رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ. رَوَاهُ الأثْرَمُ (٢٦). وعن حُذَيْفَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى صلاةَ الخَوْفِ بهؤلاءِ رَكْعَةً، وبهؤلاءِ رَكْعَةً، ولم يَقْضُوا شيئا. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٧). ورُوِىَ مِثْلُه عن زَيْدِ بنِ ثابِتٍ وأبي هُرَيْرَةَ (٢٨). رَوَاهُنَّ الأثْرَمُ. وكذلك قال أبو دَاوُدَ، في "السُّنَنِ"، وهو مَذْهَبُ ابنِ عَبّاسٍ، وجَابِرٍ. قال: إنَّما القَصْرُ رَكْعَةٌ عندَ القِتَالِ. وكان (٢٩) طَاوُسٌ، ومُجَاهِدٌ، والحسنُ، وقَتَادَةُ، والحَكَمُ (٣٠) يَقُولُونَ: رَكْعَةً (٣١) في شِدَّةِ الخَوْفِ، يُومِئُ إيمَاءً. وقال إسحاقُ: يُجْزِئُكَ عند الشِّدَّةِ رَكْعَةٌ، تُومِئُ إيمَاءً، فإن لم تَقْدِرْ فسَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، فإن لم تَقْدِرْ فتَكْبِيرَةٌ، لأنَّها ذِكْرٌ للهِ (٣٢) تعالى. وعن الضَّحَّاكِ، أنَّه قال: رَكْعَةٌ، فإن لم يَقْدِرْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً حيثُ كان وَجْهُه. فهذه الصلاةُ يَقْتَضِى عُمُومُ كلامِ أحمدَ جَوَازَها؛ لأنَّه ذَكَرَ سِتَّةَ أَوْجُهٍ، ولا أعْلَمُ وَجْهًا سَادِسًا سِوَاهَا، وأصْحابُنَا يُنْكِرُونَ ذلك. قال القاضي: لا تَأْثِيرَ لِلْخَوْفِ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْل العِلْمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه، وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ من عُلماء
стр. 1437
الأمْصارِ، لا يُجِيزُونَ رَكْعَةً، والذي قال منهم رَكْعَةً، إنَّما جَعَلَها عندَ شِدَّةِ القِتالِ، والذين رَوَيْنا عنهم صلاةَ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُهم لم يَنْقُصُوا عن رَكْعَتَيْنِ، وابنُ عَبَّاسٍ لم يكنْ ممَّن يَحْضُرُ النَّبِيَّ ﷺ في غَزَوَاتِه، ولا يَعْلَمُ ذلك إلَّا بالرِّوَايَةِ عن غيرِه، فالأخْذُ بِرِوايَةِ مَن حَضَرَ الصلاةَ وصَلَّاهَا مع النَّبِيِّ ﷺ أوْلَى.
فصل: ومتى صَلَّى بهم صلاةَ الخَوْفِ، من غير خَوْفٍ، فصلاتُه وصلاتُهم فاسِدَةٌ؛ لأنَّها لا تَخْلُو من مُفَارِقِ إمامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وتارِكِ مُتابَعَةِ إمامِه في ثلاثَةِ أرْكانٍ، أو قاصرٍ لِلصلاةِ مع إتمامِ إمامِهِ، وكلُّ ذلك يُفْسِدُ الصلاةَ، إلَّا مُفارَقَةَ الإِمامِ لغيرِ عُذْرٍ، على اخْتِلافٍ فيه. وإذا فَسَدَتْ صلاتُهم، فَسَدَتْ صلاةُ الإِمامِ؛ لأنَّه صَلَّى إمَامًا بمَن صلاتُه فَاسِدَةٌ، إلَّا أنْ يُصَلِّىَ بهم صلاتَيْنِ كامِلَتَيْنِ؛ فإنَّه تَصِحُّ صلاتُه، وصلاةُ الطَّائِفَةِ الأُولَى، وصلاةُ الثانيةِ تَنْبَنى (٣٣) على ائْتِمامِ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ، وقد نَصَرْنَا جَوازَهُ.
٣١٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ شَدِيدًا، وَهُمْ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ، صَلَّوْا رِجَالًا ورُكْبَانًا، إلَى القِبْلَةِ وإلَى غيرِها، يُومِئُونَ إيمَاءً، يَبْتَدِئُونَ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ إلَى القِبْلَةِ إنْ قَدَرُوا، أوْ إلى غَيْرِهَا) .
إمَّا إذا اشْتَدَّ الخَوْفُ، والْتَحَمَ القِتالُ، فلهم أن يُصَلُّوا كيفما أَمْكَنَهم؛ رِجالًا ورُكْبَانًا، إلى القِبْلَةِ إن أمْكَنَهم، وإلى غيرِها إنْ لم يُمْكِنْهم، يُومِئُونَ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ على قَدْرِ الطَّاقَةِ، ويَجْعَلُونَ السُّجُودَ أخْفَضَ من الرُّكُوعِ، ويَتَقَدَّمُونَ ويَتَأَخَّرُونَ، ويَضْرِبُونَ ويَطْعَنُونَ، ويَكِرُّونَ ويَفِرُّونَ، ولا يُؤَخِّرُونَ الصلاةَ عن وَقْتِها. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ، وابنُ أبي لَيْلَى: لا يُصَلِّى مع المُسايَفَةِ، ولا مع المَشْىِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُصَلِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وأَخَّرَ الصلاةَ،
стр. 1438
ولأنَّ ما مَنَعَ الصلاةَ في غيرِ شِدَّةِ الخَوْفِ مَنَعَها معه، كالحَدَثِ والصِّياحِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُصَلِّى، ولكن إن تَابَعَ الطَّعْنَ، أو الضَّرْبَ، أو المَشْىَ، أو فَعَلَ ما يَطُولُ، بَطَلَتْ صلاتُه؛ لأنَّ ذلك مِن مُبْطِلاتِ الصلاةِ، أشْبَهَ الحَدَثَ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١)، قال ابنُ عمرَ: فإن كان خَوْفٌ أَشَدُّ من ذلك، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا على أقْدَامِهم، ورُكْبانًا مُسْتَقْبِلِى القِبْلَةِ وغيرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورُوِىَ ذلك عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى بأصْحابِه في غيرِ شِدَّةِ الخَوْفِ، فأمَرَهُم بالمَشْىِ إلى وِجَاهِ العَدُوِّ، ثم يَعُودُونَ لِقَضَاءِ ما بَقِىَ من صَلَاتِهِم، وهذا مَشْىٌ كَثِيرٌ، وعَمَلٌ طَوِيلٌ، واسْتِدْبَارٌ لِلْقِبْلَةِ، وأجازَ ذلك من أجْلِ الخَوْفِ الذي ليس بِشَدِيدٍ، فمع الخَوْفِ الشَّدِيدِ أوْلَى. ومن العَجَبِ أن أبا حنيفةَ اخْتارَ هذا الوَجْهَ دُونَ سائِرِ الوُجُوهِ التي لا تَشْتَمِلُ على العَمَلِ في أثْناء الصَّلَاةِ، وسَوَّغَهُ مع الغِنَى عنه، وإمْكانِ الصلاةِ بِدُونِه، ثم مَنَعَهُ في حالٍ لا يَقْدِرُ إلَّا (٣) عليه، وكان العَكْسُ أوْلَى، سِيَّما مع نَصِّ اللَّه تعالى على الرُّخْصَةِ في هذه الحالِ، ولأنَّه مُكَلَّفٌ تَصِحُّ طَهارَتُه، فلم يَجُزْ له إخْلاءُ وَقْتِ الصلاةِ عن فِعْلِهِا، كالمَرِيضِ، ويخُصُّ الشَّافِعِيُّ بأنَّه عَمَلٌ أُبِيحَ من أجْلِ الخَوْفِ، فلم تَبْطُل الصلاةُ به (٤)، كاسْتِدْبارِ القِبْلَةِ، والرُّكُوبِ، والإِيماءِ، ولأنَّه لا يَخْلُو عند الحاجَةِ إلى العَمَلِ الكَثِيرِ من أحَدِ (٥) ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا تَأْخِيرُ الصلاةِ عن وَقْتِها، ولا خِلافَ بَيْنَنا في تَحْرِيمِه، أو تَرْكُ القِتالِ وفيه هَلَاكُه، وقد قال اللهُ
стр. 1439
تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٦). وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أنَّه لا يَلْزَمُه هذا، أو مُتابَعَةُ العَمَلِ لِلْمُتَنازَعِ فيه، وهو جائِزٌ بالإِجْمَاعِ، فَتَعَيَّنَ فِعْلُه وصِحَّةُ الصلاةِ معه. ثم ما ذَكَرَه يبْطُل بالمَشْىِ (٧) الكَثِيرِ، والعَدْوِ في الهَرَبِ وغَيْرِه. وأمَّا تَأْخِيرُ الصلاةِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فرَوَى أبو سعيدٍ، أنَّه كان قبلَ نُزُولِ صَلَاةِ الخَوْفِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه شَغَلَهُ المُشْركُونَ فَنَسِىَ الصلاةَ، فقد نُقِلَ ما يَدُلُّ على ذلك، وقد ذَكَرْنَاهُ فيما مَضَى (٨)، وأَكَّدَهُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَه لم يكونُوا في مُسايَفَةٍ تُوجِبُ قَطْعَ الصلاةِ. وأمَّا الصِّيَاحُ، والحَدَثُ، فلا حاجَةَ بهم إليه، ويُمْكِنُهم التَّيَمُّمُ، ولا يَلْزَمُ من كَوْنِ الشَّىءِ مُبْطِلًا مع عَدَمِ العُذْرِ أن يُبْطِلَ معه، كَخُرُوجِ النَّجاسَةِ من المُسْتَحاضَةِ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ. وإنْ هَرَبَ من العَدُوِّ هَرَبًا مُباحًا، أو مِن سَيْلٍ، أو سَبُعٍ، أو حَرِيقٍ لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منه بِدُونِ الهَرَبِ. فله أن يُصَلِّىَ صلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ، سَوَاءٌ خافَ على نَفْسِه، أو مالِه، أو أهْلِه. والأسِيرُ إذا خافَهم على نَفْسِه إنْ صَلَّى، والمُخْتَفِى في مَوْضِعٍ، يُصَلِّيانِ كيفما أمْكَنَهما. نَصَّ عليه أحمدُ في الأسِيرِ. ولو كان المُخْتَفِى قَاعِدًا لا يُمْكِنُه القِيامُ، أو مُضْجَعًا لا يُمْكِنُه القُعُودُ، ولا الحَرَكَةُ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه. وهذا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُصَلِّى ويُعِيدُ. وليسَ بِصَحِيحٍ؛ لأنَّه خائِفٌ صَلَّى على حَسَبِ ما يُمْكِنُه، فلم تَلْزَمْهُ الإِعادَةُ كالهارِبِ. ولا فَرْقَ بين الحَضَرِ والسَّفَرَ في هذا؛ لأنَّ المُبِيحَ خَوْفُ الهَلاكِ، وقد تَسَاوَيا فيه، ومتى أمْكَنَ التَّخَلُّصُ بدون ذلك، كالهارِبِ من السَّيْلِ يَصْعَدُ إلى رَبْوَةٍ، والخائِفِ من العَدُوِّ يُمْكِنُه دُخُولُ حِصْنٍ يَأْمَنُ فيه صَوْلَة العَدُوِّ، ولُحُوقَ الضَّرَرِ (٩)، فَيُصَلِّى فيه، ثم
стр. 1440
يَخْرُجُ، لم يكنْ له أن يُصَلِّىَ صلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ؛ لأنَّها إنَّما أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ، فاخْتَصَّتْ بِوُجُودِ الضَّرُورَةِ.
فصل: والعَاصِى بِهَرَبِه، كالذي يَهْرُبُ من حَقٍّ تَوَجَّهَ عليه، وقاطِعِ الطَّرِيقِ، واللِّصِّ، والسَّارِقِ، ليسَ له أن يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ؛ لأنَّها رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لِلدَّفْعِ عن نَفْسِه في مَحَلٍّ مُباحٍ، فلا تَثْبُتُ بِالمَعْصِيَةِ، كرُخَصِ السَّفَرِ.
فصل: قال أصْحَابُنا: يجوزُ أن يُصَلُّوا في حالِ شِدَّةِ الخَوْفِ جَماعَةً، رِجَالًا، ورُكْبَانًا. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ ذلك. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّهم يَحْتاجُونَ إلى التَّقَدُّمِ (١٠) والتَّأَخُّرِ، وَرُبَّما تَقَدَّمُوا الإِمامَ، وتَعَذَّرَ عليهم الائْتِمامُ. واحْتَجَّ أصْحَابُنا بأنَّها حالَةٌ يجوزُ فيها الصلاةُ على الانْفِرادِ، فجازَ فيها صلاةُ الجَمَاعَةِ، كرُكُوبِ السَّفِينَةِ، ويُعْفَى عن تَقَدُّمِ الإِمامِ لِلْحاجَةِ إليه، كالعَفْوِ عن العَمَلِ الكَثِيرِ. ولمن نَصَرَ الأوَّلَ أن يقولَ: العَفْوُ عن ذلك لا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أو مَعْنَى نَصٍّ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما، وليس هذا في مَعْنَى العَمَلِ الكَثِيرِ؛ لأنَّ العَمَلَ الكَثِيرَ لا يخْتَصُّ الإِمامَةَ، بل هو في حالِ الانْفِرادِ، كحالِ الائْتِمامِ، فلا يُؤَثِّرُ الانْفِرادُ في نَفْسِه (١١)، بخِلافِ تَقَدُّمِ الإِمامِ.
فصل: وإذا صَلَّوْا صلاةَ الخَوْفِ، ظَنًّا منهم أنَّ ثَمَّ عَدُوًّا، فبانَ أنَّه لا عَدُوَّ ثَمَّ (١٢)، أو بانَ عَدُوٌّ لكنْ بينَهم وبينَه ما يَمْنَعُ عُبُورَهُ إليهم، فعليهم الإِعادَةُ، سَوَاءٌ صَلَّوْا صلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ أو غيرَها، وسَوَاءٌ كان ظَنُّهم مُسْتَنِدًا إلى خَبَرِ ثِقَةٍ أو غيرِه، أو رُؤْيَةِ سَوادٍ، أو نحوِه؛ لأنَّهم تَرَكُوا بعضَ وَاجِباتِ الصلاةِ ظَنًّا منهم سُقُوطَها، فَلَزِمَتْهم الإِعادَةُ، كما لو تَرَكَ المُتَوَضِّئُ غَسْلَ رِجْلَيْه، ومَسَحَ على
стр. 1441
خُفَّيْهِ، ظَنًّا منه أنَّ ذلك يُجْزِئُ (١٣) عنه وصَلَّى، ثم تَبَيَّنَ أنَّ خُفَّهُ كان مُخَرَّقًا، وكما لو ظَنَّ المُحْدِثُ أنَّه مُتَطَهِّرٌ فصَلَّى. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَلْزَمَ الإِعادَةُ إذا كان عَدُوًّا بينهم وبينه ما يَمْنَعُ العُبُورَ؛ لأنَّ السَّبَبَ لِلْخَوْفِ مُتَحَقِّقٌ، وإنَّما خَفِىَ المانِعُ.
٣١٨ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَمِنَ وَهُوَ في الصَّلَاةِ، أتَمَّهَا صَلَاةَ آمِنٍ، وكَذَلِكَ (١) إنْ كَانَ آمِنًا، فَاشْتَدَّ خوْفُه، أَتَمَّها صَلَاةَ خائِفٍ)
وجُمْلَتُه أنَّه إذا صلَّى بعضَ الصلاةِ حالَ شِدَّةِ الخَوْفِ، مع الإِخْلالِ بِشىءٍ من وَاجِبَاتِها، كالاسْتِقْبَالِ وغيرِه، فأمِنَ في أثْناء الصلاةِ، أتَمَّها آتِيًا بِوَاجِباتِها، فإذا كان رَاكِبًا إلى غيرِ القِبْلَةِ، نَزَلَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وإن كان مَاشِيًا، وَقَفَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَبنَى على ما مَضَى؛ لأنَّ ما مَضَى كان صَحِيحًا قبلَ الأمْنِ، فجاز البِناءُ عليه، كما لو لم يُخِلَّ بشيءٍ من الوَاجِباتِ. وإن تَرَكَ الاسْتِقْبالَ حالَ نُزُولِهِ، أو أخَلَّ بِشىءٍ من وَاجِباتِها بعدَ أمْنِه، فَسَدَتْ صلاتُه. وإن ابْتَدَأَ الصلاةَ آمِنًا بِشُرُوطِها وواجِبَاتِها، ثم حَدَثَ شِدَّةُ خَوْفٍ، أتَمَّها، على حَسَبِ ما يَحْتَاجُ إليه، مثلُ أن يكونَ قَائِمًا على الأرْضِ مُسْتَقْبِلًا، فَيْحَتاجُ أن يَرْكَبَ ويَسْتَدبرَ القِبْلَةَ، أتَمَّها على حَسَبِ ما يَحْتَاجُ إليه، ويَطْعَنُ ويَضْرِبُ ونحوَ ذلك، فإنَّه يَصِيرُ إليه، ويَبْنِى على ما مَضَى من صلاتِه. وحُكِىَ عن الشَّافِعِىِّ أنَّه إذا أمِنَ نَزَلَ فبَنَى، وإذا خافَ فرَكِبَ ابْتَدَأَ؛ لأنَّ الرُكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الرُّكُوبَ قد يكونُ يَسِيرًا، فمثلُه في حَقِّ الآمِنِ لا يُبْطِلُ، ففى حَقِّ الخَائِفِ أوْلَى كالنُّزُولِ، ولأنَّه عَمَلٌ أُبِيحَ لِلْحاجَةِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الصلاةِ كالهَرَبِ.
стр. 1442
بابُ صلاةِ الكُسُوفِ
الكُسُوفُ والخُسُوفُ شىْءٌ واحِدٌ، وكِلَاهُما قد وَرَدَتْ به الأخْبارُ، وجاءَ القُرْآنُ بِلَفْظِ الخُسُوفِ.
٣١٩ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ: (وَإذَا خسَفَتِ الشَّمْسُ أو القَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ، إنْ أَحَبُّوا جَمَاعَةً، وإن أَحَبُّوا فُرَادَى)
صَلَاةُ الكُسُوفِ ثَابِتَةٌ بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، على ما سَنَذْكُرُه، ولا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ في مَشْرُوعِيَّتِها لِكُسُوفِ الشَّمْسِ خِلَافًا، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ على أنَّها مَشْرُوعَةٌ لِخُسُوفِ القَمَرِ، فَعَلَه ابنُ عَبَّاسٍ. وبه قال عَطَاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وقال مالِكٌ: ليسَ لِكُسُوفِ القَمَرِ سُنَّةٌ. وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ عنه، وعن أبي حنيفةَ أنَّهما قالا: يُصَلِّى النّاسُ لِخُسُوفِ القَمَرِ وُحْدَانًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ولا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً؛ لأنَّ في خُرُوجِهِمْ إليها مَشَقَّةٌ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّه، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَيَاتِه، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا". مُتَّفَقٌ عليه (١). فأمَرَ بالصلاةِ لهما أمْرًا واحدا. وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه صَلَّى بأهلِ البَصْرَةِ في خُسُوفِ القَمَرِ رَكْعَتَيْنِ، وقال: إنَّما
стр. 1443
صَلَّيْتُ لأنِّى رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّى (٢). ولأنَّه أَحَدُ الكُسُوفَيْنِ، فأشْبَهَ كُسُوفَ الشَّمْسِ. ويُسَنُّ فِعْلُها جَماعَةً وَفُرادَى. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وحُكِىَ عن الثَّوْرِىِّ أنَّه قال: إنْ صَلَّاهَا الإِمامُ صَلُّوهَا معه، وإلَّا فلا تُصَلُّوا. ولَنا، قولُه ﵊: "فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا". ولأنَّها نافِلَةٌ، فجازَتْ في الانْفِرَادِ، كَسائِرِ النَّوافِلِ. وإذا ثَبَتَ هذا فإنَّ فِعْلَها في الجَماعَةِ أفْضَلُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّاها في جَمَاعَةٍ، والسُّنَّةُ أنْ يُصَلِّيَها في المَسْجِدِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَها فيه. قالت عائشةُ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَياةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فخَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فَصَفَّ النّاسُ وَرَاءَه. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٣). ولأنَّ وَقْتَ الكُسُوفِ يَضِيقُ، فلو خَرَجَ إلى المُصَلَّى احْتَمَلَ التَّجَلِّى قبلَ فِعلِها. وتُشْرَعُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه. وقال أبو بكرٍ: هي كصلاةِ العِيدِ، فيها رِوايتانِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَإِذَا رَأَيتُمُوهَا فَصَلُّوا". ولأنَّها نَافِلَةٌ أَشْبَهَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ. وتُشْرَعُ في حَقِّ النِّساءِ؛ لأنَّ عائشةَ وأسْمَاءَ صَلَّتَا مع رسولِ اللهِ ﷺ . رَوَاه البُخَارِيُّ (٤). ويُسَنُّ أن يُنادَى لها: الصَّلَاةَ جَامِعَةً؛ لما رُوِىَ عن عبدِ اللهِ بن
стр. 1444
عمرٍو، قال: لمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ نُودِىَ بالصَّلَاةِ جَامِعَةً. مُتَّفَقٌ عليه (٥). ولا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامةٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّاهَا بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، ولأنَّها مِن غيرِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، فأشْبَهَتْ سَائِرَ (٦) النَّوَافِلِ.
٣٢٠ - مسألة؛ قال: (يَقْرأُ في الأُولَى بِأُمِّ الكتَابِ وسُورَةٍ طَوِيلَةٍ، يَجْهَرُ بالقِرَاءَةِ، ثم يَرْكَعُ فَيُطِيلُ الرُّكُوعَ، ثم يَرْفَعُ فَيَقْرأُ ويُطِيلُ القِيَامَ، وهو دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثم يَرْكَعُ فَيُطِيلُ الرُّكُوعَ، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّل، ثم يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فإذا قَامَ فَعَلَ مِثْلَ ذلك، فَيَكُونُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثم يَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ)
وجُمْلَتُه أنَّ المُسْتَحَبَّ في صلاةِ الكُسُوفِ أن يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ، يُحْرِمُ بالأُولَى، ويَسْتَفْتِحُ، ويَسْتَعِيذُ، ويَقْرأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ البَقَرَةِ، أو قَدْرَها في الطُّولِ، ثم يَرْكَعُ فَيُسَبِّحُ اللهَ تَعَالَى قَدْرَ مائة آيَةٍ (١)، ثم يَرْفَعُ فيَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ. ثم يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ وآلَ عِمْرَانَ، أو قَدْرَها، ثم يَرْكَعُ بِقَدْرِ ثُلُثَىْ رُكُوعِهِ الأوَّل، ثم يَرْفَعُ فَيُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ثم يَسْجُدُ فَيُطِيلُ السُّجُودَ فيهما، ثم يَقُومُ إلى الرَّكْعَةِ الثانيةِ، فَيَقْرَأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ النِّسَاءِ، ثم يَرْكَعُ فَيُسَبِّحُ بِقَدْرِ ثُلُثَىْ تَسْبِيحِه في الثانيةِ، ثم يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ الفَاتِحَةَ والمائِدَةَ، ثم يَرْكَعُ فَيُطِيلُ دونَ الذي قبلَه، ثم يَرْفَعُ فيُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ثم يَسْجُدُ فيُطِيلُ، فيكونُ الجَمِيعُ رَكْعَتَيْنِ، في كُلِّ رَكْعَةٍ قِيامانِ
стр. 1445
وقِراءتانِ ورُكُوعانِ وسُجُودانِ. ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ لَيْلًا كان أو نَهَارًا. وليس هذا التَّقْدِيرُ في القِراءَةِ مَنْقُولًا عن أحمدَ، لكنْ قد نُقِلَ عنه أنَّ الأُولَى أَطْوَلُ من الثانِيةِ، وجاءَ التَّقْدِيرُ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، نَحْوًا من سُورَةِ البَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفي حَدِيثٍ لعائشةَ: حَزَرْتُ قِرَاءَةَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فرأيتُ أنَّه قَرَأَ في الرَّكْعَةِ الأُولَى سُورَةَ البَقَرَةِ، وفى الثانيةِ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ (٣). وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، إلَّا أنَّهما قالا: لا يُطِيلُ السُّجُودَ. حكاه عنهما ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ ذلك لم يُنْقَلْ. وقالا: لا يَجْهَرُ في كُسُوفِ الشَّمْسِ، ويَجْهَرُ في خُسُوفِ القَمَرِ. وَوَافَقَهم أبو حنيفةَ، لِقَوْلِ عائشةَ: حَزَرْتُ قِرَاءَةَ رسولِ اللهِ ﷺ . ولو جَهَرَ بالقِرَاءَةِ لم تَحْتَجْ إلى الظَّنِّ والتَّخْمِينِ. وكذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ: قامَ قِيامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. ورَوَى سَمُرَةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى في خُسُوفِ الشَّمْسِ، فلم أسْمَعْ له صَوْتًا. قال التِّرْمِذِىُّ (٤): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ (٥) صَحِيحٌ. ولأنَّها صلاةُ نَهَارٍ، فلم يَجْهَرْ فيها كالظُّهْرِ. وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى رَكْعتَيْنِ كصلاةِ التَّطَوُّعِ؛ لما رَوَى النُّعْمَانُ بن بَشِيرٍ، قال: انْكَسَفَتِ
стр. 1446
الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فَخرَجَ فكان يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ ويُسَلِّمُ، ويُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ ويُسَلِّمُ، حتى انْجَلَتِ الشَّمْسُ. رَوَاه أحمدُ (٦)، عنِ عبدِ الوَهَّابِ الثّقَفِىِّ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلَابَةَ، عن النُّعْمَانِ. ورَوَى قَبِيصَةُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ المَكْتُوبَةِ" (٧). ولَنا، أنَّ عَبْدَ اللهِ بن عَمْرٍو قال في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ في الكُسُوفِ: ثم سَجَدَ، فلم يَكَدْ يَرْفَعُ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٨). وفي حَدِيثِ عائشةَ: ثم رَفَعَ، ثم سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، ثم قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وهو دُونَ القِيَامِ الأوَّل، ثم رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّل، ثم سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، وهو دُونَ السُّجُودِ الأوَّل. رَرَاه البُخَارِىُّ (٩). وتَرْكُ ذِكْرِه في حَدِيثٍ لا يَمْنَعُ مَشْرُوعِيَّتَه إذا ثَبَتَ عن (١٠) النَّبِيِّ ﷺ . وأمَّا الجَهْرُ فقد رُوِىَ عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، وفَعَلَهُ عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ وبِحَضْرَتِه البَرَاءُ بن عَازِبٍ وزَيْدُ بنُ أرْقَمَ، وبه قال أبو يوسفَ، وإسحاقُ، وابِنُ المُنْذِرِ. ورَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ [جَهَرَ في صلاةِ الخُسوفِ. مُتَّفَقٌ عليه (١١). وعن عُرْوَةَ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ] (١٢) صَلَّى صلاةَ الكُسُوفِ،
стр. 1447
وجَهَرَ فيها بالقِرَاءَةِ. قال التِّرْمِذِىُّ (١٣): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّها نَافِلَةٌ شُرِعَتْ لها الجَمَاعَةُ، فكان من سُنَنِها الجَهْرُ كصلاةِ الاسْتِسْقاءِ والعِيدِ والتَّرَاوِيحِ. فأمَّا قَوْلُ عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها: حَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ. ففى إسْنَادِه مقَالٌ؛ لأنَّه من رِوَايَةِ ابن إسْحاقَ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ سَمِعَتْ صَوْتَهُ ولم تَفْهَمْ لِلْبُعْدِ، أو قَرَأَ من غيرِ أوَّلِ القُرْآنِ بِقَدْرِ البَقَرَةِ. ثم حَدِيثُنَا صَحِيحٌ صَرِيحٌ، فكيف يُعَارَضُ بمِثْلِ هذا! وحَدِيثُ سَمُرَةَ يجوزُ أنَّه لم يَسْمَعْ لِبُعْدِه؛ فإنَّ في حَدِيثِه: دُفِعْتُ إلى المَسْجِدِ، وهو بِأُزَزٍ (١٤). يعني مُغْتَصًّا بالزِّحامِ. قالَه الخَطَّابِىُّ (١٥). ومَنْ هذا حَالُه لا يَصِلُ مكانًا يَسْمَعُ منه. ثم هذا نَفْىٌ مُحْتَمِلٌ لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، فكيف يُتْرَكُ من أجْلِه الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ! وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بالجُمُعَةِ والعِيدَيْنِ والاسْتِسْقاءِ، وقِياسُ هذه الصلاةِ على هذه الصَّلَوَاتِ أوْلَى من قِياسِها على الظُّهْرِ؛ لِبُعْدِها منها، وشَبَهِها بهذه. وأمَّا الدَّلِيلُ على صِفَةِ الصلاةِ، فرَوَتْ عائشةُ، قالت: خَسِفَتِ الشَّمْسُ في حَيَاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فخَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ، فقَامَ، وكبَّرَ، وصَفَّ النّاسُ وَرَاءَهُ، فاقْتَرَأَ رسولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثم كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثم رَفَعَ رَأْسَه، فقال: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ
стр. 1448
حَمِدَهُ، رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ". ثم قَامَ فَاقْتَرأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هي أدْنَى من القِراءَةِ الأُولَى، ثم كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، هو أدْنَى من الرُّكُوعِ الأوَّل، ثم قال: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ"، ثم سَجَدَ، ثم فَعَلَ في الرَّكْعَةِ الأُخْرَى (١٦) مِثْلَ ذلك، حتى اسْتَكْمَلَ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وأرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وانْجَلَتِ الشَّمْسُ قبلَ أن يَنْصَرِفَ. وعن ابنِ عَبَّاسٍ مثلُ ذلك، وفيه أنَّه قامَ في الأُولَى قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا من سُورَةِ البَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عليهما (١٧). ولأنَّها صلاةٌ يُشْرَعُ لها الاجْتِماعُ، فخالَفَتْ سَائِرَ النَّوافِلِ، كصلاةِ العِيدَيْنِ والاسْتِسْقاءِ، فأمَّا أحَادِيثُهم فمَتْرُوكَةٌ غيرُ مَعْمُولٍ بها باتِّفَاقِنا، فإنَّهم قالوا: يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ. وحَدِيثُ النُّعْمانِ (١٨) فيه أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ ثم رَكْعَتَيْنِ، حتى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، وحَدِيثُ قَبِيصَةَ (١٩) فيه أنَّه يُصَلِّى كأحْدَثِ صَلاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا. وأحَدُ الحَدِيثَيْنِ يُخالِفُ الآخَرَ. ثم حَدِيثُ قَبِيصَةَ مُرْسَلٌ. ثم يَحْتَمِلُ أنَّه صَلَّى رَكْعَتَيْنِ في كلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ لَكان الأخْذُ بأحادِيثِنا أَوْلَى؛ لِصِحَّتِها وشُهْرَتِها، واتّفَاقِ الأَئِمَّةِ على صِحَّتِها، والأَخْذِ بها، واشْتِمالها على الزِّيادَةِ، والزِّيادَةُ من الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، ثم هي نَاقِلَةٌ عن العادَةِ، وقد رُوِىَ عن عُرْوَةَ أنَّه قِيلَ له: إنَّ أخاك صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. فقال: إنَّه أخْطَأَ السُّنَّةَ (٢٠).
стр. 1449
فصل: ومَهْمَا قَرَأَ به جازَ سَوَاءٌ كانت القِراءَةُ طَوِيلَةً أو قَصِيرَةً. وقد رُوِىَ عن عائشة، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّى في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وأرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وقَرَأَ في الأُولَى بالعَنْكَبُوتِ والرُّومِ، وفى الثَّانِيَةِ بيس. أخْرَجَه الدَّارَقُطْنِىُّ (٢١).
فصل: ولم يَبْلُغْنَا عن أحمدَ، ﵀ أنَّ لها خُطْبَةً، وأصْحابُنا على أنَّها لا خُطْبَةَ لها. وهذا مذهبُ مالِكٍ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَخْطُبُ كَخُطْبَتَىِ الجُمُعَةِ؛ لما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ انْصَرَفَ وقد انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فخَطَبَ النَّاسَ، وحَمِدَ اللهَ، وأثْنَى عليه، ثم قال: "إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِه، فَإذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ، وكَبِّرُوا، وصَلُّوا، وتَصَدَّقُوا" ثم قال: "يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، واللهِ مَا أحَدٌ أغْيَرُ مِنَ اللهِ أن يَزْنِىَ عَبْدُهُ أو تَزْنِىَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لو تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولبَكَيْتُمْ كَثِيرًا". مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). ولنَا، هذا الخَبَرُ، فإن النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَهم بالصَّلَاةِ والدُّعَاءِ والتَّكْبِيرِ والصَّدَقَةِ، ولم يَأْمُرْهم بخُطْبَةٍ، ولو كانت سُنَّةً لأمَرَهم بها، ولأنَّها صلاةٌ يَفْعَلُها المُنْفَرِدُ في بَيْتِه، فلم يُشْرَعْ لها خُطْبَةٌ، وإنَّما خَطَبَ النَّبِىُّ ﷺ بعدَ الصلاةِ لِيُعَلِّمَهُمْ حُكْمَها، وهذا مُخْتَصٌّ به، وليس في الخَبَرِ ما يَدُلُّ على أنَّه خَطَبَ كخُطْبَتَىِ الجُمُعَةِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللَّه تعالى، والدُّعَاءُ، والتَّكْبِيرُ، والاسْتِغْفارُ،
стр. 1450
والصَّدَقَةُ، والعِتْقُ، والتَّقَرُّبُ إلى اللَّه تعالى بما اسْتَطاعَ؛ لخَبَرِ عائشةَ هذا. وفى خَبَرِ أبى موسى: "فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَدُعَائِه، واسْتِغْفَارِه" (٢٣). ورُوِىَ عن أسْمَاء، أنَّها قالتْ: إنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بالعِتْقِ في الكُسُوفِ (٢٤). ولأنَّه تَخْوِيفٌ من اللَّه تعالى، فَيَنْبَغِى أنْ يُبَادِرَ إلى طَاعَةِ اللهِ تعالى، لِيكْشِفَه عن عِبادِه.
فصل: ومُقْتَضَى مذهبِ أَحمدَ أنَّه يجوزُ أن يُصَلِّىَ صلاةَ الكُسُوفِ على كلِّ صِفَةٍ رُوِيَتْ عن النَّبِىِّ ﷺ ، كقَوْلِه في صلاةِ الخَوْفِ، إلَّا أنَّ اخْتِيارَهُ من ذلك الصلاة على الصِّفَةِ التي ذَكَرْنا. قال أحمدُ، ﵀: رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، وعائشةُ، في صلاةِ الكُسُوفِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ وأرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وأمَّا علىٌّ فيقول: سِتُّ رَكَعَاتٍ وأرْبَعُ سَجَدَاتٍ. [فذَهَبَ إلى قولِ ابنِ عَبَّاسٍ وعائشةَ. وَرُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وأرْبَعَ سَجَدَاتٍ] (٢٥). وكذلك حُذَيْفَةُ. وهذا قولُ إسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وبَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ قالوا: تجوزُ صلاةُ الكُسُوفِ على كلِّ صِفَةٍ صَحَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَها، وقد رُوِىَ عن عائشةَ وابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وأرْبَعَ سَجَدَاتٍ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٦). وَرُوِىَ عنه أنَّه
стр. 1451
صَلَّى أرْبَعَ رَكعَاتٍ، وسَجْدَتَيْنِ، في كل رَكْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، والدَّارَقُطْنِىُّ (٢٧)، بإسْنادِه عن طَاوُسٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ . قال ابنُ المُنْذِرِ: ورَوَيْنا عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، أنَّهما صَلَّيا هذه الصَّلاةَ. وحُكِىَ عن إسْحاقَ أنَّه قال: وَجْهُ الجَمْعِ بين هذه الأحادِيثِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما كان يَزِيدُ في الرُّكُوعِ إذا لم يَرَ الشَّمْسَ قد انْجَلَتْ، فإذا انْجَلَتْ سَجَدَ، فمِن ها هُنا صارَتْ زِيَادَةُ الرَّكَعاتِ، ولا يُجَاوِزُ أرْبَعَ رَكَعاتٍ في كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لأنَّه لم يَأْتِنَا عن النَّبِيِّ ﷺ أكْثَرُ من ذلك.
فصل: وصَلَاةُ الكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَها، وأمَرَ بها، وَوَقْتُها مِن حين الكُسُوفِ إلى حين التَّجَلِّى، فإن فاتَتْ لم تُقْضَ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "إذَا رَأَيْتُمْ ذلِكَ فَافْزَعُوا إلى الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْجَلِىَ" (٢٨). فجَعَلَ الانْجِلاءَ غايَةً لِلصلاةِ. ولأنَّ الصلاةَ إنَّما سُنَّتْ رَغْبَةً إلى اللهِ في رَدِّها، فإذا حَصَلَ ذلك حَصَلَ مَقْصُودُ الصلاةِ. وإن انْجَلَتْ وهو في الصلاةِ أتَمَّها، وخَفَّفَها. وإن اسْتَتَرَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ بالسَّحَابِ، وهما مُنْكَسِفَانِ، صَلَّى؛ لأنَّ الأصيْلَ بَقاءُ الكُسُوفِ. وإن غابَتِ الشَّمْسُ كَاسِفَةً، أو طَلَعَتْ على القَمَرِ وهو خَاسِفٌ، لم يُصَلِّ؛ لأنَّه قد ذَهَبَ وَقْتُ الانْتِفاعِ بِنُورِهما. وإن غابَ القَمَرُ لَيْلًا، فقال
стр. 1452
القاضي: يُصَلِّى؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ وَقْتُ الانْتِفاعِ بِنُورِهِ وضَوْئِه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُصَلِّىَ؛ لأنَّ ما يُصَلِّى له قد غاب، أَشْبَهَ ما لو غابَتِ الشَّمْسُ. وإن فَرَغَ من الصلاةِ والكُسُوفُ قَائِمٌ لم يَزِدْ، واشْتَغَلَ بالذِّكْرِ والدُّعَاءِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ.
فصل: وإذا اجْتَمَعَ صلاتانِ، كالكُسُوفِ مع غيرِه من الجُمُعَةِ، أو العِيدِ، أو صلاةٍ مَكْتُوَبةٍ، أو الوِتْرِ، بَدَأ بأخْوَفِهما فَوْتًا، فإن خِيفَ فَوْتُهما بَدَأَ بالصلاةِ الوَاجِبَةِ، وإن لم يَكُنْ فيهما (٢٩) وَاجِبَةٌ كالكُسُوفِ والوِتْرِ أو التَّرَاوِيحِ، بَدَأ بآكَدِهما، كالكُسُوفِ والوِتْرِ، بَدَأَ بالكُسُوفِ؛ لأنَّه آكَدُ، ولهذا تُسَنُّ له الجَماعَةُ، ولأنَّ الوِتْرَ يُقْضَى، وصلاةُ الكُسُوفِ لا تُقْضَى. فإن اجْتَمَعَتِ التَّرَاوِيحُ والكُسُوفُ، فبأَيِّهِما يَبْدَأُ؟ فيه وَجْهانِ. هذا قولُ أصْحابِنَا. والصَّحِيحُ عندى أنَّ الصَّلَوَاتِ الوَاجِبِةَ التي تُصَلَّى في الجَمَاعَةِ مُقَدَّمَةٌ على الكُسُوفِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ تَقْدِيمَ الكُسُوفِ عليها يُفْضِى إلى المَشَقَّةِ، لإِلْزَامِ الحَاضِرِينَ بِفِعْلِها مع كَوْنِها ليست وَاجِبَةً عليهم، وانْتِظَارِهم لِلصلاةِ الوَاجِبَةِ، مع أنَّ فيهم الضَّعِيفَ والكَبِيرَ وذَا الحاجَةِ. وقد أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بِتَخْفِيفِ الصلاةِ الوَاجِبَةِ، كَيْلا يَشُقَّ على المَأْمُومِينَ، فإلْحَاقُ المَشَقَّةِ بهذه الصلاةِ الطَّوِيلَةِ الشَّاقّةِ، مع أنَّها غيرُ وَاجِبَةٍ، أوْلَى، وكذلك الحُكْمُ إذا اجْتَمَعَتْ مع التَّرَاوِيحِ، قُدِّمَت التَّرَاوِيحُ لذلك، وإن اجْتَمَعَتْ مع الوِتْرِ في أَوَّل وَقْتِ الوَتْرِ، قُدِّمَتْ؛ لأنَّ الوِتْرَ لا يَفُوتُ، وإن خِيفَ فَوَاتُ الوَتْرِ قُدِّمَ؛ لأنَّه يَسِيرٌ يُمْكِنُ فِعْلُه وإدْرَاكُ وَقْتِ الكُسُوفِ، وإن لم يَبْقَ إلَّا قَدْرُ الوِتْرِ، فلا حاجَةَ بالتَّلَبُّسِ بِصلاةِ الكُسُوفِ؛ لأنَّها إنَّما تَقَعُ في وَقْتِ النَّهْىِ. وإن اجْتَمَعَ الكُسُوفُ وصلاةُ الجِنازَةِ، قُدِّمَت الجِنازَةُ وَجْهًا واحِدًا؛ لأن المَيِّتَ يُخافُ عليه، واللهُ أعلمُ.
стр. 1453
فصل: إذا أدْرَكَ المَأْمُومُ الإِمامَ في الرُّكُوعِ الثَّانِى، احْتَمَلَ أنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ. قال القاضي: لأنَّه قد فاتَهُ من الرَّكْعَةِ رُكُوعٌ، أشْبَهَ ما لو فاتَهُ الرُّكُوعُ مِن غيرِ هذه الصلاةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ صلاتَهُ تَصِحُّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يُصَلِّىَ هذه الصلاةَ بِرُكُوعٍ واحِدٍ، فاجتُزِئَ به في حَقِّ المَسْبُوقِ. واللهُ أعلمُ.
٣٢١ - مسألة؛ قال: (وَاذَا كَانَ الْكُسُوفُ فِى غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ (١)، جَعَلَ مَكَانَ الصَّلَاةِ تَسْبِيحًا، هذَا ظَاهِرُ المَذْهَبِ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ لا تُفْعَلُ في أَوْقَاتِ النَّهْىِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا سَبَبٌ أو لَمْ يَكُنْ)
رُوِىَ ذلك في الحسنِ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ بن خالدٍ، وابنِ أبي مُلَيْكَةَ، وعَمْرِو بن شُعَيْبٍ، وأبى بَكْرِ بن محمدِ بن عَمْرِو بن حَزْمٍ، ومالِكٍ، وأبى حنيفةَ، خِلَافًا لِلشَّافِعِىِّ. وقد مَضَى الكلامُ في هذا. ونَصَّ عليه أحمدُ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن الكُسُوفِ يكونُ في غيرِ وَقْتِ الصلاةِ، كيف يَصْنَعُونَ؟ قال: يَذْكُرُونَ اللهَ، ولا يُصَلُّونَ إلَّا في وَقْتِ صلاةٍ. قِيلَ له: وكذلك بعد الفَجْرِ؟ قال: نعم، لا يُصَلُّونَ. وَرُوِىَ عن قَتَادَةَ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ بعدَ العَصْرِ، ونحنُ بِمَكَّةَ، فقامُوا قِيامًا يَدْعُونَ، فسألتُ عَن ذلك عَطاء، قال: هكذا يَصْنَعُونَ، فسألتُ عن ذلك الزُّهْرِىَّ، قال: هكذا يَصْنَعُونَ (٢). ورَوَى إسماعِيلُ بنُ سَعِيدٍ، عن أحمدَ، أنَّهم يُصَلُّونَ الكُسُوفَ في أوْقاتِ النَّهْىِ، قال أبو بكر عبدُ العزيزِ: وبالأوَّل أقُولُ. وهو أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عندِى، وقد تَقَدَّمَ الكلامُ في ذلك في بَابِه (٣).
فصل: قال أصْحَابُنا: يُصَلِّى لِلزَّلْزَلَةِ كصلاةِ الكُسُوفِ. نصَّ عليه. وهو
стр. 1454
مذهبُ إسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. قال القاضي: ولا يُصَلِّى لِلرَّجْفَةِ، والرِّيحِ الشَّدِيدَةِ، والظُّلْمَةِ، ونَحْوِها. وقال الآمِدِىُّ: يُصَلِّى لذلك، ولِرَمْىِ الكَواكِبِ والصَّواعِقِ وكَثْرَةِ المَطَرِ. وحَكاهُ عن ابنِ أبي موسى. وقال أصْحَابُ الرَّأْىِ: الصَّلَاةُ لِسَائِرِ الآياتِ حَسَنَةٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّلَ الكُسُوفَ بأنَّه آيةٌ من آياتِ اللهِ تَعالى، يُخَوِّفُ بها عِبادَهُ، وصَلَّى ابنُ عَبَّاسٍ لِلزَّلْزَلَةِ بالبَصْرَةِ. رَوَاه سَعِيدٌ (٤). وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: لا يُصَلِّى لِشىءٍ من الآياتِ سِوَى الكُسُوفِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُصَلِّ لغيرِه، وقد كان في عَصْرِه بعضُ هذه الآياتِ، وكذلك خُلَفَاؤُه وَوَجْهُ الصلاةِ لِلزَّلْزَلَةِ فِعْلُ ابنِ عَبَّاسٍ، وغيرُها لا يُصَلِّى له؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يُصَلِّ لها، ولا أحَدٌ من أصْحابِه، واللهُ أعلمُ.
стр. 1455
بابُ صلاةِ الاسْتِسْقاءِ
صَلَاةُ الاسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ، ثَابِتَةٌ بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ وخُلَفَائِه، رَضِىَ اللَّه عنهم.
٣٢٢ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (وَإذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ، واحْتَبَسَ القَطْرُ، خَرَجُوا مَعَ الْإِمَامِ، فَكَانُوا فِى خُرُوجِهِمْ، كما رُوِىَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه كَانَ إذَا خرَجَ [إلَى الاسْتِسْقَاءِ] (١)، خرَجَ مُتَوَاضِعًا، متَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلًا، مُتَضَرِّعًا).
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ السُّنَّةَ الخُرُوجُ لِصلاةِ الاسْتِسْقاءِ على هذه الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، مُتَوَاضِعًا لِلهِ تعالى، مُتَبَذِّلًا، أي في ثِيَابِ البِذْلَةِ، أَى لا يَلْبَسُ ثِيابَ الزِّينَةِ، ولا يَتَطَيَّبُ؛ لأنَّه من كمالِ الزِّينَةِ، وهذا يَوْمُ تَواضُعِ واسْتِكانَةٍ، ويكونُ مُتَخَشِّعًا في مَشْيِه وجُلُوسِه، في خُضُوعٍ، مُتَضَرِّعًا [إلى اللهِ] (٢) تعالى، مُتَذَلِّلًا له (٣)، رَاغِبًا إليه. قال ابنُ عَبَّاسٍ: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ للاسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلًا، مُتَوَاضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَضَرِّعًا، حتى أتى المُصَلَّى، فلم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم هذه، ولكنْ لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ والتَّكْبِيرِ، وصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كما كان يُصَلِّى في العِيدِ. قال التِّرْمِذِىُّ (٤): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (٥). ويُسْتَحَبُّ التَّنظِيفُ بالماءِ،
стр. 1456
واسْتِعمالُ السِّواكِ وما يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ، ويُسْتَحَبُّ الخُرُوجُ لِكافَّةِ النَّاسِ، وخُرُوجُ مَن كان ذَا دِينٍ وسَتْرٍ وصَلاحٍ، والشُّيُوخُ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا؛ لأنَّه أَسْرَعُ للإِجابَةِ. فأمَّا النِّسَاءُ فلا بَأْسَ بِخُرُوجِ العَجائِزِ، ومَن لا هَيْئَةَ لها، فأمَّا الشَّوَابُّ وذَواتُ الهَيْئَةِ، فلا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الخُرُوجُ؛ لأنَّ الضَّرَرَ في خُرُوجِهِنَّ أكْثَرُ من النَّفْعِ. ولا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ البَهائِمِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَفْعَلْهُ. وإذا عَزَمَ الإِمامُ على الخُرُوجِ، اسْتُحِبَّ أن يَعِدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فيه، ويَأْمُرهم بالتَّوْبَةِ من المَعاصِى، والخُرُوجِ من المَظالِمِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، وتَرْكِ التَّشاحُنِ، ليكونَ أَقْرَبَ لإِجابَتِهم، فإنَّ المَعاصِىَ سَبَبُ الجَدْبِ، والطَّاعَةُ تكونُ سَبَبًا لِلْبَرَكاتِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٦).
٣٢٣ - مسألة؛ قال: (فيصَلِّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ)
لا نَعْلَمُ بين القائِلِينَ بِصلاةِ الاسْتِسْقاءِ خِلافًا في أنَّها رَكْعَتانِ، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في صِفَتِها، فرُوِىَ أنَّه يُكَبِّرُ فيهما كتَكْبِيرِ العِيدِ سَبْعًا في الأُولَى، وخَمْسًا في الثانيةِ. وهو قَوْلُ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وعمرَ بن عَبدِ العَزِيزِ، وأبى بكرِ بن محمدِ بن عَمْرِو بن حَزْمٍ، ودَاوُدَ، والشَّافِعِىِّ. وحُكِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ وذلك لِقَوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ في حَدِيثِه: وصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كما كان يُصَلِّى في العِيدِ. ورَوَى جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبِيهِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، وأبا بكرٍ، وعمرَ، كانوا يُصَلُّونَ صلاةَ الاسْتِسْقاءِ، يُكَبِّرُونَ فيها سَبْعًا وخَمْسًا (١). والرِّوَايَةُ الثانيةُ، أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ كصلاةِ التَّطَوُّعِ. وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ، والأوْزاعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ قال: اسْتَسْقَى النَّبِىُّ ﷺ ، فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وقَلَبَ رِدَاءَهُ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وَرَوَى أبو
стр. 1457
هُرَيْرَةَ نَحْوَه (٣). ولم يَذْكُر التَّكْبِيرَ، وظَاهِرُه أنَّه لم يُكَبِّرْ، وهذا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وكيفما فَعَلَ كان جَائِزًا حَسَنًا. وقال أبو حنيفةَ: لا تُسَنُّ الصلاةُ للاسْتِسْقاءِ، ولا الخُروجُ لها؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى على المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولم يُصَلِّ لها، واسْتَسْقَى عمرُ بِالعَبَّاسِ ولم يُصَلِّ (٤). وليس هذا بِشىءٍ، فإنَّه قد ثَبَتَ بما رَوَاهُ عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، وابنُ عَبَّاسٍ، وأبو هُرَيْرَةَ أنَّه خَرَجَ وصَلَّى، وما ذَكَرُوه لا يُعَارِضُ ما رَوَوْهُ؛ لأنَّه يجوزُ الدُّعاءُ بغيرِ صلاةٍ، وفِعْلُ النَبِىِّ ﷺ لما ذَكَرُوهُ لا يَمْنَعُ فِعْلَ ما ذَكَرْنَاهُ، بل قد فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الأمْرَيْنِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى صَلاةَ الاسْتِسْقَاءِ، وخَطَبَ. وبه قال عَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ إلَّا، أبا حنيفةَ، وخَالَفَهُ أبو يوسفَ، ومحمدُ بن الحسنِ، فوافَقَا سائِرَ العُلَماءِ، والسُّنَّةُ يُسْتَغْنَى بها عن كلِّ قَوْلٍ. ويُسَنُّ أن يَجْهَرَ بالقِراءَةِ؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، قال: خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَسْقِى، فَتَوَجَّه إلى القِبْلَةِ يَدْعُو، وحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فيهما بالقِرَاءَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٥). وإن قَرَأ فيهما بـ ﴿سَبِّحِ
стр. 1458
اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فحَسَنٌ لِقَوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كما كان يُصَلِّى في العِيدِ. ورَوَى ابنُ قُتَيْبَةَ، في "غَرِيبِ الحَدِيثِ" (٦)، بإسْنادِه عن أنَسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ للاسْتِسْقاءِ، فتَقَدَّمَ فصَلَّ ى بهم رَكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ فيهما بالقِراءَةِ، وكان يَقْرأُ في العِيدَيْنِ والاسْتِسْقاءِ، في الرَّكْعَةِ الأُولَى بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفى الرَّكْعَةِ الثانيةِ بِفاتِحَةِ الكِتابِ، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
فصل: ولا يُسَنُّ لها أذَانٌ ولا إقَامَةٌ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِى، فصَلَّى بنا رَكْعَتَيْنِ، بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ، ثم خَطَبَنَا، ودَعَا اللهَ تعالى، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نحوَ القِبْلَةِ، رَافِعًا يَدَيْه، وقَلَبَ رِدَاءَهُ، فجَعَلَ الأيْمَنَ على الأيْسَر، والأيْسَرَ على الأيْمَن. رَوَاهُ الأثْرَمُ (٧). ولأنَّها صلاةُ نَافِلَةٍ، فلم يُؤَذَّنْ لها كسائِرِ النَّوافِلِ. قال أصْحابُنا: ويُنادَى لها: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. كَقَوْلِهِم في صلاةِ العِيدِ والكُسُوفِ.
فصل: وليس لِصلاةِ الاسْتِسْقاءِ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، إلَّا أنَّها لا تُفْعَلُ في وَقْتِ النَّهْىِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ وَقْتَها مُتَّسِعٌ، فلا حاجَةَ إلى فِعْلِها في وَقْتِ النَّهْىِ، والأوْلَى فِعْلُها في وَقْتِ العِيدِ؛ لما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٨). ولأنَّها تُشْبِهُهَا فِى المَوْضِعِ والصِّفَةِ، فكذلك في
стр. 1459
الوَقْتِ، [إلَّا أنَّ] (٩) وَقْتَها لا يَفُوتُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، لأنَّها ليس لها يَوْمٌ مُعَيَّنٌ، فلا يكونُ لها وَقْتٌ مُعَيَّنٌ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: الخُرُوجُ إليها عند زَوالِ الشَّمْسِ، عند جَماعَةِ العُلَمَاءِ، إلَّا أبا بكرِ ابن حَزْمٍ (١٠). وهذا على سَبِيلِ الاخْتِيارِ، لا أنَّه يَتَعَيَّنُ فِعْلُها فيه.
٣٢٤ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَخْطُبُ، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الخُطْبَةِ للاسْتِسْقاءِ، وفى وَقْتِها، والمَشْهُورُ أنَّ فيها خُطْبَةً بعد الصلاةِ. قال أبو بكرٍ: اتَّفَقُوا عن أبي عبدِ اللهِ أنَّ في صلاةِ الاسْتِسْقاءِ خُطْبَةً، وصُعُودًا على المِنْبَرِ. والصَّحِيحُ أنَّها بعد الصلاةِ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، ومحمدُ بن الحسنِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وعليه جَماعَةُ الفُقَهاءِ؛ لقولِ أبى هُرَيْرَةَ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثم خَطَبَنَا. ولقوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ: صَنَعَ في الاسْتِسْقاءِ، كما صَنَعَ في العِيدَيْنِ. ولأنَّها صَلَاةٌ ذاتُ تَكْبِيرٍ، فأشْبَهَتْ صلاةَ العِيدِ. والروَايَةُ الثانيةُ، أنَّه يَخْطبُ قبلَ الصلاةِ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبانَ بن عثمانَ، وهِشَامِ بن إسماعِيلَ (١)، وأبى بكرِ بن محمدِ بن عَمْرِو بن حَزْمٍ. وذَهَبَ إليه اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لما رَوَى أَنَسٌ وعائشةُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ وصَلَّى (٢). وعن عبدِ اللهِ بن زيدٍ، قال: رَأيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِى، فَحَوَّلَ ظَهْرَهُ إلى النَّاسِ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثم حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فيهما
стр. 1460
بالقِرَاءَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ عن أبي (٤) الأسْوَد، قال: أدْرَكْتُ أبانَ بنَ عثمانَ، وهِشَامَ بنَ إسماعيلَ، وعمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ، وأبا بكرِ بنَ محمد بنِ عَمْرِو بن حَزْمٍ، كانوا إذا أرَادُوا أن يَسْتَسْقُوا، خَرَجُوا لِلبَرَازِ، فكانوا يَخْطُبُونَ، ثم يَدْعُونَ اللهَ، ويُحَوِّلُونَ وُجُوهَهم إلى القِبْلَةِ حين يَدْعُونَ، ثم يُحَوِّلُ أحَدُهم رِدَاءَهُ من الجَانِبِ الأيمَن على الأيسَر، وما على الأيسَر على الأيمَن، وَينْزِلُ أَحَدُهم فيَقْرأُ في الرَّكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ بهم. الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ، هو مُخَيَّرٌ في الخُطْبَةِ قبلَ الصلاةِ وبَعْدَها؛ لِوُرُودِ الأخْبارِ بِكِلَا الأمْرَيْنِ، ودَلالَتِها على كِلْتا الصِّفَتَيْنِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَ الأمْرَيْنِ. والرَّابِعَةُ، أنَّه لا يَخْطُبُ، وإنَّما يَدْعُو ويَتَضَرَّعُ؛ لقولِ ابنِ عَبَّاسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم هذه، لكن لم يَزَلْ في الدُّعَاءِ والتَّضَرُّعِ (٥). وأَيًّا ما فَعَلَ مِن ذلك فهو جائِزٌ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجِبَةٍ، على الرِّوَايَاتِ كُلِّها، فإن شاءَ فَعَلَها، وإن شاءَ تَرَكَها. والأوْلَى أن يَخْطُبَ بعدَ الصلاةِ خُطْبَةً وَاحِدةً، لِتكونَ كالعِيدِ، وليكونُوا قد فَرعُوا من الصلاةِ إن أُجِيبَ دُعَاؤُهم فأُغِيثُوا، فلا يَحْتَاجُونَ إلي الصلاةِ في المَطَرِ. وقولُ ابنِ عَبَّاسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكُم هذه (٦). نَفْىٌ لِلصِّفَةِ لا لِأصْلِ الخُطْبَةِ، أي لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم هذه، إنَّما كان جُلُّ خُطْبَتِه الدُّعَاءَ والتَّضَرُّعَ والتَّكْبِيرَ.
٣٢٥ - مسألة؛ قال: (ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، فَيَجْعَلُ اليَمِينَ يَسَارًا، واليَسَارَ يَمِينًا، ويَفْعَلُ النَّاسُ كَذلِكَ)
وجُمْلَتُه أنَّه يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ في أثْنَاء الخُطْبَةِ؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ
стр. 1461
ابنُ زيدٍ (١) أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَج يَسْتَسْقِى، فَتَوَجَّه إلى القِبْلَةِ يَدْعُو. رَوَاهُ البُخارِىُّ (٢). وفى لَفْظٍ: فَحَوَّلَ إلى النّاسِ ظَهْرَهُ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو. ويُسْتَحَبُّ أنْ يَدْعُوَ سِرًّا حالَ [اسْتقْبالِ القِبْلةِ] (٣)، فيقولُ: اللَّهُمَّ إنَّكَ (٤) أَمرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدْتَنَا إجَابَتَكَ، فقَدْ دَعَوْنَاكَ كما أَمَرْتَنَا، فاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِنَا، وإجَابَتِنَا في سُقْيَانَا، وسَعَةِ أَرْزَاقِنَا. ثم يَدْعُو بما شاءَ من أَمْرِ دِينٍ ودُنْيَا. وإنَّما يُسْتَحَبُّ (٥) الإِسْرارُ، لِيكونَ أقْرَبَ من الإِخْلاصِ، وأبْلَغَ في الخُشُوعِ والخُضُوعِ والتَّضَرُّعِ، وأسْرَعَ في الإِجابَةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٦). واسْتُحِبَّ الجَهْرُ بِبَعْضِه؛ لِيَسْمَعَ النّاسُ، فَيُؤَمِّنُونَ على دُعائِه. ويُسْتَحَبُّ أن يُحَوِّلَ، رِدَاءَهُ في حالِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ؛ لأنَّ في حَدِيثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ -خَرَجَ يَسْتَسْقِى، فَحَوَّلَ إلى النّاسِ ظَهْرَهُ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ثم حَوَّلَ رِدَاءَهُ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وهذا لَفْظٌ رَوَاهُ البُخَارِىُّ. وفى لَفْظٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ: فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. وفى لَفْظٍ: وقَلَبَ رِدَاءَهُ. مُتَّفَقٌ عليه. ويُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّداءِ لِلْإِمامِ والمَأْمُومِ، في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ؛ لأنَّه دُعاءٌ، فلا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّداءِ فيه، كسائِرِ الأدْعِيَةِ. وسُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أن تُتَّبَعَ. وحُكِىَ عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وعُرْوَةَ، والثَّوْرِىِّ، أنَّ تَحْوِيلَ الرِّدَاءِ مُخْتَصٌّ بالإِمامِ دُونَ المَأْمُومِ. وهو قولُ اللَّيثِ، وأبى يوسفَ، ومحمدِ بن الحسنِ، لأنَّه نُقِلَ عن النَّبِىِّ ﷺ دُونَ
стр. 1462
أصْحابِه. ولَنا، أنَّ ما فَعَلَهُ النَّبِىُّ ﷺ ثَبَتَ في حَقِّ غيرِه، مالم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ، كيف وقد عُقِلَ المَعْنَى في ذلك، وهو التَّفَاؤُلُ، بِقَلْبِ الرِّداءِ، لِيَقْلِبَ اللهُ ما بهم من الجَدْبِ إلى الخِصْبِ، وقد جاءَ ذلك في بعضِ الحَدِيثِ. وصِفَةُ تَقْلِيبِ الرِّداءِ أن يَجْعَلَ ما على اليَمِينِ على اليَسَارِ، وما على اليَسَارِ على اليَمِينِ. رُوِىَ ذلك عن أبَانَ بن عُثمانَ، وعمرَ بن عبدِ العزِيزِ، وهِشَامِ بن إسماعيلَ، وأبى بكرِ بن محمدِ بن عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، ومالِكٍ. وكان الشَّافِعِىُّ يقول به، ثم رَجَعَ، فقال: يَجْعَلُ [أعْلاهُ أسْفَلَهُ] (٨)؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى وعليه خَمِيصَةٌ سَوْداءُ، فأرَادَ أن يَجْعَلَ أسْفَلَها أعْلَاهَا، فلما ثَقُلَتْ عليه جَعَلَ العِطافَ (٩) الذي على الأيْسَر على عاتِقِه الأيْمَنِ، والذي على الأيْمَن على عاتِقِه الأيْسَر. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٠). ودَلِيلُنا ما رَوَى أبو دَاوُدَ (١٠)، بإسْنادِه عن عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وجَعَلَ عِطَافَهُ الأيْمَنَ على عَاتِقِه الأَيْسَرِ، وجَعَلَ عِطَافَهُ الأيْسَرَ على عاتِقِه الأيْمَنِ. و [في حديثِ] (١١) أبى هُرَيْرَةَ نحوُ ذلك (١٢). والزِّيَادَةُ التي نَقَلُوهَا، إن ثَبَتَتْ، فهى ظَنُّ الرَّاوِى، لا يُتْرَكُ لها فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، وقد نَقَلَ تَحْوِيلَ الرِّداءِ جَمَاعَةٌ، لم يَنْقُلْ أحَدٌ منهم أنَّه جَعَلَ أَعْلَاهُ أسْفَلَه، ويَبْعُدُ أن يكونَ النَّبِيُّ ﷺ تَرَكَ ذلك في جَمِيعِ الأوْقاتِ لِثِقَلِ الرِّداءِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الأيْدِى في دُعاءِ الاسْتِسْقاءِ؛ لما رَوَى البُخَارِيُّ (١٣)،
стр. 1463
عن أنَسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ لا يَرْفَعُ يَدَيْه في شيءٍ من دُعَائِه، إلَّا الاسْتِسْقَاءَ، وأنَّه يَرْفَعُ حتى يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ. وفي حَدِيثٍ أيضًا لأنَسٍ: فَرَفَعَ النبيُّ ﷺ ، ورَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهم (١٤).
٣٢٦ - مسألة؛ قال: (ويَدْعُو، ويَدْعُونَ، ويُكثِرُونَ في دُعَائِهِم إلاسْتِغْفَارَ)
وجُمْلَتُه أنَّ الإِمامَ إذا صَعِدَ المِنْبَرَ جَلَسَ، وإن شاءَ لم يَجْلِسْ؛ لأنَّ الجُلُوسَ لم يُنقَلْ، ولا ها هُنا أذانٌ لِيَجْلِسَ في وَقْتِه، ثم يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً، يَفْتَتِحُها بالتَّكْبِيرِ، وبهذا قال عبدُ الرحمنِ بن مَهْدِيٍّ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَىِ العِيدَيْنِ؛ لقولِ ابنِ عَبَّاسٍ: صَنَعَ النَّبِىُّ ﷺ كما صَنَعَ في العِيدِ (١). ولأنَّها أشْبَهَتْها في التَّكْبِيرِ، وفى صِفَةِ الصلاةِ، فَتُشْبِهُها في الخُطْبَتَيْنِ. ولَنا، قولُ ابنِ عَبَّاسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكُم (٢) هذه، ولكن لم يَزَلْ في الدُّعَاءِ والتَّضَرُّعِ والتَّكْبِيرِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه ما فَصَلَ بينَ ذلك بِسُكُوتٍ ولا جُلُوسٍ. ولأنَّ كلَّ مَن نَقَلَ الخُطْبَةَ لم يَنْقُلْ خُطْبَتَيْنِ، ولأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو دُعاءُ اللهِ تعالى لِيُغِيثَهم، ولا أثَرَ لِكَوْنِها خُطبَتَيْنِ في ذلك، والصَّحِيحُ من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه قال: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كما كان يُصَلِّى في العِيدِ. ولو كان النَّقْلُ كما ذَكَرُوهُ، فهو
стр. 1464
مَحْمُولٌ على الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ أوَّل الحَدِيثِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَسْتَفْتِحَ الخُطْبَةَ بالتَّكْبِيرِ، كَخُطْبَةِ العِيدِ، ويُكْثِرَ من الاسْتِغْفارِ والصَّلَاةِ على النَّبِىِّ ﷺ ، ويَقْرَأ كَثِيرًا: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٣) وسائِر الآياتِ التي فيها الأمْرُ به، فإنَّ اللَّه تعالى وَعَدَهم بإرْسالِ الغَيْثِ إذا اسْتَغْفَرُوهُ. وَرُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه خَرَجَ يَسْتَسْقِى، فلم يَزِدْ على الاسْتِغْفارِ، وقال: لقد اسْتَسْقَيْتُ بمَجَادِيح السَّمَاءِ (٤). وعن عمرَ بن عبدِ العزِيزِ، أنَّه كَتَبَ إلى مَيْمُون بن مِهْرَانَ يقولُ: قد كَتَبْتُ إلى البُلْدَانِ أن يَخْرُجُوا إلى الاسْتِسْقاءِ إلى مَوْضِعِ كذا وكذا، وأَمَرْتُهُمْ بالصَّدَقَةِ والصَلَاةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٥). وأمَرْتُهم أن يَقُولُوا كما قال أبوهم آدَمُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦). ويقولُوا كما قال نُوحٌ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٧). ويقولُوا كما قال يُونُس: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٨). ويقولوا كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٩). ولأنَّ المَعَاصِىَ سَبَبُ انْقِطَاعِ الغَيْثِ، والاسْتِغْفارُ والتَّوْبَةُ تَمْحُو المعاصِىَ المانِعة مِنَ الغَيْثِ، فيَأْتِى اللهُ
стр. 1465
به. ويُصَلِّى على النَّبِيِّ ﷺ ، ويَدْعُو بِدُعَائِه، فَرَوَى جَابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ عَاجِلًا غيرَ آجِلٍ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٠). قال الخَطَّابِىُّ (١١): مرِيعا يُرْوَى على وَجْهَيْنِ باليَاءِ والبَاءِ، فمن رَوَاهُ باليَاءِ جَعَلَهُ من المِرَاعَةِ، يقال: أَمْرَعَ المَكَانُ: إذا أخْصَبَ، ومن رَوَاهُ مُرْبِعًا، كان معناه مُنْبِتًا لِلرَّبِيعِ. وعن عائشةَ قالتْ: شَكَا النّاسُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ قُحُوطَ المَطَرِ، فأمَرَ بمِنْبَرٍ فَوُضِعَ له في المُصَلَّى، ووَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فيه، فخَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ حين بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فقَعَدَ على المِنْبَرِ، فَكَبَّرَ، وحَمِدَ اللهَ، ثم قال: "إنَّكُم شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، واسْتِئْخَارَ المَطَرِ عن إبَّانِ زَمَانِه عَنْكُمْ، وقد أَمَرَكُم اللهُ أن تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ". ثم قال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لا إلهَ إلَّا اللهُ (١٢) يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللهُ لا إله إلَّا أنتَ الغَنِىُّ ونَحْنُ الفُقَرَاءُ، أنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ وَاجْعَلْ ما أَنْزَلْتَ لنا قُوَّةً وبَلَاغًا إلى حِينٍ". ثم رَفَعَ يَدَيْه، فلم يَزَلْ في الرَّفْعِ حتى بَدَا بَيَاضُ إبِطَيْهِ، ثم حَوَّلَ إلى النَّاسِ ظَهْرَهُ وقَلَبَ أو حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وهو رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثم أقْبَلَ على النَّاسِ، فَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وقال عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا اسْتَسْقَى، قال: "اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وبَهَائِمَكَ، وانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وأَحْىِ بَلَدَكَ المَيِّتَ". رَوَاهما أبو دَاوُدَ (١٣). رَوَى ابنُ قُتَيْبَةَ، بإسْنَادِه في "غَرِيبِ الحَدِيثِ" (١٤)، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ
стр. 1466
لِلاسْتِسْقَاءِ، فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ فيهما بالقِرَاءَةِ، وكان يَقْرأُ في العِيدَيْنِ والاسْتِسْقاءِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفى الرَّكعَةِ الثانيةِ فَاتِحَةَ الكِتابِ، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فلمَّا قَضَى صَلَاتَهُ اسْتَقْبَلَ القَوْمَ بِوَجْهِه، وقَلَبَ رِدَاءَهُ، ورَفَعَ يَدَيْه، وكَبَّرَ تَكْبِيرَةً قبلَ أن يَسْتَسْقِىَ، ثم قال: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا وأَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، وَحَيًا رَبِيعًا، وجَدًا طَبَقًا غَدَقًا مُغْدِقًا مُونِقًا، هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا مُرْبعًا مُرْتِعًا، سائِلًا مُسْبِلًا مُجَلِّلًا، دَيْمًا دَرُورًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ رائِثٍ؛ اللَّهُمَّ تُحْيىِ بِهِ البِلَادَ، وتُغِيثُ به العِبَادَ، وتَجْعَلُه بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالبَادِ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ في أَرْضِنَا زِينَتَها، وأَنْزِلْ عَلَيْنَا في أَرْضِنَا سَكَنَها، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنا من السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، فأَحْىِ، به بَلْدَةً مَيْتًا، وأَسْقِهِ ممَّا خَلَقْتَ أَنْعَامًا وأَنَاسِىَّ كَثِيرًا". قال ابنُ قُتَيْبَةَ: المُغِيثُ: المُحْيِى بإذْنِ اللهِ تعالى. والحَيَا: الذي تَحْيَا به الأرْضُ والمالُ. والجَدَا: المَطَرُ العَامُّ، ومنه أُخِذَ جَدَا العَطِيَّةِ، والجَدْوَى مَقْصُورٌ. والطَّبَقُ: الذي يُطَبِّقُ الأَرْضَ. والغَدَقُ والمُغْدِقُ: الكَثِيرُ القَطْرِ. والمُونِقُ: المُعْجِبُ. والمَرِيعُ: ذُو المَرَاعَةِ والخِصْبِ. والمُرْبِعُ من قَوْلِكَ: رَبَعْتُ مَكَانَ كذا: إذا أقَمْتَ به. وأَرْبِعْ على نَفْسِكَ: أَرْفِقْ. والمُرْتِعُ: من رَتَعَتِ الإِبلُ، إذا أَرْعَتْ. والسَّابِلُ: من السَّبَلِ، وهو المَطَرُ. يقال: سَبَلٌ سَابِلٌ، كما يقال: مَطَرٌ مَاطِرٌ. والرَّائِثُ: البَطِىءُ. والسَّكَنُ: القوة، لأنَّ الأَرْضَ تَسْكُنُ به. وَرُوِىَ عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان إذا اسْتَسْقَى، قال: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيعًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الغَيْثَ، ولا تَجْعَلْنا من القَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إنَّ بالعِبَادِ والبِلَادِ من اللَّأْوَاءِ والضَّنْكِ والجَهْدِ ما لا نَشْكُوهُ إلَّا إلَيكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنا الزَّرْعَ، وأَدِرَّ لَنا الضَّرْعَ، واسْقِنَا من بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وأَنْزِلْ عَلَيْنَا من بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الجَهْدَ والجُوعَ والعُرْىَ، واكْشِفْ عَنَّا من البَلَاءِ ما لا يَكْشِفُه غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إنَّك كُنْتَ غَفَّارًا، فأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا
стр. 1467
مِدْرَارًا" (١٥).
فصل: وهل من شَرْطِ هذه الصلاةِ إذْنُ الإِمامِ؟ على رِوايَتَيْنِ: إحْدَاهُما، لا يُسْتَحَبُّ إلَّا بِخُرُوجِ الإِمامِ، أو رَجُلٍ من قِبَلِه. قال أبو بكرٍ: فإذا خَرَجُوا بغيرِ إذْنِ الإِمامِ دَعَوْا، وانْصَرَفُوا بلا صلاةٍ ولا خُطْبَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وعنه أنَّهم يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِم، ويَخْطُبُ بهم أحَدُهم. فعلى هذه الرِّوايَةِ يكونُ الاسْتِسْقاءُ مَشْرُوعًا في حَقِّ كلِّ أَحَدٍ؛ مُقِيمٍ، ومُسافِرٍ، وأهْلِ القُرَى، والأعْرابِ؛ لأنَّها صلاةُ نَافِلَةٍ، فأشْبَهَتْ صَلَاةَ الكُسُوفِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَأْمُرْ بها، وإنَّما فَعَلَها على صِفَةٍ، فلا يَتَعَدَّى تلك (١٦) الصِّفَةَ، وهو أنَّه صَلَّاهَا بأَصْحابِه، وكذلك خُلَفاؤُه ومَن بَعْدَهم، فلا تُشْرَعُ إلَّا في مثلِ تلك الصِّفَةِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُسْتَسْقَى بمَن ظَهَرَ صَلاحُه؛ لأنَّه أَقْرَبُ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ، فإنَّ عمرَ، رضِىَ اللهُ عنه، اسْتَسْقَى بالعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ . قال ابنُ عمرَ: اسْتَسْقَى عمرُ عَامَ الرَّمَادَةِ بالعَبَّاسِ، فقال: اللَّهُمَّ إنَّ هذا عَمُّ نَبِيِّكَ ﷺ ، نَتَوَجَّهُ إليكَ به فاسْقِنَا. فما بَرِحُوا حتى سَقَاهُم اللهُ (١٧). وَرُوِىَ أنَّ مُعاوِيَةَ خَرَجَ يَسْتَسْقِى، فلمَّا جَلَسَ على المِنْبَرِ، قال: أيْنَ يَزِيدُ بن الأسْوَد الجُرَشِىُّ؟ فقَامَ يَزِيدُ، فدَعَاهُ مُعاوِيَةُ (١٨)، فأجْلَسَهُ عند رِجْلَيْه، ثم قال: اللَّهُمَّ إنا نَسْتَشْفِعُ إليكَ بِخَيْرِنَا وأفْضَلِنَا يَزِيدَ بن الأسْوَد، يا يَزِيدُ، ارْفَعْ يَدَيْكَ. فَرَفعَ يَدَيْهِ، ودَعَا
стр. 1468
اللهَ تعالى، فثَارَتْ في الغَرْبِ سَحَابَةٌ مثل التُّرْسِ، وَهَبَّ لها رِيحٌ، فَسُقُوا حتى كَادُوا لا يبْلُغُونَ مَنَازِلَهم. واسْتَسْقَى به الضَّحَّاكُ مَرَّةً أُخْرَى.
٣٢٧ - مسألة؛ قال: (فَإنْ سُقُوا، وإلَّا عَادُوا في الْيَوْمِ الثَّانِى والثَّالِثِ)
وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال إسحاقُ: لا يَخْرُجُونَ إلَّا مَرَّةً واحِدَةً؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَخْرُجْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، ولكن يَجْتَمِعُونَ في مَساجِدِهِم، فإذا فَرَغُوا من الصلاةِ ذَكَرُوا اللهَ تَعَالَى، ودَعَوْا، ويَدْعُو الإِمامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ، ويُؤَّمِّنُ النَّاسُ. ولَنا، أنَّ هذا أبْلَغُ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وقد جاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللَّه يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعَاءِ" (١). وأمَّا النَّبِىُّ ﷺ فلم يَخْرُجْ ثانِيًا؛ لاسْتِغْنائِه عن الخُرُوجِ بإجابَتِه أوَّلَ مَرَّةٍ، والخُرُوجُ في المَرَّةِ الأُولَى آكَدُ ممَّا بعدَها؛ لِوُرُودِ السُّنَّةِ به.
فصل: وإن تَأهَّبُوا لِلْخُرُوجِ، فَسُقُوا قبلَ خُرُوجِهِمْ، لم يَخْرُجُوا، وشَكَرُوا اللهَ على نِعْمَتِه، وسَألُوهُ الْمَزِيدَ من فَضْلِه، وإن خَرَجُوا فَسُقُوا قبلَ أن يُصَلُّوا، صَلَّوْا شُكْرًا لِلهِ تعالى، وحَمِدُوهُ ودَعَوْهُ. ويُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عند نُزُولِ الغَيْثِ؛ لما رُوِىَ أنَّ (٢) النَّبِىَّ ﷺ (٣) قال: "اطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ الْتِقَاءِ الجُيُوشِ، وإقَامَةِ الصَّلَاةِ، ونُزُولِ الغَيْثِ" (٤). وعن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان إذا رَأَى المَطَرَ، قال: "صَيِّبًا نَافِعًا". رَوَاهُ البُخارِىُّ (٥).
стр. 1469
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ في أوَّلِ المَطَرِ، ويُخْرِجَ رَحْلَهُ، لِيُصِيبَهُ المَطَرُ؛ لما رَوَى أنَسٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَنْزِلْ عن مِنْبَرِه حتى رَأيْنَا المَطَرَ يَتَحَادَرُ عن (٦) لِحْيَتِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه كان إذا أمْطَرَتِ السَّمَاءُ قال لِغُلَامِه. أَخْرِجْ رَحْلِى وفِرَاشِى يُصِبْه (٨) المَطَرُ. ويُسْتَحَبُّ أن يَتَوَضَّأَ من ماءِ المَطَرِ إذا سالَ السَّيْلُ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه كان إذا سالَ السَّيْلُ يقول (٩): "اخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِى جَعَلَهُ اللهُ طَهُورًا، فَنَتَطَهَّرَ" (١٠).
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَسْتَسْقُوا عَقِيبَ صَلَوَاتِهم، ويومَ الجُمُعَةِ يَدْعُو الإِمامُ على المِنْبَرِ، ويُؤَمِّنُ النَّاسُ. قال القاضي: الاسْتِسْقَاءُ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ، أكْمَلُها الخُرُوجُ والصلاةُ على ما وَصَفْنا، ويَلِيهِ اسْتِسْقاءُ الإِمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ؛ لما رُوِىَ، أنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ورسولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رسولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا، ثم قال: يا رسولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأمْوَالُ، وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادْعُ اللهَ أن يُغِيثَنا. فرَفَعَ رسولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، فقال: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، [اللَّهُمَّ أَغِثْنَا] (١١) ". قال أنَسٌ: ولا وَاللهِ ما يُرَى في السَّمَاءِ من سَحَابٍ ولا قَزَعَةٍ (١٢) ولا شيءٍ، وما (١٣) بيننا وبين سَلْع (١٤) مِن بيتٍ ولا
стр. 1470
دَارٍ، فَطَلَعَتْ من وَرَائِه سَحَابَةٌ مثل التُّرْسِ، فلما تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ، انْتَشَرَتْ ثم أَمْطَرَتْ، فلا واللهِ ما رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثم دَخَلَ من ذلك البابِ رَجُلٌ في الجُمُعَةِ المُقبِلَةِ، ورسولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، فاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، وقال يا رسولَ اللهِ، هَلَكَتِ المَوَاشِى، وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادْعُ اللهَ أن يُمْسِكَهَا عنَّا. قال: فرَفَعَ رسولُ اللَّه ﷺ يَدَيْهِ، وقال: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ على الظِّرَابِ (١٥) والآكَامِ وبُطُونِ الأَوْدِيَةِ ومَنَابِتِ الشَّجَرِ". قال: فَانْقَطَعَتْ، وخَرَجْنَا نَمْشِى في الشَّمْسِ. مُتَّفَقٌ عليه (١٦). والثَّالِث أن يَدْعُو اللهَ تعالى عَقِيبَ صَلَوَاتِهم، وفى خَلَوَاتِهم.
فصل: وإذا كَثُرَ المَطَرُ أو مِيَاهُ العُيُونِ بحيث يَضُرُّهم، دَعَوُا اللهَ تعالى أن يُخَفِّفَهُ، [ويَصْرِفَ عنهم مَضَرَّتَهُ] (١٧)، ويَجْعَلَهُ في أماكِنَ تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، كدُعَاءِ النَّبىِّ ﷺ في الفَصْلِ الذي قبلَ هذا، ولأنَّ الضَّرَرَ بِزِيادَةِ المَطَرِ أحَدُ الضَّرَرَيْنِ، فيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لإِزالَتِه كانْقِطاعِه.
٣٢٨ - مسألة؛ قال: (وَإنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لم يُمْنَعُوا، وأُمِرُوا أنْ يكُونُوا مُنْفَرِدِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ)
وجُمْلَتُه أنَّه لا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّهم أعْداءُ اللهِ الذين كَفَرُوا به، وبَدَّلُوا نِعْمَتَهُ كُفْرًا، فهم بَعِيدُونَ من (١) الإِجابَةِ، وإن أُغِيثَ المُسْلِمُونَ فرُبَّما قالوا: هذا حَصَلَ بِدُعائِنا وإجابَتِنَا. وإن خَرَجُوا لم يُمْنَعُوا؛ لأنَّهم يَطْلُبُونَ أرْزَاقَهُمْ من رَبِّهِم، فلا يُمْنَعُونَ مِن ذلك، ولا يَبْعُدُ أن يُجِيبَهُم اللهُ تعالى؛ لأنَّه قد
стр. 1471
ضَمِنَ أرْزَاقَهم في الدُّنْيا، كما ضَمِنَ أرْزاقَ المُؤْمِنِينَ، ويُؤْمَرُون (٢) بالانْفِرَادِ عن (٣) المُسْلِمِينَ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يُصِيبَهم عَذَابٌ، فيَعُمُّ مَن حَضَرَهم، فإنَّ قَوْمَ عَادٍ اسْتَسْقَوْا، فأرْسَلَ اللهُ عليهم رِيحًا صَرْصَرًا، فأهْلَكَتْهم. فإن قِيلَ: فيَنْبَغِى أن يُمْنَعُوا الخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ المُسْلِمُونَ؛ لئلا يَظُنُّوا أنَّ ما حَصَلَ من السُّقْيَا بِدُعَائِهم. قُلْنا: ولا يُؤْمَنُ أن يَتَّفِقَ نُزُولُ الغَيْثِ يَوْمَ يَخْرُجُونَ وَحْدَهم، فيكونُ أعْظَمَ لِفِتْنَتِهِم، وَرُبَّما افْتَتَنَ غَيْرُهم بهم.
стр. 1472
بابُ الحُكْمِ في مَن تَرَكَ الصلاةَ
٣٢٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، جَاحِدًا لَهَا، أوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، دُعِىَ إلَيْهَا في وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإنْ صَلَّى، وإلَّا قُتِلَ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ تارِكَ الصلاةِ لا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ جَاحِدًا لِوُجُوبِها، أو غيرَ جاحِدٍ، فإن كان جَاحِدًا لِوُجُوبِها نُظِرَ فيه، فإنْ كان جاهِلًا به، وهو مِمَّنْ يَجْهَلُ ذلك، كالحَدِيثِ الإِسلامِ، والنَّاشئِ بِبَاديَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَها، وعُلِّمَ ذلك، ولم يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. وإن لم يَكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذلك، كالنَّاشِئِ بينَ (١) المُسْلِمِينَ في الأمْصارِ والقُرَى، لم يُعْذَرْ، ولم يُقْبَلْ منه ادِّعاءُ الجَهْلِ، وحُكِمَ بِكُفْرِه؛ لأنَّ أَدِلَّةَ الوُجُوبِ ظاهِرَةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، والمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَها على الدَّوامِ، فلا يَخْفَى وُجُوبُها على مَنْ هذا حالُه، فلا يَجْحَدُها إلَّا تَكْذِيبًا للهِ تعالى ولِرَسُولِهِ وإجْماعِ الأُمَّةِ، وهذا يَصِيرُ مُرْتَدًّا عن الإِسلامِ، وحُكْمُه حُكْمُ سَائِرِ المُرْتَدِّينَ، في الاسْتِتابَةِ والقَتْلِ، ولا أعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وإن تَرَكَها لِمَرَضٍ، أو عَجْزٍ عن أرْكانِها وشُرُوطِها، قِيلَ له: إنَّ ذلك لا يُسْقِطُ الصلاةَ، وإنَّه يَجِبُ عليه أنْ يُصَلِّىَ على حَسَبِ طاقَتِه. وإن تَرَكَها تهاوُنًا أو كَسَلًا، دُعِىَ إلى فِعْلِها، وقِيلَ له: إنْ صَلَّيْتَ، وإلَّا قَتَلْناكَ. فإن صَلَّى، وإلَّا وَجَبَ قَتْلُه. ولا يُقْتَلُ حتى يُحْبَسَ ثَلَاثًا، ويُضَيَّقَ عليه فيها، ويُدْعَى في وَقْتِ كل صَلَاةِ إلى فِعْلِها، ويُخَوَّفَ بالقَتْلِ، فإن صَلَّى، وإلَّا قُتِلَ بالسَّيْفِ. وبهذا قال مالِكٌ، وحَمَّادُ بن زيدٍ، وَوَكِيعٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال الزُّهْرِىُّ: يُضْرَبُ ويُسْجَنُ. وبه قال أبو حنيفةَ، قال: ولا يُقْتَلُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ:
стр. 1473
كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أو زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أو قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وهذا لم يَصْدُرْ منه أحَدُ الثَّلاثةِ. فلا يَحِلُّ دَمُهُ. وقال النبيُّ ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتَّىِ يَقُولُوا لَا إلهَ إلَّا اللهُ، فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُم إلَّا بِحَقِّها". مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأنَّه فَرْعٌ من فُرُوعِ الدِّينِ. فلا يُقْتَلُ بِتَرْكِه كالحَجِّ، ولأنَّ القَتْلَ لو شُرِعَ لَشُرِعَ زَجْرًا عن تَرْكِ الصلاةِ، ولا يجوزُ شَرْعُ زَاجِرٍ تَحَقَّقَ المَزْجُورُ عنه، والقَتْلُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصلاةِ دَائِمًا، فلا يُشْرَعُ، ولأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ الدَّمِ، فلا تَثْبُتُ الإِباحَةُ إلَّا بِنَصٍّ أو مَعْنَى نَصٍّ. والأصْلُ عَدَمُه. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٤). فأباحَ قَتْلَهم، وشَرَطَ في تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِم التَّوْبَةَ، وهى الإِسلامُ، وإقَامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكَاةِ، فمتى تَرَكَ الصلاةَ مُتَعَمِّدًا (٥) لم يَأْتِ بِشَرْطِ تَخْلِيَتِه، فيَبْقَى (٦) على وُجُوبِ القَتْلِ، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فقد بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ" (٧). وهذا يَدُلُّ على إباحةِ قَتْلِه، وقال عليه
стр. 1474
السَّلَامُ: "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨). والكُفْرُ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ، وقال ﵇: "نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ" (٩). فَمَفْهُومُه أنَّ غيرَ المُصَلِّينَ يُباحُ قَتْلُهم. ولأنَّها رُكْنٌ من أرْكانِ الإِسلامِ لا تَدْخُلُه النِّيابَةُ بِنَفْسٍ ولا مالٍ، فوَجَبَ أن يُقْتَلَ تَاركُه كالشَّهادَةِ، وحَدِيثُهم حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّ الخبرَ الذي رَوَيْناهُ يَدُلُّ على أنَّ تَرْكَها كُفْرٌ، والحَدِيثُ الآخَرُ اسْتثْنَى منه "إلَّا بِحَقِّهَا". والصلَاةُ من حَقِّها. و [عن أنَسٍ، قال: قال أبو بكرٍ: إنَّما قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا شَهِدُوا أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ, وأقَامُوا الصَّلَاةَ، وآتَوُا الزَّكَاةَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ] (١٠). ثم إنَّ (١١) أحَادِيثَنا خَاصَّةٌ، فنَخُصُّ بها عُمُومَ ما ذَكَرُوه، ولا يَصِحُّ قِياسُها على الحَجِّ؛ لأنَّ الحَجَّ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَأْخِيرِه، ولا يَجِبُ القَتْلُ بِفِعْلٍ مُخْتَلَفٍ فيه. وقولُهم: إنَّ هذا يُفْضِى إلى تَرْكِ الصلاةِ بالكُلِّيَّةِ. قُلْنا: الظَّاهِرُ أنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّه يُقْتَلُ إن تَرَكَ الصلاةَ لا يَتْرُكُها، سِيَّما بعد اسْتِتابَتِه (١٢) ثلاثةَ ايَّامٍ، فإنْ تَرَكَها بعدَ (١٣) هذا كان مَيْئُوسًا من صَلَاتِه، فلا فَائِدَةَ في بَقَائِه، ولا يكونُ القَتْلُ هو المُفَوِّتُ له، ثم لو فَاتَ به احْتِمَالُ الصلاةِ، لحَصَلَ
стр. 1475
به صَلَاةُ ألْفِ إنْسانٍ، وتَحْصِيلُ ذلك بِتَفْوِيتِ احْتِمالِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لا يُخَالِفُ الأصْلَ. إذا ثَبَتَ هذا فظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ أنَّه يَجِبُ قَتْلُهُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وهى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ؛ لأنَّه تَارِكٌ لِلصلاةِ، فَلَزِمَ قَتْلُه، كتارِكِ ثلاثٍ، ولأنَّ الأخْبَارَ تَتَناوَلُ تَارِكَ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، لكن لا يَثْبُتُ الوُجُوبُ حتى يَضِيقَ وَقْتُ التي بَعْدَها؛ لأنَّ الأُولَى لا يُعْلَمُ تَرْكُها إلَّا بِفَواتِ وَقْتِها، فتَصِيرُ فائِتَةً لا يَجِبُ القَتْلُ بِفَواتِها، فإذا ضاقَ وَقْتُها عُلِمَ أنَّه يُرِيدُ تَرْكَها، فوَجَبَ قَتْلُهُ. والثانية: لا يَجِبُ قَتْلُه حتى يَتْرُكَ ثلاثَ صَلَواتٍ، ويَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ عن فِعْلِها؛ لأنَّه قد يَتْرُكُ الصلاةَ والصلاتَيْنِ لِشُبْهَةٍ، فإذا تَكَرَّرَ ذلك ثلاثًا. تَحَقَّقَ أنَّه [تارِكٌ لها] (١٤) رَغْبَةً عنها، ويُعْتَبَرُ أن يَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَة عن فِعْلِها، لما ذَكَرْنا. وحَكَى ابنُ حامِدٍ، عن أبي إسحاقَ بن شَاقْلا، أنَّه إن تَرَكَ صَلَاةً لا تُجْمَعُ إلى ما بَعْدَها، [كصلاةِ الفَجْرِ] (١٥) والعَصْرِ، وَجَبَ قَتْلُه، وإن تَرَكَ الأُولَى من صَلَاتَىِ الجَمْعِ، لم يَجِبْ قَتْلُه؛ لأنَّ الوَقْتَيْنِ كالوَقْتِ الوَاحِدِ عندَ بَعْضِ العُلَمَاءِ. وهذا قَوْلٌ حَسَنٌ. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ، هل يُقْتَلُ لِكُفُرِهِ، أو حَدًّا؟ فَرُوِىَ أنه يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ كالمُرْتَدِّ، فلا يُغَسَّلُ، ولا يُكَفَّنُ، ولا يُدْفَنُ بين المُسْلِمِينَ، ولا يَرِثُهُ أحَدٌ، ولا يَرِثُ أحَدًا، اخْتَارَهَا أبو إسْحاقَ بن شَاقْلا وابنُ حامِدٍ، وهو مذهبُ الحسنِ، والنَّخَعِىِّ (١٦)، والشَّعْبِىِّ، وأيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، وابنِ المُباركِ، وحَمَّادِ بن زيدٍ، وإسْحاقَ، ومحمدِ بن الحسنِ، لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ". وفى لَفْظٍ عن جَابِرٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكَ الصَّلَاةِ". وعن بُرَيْدَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ :