← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

يَخْتَلِطْنَ بالرِّجالِ. وحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ في مَوْعِظَتِه النِّسَاءَ بعد فَرَاغِه من خُطْبَتِه، دَلِيلٌ على أَنَّهُنَّ لم يَنْصَرِفْنَ قبل فَرَاغِه، وسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ أحَقُّ بالاتِّبَاعِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ قَائِمًا؛ لما رَوَى جَابِرٌ، قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ أو أضْحَى، فخَطَبَ قَائِمًا، ثم قَعَدَ، ثم قَامَ. رَوَاه ابنُ مَاجَه (١٣). ولأنَّها خُطْبَةُ عِيدٍ، فأشْبَهَتْ خُطْبَةَ الجُمُعَةِ. وإن خَطَبَ قاعِدًا فلا بَأْسَ؛ لأنَّها غيرُ وَاجِبَةٍ، فأشْبَهَتْ صَلَاةَ النَّافِلَةِ. وإن خَطَبَ على رَاحِلَتِه فحَسَنٌ. قال سَعِيدٌ: حدَّثنا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنا حُصَيْنٌ، حَدَّثَنَا أبو جَمِيلة، قال: رأيْتُ عليًّا صَلَّى يومَ عِيدٍ، فبَدَأَ بالصَّلَاةِ قبلَ الخُطْبَةِ، ثم خَطَبَ على دَابَّتِه، ورأيتُ عثمانَ بنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ على رَاحِلَتِه، ورأيْتُ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ يَخْطُبُ على رَاحِلَتِه (١٤). ٣٠٩ - مسألة؛ قال: (ولا يَتَنَفَّلُ قبلَ صَلَاةِ العِيدِ (١)، ولا بَعْدَها) وجُمْلَتُه أنَّه يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ قبلَ صلاةِ العِيدِ وبعدَها لِلْإِمامِ والمَأْمُومِ في مَوْضِعِ الصلاةِ، سواءٌ كان في المُصَلَّى أو المَسْجِدِ. وهو مذهبُ ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، وَرُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وبُرَيْدَةَ، وسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، وجابِرٍ، وابنِ أبي أَوْفَى، وقال به شُرَيْحٌ، وعبدُ اللهِ بن مُغَفَّلٍ (٢)، والشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، والضَّحَّاكُ، والقاسِمُ، وسَالِمٌ، ومَعْمَرٌ، وابنُ جُرَيْجٍ، ومَسْرُوقٌ. وقال الزُّهْرِىُّ: لم أسْمَعْ أحَدًا من عُلَمَائِنا يَذْكُرُ أن أحَدًا من سَلَفِ هذه

стр. 1402

الأُمَّةِ كان يُصَلِّى قبلَ تلك الصلاةِ ولا بعدَها. يَعْنِى صلاةَ العِيدِ. وقال: ما صَلَّى قبلَ العِيدِ بَدْرِىٌّ. ونَهَى عنه أبو مسعودٍ البَدْرِىُّ. ورُوِىَ أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ قبلَ العِيدِ، فقال: ما كان هذا يُفْعَلُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ (٣). وقال أحمدُ: أهْلُ المَدِينَةِ لا يَتَطَوَّعُونَ قبلهَا ولا بعدَها، وأهْلُ البَصْرَةِ يَتَطَوَّعُونَ قبلهَا وبعدَها، وأهْلُ الكُوفَة لا يَتَطَوَّعُونَ قبلَها، ويَتَطَوَّعُونَ بعدَها. وهذا قولُ عَلْقَمَةَ، والأَسْوَد، ومُجَاهِدٍ، وابنِ أبي لَيْلَى، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: لا يَتَطَوَّعُ في المُصَلَّى قبلَها ولا بعدَها. وله في المَسْجِدِ رِوايتان: إحْدَاهُما، يَتَطَوَّعُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُم المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ" (٤). وقال الشَّافِعِىُّ: يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ لِلْإِمامِ دون المَأْمُومِ؛ لأنَّ الإِمامَ لا يُسْتَحَبُّ له التَّشَاغُلُ عن الصلاةِ، ولم يُكْرَه لِلْمَأْمُومِ، لأنَّه وقْتٌ لم يُنْهَ عن الصلاةِ فيه، أشْبَهَ ما بعدَ الزَّوَالِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لم يُصَلِّ قَبْلَهما ولا بَعْدَهما. مُتَّفَقٌ عليه (٥). ورَوَى ابنُ عمرَ نحوَه (٦). ولأنَّه

стр. 1403

إجْمَاعٌ كما (٧) ذَكَرْنَاه عن الزُّهْرِيِّ وغيرِه، ونَهَى أصْحابُ رسولِ اللهِ ﷺ عنه، ورَوَوا الحديثَ وعَمِلُوا به، ولأنَّه وَقْتٌ نُهِىَ الإِمامُ عن التَّنَفُّلِ فيه، فكُرِهَ لِلْمَأْمُومِ، كسائِرِ أوْقاتِ النَّهْىِ، وكما قبلَ الصلاةِ عند أبي حنيفةَ، وكما لو كان في المُصَلَّى عند مالِكٍ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ: قال سُليمانُ بنُ حَرْبٍ: إنَّما تَرَكَ النَّبِىُّ ﷺ التَّطوُّعَ لأنَّه كان إمامًا. قال أحمدُ: فالذينَ رَوَوْا هذا عن النَّبِيِّ ﷺ لم يَتَطَوَّعُوا. ثم قال: ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، هُمَا رَاوِيَاهُ، وأخَذَا به. يُشِيرُ واللهُ أعْلَمُ إلى أنَّ عَمَلَ رَاوِى الحَدِيثِ به تَفْسِيرٌ له، وتَفْسِيرُه يُقَدَّمُ على تَفْسِيرِ غيرِه. ولو كانت الكَراهَةُ لِلْإِمامِ كيْلا يَشْتَغِلَ عن الصلاةِ، لاخْتَصَّتْ بما قبلَ الصلاةِ، إذْ لم يَبْقَ بعدَها ما يَشْتَغِلُ به، ولأنَّه تَنَفُّلٌ في المُصَلَّى وَقْتَ صلاةِ العِيدِ فكُرِهَ، كالذى سَلَّمُوه، وقِياسُهُم مُنْتَقِضٌ لِلْإِمامِ، وقد رُوِىَ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُكَبِّرُ في صَلَاةِ العِيدِ سَبْعًا وخَمْسًا، ويقولُ: "لَا صَلَاةَ قَبْلَها وَلَا بَعْدَهَا" (٨). حكَى ابنُ عَقِيلٍ أنَّ الإِمامَ ابنَ بطَّةَ رَوَاهُ بإسْنادِهِ. فصل: قيل لأحمدَ: فإن كان رَجُلٌ يُصَلِّى صَلَاةً في ذلك الوَقْتِ؟ قال: أخَافُ أن يَقْتَدِىَ به بعضُ من يَرَاهُ. يعني لا يُصَلِّى. قال ابنُ عَقِيلٍ: وكَرِهَ أحمدُ أن يتَعَمَّدَ لِقَضَاءِ صَلَاةٍ، وقال: أخَافُ أن يَقْتَدُوا به. فصل: وإنَّما يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ في مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، فأمَّا في غيرِه فلا بَأْسَ به، وكذلك لو خَرَجَ منه، ثم عَادَ إليه بعد الصَّلَاةِ، فلا بَأْسَ بالتَّطَوُّعِ فيه. قال عَبْدُ اللهِ بن أحمدَ: سمعتُ أبي يقولُ: رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُصَلِّ قبلهَا ولا

стр. 1404

بعدَها (٩). ورَأَيْتُه يُصَلِّى بعدَها رَكَعَاتٍ في البَيْتِ، ورُبَّما صَلَّاهَا في الطَّرِيقِ، يَدْخُلُ بعضَ المَساجدِ. وَرُوِىَ عن أبي سَعِيدٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يُصَلِّى قبلَ صلاةِ (١٠) العِيدِ شَيْئًا، فإذا رَجَعَ إلى مَنْزِلِه صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١١). ولأنَّه إنَّما تَرَكَ الصلاةَ في مَوْضِعِ الصلاةِ اقْتِدَاءً بِرسولِ اللهِ ﷺ وأصْحَابِه، ولاشْتِغَالِه بالصلاةِ وانْتِظَارِها، وهذا مَعْدُومٌ في غيرِ مَوْضِعِ الصلاةِ. ٣١٠ - مسألة؛ قال: (وإذا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ مِنْ غَيْرِهِ) وجُمْلَتُه أنَّ الرُّجُوعَ في غيرِ الطَّرِيقِ التي غَدَا منها سُنَّةٌ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. والأصْلُ فيه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَفْعَلُه، قال أبو هُرَيْرَةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ في طَرِيقٍ رَجَعَ في غيرِه (١). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما فَعَلَ هذا قَصْدًا لِسُلُوكِ الأبْعَد في الذَّهابِ لِيَكْثُرَ ثَوابُه وخُطُواتُه إلى الصلاةِ. ويَعُودُ في الأقْرَب لأنَّه أسْهَلُ وهو رَاجِعٌ إلى مَنْزِلِه. وقيل: كان يُحِبُّ أن يَشْهَدَ له الطَّرِيقانِ. وقيل: كان يُحِبُّ المُسَاوَاةَ بين أهْلِ (٢) الطَّرِيقَيْنِ في التَّبَرُّكِ بمُرُورِه بهم، وسُرُورِهم بِرُؤْيَتِه، ويَنْتَفِعُونَ بمَسْألَتِه. وقيل: لِتَحْصُلَ الصَّدَقَةُ ممَّن صَحِبَه على أهْلِ الطَّرِيقَيْنِ من الفُقَراءِ. وقيل: لِتَبَرُّكِ الطَّرِيقَيْنِ بِوَطْئِه عليهما. وفى الجُمْلَةِ الاقْتِداءُ به سُنَّةٌ؛ لاحْتِمالِ بَقاءِ المَعْنَى الذي فَعَلَهُ

стр. 1405

من أجْلِه، ولأنَّه قد يَفْعَلُ الشَّىْءَ لِمَعْنًى ويَبْقَى في حَقِّ غيرِه سُنَّةً، مع زَوالِ المَعْنَى، كالرَّمَلِ والاضْطِبَاعِ في طَوَافِ القُدُومِ، فَعَلَهُ هو وأصْحابُه لإِظْهَارِ الجَلَدَ لِلْكُفَّارِ، وبَقِىَ سُنَّةً بعدَ زَوَالِهم (٣). ولهذا رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: فِيمَ الرَّمَلَانُ الآنَ، ولمن نُبْدِى مَنَاكِبَنا وقد نَفَى اللهُ المُشْرِكِينَ؟ ثم قال مع ذلك: لا نَدَعُ شَيْئا فَعَلْنَاهُ مع رسولِ اللهِ ﷺ (٤). ٣١١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، كصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وإنْ أحَبَّ فَصَلَ بِسَلَامٍ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) . وجُمْلَتُه أنَّ من فَاتَتْهُ صَلَاةُ العِيدِ فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّها فَرْضُ كِفايَةٍ، وقد (١) قامَ بها مَن حَصَلَتِ الكِفَايَةُ به، فإنْ أحَبَّ قَضاءَها فهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ صَلَّاهَا أرْبَعًا، إمَّا بِسَلامٍ واحِدٍ وإمَّا بِسَلامَيْنِ، وَرُوِىَ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ وذلك لما رُوِىَ عن (٢) عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، أنَّه قال: مَنْ فَاتَهُ العِيدُ فَلْيُصَلِّ أرْبَعًا، ومَنْ فاتَتْهُ الجُمُعَةُ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا. وَرُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: إنْ أمَرْتُ رَجُلًا أن يُصَلِّىَ بِضَعَفَةِ النَّاسِ، أمَرْتُه أن يُصَلِّىَ أَرْبَعًا. رَوَاهُما سَعِيدٌ (٣). قال أحمدُ، ﵀: يُقَوِّى ذلك حَدِيثُ عَلِيٍّ، أنَّه أمَرَ رَجُلًا يُصَلِّى بِضَعَفَةِ النَّاسِ أرْبَعًا، ولا يَخْطُبُ (٤). ولأنَّه قَضاءُ صلاةِ عِيدٍ، فكان أرْبَعًا كصَلَاةِ

стр. 1406

الجُمُعَةِ، وإن شاءَ أنْ يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ كصلاةِ التَّطَوُّعِ. وهذا قولُ الأَوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ ذلك تَطَوُّعٌ. وإنْ شاءَ صَلَّاهَا على صِفَةِ صلاةِ العِيدِ بِتَكْبِيرٍ. نَقَلَ ذلك عن أحمدَ إسماعِيلُ بن سعيد (٥)، واخْتَارَهُ الجُوزَجَانِىُّ. وهذا قولُ النَّخَعِىِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لما رُوِىَ عن أنَسٍ، أنَّه كان إذا لم يَشْهَد العِيدَ مع الإِمَامِ بالبَصْرَةِ جَمَعَ أهْلَه ومَوَالِيهِ، ثم قامَ عبدُ اللهِ بن أبي عُتْبَةَ مَوْلَاهُ فيُصَلِّى (٦) بهم رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فيهما (٧). ولأنَّه قَضاءُ صَلَاةٍ، فكان على صِفَتِها، كسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ صَلَّاهَا وَحْدَه، وإن شَاءَ في جَمَاعَةٍ. قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ: أَيْنَ يُصَلِّى؟ قال: إن شاءَ مَضَى إلى المُصَلَّى، وإن شاءَ حيثُ شاءَ. فصل: وإن أدْرَكَ الإِمامَ في التَّشَهُّدِ جَلَسَ معه، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يَأْتِى فيهما بالتَّكْبِيرِ؛ لأنَّه أدْرَكَ بعضَ الصلاةِ التي ليستْ مُبْدَلَةً من أرْبَعٍ، فقَضَاها على صِفَتِها كسائِرِ الصَّلَوَاتِ. وإن أدْرَكَهُ في الخُطْبَةِ، فإن كان في المَسْجِدِ صَلَّى تَحِيَّةَ المسجدِ؛ لأنَّها إذا صُلِّيَتْ في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ التي يَجِبُ الإِنْصاتُ لها، ففى خُطْبَةِ العِيدِ أوْلَى، ولا يَكُونُ حُكْمُه في تَرْكِ التَّحِيَّةِ حُكْمَ مَن أدْرَكَ العِيدَ. وقال القاضي: يَجْلِسُ فيَسْتَمِعُ الخُطْبَةَ، ولا يُصَلِّى؛ لئلَّا يَشْتَغِلَ بالصلاةِ عن اسْتِمَاعِ الخُطْبَةِ. وهذا التَّعْلِيلُ يَبْطُلُ بالدَّاخِلِ في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ الدَّاخِلَ بالرُّكُوعِ، مع أنَّ خُطْبَةَ الجُمُعَةِ آكَدُ. فأمَّا إنْ لم يَكنْ في المَسْجِدِ، فإنَّه يَجْلِسُ فيَسْتَمِعُ، ثم إنْ أحَبَّ قَضَى صلاةَ العِيدِ، على ما ذَكَرْناهُ.

стр. 1407

فصل: إذا لم يَعْلَمْ بِيَوْمِ العِيدِ إلَّا بعد زَوالِ الشَّمْسِ، خَرَجَ من الغَدِ، فصَلَّى بهم العِيدَ. وهذا قولُ الأوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وصَوَّبَه الخَطَّابِىُّ. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ أَنَّها لا تُقْضَى. وقال الشَّافِعِىُّ: إن عَلِمَ بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كقولِنا، وإن عَلِمَ بعد الزَّوالِ لم يُصَلِّ؛ لأنَّها صلاةٌ شُرِعَ لها الاجْتِماعُ والخُطْبَةُ، فلا تُقْضَى بعدَ فَوَاتِ وَقْتِها، كصلاةِ الجُمُعَةِ، وإنَّما يُصَلِّيها إذا عَلِمَ بعد غُرُوبِ الشَّمْس؛ لأنَّ العِيدَ هو الغَدُ، لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "فِطْرُكُم يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ، وعَرَفَتُكُم يَوْمَ تُعَرِّفُونَ" (٨). ولَنا، ما رَوَى أبو عُمَيْرِ بن أنَسٍ، عن عُمُومَةٍ له من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّ رَكْبًا جاءُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَشَهِدُوا أنَّهم رَأَوا الهِلَالَ بالأمْسِ، فأمَرَهُم أن يُفْطِرُوا. فإذا أصْبَحُوا أن يَغْدُوا إلى مُصَلَّاهُم. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٩). قال الخَطَّابِىُّ (١٠): سُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أَوْلَى، وحَدِيثُ أبى عُمَيْرٍ صَحِيحٌ، فالمَصِيرُ إليه وَاجِبٌ. ولأنَّها صَلَاةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فلا تَسْقُطُ بِفَواتِ الوَقْتِ، كسَائِرِ الفَرائِضِ، وقِياسُهم على الجُمُعَةِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّها مَعْدُولٌ بها عن الظُّهْرِ بِشَرائِطَ منها الوَقْتُ، فإذا فاتَ واحِدٌ منها رَجع إلى الأصْلِ. فصل: فأمَّا الوَاحِدُ إذا فَاتَتْهُ حتى تَزُولَ الشَّمْسُ، وأحَبَّ قَضاءَها، قَضَاها

стр. 1408

متى أحَبَّ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَقْضِيها إلَّا مِن الغَدِ، قِيَاسًا على المَسْألَةِ التي قبلَها. وهذا لا يَصِحُّ، لأنَّ ما يَفْعَلُه تَطوُّعٌ، فمتى (١١) أحَبَّ أَتَى به، وفارَق ما إذا لم يَعْلَم الإِمامُ والنَّاسُ، لأنَّ النّاسَ تَفَرَّقُوا يَوْمَئِذٍ على أنَّ العِيدَ في الْغَدِ، فلا يَجْتَمِعُونَ إلَّا من الغَدِ، ولا كذلك ها هُنا، فإنَّه لا يَحْتَاجُ إلى اجْتِمَاعِ الجماعةِ، ولأن صلاةَ الإِمامِ هي الصلاةُ الوَاجِبَةُ، التي يُعْتَبَرُ لها شُرُوطُ العِيدِ ومكانُه وصِفَةُ صلاتِه، فاعْتُبِرَ لها الوَقْتُ، وهذا بخِلافِه. فصل: ويُشْتَرَطُ الاسْتِيطانُ لِوُجُوبِها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُصَلِّها في سَفَرِه. ولا خُلَفاؤُه، وكذلك العَدَدُ المُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ؛ لأنَّها صلاةُ عِيدٍ، فأشْبَهَتِ الجمعةَ. وفى إذْنِ الإِمَامِ رِوَايتانِ [أَصَحُّهُما، ليس] (١٢) بِشَرْطٍ، ولا يُشْتَرَطُ شيءٌ من ذلك لِصِحَّتِها، لأنَّها تَصِحُّ من الوَاحِدِ في القَضاءِ. وقال أبو الخَطَّابِ: في ذلك كلِّه رِوَايتانِ. وقال القاضي: كلامُ أحمدَ يَقْتَضِى رِوايَتَيْنِ: إحْدَاهما، لا يُقامُ العِيدُ إلَّا حيثُ تُقامُ الجمعةُ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، إلَّا أنَّه لا يَرَى ذلك إلَّا في مِصْرٍ، لقولِه: لا جُمُعَةَ ولا تَشْرِيقَ إلَّا في مِصْرٍ جامِعٍ (١٣). والثانيةُ، يُصَلِّيها المُنْفَرِدُ والمُسَافِرُ، والعَبْدُ والنِّسَاءُ، على كلِّ حالٍ. وهذا قولُ الحسنِ والشَّافِعىِّ؛ لأنه ليس من شَرْطِها الاسْتِيطانُ، فلم يَكُنْ من شَرْطِهَا الجماعةُ، كالنَّوَافِلِ، إلَّا أنَّ الإِمامَ إذا خَطَبَ مَرَّةً، ثم أرَادُوا أن يُصَلُّوا، لم يخْطُبوا وصَلَّوْا بغيرِ خُطْبَةٍ، كيلا يُؤَدِّىَ إلى تَفْرِيقِ الكَلِمَةِ، والتَّفْصِيلُ الذي ذَكَرْنَاه أوْلَى ما قِيلَ به، إن شاءَ اللهُ تعالى. ٣١٢ - مسألة؛ قال: (ويَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ) لا خِلافَ بين العُلماءِ، ﵏، في أنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ في عِيدِ النَّحْرِ،

стр. 1409

واخْتَلَفُوا في مُدَّتِه، فذَهَبَ إمامُنا، رَضِىَ اللهُ عنه، إلى أنَّه مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ من آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ. وهو قولُ عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وإليه ذَهَبَ الثَّوْرِىُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، والشَّافِعِىُّ في بعضِ أَقْوَالِه. وعن ابنِ مسعُودٍ أنَّه كان يُكَبِّرُ من غَدَاةِ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ (١). وإليه ذَهَبَ عَلْقَمَةُ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ؛ لقولِه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٢) وهى العَشْر، وأجْمَعْنا على أنَّه لا يُكَبِّرُ قبل يَوْمِ عَرَفَةَ، فَيَنْبَغِى أن يُكَبِّرَ يَوْمَ عَرَفَةَ ويَوْمَ النَّحْرِ. وعن ابنِ عمرَ (٣)، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ، أنَّ التَّكْبِيرَ من صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى الصُّبْحِ من آخِرِ أيَّامَ التَّشْرِيقِ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ في المَشْهُورِ عنه؛ لأنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلْحاجِّ، والحاجُّ يَقْطَعُونَ التَّلْبِيَةَ مع أَوَّل حَصاةٍ، ويُكَبِّرُونَ مع الرَّمْىِ، وإنَّما يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، فأوَّلُ صلاةٍ بعد ذلك الظُّهْرُ، وآخِرُ صلاةٍ يُصَلُّونَ بمِنًى الفَجْرُ من اليَوْمِ الثَّالِثِ من أيَّامِ التَّشْرِيقِ. ولَنا، ما رَوَى جَابِرٌ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وأقْبَلَ علينا، فقال: "اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ". ومَدَّ التَّكْبِيرَ إلى العَصْرِ من آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِىُّ مِن طُرُقٍ (٤)، وفى بعضِها: "اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ (٥) وللهِ الحَمْدُ". ولأنَّه إجْمَاعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ مسعودٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، ورَوَى بإسْنَادِه عن عُمَيْرِ (٦)

стр. 1410

ابن سَعِيدٍ، أن عبدَ اللهِ كان يُكَبِّرُ من صلاةِ الغَداةِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ من (٧) يَوْمِ النَّحْرِ، فأتَانَا (٨) عليٌّ بعدَه فَكَبَّرَ مَن غَدَاةِ عَرَفَةَ إلى صَلَاةِ العَصْرِ من آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إله إِلَّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وللهِ الحَمْدُ (٩). قِيلَ لأحمدَ، ﵀: بأىِّ حَدِيثٍ تَذْهَبُ، إلى أنَّ التَّكْبِيرَ من صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ قال: بالإِجْمَاعِ (١٠)، عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ مسعودٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم. ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١١). وهى أيَّامُ التَّشْرِيقِ، فيتعيَّنُ (١٢) الذِّكْرُ في جَمِيعِها. ولأنَّها أَيَّامٌ يُرْمَى فيها، فكان التَّكْبِيرُ فيها كيَوْمِ النَّحْرِ. وقولُه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (١٣). فالمُرَادُ به ذِكْرُ اللهِ تعالى على الهَدايَا والأضَاحِى. ويُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ عندَ رُؤْيَةِ الأَنْعامِ في جَمِيعِ العَشْر، وهذا أوْلَى من قَوْلِهِم وتَفْسِيرِهم؛ لأنَّهم لم يَعْمَلُوا به في كُلِّ العَشْر ولا في أكْثَرِه، وإنْ صَحَّ قَوْلُهم فقد أَمَرَ اللهُ تعالى بالذِّكْرِ في أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ، وهى أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فيُعْمَلُ به أيضًا. وأمَّا المُحْرِمُونَ فإنَّهم يُكَبِّرُونَ من صلاةِ الظُّهْرِ يومَ النَّحْرِ؛ لما ذَكَرُوه، لأنَّهم كانوا مَشْغُولِينَ قبلَ ذلك بالتَّلْبِيَةِ، وغَيْرُهم يَبْتَدِئُ من يَوْمِ عَرَفَةَ؛ لِعَدَمِ المانِعِ في حَقِّهم مع وُجُودِ

стр. 1411

المُقْتَضِى. وقولُهم: إنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لهم في هذا. دَعْوَى مُجَرَّدَة، لا دَلِيلَ عليها، فلا تُسْمَعُ. فصل: وصِفَةُ التَّكْبيرِ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكبَرُ، لا إله إلّا اللهُ، واللهُ أكبَرُ اللهُ أكْبَرُ وللهِ الحَمْدُ. وهذا قولُ عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وابنُ المُبَارَكِ، إلَّا أنَّه زَادَ: على ما هَدَانَا. لِقَوْلِه: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (١٤). وقال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، يقول: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ (١٥) ثَلَاثًا؛ لأنَّ جَابِرًا صَلَّى في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فلما فَرَغَ من صَلَاتِه، قال: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ. وهذا لا يقولُه إلا تَوْقِيفًا، ولأنَّ التَّكْبِيرَ شِعارُ العِيدِ، فكان وَتْرًا، كتَكْبِيرِ الصلاةِ والخُطْبَةِ. ولَنا، خَبَرُ جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ (١٦)، وهو نَصٌّ في كَيْفِيَّةِ التَّكْبِيرِ، وأنَّه قولُ الخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ، وقولُ ابنِ مسعودٍ، وقولُ جَابِرٍ لا يُسْمَعُ مع قولِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا يُقَدَّمُ على قَوْلِ أحَدٍ ممَّن ذَكَرْنا، فكيف قَدَّمُوه على قولِ جَمِيعِهم؟ ولأنَّه تَكْبِيرٌ خَارِجَ الصلاةِ، فكان شَفْعًا، كَتَكْبِيرِ (١٧) الأذَانِ. وقولُهم: إنَّ جَابِرًا لا يَفْعَلُه إلا تَوْقِيفًا. فاسِدٌ؛ لوُجُوهٍ: أحَدُها، أنَّه قد رَوَى خِلاف قَوْلِه، فكيف يَتْرُكُ ما صَرَّحَ به لاحْتِمالِ وُجُودِ ضِدِّهِ؟ الثاني، أنَّه إن كان قَوْلُه تَوْقِيفًا، كان قَوْلُ مَن خَالَفَه تَوْقِيفًا، فكيف قَدَّمُوا الضَّعِيفَ على ما هو أقْوَى منه، مع إمامَةِ مَن خالَفَهُ وفَضْلِهم في العِلْمِ عليه، وكَثْرَتِهم؟ الثالثُ، أنَّ هذا ليس بِمَذْهَبٍ لهم، فإنَّ قَوْلَ الصَّحابِيِّ لا يُحْمَلُ على التَّوْقِيفِ عِنْدَهم. الرابعُ، أنَّه إنَّما يُحْمَلُ على التَّوْقِيفِ ما خالَفَ الأُصُولَ، وذِكْرُ اللهِ تعالى لا يُخالِفُ الأصْلَ، ولا سِيَّما إذا كان وِتْرًا.

стр. 1412

٣١٣ - مسألة؛ قال: (ثم لا يَزَالُ يُكبِّرُ في (١) دَبْرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوَبةٍ صَلَّاهَا في جَمَاعَةٍ، وعن أبي عَبْدِ اللهِ، ﵀، أنَّه يُكَبِّرُ لِصَلَاةِ الفَرْضِ، وإنْ كَانَ وَحْدَه، حَتَّى يُكَبِّرَ لِصَلَاةِ العَصْرِ من آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثم يَقْطَعُ) المَشْرُوعُ عند إمامِنَا، ﵀، التَّكْبِيرُ عَقِيبَ الفَرائِضِ في الجماعاتِ، في المَشْهُورِ عنه. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: أذْهَبُ إلى فِعْلِ ابنِ عمرَ، أنَّه كان لا يُكَبِّرُ إذا صَلَّى وَحْدَه؟ قال أحمدُ: نعم. وقال ابنُ مسعودٍ: إنَّما التَّكْبِيرُ على مَن صَلَّى في جَماعَةٍ. وهذا مذهبُ الثَّوْرِيِّ، وأبى حنيفةَ. وقال مالِكٌ: لا يُكَبِّرُ عَقِيبَ النَّوَافِلِ، ويُكَبِّرُ عَقِيبَ الفَرائِضِ كلِّها. وقال الشَّافِعِيُّ: يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ صلاةٍ، فَرِيضَةً كانت، أو نَافِلَةً، مُنْفَرِدًا صَلَّاهَا، أو في جَمَاعَةٍ؛ لأنَّها صَلَاةٌ مَفْعُولَةٌ، فَيُكَبِّرُ عَقِيبها، كالفَرْضِ في جَماعَةٍ. ولَنا، قولُ ابنِ مسعودٍ، وفِعْلُ ابنِ عمرَ، ولم يُعْرَفْ لهما مُخَالِفٌ في الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا. ولأنَّه ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ العِيدِ. فَاخْتُصَّ بالجَماعَةِ، ولا يَلْزَمُ من مَشْرُوعِيَّتِه لِلْفَرائِضِ مَشْرُوعِيَّتُه لِلنَّوافِلِ، كالأذانِ والإِقامَةِ. وعن أحمدَ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُكَبِّرُ لِلْفَرْضِ، وإنْ كان مُنْفَرِدًا. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مُسْتَحَبٌّ لِلْمَسْبُوقِ، فاسْتُحِبَّ لِلْمُنْفَرِدِ، كالسَّلامِ. فصل: والمُسَافِرُونَ كالمُقِيمِينَ، فيما ذَكَرْنَا، وكذلك النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ في الجَماعَةِ، وفى تَكْبِيرِهِنَّ في الانْفِرادِ رِوَايتانِ كالرِّجالِ. قال ابنُ منصورٍ: قلتُ لأحمدَ، قال سُفْيَانُ: لا يُكَبِّرُ النِّسَاءُ أيَّامَ التَّشْرِيقِ إلَّا في جَماعَةٍ. قال: أحْسَنَ. وقال البُخَارِيُّ (٢): كان (٣) النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أبانَ بن عثمانَ، وعمرَ بن عبدِ العزِيزِ

стр. 1413

ليالىَ التَّشْرِيقِ مع الرِّجَالِ في المسجدِ. ويَنْبَغِى لَهُنَّ أن يَخْفِضْنَ أَصْواتَهُنَّ، حتى لا يَسْمَعَهُنَّ الرِّجَالُ. وعن أحمدَ رِوَايةٌ أخرى، أنَّهُنَّ لا يُكَبِّرْنَ؛ لأنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ يُشْرَعُ فيه رَفْعُ الصَّوْتِ، فلم يُشْرَعْ في حَقِّهِنَّ، كالأذانِ. فصل: والمَسْبُوقُ ببَعْضِ الصلاةِ يُكَبِّرُ إذا فَرَغَ من قَضاءِ ما فاتَه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال الحسنُ: يُكَبِّرُ، ثم يَقْضِى؛ لأنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ في آخِرِ الصَّلَاةِ، فَيَأْتِى (٤) به المَسْبُوقُ قبلَ القَضاءِ، كالتَّشَهُّدِ. وعن مُجَاهِدٍ، ومَكْحُولٍ: يُكَبِّرُ، ثُم يَقْضِى، ثم يُكَبِّرُ لذلك (٥). ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ شُرِعَ بعد السَّلامِ، فلم يَأْتِ به في أثْناء الصلاةِ، كالتَّسْلِيمَةِ الثانيةِ، والدُّعاءِ بعدَها. وإن كان على المُصَلِّى سُجُودُ سَهْوٍ بعدَ السَّلامِ سَجَدَهُ، ثم يُكَبِّرُ (٦). وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا، وذلك لأنَّه سُجُودٌ مَشْرُوعٌ لِلصلاةِ، فكان التَّكْبِيرُ بعدَه، وبعد تَشَهُّدِهِ كسُجُودِ صُلْبِ الصلاةِ، وآخِرُ مُدَّةِ التَّكْبِيرِ العَصْرُ من آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لما ذَكَرْنَاهُ في المَسْألَةِ التي قَبْلَها. فصل: وإذا فاتَتْهُ صلاةٌ من أيَّامِ التَّشْرِيقِ فقَضَاها فيها، فَحُكْمُها حُكْمُ المُؤَدَّاةِ في التَّكْبِيرِ؛ لأنَّها صلاةٌ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ. وكذلك إن فَاتَتْهُ من غير أيَّامِ التَّشْرِيقِ فقَضَاها فيها كذلك. وإن فَاتَتْهُ من أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فقَضَاها في غيرِها، لم يُكَبِّرْ؛ لأنَّ التَّكْبِيرَ مُقَيَّدٌ بالوَقْتِ، فلم يُفْعَلْ في غيرِه، كالتَّلْبِيَةِ. فصل: ويُكَبِّرُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَة. حَكاه أحمدُ عن إبراهيمَ (٧). قال أبو بكرٍ:

стр. 1414

وعليه العَمَلُ. وذلك لأنَّه ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بالصلاةِ، أَشْبَهَ الأَذْانَ والإِقامَةَ. ويَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ كيْفَما شَاءَ، لما رَوَى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقْبَلَ عليهم، فقال: "اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ" (٨). وإنْ نَسِىَ التَّكْبِيرَ حتى خَرَجَ من المَسْجدِ لم يُكَبِّرْ. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه مُخْتَصٌّ بالصلاةِ مِن بعدِها، فأشْبَه سُجُودَ السَّهْوِ. ويَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ، فَاسْتُحِبَّ وإن خَرَجَ وبَعُدَ، كالدُّعَاءِ والذِّكْرِ المَشْرُوعِ بعدَها. وإن ذَكَرَهُ في المسجدِ عادَ إلى مَكانِه، فَجلَسَ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَكَبَّرَ. وقال الشَّافِعِيُّ: يُكَبِّرُ ماشِيًا. وهذا أقْيَسُ؛ لأنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بعدَ الصلاةِ، فأشْبَهَ سائِرَ الذِّكْرِ. قال أصْحابُنا: وإذا أحْدَثَ قبلَ التَّكْبِيرِ لم يُكَبِّرُ، عَامِدًا كان أو سَاهِيًا؛ لأنَّ الحَدَثَ يَقْطَعُ الصلاةَ عَمْدُهُ وسَهْوُهُ. وبالَغَ ابنُ عَقِيلٍ، فقال: إنْ تَرَكَه حتى تَكَلَّمَ، لم يُكَبِّرْ. والأوْلَى إنْ شاءَ اللَّه أنَّه (٩) يُكَبِّرُ؛ لأنَّ ذلك ذِكْرٌ مُنْفَرِدٌ بعد سَلَامِ الإِمامِ، فلا تُشْتَرَطُ له الطَّهَارَةُ، كسائِرِ الذِّكْرِ، ولأنَّ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ إمَّا بِنَصٍّ أو مَعْنَاه، ولم يُوجَدْ ذلك. وإذا نَسِىَ الإِمامُ التَّكْبِيرَ كَبَّرَ المَأْمُومُ. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتْبَعُ الصلاةَ، أشْبَه سائِرَ الذِّكْرِ. فصل: قال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه يُكَبِّرُ عَقِيبَ صلاةِ العِيد، وهو قولُ أبي بكرٍ؛ لأنَّها صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ في جَماعةٍ، فأشْبَهَتِ الفَجْرَ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يُسَنُّ؛ لأنَّها ليستْ من الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، أَشْبَهَتِ النَّوَافِلَ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ هذه الصلاةَ أَخَصُّ بالعِيدِ، فكانت أحَقَّ بِتَكْبِيرِه. فصل: ويُشْرَعُ التَّكْبِيرُ في غيرِ أدْبارِ الصَّلَوَاتِ، وكان ابنُ عمرَ يُكَبِّرُ بمِنًى في تلك الأيَّامِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وعلى فِرَاشِه، وفي فُسْطَاطِه، ومَجْلِسِه، ومَمْشَاهُ،

стр. 1415

تلك الأيَّامِ جَمِيعًا، وكان يُكَبِّرُ في قُبَّتِه بما يَسْمَعُهُ أهْلُ المسجدِ، فَيُكَبِّرُونَ، ويُكَبِّرُ أهْلُ الأسْوَاقِ، حتى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا (١٠). وكذلك يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ في أيَّامِ العَشْرِ كُلِّها؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (١١). كما قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١٢). والأيَّامُ المَعْلُومَاتُ أَيَّامُ العَشْرِ، والمَعْدُودَاتُ أيَّامُ التَّشْرِيقِ. قال البُخَارِيُّ (١٣): وكان ابنُ عمرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، يَخْرُجَانِ إلى السُّوقِ في أيَّامِ العَشْرِ، يُكَبِّرَانِ، ويُكَبِّرُ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِما. ويُسْتَحَبُّ الاجْتِهادُ في عَمَلِ الخَيْرِ في أيَّامِ العَشْرِ، من الذِّكْرِ، والصلاةِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، وسائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "ما العَمَلُ في أَيَّامٍ أفْضَلَ مِنْهَا في هذِهِ الْأَيَّامِ" قالوا: ولا الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قال: "وَلَا الْجهَادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ". أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١٤). فصل: قال أحمدُ، ﵀: ولا بَأْسَ أن يقولَ الرَّجْلُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ العِيدِ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا ومِنْكَ. وقال حَرْبٌ: سُئِلَ أحمدُ عن قَوْلِ النّاسِ في العِيدَيْنِ: تَقَبَّلَ اللَّه مِنَّا ومِنْكُم. قال: لا بَأْسَ به، يَرْوِيه أهْلُ الشَّامِ عن أبي أُمَامَةَ. قيل: ووَاثِلَةَ بن الأسْقَعِ؟ قال: نعم. قِيلَ: فلا تَكْرَهُ أنْ يُقالَ هذا يَوْمَ العِيدِ. قال: لا. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ في تَهْنِئَةِ العِيدِ أحادِيثَ، منها، أن مُحمدَ بن زِيَادٍ، قال: كُنْتُ

стр. 1416

مع أبى اُّمَامَةَ البَاهِلِيِّ وغيرِه من أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فكانُوا إذا رَجَعُوا من العِيدِ يقول بَعْضُهم لبعضٍ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا ومِنْكَ (١٥). وقال أحمدُ: إسْنَادُ حَدِيثِ أبى أُمَامَةَ إسْنادٌ جَيِّدٌ. وقال عليُّ بن ثَابِتٍ: سألتُ مالِكَ بنَ أَنَسٍ منذُ خَمْسٍ وثلاثِينَ سَنَةً، وقال: [لم نَزَلْ نعْرِفُ] (١٦) هذا بالمَدِينَةِ. وَرُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لا أبْتَدِى به أحَدًا، وإن قالَه أحَدٌ رَدَدْتُه عليه. فصل: قال القاضي: ولا بَأْسَ بالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بالأمْصارِ. وقال الأثْرَمُ: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن التَّعْرِيفِ في الأمْصارِ، يَجْتَمِعُونَ في المساجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ، قال: أرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ، قد فَعَلَهُ غيرُ وَاحِدٍ. ورَوَى الأَثْرَمُ، عن الحسنِ، قال: أَوَّلُ من عَرَّفَ بالبَصْرَةِ ابنُ عَبَّاسٍ، ﵀. وقال أحمدُ: أَوَّلُ من فَعَلَهُ ابنُ عَبَّاسٍ وعَمْرُو بن حُرَيْثٍ (١٧). وقال: الحسنُ، وبكرٌ (١٨)، ومحمدُ بنُ وَاسِعٍ (١٩) كانوا يَشْهَدُونَ المسجدَ يَوْمَ عَرَفَةَ. قال أحمدُ: لا بَأْسَ به، إنَّما هو دُعَاءٌ وذِكْرٌ للهِ. فقيل له: تَفْعَلُه أنتَ؟ قال: أمَّا أنا فلا. ورُوِىَ عن يحيى بن مَعِينٍ أنَّه حَضَرَ مع النَّاسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.

стр. 1417

كتابُ صلاةِ الخَوْفِ صلاةُ الخَوْفِ ثَابِتَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أما الكِتَابُ فقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٢٠) الآية. وأمَّا السُّنَّةُ فثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُصَلِّى صَلَاةَ الخَوْفِ، وجُمْهُورُ العُلَمَاءِ مُتَّفِقُونَ على أنَّ حُكْمَها باقٍ بعدَ النَّبِيِّ ﷺ . وقال أبو يوسفَ: إنَّما كانت تَخْتَصُّ بالنَّبِيِّ ﷺ ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾. وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّ ما ثَبَتَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ثَبَتَ في حَقِّنَا، ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على اخْتِصَاصِه به، فإنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بِاتِّبَاعِه بقَوْلِه: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢١). وسُئِلَ عن القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فأجَابَ: "بأَنَّنِى (٢٢) أَفْعَلُ ذلك"، فقال السَّائِلُ: لستَ مِثْلَنا، فغَضِبَ وقال: "إنِّي لَأَرْجُو أنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ تَعَالَى، وأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِى" (٢٣). ولو اخْتَصَّ بِفِعْلِهِ لَما كان الإِخْبَارُ بِفِعْلِه جَوَابًا، ولا غَضِبَ من قولِ السَّائِلِ لستَ مِثْلَنا؛ لأن قَوْلَه إذًا يكونُ صَوَابًا. وكان أصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَحْتَجُّونَ بأفْعَالِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ويَرَوْنَها مُعَارِضَةً لِقَوْلِه ونَاسِخَةً له، ولذلك لمَّا أخْبَرَتْ عائشةُ وأُمُّ سَلَمَةَ بَأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُصْبِحُ جُنُبًا مِن غيرِ احْتِلَامٍ، ثم يَغْتَسِلُ، ويَصُومُ ذلك اليَوْمَ (٢٤). تَرَكُوا به خَبَرَ أبي

стр. 1418

هُرَيْرَةَ: "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ" (٢٥). ولمَّا ذَكَرُوا ذلك لأبي هُرَيْرَةَ، قال: هُنَّ أعْلَمُ، إنَّما حَدَّثَنِى به الفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ. ورَجَعَ عن قَوْلِه. ولو لم يَكُنْ فِعْلُه حُجَّةً لِغَيْرِه لم يَكُنْ مُعارِضًا لِقَوْلِه، وأيضا فإنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّه عنهم، أجْمَعُوا (٢٦) على صلاةِ الخَوْفِ، فَرُوِىَ أن عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، صَلَّى صلاةَ الخَوْفِ لَيْلَةَ الهَرِيرِ (٢٧)، وصَلَّى أبو موسى الأشْعَرِيُّ صلاةَ الخَوْفِ بأصْحابِه (٢٨). وَرُوِىَ أنَّ سَعِيدَ بنَ العاصِ كان أمِيرًا على الجَيْشِ بِطَبَرِسْتَانَ، فقال: أَيُّكُمْ صَلَّى مع رسولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ؟ فقال حُذَيْفَةُ: أنا. فَقَدَّمَهُ، فَصَلَّى بهم. (٢٩)

стр. 1419

فأمَّا تَخْصِيصُ النَّبِيِّ ﷺ بالخِطابِ، فلا يُوجِبُ تَخْصِيصَه بالحُكْمِ؛ لما ذَكَرْنَاهُ، ولأنَّ الصَّحَابَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، أنْكَرُوا على مانِعِى الزكاة قَوْلَهم: إنَّ اللهَ تعالى خَصَّ نَبِيَّهُ بأَخْذِ الزكاةِ، بقَوْلِه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣٠). وقد قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٣١) وهذا لا يَخْتَصُّ به. فإنْ قيل: فالنَّبِيُّ ﷺ أَخَّرَ الصلاةَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، ولم يُصَلِّ. قُلْنا: هذا كان قبلَ نُزُولِ صلاةِ الخَوْفِ، وإنما يُؤْخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ من أَمْرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ويكونُ نَاسِخًا لما قَبْلَه، ثم إنَّ هذا الاعْتِراضَ باطِلٌ في نَفْسِه، إذْ لا خِلافَ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان له أنْ يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ، وقد أمَرَهُ اللهُ تعالى بذلك في كِتابِه، فلا يجوزُ الاحْتِجاجُ بما يُخَالِفُ الكِتابَ والإِجْماعَ. ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ الصلاةَ نِسْيَانًا، فإنَّه رُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُم عن صلاتِها، فقالوا: ما صَلَّيْنَا. وَرُوِىَ أنَّ عُمرَ قال: ما صَلَّيْتُ العَصْرَ. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "وَاللهِ ما صَلَّيْتُها" (٣٢). أو كما جاءَ، ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا أنَّه لم يكنْ ثَمَّ قِتَالٌ يَمْنَعُهُ من الصلاةِ، فدَلَّ على ما ذَكَرْناهُ. ٣١٤ - مسألة؛ قال: (وصَلَاةُ الخَوْفِ إذَا كَانَ بإزَاءِ العَدُوِّ وهُوَ في سَفَرٍ، صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، وأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِها أُخْرَى بالحَمْد لِلهِ وسُورَةٍ، ثم ذَهَبَتْ تَحْرُسُ، وجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى الَّتِى بإزَاءِ العَدُوِّ، فَصَلَّتْ مَعَهُ رَكْعَةً وأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِها أُخْرَى بالحَمْد لِلهِ وسُورَةٍ، ويُطِيلُ التَّشَهُّدَ حتى يُتِمُّوا التَّشَهُّدَ، ويُسَلِّمُ بِهِمْ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الخَوْفَ لا يُؤَثِّرُ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ في حَقِّ الإِمامِ والمَأْمُومِ

стр. 1420

جَمِيعًا، فإذا كان في سَفَرٍ يُبِيحُ القَصْرَ، صَلَّى بهما رَكْعَتَيْنِ، بكلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، وتُتِمُّ لأنْفُسِها أُخْرَى على الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، وإنَّما يجوزُ ذلك بِشَرائِطَ: منها، أنْ يكونَ العَدُوُّ مُباحَ القِتالِ، وأنْ لا يُؤْمَنَ هُجُومُه. قال القاضي: ومن شَرْطِهَا كَونُ العَدُوِّ في غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ. ونَصَّ أحمدُ على خِلافِ ذلك، في رِوَايَةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قلتُ له، حَدِيثُ سَهْلٍ (١)، نَسْتَعْمِلُه مُسْتَقْبِلين القِبْلَةَ كانُوا أو مُسْتَدْبِرِينَ؟ قال: نعم، هو أنْكَى. ولأنَّ العَدُوَّ قد يكونُ في جِهَةِ القِبْلَةِ على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ أنْ يُصَلِّىَ بهم صلاةَ عُسْفَانَ (٢) لانْتِشَارِهِمْ، أو اسْتِتَارِهِمْ، أو الخَوْفِ من كَمِينٍ، فالمَنْعُ من هذه الصلاةِ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِها. قال أبو الخَطَّابِ: ومن شَرْطِهَا أنْ يكونَ في المُصَلِّينَ كَثْرَةٌ يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمْ طائِفَتَيْنِ، كلُّ طائِفَةٍ ثلاثَة فأكْثَرُ. وقال القاضي: إنْ كانت كُلُّ فِرْقَةٍ أقَلَّ من ثلاثةٍ كَرِهْنَاهُ؛ لأنَّ أحمدَ ذَهَبَ إلى ظَاهِرِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ . وَوَجْهُ قَوْلِهِما أنَّ اللهَ تعالى ذكَرَ الطَّائِفَةَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، لِقَوْلِه تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ (٣). وأَقَلُّ لَفْظِ الجَمْعِ ثلاثةٌ، والأوْلَى أن لا يُشْتَرَطَ هذا؛ لأنَّ ما دُونَ الثَّلاثةِ عَدَدٌ تَصِحُّ به الجَمَاعَةُ، فَجازَ أن يكونَ طَائِفَةً كالثَّلاثةِ، وأمَّا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فإنَّه لا يُشْتَرَطُ في صلاةِ الخَوْفِ أنْ يكونَ المُصَلُّونَ مثلَ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ في العَدَدِ وَجْهًا وَاحِدًا، ولذلك اكْتَفَيْنَا بِثلاثةٍ، ولم يكنْ كذلك أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ . ويُسْتَحَبُّ أنْ

стр. 1421

يُخَفِّفَ بهم الصلاةَ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ صلاةِ الخَوْفِ على التَّخْفِيفِ، وكذلك الطَّائِفَةُ التي تُفارِقُه تُصَلِّى لِنَفْسِها، تَقْرَأُ بِسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، ولا تُفارِقُه حتى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا؛ لأنَّ النُّهُوضَ يَشْتَرِكُونَ فيه جميعًا، فلا حَاجَةَ إلى مُفارَقَتِهِم إيَّاهُ قبلَه، والمُفارَقَةُ إنَّما جَازَتْ لِلْعُذْرِ. ويَقْرَأُ، ويَتَشَهَّدُ، ويُطِيلُ في حالِ الانْتِظَارِ حتى يُدْرِكُوهُ. وقال الشَّافِعِيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَقْرَأُ حالَ الانْتِظارِ، بل يُؤَخِّرُ القِرَاءَةَ لِيَقْرَأ بالطَّائِفَةِ الثانيةِ، لِيكُونَ قد سَوَّى بين الطَّائِفَتَيْنِ. ولَنا، أنَّ الصلاةَ ليس فيها حالُ سُكُوتٍ، والقِيَامُ مَحَلٌّ لِلْقِرَاءَةِ، فَيَنْبَغِى أن يَأْتِىَ بها فيه، كما في التَّشَهُّدِ إذا انْتَظَرَهُمْ فإنه يَتَشَهَّدُ ولا يَسْكُتُ، كذلك (٤) ها هُنا، والتَّسْوِيَةُ بينهم تَحْصُلُ بانْتِظارِه إيَّاهُم في مَوْضِعَيْنِ، والأُولَى في مَوْضِعٍ واحِدٍ. إذا ثَبَتَ هذا فقال القاضي: إنْ قَرَأ في انْتِظَارِهِم قَرَأ بعدَ ما جاءُوا بِقَدْرِ فَاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، وإن لم يَقْرَأْ في انْتِظَارِهِم قَرَأ إذا جاءُوا بالفاتِحَةِ وسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، وهذا على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ، ولو قَرَأَ قبلَ مَجِيئِهِمْ ثم رَكَعَ عند مَجِيئِهِمْ أو قبلَه فأَدْرَكُوهُ رَاكِعًا رَكَعْوا معه، وصَحَّتْ لهم الرَّكْعَةُ مع تَرْكِه (٥) السُّنَّةَ، وإذا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا فصَلَّوْا رَكْعَةً أُخْرَى، وأطالَ التَّشَهُّدَ بالدُّعاءِ والتَّوَسُّلِ حتى يُدْرِكُوهُ ويَتَشَهَّدُوا، ثم يُسَلِّمُ بهم. وقال مالِكٌ: يَتَشَهَّدُونَ معه، فإذا سَلَّمَ الإِمَامُ قامُوا فقَضَوْا ما فاتَهُم كالمَسْبُوقِ. وما ذَكَرْنَاهُ أوْلَى. لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٦). وهذا يَدُلُّ على أن صَلَاتَهم كُلَّها معه. وفي حَدِيثِ سَهْلٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ حتى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَه رَكْعَةً، ثم سَلَّمَ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٧). وروى أنَّه سَلَّمَ بالطَّائِفَةِ الثانِيةِ. ولأنَّ الأولَى أدْرَكَتْ معه فَضِيلَةَ الإِحْرامِ، فَيَنْبَغِى أن

стр. 1422

يُسَلِّمَ بالثانِيةِ، لِيُسَوِّىَ بينهم. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، إلَّا فيما ذَكَرْنَا من الاخْتِلافِ. وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى كما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صلاةَ الخَوْفِ بإحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، والطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةٌ لِلْعَدُوِّ، ثم انْصَرَفُوا، وقَامُوا في مَقامِ أصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ على العَدُوِّ، وجَاءَ أُولئِكَ، ثم صَلَّى لهم النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً، ثم سَلَّمَ، ثم قَضَى هؤلاءِ رَكْعَةً وهؤلاءِ رَكْعَةً. مُتَّفَقٌ عليه (٨). وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى بإحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والأُخْرَى مُوَاجِهَةٌ لِلْعَدُوِّ، ثم تَنْصَرِفُ التي صَلَّتْ معه إلى وَجْهِ العَدُوِّ، وهى في صلاتِها، ثم تَجِىءُ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَتُصَلِّى مع الإِمامِ الرَّكْعَةَ الثانيةَ، ثم يُسَلِّمُ الإِمامُ، وتَرْجِعُ الطَّائِفَةُ إلى وَجْهِ العَدُوِّ، وهى في الصلاةِ، ثم تَأْتِى الطَّائِفَةُ الأُولَى إلى مَوْضِعِ صلاتِها، فَتُصَلِّى رَكْعَةً مُنْفَرِدَةً ولا تَقْرَأُ فيها؛ لأنَّها في حُكْمِ الائْتِمامِ، ثم تَنْصَرِفُ إلى وَجْهِ العَدُوِّ، ثم تَأْتِى الطَّائِفَةُ الأُخْرَى إلى مَوْضِعِ الصلاةِ، فَتُصَلِّى [الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ] (٩) مُنْفَرِدَةً، وتَقْرَأُ فيها؛ لأنَّها قد فارَقَتِ الإِمامَ بعد فَرَاغِه من الصلاةِ، فَحُكْمُها حُكْمُ المَسْبُوقِ إذا فَارَقَ إمامَهُ. قال: وهذا أوْلَى؛ لأنَّكم جَوَّزْتُمْ لِلْمَأْمُومِ فِرَاقَ إمامِه قبل فَرَاغِه من الصلاةِ، وهى الطَّائِفَةُ الأُولَى، ولِلثَّانِيَةِ فِرَاقَه في الأَفْعالِ، فيكونُ جَالِسًا وهم قِيامٌ يَأْتُونَ بِرَكْعَةٍ وهم في إمامَتِه. ولَنا، ما

стр. 1423

رَوَى صَالِحُ بن خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مع النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقاعِ صلاةَ الخَوْفِ، أنَّ طائِفَةً صَفَّتْ (١٠) معه، وطَائِفَةً وِجَاهَ العَدُوِّ، فصَلَّى بِالَّتِى معه رَكْعَةً، ثم ثَبَتَ قَائِمًا، وأَتَمُّوا لأنْفُسِهِمْ، ثم انْصَرَفُوا وَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وجَاءت الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بهم الرَّكْعَةَ التي بَقِيَتْ من صلاتِه، ثم ثَبَتَ جَالِسًا، وأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِم، ثم سَلَّمَ بهم. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١١) ورَوَى سَهْلُ بن أبي حَثْمَةَ مثلَ ذلك (١٢)، والعَمَلُ بهذا أوْلَى؛ لأنَّه أَشْبَهُ بِكِتابِ اللَّه تعالى، وأَحْوَطُ لِلصلاةِ والحَرْبِ. أمَّا مُوَافَقَةُ الكِتابِ، فإنَّ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. يَقْتَضِى أنَّ جَمِيعَ صلاتِها معه، وعِنْدَهُ تُصَلِّى معه رَكْعَةً فقط، وعِنْدَنَا جَمِيعَ صَلاتِها معه، إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ تُوَافِقُه في أَفْعَالِه وقِيامِه، والثانية تَأْتِى بها قبل سَلَامِه، ثم تُسَلِّمُ معه، ومن مَفْهُومِ قولِه: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ أن الطَّائِفَةَ الأُولَى قد صَلَّتْ جَمِيعَ صلاتِها، وعلى قَوْلِهِم: لم تُصَلِّ إلَّا بَعْضَها. وأما الاحْتِيَاطُ لِلصلاةِ، فإنَّ كُلَّ طَائِفةٍ تَأْتِى بِصلاتِها مُتَوَالِيَةً، بعضُها تُوَافِقُ الإِمامَ فيها فِعْلًا، وبعضُها تُفارِقُه، وتَأْتِى به وَحْدَها كالمَسْبُوقِ. وعِنْدَهُ تَنْصَرِفُ في الصلاةِ، فإمَّا أن تَمْشِىَ، وإمَّا أن تَرْكَبَ، وهذا عَمَلٌ كَثِيرٌ، وتَسْتَدْبِرُ القِبْلَةَ، وهذا يُنَافِى الصلاةَ، وتُفَرِّقُ بين الرَّكْعَتَيْنِ تَفْرِيقًا كَثِيرًا بما يُنافِيها. ثم جَعَلُوا

стр. 1424

الطَّائِفَةَ الأُولَى مُؤْتَمَّةً بالإِمامِ بعد سَلامِه، ولا يجوزُ أن يكونَ المَأْمُومُ مَأْمُومًا في رَكْعَةٍ يَأْتِى بها بعد سَلامِ إمامِه. وأما الاحْتِياطُ لِلْحَرْبِ، فإنَّه يَتَمَكَّنُ من الضَّرْبِ والطَّعْنِ والتَّحْرِيضِ، وإعْلامِ غيرِه بما يَرَاهُ ممَّا خَفِىَ عليه من أمْرِ العَدُوِّ وتَحْذِيرِه، وإعْلامِ الذين مع الإِمامِ بما يَحْدُثُ، ولا يُمْكِنُ هذا على قَوْلِهِم، ولأنَّ مَبْنَى صلاةِ الخَوْفِ على التَّخْفِيفِ؛ لأنَّهم في مَوْضِعِ الحاجةِ إليه، وعلى قَوْلِهم تَطُولُ الصلاةُ أضْعافَ ما كانتْ حالَ الأمْنِ؛ لأنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَحْتاجُ إلى مُضِيٍّ إلى مَكانِ الصلاةِ، وَرُجُوعِ إلى وِجَاه العَدُوِّ، وانْتِظَارٍ لِمُضِيِّ الطَّائِفَةِ الأُخْرَى وَرُجُوعِها، فعلى تَقْدِيرِ أن يكونَ بين المَكَانَيْنِ نِصْفُ مِيلٍ، تَحْتَاجُ كُلُّ طَائِفَةٍ إلى مَشْىِ مِيلٍ، وانْتِظارٍ لِلأُخْرَى قَدْرَ مَشْىِ مِيلٍ وهى في الصلاةِ، ثم تَحْتَاجُ إلى تَكْلِيفِ الرُّجُوعِ إلى مَوْضِعِ الصلاةِ لإِتْمامِ الصلاةِ مِن غير حاجَةٍ إليه، ولا مَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ به، فلو احْتَاجَ الآمِنُ إلى مثلِ هذه الكُلْفَةِ في الجَماعةِ لَسَقَطَتْ عنه، فكيف يُكَلَّفُ الخَائِفُ هذا وهو في مَظِنَّة التَّخْفِيفِ، والحاجَةِ إلى الرِّفْقِ به. وأمَّا مُفَارَقَةُ الإِمامِ فجائِزَةٌ لِلْعُذْرِ، ولا بُدَّ منها على القَوْلَيْنَ، فإنَّهم جَوَّزُوا لِلطَّائِفَةِ الأُولَى مُفارَقَةَ الإِمامِ والذَّهابَ إلى وَجْهِ العَدُوِّ، وهذا أَعْظَمُ مما ذَكَرْنَاهُ، فإنَّه لا نَظِيرَ له في الشَّرْعِ، ولا يُوجَدُ مِثْلُه في مَوْضِعٍ آخَرَ. فصل: وإن صَلَّى بهم كمذهبِ أبي حنيفةَ، جَازَ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولكن يكونُ تَارِكًا لِلأَوْلَى والأحْسَنِ. وبهذا قال ابنُ جَرِيرٍ، وبعضُ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ. فصل: ولا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بين الطَّائِفَتَيْنِ؛ لأنَّه لم يَرِدْ بذلك نَصٌّ ولا قِياسٌ. ويَجِبُ أن تكونَ الطَّائِفَةُ التي بإزَاءِ العَدُوِّ ممَّن تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِكِفايَتِها وحِرَاسَتِها، ومتى خُشِىَ اخْتِلالُ حَالِهِم واحْتِيجَ إلى مَعُونَتِهِم بالطَّائِفَةِ الأُخْرَى، فَلِلْإِمامِ أن يَنْهَدَ إليهم بمَن معه، ويَبْنُوا على ما مَضَى مِن صلاتِهِم. فصل: فإن صَلَّوْا الجُمُعَةَ صلاةَ الخَوْفِ جَازَ، إذا كانت كُلُّ طَائِفَةٍ أرْبَعِينَ.

стр. 1425

فإن قيل: فالعَدَدُ شَرْطٌ في الجُمُعَةِ كُلِّها، ومتى ذَهَبَتِ الطَّائِفَةُ الأُولَى بَقِىَ الإِمامُ مُنْفَرِدًا، فَتَبْطُلُ، كما لو نَقَصَ العَدَدُ. فالجوابُ: أنَّ هذا جازَ لأَجْلِ العُذْرِ، ولأَنَّه يَتَرَقَّبُ مَجِىءَ الطَّائِفَةِ الأُخْرَى، بِخِلافِ الانْفِضاضِ. ولا يجوزُ أن يَخْطُبَ بإحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، ويُصَلِّىَ بالأُخْرَى، حتى يُصَلِّىَ معه مَن حَضَرَ الخُطْبَةَ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. فصل: والطَّائِفَةُ الأُولَى في حُكْمِ الائْتِمامِ قبلَ مفارَقَةِ الإِمامِ، فإن سَهَا لَحِقَهُم حُكْمُ سَهْوِه فيما قبلَ مُفَارَقَتِه، وإن سَهَوْا لم يَلْزَمْهم حُكْمُ سَهْوِهم، لأنَّهم مَأْمُومُونَ. وأمَّا بعدَ مُفارَقَتِه: فإنْ سَهَا لم يَلْزَمْهم حُكْمُ سَهْوهِ، فإن سَهَوْا لَحِقَهم حُكْمُ سَهْوِهم؛ لأنَّهم مُنْفَرِدُونَ. وأمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، فيلْحَقُها حُكْمُ سَهْوِ إمامِها في جَمِيعِ صَلَاتِه، ما أدْرَكَتْ منها وما فاتَها، كالمَسْبُوقِ يلْحَقُه حُكْمُ سَهْوِ إمامِه فيما لم يُدْرِكْه، ولا يَلْحَقُهَا حُكْمُ سَهْوها في شيْءٍ من صَلَاتِها؛ لأنَّها إن فَارَقَتْهُ فِعْلًا لِقَضاءِ ما فَاتَها، فهى في حُكْمِ المُؤْتَمّ به، لأنَّهم يُسَلِّمُونَ بِسَلامِه، فإذا فَرَغَتْ من قَضاءِ ما فاتَها، سَجَدَ وسَجَدَتْ معه، فإن سَجَدَ الإِمامُ قبل إتْمامِها سَجَدَتْ؛ لأنَّها مُؤْتَمَّةٌ به، فيَلْزَمُها (١٣) مُتابَعَتُهُ، ولا تُعِيدُ السُّجُودَ بعدَ فَراغِها من التَّشَهُّدِ، لأنَّها لم تَنْفَرِدْ عن الإِمامِ، فلا يَلْزَمُها من السُّجُودِ أَكْثَرُ ممَّا يَلْزَمهُ، بخِلَافِ المَسْبُوقِ. وقال القاضي: يَنْبَنِى هذا على الرِّوَايَتَيْنِ في المَسْبُوقِ إذا سَجَدَ مع إمامِه ثم قَضَى ما عليه، وقد ذَكَرْنَا الفَرقَ بينهما. ٣١٥ - مسألة؛ قال: (وإن خَافَ وهُوَ مُقِيمٌ، صَلَّى بكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وأَتَمَّتِ الطَّائِفَةُ الأُولَى بالْحَمْد للهِ في كُلِّ رَكْعَةٍ، والطَّائِفَةُ الأُخْرَى تُتِمُّ بالحَمْد للهِ وسُورَةٍ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ صَلَاةَ الخَوْفِ جَائِزَةٌ في الحَضَرِ، إذا احْتِيجَ (١) إلى ذلك بِنُزُولِ

стр. 1426

العَدُوِّ قَرِيبًا من البَلَدِ. وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ. وحُكِىَ عن مالِكٍ أنَّها لا تجوزُ في الحَضَرِ؛ لأنَّ الآيةَ إنَّما دَلَّتْ على صلاةِ رَكْعَتَيْنِ، وصلاةُ الحَضَرِ أرْبَعًا، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَفْعَلْها في الحَضَرِ. وخَالَفَهُ أصْحابُه، فقالوا كقَوْلِنا. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، وهذا عامٌّ في كلِّ حالٍ، وتَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ فِعْلَها في الحَضَرِ إنَّما كان لِغِنَاهُ عن فِعْلِهَا في الحَضَرِ. وقَوْلُهم: إنَّما دَلَّتِ الآيةُ على رَكْعَتَيْنِ. قُلْنا: وقد يكونُ في الحَضَرِ رَكْعَتَانِ، الصُّبْحُ والجُمُعَةُ، والمَغْرِبُ ثلاثٌ، ويجوزُ فِعْلُها في الخَوْفِ في السَّفَرِ، ولأنَّها حالَةُ خَوْفٍ، فجازَتْ فيها صلاةُ الخَوْفِ كالسَّفَرِ، فإذا صَلَّى بهم الرُّبَاعِيَّةَ صلاةَ الخَوْفِ، فَرَّقَهُم فِرْقَتَيْنِ، فَصَلَّى بكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وهل تُفَارِقُه الطَّائِفَةُ الأُولَى في التَّشَهُّدِ الأوَّل، أو حِينَ يَقُومُ إلى الثَّالِثَةِ؟ على وَجْهَيْنِ: أحدُهما، حين قِيامِه إلى الثَّالِثَةِ. وهو قولُ مَالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى التَّطْوِيلِ من أجْلِ الانْتِظارِ، والتَّشَهُّدُ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُه، ولذلك كان النَّبِىُّ ﷺ إذا جَلَسَ للتَّشَهُّدِ (٢) كأنَّه على الرَّضْفِ حتى يَقُومَ. ولأنَّ ثَوابَ القَائِمِ أكْثَرُ، ولأنَّه إذا انْتَظَرَهُم جَالِسًا، فَجاءَتِ الطَّائِفَةُ، فإنَّه يَقُومُ قبل إحْرامِهم، فلا يَحْصُلُ اتِّبَاعُهم له في القِيامِ. والثانى، في التَّشَهُّدِ؛ لِتُدْرِكَ الطَّائِفَةُ الثانيةُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَة، ولأنَّ الانْتِظارَ في الجُلُوسِ أخَفُّ على الإِمامِ، ولأنَّه متى انْتَظَرَهم قَائِمًا احْتاجَ إلى قِرَاءَةِ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ الثَّالِثَة، وهو خِلَافُ السُّنَّةِ. وأيًّا ما فَعَلَ كان جائِزًا. وإذا جَلَسَ الإِمامُ لِلتَّشَهُّدِ الأخِيرِ، جَلَسَتِ الطَّائِفَةُ معه، فَتَشَهَّدَتِ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ، وقامَتْ وهو جَالِسٌ فأتَمَّتْ صلاتَها، وتَقْرَأُ في كل رَكْعَةٍ بالحَمْد للهِ وسُورَةٍ؛ لأنَّ ما تَقْضِيه أوَّلُ صلاتِها، ولأنَّها لم يَحْصُلْ لها مع الإِمامِ قِراءَةُ السُّورَةِ. ويُطَوِّلُ الإِمامُ التَّشَهُّدَ

стр. 1427

والدُّعَاءَ حتى تُصَلِّىَ الرَّكْعَتَيْنِ، ثم يَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ بهم. فأمَّا الطَّائِفَةُ الأُولَى، فإنَّما تَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ بعد مُفارَقَةِ إمامِها الفاتِحَةَ وَحْدَها، لأنَّها آخِرُ صلاتِها. وقد قَرَأ إمامُها بها السُّورَة في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وظَاهِرُ المذهبِ أنَّ ما تَقْضِيهِ الطَّائِفَةُ الثانيةُ أَوَّلُ صلاتِها، فعلى هذا تَسْتَفْتِحُ إذا فارَقَتْ إمامَها، وتَسْتَعِيذُ، وتَقْرَأُ الفاتِحَةَ وسُورَةً. وقد رُوِىَ أنَّه آخِرُ صلاتِها، ومُقْتَضاهُ ألَّا تَسْتَفْتِحَ ولا تَسْتَعِيذَ ولا تَقْرَأَ السُّورَةَ. وعلى كلِّ حالٍ فَيَنْبَغِى لها أن تُخَفِّفَ، وإن قَرَأَتْ سُورَةً فَلْتَكُنْ من أخَفِّ السُّوَرِ، أو تَقْرَأ آيةً أو اثْنَتَيْنِ من سُورَةٍ. ويَنْبَغِى لِلْإِمَامِ أن لا يُعَجِّلَ بالسَّلامِ حتى يَفْرَغَ أَكْثَرُهم من التَّشَهُّدِ، فإنْ سَلَّمَ قبلَ فَراغِ بَعْضِهم، أتَمَّ تَشَهُّدَهُ وسَلَّمَ. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فيما يَقْضِيهِ المَسْبُوقُ، فَرُوِىَ أنَّه أوَّلُ صلاتِه، وما يُدْرِكُه مع الإِمامِ آخِرُها. وهذا ظَاهِرُ المذهبِ. وكذلك قال ابنُ عمرَ، ومُجاهِدٌ، وابنُ سِيرِينَ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ. وحُكِىَ عن الشَّافِعِىِّ، وأبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ، والحسنِ بن حَىٍّ (٣). وَرُوِىَ عن أحمدَ أنَّ ما يَقْضِيهِ آخِرُ صلاتِه. وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعمرُ بن عبدِ العزيزِ، ومَكْحُولٌ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، والمُزَنِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، ورِوايَةٌ عن مالِكٍ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولأنَّه آخِرُ صلاتِه حَقِيقَةً، فكان آخِرَها حُكْمًا، كغَيْرِ المَسْبُوقِ، ولأنَّه يَتَشَهَّدُ في آخِرِ ما يَقْضِيه ويُسَلِّمُ، ولو كان أوَّلَ صلاتِه لما تَشَهَّدَ وكان يَكْفِيه تَشَهُّدُه مع الإِمامِ. ولِلرِّوَايَةِ الأُولَى قولُه: "وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" (٤). وهو صَحِيحٌ، ولأنَّه يُسَمَّى قَضَاءً، والقَضاءُ لِلْفائِتِ، والفائِتُ أَوَّلُ الصلاةِ، ومَعْنَى قولِه: "فَأَتِمُّوا" أي اقْضُوا، لأنَّ القَضاءَ إتْمَامٌ، ولذلك سَمَّاهُ فائِتًا، والفَائِتُ أوَّلُ الصلاةِ، ولأنَّه يَقْرَأُ

стр. 1428

فيما يَقْضِيهِ الفاتِحَةَ وسُورَةً، فكان أوَّلَ الصلاةِ، كغَيْرِ المَسْبُوقِ. ولا أعْلَمُ خِلافًا بين الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ في قِراءَةِ الفاتِحَةِ وسُورَةٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: كلُّ هؤلاءِ القائِلِينَ بالقَوْلَيْنِ جميعا يَقُولُونَ: يَقْضِى ما فاتَهُ بالحَمْدِ للهِ (٥) وسُورَةٍ، على حَسَبِ ما قَرأَ إمامُه، إلَّا إسْحَاقَ والمُزَنِىَّ ودَاوُدَ، قالوا: يَقْرَأُ بالحَمْد وَحْدَها. وعلى قَوْلِ مَن قال: إنَّه يَقْرَأُ في القَضاءِ بالفاتِحَةِ وسُورَةٍ، لا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الخِلافِ، إلَّا أن يكونَ في الاسْتِفْتاحِ والاسْتِعاذَةِ حالَ مُفارَقَةِ الإِمامِ، وفي مَوْضِعِ الجَلْسَةِ لِلتَّشَهُّدِ الأَوَّل، في حَقِّ من أدْرَكَ رَكْعَةً من المَغْرِبِ والرُّبَاعِيَّة، واللهُ أعلمُ. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في مَوْضِعِ الجَلْسَةِ والتَّشَهُّدِ الأَوَّل في حَقِّ من أدْرَكَ رَكْعَةً من المَغْرِبِ أو الرُّبَاعِيَّة، إذا قَضَى، فَرُوِىَ عن أحمدَ أنَّه إذا قامَ اسْتَفْتَحَ، وصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُتَوالِيَتَيْنِ، يَقْرَأُ في كل وَاحِدَةٍ بالحَمْدِ لِلهِ (٥) وسُورَةٍ. نَصَّ عليه في رِوَايَةِ حَرْبٍ، وفَعَلَ ذلك جُنْدَبٌ؛ وذلك لأنَّهما أوَّلُ صلاتِه، فلم يَتَشَهَّدْ بينهما كغيرِ المَسْبُوقِ، ولأنَّ القَضاءَ على صِفَةِ الأداءِ، والأداءُ لا جُلُوسَ فيه، ولأنَّهما رَكْعَتانِ يَقْرَأُ في كلِّ واحِدَةٍ منهما بالحَمْد لِلهِ (٥) وسُورَةٍ، فلم يَجْلِسْ بينهما كالمُؤَدَّاتَيْنِ. والرِّوَايَةُ الثانيةُ أنَّه يَقُومُ فَيأْتِى بِرَكْعَةٍ، يَقْرَأُ فيها بالحَمْد لِلهِ (٥) وسُورَةٍ، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فَيأْتِىَ بأُخْرَى بالحَمْدِ لِلهِ (٥) وسُورَةٍ في المَغْرِبِ، أو بِرَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ في الرُّباعِيَّة، يَقْرَأُ في أُولَاها بالحَمْدِ لِلهِ (٥) وسُورَةٍ، وفي الثانيةِ بالحَمْد وَحْدَها. نَقَلَها صالِحٌ، وأبو دَاوُدَ، والأثْرَمُ. وفَعَلَ ذلك مَسْرُوقٌ. وقال عبدُ اللهِ بن مسعودٍ: كما فَعَلَ مَسْرُوقٌ يَفْعَلُ. وهو قولُ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، فإنَّه رُوِىَ عنه أنَّه قال لِلزُّهْرِيِّ: ما صَلَاةٌ يَجْلِسُ في كُلِّ رَكْعَةٍ منها؟ قال سَعِيدٌ: هي المَغْرِبُ إذا أدْرَكْتَ منها رَكْعَةً، ولأنَّ الثَّالِثَةَ آخِرُ صلاتِه فِعْلًا، فيَجِبُ أن يَجْلِسَ

стр. 1429

فيها (٦) كغَيْرِ المَسْبُوقِ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ عن إبراهيمَ، قال: جاءَ جُنْدَبٌ ومَسْرُوقٌ إلى المَسْجِدِ وقد صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ من المَغْرِبِ، فدَخَلَا في الصَّفِّ، فَقَرَأَ جُنْدَبٌ في الرَّكْعَةِ التي أدْرَكَ مع الإِمامِ، ولم يَقْرَأْ مَسْرُوقٌ، فلما سَلَّمَ الإِمامُ قامَا في الرَّكْعَةِ الثانيةِ، فقَرَأَ جُنْدَبٌ وقَرَأ مَسْرُوقٌ، وجَلَسَ مَسْرُوقٌ في الرَّكْعَةِ الثَّانيةِ وقامَ جُنْدَبٌ، وقَرَأَ مَسْرُوقٌ في الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ ولم يَقْرَأْ جُنْدَبٌ، فلمَّا قَضَيَا الصَّلَاةَ أتَيَا عبدَ اللهِ فسَألَاهُ عن ذلك وقَصَّا عليه القِصَّةَ، فقال عبدُ اللهِ: كما فَعَلَ مَسْرُوقٌ يَفْعَلُ. وقال عبدُ اللهِ: إذا أَدْرَكْتَ رَكْعَةً من المَغْرِبِ فاجْلِسْ فِيهِنَّ كُلِّهن. وأيًّا ما فَعَلَ من ذلك جازَ، إن شاءَ اللهُ تعالى. ولذلك لم يُنْكِرْ عبدُ اللهِ على جُنْدَبٍ فِعْلَهُ، ولا أمَرَهُ بإعادَةِ صلاتِه (٧). فصل: إذا فَرَّقَهُمْ في الرُّباعِيَّةِ فِرْقَتَيْنِ، فصَلَّى بالأُولَى ثلاثَ رَكَعَاتٍ، وبالثانيةِ رَكْعَةً، أو بالأُولَى رَكْعَةً وبالثانيةِ (٨) ثلاثًا، صَحَّتِ الصلاةُ؛ لأنَّه لم يَزِدْ على انْتِظارَيْنِ وَرَدَ الشَّرْعُ بمثلِهما. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، إلَّا أنَّه قال: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. ولا حاجَةَ إليه؛ لأنَّ السُّجُودَ لِلسَّهْوِ، ولا سَهْوَ ها هُنا، ولو قدَّر أنَّه فَعَلَهُ سَاهِيًا لم يَحْتَجْ إلى سُجُودٍ؛ لأنَّه ممَّا لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاةَ، فلا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، كما لو رَفَعَ يَدَيْه في غيرِ مَوْضِعِ الرَّفْعِ وتَرَكَ رَفْعَهُمَا في مَوْضِعِه. فأمَّا إن فَرَّقَهُمْ أرْبَعَ فِرَقٍ، فَصَلَّى بكل طائِفَةٍ رَكْعَةً، أو ثَلَاثَ فِرَقٍ فصَلَّى بإحْداهنَّ رَكْعَتَيْنِ، وبالباقِينَ (٩) رَكْعَةً رَكْعَةً. صَحَّتْ صلاةُ الأُولَى والثَّانِيةِ، لأنَّهما ائْتَمَّا بمن صلاتُه صَحِيحَةٌ، ولم يُوجَدْ منهما ما يُبْطِلُ صلاتَهما، وتَبْطُلُ صلاةُ الإِمامِ بالانْتِظارِ الثَّالِثِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، فزادَ انْتِظارًا لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، فتَبْطُلُ صلاتُه به، كما لو فَعَلَهُ

стр. 1430

من غيرِ خَوْفٍ، ولا فَرْقَ بين أن تكونَ به حَاجَةٌ إلى ذلك أو لم يكنْ؛ لأنَّ الرُّخَصَ إنَّما يُصارُ فيها إلى ما وَرَدَ الشَّرْعُ به، ولا تَصِحُّ صلاةُ الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ؛ لِائْتِمامِهِما (١٠) بمَن صلاتُه باطِلَةٌ، فأشْبَهَ ما لو كانت صلاتُه باطِلَةً من أَوَّلِها. فإن لم يَعْلَمَا بِبُطْلَانِ صلاةِ الإِمامِ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَبْطُلُ صَلاتُهما؛ لأنَّ ذلك ممَّا يَخْفَى، فلم تَبْطُلْ صلاةُ المَأْمُومِ، كما لو ائْتَمَّ بمُحْدِثٍ، ويَنْبَغِى على هذا أن يَخْفَى على الإِمامِ والمَأْمُومِ، كما اعْتَبَرْنَا في صِحَّةِ صلاةِ مَن ائْتَمَّ بمُحْدِثٍ خَفاءً على الإِمامِ والمَأْمُومِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَصِحَّ صلاتُهما؛ لأنَّ الإِمامَ والمَأْمُومَ يَعْلَمانِ وُجودَ المُبْطِل. وإنَّما خَفِىَ عليهم حُكْمُه، فلم يَمْنَعْ ذلك البُطْلَانَ، كما لو عَلِمَ الإِمامُ والمَأْمُومُ حَدَثَ الإِمامِ، ولم يَعْلَمَا كَوْنَه مُبْطِلًا. وقال بعضُ أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ كقولِ ابنِ حامِدٍ. وقال بعضُهم: تَصِحُّ صلاةُ الإِمامِ والمَأْمُومِينَ جَمِيعًا؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، فأشْبَهَ ما لو فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ. وقال بعضُهم: المَنْصُوصُ أنَّ صلاتَهم تَبْطُلُ بالانْتِظارِ الأوَّل؛ لأنَّه زَادَ على انْتِظارِ رسولِ اللهِ ﷺ زِيادَةً لم يَرِدِ الشَّرْعُ بها. ولَنا على الأوَّل، أنَّ الرُّخَصَ إنَّما تُتَلَقَّى من الشَّرْعِ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بهذا. وعلى الثَّانى، أنَّ طُولَ الانْتِظارِ لا عِبْرَةَ به، كما لو أبْطَأتِ الثَّانِيَةُ فيما إذا فَرَّقَهم فِرْقَتَيْنِ. ٣١٦ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا، صَلَّى بالطَّائِفَةِ [الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ] (١)، وأَتَمَّتْ لأنْفُسِهَا [رَكْعَةً تَقْرَأُ فيهَا] (٢) بِالحَمْد لِلهِ، ويُصَلِّى بالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَةً، وأتَمَّتْ لِأَنْفُسِها رَكْعَتَيْنِ، تَقْرَأُ فيهما بالحَمْد لِلهِ وسُورَةٍ) وبهذا قال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وسُفْيانُ، والشَّافِعِىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال في

стр. 1431

آخَرَ: يُصَلِّى بالأُولَى رَكْعَةً، والثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ؛ لأنَّه رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى لَيْلَةَ الهَرِيرِ هكذا (٣)، ولأنَّ الأُولَى أَدْرَكَتْ معه فَضِيلَةَ الإِحْرامِ والتَّقَدُّمِ، فَيَنْبَغِى أن تَزِيدَ الثَّانِيَةُ في الرَّكَعاتِ، لِيُجْبَرَ نَقْصُهم، وتُسَاوِىَ الأُولَى. ولَنا، أنَّه إذا لم يَكُنْ بُدٌّ من التَّفْضِيلِ، فالأُولَى أحَقُّ به، ولأنَّه يَنْجَبرُ (٤) ما فاتَ الثَّانِيةَ [بإدْرَاكِها السَّلامَ مع الإِمامِ، ولأنَّها] (٥) تُصَلِّى جَمِيعَ صلاتِها في حُكْمِ الائْتِمامِ، والأُولَى تَفْعَلُ بعضَ صلاتِها في حُكْمِ الانْفِرادِ، وأيًّا ما فَعَلَ فهو جَائِزٌ علَى ما قَدَّمْنَا. وهل تُفَارِقُه الطَّائِفَةُ الأُولَى في التَّشَهُّدِ، أو حِينَ يَقُومُ إلى الثَّالِثَةِ؟ علَى (٦) وَجْهَيْنِ (٧). وإذا صَلَّى بالثَّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ، وجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، فإن الطَّائِفَةَ تَقُومُ ولا تَتَشَهَّدُ معه ذَكَرَهُ القاضي؛ لأنَّه ليس بِمَوْضِعٍ لِتَشَهُّدِهَا، بِخِلافِ الرُّباعِيَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَتَشَهَّدَ معه، لأنَّها تَقْضِى رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، على إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَيُفْضِى إلى أن تُصَلِّىَ ثلاثَ رَكَعَاتٍ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ، ولا نَظِيرَ لهذا في الصَّلَوَاتِ، فعلَى هذا الاحْتِمالِ تَتَشَهَّدُ معه التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ، ثم تَقُومُ، كالصلاةِ الرُّبَاعِيَّةِ سَوَاء. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَحْمِلَ السِّلَاحَ في صلاةِ الخَوْفِ، لِقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٨). ولأنَّهم لا يَأْمَنُونَ أن يَفْجَأَهم عَدُوُّهم، فيَمِيلُونَ عليهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ (٨). والمُسْتَحَبُّ من ذلك ما يَدْفَعُ به عن نَفْسِه. كالسَّيْفِ، والسِّكِّين، ولا يُثْقِلُه، كالجَوْشَنِ (٩)، ولا يَمْنَعُ من إكمالِ

стр. 1432

السُّجُودِ، كالمِغْفَرِ (١٠)، ولا ما يُؤْذِى غَيْرَه، كالرُّمْحِ إذا كان مُتَوَسِّطًا، فإن كان في الحاشِيَةِ لم يُكْرَهْ، ولا يجوزُ حَمْلُ نَجَسٍ، ولا ما يُخِلُّ بِرُكْنٍ من أرْكانِ الصلاةِ إلَّا عند الضَّرُورَةِ، مثل أن يَخافَ وُقُوعَ الحِجارَةِ أو السِّهامِ به، فيجوزُ له (١١) حَمْلُه لِلضَّرُورَةِ. قال أصْحَابُنا: ولا يَجِبُ حَمْلُ السِّلاحِ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه لو وَجَبَ لَكان شَرْطًا في الصلاةِ كالسُّتْرَةِ، ولأنَّ الأمْرَ به لِلرِّفْقِ بهم والصِّيانَةِ لهم، فلم يكن لِلإِيجابِ، كما أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا نَهَى عن الوِصالِ رِفْقًا بهم لم يكنْ لِلتَّحْرِيمِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ وَاجِبًا، وبه قال دَاوُدُ، والشَّافِعِىُّ في القَوْلِ الآخرِ، والحُجَّةُ معهم؛ لأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ الوُجُوبُ، وقد اقْتَرَنَ به ما يَدُلُّ على إرادَةِ الإِيجابِ به، وهو قولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ (١٢). ونَفْىُ الحَرَجِ مَشْرُوطًا بالأذَى دَلِيلٌ على لُزُومِه عندَ عَدَمِه، فأمَّا إنْ كان بهم أَذًى من مَطَرٍ أو مَرَضٍ، فلا يَجِبُ بغير خِلافٍ، بِتَصْرِيحِ النَّصِّ بِنَفْىِ الحَرَجِ فيه. فصل: ويجوزُ أن يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ على كلِّ صِفَةٍ صَلَّاهَا رسولُ اللهِ ﷺ . قال أحمدُ: كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى في أبْوابِ صلاةِ الخَوْفِ فالعَمَلُ به جائِزٌ. وقال: سِتَّةُ أوْجُهٍ أو سَبْعَةٌ يُرْوَى فيها، كُلُّها جَائِزٌ. وقال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: تَقُولُ بالأحَادِيثِ كُلِّها كلِّ حَدِيثٍ في مَوْضِعِه، أو تَخْتَارُ وَاحِدًا منها. قال: أنا أقولُ مَن ذَهَبَ إليها كُلِّها فَحَسَنٌ، وأمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ (١٣) فأنا أخْتَارُه. إذا تَقَرَّرَ هذا فَنَذْكُرُ الوُجُوهَ التي بَلَغَنَا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى عليها، وقد ذَكَرْنا منها

стр. 1433

وَجْهَيْن أحدُهما، ما ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ، وهو حَدِيثُ سَهْلٍ. والثانى حَدِيثُ ابنِ عمرَ (١٤)، وهو الذي ذَهَبَ إليه أبو حنيفةَ. والثَّالِث، صَلَاة النَّبِيِّ ﷺ بِعُسْفَانَ، وعلى المُشْرِكِينَ خالِدُ بن الوَلِيدِ. فصَلَّيْنَا الظُّهْرَ. فقال المُشْرِكُونَ: لقد أَصَبْنَا غِرَّةً لو حَمَلْنا عليهم في الصلاةِ. فنَزَلَتْ آيةُ القَصْرِ بين الظُّهْرِ والعَصْرِ، فلما حَضَرَتِ العَصْرُ قامَ رسولُ اللهِ ﷺ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَة، والمُشْرِكُونَ أمَامَهُ، فَصَفَّ خَلْفَ رسولِ اللهِ ﷺ صَفٌّ، وصَفَّ خَلْفَ ذلك الصَّفِّ صَفٌّ آخَرُ، فرَكَعَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وَرَكَعُوا جميعا، ثم سَجَدَ وسَجَدَ الصَّفُّ الذي يَلِيهِ، وقَامَ الآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُم، فلمَّا صَلَّى بهؤلاءِ السَّجْدَتَيْنِ وقَامُوا، سَجَدَ الآخَرُونَ الذين كانوا خَلْفَهم، ثم تَأَخَّرَ الصَّفُّ الذي يَلِيهِ إلى مَقامِ الآخَرِينَ، وتَقَدَّمَ الصَّفُّ الآخَرُ إلى مقَامِ الصَّفِّ الأَوَّل، ثم رَكَعَ رسولُ اللهِ ﷺ ورَكَعُوا جميعا، ثم سَجَدَ وسَجَدَ الصَّفُّ الذي يَلِيهِ، وقَامَ الآخَرُونَ يَحْرُسُونَهم، فلما جَلَسَ رسولُ اللهِ ﷺ والصَّفُّ الذي يَلِيهِ سَجَدَ الآخَرُونَ، ثم جَلَسُوا جميعا، فَسَلَّمَ عليهم، فَصَلَّاهَا بِعُسْفَانَ، وصَلَّاهَا يَوْمَ بَنِى سُلَيْمٍ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٥). ورَوَى جَابِرٌ عن النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هذا المَعْنَى. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١٦). وَرُوِىَ عن حُذَيْفَةَ، أنَّه أمَرَ سَعِيدَ بن العَاصِ بِطَبَرِسْتَانَ حين سَألَهم: أيُّكُمْ شَهِدَ مع رسولِ اللهِ ﷺ صلاةَ الخَوْفِ؟ فقال حُذَيْفَةُ: أنا. وأمَرَهُ بنَحْوِ هذه الصلاةِ، وقال: وتَأْمُرُ أصْحَابَكَ إن هَاجَهم هَيْجٌ فقد حَلَّ لهم القِتالُ والكلامُ. رَوَاهُ الأثْرَمُ بإسْنَادِهِ (١٧). وإن حَرَسَ الصَّفُّ الأَوَّلُ

стр. 1434

في الأُولَى، والثانِى في الثَّانيةِ، أو لم يَتَقَدَّم الثانِى إلى مقامِ الأوَّل، أو حَرَسَ بعضُ الصَّفِّ وسَجَدَ الباقُونَ، جَازَ ذلك كُلُّه؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ، لَكِنَّ الأوْلَى فِعْلُ مثلِ ما فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ . ومن شَرْطِ هذه الصلاةِ أن يكونَ العَدُوُّ في جِهَةِ القِبْلَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ حِرَاسَتُهم في الصلاةِ إلَّا كذلك، وأن يكونُوا بحيثُ لا يَخْفَى بَعْضُهم على بعضٍ، ولا يُخَافُ كَمِينٌ لهم. فصل: الوَجْهُ الرَّابعُ، أن يُصَلِّىَ بِكُلِّ طائِفَةٍ صلاةً مُنْفَرِدَةً، ويُسَلِّمَ بها، كما رَوَى أبو بكْرَةَ: قال صَلَّى (١٨) رسولُ اللهِ ﷺ في خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصَفَّ بعْضُهم خَلْفَهُ، وبَعْضُهم بإزَاءِ العَدُوِّ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثم سَلَّمَ، فانْطَلَقَ الذين صَلَّوْا فوَقَفُوا مَوْقِفَ أصْحَابِهِم، ثم جاءَ أولئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَه فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْنِ، ثم سَلَّمَ، فكان لِرسولِ اللَّه ﷺ أرْبَعٌ، ولأصْحَابِهِ رَكْعَتَانِ. أخْرَجَه أبو دَاوُدَ (١٩)، والأثْرَمُ. وهذه صِفَةٌ حَسَنَةٌ، قَلِيلَةُ الكُلْفةِ، لا يَحْتَاجُ فيها إلى مُفارَقَةِ إمامِه (٢٠)، ولا إلى تَعْرِيفِ كَيْفِيَّةِ الصلاةِ. وهذا مَذْهَبُ الحسنِ، وليس فيها أكْثَرُ من أنَّ الإِمامَ في الثانيةِ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُفتَرِضِينَ. فصل: الوَجْهُ الخَامِسُ، أنْ يُصَلِّىَ بالطَّائِفَةِ الأُولَى رَكْعَتَيْنِ، ولا يُسَلِّمُ، ثم تُسَلِّمُ الطَّائِفَةُ، وتَنْصَرِفُ ولا تَقْضِى شيئا. وتَأْتِى الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَيُصَلِّى بها رَكْعَتَيْنِ، ويُسَلِّمُ بها، ولا تَقْضِى شيئا. وهذا مِثْلُ الوَجْهِ الذي قَبْلَه، إلَّا أنَّه لا يُسَلِّمُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ؛ لما رَوَى جَابِرٌ، قال: أَقْبَلْنَا مع النَّبِيِّ ﷺ ، حتى إذا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقاعِ. فذَكَرَ الحَدِيثَ، قال: فَنُودِىَ بالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثم تَأَخَّرُوا، وصَلَّى بالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ. قال: وكانتْ لِرسولِ اللَّه

стр. 1435

- ﷺ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ولِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ (٢١). مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). وتَأوَّلَ القاضي هذا على أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بهم كصلاةِ الحَضَرِ، وأنَّ كلَّ طَائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْنِ. وهذا ظَاهِرُ الفَسَادِ جِدًّا؛ لأنَّه يُخَالِفُ صِفَةَ الرِّوَايَةِ، وقولَ أحمدَ، ويَحْمِلُه على مَحْمَلٍ فَاسِدٍ. أما الرِّوايَةُ فإنَّه ذَكَرَ أنَّه صَلَّى بكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ولم يَذْكُرْ قَضَاءً، ثم قال في آخِرِها (٢٣): ولِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. وأما قَوْلُ أحمدَ، فإنَّه قال: سِتَّةُ أَوْجُهٍ أو سَبْعَةٌ، يُرْوَى فيها، كُلُّها جَائِزٌ. وعلى هذا التَّأْوِيلِ لا تكونُ سِتَّةً ولا خَمْسَةً. ولأنَّه قال: كلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى في أبْوَابِ صلاةِ الخَوْفِ فهو جائِزٌ. وهذا مُخَالِفٌ لهذا التَّأْوِيلِ. وأمَّا فَسَادُ المَحْمَلِ، فإنَّ الخَوْفَ يَقْتَضِى تَخْفِيفَ الصلاةِ وقَصْرَها، كما قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢٤). وعلى هذا التَّأْوِيلِ يَجْعَلُ مَكانَ الرَّكْعَتَيْنِ أرْبَعًا. ويُتِمُّ الصلاةَ المَقْصُورَةَ، ولم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أتَمَّ صلاةَ السَّفَرِ، فكيف يُحْمَلُ ها هُنا على أنَّه أَتَمَّها، في مَوْضِعٍ وُجِدَ فيه ما يَقْتَضِى التَّخْفِيفَ. فصل: الوَجْهُ السَّادِسُ، أن يُصَلِّىَ بكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، ولا تَقْضِى شيئا؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ بِذِى قَرَدٍ (٢٥) صلاةَ الخَوْفِ، والمُشْرِكُونَ بينه وبين القِبْلَةِ، فصَفَّ صَفًّا خَلْفَه، وصَفًّا مُوَازِىَ العَدُوِّ، فصَلَّى بهم رَكْعَةً، ثم ذَهَبَ هؤلاء إلى مَصَافِّ هؤلاءِ، ورَجَعَ هؤلاءِ إلى مَصَافِّ هؤلاءِ، فَصَلَّى بهم رَكْعَةً، ثم سَلَّمَ عليهم، فكانت لِرسولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَانِ، وكانتْ لهم

стр. 1436

رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ. رَوَاهُ الأثْرَمُ (٢٦). وعن حُذَيْفَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى صلاةَ الخَوْفِ بهؤلاءِ رَكْعَةً، وبهؤلاءِ رَكْعَةً، ولم يَقْضُوا شيئا. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٧). ورُوِىَ مِثْلُه عن زَيْدِ بنِ ثابِتٍ وأبي هُرَيْرَةَ (٢٨). رَوَاهُنَّ الأثْرَمُ. وكذلك قال أبو دَاوُدَ، في "السُّنَنِ"، وهو مَذْهَبُ ابنِ عَبّاسٍ، وجَابِرٍ. قال: إنَّما القَصْرُ رَكْعَةٌ عندَ القِتَالِ. وكان (٢٩) طَاوُسٌ، ومُجَاهِدٌ، والحسنُ، وقَتَادَةُ، والحَكَمُ (٣٠) يَقُولُونَ: رَكْعَةً (٣١) في شِدَّةِ الخَوْفِ، يُومِئُ إيمَاءً. وقال إسحاقُ: يُجْزِئُكَ عند الشِّدَّةِ رَكْعَةٌ، تُومِئُ إيمَاءً، فإن لم تَقْدِرْ فسَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، فإن لم تَقْدِرْ فتَكْبِيرَةٌ، لأنَّها ذِكْرٌ للهِ (٣٢) تعالى. وعن الضَّحَّاكِ، أنَّه قال: رَكْعَةٌ، فإن لم يَقْدِرْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً حيثُ كان وَجْهُه. فهذه الصلاةُ يَقْتَضِى عُمُومُ كلامِ أحمدَ جَوَازَها؛ لأنَّه ذَكَرَ سِتَّةَ أَوْجُهٍ، ولا أعْلَمُ وَجْهًا سَادِسًا سِوَاهَا، وأصْحابُنَا يُنْكِرُونَ ذلك. قال القاضي: لا تَأْثِيرَ لِلْخَوْفِ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْل العِلْمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه، وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ من عُلماء

стр. 1437

الأمْصارِ، لا يُجِيزُونَ رَكْعَةً، والذي قال منهم رَكْعَةً، إنَّما جَعَلَها عندَ شِدَّةِ القِتالِ، والذين رَوَيْنا عنهم صلاةَ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُهم لم يَنْقُصُوا عن رَكْعَتَيْنِ، وابنُ عَبَّاسٍ لم يكنْ ممَّن يَحْضُرُ النَّبِيَّ ﷺ في غَزَوَاتِه، ولا يَعْلَمُ ذلك إلَّا بالرِّوَايَةِ عن غيرِه، فالأخْذُ بِرِوايَةِ مَن حَضَرَ الصلاةَ وصَلَّاهَا مع النَّبِيِّ ﷺ أوْلَى. فصل: ومتى صَلَّى بهم صلاةَ الخَوْفِ، من غير خَوْفٍ، فصلاتُه وصلاتُهم فاسِدَةٌ؛ لأنَّها لا تَخْلُو من مُفَارِقِ إمامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وتارِكِ مُتابَعَةِ إمامِه في ثلاثَةِ أرْكانٍ، أو قاصرٍ لِلصلاةِ مع إتمامِ إمامِهِ، وكلُّ ذلك يُفْسِدُ الصلاةَ، إلَّا مُفارَقَةَ الإِمامِ لغيرِ عُذْرٍ، على اخْتِلافٍ فيه. وإذا فَسَدَتْ صلاتُهم، فَسَدَتْ صلاةُ الإِمامِ؛ لأنَّه صَلَّى إمَامًا بمَن صلاتُه فَاسِدَةٌ، إلَّا أنْ يُصَلِّىَ بهم صلاتَيْنِ كامِلَتَيْنِ؛ فإنَّه تَصِحُّ صلاتُه، وصلاةُ الطَّائِفَةِ الأُولَى، وصلاةُ الثانيةِ تَنْبَنى (٣٣) على ائْتِمامِ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ، وقد نَصَرْنَا جَوازَهُ. ٣١٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ شَدِيدًا، وَهُمْ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ، صَلَّوْا رِجَالًا ورُكْبَانًا، إلَى القِبْلَةِ وإلَى غيرِها، يُومِئُونَ إيمَاءً، يَبْتَدِئُونَ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ إلَى القِبْلَةِ إنْ قَدَرُوا، أوْ إلى غَيْرِهَا) . إمَّا إذا اشْتَدَّ الخَوْفُ، والْتَحَمَ القِتالُ، فلهم أن يُصَلُّوا كيفما أَمْكَنَهم؛ رِجالًا ورُكْبَانًا، إلى القِبْلَةِ إن أمْكَنَهم، وإلى غيرِها إنْ لم يُمْكِنْهم، يُومِئُونَ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ على قَدْرِ الطَّاقَةِ، ويَجْعَلُونَ السُّجُودَ أخْفَضَ من الرُّكُوعِ، ويَتَقَدَّمُونَ ويَتَأَخَّرُونَ، ويَضْرِبُونَ ويَطْعَنُونَ، ويَكِرُّونَ ويَفِرُّونَ، ولا يُؤَخِّرُونَ الصلاةَ عن وَقْتِها. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ، وابنُ أبي لَيْلَى: لا يُصَلِّى مع المُسايَفَةِ، ولا مع المَشْىِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُصَلِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وأَخَّرَ الصلاةَ،

стр. 1438

ولأنَّ ما مَنَعَ الصلاةَ في غيرِ شِدَّةِ الخَوْفِ مَنَعَها معه، كالحَدَثِ والصِّياحِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُصَلِّى، ولكن إن تَابَعَ الطَّعْنَ، أو الضَّرْبَ، أو المَشْىَ، أو فَعَلَ ما يَطُولُ، بَطَلَتْ صلاتُه؛ لأنَّ ذلك مِن مُبْطِلاتِ الصلاةِ، أشْبَهَ الحَدَثَ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١)، قال ابنُ عمرَ: فإن كان خَوْفٌ أَشَدُّ من ذلك، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا على أقْدَامِهم، ورُكْبانًا مُسْتَقْبِلِى القِبْلَةِ وغيرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورُوِىَ ذلك عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى بأصْحابِه في غيرِ شِدَّةِ الخَوْفِ، فأمَرَهُم بالمَشْىِ إلى وِجَاهِ العَدُوِّ، ثم يَعُودُونَ لِقَضَاءِ ما بَقِىَ من صَلَاتِهِم، وهذا مَشْىٌ كَثِيرٌ، وعَمَلٌ طَوِيلٌ، واسْتِدْبَارٌ لِلْقِبْلَةِ، وأجازَ ذلك من أجْلِ الخَوْفِ الذي ليس بِشَدِيدٍ، فمع الخَوْفِ الشَّدِيدِ أوْلَى. ومن العَجَبِ أن أبا حنيفةَ اخْتارَ هذا الوَجْهَ دُونَ سائِرِ الوُجُوهِ التي لا تَشْتَمِلُ على العَمَلِ في أثْناء الصَّلَاةِ، وسَوَّغَهُ مع الغِنَى عنه، وإمْكانِ الصلاةِ بِدُونِه، ثم مَنَعَهُ في حالٍ لا يَقْدِرُ إلَّا (٣) عليه، وكان العَكْسُ أوْلَى، سِيَّما مع نَصِّ اللَّه تعالى على الرُّخْصَةِ في هذه الحالِ، ولأنَّه مُكَلَّفٌ تَصِحُّ طَهارَتُه، فلم يَجُزْ له إخْلاءُ وَقْتِ الصلاةِ عن فِعْلِهِا، كالمَرِيضِ، ويخُصُّ الشَّافِعِيُّ بأنَّه عَمَلٌ أُبِيحَ من أجْلِ الخَوْفِ، فلم تَبْطُل الصلاةُ به (٤)، كاسْتِدْبارِ القِبْلَةِ، والرُّكُوبِ، والإِيماءِ، ولأنَّه لا يَخْلُو عند الحاجَةِ إلى العَمَلِ الكَثِيرِ من أحَدِ (٥) ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا تَأْخِيرُ الصلاةِ عن وَقْتِها، ولا خِلافَ بَيْنَنا في تَحْرِيمِه، أو تَرْكُ القِتالِ وفيه هَلَاكُه، وقد قال اللهُ

стр. 1439

تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٦). وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أنَّه لا يَلْزَمُه هذا، أو مُتابَعَةُ العَمَلِ لِلْمُتَنازَعِ فيه، وهو جائِزٌ بالإِجْمَاعِ، فَتَعَيَّنَ فِعْلُه وصِحَّةُ الصلاةِ معه. ثم ما ذَكَرَه يبْطُل بالمَشْىِ (٧) الكَثِيرِ، والعَدْوِ في الهَرَبِ وغَيْرِه. وأمَّا تَأْخِيرُ الصلاةِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فرَوَى أبو سعيدٍ، أنَّه كان قبلَ نُزُولِ صَلَاةِ الخَوْفِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه شَغَلَهُ المُشْركُونَ فَنَسِىَ الصلاةَ، فقد نُقِلَ ما يَدُلُّ على ذلك، وقد ذَكَرْنَاهُ فيما مَضَى (٨)، وأَكَّدَهُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَه لم يكونُوا في مُسايَفَةٍ تُوجِبُ قَطْعَ الصلاةِ. وأمَّا الصِّيَاحُ، والحَدَثُ، فلا حاجَةَ بهم إليه، ويُمْكِنُهم التَّيَمُّمُ، ولا يَلْزَمُ من كَوْنِ الشَّىءِ مُبْطِلًا مع عَدَمِ العُذْرِ أن يُبْطِلَ معه، كَخُرُوجِ النَّجاسَةِ من المُسْتَحاضَةِ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ. وإنْ هَرَبَ من العَدُوِّ هَرَبًا مُباحًا، أو مِن سَيْلٍ، أو سَبُعٍ، أو حَرِيقٍ لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منه بِدُونِ الهَرَبِ. فله أن يُصَلِّىَ صلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ، سَوَاءٌ خافَ على نَفْسِه، أو مالِه، أو أهْلِه. والأسِيرُ إذا خافَهم على نَفْسِه إنْ صَلَّى، والمُخْتَفِى في مَوْضِعٍ، يُصَلِّيانِ كيفما أمْكَنَهما. نَصَّ عليه أحمدُ في الأسِيرِ. ولو كان المُخْتَفِى قَاعِدًا لا يُمْكِنُه القِيامُ، أو مُضْجَعًا لا يُمْكِنُه القُعُودُ، ولا الحَرَكَةُ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه. وهذا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُصَلِّى ويُعِيدُ. وليسَ بِصَحِيحٍ؛ لأنَّه خائِفٌ صَلَّى على حَسَبِ ما يُمْكِنُه، فلم تَلْزَمْهُ الإِعادَةُ كالهارِبِ. ولا فَرْقَ بين الحَضَرِ والسَّفَرَ في هذا؛ لأنَّ المُبِيحَ خَوْفُ الهَلاكِ، وقد تَسَاوَيا فيه، ومتى أمْكَنَ التَّخَلُّصُ بدون ذلك، كالهارِبِ من السَّيْلِ يَصْعَدُ إلى رَبْوَةٍ، والخائِفِ من العَدُوِّ يُمْكِنُه دُخُولُ حِصْنٍ يَأْمَنُ فيه صَوْلَة العَدُوِّ، ولُحُوقَ الضَّرَرِ (٩)، فَيُصَلِّى فيه، ثم

стр. 1440

يَخْرُجُ، لم يكنْ له أن يُصَلِّىَ صلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ؛ لأنَّها إنَّما أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ، فاخْتَصَّتْ بِوُجُودِ الضَّرُورَةِ. فصل: والعَاصِى بِهَرَبِه، كالذي يَهْرُبُ من حَقٍّ تَوَجَّهَ عليه، وقاطِعِ الطَّرِيقِ، واللِّصِّ، والسَّارِقِ، ليسَ له أن يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ؛ لأنَّها رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لِلدَّفْعِ عن نَفْسِه في مَحَلٍّ مُباحٍ، فلا تَثْبُتُ بِالمَعْصِيَةِ، كرُخَصِ السَّفَرِ. فصل: قال أصْحَابُنا: يجوزُ أن يُصَلُّوا في حالِ شِدَّةِ الخَوْفِ جَماعَةً، رِجَالًا، ورُكْبَانًا. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ ذلك. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّهم يَحْتاجُونَ إلى التَّقَدُّمِ (١٠) والتَّأَخُّرِ، وَرُبَّما تَقَدَّمُوا الإِمامَ، وتَعَذَّرَ عليهم الائْتِمامُ. واحْتَجَّ أصْحَابُنا بأنَّها حالَةٌ يجوزُ فيها الصلاةُ على الانْفِرادِ، فجازَ فيها صلاةُ الجَمَاعَةِ، كرُكُوبِ السَّفِينَةِ، ويُعْفَى عن تَقَدُّمِ الإِمامِ لِلْحاجَةِ إليه، كالعَفْوِ عن العَمَلِ الكَثِيرِ. ولمن نَصَرَ الأوَّلَ أن يقولَ: العَفْوُ عن ذلك لا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أو مَعْنَى نَصٍّ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما، وليس هذا في مَعْنَى العَمَلِ الكَثِيرِ؛ لأنَّ العَمَلَ الكَثِيرَ لا يخْتَصُّ الإِمامَةَ، بل هو في حالِ الانْفِرادِ، كحالِ الائْتِمامِ، فلا يُؤَثِّرُ الانْفِرادُ في نَفْسِه (١١)، بخِلافِ تَقَدُّمِ الإِمامِ. فصل: وإذا صَلَّوْا صلاةَ الخَوْفِ، ظَنًّا منهم أنَّ ثَمَّ عَدُوًّا، فبانَ أنَّه لا عَدُوَّ ثَمَّ (١٢)، أو بانَ عَدُوٌّ لكنْ بينَهم وبينَه ما يَمْنَعُ عُبُورَهُ إليهم، فعليهم الإِعادَةُ، سَوَاءٌ صَلَّوْا صلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ أو غيرَها، وسَوَاءٌ كان ظَنُّهم مُسْتَنِدًا إلى خَبَرِ ثِقَةٍ أو غيرِه، أو رُؤْيَةِ سَوادٍ، أو نحوِه؛ لأنَّهم تَرَكُوا بعضَ وَاجِباتِ الصلاةِ ظَنًّا منهم سُقُوطَها، فَلَزِمَتْهم الإِعادَةُ، كما لو تَرَكَ المُتَوَضِّئُ غَسْلَ رِجْلَيْه، ومَسَحَ على
следующие страницы →