، وحَدِيثُ عبدِ اللهِ بن عمرٍو، ولأنَّ غيرَ أهْلِ المِصْرِ يَسْمَعُونَ النِّداءَ، وهم من أهْلِ الجُمُعَةِ، فَلَزِمهم السَّعْىُ إليها، كأهْلِ المِصْرِ. وحديثُ أبى هُرَيْرَةَ غيرُ صَحِيحِ، يَرْوِيهِ عبدُ اللَّه بنُ سَعِيدٍ المَقْبُرِىّ، وهو ضَعِيفٌ، قال أحمدُ بنُ الحسنِ (٨): ذَكَرْتُ هذا الحَدِيثَ لأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، فغَضِبَ، وقال: اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ. وإنَّما فَعَلَ أحمدُ هذا، لأنَّه لم يَرَ الحَدِيثَ شَيئًا لحالِ إسْنَادِه. قال ذلك التِّرْمِذِىُّ. وأما تَرْخِيصُ عُثمانَ لأهْلِ العَوَالِى، فلأنَّه إذا اجْتَمَعَ عِيدَانِ اجْتُزِئَ بالعِيدِ، وسَقَطَتِ الجُمُعَةُ عمَّن حَضَرَهُ، علَى ما قَرَّرْناهُ فيما مَضَى. وأما اعْتِبارُ أهْلِ القُرَى بأهْلِ الحِلَلِ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ أهْلَ الْحِلَلِ غيرُ مُسْتَوْطِنِينَ، ولا هم سَاكِنُون بِقَرْيَةٍ، ولا في مَوْضِعٍ جُعِلَ للاسْتِيطانِ. وأما اعْتِبارُ حَقِيقَةِ النِّداءِ فلا يُمْكِنُ؛ لأنَّه قد يكونُ من النَّاسِ الأصَمُّ وثَقِيلُ السَّمْعِ، وقد يكونُ النِّداءُ بين يَدَىِ المِنْبَرِ، فلا يَسْمَعُه إلَّا مَن في الجامِعِ، وقد يكونُ المُؤَذِّنُ خَفِىَّ الصَّوْتِ، أو في يَوْمٍ ذِى رِيحٍ، ويكونُ المُسْتَمِعُ نائِمًا أو مَشْغُولًا بما يَمْنَعُ السَّماعَ، فلا يَسْمَعُ، ويَسْمَعُ مَن هو أَبْعَدُ منه، فيُفْضِى إلى وُجُوبِها على البَعِيدِ دونَ القَرِيبِ، وما هذا سَبِيلُه يَنْبَغِى أن يُقَدَّرَ بِمِقْدَارٍ لا يَخْتَلِفُ، والمَوْضِعُ الذي يُسْمَعُ منه النِّدَاءُ في الغَالِبِ - إذا كان المُنَادِى صَيِّيتًا، في مَوْضِع عالٍ، والرِّيحُ سَاكِنَةٌ، والأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ، والمُسْتَمِعُ سَمِيعٌ غيرُ سَاهٍ ولا

стр. 1367

لَاهٍ - فَرْسَخٌ، أو ما قَارَبَهُ، فَحُدَّ به، واللهُ أعلمُ. فصل: وأهْلُ القَرْيَةِ لا يَخْلُونَ من حالَيْنِ: إمَّا أن يكونَ بَيْنَهم وبينَ المِصْرِ أكْثَرُ من فَرْسَخٍ، أوْ لا، فإن كان بَيْنَهُم أكْثَرُ من فَرْسَخٍ لم يَجِبْ عليهم السَّعْىُ إليه، وحَالُهم مُعْتَبَرٌ بأنْفُسِهِمِ، فإن كانوا أرْبَعِينَ وَاجْتَمَعَتْ فيهم شَرائِطُ الجُمُعَةِ، فعليهم إقامَتُها، وهم مُخَيَّرُونَ بين السَّعْىِ إلى المِصْرِ، وبين إقامَتِها في قَرْيَتِهِمْ، والأفْضَلُ إقَامَتُها [في قَرْيَتِهم] (٩)؛ لأنَّه متى سَعَى بَعْضُهم أخَلَّ على الباقِينَ الجُمُعَةَ، وإذا أقامُوا حَضَرَها جَمِيعُهم، وفى إقامَتِها بمَوْضِعِهِم تَكْثِيرُ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ. وإن كانوا ممن لا تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم فهم مُخَيَّرُونَ بين السَّعْى إليها، وبين أن يُصَلُّوا ظُهْرًا، والأفْضَلُ السَّعْىُ إليها؛ لِيَنالَ فَضْلَ السَّاعِى إلى الجُمُعَةِ ويَخْرُجَ من الخِلاف. والحالُ الثانِى، أنْ يكونَ بينهم وبين المِصْرِ فَرْسَخٌ فما دُونَ، فيُنْظَرُ فيهم، فإن كانوا أقَلَّ من أرْبَعِينَ فعليهم السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ؛ لما قَدَّمْنا. وإن كانوا ممَّن تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم، وكان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ منهم قَرْيَةً أُخْرَى، لم يَلْزَمْهُم السَّعْىُ إليها، وصَلَّوا في مَكَانِهِم، إذ ليست إحْدَى القَرْيَتَيْنِ بأولَى من الأُخْرَى. وإنْ أحَبُّوا السَّعْىَ إليها، جازَ، والأفْضَلُ أن يُصَلُّوا في مَكانِهِم، كما ذَكَرْنا من قبلُ. وإن سَعَى بَعْضُهم فنَقَصَ عَدَدُ الباقِينَ، لَزِمَهُم السَّعْىُ؛ لئَلَّا يُؤَدِّى إلى تَرْكِ الجُمُعَةِ ممَّن تَجِبُ عليه. وإن كان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ مِصْرًا، فهم مُخَيَّرُونَ أيضًا بين السَّعْىِ إلى المِصْرِ، وبين إقامَةِ الجُمُعَةِ في مَكانِهم، كالتى قَبْلَها. ذَكَرَهُ ابنُ عَقِيلٍ. وعن أحمدَ، أنَّ السَّعْىَ يَلْزَمُهم، إلَّا أن يكونَ لهم عُذْرٌ فيصَلُّونَ جُمُعَةً. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ أهْلَ القَرْيَةِ لا تَنْعَقدُ بهم جُمُعَةُ أهْلِ المِصْرِ، فكان لهم إقامَةُ الجُمُعَةِ في مَكَانِهِم، كما لو سَمِعُوا النِّداءَ من قَرْيَةٍ أُخْرَى، ولأنَّ أهْلَ القُرَى يُقِيمُونَ الجُمَعَ في بِلادِ الإِسلامِ، وإن كانوا قَرِيبًا من

стр. 1368

المِصْرِ، من غيرِ نَكِيرٍ. فصل: وإذا كان أهْلُ المِصْرِ دُونَ الأرْبَعِينَ، فَجاءَهم أهْلُ القَرْيَةِ، فأقامُوا الجُمُعَةَ في المِصْرِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غيرُ مُسْتَوْطِنِينَ في المِصْرِ، وأهْلُ المِصْرِ لا تَنْعَقِدُ بهم الجُمُعَةُ لِقِلَّتِهِمْ. وإن كان أهْلُ القَرْيَةِ ممَّن تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأَنْفُسِهم لَزِمَ أهْلَ المِصْرِ السَّعْىُ إليهم؛ لأنَّهم مِمَّنْ بينَه وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أقَلُّ مِن فَرْسَخٍ، فَلَزِمَهُم السَّعْىُ إليها، كما يَلْزَمُ أهْلَ القَرْيَةِ السَّعْىُ إلى المِصْرِ إذا أُقِيمَتْ به وكان أهْلُ القَرْيَةِ دُونَ الأرْبَعِينَ. وإنْ كان في كُلِّ واحِدٍ منهما دُونَ الأرْبَعِينَ، لم يَجُزْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في وَاحِدٍ منهما. فصل: ومَن تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ لا يجوزُ له السَّفَرُ بعد دُخُولِ وَقْتِها. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ. وسُئِلَ الأوْزَاعىُّ عن مُسافِرٍ سَمِعَ (١٠) أذَانَ الجُمُعَةِ، وقد أسْرَجَ دَابَّتَهُ، فقال: لِيَمْضِ في سَفَرِه؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: الجُمُعَةُ لا تَحْبِسُ عن سَفَرٍ (١١). ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ، لَا يُصْحَبُ في سَفَرِه، ولَا يُعَانُ عَلَى حَاجَتِهِ". رَوَاه الدَّارَقُطْنِىُّ في الأفْرَادِ (١٢). وهذا وَعِيدٌ لا يَلْحَقُ بالمُبَاحِ. ولأنَّ الجُمُعَةَ قد وَجَبَتْ عليه، فلم يَجُزْ له الاشْتِغالُ بما يَمْنَعُ منها، كاللَّهْوِ، والتِّجَارَةِ، وما رُوِىَ عن عمرَ، فقد رُوِىَ عن ابْنِه، وعائشةَ، أخْبَارٌ تَدُلُّ على كَراهَةِ (١٣) السَّفَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فتُعارِضُ قولَه،

стр. 1369

ثم نَحْمِلُه على السَّفَرِ قبلَ الوَقْتِ. فصل: وإن سَافَرَ قبلَ الوَقْتِ، فذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيه ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ: إحْدَاها، المَنْعُ؛ لِحَدِيثِ ابنِ عمرَ. والثَّانِيةَ، الجَوَازُ؛ وهو قولُ الحسنِ، وابْنِ سِيرِينَ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، لِقَوْلِ عمرَ، ولأنَّ الجُمُعَةَ لم تَجِبْ، فلم يَحْرُمِ السَّفَرُ كالليل. والثَّالِثة، يُبَاحُ لِلْجِهَادِ دُونَ غيرِه. وهذا الذي ذَكَرَه القاضي؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ النَبِىَّ ﷺ وَجَّه زَيْدَ بن حَارِثَةَ، وجعفرَ بن أبي طالِبٍ، وعبدَ اللهِ بن روَاحَةَ في جَيْشِ مُؤْتَةَ، فتَخَلَّفَ عبدُ اللهِ، فرَآهُ النَّبِىُّ ﷺ ، فقال: "ما خَلَّفَكَ؟ " قال: الجُمُعَةُ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَرَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللهِ" أو قال: "غُدْوَةٌ، خَيْرٌ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". قال: فرَاحَ مُنْطَلِقًا. رَوَاه الإِمامُ أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (١٤). والأوْلَى الجَوَازُ مُطْلَقًا؛ لأنَّ ذِمَّتَه بَرِيئَةٌ من الجُمُعَةِ فلم يَمْنَعْه من (١٥) إمْكانِ وُجُوبِها عليه كما قبلَ يَوْمِها. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّ الوَقْتَ الذي يَمْنَعُ السَّفَرَ، ويُخْتلَفُ فيما قبلَه، زَوالُ الشَّمْسِ. ولم يُفَرِّق القاضي بين ما قَبْلَ الزَّوَالِ وما بعدَه. ولَعَلَّهُ بَنَى على أنَّ وَقْتَها وَقْتُ العِيدِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أبى الخَطَّابِ علَى (١٦) أن تَقْدِيمَها رُخْصَةٌ على خِلَافِ الأصْلِ، فلم يَتَعَلَّقْ به حُكْمُ المَنْعِ، كَتَقْدِيمِ الآخِرَة من المَجْمُوعَتَيْنِ إلى وَقْتِ الأُولَى. فصل: وإنْ خافَ المُسافِرُ فَواتَ رُفْقَتِه، جازَ له تَرْكُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّ ذلك من الأعْذارِ المُسْقِطَةِ لِلْجُمُعَةِ والجَمَاعةِ، وسواءٌ كان في بَلَدِه فأرادَ إنْشاءَ السَّفَرِ، أو في غيرِه. فصل: قال أحمدُ: إنْ شاءَ صَلَّى بعدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، وإن شَاءَ صَلَّى

стр. 1370

أرْبَعًا، وفي رِوايَةٍ: وإن شاءَ سِتًّا، وكان ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ يَرَوْنَ أن يُصَلِّىَ بعدَها أرْبَعًا؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ بَعْدَها أرْبَعًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٧). وعن عليٍّ، وأبى موسى، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وحُمَيْد بن عبدِ الرحمنِ، والثَّوْرِىِّ، أنَّه يُصَلِّى سِتًّا؛ لما رُوِى عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان إذا كان بمَكَّةَ، فصَلَّى الجُمُعَةَ، تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثم تَقَدَّمَ فَصَلَّى أرْبَعًا، وإذا كان في المَدِينَةِ صَلَّى الجُمُعَةَ، ثم رَجَعَ إلى بَيْتِه فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ولم يُصَلِّ في المَسْجِدِ، فَقِيلَ له، فقال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ ذلك. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٨). ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك كُلَّهُ، بِدَلِيلِ ما رُوِىَ من الأخْبارِ، وَرُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّى بعد الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عليه (١٩). وفى لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: وكان لا

стр. 1371

يُصَلِّى في المَسْجِدِ حتى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ في بَيْتِه. وهذا يَدُلُّ على أنَّه مَهْمَا فَعَلَ من ذلك كان حَسَنًا. قال أحمدُ، في رِوايَةِ عُبَيْدِ اللهِ: ولو صَلَّى مع الإِمامِ، ثم لم يُصَلِّ شَيْئًا حتى صَلَّى العَصْرَ، كان جَائِزًا. قد فَعَلَهُ عِمْرَانُ بنُ حُصَينٍ. وقال، في رِوَايَةِ أبى دَاوُدَ: يُعْجِبُنِى أن يُصَلِّىَ. يَعْنِى بعدَ الجُمُعَةِ. فصل: فأما الصَّلَاةُ قبلَ الجُمُعَةِ، فلا أعْلَمُ فيه إلَّا مَا رُوِىَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَرْكَعُ مِن قبلِ الجُمُعَةِ أرْبَعًا. أخْرَجَه ابنُ مَاجَه (٢٠). ورَوَى عَمْرُو بن سَعِيدِ بن العَاصِ، عن أبِيهِ، قال: كنتُ ألْقَى (٢١) أصْحَابَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فإذا زَالَتِ الشَّمْسُ قَامُوا فَصَلَّوا أَرْبَعًا. قال أبُو بكرٍ: كُنّا نكونُ مع حَبيبِ بن أبي ثَابِتٍ في الجُمُعَةِ، فيقولُ: أزَالَتِ الشَّمْسُ بعدُ؟ [أو يَلْتَفِتُ فيَنْظُرُ] (٢٢)، فإذا زالَتِ الشَّمْسُ، صَلَّى الأرْبَعَ التي قبلَ الجُمُعَةِ. وعن أبي عُبَيْدَةَ، عن عبدِ اللهِ بن مَسعودٍ، أنَّه كان يُصَلِّى قبلَ الجُمُعَةِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وبعدها أرْبَعَ رَكَعَاتٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ (٢٣). فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن أرَادَ الرُّكُوعَ يومَ الجُمُعَةِ أن يَفْصِلَ بينَها وبينَه بِكلامٍ، أو انْتِقالٍ من مَكانِه، أو خُرُوجٍ إلى مَنْزِلِه؛ لما رَوَى السَّائِبُ بن يَزِيدَ ابن أُخْتِ نَمِرٍ (٢٤) قال: صَلَّيْتُ مع مُعَاوِيةَ الجُمُعَةَ في المَقْصُورَةِ، فلما سَلَّمَ الإِمَامُ قُمْتُ في مَقَامِى فصَلَّيْتُ، فلمَّا دَخَلَ أرْسَلَ إلىَّ، فقال: لا تَعُدْ لما فَعَلْتَ، إذا صَلَّيْتَ

стр. 1372

الجُمُعَةَ فلا تَصِلْها بصَلاةٍ، حتى تَتَكَلَّمَ أو تَخْرُجَ، [فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا بذلك، أن لا نُوصِلَ صَلَاةً حتى نَتَكَلَّمَ أو نَخْرُجَ] (٢٥). أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٦). وعن نَافِعٍ، أنَّ ابنَ عمرَ رَأى رَجُلًا يُصَلِّى يَوْمَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ [في مَقَامِهِ] (٢٧)، فَدَفَعَهُ، وقال: أَتُصَلِّى الجُمُعَةَ أرْبَعًا؟ وكان عبدُ اللهِ يُصَلِّى يَوْمَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ في بَيْتِه، ويقول: هكذا فَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ (٢٨). فصل: قال أحمدُ: إذا كانوا يَقرأُون الكِتابَ يَوْمَ الجُمُعَةِ على النَّاسِ بعدَ الصلاةِ، أعْجَبُ إلىَّ أن يسْمَعَ إذا كان فَتْحًا من فُتُوحِ المُسْلِمِينَ، أو كان فيه شَىءٌ مِن أُمُورِ المُسْلِمِينَ فلْيَسْتَمِعْ، وإن كان شيئًا إنَّما فيه ذكرُهم فلا يَسْتَمِعْ. وقال في الذين يُصَلُّونَ في الطُّرُقَاتِ: إذا لم يكن بينهم بابٌ مُغْلَقٌ فلا بَأْسَ. وسُئِلَ عن رَجُلٍ يُصَلِّى خَارِجًا من المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وأبْوَابُ المَسْجِدِ مُغْلَقَةٌ، قال: أرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ. وسُئِلَ عن الرَّجُلِ يُصَلِّى يَوْمَ الجُمُعَةِ وبينَه وبينَ الإِمامِ سُتْرَةٌ. قال: إذا لم يكنْ يَقْدِرُ على غيرِ ذلك. وقال: إذا دَخَلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ في دارٍ في الرَّحْبَةِ، فأغْلَقُوا عليهم البابَ، فلم يَقْدِرُوا أن يَخْرُجُوا، وكانوا يَسْمَعُونَ التَّكْبِيرَ، فإنْ كان البابُ مَفْتُوحًا ويَرَوْنَ النّاسَ، كان جَائِزًا، ويُعِيدُونَ الصلاةَ إذا كان مُغْلَقًا؛ لأنَّ هؤلاءِ لم يكونُوا مع صلاةِ الإِمامِ. وهذا، واللَّه أعلمُ، لأنَّهم إذا كانوا في دَارٍ ولم يَرَوا الإِمامَ، كانوا مُتَحَيِّزِينَ عن الجَماعَةِ، فإذا اتَّفَقَ مع ذلك عَدَمُ

стр. 1373

الرُّؤْيَةِ، لم يَصِحَّ. وأمَّا إنْ كانوا في الرَّحْبَةِ أو الطَّرِيقِ، فليْسَ بينهم إلَّا بابُ المَسْجِدِ، ويَسْمَعُونَ حِسَّ الجَماعَةِ، ولم يَفُتْ إلَّا الرُّؤْيَةُ، فلم يَمْنَعْ من الاقْتِداءِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم﴾ السَّجْدَة (٢٩). و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٣٠) نَصَّ عليه أحمدُ؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَقْرَأُ في صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ (٣١). و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (٣٢). رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (٣٣). قال أحمدُ، ﵀: ولا أُحِبُّ أن يُدَاوِمَ عليها، لئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أنَّها مُفَضَّلَةٌ بِسَجْدَةٍ. ويَحْتَمِلُ أن يُسْتَحَبَّ المُداوَمَةُ عليها (٣٤)؛ لأنَّ لَفْظَ الخَبَرِ يَدُلُّ عليها، وكان النَّبِىُّ ﷺ إذا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وداوَم (٣٥) عليه، وكان عَمَلُه دِيمَةً (٣٦).

стр. 1374

بابُ صلاةِ العِيدَيْنِ الأصْلُ في صلاةِ العِيدِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْمَاعُ؛ أمَّا الكِتَابُ فقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣٧). المَشْهُورُ في التَّفْسِيرِ أنَّ المُرَادَ بذلك صلاةُ العِيدِ. وأمَّا السُّنَّةُ فثَبَتَ بالتَّوَاتُرِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّى صلاةَ العِيدَيْنِ. قال ابنُ عَبَّاسٍ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الفِطْرِ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وأبى بكرٍ، وعمرَ، فَكُلُّهم يُصَلِّيها قبلَ الخُطْبَةِ. وعنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى العِيدَ بغير أذَانٍ ولا إقَامَةٍ. مُتَّفَقٌ عليهما (٣٨). وأجْمَعَ المسلمونَ على صَلَاةِ العِيدَيْنِ. وصلاةُ العيدِ فَرْضٌ على الكِفايَةِ، في ظَاهِرِ المذهبِ، إذا قامَ بها مَن يَكْفِى سَقَطَتْ عن الباقِينَ، وإن اتَّفَقَ أهْلُ بَلَدٍ على تَرْكِهَا قَاتَلَهُم الإِمامُ. وبه قال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: هي وَاجِبَةٌ على الأعْيانِ، وليستْ فَرْضًا، لأنَّها صَلَاةٌ شُرِعَتْ لها الخُطْبَةُ، فَكانت وَاجِبَةً على الأعْيانِ وليستْ فَرضًا (٣٩). كالجُمُعَةِ. وقال ابنُ أبى موسى: قيل إنَّها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ غيرُ واجِبَةٍ. وبه قال مالِكٌ، وأكْثَرُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ لِلْأَعْرابِىِّ حين ذَكَرَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قال: هل

стр. 1375

عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ؟ قال: "لَا إلَّا أنْ تَطَوَّعَ" (٤٠). وقولُه ﵇: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى العَبْدِ [في الْيَوْمِ واللَّيْلَةِ] (٤١) ". الحَدِيث (٤٢). ولأنَّها صَلاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ لم يُشْرَعْ لها أذَانٌ، فلم تَجِب ابْتِداءً بالشَّرْعِ، كصلاةِ الاسْتِسْقاءِ والكُسُوفِ. ثم اخْتَلَفُوا، فقال بعضُهم: إذا امْتَنَعَ جَمِيعُ النّاسِ من فِعْلِها قَاتَلَهُم الإِمامُ عليها. وقال بعضُهم: لا يُقَاتِلُهم. ولنَا، على أنَّها لا تَجِبُ على الأعْيانِ، أنَّها لا يُشْرَعُ لها الأذانُ، فلم تَجِبْ على الأعْيانِ، كصلاةِ الجِنازةِ، ولأنَّ الخَبَرَ الذي ذَكَرَه مالِكٌ ومَن وَافَقَهُ يَقْتَضِى نَفْىَ وُجُوبِ صَلَاةٍ سِوَى الخَمْسِ، وإنَّما خُولِفَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، ومن صَلَّى معه، فيَخْتَصُّ بمَن كان مِثْلَهم، ولأنَّها لو وَجَبَتْ على الأعْيانِ لَوَجَبَتْ خُطْبَتُها، وَوَجَبَ اسْتِماعُها كالجُمُعَةِ. ولَنا، على وُجُوبِها في الجُمْلَةِ، أمْرُ اللهِ تعالى بها، بِقَوْلِه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، ومُدَاوَمَةُ النَّبِيِّ ﷺ على فِعْلِها، وهذا دَلِيلُ الوُجُوبِ. ولأنَّها من أعْلامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، فكانت وَاجِبَةً كالجُمُعَةِ، ولأنَّها لو لم تَجِبْ لم يَجِبْ قِتَالُ تَارِكِيها (٤٣)، كسَائِرِ السُّنَنِ، يُحَقِّقُه أنَّ القِتالَ عُقُوبَةٌ لا تَتَوَجَّهُ إلى تارِكِ مَنْدُوبٍ كالقَتْلِ والضَّرْبِ. فأمَّا حَدِيثُ الأعْرَابِىِّ فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّ الأَعْرابَ لا تَلْزَمُهُم الجُمُعَةُ، لِعَدَمِ الاسْتِيطانِ، فالعِيدُ أوْلَى. والحَدِيثُ الآخَرُ مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنَاهُ، على أنَّه إنَّما صَرَّحَ بِوُجُوبِ الخَمْسِ، وخَصَّهَا بالذِّكْرِ، لتأكُّدِها (٤٤) وَوُجُوبِها على الأعْيانِ، وَوُجُوبِها على الدَّوامِ، وتَكَرُّرِهَا في كل يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وغيرُها يَجِبُ نَادِرًا ولِعَارِضٍ، كصلاةِ الجِنازَةِ والمَنْذُورَةِ والصلاةِ

стр. 1376

المُخْتَلَف فيها، فلم يَذْكُرْها، وقِيَاسُهم لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كَوْنَها ذاتَ رُكُوعٍ وسُجُودٍ لا أثَرَ له، بِدَلِيلِ أنَّ النَّوافِلَ كُلَّها فيها رُكُوعٌ وسُجُودٌ، وهى غيرُ واجِبَةٍ، فيَجِبُ حَذْفُ هذا الوَصْفِ، لِعَدَمِ أثَرِه، ثم يُنْقَضُ قِيَاسُهم بِصلاةِ الجِنازةِ، ويَنْتَقِضُ على كلِّ حالٍ بالمَنْذُورَةِ. ٢٩٨ - مسألة؛ قال: (ويُظْهِرُونَ التَّكْبِيرَ في لَيَالِى العِيدَيْنِ، وهُوَ فِي الْفِطْرِ آكَدُ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)) وجملتُه أنَّه يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ إظْهارُ التَّكْبِيرِ في لَيْلَتَىِ العِيدَيْنِ في مَساجِدِهم ومَنازِلِهم وطُرُقِهم، مُسافِرِينَ كانُوا أو مُقِيمِينَ، لِظَاهِرِ الآيةِ المَذْكُورَة. قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ في تَفْسِيرِها: لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ رمضانَ، ولِتُكَبِّرُوا اللهَ عند إكْمالِه على ما هَدَاكُمْ. ومعنى إظْهارِ التَّكْبِيرِ رَفْعُ الصَّوْتِ به، واسْتُحِبَّ ذلك لما فيه من إظْهَارِ شَعَائِر الإِسلامِ، وتَذْكِيرِ الغَيْرِ، وكان ابنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ في قُبَّتِه (٢) بِمِنًى، يَسْمَعُه أهْلُ المَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، ويُكَبِّرُ أهْلُ الأَسْوَاقِ، حتى ترتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا (٣). قال أحمدُ: كان ابنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ في العِيدَيْنِ جَمِيعًا، ويُعْجِبُنا ذلك. واخْتُصَّ الفِطْرُ بمَزِيدِ تَأْكِيدٍ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فيه، وليس التَّكْبِيرُ وَاجِبًا. وقال دَاوُدُ: هو وَاجِبٌ في الفِطْرِ؛ لظَاهِرِ الآيةِ. ولَنا، أنَّه تَكْبِيرٌ في عِيدٍ، فأشْبَهَ تَكْبِيرَ الأضْحَى، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، ولم يَرِدْ من الشَّرْعِ إيجَابُه، فَيَبْقَى على الأصْلِ، والآيةُ ليس فيها أمْرٌ، إنَّما أخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عن إرادَتِه، فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ

стр. 1377

الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُكَبِّرَ في طَرِيقِ العِيدِ، ويَجْهَرَ بالتَّكْبِيرِ. قال ابنُ أبي موسى: يُكَبِّرُ النَّاسُ في خُرُوجِهم من مَنازِلِهم لِصلاتَىِ العِيدَيْنِ جَهْرًا، حتى يَأْتِىَ الإِمامُ المُصَلَّى، ويُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِ الإِمامِ في خُطْبَتِه، ويُنْصِتُونَ فيما سِوَى ذلك. قال سَعِيدٌ: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بن عمرَ، عن نافِعٍ، عن ابْنِ عمرَ، أنَّه كان إذا خَرَجَ من بَيْتِه إلى العِيدِ كَبَّرَ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى (٤). وَرُوِىَ ذلك عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وعبدِ الرحمنِ ابن أبي لَيْلَى، واخْتُلِف فيه عن إبراهيمَ. فصل: قال القاضي: التَّكْبِيرُ في الأضْحَى مُطْلَقٌ ومُقَيَّدٌ؛ فالمُقَيَّدُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ. والمُطْلَقُ في كلِّ حالٍ في الأسْواقِ، وفى كلِّ زَمانٍ. وأما الفِطْرُ فَمَسْنُونُه مُطْلَقٌ غيرُ مُقَيَّدٍ، على ظاهِرِ كلامِ أحمدَ. وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُكَبَّرُ من غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ الفِطْرِ إلى خُرُوجِ الإِمامِ إلى الصلاةِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وفى الأُخْرَى إلى فَرَاغِ الإِمامِ مِن الصلاةِ. ٢٩٩ - مسألة؛ قال: (فإذا أَصْبَحُوا تَطَهَّرُوا) وجُمْلَتُه أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يَتَطَهَّرَ بالغُسْلِ لِلْعِيدِ، وكان ابنُ عمرَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ، وَرُوِىَ ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، وبه قال عَلْقَمَةُ، وعُرْوَةُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وقَتَادَةُ، وأبو الزِّنَادِ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، والْفَاكِهُ بنُ سَعْدٍ (١)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَغْتَسِلُ

стр. 1378

يَوْمَ الفِطْرِ والأضْحَى (٢). وَرُوِىَ أيضًا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال في جُمُعَةٍ من الجُمَعِ: "إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَه اللهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا، ومَنْ كَانَ عِنْدَه طِيبٌ فَلَا يَضُرُّه أنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وعَلَيْكُمْ بالسِّوَاكِ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٣). فعَلَّل [هذه الأشياء بِكَوْن] (٤) الجُمُعَةِ عِيدًا. ولأنَّه يَوْمٌ يَجْتَمِعُ النَّاسُ فيه لِلصَّلَاةِ، فاسْتُحِبَّ الغُسْلُ فيه، كيَوْمِ الجُمُعَةِ، وإن اقْتَصَرَ على الوُضُوءِ أجْزَأَهُ؛ لأنَّه إذا لم يَجِب الغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ مع الأمْرِ به فيها، فغيرُها أوْلَى. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَنَظَّفَ، ويَلْبَسَ أحْسَنَ ما يَجِدُ، ويَتَطَيَّبَ، ويَتَسَوَّكَ، كما ذَكَرْنا في الجُمُعَةِ، لما ذَكَرْنا من الحَدِيثِ. وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةً من إسْتَبْرَق في السُّوقِ، فأخَذَها، فأتَى بها النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ابْتَعْ هذه تَتَجَمَّلْ بها في العِيدَيْنِ والوَفْدِ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّما هذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُمْ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وهذا يَدُلُّ على أنَّ التَّجَمُّلَ عندَهم في هذه المَوَاضِع كان مَشْهُورًا. ورَوَى ابنُ [عبد البَرِّ، بإسْنَادِه عن جِابِرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يقيم ويلْبَسُ بُرْدَه] (٦) الأحْمَرَ في العِيدَيْنِ والجُمُعَةِ. [و] (٧) بإسْنَادِه عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ في العِيدَيْنِ بُرْدَةً حِبَرَةً. (٨)

стр. 1379

وبإسْنَادِه عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَا عَلَى أَحَدِكُم أنْ يَكُونَ لَه ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَىْ مَهْنَتِه (٩) لِجُمُعَتِه وعِيدِه" (١٠). وقال مالِكٌ: سَمِعْتُ أهْلَ العِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ الطِّيبَ والزِّينَةَ في كل عِيدٍ، والإِمامُ بذلك أحَقُّ؛ لأنَّه المَنْظُورُ إليه مِن بَيْنِهم، إلَّا أنَّ المُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ له الخُرُوجُ في ثِيابِ اعْتِكافِه، لِيَبْقَى عليه أثَرُ العِبادَةِ والنُّسْكِ. وقال أحمدُ، في رِوَايَةِ المَرُّوذِىِّ: طَاوُسٌ كان يَأْمُرُ بِزِينَةِ الثِّيابِ، وعَطاءٌ قال: هو يَوْمُ التَّخَشُّعِ. وأسْتَحْسِنُهما جَمِيعًا. وذَكَرَ اسْتِحْبابَ خُرُوجِه في ثِيَابِ اعْتِكافِه في غيرِ هذا المَوْضِعِ. فصل: وَوَقْتُ الغُسْلِ بعد طُلُوعِ الفَجْرِ في ظاهِرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ، لِقَوْلِه: "فإذَا أَصْبَحُوا تَطَهَّرُوا". قال القاضي، والآمدِىُّ: إن اغْتَسَلَ قبلَ الفَجْرِ لم يُصِبْ سُنَّةَ الاغْتِسالِ؛ لأنَّه غسْلُ الصلاةِ في اليَوْمِ، فلم يَجُزْ قبل الفَجْرِ، كغُسْلِ الجُمُعَةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: المَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه قبلَ الفَجْرِ وبعدَه؛ لأنَّ زَمَنَ العِيدِ أضْيَقُ من وَقْتِ الجُمُعَةِ، فلو وُقِفَ على الفَجْرِ رُبَّما فاتَ، ولأنَّ المَقْصُودَ منه التَّنْظِيفُ، وذلك يَحْصُلُ بالغُسْلِ في اللَّيْلِ، لِقُرْبِهِ من الصلاةِ، والأفْضَلُ أن يكونَ بعد الفَجْرِ، لِيَخْرُجَ من الخِلافِ، ويَكُونَ أبْلَغَ في النَّظَافَةِ، لِقُرْبِه من الصلاةِ. وقولُ الْخِرَقِىِّ: "تَطَهَّرُوا" لم يَخُصَّ به الغُسْلَ، بل هو ظاهِرٌ في الوُضُوءِ، وهو غيرُ مُخْتَصٍّ بما بعدَ الفَجْرِ. ٣٠٠ - مسألة؛ قال: (وأَكَلُوا إنْ كَانَ فِطْرًا) السُّنَّةُ أن يَأْكُلَ في الفِطْرِ قبلَ الصلاةِ، ولا يَأْكُلَ في الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ.

стр. 1380

وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم علىٌّ، وابنُ عَبَّاسٍ، والشَّافِعِىُّ، وغَيْرُهم، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. قال أنَسٌ: كان النَّبِىُّ ﷺ لا يَغْدُو يومَ الفِطْرِ حتى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. رَوَاه البُخَارِىُّ (١). وفي رِوَايَةٍ اسْتَشْهَدَ بها: "وَيَأْكُلُهُنَّ (٢) وَتْرًا" وَرُوِىَ عن بُرَيْدَةَ، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ لا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حتى يُفْطِرَ، ولا يَطْعَمُ يَوْمَ الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ. رَوَاهُ الأثْرَمُ، والتِّرْمِذِىُّ (٣)، ولَفْظُ رِوَايَةِ الأثْرَمِ: "حتى يُضَحِّىَ". ولأنَّ يَوْمَ الفِطْرِ يَوْمٌ حَرُمَ فيه الصِّيَامُ عَقِيبَ وُجُوبِه، فاسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الفِطْرِ، لإِظْهارِ المُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللهِ تعالى، وامْتِثالِ أمْرِه في الفِطْرِ على خِلافِ العادَةِ، والأضْحَى بخِلافِه. ولأنَّ في الأضْحَى شَرَعَ الأُضْحِيةَ، والأكْلَ منها، فاسْتُحِبَّ أن يكون فِطْرُه على شيءٍ منها. قال أحمدُ: والأضْحَى لا يَأْكُل فيه حتى يَرْجِعَ إذا كان له ذِبْحٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أكل مِن ذَبِيحَتِه (٤)، وإذا لم يكنْ له ذِبْحٌ لم يُبالِ أن يَأْكُلَ. فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ على التَّمْرِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يُفْطِرُ عليه، ويَأْكُلُهُنَّ وَتْرًا، [لقولِ أَنَسٍ: ويَأْكُلُهُنَّ وَتْرًا] (٥). ولأنَّ اللَّه تعالى وَتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ، ولأنَّ الصَّائِمَ يُسْتَحَبُّ له الفِطْرُ كذلك.

стр. 1381

٣٠١ - مسألة؛ قال: (ثم غَدَوْا إلَى المُصَلَّى، مُظْهِرِينَ لِلتَّكْبِيرِ) السُّنَّةُ أن يُصَلِّىَ العِيدَ في المُصَلَّى، أمَرَ بذلك علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه. واسْتَحْسَنَهُ الأوْزاعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن الشَّافِعِىِّ: إن كان مَسْجدُ البَلَدِ وَاسِعًا، فالصلاةُ فيه أَوْلَى؛ لأنَّه خَيْرُ البِقَاعِ وأَطْهَرُها، ولذلك يُصَلِّى أَهْلُ مَكَّةَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَخْرُجُ إلى المُصَلَّى ويَدَعُ مَسْجِدَهُ، وكذلك الخُلَفاءُ بعدَه، ولا يَتْرُكُ النَّبِيُّ ﷺ الأفْضَلَ مع قُرْبِه، ويَتَكَلَّفُ فِعْلَ النَّاقِصِ مع بُعْدِه، ولا يَشْرَعُ لأُمَّتِه تَرْكَ الفَضَائِلِ، ولأنَّنا قد أُمِرْنَا باتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ والاقْتِداءِ به، ولا يجوزُ أن يكونَ المَأْمُورُ به هو النَّاقِصَ، والمَنْهِىُّ عنه هو الكَامِلَ، ولم ينْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه صَلَّى العِيدَ بِمَسْجِدِه إلَّا من عُذْرٍ، ولأنَّ هذا إجْماعُ المُسْلِمِينَ، فإنَّ النَّاسَ في كلّ عَصْرٍ ومِصْرٍ يَخْرُجُونَ إلى المُصَلَّى، فَيُصَلُّونَ العِيدَ في المُصَلَّى، مع سَعَةِ المَسْجِدِ وضِيقِه، وكان النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى في المُصَلَّى مع شَرَفِ مَسْجِدِه، وصَلَاةُ النَّفْلِ في البَيْتِ أفْضَلُ منها في المَسْجِدِ مع شَرَفِه، وروينا عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قِيلَ له: قد اجْتَمَعَ في المَسْجِدِ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وعُمْيانُهم فلو صَلَّيْتَ بهم في المَسْجِدِ؟ فقال: أُخَالِفُ السُّنَّةَ إذًا، ولكن نَخْرُجُ إلى المُصَلَّى، وأَسْتَخْلِفُ مَن يُصَلِّى بهم في المَسْجِدِ أرْبَعًا (١). فصل: ويُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذا خَرَجَ أن يُخْلِفَ مَنْ يُصَلِّى بضَعَفةِ النَّاسِ في المَسْجِدِ، كما فَعَلَ عليٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه، فرَوَى هُزَيْلُ بن شُرَحْبِيل (٢)، قال: قِيلَ لعلىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه: لو أَمَرْتَ رَجُلًا يُصَلِّى بضعفةِ النَّاسِ هَوْنًا في المَسْجدِ الأكْبَر؟ قال: إن أَمَرْتُ رَجُلًا يُصَلِّى أمَرْتُه أن يُصَلِّىَ بهم (٣) أرْبَعًا. رَوَاهُ سَعِيدٌ (٤).

стр. 1382

وَرُوِىَ أنه اسْتَخْلَفَ أبا مَسْعُودٍ، فصَلَّ ى بهم في المَسْجِدِ. فصل: وإن كان عُذْرٌ يَمْنَعُ الخُرُوجَ، من مَطرٍ، أو خَوْفٍ، أو غيرِه، صَلَّوْا في الجَامِعِ، كما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّه أصَابَهُم مَطَرٌ في يومِ عِيدٍ، فصلَّى بهم النَّبِيُّ ﷺ صلاةَ العِيد في المَسْجِدِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٥). فصل: يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ إلى العِيد بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ إلَّا الإِمامَ؛ فإنَّه يَتَأَخَّر إلى وَقْتِ الصَّلَاة؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَفْعَلُ كذلك. قال أبو سَعِيدٍ: كان النَّبِىُّ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ والأضْحَى إلى المُصَلَّى، فأَوَّلُ شيءٍ يَبْدَأُ به الصَّلَاةُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). ولأنَّ الإِمامَ يُنْتَظَرُ ولا يَنْتَظِرُ، ولو جاءَ إلى المُصَلَّى وقَعَدَ في مكانٍ مُسْتَتِرٍ عن النّاسِ، فلا بَأْسَ. قال مالِكٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنْ يَخْرُجَ الإِمامُ من مَنْزِلِه قَدْرَ ما يَبْلُغُ مُصَلَّاهُ، وقد حَلَّتِ الصلاة، فأَمَّا غيرُه فَيُسْتَحَبُّ له التَّبْكِيرُ، والدُّنُوُّ من الإِمامِ. لِيَحْصُلَ له أجْرُ التَّبْكِيرِ، وانْتِظَارِ الصَّلَاةِ، والدُّنُوِّ من الإِمَامِ من غيرِ تَخَطِّى رِقَابِ النَّاسِ، ولا أَذَى أَحَدٍ. قال عَطَاءُ بن السَّائِبِ: كان عَبدُ الرحمنِ بن أبي لَيْلَى، وعبدُ اللهِ بن مَعْقِلٍ (٧) يُصَلِّيَانِ الفَجْرَ يَوْمَ العِيد، وعليهما ثِيابُهما، ثم يَتَدَافَعانِ إلى الجَبَّانَةِ، أحَدُهُما يُكَبِّرُ، والآخَرُ يُهَلِّلُ، وَرُوِىُ عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان لا يَخْرُجُ حتى تَخْرُجَ الشَّمْسُ.

стр. 1383

فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ إلى العِيدِ مَاشِيًا، وعليه السَّكِينَةُ والوَقَارُ، كما ذَكَرْنا في الجُمُعَةِ. وممَّن اسْتَحَبَّ المَشْى عمرُ بن عبدِ العزِيزِ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِيُّ والشَّافِعِىُّ، وغَيْرُهم؛ لما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَرْكَبْ في عِيدٍ ولا جِنَازَةٍ (٨). ورَوَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَخْرُجُ إلى العِيدِ مَاشِيًا، ويَرْجِعُ مَاشِيًا. رَوَاه ابنُ مَاجَه (٩). وقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: مِنَ السُّنَّةِ أنْ يَأْتِىَ العِيدَ مَاشِيًا. رَوَاه التِّرْمِذِىُّ (١٠)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وإن كان له عُذْرٌ، وكان مَكانُه بَعِيدًا فرَكِبَ، فلا بَأْسَ. قال أحمدُ، ﵀: نحنُ نَمْشِى ومَكَانُنا قَرِيبٌ، وإن بَعُدَ ذلك عليه فلا بأْسَ أن يَرْكَبَ. قال: حدَّثنا سَعِيدٌ، حدَّثنا الوَلِيد بن مُسْلِمٍ، عن عبدِ اللهِ بن العَلَاءِ بن زَبْرٍ (١١)، أنَّه سَمِعَ عمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ على المِنْبَرِ يومَ الجُمُعَةِ يقول: إن الفِطر غَدًا، فَامْشُوا إلى مُصَلَّاكُم، فإنَّ ذلك كان يُفْعَلُ، ومَن كان من أهْل القُرَى فلْيَرْكَبْ، فإذا جاءَ المَدِينَةَ فَلْيَمْش إلى المُصَلَّى. فصل: ويُكَبِّرُ في طَرِيقِ العِيدِ، ويَرْفَعُ صوْتَه بالتَّكْبِير، وهو مَعْنَى قولِ الْخِرَقِىِّ: "مُظْهِرِينَ لِلتَّكْبِيرِ". قال أحمدُ: يُكَبِّرُ جَهْرًا إذا خَرَجَ من بَيْتِه حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى. رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عمرَ، وأبي أُمَامَةَ، وأبى رُهْمٍ (١٢)، وناسٍ من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ . وهو قولُ عمرَ بن عبدِ العزِيزِ، وأبَان بن عُثمانَ وأبي بكرِ بن محمدٍ. وفَعَلَهُ النَّخَعِىُّ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، وعبدُ الرحمنِ بن أبي لَيْلَى. وبه قال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالِكٌ، وإسْحَاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: يُكَبِّرُ يَوْمَ الأَضْحَى، ولا يُكَبِّرُ يَوْمَ الفِطْرِ؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ سَمِعَ التَّكْبِيرَ

стр. 1384

يَوْمَ الفِطْرِ، فقال: ما شَأْنُ النَّاسِ؟ فقيلَ: يُكَبِّرُونَ. فقال: أمَجَانِين النَّاسُ (١٣)؟ وقال إبراهيمُ: إنَّما يَفْعَلُ ذلك الحَوَّاكُونَ. ولَنا، أنَّه فِعْلُ مَن ذَكَرْنَا من الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، وقَوْلُهم. قال نَافِعٌ: كان ابنُ عمرَ يُكَبِّرُ يَوْمَ العِيدِ في الأضْحَى والفِطْرِ، ويُكَبِّرُ ويَرْفَعُ صَوْتَه (١٤). وقال أبو جَمِيلةَ (١٥): رأَيْتُ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، خَرَجَ يومَ العِيدِ، فلم يَزَلْ يُكَبِّرُ حتى انْتَهى إلى الجَبَّانَةِ (١٦). فأمَّا ابنُ عَبَّاسٍ فكان يقولُ: يُكَبِّرُونَ مع الإِمامِ، ولا يُكَبِّرُونَ وَحْدَهُمْ. وهذا خِلافُ مَذْهَبِهم. وإذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يُكَبِّرُ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى؛ لما ذَكَرْنا عن عليٍّ, رَضِىَ اللهُ عنه وغيرِه. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ في الجَهْرِ بالتَّكْبِيرِ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى، أو حتى يَخْرُجَ الإِمامُ؟ قال: حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى. وقال القاضي: فيه رِوَايَةٌ أُخْرَى: حتى يَخْرُجُ الإِمامُ. فصل: ولا بَأْسَ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلَّى. وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ ذلك. وقد رُوِىَ عن أبي بَكرٍ، وعليٍّ، رضِىَ اللهُ عنهما أنَّهما قالَا: حَقٌّ على كُلِّ ذاتِ نِطاقٍ أن تَخْرُجَ إلى العِيدَيْنِ (١٧). وكان ابنُ عمرَ يُخْرِجُ مَن اسْتَطاعَ من أهْلِه في العِيدَيْنِ (١٨). ورَوَتْ أُمُّ عَطِيَّة، قالت: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ في

стр. 1385

الفِطْرِ والأضْحَى؛ العَوَاتِقَ، وذَوَاتَ الخُدُورِ، فأمَّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصلاةَ، ويَشْهَدْنَ الخَيْرَ، ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ: إحْدَانَا لا يكونُ لها جِلْبَابٌ؟ قال: "لِتُلْبِسْها أُخْتُها مِنْ جِلْبَابِهَا". مُتَّفَقٌ عليه (١٩). وهذا لَفْظُ رِوايَةِ مُسْلِمٍ، ولَفْظُ رِوَايَةِ البُخَارِىِّ، قالتْ: كُنَّا [نُؤْمَرُ أن] (٢٠) نَخْرُجَ يَوْمَ العِيدِ، حتى تَخْرُجَ البِكْرُ من خِدْرِهَا، وحتَّى يَخْرُجَ الحُيَّضُ فيَكُنّ خَلْفَ النَّاسِ، فيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِم، ويَدْعُونَ بدُعَائِهِم، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذلك اليَوْمِ (٢١) وطُهْرَتَه. وعن أُمِّ عَطِيّة، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ نِسَاءَ الأَنْصَارِ في بَيْتٍ، فأرْسَلَ إلينا عمرَ بنَ الخَطَّابِ، فقَامَ على البَابِ، فسَلَّمَ، فرَدَدْنا عليه، فقال: أنا رسولُ رسولِ اللهِ ﷺ إلَيْكُنَّ، وأمَرَنا بالعِيدَيْنِ أنَ نُخْرِجَ فيهما الحُيَّضَ والعُتَّقَ (٢٢)، ولا جُمُعَةَ علينا، ونَهَانَا عن اتِّباعِ الجَنَائِزِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٣). وقال القاضي: ظَاهِرُ كلامِ

стр. 1386

أحمدَ أنَّ ذلك جَائِزٌ غيرُ مُسْتَحَبٍّ. وكَرِهَه النَّخَعِىُّ، ويحيى الأنْصارىُّ، وقالا: لا نَعْرِفُ خُرُوجَ المَرْأةِ في العِيدَيْنِ عِنْدَنا. وكَرِهَهُ سُفيانُ، وابنُ المُباركِ. ورَخَّصَ أهْلُ الرَّأْىِ لِلْمَرْأةِ الكَبِيرَةِ، وكَرِهُوهُ لِلشَّابَّةِ؛ لما في خُرُوجِهِنَّ من الفِتْنَةِ، وقولِ عَائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها: لو رَأَى رَسولُ اللهِ ﷺ ما أَحْدَثَ النِّساءُ لَمَنَعَهُنَّ المَسَاجِدَ، كما مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِى إسْرَائِيلَ (٢٤). وسُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ، وقولُ عائشةَ مُخْتَصٌّ بمن أحْدَثَتْ دُونَ غيرِها، ولا شَكَّ بأنَّ تلك يُكْرَهُ لها الخُرُوجُ، وإنَّما يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الخُرُوجُ غيرَ مُتَطَيِّبَاتٍ ولا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ ولا زِينَةٍ، ولا يَخْرُجْنَ في ثِيَابِ البِذْلَةِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : "ولْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ" (٢٥). ولا يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ، [بل يَكُنَّ نَاحِيَةً منهم] (٢٦). ٣٠٢ - مسألة؛ قال: (فَإذَا حَلَّتِ الصَّلَاةُ، تَقَدَّمَ الْإمَامُ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ) لا خِلافَ بين أهْلِ العِلْمِ في أنَّ صلاةَ العِيدِ مع الإِمامِ رَكْعَتانِ، وفيما تَوَاتَرَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه صَلَّى العِيدَ رَكْعَتَيْنِ، وفَعَلَه الأئِمَّةُ بعدَه إلى عَصْرِنا، لم نَعْلَمْ أحَدًا فَعَلَ غيرَ ذلك، ولا خَالَفَ فيه، وقد قال عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: صَلَاةُ العِيدِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ ، وقد خَابَ من افْتَرَى (١). وقولُه: "حَلَّتِ الصَّلَاةُ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحدَهما، أنَّ معناه إذا دَخَلَ وَقْتُها،

стр. 1387

والصلاةُ ها هُنا صَلَاةُ العِيدِ، وحَلَّتْ من الحُلُولِ كقَوْلِهم: حَلَّ الدَّيْنُ. إذا جَاءَ أجَلُه. والثانِى، مَعْنَاهُ إذا أُبِيحَتِ. الصلاةُ. يَعْنِى النَّافِلَةَ، ومَعْنَاهُ إذا خَرَجَ وَقْتُ النَّهْىِ، وهو إذا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قِيدَ (٢) رُمْحٍ، وحَلَّتْ من الحِلِّ وهو الإِباحةُ، كَقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٣). وهذا المَعْنَى أحْسَنُ، لأنَّ فيه تَفْسِيرًا لِوَقْتِها، وَتَعْرِيفًا له بالوَقْتِ الذي عُرِفَ في مَكانٍ آخَرَ. وعلى القَوْلِ الأَوَّل ليس فيه بَيانٌ لِوَقْتِها، فعلى هذا يكونُ وَقْتُها من حين تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ، إلى أنَ يَقُومَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وذلك ما بين وَقْتَىِ النَّهْىِ عن صلاةِ النَّافِلَةِ. وقال أصحابُ الشَّافِعِىِّ: أوَّلُ وَقْتِها إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ؛ لما رَوَى يَزِيدُ بن خُمَيْرٍ، قال: خَرَجَ عبدُ اللهِ بن بُسْرٍ، صَاحِبُ رسولِ اللهِ ﷺ في يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أو أضْحَى، فأنْكَرَ إبْطاءَ الإِمامِ، وقال: إنَّا كُنَّا قد فَرغْنَا سَاعَتَنا هذه. وذلك حِينَ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ، وابْنُ مَاجَه (٤). ولَنا، ما رَوَى عُقْبةُ بنُ عامِرٍ، قال: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كان رسولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أن نُصَلِّىَ فِيهنَّ، وأن نَقْبُرَ فِيهنَّ مَوْتَانا؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حتى تَرْتَفِعَ (٥). ولأنَّه وَقْتٌ نُهِىَ عن الصلاةِ فيه، فلم يَكُنْ وَقْتًا لِلْعِيدِ، كقَبْلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ومن بَعْدَه لم يُصَلُّوا حتى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، بِدَلِيلِ الإِجْمَاعِ علَى أنَّ الأفْضَلَ فِعْلُها في ذلك الوَقْتِ، ولم يكن النَّبِىُّ ﷺ لِيَفْعَلَ (٦) إلَّا الأَفْضَلَ والأوْلَى، ولو كان لها وَقْتٌ قبلَ ذلك، لَكان تَقْيِيدُه بِطُلُوعِ الشَّمْسِ تَحَكُّمًا بغيرِ نَصٍّ ولا مَعْنَى نَصٍّ، ولا يَجُوزُ التَّوْقِيتُ بالتَّحَكُّمِ. وأمَّا حَدِيثُ عَبدِ اللهِ بن بُسْرٍ، فإنَّه أَنْكَرَ إبْطاءَ الإِمامِ عن وَقْتِها المُجْمَعِ

стр. 1388

عليه، فإنَّه لو حُمِلَ على غيرِ هذا لم يَكُنْ ذلك إبْطاءً، ولا جازَ إنْكارُهُ، ولا يجوزُ أن يُحْمَلَ ذلك علَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك في وَقْتِ النَّهْىِ؛ لأنَّه مَكْرُوهٌ بالاتِّفَاقِ على أن الأفْضَلَ خِلَافُه، ولم يكن النَّبِىُّ ﷺ لِيُدَاوِمَ على المَكْرُوهِ ولا المَفْضُولِ، ولو كان يُدَاوِمُ على الصلاةِ فيه، لَوَجَبَ أن يكونَ هو الأفْضَلَ والأوْلَى، فتَعَيَّنَ حَمْلُه على ما ذَكَرْنا. فصل: ويُسَنُّ تَقْدِيمُ الأَضْحَى لِيَتَّسِعَ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ (٧)، وتَأْخِيرُ الفِطْرِ لِيَتَّسِعَ وَقْتُ إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ. وهَذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا. وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَتَبَ إلى عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: "أنْ أَخِّرْ صَلَاةَ الفِطْرِ، وعَجِّلْ صَلَاةَ الأَضْحَى" (٨). ولأنَّ لِكُلِّ عِيدٍ وَظِيفَةً، فوَظِيفَةُ الفِطْرِ إخْرَاجُ الفِطْرةِ (٩)، وَوَقْتُها قبلَ الصلاةِ، ووَظِيفَةُ الأضْحَى التَّضْحِيَةُ، وَوَقْتُها بعدَ الصلاةِ، وفى تَأْخِيرِ الفِطْرِ وتَقْدِيمِ الأضْحَى تَوْسِيعٌ لِوَظِيفَةِ كُلٍّ منهما. ٣٠٣ - مسألة؛ قال: (بِلَا أَذَانٍ ولَا إقَامَةٍ) ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بخِلَافِه، إلَّا أنَّه رُوِىَ عن ابنِ (١) الزُّبَيْرِ أنَّه أذَّنَ وأقامَ. وقِيلَ: أوَّلُ من أَذَّنَ في العِيدِ ابنُ زِيَادٍ. وهذا دَلِيلٌ على انْعِقَادِ الإِجْماعِ قبلَه، على أنَّه لا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ. وبه قال (٢) مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وقد ثَبَتَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُصَلِّى العِيدَ بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ، فرَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى العِيدَيْنِ بِغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ.

стр. 1389

وعن جابِرٍ مثلُه. مُتَّفَقٌ عليهما (٣). وقال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: صَلَّيْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ العِيدَ غيرَ مَرَّةٍ ولا مَرَّتَيْنِ، بلا أذَانٍ ولا إقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). وعن عَطَاءٍ، قال: أخْبَرَنِي جَابِرٌ أن لا أذانَ يَوْمَ الفِطْرِ حين (٥) يَخْرُجُ الإِمامُ، ولا بعدَ ما يَخْرُجُ الإِمامُ، ولا إقامَةَ، ولا نِداءَ، ولا شىءَ، لا (٦) نِداءَ يَوْمَئِذٍ ولا إقامَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). وقال بعضُ أصْحابِنَا: يُنَادَى لها: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ. وسُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أن تُتَّبَعَ. ٣٠٤ - مسألة؛ قال: (ويَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا بالْحَمْدِ لِلهِ وسُورَةٍ، ويَجْهَرُ بالقِرَاءَةِ) لا نَعْلَمُ خِلافًا بين أهْلِ العِلْمِ في أنَّه يُشْرَعُ قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ وسُورَةٍ في كُلِّ رَكْعَةٍ من صَلَاةِ العِيدِ، وأنَّه يُسَنُّ الجَهْرُ، إلَّا أنَّه رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه كان إذا قَرَأ في العِيدَيْنِ أسْمَعَ مَن يَلِيهِ، ولم يَجْهَرْ ذلك الجَهْرَ (١). وقال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ الجَهْرَ بالقِرَاءَةِ، وفى إخْبارِ من أخْبَرَ بقِراءَةِ النَّبِيِّ

стр. 1390

- ﷺ دَلِيلٌ على أنَّه كان يَجْهَرُ، ولأنَّها صَلَاةُ عِيدٍ، فأَشْبَهَتِ الجُمُعَةَ. ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في الاُولَى بـ ﴿سَبِّحِ﴾ (٢)، وفى الثَّانِيَةِ بالغاشِيَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النُّعْمَانَ بن بَشِيرٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ وفى الجُمُعَةِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. ورُبَّما اجْتَمَعَا في يَوْمٍ واحِدٍ، فقَرَأَ بهما. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). وقال الشَّافِعِىُّ: يَقْرَأُ بـ ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٤). لما رُوِىَ أنَّ عمرَ سَألَ أبا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: ماذا كان رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأْ في الفِطْرِ والأضْحَى؟ فقال: كان يَقْرَأُ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). وقال أبو حنيفةَ: ليس فيه شَىْءٌ مُوَقَّتٌ (٦) وكان ابنُ مسعودٍ يَقْرَأُ بالفَاتِحَةِ وسُورَةٍ مِن المُفَصَّلِ. ومَهْما قَرَأَ به أَجْزَأهُ، وكان حَسَنًا، إِلَّا أنَّ الأَوَّلَ أَحْسَنُ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، عَمِلَ به، وكان ذلك مَذْهَبَه، ولأنَّ في ﴿سَبِّحِ﴾ الحَثَّ على الصلاةِ، وزكاةِ الفِطْرِ. على ما قالَه سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ، في

стр. 1391

تَفْسِيرِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّ ى﴾ (٧) فاخْتُصَّت الفَضِيلَةُ بها، كاخْتِصَاصِ الجُمُعَةِ بِسُورَتِها. فصل: وتكونُ القِراءَةُ بعد التَّكْبِيرِ في الرَّكْعَتَيْنِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وَرُوِىَ ذلك عن أبي هُرَيْرَةَ، وفُقَهَاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ (٨)، وعمرَ بن عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، واللَّيثِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه يُوَالِى بين القِرَاءَتَيْنِ. ومعناه أنَّه (٩) يُكَبِّرُ في الأُولَى قبل القراءَةِ، وفى الثانيةِ بَعْدَها. اخْتَارَها أَبُو بكرٍ. وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وأبي موسى، وأبي مسعودٍ البَدْرِىّ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والثَّوْرِىِّ. وهو قولُ أصْحَابِ الرَّأىِ؛ لما رُوِىَ عن أبي موسى، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَهُ على الجِنَازَةِ. ويُوَالِى بين القِرَاءَتَيْنِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٠). وَرَوَى أبو عائشةَ، جَلِيسٌ لأبي هُرَيْرَةَ، أن سَعِيدَ بن العَاصِ سَأَلَ، أبا موسى وحُذَيْفَةَ: كيف كان رسولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُ في الأضْحَى والفِطْرِ؟ فقال أبو موسى: كان يُكَبِّرُ أَربَعًا تَكْبِيرَه على الجِنازَةِ. فقال حُذَيْفَةُ: صَدَقَ (١١). ولَنا، ما رَوَى كَثِيرُ بن عبدِ اللهِ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَبَّرَ فَى العِيدَيْنِ، في الأُولَى سَبْعًا قبلَ القِرَاءَةِ، وفى الثانيةِ خَمْسًا قبلَ القِرَاءَةِ. رَوَاه الأَثْرَمُ، وابنُ مَاجَه، والتِّرْمِذِىُّ (١٢)، وقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ، وهو أحْسَنُ حديثٍ في

стр. 1392

البابِ. وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُكَبِّرُ في العِيدَيْنِ سَبْعًا وخَمْسًا قبلَ القِرَاءَةِ. رَوَاه أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (١٣). وعن عبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "التَّكْبِيرُ في الْفِطْرِ سَبْعٌ في الأُولَى، وخَمْسٌ في الأخِيرَةِ، والقِرَاءَةُ بَعْدَهُما كِلَيْهِمَا". رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٤)، والأثْرَمُ، وروَاهُ ابنُ مَاجَه (١٤) عن سَعْدٍ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ ﷺ مثلَ ذلك. وحَدِيثُ أبي موسى ضَعِيفٌ. قالَه الخَطَّابِىُّ (١٥) وليس في رِوايَةِ أبي دَاوُدَ أنَّه وَالَى بين القِرَاءَتَيْنِ، ثم نَحْمِلُه على أنَّه وَالَى بين الفَاتِحَةِ والسُّورَةِ، لأنَّ قِراءة (١٦) الرَّكْعَتَيْنِ لا يمكن المُوَالَاةُ بَيْنَهُما؛ لما بَيْنَهُما من الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. ٣٠٥ - مسألة؛ قال: (ويُكَبِّرُ في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، مِنْهَا تَكْبِيرَةُ الافْتِتاحِ) قال أبو عبدِ اللهِ: يُكَبِّرُ في الأُولَى سَبْعًا مع تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، ولا يَعْتَدُّ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ؛ لأنَّ بَيْنهما قِراءَةً، ويُكَبِّرُ في الرَّكْعَةِ الثانيةِ خَمْسَ تَكْبِيراتٍ، ولا يَعْتَدُّ بِتَكْبِيرَةِ النُّهُوضِ، ثم يَقْرَأُ في الثَّانِيَةِ، ثم يُكَبِّرُ ويَرْكَعُ. ورُوِىَ ذلك عن فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ، وعمرَ بن عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ، ومالِكٍ، والمُزَنِىِّ. وَرُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ، وأبى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، ويحيى الأنْصَارِىّ، قالوا: يُكَبِّرُ في الأُولَى سَبْعًا وفى الثانيةِ خَمْسًا. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ،

стр. 1393

وإسحاقُ، إلَّا أنَّهم قالوا: يُكَبِّرُ سَبْعًا في الأُولَى سِوَى تَكْبِيرَةِ الافْتِتاحِ؛ لِقَوْلِ عائشةَ: كان رَسولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُ في العِيدَيْنِ اثْنَتَىْ عَشَرَةَ تَكْبِيرةً، سِوَى تَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ. [رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ] (١) وَرُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، وأَنَسٍ، والمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ: يُكَبِّرُ سَبْعًا سَبْعًا. وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: في الأُولَى والثَّانِيَةِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. واحْتَجُّوا بِحَدِيثَىْ أبي موسى اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهما. ولَنا، أحَاديِثُ كَثِيرٍ، وعَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، وعائشةَ، التي قَدَّمْنَاها. قال ابنُ عبد البَرِّ: قد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ من طُرُقٍ كَثِيرَة حِسَان، أنَّه كَبَّرَ في العِيدِ سَبْعًا في الأُولَى، وخَمْسًا في الثانيةِ. من حَدِيثِ عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو، وابنِ عمرَ، وجابِرٍ، وعائشةَ، وأبي وَاقِدٍ، وعَمْرِو بن عَوْفٍ المُزَنِىِّ، ولم يُرْوَ عنه من وَجْهٍ قَوِيٍّ ولا ضَعِيفٍ خِلافُ هذا، وهو أوْلَى ما عُمِلَ به. وحَدِيثُ عائشةَ المَعْرُوف عنها أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كَبَّرَ في الفِطْرِ والأضْحَى سَبْعًا وخَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَتَىِ الرُّكُوعِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٢). وحَدِيثُ أبي موسى ضَعِيفٌ، يَرْوِيه أبو عائشةَ جَلِيسٌ لأبي هُرَيْرَةَ، وهو غيرُ مَعْرُوفٍ. ٣٠٦ - مسألة؛ قال: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) وجُمْلَتُه أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ يَدَيْهِ في حال تَكْبِيرِه حَسَبَ رَفْعِهما مع تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ. وبه قال عَطَاءٌ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ: لا يَرْفَعُهما فيما عدا تَكْبِيرَةَ الإِحْرامِ؛ لأنَّها تَكْبِيرَاتٌ في أثْناء الصلاةِ، فأشْبَهَتْ تَكْبِيرات السُّجُودِ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَرْفَعُ يَدَيْه مع

стр. 1394

التَّكْبِيرِ (٣). قال أحمدُ: أمَّا أنا فأرَى أنَّ هذا الحدِيثَ يَدْخُلُ فيه هذا كُلُّه. وَرُوِىَ عن عمرَ، أنَّه كان يَرْفَعُ يَدَيْه في كلِّ تَكْبِيرَةٍ في الجِنَازَةِ، وفى العِيدِ. رَوَاهُ الأَثْرَمُ (٤). ولا يُعْرَفُ له مُخَالِفٌ في الصَّحابةِ، ولا يُشْبِهُ هذا تَكْبِيرَ (٥) السُّجُودِ؛ لأنَّ هذه يَقَعُ طَرَفَاها في حالِ القِيامِ، فهى بمَنْزِلَةِ تَكْبِيرَة الافْتِتَاحِ. ٣٠٧ - مسألة؛ قال: (ويَسْتَفْتِحُ في أَوَّلِها، ويَحْمَدُ اللهَ ويُثْنِى عَلَيْهِ، ويُصَلِّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ، وإنْ أحَبَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا، وسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّىِّ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِه وسَلَّمَ. وإن أحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. ويُكَبِّرُ في الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ سِوَى التَّكْبِيرَةِ التي يَقُومُ بِهَا مِنَ السُّجُودِ، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ مع كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) قوله: "يَسْتَفْتِحُ". يَعْنِى يَدْعُو بِدُعاءِ الاسْتِفْتاحِ عَقِيبَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى، ثم يُكَبِّرُ تَكْبِيراتِ العِيدِ، ثم يَتَعَوَّذُ، ثم يَقْرَأُ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ الاسْتِفْتاحَ بَعدَ التَّكْبِيراتِ. اخْتارَها الخَلَّالُ وصَاحِبُه. وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ الاسْتِفْتاحَ تَلِيهِ (١) الاسْتِعاذَةُ، وهى قبلَ (٢) القِراءَةِ. وقال أبو يوسفَ: يَتَعَوَّذُ قبلَ التَّكْبِيرِ؛ لئَلَّا يَفْصِلَ بين الاسْتِفْتاحِ والاسْتِعاذَةِ. ولَنا، أنَّ الاسْتِفْتاحَ شُرِعَ لِيَسْتَفْتِحَ به الصلاةَ، فكان في أوَّلِها كسائِرِ الصَّلَواتِ، والاسْتِعاذَةُ شُرِعَتْ لِلْقِرَاءَةِ، فهى تَابِعَةٌ لها، فتكونُ عندَ الابْتِداء بها؛ لقولِ اللهِ

стр. 1395

تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣). وقد رَوَى أبو سعيدٍ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَتَعَوَّذُ قبلَ القِراءَةِ (٤). وإنَّما جَمَعَ بينهما في سائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لأنَّ القِرَاءَةَ تَلِى الاسْتِفْتاحَ من غير فاصِلٍ، فَلَزِمَ أن يَلِيَهُ ما يكونُ في أوَّلِها، بخِلافِ مَسْألَتِنَا، وأيًّا ما فَعَلَ كان جائِزًا. وإذا فَرَغَ من الاسْتِفْتاحِ حَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، وصَلَّى على النَّبِيِّ ﷺ ، ثم فَعَلَ هذا بين كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ، فإن قال ما ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ فحَسَنٌ؛ لأنَّه يَجْمَعُ ما ذكرْنَاه، وإن قال غيرَه نحوَ أن يقولَ: سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. أو ما شاءَ من الذِّكْرِ، فَجائِزٌ (٥). وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ: يُكَبِّرُ مُتَوَالِيًا، لا ذِكْرَ بينَهَ، لأنَّه لو كان بينَه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لَنُقِلَ، كما نُقِلَ التَّكْبِيرُ، ولأنَّه ذِكْرٌ من جِنْسٍ مَسْنُونٍ، فكان مُتَوَالِيًا، كالتَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. ولَنا، ما رَوَى عَلْقَمَةُ، أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، وأبا موسى، وحُذَيْفَةَ، خَرَجَ عليهم الوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ قبلَ العِيدِ يَوْمًا، فقال لهم: إنَّ هذا العِيدَ قد دَنَا، فكيف التَّكْبِيرُ فيه؟ فقال عبدُ اللهِ: تَبْدَأُ فتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ (٦) بها الصَّلَاةَ، وتَحْمَدُ رَبَّكَ، وتُصَلِّى على النَّبِيِّ ﷺ ، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، [ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك] (٧)، ثم تقرأ تُكَبِّرُ وَتَرْكَعُ، ثم تَقُومُ فتَقْرَأُ وتَحْمَدُ رَبَّكَ، وتُصَلِّى على النَّبِيِّ ﷺ ، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَرْكَعُ.

стр. 1396

فقال حُذَيْفَةُ وأبو موسى: صَدَقَ أبو عبدِ الرحمنِ. رَوَاه الأثْرَمُ، في "سُنَنِه" (٨). ولأنَّها تَكْبِيراتٌ حالَ القِيامِ فاسْتُحِبَّ أن يَتَخَلَّلَها ذِكْرٌ، كتكْبِيراتِ الجِنازَةِ، وتُفارِقُ التَّسْبِيحَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَخْفَى ولا يَظْهَرُ بِخلافِ التَّكْبِيرِ. وقِيَاسُهم مُنْتَقِضٌ بِتَكْبِيرَاتِ الجِنازَةِ. قال القاضي: يَقِفُ بين كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِقَدْرِ آيةٍ، لا طَوِيلَةٍ ولا قَصِيرَةٍ. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ. فصل: والتَّكْبِيرَاتُ والذِّكْرُ بينها سُنَّةٌ، وليس بوَاجِبٍ، ولا تَبْطُلُ الصلاةُ بِتَرْكِه عَمْدًا ولا سَهْوًا، ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا، فإن نَسِىَ التَّكْبِيرَ، وشَرعَ في القِراءَةِ، [لم يَعُدْ إليه. قالَه ابنُ عَقِيلٍ، وهو أحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه سُنَّةٌ، فلم يَعُدْ إليه بعد الشُّرُوعِ في القِراءَةِ] (٩)، كالاسْتِفْتَاحِ. وقال القاضي: فيها وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَعُودُ إلى التَّكْبيرِ. وهو قولُ مالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ، والقولُ الثانِى للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه ذَكَرَهُ في مَحَلِّه، فيأْتِى به كما قبلَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، وهذا لأنَّ مَحَلَّه القِيامُ، وقد ذَكَرَه فيه، فعلى هذا يَقْطَعُ القِرَاءةَ ويُكَبِّرُ، ثم يَسْتَأْنِفُ القِراءَةَ، لأنَّه قَطَعَها مُتَعَمِّدًا بذِكْرٍ طَوِيلٍ. وإن كان المَنْسِىُّ شَيْئًا يَسِيرًا احْتَمَلَ أن يَبْنِىَ؛ لأنَّه لم يَطُلِ الفَضْلُ، أَشْبَهَ ما لو قَطَعَها بقولِ آمِينَ. واحْتَمَلَ أنْ يَبْتَدِئَ؛ لأنَّ مَحَلَّ التَّكْبِيرِ قبل القِرَاءَةِ، ومَحَلَّ القِراءةِ بعدَه، فَيَسْتَأْنِفُها، لِيَأْتِىَ بها بعدَه. وإن ذَكَرَ التَّكْبِيرَ بعد القِرَاءَةِ، فأتَى به، لم يُعِدِ القِرَاءَةَ وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّها وَقَعَتْ مَوْقِعَها. وإنْ لم يَذْكُرْه حتى رَكَعَ، سَقَطَ وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه فاتَ المَحَلَّ. وكذلك المَسْبُوقُ إذا أدْرَكَ الرُكُوعَ، لم يُكَبِّرْ فيه. وقال أبو حنيفةَ: يُكَبِّرُ فيه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ القِيامِ، بدَلِيلِ إدْراكِ الرَّكْعَةِ به. ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مَسْنُونٌ حالَ القِيامِ، فلم يَأْتِ به في الرُّكُوعِ، كالاسْتِفْتاحِ، وقِراءَةِ السُّورَةِ، والقُنُوتِ عندَه، وإنَّما أدْرَكَ الرَّكْعَةِ بإدْراكِه، لأنَّه أدْرَكَ

стр. 1397

مُعْظَمَها، ولم يَفُتْه إلَّا القِيامُ، وقد حَصَلَ منه ما يُجْزِئُ في تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ. فأمَّا المَسْبُوقُ إذا أدْرَكَ الإِمَامَ بعد تَكْبِيرِه، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكَبِّرُ؛ لأنَّه أدْرَكَ مَحَلَّه. ويَحْتَمِلُ أن لا يُكَبِّرَ؛ لأنه مَأْمُورٌ بالإِنْصَاتِ إلى قِراءةِ الإِمامِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنْ كان يَسْمَعُ قِرَاءةَ الإِمامِ أَنْصَتَ، وإن كان بَعِيدًا كَبَّرَ. فصل: وإذا شَكَّ في عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ بَنَى على اليَقِينِ، فإنْ كَبَّرَ ثم شَكَّ هل نَوَى الإِحْرامَ أوْ لا، ابْتَدَأَ الصلاةَ هو ومَن خَلْفَه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ، إلَّا أن يكونَ وَسْوَاسًا، فلا يلْتَفِتْ إليه. وسَائِرُ المَسْأَلَةِ قد سَبَقَ شَرْحُها. ٣٠٨ - مسألة؛ قال: (فإذا سَلَّمَ خَطَبَ بهم خُطْبَتَيْنِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، فَإنْ كَانَ فِطْرًا حَضَّهُمْ عَلَى الصَّدقَةِ، وبَيَّنَ لَهُمْ ما يُخرِجُونَ، وإنْ كَانَ أَضْحَى يُرَغِّبُهُم في الْأُضْحِيَةِ، ويُبَيِّنُ لَهُمْ ما يُضَحَّى بِهِ) وجُمْلَتُه أنَّ خُطْبَتَىِ العِيدَيْنِ بعد الصلاةِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا بين المُسْلِمِينَ، إلَّا عن بَنِى أُمَيَّةَ. وَرُوِىَ عن عثْمَانَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّهما فَعَلَاهُ، ولم يَصِحَّ ذلك عنهما، ولا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ بَنِى أُمَيَّةَ؛ لأنَّه مَسْبُوقٌ بالإِجْماعِ الذي كان قبلَهم، ومُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ الصَّحِيحَة، وقد أُنْكِرَ عليهم فِعْلُهمْ، وَعُدَّ بِدْعَةً ومُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ، فإنَّ ابنَ عمرَ قال: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأَبَا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، كانوا يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قبلَ الخُطْبَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وَرَوَى ابنُ عَبَّاسٍ مِثْلَه. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). ورَوَاهُ عن النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ، ورَوَى طَارقُ بن شِهَابٍ قال: قَدَّمَ

стр. 1398

مَرْوَانُ الخُطْبَةَ قبلَ الصلاةِ فقَامَ رَجُلٌ، فقال: خَالَفْتَ السُّنَّةَ، كانت الخُطْبَةُ بعدَ الصَّلَاةِ. فقال: تُرِكَ ذَاكَ يا أبا فُلَانٍ. فقَامَ أبو سعيدٍ، فقال: أمَّا هذا المُتَكَلِّمُ فقد قَضَى ما عليه، قال لنا رسولُ اللهِ ﷺ : "منْ رَأَى مِنْكُم مُنْكَرًا فلْيُنْكِرْه بِيَدِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ، فَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بقَلْبِهِ، وذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمانِ". رَوَاه أبو دَاوُدَ الطَّيَالِسِىُّ، عن شُعْبَةَ، عن قَيْسِ بن مُسْلِمٍ، عن طَارِقٍ. [ورَوَاهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِه (٣)، ولَفْظُه: "فلْيُغَيِّرْهُ"] (٤). فعلى هذا مَن خَطَبَ قبلَ الصلاةِ فهو كمن لم يَخْطُبْ؛ لأنَّه خَطَبَ في غيرِ مَحَلِّ الخُطْبَةِ، أشْبَهَ ما لو خَطَبَ في الجُمُعَةِ بعدَ الصلاةِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ صِفَةَ الخُطْتَيْنِ كَصِفَةِ خُطْبَتَىِ الجُمُعَةِ، إلَّا أنه يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بِتِسْع تَكْبِيرَاتٍ مُتَوالِياتٍ، والثانيةَ بِسَبْعٍ مُتَوالِياتٍ. قال القاضي: وإن أدْخَلَ بينهما تَهْلِيلًا أو ذِكْرًا فَحَسَنٌ. وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بنُ عَبدِ الرحمنِ، عن أبِيهِ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبدِ اللهِ بن عُتْبَةَ، قال: يُكَبِّرُ الإِمامُ على المِنْبَرِ يَوْمَ العِيدِ قبلَ أن يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثم يَخْطُبُ، وفى الثانيةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ويُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ التَّكْبِيرَ في أضْعافِ خُطْبَتِه. ورَوَى سَعْدٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُكَبِّرُ بينَ أضْعافِ الخُطْبَةِ، يُكْثِرُ التَّكْبِيرَ في خُطْبَتَىِ العِيدَيْنِ. رَوَاه ابنُ مَاجَه (٥)، فإذا كَبَّرَ في أثْناءِ

стр. 1399

الخُطْبَةِ كَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِه. وقد رُوِىَ عن أبي موسى أنَّه كان يُكَبِّرُ يَوْمَ العِيدِ على المِنْبَرِ اثْنَتَيْنِ وأَرْبَعِينَ تَكْبِيرَةً، ويَجْلِسُ بين الخُطْبَتَيْنِ؛ لما رَوَى ابنُ مَاجَه (٦)، بإسْنَادِهِ، عن جَابِرٍ، قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ فِطْرٍ أو أضْحَى، فخَطَبَ قَائِمًا، ثم قَعَدَ قَعْدَةً، ثم قامَ. ويَجْلِسُ عَقِيبَ صُعُودِهِ المِنْبَرَ. وقيل: لا يَجْلِسُ عَقِيبَ صُعُودِهِ؛ لأنَّ الجُلُوسَ في الجُمُعَةِ لِلْأَذَانِ، ولا أذَانَ ها هُنا. فإن كان في (٧) الفِطْرِ أمَرَهُم بِصَدَقَةِ الفِطْرِ، وبَيَّنَ لهم وُجُوبَها، وثَوابَها، وقَدْرَ المُخْرَجِ، وجِنْسَه، وعلى مَن تَجِبُ، والوَقْتَ الذي يُخْرَجُ فيه. وفى الأضْحَى يَذْكُرُ الأُضْحِيَةَ، وفَضْلَها، وأنَّها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وما يُجْزِئُ فيها، وَوَقْتَ ذَبْحها، والعُيُوبَ التي تَمْنَعُ منها، وكَيْفِيَّةَ تَفْرِقَتِها، وما يَقُولُه عنذَ ذَبْحِها؛ لما رُوِىَ عن أبي سَعِيدٍ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ والأَضْحَى إلى المُصَلَّى، فأوَّلُ ما يَبْدَأُ به الصلاةُ، ثم يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقابِلَ النَّاسِ، والنَّاسُ جُلُوسٌ على صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُم ويُوصِيهِم ويَأْمُرُهم، وإنْ كان يُرِيدُ أن يقْطَعَ بَعْثًا قَطَعه، أو يَأْمُرَ بشيءٍ أمَرَ به، ثم يَنْصَرِفُ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ، ورَوَى مُسْلِمٌ نَحْوَه (٨). وعن جابِرٍ، قال: شَهِدْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ الصلاةَ يومَ العِيدِ، فبَدَأ بالصلاةٍ قبلَ الخُطْبَةِ بلا أَذَانٍ ولا إقَامَةٍ، ثم قَامَ مُتَوَكِّئًا على بِلَالٍ، فأمَرَ بِتَقْوَى اللهِ، وحَثَّ على طَاعَتِه، ووَعَظَ النّاسَ فذَكَّرَهم، ثم مَضَى حتى أتَى النِّسَاء فوَعَظَهُنَّ وذَكَّرَهُنَّ. مُتَّفَقٌ عليه (٩).

стр. 1400

وعنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّىَ فَإنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمٍ عَجَّلَه لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ في شَىْءٍ، ومَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَها أُخْرَى، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَقَدْ أصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ" (١٠). فصل: والخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ، لا يَجِبُ حُضُورُها ولا اسْتِماعُها؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ بن السَّائِبِ قال: شَهِدْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ العِيدَ، فلمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قال: "إنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أحَبَّ أن يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، ومَنْ أحَبَّ أنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ". رَوَاه النَّسَائِىُّ، وابنُ مَاجَه، ورَوَاه أبو دَاوُدَ (١١)، وقال: هو مُرْسَلٌ. وإنَّما أُخِّرَتْ عن الصَّلَاةِ واللهُ أَعلَمُ لأنَّها لمَّا كانت غَيْرَ وَاجِبَةٍ جُعِلَتْ في وَقْتٍ يَتَمَكَّنُ مَن أرادَ تَرْكَها مِن تَرْكِها، بخِلَافِ خُطْبَةِ الجُمُعَةِ. والاسْتِماعُ لها أفْضَلُ، وقد رُوِىَ عن الحَسنِ، وابنِ سِيرِينَ، أنَّهما كَرِها الكلامَ يَوْمَ العِيدِ والإِمامُ يَخْطُبُ (١٢). وقال إبراهيمُ: يَخْطُبُ الإِمامُ يَوْمَ العِيدِ قَدْرَ ما يَرْجِعُ النِّسَاءُ إلى بُيُوتِهِنَّ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الجُلُوسُ لِاسْتِماعِ الخُطْبَةِ، لئلَّا

стр. 1401

يَخْتَلِطْنَ بالرِّجالِ. وحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ في مَوْعِظَتِه النِّسَاءَ بعد فَرَاغِه من خُطْبَتِه، دَلِيلٌ على أَنَّهُنَّ لم يَنْصَرِفْنَ قبل فَرَاغِه، وسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ أحَقُّ بالاتِّبَاعِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ قَائِمًا؛ لما رَوَى جَابِرٌ، قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ أو أضْحَى، فخَطَبَ قَائِمًا، ثم قَعَدَ، ثم قَامَ. رَوَاه ابنُ مَاجَه (١٣). ولأنَّها خُطْبَةُ عِيدٍ، فأشْبَهَتْ خُطْبَةَ الجُمُعَةِ. وإن خَطَبَ قاعِدًا فلا بَأْسَ؛ لأنَّها غيرُ وَاجِبَةٍ، فأشْبَهَتْ صَلَاةَ النَّافِلَةِ. وإن خَطَبَ على رَاحِلَتِه فحَسَنٌ. قال سَعِيدٌ: حدَّثنا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنا حُصَيْنٌ، حَدَّثَنَا أبو جَمِيلة، قال: رأيْتُ عليًّا صَلَّى يومَ عِيدٍ، فبَدَأَ بالصَّلَاةِ قبلَ الخُطْبَةِ، ثم خَطَبَ على دَابَّتِه، ورأيتُ عثمانَ بنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ على رَاحِلَتِه، ورأيْتُ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ يَخْطُبُ على رَاحِلَتِه (١٤). ٣٠٩ - مسألة؛ قال: (ولا يَتَنَفَّلُ قبلَ صَلَاةِ العِيدِ (١)، ولا بَعْدَها) وجُمْلَتُه أنَّه يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ قبلَ صلاةِ العِيدِ وبعدَها لِلْإِمامِ والمَأْمُومِ في مَوْضِعِ الصلاةِ، سواءٌ كان في المُصَلَّى أو المَسْجِدِ. وهو مذهبُ ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، وَرُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وبُرَيْدَةَ، وسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، وجابِرٍ، وابنِ أبي أَوْفَى، وقال به شُرَيْحٌ، وعبدُ اللهِ بن مُغَفَّلٍ (٢)، والشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، والضَّحَّاكُ، والقاسِمُ، وسَالِمٌ، ومَعْمَرٌ، وابنُ جُرَيْجٍ، ومَسْرُوقٌ. وقال الزُّهْرِىُّ: لم أسْمَعْ أحَدًا من عُلَمَائِنا يَذْكُرُ أن أحَدًا من سَلَفِ هذه

стр. 1402

الأُمَّةِ كان يُصَلِّى قبلَ تلك الصلاةِ ولا بعدَها. يَعْنِى صلاةَ العِيدِ. وقال: ما صَلَّى قبلَ العِيدِ بَدْرِىٌّ. ونَهَى عنه أبو مسعودٍ البَدْرِىُّ. ورُوِىَ أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ قبلَ العِيدِ، فقال: ما كان هذا يُفْعَلُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ (٣). وقال أحمدُ: أهْلُ المَدِينَةِ لا يَتَطَوَّعُونَ قبلهَا ولا بعدَها، وأهْلُ البَصْرَةِ يَتَطَوَّعُونَ قبلهَا وبعدَها، وأهْلُ الكُوفَة لا يَتَطَوَّعُونَ قبلَها، ويَتَطَوَّعُونَ بعدَها. وهذا قولُ عَلْقَمَةَ، والأَسْوَد، ومُجَاهِدٍ، وابنِ أبي لَيْلَى، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: لا يَتَطَوَّعُ في المُصَلَّى قبلَها ولا بعدَها. وله في المَسْجِدِ رِوايتان: إحْدَاهُما، يَتَطَوَّعُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُم المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ" (٤). وقال الشَّافِعِىُّ: يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ لِلْإِمامِ دون المَأْمُومِ؛ لأنَّ الإِمامَ لا يُسْتَحَبُّ له التَّشَاغُلُ عن الصلاةِ، ولم يُكْرَه لِلْمَأْمُومِ، لأنَّه وقْتٌ لم يُنْهَ عن الصلاةِ فيه، أشْبَهَ ما بعدَ الزَّوَالِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لم يُصَلِّ قَبْلَهما ولا بَعْدَهما. مُتَّفَقٌ عليه (٥). ورَوَى ابنُ عمرَ نحوَه (٦). ولأنَّه

стр. 1403

إجْمَاعٌ كما (٧) ذَكَرْنَاه عن الزُّهْرِيِّ وغيرِه، ونَهَى أصْحابُ رسولِ اللهِ ﷺ عنه، ورَوَوا الحديثَ وعَمِلُوا به، ولأنَّه وَقْتٌ نُهِىَ الإِمامُ عن التَّنَفُّلِ فيه، فكُرِهَ لِلْمَأْمُومِ، كسائِرِ أوْقاتِ النَّهْىِ، وكما قبلَ الصلاةِ عند أبي حنيفةَ، وكما لو كان في المُصَلَّى عند مالِكٍ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ: قال سُليمانُ بنُ حَرْبٍ: إنَّما تَرَكَ النَّبِىُّ ﷺ التَّطوُّعَ لأنَّه كان إمامًا. قال أحمدُ: فالذينَ رَوَوْا هذا عن النَّبِيِّ ﷺ لم يَتَطَوَّعُوا. ثم قال: ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، هُمَا رَاوِيَاهُ، وأخَذَا به. يُشِيرُ واللهُ أعْلَمُ إلى أنَّ عَمَلَ رَاوِى الحَدِيثِ به تَفْسِيرٌ له، وتَفْسِيرُه يُقَدَّمُ على تَفْسِيرِ غيرِه. ولو كانت الكَراهَةُ لِلْإِمامِ كيْلا يَشْتَغِلَ عن الصلاةِ، لاخْتَصَّتْ بما قبلَ الصلاةِ، إذْ لم يَبْقَ بعدَها ما يَشْتَغِلُ به، ولأنَّه تَنَفُّلٌ في المُصَلَّى وَقْتَ صلاةِ العِيدِ فكُرِهَ، كالذى سَلَّمُوه، وقِياسُهُم مُنْتَقِضٌ لِلْإِمامِ، وقد رُوِىَ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُكَبِّرُ في صَلَاةِ العِيدِ سَبْعًا وخَمْسًا، ويقولُ: "لَا صَلَاةَ قَبْلَها وَلَا بَعْدَهَا" (٨). حكَى ابنُ عَقِيلٍ أنَّ الإِمامَ ابنَ بطَّةَ رَوَاهُ بإسْنادِهِ. فصل: قيل لأحمدَ: فإن كان رَجُلٌ يُصَلِّى صَلَاةً في ذلك الوَقْتِ؟ قال: أخَافُ أن يَقْتَدِىَ به بعضُ من يَرَاهُ. يعني لا يُصَلِّى. قال ابنُ عَقِيلٍ: وكَرِهَ أحمدُ أن يتَعَمَّدَ لِقَضَاءِ صَلَاةٍ، وقال: أخَافُ أن يَقْتَدُوا به. فصل: وإنَّما يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ في مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، فأمَّا في غيرِه فلا بَأْسَ به، وكذلك لو خَرَجَ منه، ثم عَادَ إليه بعد الصَّلَاةِ، فلا بَأْسَ بالتَّطَوُّعِ فيه. قال عَبْدُ اللهِ بن أحمدَ: سمعتُ أبي يقولُ: رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُصَلِّ قبلهَا ولا

стр. 1404

بعدَها (٩). ورَأَيْتُه يُصَلِّى بعدَها رَكَعَاتٍ في البَيْتِ، ورُبَّما صَلَّاهَا في الطَّرِيقِ، يَدْخُلُ بعضَ المَساجدِ. وَرُوِىَ عن أبي سَعِيدٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يُصَلِّى قبلَ صلاةِ (١٠) العِيدِ شَيْئًا، فإذا رَجَعَ إلى مَنْزِلِه صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١١). ولأنَّه إنَّما تَرَكَ الصلاةَ في مَوْضِعِ الصلاةِ اقْتِدَاءً بِرسولِ اللهِ ﷺ وأصْحَابِه، ولاشْتِغَالِه بالصلاةِ وانْتِظَارِها، وهذا مَعْدُومٌ في غيرِ مَوْضِعِ الصلاةِ. ٣١٠ - مسألة؛ قال: (وإذا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ مِنْ غَيْرِهِ) وجُمْلَتُه أنَّ الرُّجُوعَ في غيرِ الطَّرِيقِ التي غَدَا منها سُنَّةٌ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. والأصْلُ فيه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَفْعَلُه، قال أبو هُرَيْرَةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ في طَرِيقٍ رَجَعَ في غيرِه (١). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما فَعَلَ هذا قَصْدًا لِسُلُوكِ الأبْعَد في الذَّهابِ لِيَكْثُرَ ثَوابُه وخُطُواتُه إلى الصلاةِ. ويَعُودُ في الأقْرَب لأنَّه أسْهَلُ وهو رَاجِعٌ إلى مَنْزِلِه. وقيل: كان يُحِبُّ أن يَشْهَدَ له الطَّرِيقانِ. وقيل: كان يُحِبُّ المُسَاوَاةَ بين أهْلِ (٢) الطَّرِيقَيْنِ في التَّبَرُّكِ بمُرُورِه بهم، وسُرُورِهم بِرُؤْيَتِه، ويَنْتَفِعُونَ بمَسْألَتِه. وقيل: لِتَحْصُلَ الصَّدَقَةُ ممَّن صَحِبَه على أهْلِ الطَّرِيقَيْنِ من الفُقَراءِ. وقيل: لِتَبَرُّكِ الطَّرِيقَيْنِ بِوَطْئِه عليهما. وفى الجُمْلَةِ الاقْتِداءُ به سُنَّةٌ؛ لاحْتِمالِ بَقاءِ المَعْنَى الذي فَعَلَهُ

стр. 1405

من أجْلِه، ولأنَّه قد يَفْعَلُ الشَّىْءَ لِمَعْنًى ويَبْقَى في حَقِّ غيرِه سُنَّةً، مع زَوالِ المَعْنَى، كالرَّمَلِ والاضْطِبَاعِ في طَوَافِ القُدُومِ، فَعَلَهُ هو وأصْحابُه لإِظْهَارِ الجَلَدَ لِلْكُفَّارِ، وبَقِىَ سُنَّةً بعدَ زَوَالِهم (٣). ولهذا رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: فِيمَ الرَّمَلَانُ الآنَ، ولمن نُبْدِى مَنَاكِبَنا وقد نَفَى اللهُ المُشْرِكِينَ؟ ثم قال مع ذلك: لا نَدَعُ شَيْئا فَعَلْنَاهُ مع رسولِ اللهِ ﷺ (٤). ٣١١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، كصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وإنْ أحَبَّ فَصَلَ بِسَلَامٍ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) . وجُمْلَتُه أنَّ من فَاتَتْهُ صَلَاةُ العِيدِ فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّها فَرْضُ كِفايَةٍ، وقد (١) قامَ بها مَن حَصَلَتِ الكِفَايَةُ به، فإنْ أحَبَّ قَضاءَها فهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ صَلَّاهَا أرْبَعًا، إمَّا بِسَلامٍ واحِدٍ وإمَّا بِسَلامَيْنِ، وَرُوِىَ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ وذلك لما رُوِىَ عن (٢) عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، أنَّه قال: مَنْ فَاتَهُ العِيدُ فَلْيُصَلِّ أرْبَعًا، ومَنْ فاتَتْهُ الجُمُعَةُ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا. وَرُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: إنْ أمَرْتُ رَجُلًا أن يُصَلِّىَ بِضَعَفَةِ النَّاسِ، أمَرْتُه أن يُصَلِّىَ أَرْبَعًا. رَوَاهُما سَعِيدٌ (٣). قال أحمدُ، ﵀: يُقَوِّى ذلك حَدِيثُ عَلِيٍّ، أنَّه أمَرَ رَجُلًا يُصَلِّى بِضَعَفَةِ النَّاسِ أرْبَعًا، ولا يَخْطُبُ (٤). ولأنَّه قَضاءُ صلاةِ عِيدٍ، فكان أرْبَعًا كصَلَاةِ
следующие страницы →