ضَمِنَ أرْزَاقَهم في الدُّنْيا، كما ضَمِنَ أرْزاقَ المُؤْمِنِينَ، ويُؤْمَرُون (٢) بالانْفِرَادِ عن (٣) المُسْلِمِينَ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يُصِيبَهم عَذَابٌ، فيَعُمُّ مَن حَضَرَهم، فإنَّ قَوْمَ عَادٍ اسْتَسْقَوْا، فأرْسَلَ اللهُ عليهم رِيحًا صَرْصَرًا، فأهْلَكَتْهم. فإن قِيلَ: فيَنْبَغِى أن يُمْنَعُوا الخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ المُسْلِمُونَ؛ لئلا يَظُنُّوا أنَّ ما حَصَلَ من السُّقْيَا بِدُعَائِهم. قُلْنا: ولا يُؤْمَنُ أن يَتَّفِقَ نُزُولُ الغَيْثِ يَوْمَ يَخْرُجُونَ وَحْدَهم، فيكونُ أعْظَمَ لِفِتْنَتِهِم، وَرُبَّما افْتَتَنَ غَيْرُهم بهم.
стр. 1472
بابُ الحُكْمِ في مَن تَرَكَ الصلاةَ
٣٢٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، جَاحِدًا لَهَا، أوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، دُعِىَ إلَيْهَا في وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإنْ صَلَّى، وإلَّا قُتِلَ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ تارِكَ الصلاةِ لا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ جَاحِدًا لِوُجُوبِها، أو غيرَ جاحِدٍ، فإن كان جَاحِدًا لِوُجُوبِها نُظِرَ فيه، فإنْ كان جاهِلًا به، وهو مِمَّنْ يَجْهَلُ ذلك، كالحَدِيثِ الإِسلامِ، والنَّاشئِ بِبَاديَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَها، وعُلِّمَ ذلك، ولم يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. وإن لم يَكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذلك، كالنَّاشِئِ بينَ (١) المُسْلِمِينَ في الأمْصارِ والقُرَى، لم يُعْذَرْ، ولم يُقْبَلْ منه ادِّعاءُ الجَهْلِ، وحُكِمَ بِكُفْرِه؛ لأنَّ أَدِلَّةَ الوُجُوبِ ظاهِرَةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، والمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَها على الدَّوامِ، فلا يَخْفَى وُجُوبُها على مَنْ هذا حالُه، فلا يَجْحَدُها إلَّا تَكْذِيبًا للهِ تعالى ولِرَسُولِهِ وإجْماعِ الأُمَّةِ، وهذا يَصِيرُ مُرْتَدًّا عن الإِسلامِ، وحُكْمُه حُكْمُ سَائِرِ المُرْتَدِّينَ، في الاسْتِتابَةِ والقَتْلِ، ولا أعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وإن تَرَكَها لِمَرَضٍ، أو عَجْزٍ عن أرْكانِها وشُرُوطِها، قِيلَ له: إنَّ ذلك لا يُسْقِطُ الصلاةَ، وإنَّه يَجِبُ عليه أنْ يُصَلِّىَ على حَسَبِ طاقَتِه. وإن تَرَكَها تهاوُنًا أو كَسَلًا، دُعِىَ إلى فِعْلِها، وقِيلَ له: إنْ صَلَّيْتَ، وإلَّا قَتَلْناكَ. فإن صَلَّى، وإلَّا وَجَبَ قَتْلُه. ولا يُقْتَلُ حتى يُحْبَسَ ثَلَاثًا، ويُضَيَّقَ عليه فيها، ويُدْعَى في وَقْتِ كل صَلَاةِ إلى فِعْلِها، ويُخَوَّفَ بالقَتْلِ، فإن صَلَّى، وإلَّا قُتِلَ بالسَّيْفِ. وبهذا قال مالِكٌ، وحَمَّادُ بن زيدٍ، وَوَكِيعٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال الزُّهْرِىُّ: يُضْرَبُ ويُسْجَنُ. وبه قال أبو حنيفةَ، قال: ولا يُقْتَلُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ:
стр. 1473
كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أو زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أو قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وهذا لم يَصْدُرْ منه أحَدُ الثَّلاثةِ. فلا يَحِلُّ دَمُهُ. وقال النبيُّ ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتَّىِ يَقُولُوا لَا إلهَ إلَّا اللهُ، فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُم إلَّا بِحَقِّها". مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأنَّه فَرْعٌ من فُرُوعِ الدِّينِ. فلا يُقْتَلُ بِتَرْكِه كالحَجِّ، ولأنَّ القَتْلَ لو شُرِعَ لَشُرِعَ زَجْرًا عن تَرْكِ الصلاةِ، ولا يجوزُ شَرْعُ زَاجِرٍ تَحَقَّقَ المَزْجُورُ عنه، والقَتْلُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصلاةِ دَائِمًا، فلا يُشْرَعُ، ولأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ الدَّمِ، فلا تَثْبُتُ الإِباحَةُ إلَّا بِنَصٍّ أو مَعْنَى نَصٍّ. والأصْلُ عَدَمُه. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٤). فأباحَ قَتْلَهم، وشَرَطَ في تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِم التَّوْبَةَ، وهى الإِسلامُ، وإقَامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكَاةِ، فمتى تَرَكَ الصلاةَ مُتَعَمِّدًا (٥) لم يَأْتِ بِشَرْطِ تَخْلِيَتِه، فيَبْقَى (٦) على وُجُوبِ القَتْلِ، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فقد بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ" (٧). وهذا يَدُلُّ على إباحةِ قَتْلِه، وقال عليه
стр. 1474
السَّلَامُ: "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨). والكُفْرُ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ، وقال ﵇: "نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ" (٩). فَمَفْهُومُه أنَّ غيرَ المُصَلِّينَ يُباحُ قَتْلُهم. ولأنَّها رُكْنٌ من أرْكانِ الإِسلامِ لا تَدْخُلُه النِّيابَةُ بِنَفْسٍ ولا مالٍ، فوَجَبَ أن يُقْتَلَ تَاركُه كالشَّهادَةِ، وحَدِيثُهم حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّ الخبرَ الذي رَوَيْناهُ يَدُلُّ على أنَّ تَرْكَها كُفْرٌ، والحَدِيثُ الآخَرُ اسْتثْنَى منه "إلَّا بِحَقِّهَا". والصلَاةُ من حَقِّها. و [عن أنَسٍ، قال: قال أبو بكرٍ: إنَّما قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا شَهِدُوا أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ, وأقَامُوا الصَّلَاةَ، وآتَوُا الزَّكَاةَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ] (١٠). ثم إنَّ (١١) أحَادِيثَنا خَاصَّةٌ، فنَخُصُّ بها عُمُومَ ما ذَكَرُوه، ولا يَصِحُّ قِياسُها على الحَجِّ؛ لأنَّ الحَجَّ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَأْخِيرِه، ولا يَجِبُ القَتْلُ بِفِعْلٍ مُخْتَلَفٍ فيه. وقولُهم: إنَّ هذا يُفْضِى إلى تَرْكِ الصلاةِ بالكُلِّيَّةِ. قُلْنا: الظَّاهِرُ أنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّه يُقْتَلُ إن تَرَكَ الصلاةَ لا يَتْرُكُها، سِيَّما بعد اسْتِتابَتِه (١٢) ثلاثةَ ايَّامٍ، فإنْ تَرَكَها بعدَ (١٣) هذا كان مَيْئُوسًا من صَلَاتِه، فلا فَائِدَةَ في بَقَائِه، ولا يكونُ القَتْلُ هو المُفَوِّتُ له، ثم لو فَاتَ به احْتِمَالُ الصلاةِ، لحَصَلَ
стр. 1475
به صَلَاةُ ألْفِ إنْسانٍ، وتَحْصِيلُ ذلك بِتَفْوِيتِ احْتِمالِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لا يُخَالِفُ الأصْلَ. إذا ثَبَتَ هذا فظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ أنَّه يَجِبُ قَتْلُهُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وهى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ؛ لأنَّه تَارِكٌ لِلصلاةِ، فَلَزِمَ قَتْلُه، كتارِكِ ثلاثٍ، ولأنَّ الأخْبَارَ تَتَناوَلُ تَارِكَ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، لكن لا يَثْبُتُ الوُجُوبُ حتى يَضِيقَ وَقْتُ التي بَعْدَها؛ لأنَّ الأُولَى لا يُعْلَمُ تَرْكُها إلَّا بِفَواتِ وَقْتِها، فتَصِيرُ فائِتَةً لا يَجِبُ القَتْلُ بِفَواتِها، فإذا ضاقَ وَقْتُها عُلِمَ أنَّه يُرِيدُ تَرْكَها، فوَجَبَ قَتْلُهُ. والثانية: لا يَجِبُ قَتْلُه حتى يَتْرُكَ ثلاثَ صَلَواتٍ، ويَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ عن فِعْلِها؛ لأنَّه قد يَتْرُكُ الصلاةَ والصلاتَيْنِ لِشُبْهَةٍ، فإذا تَكَرَّرَ ذلك ثلاثًا. تَحَقَّقَ أنَّه [تارِكٌ لها] (١٤) رَغْبَةً عنها، ويُعْتَبَرُ أن يَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَة عن فِعْلِها، لما ذَكَرْنا. وحَكَى ابنُ حامِدٍ، عن أبي إسحاقَ بن شَاقْلا، أنَّه إن تَرَكَ صَلَاةً لا تُجْمَعُ إلى ما بَعْدَها، [كصلاةِ الفَجْرِ] (١٥) والعَصْرِ، وَجَبَ قَتْلُه، وإن تَرَكَ الأُولَى من صَلَاتَىِ الجَمْعِ، لم يَجِبْ قَتْلُه؛ لأنَّ الوَقْتَيْنِ كالوَقْتِ الوَاحِدِ عندَ بَعْضِ العُلَمَاءِ. وهذا قَوْلٌ حَسَنٌ. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ، هل يُقْتَلُ لِكُفُرِهِ، أو حَدًّا؟ فَرُوِىَ أنه يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ كالمُرْتَدِّ، فلا يُغَسَّلُ، ولا يُكَفَّنُ، ولا يُدْفَنُ بين المُسْلِمِينَ، ولا يَرِثُهُ أحَدٌ، ولا يَرِثُ أحَدًا، اخْتَارَهَا أبو إسْحاقَ بن شَاقْلا وابنُ حامِدٍ، وهو مذهبُ الحسنِ، والنَّخَعِىِّ (١٦)، والشَّعْبِىِّ، وأيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، وابنِ المُباركِ، وحَمَّادِ بن زيدٍ، وإسْحاقَ، ومحمدِ بن الحسنِ، لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ". وفى لَفْظٍ عن جَابِرٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكَ الصَّلَاةِ". وعن بُرَيْدَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ :
стр. 1476
"بَيْنَنَا وبَيْنَهُمْ تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَمَنْ تَرَكَها فَقَدْ كَفَرَ". رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ (١٧). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينكُمْ الْأَمَانَةُ، وآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةُ" (١٨). قال أحمدُ: كُلُّ شيءٍ ذَهَب آخِرُه لم يَبْقَ منه شيءٌ. وقال عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: لا حَظَّ في الإِسلامِ لمن تَرَكَ الصلاةَ. وقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ لم يُصَلِّ فهو كَافِرٌ. وقال ابنُ مسعودٍ: مَنْ لم يُصَلِّ فلا دِينَ له. وقال عبدُ اللَّه بن شَقِيق (١٩): لم يَكُنْ أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ يَرَوْنَ شيئًا من الأعْمالِ، تَرْكُه كُفْرٌ، غيرَ الصلاةِ. ولأنَّها عِبادَةٌ يَدْخُلُ بها في الإِسلامِ، فيَخْرُجُ بِتَرْكِها منه كالشَّهادَةِ. والرِّوايةُ الثَّانِيةُ، يُقْتَلُ حَدًّا، مع الحُكْمِ بإسْلَامِه، كالزَّانِى المُحْصَنِ، وهذا اخْتِيارُ أبى عبدِ اللهِ ابن بَطَّةَ، وأنكَرَ قَوْلَ مَن قال: إنَّه يكْفُر. وذَكَرَ أنَّ المذهبَ على هذا، لم يَجِدْ في المذهبَ خِلَافًا فيه. وهذا قولُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، وقولُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وَرُوِىَ عن حُذَيْفَةَ أنَّه قال: يَأْتِى على النَّاسِ زَمَانٌ لا يَبْقَى معهم من الإِسلامِ إلَّا قَوْلُ لا إله إلَّا اللَّه. فقِيلَ له: وما يَنْفعُهم؟ قال: تُنْجِيهِم من النَّارِ، لا أبَالكَ. وعن وَالانَ (٢٠)، قال: انْتَهَيْتُ إلى دَارِى، فوَجَدْتُ شَاةً مَذْبُوحَةً، فقلتُ: مَنْ ذَبَحَها؟ قالوا: غُلامُكَ. قلتُ: واللهِ إنَّ غُلَامِى لا يُصَلِّى، فقال النِّسْوَةُ: نحن عَلَّمْنَاه، يُسَمِّى (٢١)، فرَجَعْتُ إلى ابنِ مسعودٍ، فسَألْتُه عن ذلك، فأمَرَنِى بأكْلِها. والدَّلِيلُ على هذا قولُ النَّبِيِّ
كَثِيرٌ. وعن عُبادَةَ بن الصَّامِتِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ على العَبْدِ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ، لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، فلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شَاءَ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ" (٢٤). ولو كان كافِرًا لم يُدْخِلْهُ في المَشِيئَةِ. وقال الخَلَّالُ، في "جَامِعِهِ": ثنا يحيى، ثنا عَبْدُ الوَهَّابِ، ثنا هِشامُ بن حَسَّانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي شُمَيْلَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ إلى قُبَاءَ فاسْتَقْبَلَهُ رَهْطٌ من الأنْصارِ يَحْمِلُونَ جِنَازَةً على بَابٍ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "مَا هَذَا؟ " قالوا: مَمْلُوكٌ لآل فُلَانٍ، كان من أمْرِهِ. قال: "أكَانَ يَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ؟ " قالوا: نعم، ولَكِنَّهُ كان وكان. فقال لهم (٢٥): "أَمَا كَانَ يُصَلِّى؟ " فقالوا: قد كان يُصَلِّى ويَدَعُ. فقال لهم: "ارْجِعُوا بِهِ، فَغَسِّلُوهُ، وكَفِّنُوهُ، وصَلُّوا عَلَيْهِ، وَادْفِنُوهُ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَقَدْ كَادَتِ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِى وبَيْنَه". ورَوَى بإسْنَادِه، عن عَطَاءٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إلَّا اللهُ" (٢٦). ولأنَّ ذلك إجْمَاعُ المُسْلِمِينَ، فإنَّا لا نَعْلَمُ في عَصْرٍ من الأعْصَارِ أحَدًا من تَارِكِى الصلاةِ تُرِكَ تَغْسِيلُه، والصلاةُ عليه، ودَفْنُهُ في مَقابِر المُسْلِمِينَ، ولا مُنِعَ وَرَثَتُهُ مِيراثَهُ، ولا مُنِعَ هو مِيرَاثَ مُوَرِّثِه، ولا فُرِّقَ بين زَوجَيْنِ لِتَرْكِ الصلاةِ من (٢٧) أحَدِهِما؛ [مع كثْرةِ] (٢٨) تَارِكِى الصلاة، ولو كان كَافِرًا لَثَبَتَتْ هذه الأحْكامُ كُلُّها، ولا نعْلَمُ بين المُسْلِمِينَ خِلَافًا في أنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يَجِبُ عليه قضَاؤُها، ولو كان مُرْتَدًّا لم
стр. 1479
يَجِبْ عليه قَضاءُ صَلَاةٍ ولا صِيَامٍ (٢٩). وأمَّا الأحادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ فهى على سَبِيلِ التَّغْلِيظِ، والتَّشْبِيهِ له بالكُفَّارِ، لا على الحَقِيقَةِ، كقَوْلِه ﵇: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتَالُه كُفْرٌ" (٣٠). وقولِه: "كُفْرٌ بِاللهِ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ وإنْ دَقَّ" (٣١). وقوله: "مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُما" (٣٢). وقولِه: "مَنْ أَتَى حَائِضًا أوِ امْرَأةً في دُبُرِهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ" (٣٣). قال: "وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ الكَوَاكِبِ. فَهوَ كَافِرٌ باللهِ، مُؤْمِنٌ بِالكَوَاكِبِ" (٣٤). وقوله: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ" (٣٥). وقولِهِ:
стр. 1480
"شَارِبُ الخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ" (٣٦). وأشْبَاهِ هذا ممَّا أُرِيدَ به التَّشْدِيدُ في الوَعِيدِ، وهو أصْوَبُ القَوْلَيْنِ، واللهُ أعلمُ.
فصل: ومَن تَرَكَ شَرْطًا مُجْمَعًا [على صِحَّتِه] (٣٧)، أو رُكْنًا، كالطَّهارَةِ والرَّكُوعِ والسُّجُودِ، فهو كتارِكِها، حُكْمُه حُكْمُه؛ لأنَّ الصلاةَ مع ذلك وُجُودُها كعَدَمِها. وإن ترك مُخْتَلَفًا فيه، كإزَالَةِ النَّجاسَةِ، وقِراءَةِ الفَاتِحَةَ، والطُّمَأْنِينَةِ، والاعْتِدَالِ بين الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أو بين السَّجْدَتَيْنِ، مُعْتَقِدًا جَوازَ ذلك، فلا شئَ عليه. وإن تَرَكَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه، لَزِمَهُ (٣٨) إعادَةُ الصلاةِ. ولا يُقْتَلُ من أجْلِ ذلك بِحَالٍ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فأَشْبَهَ المُتَزَوِّجَ بغيرِ وَلِىٍّ، وسَارِقَ مالٍ له فيه شُبْهَةٌ. واللهُ أعلمُ.
стр. 1481
كتابُ الْجَنائِزِ
يُسْتَحَبُّ لِلإِنْسَانِ ذِكْرُ المَوْتِ والاسْتِعْدادُ له؛ فإنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "أكْثِرُوا من ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فَمَا ذُكِرَ في كَثِيرٍ إلَّا قَلَّلَهُ، وَلَا في قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ". رَوَى البُخَارِىُّ أوَّلَهُ (٣٩). وإذا مَرِضَ اسْتُحِبَّ له أن يَصْبِرَ، ويُكْرَهُ الأنِينُ؛ لما رُوِىَ عن طَاوُسٍ أنَّه كَرِهَهُ. ولا يَتَمَنَّى المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ به؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَلَا يَتَمَنَيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ (٤٠)، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِى، وتَوَفَّنِى إذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِى" (٤١). وقال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (٤٢). ويُحْسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّه تعالى، قال جَابِرٌ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ قبلَ مَوْتِه بِثَلَاثٍ: "لَا يَمُوتنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ باللهِ تَعَالَى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤٣)، وأبو دَاوُدَ (٤٤). وقال مُعْتَمِرٌ، عن
стр. 1482
أبِيهِ، إنَّه قال له عندَ مَوْتِهِ: حَدِّثْنِى بالرُّخَصِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ المَرِيضِ، قال البَرَاءُ: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ باتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وعِيَادَةِ المَرِيضِ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ، ومُسْلِمٌ (٤٥). وعن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا، إلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، يَسْتَغْفِرُونَ له حتى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا، خَرَجَ معه سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ له حتى يُمْسِىَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الجَنَّةِ" (٤٦). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وإذا دَخَلَ على المَرِيضِ (٤٧) دَعَا له، ورَقَاهُ. قال ثابِتٌ لأنَسٍ: يا أبا حمزةَ، اشْتَكَيْتُ. قال أنَسٌ: أفلا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قال: بَلَى. قال: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِى، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا" (٤٨). ورَوَى
стр. 1483
أبو سعيدٍ، قال: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: يا محمدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قال: "نَعَمْ". قال: بِسْمِ اللهَ أَرْقِيكَ، مِن كُلِّ شَىْءٍ يُؤْذِيكَ، من شَرِّ كلِّ نَفْسٍ وعَيْنٍ حَاسِدَةٍ اللهُ يَشْفِيكَ (٤٩). وقال أبو زُرْعَةَ: كلا هذينِ الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ. وَرُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ، فَنَفِّسُوا لَهُ في الأَجَلِ؛ فإنَّه لَا يَرُدُّ مِن قَضَاءِ اللهِ شَيْئًا، وإنَّهُ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٥٠). ويُرَغِّبُهُ في التَّوْبَةِ والوَصِيَّةِ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَا حَقُّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، ولَهُ شَىْءٌ يُوصِى فِيهِ، إلَّا، وَوَصِيَّتُه مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٥١).
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَلِىَ المَرِيضَ أرْفَقُ أهْلِه به، وأعْلَمُهم بِسِياسَتِه، وأتْقَاهم
стр. 1484
لِلهِ ؛ لِيُذَكِّرَهُ اللَّه تعالى، والتَّوْبَةَ من المَعاصِى، والخُرُوجَ من المَظالِم، والوَصِيَّةَ. وإذا رَآهُ مَنْزُولًا به تَعَهَّدَ بَلَّ حَلْقِهِ، بِتَقْطِيرِ ماءٍ أو شَرابٍ فيه، ويُنَدِّى شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ، ويَسْتَقْبِلُ به القِبْلَةَ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : " [خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ القِبْلَةُ" (٥٢). ويُلَقِّنُه قَوْلَ "لا إله إلَّا اللَّه"؛ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥٣). وقال الحسنُ: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ ] (٥٤): أىُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: "أنْ تَمُوتَ يَوْمَ تَمُوتُ ولِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ". رَوَاه سَعِيدٌ. ويكونُ ذلك في لُطْفٍ ومُدَارَاةٍ، ولا يُكَرِّرُ عليه، ولا يُضْجِرُه، إلَّا أن يَتَكَلَّمَ بِشَىءٍ، فيُعِيدُ تَلْقِينَه، لِتكونَ لا إله إلَّا اللهُ آخِرَ كَلَامِه. نَصَّ على هذا أحمدُ، ورُوِىَ عن عبدِ اللهِ بن المُباركِ، أنَّه لمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ جَعَلَ رَجُلٌ يُلَقِّنُه "لا إله إلَّا اللَّه" فأكْثَرَ عليه؛ فقال له عبدُ اللهِ: إذا قلتُ مَرَّةً فأنَا على ذلك ما لم أتَكَلَّمْ، قال التِّرْمِذِىُّ: إنَّما أرَادَ عبدُ اللهِ ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِه لَا إلهَ إلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٥٥)، بإسْنَادِهِ. ورَوَى سَعِيدٌ، بإسْنَادِهِ، عن مُعَاذِ بن جَبَلٍ، أنَّه لمَا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، قال: أَجْلِسُونِى. فلما أَجْلَسُوه قال: كَلِمَةٌ سَمِعْتُها مِن رسولِ اللهِ ﷺ كُنْتُ أخْبَؤُها، ولَوْلَا ما حَضَرَنِى من المَوْتِ ما أخْبَرْتُكم بها، سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ
стр. 1485
يقول: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ (٥٦) عِنْدَ الْمَوْتِ [أشْهَدُ أنْ] (٥٧) لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إلَّا هَدَمَتْ مَا كَانَ قَبْلَها مِنَ الخَطَايَا والذُّنُوبِ، فَلَقِّنُوهَا مَوْتَاكُمْ" فَقِيلَ: يا رسولَ اللَّه، فكيف هي لِلْأَحْيَاءِ؟ قال "هِىَ أَهْدَمُ وأَهْدَمُ" (٥٨). قال أحمدُ: ويَقْرَأونَ عندَ المَيِّتِ إذا حَضَرَ، لِيُخَفَّفَ عنه بالقِرَاءَةِ، يَقْرَأُ ﴿يس﴾، وأمَرَ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ. ورَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بن فَضَالَةَ، عن أسَدِ بن وَدَاعَةَ، قال (٥٩): لما حَضَرَ غُضَيْفَ بنَ حَارِثٍ المَوْتُ، حَضَرَهُ إخْوَانُه، فقال: هل فِيكُمْ مَن يَقْرأُ سُورَةَ ﴿يس﴾؟ قال رَجُلٌ من القَوْمِ: نعم. قال: اقْرَأْ، وَرَتِّلْ، وأَنْصِتُوا. فقَرَأَ، ورَتَّلَ، وأسْمَعَ القَوْمَ، فلما بَلَغَ: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٦٠). خَرَجَتْ نَفْسُه. قال أَسدُ بن وَداعَةَ: فَمَن حَضَرَ مِنْكُم المَيِّتَ، فشُدِّدَ عليه المَوْتُ، فَلْيَقْرأْ عندَه سُورَةَ ﴿يس﴾، فإنَّه يُخَفَّفُ عنه المَوْتُ.
٣٣٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وإذَا تُيُقِّنَ المَوْتُ، وُجِّهَ إلى القِبْلَةِ، وغُمِّضَتْ عَيْنَاهُ، وشُدَّ لَحْيَاهُ، لِئَلَّا يَسْتَرْخِىَ فَكُّهُ، وجُعِلَ عَلَى بَطْنِه مِرْآةٌ أو غَيرُها؛ لِئَلَّا يَعْلُوَ بَطْنُهُ)
قوله: "إذا تُيُقِّنَ المَوْتُ" (١) يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ حُضُورَ المَوْتِ؛ لأنَّ التَّوجِيهَ إلى القِبْلَةِ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُه على المَوْتِ، واسْتَحَبَّهُ عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وأهْلُ
стр. 1486
المَدِينَةِ، والأوْزَاعِىُّ، وأهْلُ الشَّامِ، وإسحاقُ. وأَنْكَرَه سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، فإنَّهم لما أرادُوا أن يُحَوِّلُوهُ إلى القِبْلَةِ، قال: ما لَكُمْ؟ قالوا: نُحَوِّلُكَ إلى القِبْلَةِ. قال: ألم أكُنْ على القِبْلَةِ إلى يَوْمِى هذا؟ والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ حُذَيْفَةَ، قال: وَجِّهُونِى. ولأنَّ فِعْلَهم ذلك بسَعِيدٍ دَلِيلٌ على أنَّه كان مَشْهُورًا بينهم، يَفْعَلُه المُسْلِمُونَ كُلُّهم بِمَوْتَاهم، ولأنَّ خَيْرَ المَجَالِسِ ما اسْتُقْبِلَ به القِبْلَةُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ الْخِرَقِىَّ أرَادَ تَيَقُّنَ وُجُودِ المَوْتِ، لأنَّ سَائِرَ ما ذَكَرَهُ إنَّما يُفْعَلُ بعد المَوْتِ، وهو تَغْمِيضُ المَيِّتِ، فإنَّه يُسَنُّ عَقِيبَ المَوْتِ؛ لما رُوِىَ عن أُمِّ سَلَمَةَ، قالت: دَخَلَ رسولُ اللهِ ﷺ على أبى سَلَمَةَ وقد شَقَّ بَصَرُه (٢)، فأغْمَضَهُ، ثم قال: "إنَّ الرُّوحَ إذا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ". فَضَجَّ النَّاسُ من أهْلِه، فقال: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ، فإنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى ما تَقُولُونَ". ثم قال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأبى سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ المُقَرَّبِينَ، واخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغَابِرينَ، واغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وأَفْسِحْ لَهُ في (٣) قَبْرِهِ، ونَوِّرْ لَهُ فِيهِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). ورَوَى شَدَّادُ بن أوْسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ، فأَغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وقُولُوا خَيْرًا؛ فَإنَّه يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ المَيِّتِ". رَوَاهُ أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٥). ورُوِىَ أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال لِابنِه حين حَضَرَتْهُ الوَفاةُ: ادْنُ مِنِّى، فإذا رَأيْتَ رُوحِى قد بَلَغَتْ لَهَاتِى، فضَعْ كَفَّكَ اليُمْنَى على جَبْهَتِى، واليُسْرَى تحتَ ذَقَنِى، وأَغْمِضْنِى.
стр. 1487
ويُسْتَحَبُّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصابةٍ عَرِيضَةٍ، يَرْبُطُها مِن فوقِ رَأْسِه؛ لأنَّ المَيِّتَ إذا كان مَفْتُوحَ العَيْنَيْنِ والفَمِ، فلم يُغَمَّضْ حتى يَبْرُدَ، بَقِىَ مَفْتُوحًا، فيَقْبُحُ مَنْظَرُه، ولا يُؤْمَنُ دُخُول الهَوَامِّ فيه، والماءِ في وَقْتِ (٦) غُسْلِه. وقال بَكْرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزنِىُّ: ويقولُ الذي يُغْمِضُهُ: بِسْمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسول اللهِ ﷺ . ويُجْعَلُ على بَطْنِه شيءٌ من الحَدِيدِ، كمِرْآةٍ أو غيرِها، لِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُه، فإنْ لم يَكُنْ شيءٌ من الحديدِ فَطِينٌ مَبْلُولٌ، ويُسْتَحَبُّ أن يَلِىَ ذلك منه أرْفَقُ النَّاسِ به، بأرْفَقِ ما يَقْدِرُ عليه. قال أحمدُ: تُغْمِضُ المَرْأَةُ عَيْنَيْه (٧) إذا كانتْ ذات مَحْرَمٍ له. وقال: يُكْرَهُ لِلْحائِضِ والجُنُبِ تَغْمِيضُه، وأن تَقْرَباهُ. وكَرِهَ ذلك عَلْقَمَةُ. ورُوِىَ نَحْوُه عن الشَّافِعِىِّ. وكَرِهَ الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، أن يُغَسِّلَ الحائِضُ والجُنُبُ المَيِّتَ. ونحوَه (٨) قال مالِكٌ. وقال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يُغَسِّلُهُ الجُنُبُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "المُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجِسٍ" (٩). ولا نَعْلَمُ بينهم اخْتِلافًا في صِحَّةِ تَغْسِيلِهما وتَغْمِيضِهما له، ولكن الأوْلَى أن يكونَ المُتَولِّى لأُمُورِه، في تَغْمِيضِه وتَغْسِيلِه، طَاهِرًا، لأنَّه أكْمَلُ وأحْسَنُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ المُسَارَعَةُ إلى تَجْهِيزِه إذا تُيُقِّنَ مَوْتُه؛ لأنَّه أَصْوَنُ له، وأحْفَظُ مِن أن يَتَغَيَّرَ، وتَصْعُبَ مُعَانَاتهُ (١٠). قال أحمدُ: كَرَامَةُ المَيِّتِ تَعْجِيلُه. وفيما رَوَى أبو دَاوُدَ (١١)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنِّي لأُرَى طَلْحَةَ (١٢) قد حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فآذِنُونِى بِهِ، وعَجِّلُوا، فَإنَّه لا يَنْبَغِى لجِيفَةِ مُسْلِمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ
стр. 1488
ظَهْرَانَىِّ أهْلِهِ". ولا بَأْسَ أن يُنْتَظَرَ بها مِقْدَارُ ما يَجْتَمِعُ لها جَماعَةٌ؛ لما يُؤَمَّلُ مِن الدُّعاءِ له إذا صُلِّىَ عليه، ما لم يُخَفْ عليه، أو يَشُقَّ على النَّاسِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن اشْتَبَهَ أمْرُ المَيِّتِ، اعْتُبِرَ بِظُهُورِ أمَارَاتِ المَوْتِ، مِن اسْتِرْخاءِ رِجْلَيْه، وانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، ومَيْلِ أنْفِه، وامْتِدَادِ جِلْدَةِ وَجْهِه، وانْخِسافِ صُدْغَيْهِ. وإن ماتَ فَجْأةً كالمَصْعُوقِ، أو خَائِفًا مِن حَرْبٍ أو سَبُعٍ، أو تَرَدَّى من جَبَلٍ، انْتُظِرَ به هذه العَلامَاتُ، حتى يُتَيَقَّنَ مَوْتُه. قال الحسنُ في المَصْعُوقِ: يُنْتَظَرُ به ثلاثًا. قال أحمدُ، ﵀: إنَّه رُبَّمَا تَغَيَّرَ في الصَّيْفِ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ. قيل: فكيف تَقُولُ؟ قال: يُتْرَكُ بِقَدْرِ ما يُعْلَمُ أنَّه مَيِّتٌ. قيل له: من غُدْوَةٍ إلى اللَّيْلِ. قال: نعم.
فصل: ويُسَارَعُ في قَضاءِ دَيْنِه؛ لما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِه حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" (١٣). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وإن تَعَذَّرَ إيفاءُ دَيْنِه في الحالِ، اسْتُحِبَّ لِوارِثِه أو غيرِه أن يَتَكَفَّلَ به عنه، كما فَعَلَ أبو قَتَادَةَ لمَّا أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِجِنَازَةٍ، فلم يُصَلِّ عليها، قال أبو قَتادَةَ: صَلِّ عليها يا رسولَ اللهِ، وعَلَىَّ دَيْنُه. فَصَلَّى عليه. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (١٤). ويُسْتَحَبُّ المُسَارَعَةُ
стр. 1489
إلى تَفْرِيقِ وَصِيَّتِه؛ لِيُعَجَّلَ (١٥) له ثَوَابُها بِجَرَيَانِها على المُوصَى له.
فصل: ويُسْتَحَبُّ خَلْعُ ثِيَابِ المَيِّتِ؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ منه شيءٌ يَفْسُدُ به، ويَتَلَوَّثُ بها، إذا نُزِعَتْ عنه، ويُسَجَّى بِثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَه. قالتْ عائشةُ: سُجِّىَ رسولُ اللهِ ﷺ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ (١٦). مُتَّفَقٌ عليه (١٧). ولا يُتْرَكُ المَيِّتُ على الأرْضِ؛ لأنَّه أسْرَعُ لِفَسادِهِ، ولكن على سَرِيرٍ أو لَوْحٍ، لِيكونَ أحْفَظَ له.
٣٣١ - مسألة؛ قال: (فَإذَا أخذَ في غُسْلِهِ سَتَرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ)
وجُمْلَتُه أنَّ المُسْتَحَبَّ تَجْرِيدُ المَيِّتِ عند غُسْلِه، ويَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِمِئْزَرٍ. هذا ظاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِىِّ، [في رِوَايةِ] (١) الأثْرَمِ عن أحمدَ، فقال: يُغَطِّى ما بين سُرَّتِه ورُكْبَتَيْهِ. وهذا اخْتِيَارُ أبى الخَطَّابِ، وهو مَذْهَبُ ابنِ سِيرِينَ، ومالِكٍ، وأبى حنيفةَ. ورَوَى المرُّوذِىُّ، عن أحمدَ، أنَّه قال: يُعْجِبُنِى أن يُغَسَّلَ المَيِّتُ وعليه ثَوْبٌ يُدْخِلُ يَدَه من تحت الثَّوْبِ. قال: وكان أبو قِلابَةَ إذا غَسَّلَ مَيِّتًا جَلَّلَهُ بِثَوْبٍ. قال القاضي: السُّنَّةُ أن يُغَسَّلَ في قَمِيصٍ رَقِيقٍ يَنْزِلُ الماءُ فيه، ولا يَمْنَعُ أن يَصِلَ إلى بَدَنِه، ويُدْخِلُ يَدَهُ في كُمِّ القَمِيصِ، فيُمِرُّها على بَدَنِه والماءُ يُصَبُّ، فإنْ كان القَمِيصُ ضَيِّقًا فَتَقَ رَأْسَ الدَّخَارِيصِ (٢)، وأدْخَلَ يَدَهُ منه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ غُسِّلَ في قَمِيصِه (٣). وقال سعدٌ: اصْنَعُوا بى كما صُنِعَ
стр. 1490
برسولِ اللهِ ﷺ . قال أحمدُ: غُسِّلَ النَّبِىُّ ﷺ في قَمِيصِه، وقد أرَادُوا خَلْعَهُ، فَنُودُوا، أن لا تَخْلَعُوهُ، وَاسْتُرُوا نَبِيَّكم. ولَنا، أنَّ تَجْرِيدَهُ أمْكَنُ لِتَغْسِيلِه، وأبْلَغُ في تَطْهِيرِه، والحَىُّ يَتَجَرَّدُ إذا اغْتَسَلَ، فكذا المَيِّتُ، ولأنَّه إذا غُسِّلَ (٤) في ثوْبِه تَنَجَّسَ الثَّوْبُ بما يَخْرُجُ، وقد لا يَطْهُرُ بِصَبِّ الماءِ عليه، فيتَنَجَّسَ المَيِّتُ به. فأمَّا النَّبِىُّ ﷺ فذاك خَاصٌّ له، ألا تَرَى أنَّهم قالوا: نُجَرِّدُه كما نُجَرِّدُ مَوْتَانا. كذلك رَوَتْه (٥) عائشةُ (٦). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: رُوِىَ ذلك عنها من وَجْهٍ صَحِيحٍ. فالظَّاهِرُ أن تَجْرِيدَ المَيِّتِ فيما عدا العَوْرَةَ كان مَشْهُورًا عندَهم، ولم يكنْ هذا لِيَخْفَى على (٧) النَّبِيِّ ﷺ ، بل الظَّاهِرُ أنَّه كان بأمْرِه؛ لأنَّهم كانوا يَنْتَهُونَ إلى رَأْيِه، ويَصْدُرُونَ عن أمْرِه في الشَّرْعِيَّاتِ، واتِّبِاعُ أَمْرِهِ وفِعْلِه أوْلَى من اتِّباعِ غيرِه. ولأنَّ ما يُخْشَى مِن تَنْجِيسِ قَمِيصِه بما يَخْرُجُ منه كان مَأْمُونًا في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لأنَّه طَيِّبٌ حَيًّا ومَيِّتًا، بخِلافِ غيرِه، وإنما قال سَعْدٌ: الْحَدُوا لي لَحْدًا، وَانْصِبُوا علىَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كما صُنِعَ برسولِ اللهِ ﷺ . ولو ثَبَتَ أنَّه أرَادَ الغُسْلَ فأمْرُ رسولِ اللهِ ﷺ أوْلَى بالاتِّباعِ. وأمَّا سَتْرُ ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، فإنَّ ذلك عَوْرَةٌ، وسَتْرُ العَوْرَةِ مَأْمُورٌ به، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ لعلىٍّ: "لَا تَنْظُرْ إلى فَخِذِ حَىٍّ، ولا مَيِّتٍ" (٨). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ورُوِى: "النَّاظِرُ من الرِّجَالِ إلى فُرُوجِ الرِّجَالِ، كالنَّاظِرِ مِنْهُمْ إلَى فُرُوجِ النِّسَاءِ، والمُتَكَشِّفُ مَلْعُونٌ" (٩).
стр. 1491
فصل: قال أبو دَاوُدَ: قلتُ لأحمدَ: الصَّبِىُّ يُسْتَرُ كما يُسْتَرُ الكَبِيرُ، أَعْنِى الصَّبِىَّ (١٠) المَيِّتَ في الغُسْلِ. قال: أىُّ شيءٍ يُسْتَرُ منه، وليستْ عَوْرَتُه بِعَوْرَةٍ ويُغَسِّلُه النِّسَاءُ؟
٣٣٢ - مسألة؛ قال: (والِاسْتِحْبَابُ أنْ لَا يُغَسَّلَ تَحْتَ السَّمَاءِ، ولَا يَحْضُرُهُ إلَّا مَنْ يُعِينُ فِى أَمْرِهِ، مَا دَامَ يُغَسَّلُ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُغَسَّلَ في بَيْتٍ. وكان ابنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أن يكونَ البَيْتُ الذي يُغَسَّلُ فيه مُظْلِمًا. وذَكَرَه أحمدُ، فإنْ لم يكنْ جَعَلَ بينه [وبينَ السَّماءِ] (١) سِتْرًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: كان النَّخَعِىُّ يُحِبُّ أن يُغَسّلَ وبينه وبين السَّمَاءِ سُتْرَةٌ. ورَوَى أبو دَاوُدَ (٢) بإسْنَادِهِ (٣)؛ قال: أوْصَى الضَّحَّاكُ أخاهُ سَالِمًا، قال: إذا غَسَّلْتَنِى فاجْعَلْ حَوْلِى سِتْرًا، واجْعَلْ بَيْنِى وبين السَّمَاءِ سِتْرًا. وذَكَرَ القاضي، أن عائشةَ قالت: أتَانا رسولُ اللهِ ﷺ ونحنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فجعَلْنا بينها وبين السَّقْفِ سِتْرًا (٤). قال (٥): وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك خَشْيَةَ أن يَسْتَقْبِلَ السماءَ بِعَوْرَتِه، وإنَّما كُرِهَ أن يَحْضُرَه مَن لا يُعِينُ في أمْرِه، لأنَّه يُكْرَهُ النَّظَرُ إلى المَيِّتِ إلَّا لِحاجةٍ. ويُسْتَحَبُّ لِلْحاضِرِينَ غَضُّ أبْصَارِهم عنه، إلَّا مِن حاجةٍ، وسَبَبُ ذلك أنَّه رُبَّما كان بالمَيِّتِ عَيْبٌ يَكْتمُهُ، ويَكْرَهُ أن يُطَّلَعَ عليه بعد مَوْتِه، ورُبَّما حَدَثَ منه أمْرٌ يَكْرَهُ الحَىُّ أن يُطَّلَعَ منه (٦) على مِثْلِه، وَرُبَّما ظَهَرَ فيه شيءٌ هو في
стр. 1492
الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ فيتحدَّثُ (٧) به، فيكونُ فَضِيحَةً له، ورُبَّما بَدَتْ عَوْرَتُه فشاهَدَها، ولهذا أَحْبَبْنا أن يكونَ الغَاسِلُ ثِقَةً أَمْينًا صَالِحًا، لِيَسْتُرَ ما يَطَّلِعُ عليه، وفى الحديثِ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمُ المَأْمُونُونَ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٨). ورُوِىَ عنه ﵇ أنَّه قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، ثُمَّ لَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ، خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". رَوَاه ابنُ مَاجَه أيضًا (٩). وفى "المُسْنَدِ" عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ، ولم يُفشِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ، خَرَجَ من ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (١٠). وقال: "لِيَلِهِ أَقْرَبُكُمْ مِنْهُ إنْ كَان يَعْلَمُ، فإنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَمَنْ تَرَوْنَ أنَّ عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ وأَمَانَةٍ" (١٠). وقال القاضي: لِوَلِيِّه أن يدْخُلَ (١١) كيف شاءَ. وكلامُ الْخِرَقِىِّ عامٌّ في المَنْعِ، ولَعَلَّه يَقْتَضِى التَّعْمِيمَ، واللهُ أعلمُ.
فصل: ويَنْبَغِى لِلغاسِلِ، ولمن حَضَرَ، إذا رَأى من المَيِّتِ شيئا ممَّا ذَكَرْنَاه وممَّا (١٢) يُحِبُّ المَيِّتُ سَتْرَه، أن يَسْتُرَهُ، ولا يُحَدِّث به؛ لما رَوَيْناهُ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا والْآخِرَةِ" (١٣). وإن رَأى حَسَنًا مثلَ أمَارَاتِ الخَيْرِ، مِن وَضاءَةِ الوَجْهِ، والتَّبَسُّمِ، ونَحْوِ ذلك، اسْتُحِبَّ إظْهارُه، لِيَكْثُرَ التَّرَحُّمُ عليه، ويَحْصُلَ الحَثُّ على مثلِ طَرِيقَتِه، والتَّشَبُّهُ بِجَمِيلِ
стр. 1493
سِيرَتِه. قال ابنُ عَقِيلٍ: وإن كان المَيِّتُ مَغْمُوصًا عليه في الدِّينِ والسُّنَّةِ، مَشْهُورًا بِبِدْعَتِه (١٤)، فلا بَأْسَ بإظْهَارِ الشَّرِّ عليه، لِتُحْذَرَ طَرِيقَتُه. وعلى هذا يَنْبَغِى أن يَكْتُمَ ما يَرَى عليه من أمارَاتِ الخَيْرِ، لِئلَّا يَغْتَرَّ المُغْتَرُّ (١٥) بذلك، فيَقْتَدِىَ به في بِدْعَتِه.
٣٣٣ - مسألة؛ قال: (وتُلَيَّنُ مَفَاصِلُه إنْ سَهُلَتْ عَلَيْهِ، وإلَّا تَرَكَها)
مَعْنَى تَلْيِينِ مَفاصِلِه (١) هو أن يَرُدَّ ذِرَاعَيْهِ إلى عَضُدَيْهِ، وعَضُدَيْهِ إلى جَنْبَيْهِ، ثم يَرُدَّهُما، ويَرُدَّ سَاقَيْه إلى فَخِذَيْهِ، وفَخِذَيْهِ إلى بَطْنِهِ، ثم يَرُدَّهُما، ليكونَ ذلك أبْقَى لِلينِه، فيكونُ ذلك أمْكَنَ لِلْغاسِلِ، مِن تَكْفِينِه، وتَمْدِيدِه، وخَلْعِ ثِيابِه، وتَغْسِيلهِ. قال أصْحابُنا: ويُسْتَحَبُّ ذلك في مَوْضِعَيْنِ، عَقِيبِ مَوْتِه قبلَ قَسْوَتِها بِبرُودَتِه، وإذا أخَذَ في غُسْلِه. وإن شَقَّ ذلك لِقَسْوَةِ المَيِّتِ أو غيرِها، تَرَكَهُ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أن تَنْكَسِرَ أعْضَاؤُهُ، ويَصِيرَ به ذلك إلى المُثْلَةِ.
٣٣٤ - مسألة؛ قال (ويَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً، فَيُنَقِّى مَا بِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ، ويَعْصِرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيقًا)
وجُمْلَتُه أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُغَسَّلَ المَيِّتُ على سَرِيرٍ، يُتْرَكُ عليه مُتَوَجِّهًا [إلى القِبْلَةِ] (١) مُنْحَدِرًا نحوَ رِجْلَيْهِ، لِيَنْحَدِرَ الماءُ بما يَخْرُجُ منه، ولا يَرْجِعَ إلى جِهَةِ رَأْسِه، ويَبْدَأُ الغَاسِلُ، فَيَحْنِى المَيِّتَ حَنْيًا رَفِيقًا، لا يَبْلُغُ به قَرِيبًا من الجُلُوسِ، لأنَّ في الجُلُوسِ أَذِيَّةً له، ثم يُمِرُّ يَدَهُ على بَطْنِه، يَعْصِرُهُ عَصْرًا رَفِيقًا؛ لِيُخْرِجَ ما
стр. 1494
معه من نَجاسَةٍ، لئَلَّا يَخْرُجَ بعد ذلك، ويَصُبُّ عليه الماءَ حينَ يُمِرُّ يَدَه صَبًّا كَثِيرًا، لِيُخْفِىَ ما يَخْرُجُ منه، ويَذْهَبُ به الماءُ، ويُسْتَحَبُّ أن يَكونَ بِقرْبِه مِجْمَرٌ فيه بَخُورٌ حتى لا يَظْهَرَ منه ريِحٌ. وقال أحمدُ، ﵀: لا يَعْصِرُ بَطْنَ المَيِّتِ في الْمَرَّةِ الأُولَى، ولكن في الثانيةِ. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: يَعْصِرُ بَطْنَه في الثَّالِثَةِ، يَمْسَحُ مَسْحًا رَفِيقًا مَرَّةً وَاحِدَةً. وقال أيضًا: عَصْرُ بَطْنِ المَيِّتِ في الثانيةِ أمْكَنُ؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يَلِينُ حتى يُصِيبَهُ الماءُ. ويَلُفُّ الغاسِلُ على يَدِه خِرْقَةً خَشِنَةً، فيُنَجِّيه (٢) بها، لِئَلَّا يَمَسَّ عَوْرَتَه، لأنَّ النَّظَرَ إلى العَوْرَةِ حَرَامٌ، فالمَسُّ (٣) أوْلَى، ويُزِيلُ ما على بَدَنِه من نَجاسَةٍ؛ لأنَّ الحَىَّ يَبْدَأُ بذلك (٤) في اغْتِسَالِه من الجنابةِ. ويُسْتَحَبُّ أن لا يَمَسَّ بَقِيَّةَ بَدَنِه إلَّا بِخِرْقَةٍ. قال القاضي: يُعِدُّ الغاسِلُ خِرْقَتَيْنِ، يَغْسِلُ بإحْدَاهما السَّبِيلَيْنِ، وبالأُخْرَى (٥) سائِرَ بَدَنِه، فإن كان المَيِّتُ امْرَأةً حَامِلًا لم يَعْصِرْ بَطْنَها، لِئَلَّا يُؤْذِىَ الوَلَدَ، وقد جَاءَ في حَدِيثٍ رَوَاهُ الخَلَّالُ، بإسْنَادِهِ عن أُمِّ سُلَيْمٍ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا تُوُفِّيَتِ المَرْأَةُ، فأَرَادُوا غَسْلَها، فَلْيَبْدَأْ بِبَطْنِهَا، فَلْيَمْسَحْ مَسْحًا رَفِيقًا إنْ لَمْ تَكُنْ حُبْلَى، فإنْ كانَتْ حُبْلَى فَلَا يُحَرِّكْهَا" (٦).
стр. 1495
٣٣٥ - مسألة؛ قال: (ويُوَضِّئُهُ وضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ولا يُدْخِلُ الماءَ فِى فِيهِ، ولَا فِى أَنْفِهِ، وإنْ كَانَ فِيهِمَا أَذًى أَزَالَهُ بِخِرْقَةٍ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا نَجَّاهُ (١)، وأزالَ عنه النَّجاسَةَ، بَدَأَ بعدَ ذلك فَوَضَّأَهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، فَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ، ثم يَأْخُذُ خِرْقَةً خَشِنَةً فَيَبُلُّها ويَجْعَلُهَا على أُصْبُعِهِ، فيَمْسَحُ أسْنَانَهُ وأَنْفَهُ، حتى يُنَظِّفَهما، ويكونُ ذلك في رِفْقٍ، ثم يَغْسِلُ وَجْهَهُ، ويُتِمُّ وُضُوءَهُ، لأنَّ الوُضُوءَ يُبْدَأُ به في غُسْلِ الحَىِّ، وقد قال رسولُ اللهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِى غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: "ابْدَأْنَ بَمَيامِنِهَا، ومَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: "فإذا فَرَغْتِ مِنْ غَسْلِ سِفْلَتِهَا غَسْلًا نَقِيًّا بِمَاءٍ وسِدْرٍ، فَوَضِّئِيهَا وُضُوءَ الصَّلَاةِ، ثم اغْسِلِيهَا" (٣). ولا يُدْخِلُ الماءَ فَاهُ، ولا مَنْخِرَيْهِ، في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. كذلك قال سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُمَضْمِضُه ويُنْشِقُه كما يَفْعَلُ الحَىُّ. ولَنا، أنَّ إدْخالَ الماءِ فَاهُ وأنْفَهُ لا يُؤْمَنُ معه وُصُولُه إلى جَوْفِه، فيُفْضِى إلَى المُثْلَةِ بهِ، ولا يُؤْمَنُ خُرُوجُه في أكْفَانِهِ.
٣٣٦ - مسألة؛ قال: (ويَصُبُّ عَلَيْهِ الماءَ، فَيَبْدَأُ بِمَيَامِنِه، ويَقْلِبُه عَلَى جَنْبَيْهِ، لِيَعُمَّ المَاءُ سَائِرَ جِسْمِهِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا وَضَّأَهُ بَدَأَ بِغَسْلِ رَأْسِهِ، ثم لِحْيَتِه. نَصَّ عليه أحمدُ. فيَضْرِبُ السِّدْرَ فيَغْسِلُهُما بِرَغْوَتِه، ويَغْسِلُ وَجْهَهُ، ويَغْسِلُ اليدَ اليُمْنَى من المَنْكِبِ إلى الكَفَّيْنِ وصَفْحةَ عُنُقِه اليُمْنَى، وشِقَّ صَدْرِهِ وجَنْبَه (١) وفَخِذَهُ وسَاقَهُ،
стр. 1496
يغْسِلُ الظَّاهِرَ من ذلك وهو مُسْتَلْقٍ، ثم يَصْنَعُ ذلك بالجانِبِ الأيسَرِ، ثم يَرْفَعُه من جانِبِه الأَيْمَنِ، ولا يَكُبُّه لِوَجْهِه، فيَغْسِلُ الظَّهْرَ وما هناك من وَرْكِهِ وفَخِذِه وسَاقِه، ثم يَعُودُ فَيَحْرِفُه على جَنْبِه الأَيْمَنِ، ويَغْسِلُ شِقَّهُ الأيْسَرَ كذلك. هكذا ذَكَرَهُ إبراهيمُ النَّخَعِىُّ، والقاضى. وهو أَقْرَبُ إلى مُوَافَقَةِ قولهِ ﵇: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِها". وهو أشْبَهُ بِغُسْلِ الحَىِّ.
٣٣٧ - مسألة؛ قال: (ويَكُونُ فىِ كُلِّ المِيَاهِ شَىْءٌ مِنَ السِّدْرِ، ويَضْرِبُ السِّدْرَ فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِه رَأْسَهُ ولِحْيَتَهُ)
هذا المَنْصُوصُ عن أحمدَ. قال صالحٌ: قال أبى: المَيِّتُ يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وسِدْرٍ، ثلاثَ (١) غَسَلَاتٍ، قلتُ: فيَبْقَى عليه؟ قال: أىّ شيءٍ يكونُ هو أنْقَى له. وذُكِرَ عن عَطَاءٍ، أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ قال له: إنَّه يَبْقَى عليه السِّدْرُ إذا غُسِّلَ به كلَّ مَرَّةٍ. فقال عَطاءٌ: هو طَهُورٌ. وفي رِوايةِ أبى دَاوُدَ عن أحمدَ، قال: قلتُ، يَعْنِى لأحمدَ: أفلا تَصُبُّونَ ماءً قَرَاحًا يُنَظِّفُه؟ قال: إنْ صَبُّوا فلا بَأْسَ. وَاحْتَجَّ أحمدُ بِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَت ابْنَتُه قال: "اغْسِلْنَها ثَلَاثًا، أوْ خَمْسًا، أو أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إنْ رَأَيْتُنَّ، بماءٍ وسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "اغْسِلُوهُ
стр. 1497
بماءٍ وسِدْرٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: "ثُمَّ اغْسِلِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِمَاءٍ وسِدْرٍ" (٤). وذَهَبَ كَثِيرٌ من أصْحَابِنا المُتَأَخِّرِينَ، إلى أنَّه لا يَتْرُكُ مع الماءِ سِدْرًا يُغَيِّرُه، ثم اخْتَلَفُوا، فقال ابنُ حامدٍ: يُطْرَحُ في كُلِّ المِيَاهِ شيءٌ يَسِيرٌ من السِّدْرِ لا يُغَيِّرُه؛ لِيَجْمَعَ بين العَمَلِ بالحَدِيثِ، ويكونَ الماءُ باقِيًا على طُهُورِيَّتِه. وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: يُغَسَّلُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بالسِّدْرِ، ثم يُغَسَّلُ بعدَ ذلك بالماءِ القَرَاحِ، فيكونُ الجَمِيعُ غَسْلَةً وَاحِدَةً، ويكونُ الاعْتِدَادُ بالآخِرِ دونَ الأوَّل؛ لأَنَّ أحمدَ، ﵀، شَبَّهَ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الجَنابَةِ، ولأنَّ السِّدْرَ إن غَيَّرَ الماءَ سَلَبَهُ وَصْفَ الطُّهُورِيَّةِ، وإن لم يُغَيِّرْهُ فلا فائِدَةَ في تَرْكِ يَسِيرٍ لا يُؤَثِّرُ. وظَاهِرُ كلامِ أحمدَ الأوَّلُ. ويكونُ هذا من قولِه دَالًّا على أنَّ تَغَيُّرَ الماءِ بالسِّدْرِ لا يُخْرِجُه عن طُهُورِيَّتِه. قال بعضُ أصْحابِنا: يَتَّخِذُ الغَاسِلُ ثَلَاثَةَ أوَانِىَ (٥)؛ آنِيَةً
стр. 1498
كَبِيرَةً يَجْمَعُ فيها الماءَ الذي يُغَسِّلُ به المَيِّتَ يكونُ بِالبُعْدِ منه، وإنَاءَيْنِ صَغِيرَيْنِ يَطْرَحُ من أحَدِهما على المَيِّتِ، والثالث يَغْرِفُ به من الكَبِيرِ في الصَّغِيرِ الذي يُغَسِّلُ به المَيِّتَ، ليكونَ الكَبِيرُ مَصُونًا، فإذا فَسَدَ الماءُ الذي في الصَّغِيرِ، وطارَفيه من رَشَاشِ الماءِ، كان ما بَقِىَ في الكَبِيرِ كَافِيًا، ويَضْرِبُ السِّدْرَ، فيَغْسِلُ بِرَغْوَتِه رَأْسَهُ ولِحْيَتَه، ويُبْلِغُه سائرَ بَدَنِه، كما يَفْعَلُ الحَىُّ إذا اغْتَسَلَ.
فصل: فإن لم يَجِدِ السِّدْرَ غَسَّلَهُ بما يقومُ مَقامَهُ، ويَقْرُبُ منه، كالخِطْمِىِّ (٦) ونَحْوِه؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُل منه، وإن غَسَّلَهُ بذلك مع وُجُودِ السِّدْرِ جازَ؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بهذا لِمَعْنًى مَعْقُولٍ، وهو التَّنْظِيفُ، فَيَتَعَدَّى إلى كُلِّ ما وُجِدَ فيه المَعْنَى.
٣٣٨ - مسألة؛ قال: (ويَسْتَعْمِلُ فِى كُلِّ أُمُورِهِ الرِّفْقَ بِهِ)
ويُسْتَحَبُّ الرِّفْقُ بالمَيِّتِ في تَقْلِيبِه، وعَرْكِ أعْضائِه، وعَصْرِ بَطْنِه، وتَلْيِينِ مَفاصِلِه، وسَائِرِ أُمُورِه، احْترامًا له؛ فإنَّه مُشَبَّهٌ بالحَىِّ في حُرْمَتِه، ولا يَأْمَنُ إن عَنُفَ بِهِ أن يَنْفَصِلَ منه عُضْوٌ، فيكونُ مُثْلَةً به، وقد قال ﷺ : "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الحَىِّ" (١). وقال: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِى الْأَمْرِ كُلِّهِ" (٢).
стр. 1499
٣٣٩ - مسألة؛ قال: (والْمَاءُ الحَارُّ، والأُشْنَانُ (١)، والخِلَالُ، يُسْتَعْمَلُ إن احْتِيجَ إلَيْهِ)
هذه الثَّلَاثَةُ تُسْتَعْمَلُ عندَ الحاجةِ إليها، مثل أن يُحْتاجَ إلى المَاءِ الحَارِّ لِشِدَّةِ البَرْدِ، أو لوَسَخٍ (٢) لا يَزُولُ إلَّا به، وكذا الأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إذا كان على المَيِّتِ وَسَخٌ. قال أحمدُ: إذا طالَ ضَنَى المريضِ غُسِّلَ بالأُشْنانِ. يَعْنِى أنَّه يَكْثُرُ وَسَخُهُ، فَيَحْتاجُ إلى الأُشْنَانِ لِيُزِيلَهُ. والخِلالُ: يُحْتَاجُ إليه لإِخْراجِ شيءٍ، والمُسْتَحَبُّ أن يكونَ من شجرةٍ لَيِّنَةٍ كالصَّفْصافِ ونحوِه، مما يُنَقِّى ولا يَجْرَحُ، وإن لَفَّ على رَأْسِهِ قُطْنًا، فَحَسَنٌ. ويَتَتَبَّعُ ما تحت أظْفارِه حتى يُنَقِّيَهُ، فإنْ لم يَحْتَجْ إلى شيءٍ من ذلك لم يُسْتَحَبَّ اسْتِعْمالُه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: المُسَخَّنُ أوْلَى بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه يُنَقِّى ما لا يُنَقِّى البارِدُ. ولَنا، أنَّ البارِدَ يُمْسِكُه والمُسَخَّنَ يُرْخِيه، ولهذا يُطْرَح الكافُورُ في الماءِ ليشُدَّه ويُبَرِّدَه، والإِنْقاءُ يَحْصُلُ بالسِّدْرِ إذا لم يَكْثُرْ وَسَخُه، فإن كَثُرَ أو لم (٣) يَزُلْ إلَّا بالحارِّ صارَ مُسْتَحَبًّا.
٣٤٠ - مسألة؛ قال: (ويُغَسِّلُ الثَّالِثَةَ بمَاءٍ فيه كَافُورٌ وسِدْرٌ، ولَا يَكُونُ فيه سِدْرٌ صِحَاحٌ)
الوَاجِبُ في غُسْلِ المَيِّتِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ [لأنَّه غُسْلٌ وَاجِبٌ مِن غيرِ نَجاسَةٍ أصابَتْهُ، فكان مَرَّةً واحِدَةً] (١)، كغُسْلِ الجَنابةِ والحَيْضِ، ويُسْتَحَبُّ أن يُغَسَّلَ
стр. 1500
ثَلَاثًا، كلُّ غَسْلَةٍ بالماءِ والسِّدْرِ، على ما وَصَفْنَا، ويُجْعَلَ في الماءِ كافُورٌ في الغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ؛ لِيَشُدَّهُ ويُبَرِّدَهُ ويُطَيِّبَهُ؛ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِى غَسَّلْنَ ابْنَتَه: "اغْسِلْنَها بالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا، أو خَمْسًا، أو أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إن رَأَيْتُنَّ، وَاجْعَلْنَ في الغَسْلَةِ الأَخِيرَةِ كَافُورًا" (٢). وفي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: "فَإذَا كَانَ في آخِرِ غَسْلَةٍ مِنَ الثَّالِثَةِ أوْ غَيْرِها، فَاجْعَلِى ماءً فِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَافُورٍ، وشَىْءٌ مِنْ سِدْرٍ، ثم اجْعَلِى ذَلِكَ في جَرَّةٍ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ أَفْرِغِيهِ عَلَيْهَا، وَابْدَئِى بِرَأْسِها حتى يَبْلُغَ رِجْلَيْها" (٣). ولا يُجْعَلُ في الماءِ سِدْرٌ صَحِيحٌ؛ لأنَّه لا فائدةَ فيه، لأنَّ السِّدْرَ إنَّما أُمِرَ به للتَّنْظِيفِ، والمُعَدُّ لِلتَّنْظِيفِ إنَّما هو المَطْحُونُ، ولهذا لا يَسْتَعْمِلُه المُغْتَسِلُ به من الأحْياءِ إلَّا كذلك. قال أبو دَاوُدَ: قلتُ لأحمدَ: إنَّهم يَأْتُونَ بِسَبْعِ وَرَقَاتٍ من سِدْرٍ، فيُلْقُونَها في الماءِ في الغَسْلَةِ الأَخِيرَةِ. فأنَكَر ذلك، ولم يُعْجِبْهُ. وإذا فَرَغَ من الغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ لم يُمِرَّ يَدَه على بَطْنِ المَيِّتِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ منه شيءٌ، ويَقَعَ في أكْفَانِه. قال أحمدُ: ويُوَضَّأُ المَيِّتُ مَرَّةً واحِدَةً في الغَسْلَةِ الأُولَى. وما سَمِعْنَا إلَّا أنَّه يُوَضَّأُ أوَّلَ مَرِّةٍ، وهذا واللهُ أعلمُ، ما لم يَخْرُجْ منه شيءٌ، ومتى خَرَجَ منه شيءٌ أعادَ وُضُوءَهُ؛ لأنَّ ذلك يَنْقُضُ الوُضُوءَ من الحَىِّ ويُوجِبُهُ، وإن رَأَى الغَاسِلُ أن يَزِيدَ على ثَلَاثٍ؛ لِكَوْنِه لم يُنَقَّ بها، أو غير ذلك، غَسَلَه خَمْسًا أو سَبْعًا، ولم يَقْطَعْ إلَّا على وِتْرٍ. قال أحمدُ: ولا يُزَادُ على سَبْعٍ. والأصلُ في هذا قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "اغْسِلْنَها ثَلَاثًا، أو خَمْسًا، أو سَبْعًا" (٤). لم يَزِدْ على ذلك وجَعَلَ جَمِيعَ ما أمَرَ به وِتْرًا. وقال أيضًا: "اغْسِلْنَها وِتْرًا" (٤). وإنْ لم يُنَقَّ بِسَبْعٍ فالْأَوْلَى غَسْلُه حتى يُنَقَّى، ولا يَقْطَعُ إلَّا على وَتْرٍ؛ لقولِه ﷺ (٤): "اغْسِلْنَها ثَلَاثًا أو خَمْسًا أو سَبْعًا،
стр. 1501
أو أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ". . ولأنَّ الزِّيَادَةَ على الثَّلَاثِ إنَّما [كانتْ لِلإِنْقَاءِ، ولِلْحاجَةِ] (٥) إليها، فكذلك فيما بعدَ السَّبْعِ. ولم يَذْكُرْ أصْحابُنا أنَّه يَزِيدُ على سَبْعٍ.
٣٤١ - مسألة؛ قال: (فَإنْ خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ غَسَلَهُ إلَى خَمْسٍ، فَإنْ زَادَ فإلَى سَبْعٍ)
يَعْنِى إن خَرَجَتْ نَجاسَةٌ مِن قُبُلِه أو دُبُرِه، وهو على مُغْتَسَلِه بعدَ الثَّلَاث، غَسَلَهُ إلى خَمْسٍ، فإنْ خَرَجَ بعد الخامِسَةِ، غَسَلَهُ إلى سَبْعٍ، وَيُوَضِّيه في الغَسْلَةِ التي تَلِى خُرُوجَ النَّجاسَةِ. قال صالحٌ: قال أبى: يُوَضَّأُ المَيِّتُ مَرَّةً وَاحِدَةً، إلَّا أن يَخْرُجَ منه شيءٌ، فيُعادُ عليه الوُضُوءُ، ويَغْسِلُه إلى سَبْعٍ. وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، وإسحاقَ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يَغْسِلُ مَوْضِعَ النَّجاسَةِ، ويُوَضَّأُ، ولا يَجِبُ إعادةُ غُسْلِه. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، ومالِكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ من الحَىِّ بعد غُسْلِه لا يُبْطِلُه، فكذلك المَيِّتُ. وعن الشَّافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّ القَصْدَ من غُسْلِ المَيِّتِ أن يكونَ خَاتِمَةُ أمْرِه الطَّهارَةَ الكَامِلَةَ، ألَا تَرَى أنَّ المَوْتَ جَرَى مَجْرَى زَوَالِ العَقْلِ في حَقِّ الحَىِّ، وقد أُوجِبَ الغُسْلُ في حَقِّ الحَىِّ، فكذلك هذا، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "اغْسِلْنَها ثَلَاثًا أو خَمْسًا أو سَبْعًا، إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بمَاءٍ وسِدْرٍ" (١).
فصل: وإنْ خَرَجَتْ منه نَجاسَةٌ مِن غيرِ السَّبِيلَيْنِ. فقال أحمدُ، فيما رَوَى أبو دَاوُدَ: الدَّمُ أسْهَلُ من الحَدَثِ. ومَعْناهُ أنَّ الدَّمَ الذي يَخْرُجُ من أْنفِهِ أسْهَلُ من الحَدَثِ في أن لا يُعادَ له الغُسْلُ؛ لأنَّ الحَدَثَ يَنْقُضُ الطَّهارَةَ بالاتِّفَاقِ، ويُسَوَّى بين كَثِيرِه وقَلِيلِه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ أن الغُسْلَ لا يُعادُ من يَسِيرِه، لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، بخِلافِ الخَارِجِ من السَّبِيلَيْنِ.
стр. 1502
٣٤٢ - مسألة؛ قال: (فَإنْ زَادَ حَشَاهُ بالقُطْنِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبِالطِّينِ الْحُرِّ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا خَرَجَتْ منه نَجاسَةٌ بعدَ السَّبْعِ لم يَعْدُ إلى الغُسْلِ. قال أحمدُ: مَن غَسَّلَ مَيِّتًا لم يُغَسِّلْهُ أكْثَرَ من سَبْعٍ، لا يُجاوِزُه، خَرَجَ منه شيءٌ أو لم يَخْرُجْ. قِيلَ له: فَنُوَضِّيه إذا خَرَجَ منه شيءٌ بعدَ السَّبْعِ؟ قال: لا، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كذا أَمَرَ، ثَلَاثًا أو خَمْسًا أو سَبْعًا، في حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ، ولأنَّ زِيَادَةَ الغُسْلِ وتَكْرِيرَهُ عندَ كلِّ خَارِجٍ يُرْخِيهِ، ويُفْضِى إلى الحَرَجِ، لكنَّه يَغْسِلُ النَّجَاسَةَ، ويَحْشُو مَخْرَجَها بالقُطْنِ. وقيل: يُلْجَمُ بالقُطْنِ كما تَفْعَلُ المُسْتَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَولِ، فإنْ لم يُمْسِكْهُ ذلك حُشِىَ بالطِّينِ الحُرِّ، وهو الخَالِصُ الصُّلْبِ الذي له قُوَّةٌ تُمْسِكُ المَحَلَّ. وقد ذَكَرَ أحمدُ أنَّه لا يُوَضَّأُ. ويَحْتَمِلُ أنَّه يُوَضَّأُ وُضُوءَ الصلاةِ، كالجُنُبِ إذا أحْدَثَ بعدَ غُسْلِه، وهذا أحْسَنُ.
فصل: والحَائِضُ والجُنُبُ إذا ماتَا كَغَيْرِهما في الغُسْلِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قولُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن عُلَماءِ الأمْصارِ. وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: ما ماتَ مَيِّتٌ إلَّا جَنُبَ. وقِيلَ عن الحسنِ: إنَّه يُغَسَّلُ الجُنُبُ لِلْجنابةِ، والحَائِضُ لِلْحَيْضِ، ثم يُغَسَّلانِ لِلْمَوْتِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّهما خَرَجَا من أحْكامِ التَّكْلِيفِ، ولم يَبْقَ عليهما عِبادَةٌ وَاجِبَةٌ، وإنَّما الغُسْلُ لِلْمَيِّتِ تَعَبُّدٌ، ولِيكونَ في حالِ خُرُوجِهِ من الدُّنْيَا على أكْمَلِ حَالٍ من النَّظافَةِ والنَّضارَةِ، وهذا يَحْصُلُ بِغُسْلٍ واحِدٍ، ولأنَّ الغُسْلَ الواحِدَ يُجْزِئُ مَن وُجِدَ في حَقِّه مُوجِبَانِ له، لو اجْتَمَعَ الحَيْضُ والجنابةُ.
فصل: والوَاجِبُ في غُسْلِ المَيِّتِ النِّيَّةُ، والتَّسْمِيَةُ في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ، وغَسْلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لأنَّه غُسْلُ تَعَبُّدٍ عن غيرِ نَجاسَةٍ أصَابَتْهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصلاةِ، فوَجَبَ ذلك فيه كغُسْلِ الجَنَابَةِ، وقد شَبَّهَ أحمدُ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الجَنَابَةِ، ولما تَعَذَّرَتِ النِّيَّةُ والتَّسْمِيَة من المَيِّتِ اعْتُبِرَتْ في الغَاسِلِ، لأنَّه المُخَاطَبُ
стр. 1503
بالغَسْلِ. قال عَطاءٌ: يُجْزِئُه غَسْلَةٌ واحِدَةٌ إنْ أنْقَوْه. وقال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أن يُغَسَّلَ وَاحِدَةً؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "اغْسِلْنَها ثَلَاثًا، أوْ خَمْسًا". وهذا على سَبِيلِ الكَرَاهَةِ دُونَ الإِجْزَاءِ؛ لما ذَكَرْنَاهُ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال في المُحْرِمِ الذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُه: "اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وسِدْرٍ" (١). ولم يَذْكُرْ عَدَدًا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ؛ لأنَّ القَصْدَ التَّنْظِيفُ، فأشْبَهَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ (٢)، ولا يصحُّ هذا؛ لأنَّه لو كان كذلك لَما وَجَبَ غَسْلُ مُتَنَظِّفٍ، ولَجازَ غَسْلُه بماءِ الوَرْدِ وسَائِرِ ما يَحْصُلُ به التَّنْظِيفُ، وإنَّما هو غُسْلُ تَعَبُّدٍ، أشْبَهَ غُسْلَ الجَنابةِ.
٣٤٣ - مسألة؛ قال: (ويُنَشِّفُه بِثَوْبٍ، ويُجَمِّرُ أَكْفَانَهُ)
وجُمْلَتُه أنَّه إذا فَرَغَ الغَاسِلُ من غَسْلِ المَيِّتِ، نَشَّفَهُ بِثَوْبٍ لئلَّا يَبُلَّ أكْفانَه، وفي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: "فَإذَا فَرَغْتِ مِنْهَا، فَأَلْقِى عَلَيْهَا ثَوْبًا نَظِيفًا" (١). وذَكَرَ القاضي في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، في غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ قال: فَجَفَّفُوهُ بِثَوْبٍ (٢). ومعنى تَجْمِيرِ أكْفانِه تَبْخِيرُها بالعُودِ، وهو أن يُتْرَكَ العُودُ على النَّارِ في مِجْمَرٍ، ثم يُبخَّرُ به الكَفَنُ حتى تَعْبَقَ رَائِحَتُه، ويَطِيبَ، ويكونُ ذلك بعد أن يُرَشَّ عليه مَاءُ الوَرْدِ، لِتَعْلَقَ الرَّائِحَةُ به. وقد رُوِىَ عن جابِرٍ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا جَمَّرْتُمُ المَيِّتَ فَجَمِّرُوهُ ثَلَاثًا" (٣). وأوْصَى أبو سعيدٍ، وابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ أن تُجَمَّرَ أكْفانُهم بالعُودِ. وقال أبو هُرَيْرَةَ: يُجَمَّرُ الميِّتُ. ولأنَّ هذا عَادَةُ الحَىِّ عند غُسْلِه، وتَجْمِيرِ (٤) ثِيَابِه، أن يُجَمّرَ بالطِّيبِ والعُودِ، فكذلك المَيِّتُ.
стр. 1504
٣٤٤ - مسألة؛ قال: (ويُكَفَّنُ في ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ بِيضٍ، يُدْرَجُ فِيهَا إدْرَاجًا، ويُجْعَلُ الحَنُوطُ (١) فِيمَا بَيْنَها)
الأفْضَلُ عندَ إمامِنا، ﵀، أن يُكَفَّنَ الرَّجُلُ في ثلاثِ لَفائِفَ بيضٍ، ليس فيها قَمِيصٌ ولا عِمامَةٌ، لا يَزِيدُ عليها ولا ينقُصُ منها. قال التِّرْمِذِىُّ: والعَمَلُ عليها عند أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ من أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وغيرهم. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ويُسْتَحَبُّ كَوْنُ الكَفَنِ أبْيَضَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُفِّنَ في ثلاثةِ أثْوَابٍ بِيضٍ (٢). ولِقَوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ : "الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُم الْبِيضَ، فَإنَّه أطْهَرُ وأَطْيَبُ، كفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ". رَوَاه النَّسَائِىُّ (٣). وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُكَفَّنَ في إزارٍ ورِداءٍ وقَمِيصٍ؛ لما رُوِىَ عن (٤) ابن المُغَفَّلِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ : كُفِّنَ في قَمِيصِه (٥). ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَلْبَسَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَىٍّ قَمِيصَه، وكفَّنَه به. رَوَاه النَّسَائِىُّ (٦). ولَنا، قَوْلُ عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها: كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
стр. 1505
في ثلاثةِ أثْوابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ (٧)، ليس فيها قَمِيصٌ ولا عِمَامَةٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٨). وهو أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِىَ في كَفَنِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وعائشةُ أقْرَبُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، وأعْرَفُ بأحْوَالِه، ولهذا لمَّا ذُكِرَ لها قولُ النَّاسِ، إنَّ النَّبِىَّ ﷺ كُفِّنَ في بُرْدٍ، قالت: قد أُتِىَ بالبُرْدِ، ولَكِنَّهم لم يُكَفِّنُوه فيه، فَحَفِظَتْ ما أَغفَلَهُ غيرُها. وقالتْ أيضًا: أُدْرِجَ النَّبِىُّ ﷺ في حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كانتْ لِعبدِ اللهِ بن أبي بكرٍ، ثم نُزِعَتْ عنه، فرَفَعَ عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ الحُلَّةَ، وقال: أُكَفَّنُ فيها. ثم قال: لم يُكَفَّنْ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ وأُكَفَّنُ فيها فتَصَدَّقَ بها. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩). ولأنَّ حالَ الإِحْرامِ أكْمَلُ أحْوَالِ الحَىِّ وهو لا يَلْبَسُ المَخِيطَ، وكذلك حالةُ (١٠) المَوْتِ أشْبَهُ بها. وأمَّا إلْباسُ النَّبِيِّ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ أُبَىٍّ قَمِيصَه، فإنَّما فَعَلَ ذلك تَكْرِمَةً لابْنِه عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بن أبَيٍّ، وإجابَةً لِسُؤَالِه حين سَألَه ذلك، لِيَتَبَرَّكَ به أبُوه، ويَنْدَفِعَ عنه العذابُ بِبَرَكَةِ قَمِيصِ رسولِ اللهِ ﷺ . وقيل: إنَّما فَعَلَ ذلك جَزَاءً لِعَبْدِ اللهِ بن أُبَىٍّ عن كُسْوَتِه العَبَّاسَ قَمِيصَهُ يومَ بَدْرٍ. واللهُ أعلمُ.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يُؤْخَذَ أحْسَنُ اللَّفَائِفِ وأوْسَعُها، فيُبْسَطَ أوَّلًا، لِيَكُونَ الظَّاهِرُ لِلنَّاسِ أحْسَنَها (١١)، فإنَّ هذا عادَةُ الحَىِّ، يَجْعَلُ الظَّاهِرَ أفْخَرَ ثِيَابِه، ويَجْعَلُ عليها حَنُوطًا، ثم يَبْسُطُ الثانيةَ التي تَلِيها في الحُسْنِ والسَّعَةِ عليها، ويَجْعَلُ
стр. 1506
فَوْقَها حَنُوطًا وكَافُورًا، ثم يَبْسُطُ فَوْقَهما الثَّالِثَةَ، ويَجْعَلُ فَوْقَها حَنُوطًا وكَافُورًا، ولا يُجْعَلُ على وَجْهِ العُلْيَا، ولا على النَّعْشِ شيءٌ من الحَنُوطِ؛ لأنَّ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنه قال: لا تَجْعَلُوا على أكْفانِى حَنُوطًا (١٢). ثم يُحْمَلُ المَيِّتُ مَسْتُورًا بثَوْبٍ فيُوضَعُ فيها (١٣) مُسْتَلْقِيًا؛ لأنَّه أمْكَنُ لإِدْرَاجِه فيها، ويُجْعَلُ ما عِنْدَ رَأْسِه أكْثَرَ ممَّا عند رِجْلَيْه، ويُجْعَلُ من الطِّيبِ على وَجْهِه ومَوَاضِع سُجُودِهِ ومَغَابِنِه (١٤)؛ لأنَّ الحَىَّ يَتَطَيَّبُ هكذا، ويُجْعَلُ بَقِيَّةُ الحَنُوطِ والكَافُورِ في قُطْنٍ، ويُجْعَلُ منه بين أَلْيَتَيْهِ بِرِفْقٍ، ويُكْثِرُ ذلك لِيَرُدَّ شيْئا إن خَرَجَ منه حين تَحْرِيكِه، ويَشُدُّ فَوْقَه خِرْقَةً مَشْقُوقَةَ الطَّرَفِ كالتُّبَّانِ، وهو السَّرَاوِيلُ بلا أكْمامٍ، ويَجْعَلُ البَاقِىَ على مَنَافِذِ وَجْهِه، في فِيهِ، ومِنْخَرَيْهِ، وعَيْنَيْهِ، لِئَلَّا يَحْدُثَ منهنَّ حَادِثٌ، وكذلك في (١٥) الجِرَاحِ النَّافِذَةِ، ويَتْرُكُ على مَوَاضِعِ السُّجُودِ منه؛ لأنَّها أعْضاءٌ شَرِيفَةٌ، ثم يَثْنِى طَرَفَ اللِّفافَةِ العُلْيَا على شِقِّه الأيْمَنِ، ثم يَرُدُّ طَرَفَهَا الآخَرَ على شِقِّه الأيْسَرِ، وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لئلَّا يَسْقُطَ عنه الطَّرَفُ الأيْمَنُ إذا وُضِعَ على يَمِينِه في القَبْرِ، ثم يَفْعَلُ بالثَّانِيةِ والثَّالِثَةِ كذلك، ثم يَجْمَعُ ما فَضَلَ عند رَأْسِه ورِجْلَيْه، فَيُرَدُّ على وَجْهِهِ ورِجْلَيْه، وإن خافَ انْتِشَارَها عَقَدَها، وإذا وُضِعَ في القَبْرِ حَلَّهَا، ولم يَخْرُقِ الكَفَنَ.
فصل: وتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ على ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ في الكَفَنِ؛ لما فيه من إضاعةِ المالِ، وقد نَهَى عنه النَّبِىُّ ﷺ ، ويَحْرُمُ تَرْكُ شيءٍ مع المَيِّتِ من ماله لغيرِ حاجَةٍ؛ لما ذَكَرْنا، إلَّا مثلَ ما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه تُرِكَ تَحْتَه قَطِيفَةٌ في قَبْرِه (١٦)، فإن
стр. 1507
تُرِكَ نحوُ ذلك فلا بَأْسَ.
٣٤٥ - مسألة؛ قال: (وإنْ كُفِّنَ في قَمِيصٍ ومِئْزَرٍ ولِفَافَةٍ جُعِلَ المِئْزَرُ مِمَّا يَلِى جِلْدَهُ، ولم يُزَرَّ عَلَيْهِ القَمِيصُ) .
التَّكْفِينُ في القَمِيصِ والمِئْزَرِ واللِّفَافَةِ غيرُ مَكْرُوهٍ، وإنَّما الأفْضَلُ الأوَّلُ، وهذا جَائِزٌ لا كَرَاهَةَ فيه؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ ألْبَسَ عَبْدَ اللَّه بنَ أُبَىٍّ قَمِيصَه لمَّا ماتَ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (١). فيؤْزَرُ بالمِئْزَرِ، ويُلْبَسُ القَمِيصَ، ثم يُلَفُّ باللِّفَافَةِ بعدَ ذلك. وقال أحمدُ: إن جَعَلُوهُ قَمِيصًا فأحَبُّ إلَىَّ أن يَكُونَ مثلَ قَمِيصِ الحَىِّ، له كُمَّان ودَخَارِيصُ (٢) وأزْرَارٌ، ولا يُزَرُّ عليه القَمِيصُ.
فصل: قال أبو دَاوُدَ: قلتُ لأحمدَ: يَتَّخِذُ الرَّجُلُ كَفَنَهُ فيُصَلِّى (٣) فيه أيَّامًا، أو قلتُ: يُحْرِمُ فيه، ثم يَغْسِلُه ويَضَعُه لِكَفَنِه؟ فَرآهُ حَسَنًا. قال: يُعْجِبُنِى أن يكونَ جَدِيدًا أو غَسِيلًا. وكَرِهَ أن يَلْبَسَهُ حتى يُدَنِّسَهُ.
فصل: ويَجُوزُ التَّكْفِينُ في ثَوْبَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في المُحْرِمِ الذي وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٤). وكان سُوَيْدُ بن غَفَلَةَ يقول: يُكَفَّنُ في ثَوْبَيْنِ. وقال الأوْزَاعِىُّ: يُجْزِئُ ثَوْبانِ، وأَقَلُّ ما يُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ. قالت أُمُّ عَطِيَّة: لما فَرَغْنَا. يَعْنِى مِن غُسْلِ بِنْتِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ألْقَى إلَيْنَا حَقْوَهُ (٥)، فقال: "أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ". ولم يَزِدْ على ذلك.
стр. 1508
رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦). وقال: مَعْنَى أَشْعِرْنَها إيَّاهُ. الْفُفْنَها فيه. قال ابنُ عَقِيلٍ: العَوْرَةُ المُغَلَّظَةُ يَسْتُرُها ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فجَسَدُ المَيِّتِ أوْلَى. وقال القاضي: لا يُجْزِئُ أَقَلُّ من ثلاثةِ أثْوابٍ لمن يَقْدِرُ عليها. ويُرْوَى (٧) مِثْلُ ذلك عن عائشةَ، واحْتَجَّ بأنَّه لو جازَ أقَلُّ منها لم يَجُزِ التَّكْفِينُ بها في حَقِّ مَن له أيْتامٌ، احْتِيَاطًا لهم. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، وما ذَكَرَهُ القاضي لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يجوزُ التَّكْفِينُ بالحَسَنِ مع حُصُولِ الإِجْزاءِ بما دُونَهُ.
فصل: قال أحمدُ: يُكَفَّنُ الصَّبِىُّ في خِرْقَةٍ، وإن كُفِّنَ في ثلاثةٍ فلا بَأْسَ. وكذلك قال إسحاقُ، ونحوَه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والثَّوْرىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وغيرُهم. لا خِلَافَ بينهم في أنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُه، [وَأنَّه إنْ] (٨) كُفِّنَ في ثلاثةٍ فلا بَأْسَ؛ لأنَّه ذَكَرٌ فأشْبَهَ الرَّجُلَ.
فصل: فإن لم يَجِدِ الرَّجُلُ ثَوْبًا يَسْتُرُ جَمِيعَهُ، سَتَرَ رَأْسَهُ، وجَعَلَ على رِجْلَيْهِ حَشِيشًا أو وَرَقًا، كما رُوِىَ عن خَبَّابٍ، أنَّ مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ قُتِلَ يومَ أُحُدٍ، فلم يُوجَدْ له شيءٌ يُكَفَّنُ فيه، إلَّا نَمِرَةً (٩). فَكُنَّا إذا وَضَعْنَاهَا على رَأْسِه خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وإذا وَضَعْنَاها على رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُه، فأمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ أن نُغَطِّىَ رَأْسَهُ، ونَجْعَلَ على رِجْلَيْه من الإِذْخِرِ (١٠). رَوَاهُ البُخَارِىُّ (١١) فإن لم يَجِدْ إلَّا ما
стр. 1509
يَسْتُرُ العَوْرَةَ سَتَرَهَا؛ لأنَّها أهَمُّ في السَّتْرِ، بِدَلِيلِ حالَةِ الحَيَاةِ. فإنْ كَثُرَ القَتْلَى، وقَلَّتِ الأكْفَانُ، كُفِّنَ الرَّجُلانِ والثَّلاثةُ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، كما صُنِعَ بِقَتْلَى أُحُدٍ. قال أنَسٌ: كَثُرَتْ [قَتْلَى أُحُدٍ، وقَلَّت الثِّيَابُ] (١٢). قال: فَكُفِّنَ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ والثَّلَاثَةُ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، ثم يُدْفَنُونَ في قَبْرٍ وَاحِدٍ (١٣). قال التِّرمِذِىُّ: حَدِيثُ أَنسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
٣٤٦ - مسألة؛ قال: (ويَجْعَلُ الذَّرِيرَةَ في مَفَاصِلِه، ويَجْعَلُ الطِّيبَ فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ والمَغَابِنِ، ويُفْعَلُ بِهِ كما يُفْعَلُ بالعَرُوسِ)
الذَّرِيرَةُ هي الطِّيبُ المَسْحُوقُ، ويُسْتَحَبُّ أن يُجْعَلَ في مَفاصِلِ المَيِّتِ ومَغابِنِه، وهى المَوَاضِعُ التي تَنْثَنِى من الإِنْسانِ، كَطَىِّ الرُّكْبَتَيْنِ، وتحتَ الإِبْطَيْنِ، وأُصُولِ الفَخِذَيْنِ؛ لأنَّها مَوَاضِعُ الوَسَخِ، ويَتْبَعُ بإزالَةِ الوَسَخِ والدَّرَنِ منها من الحىِّ، ويَتْبَعُ بالطِّيبِ (١) من المِسْكِ والكَافُورِ مَوَاضِعَ السُّجُودِ؛ لأنَّها أعْضاءٌ شَرِيفَةٌ، ويُفْعَلُ به كما يُفْعَلُ بالعَرُوسِ؛ لأنَّه يُرْوَى عن النَّبِيِّ ﷺ : "اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ" (٢). وكان ابنُ عمرَ يتَتَبَّعُ (٣) مَغَابِنَ المَيِّتِ ومَرَافِقَه بالمِسْكِ. قال أحمدُ: يُخْلَطُ الكافورُ بالذَّرِيرَةِ. وقيل له: يُذَرُّ
стр. 1510
المِسْكُ على المَيِّتِ أو يُطْلَى به؟ قال: لا يُبَالِى، قد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّه ذَرَّ عليه، وَرُوِىَ عنه أنَّه مَسَحَه بالمِسْكِ مَسْحًا، وابنُ سِيرِينَ طَلَى إنْسَانًا بالمِسْكِ من قَرْنِه إلى قَدَمِه. وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: يُوضَعُ الحَنُوطُ على أعْظُمِ السُّجُودِ، الجَبْهَةِ، والرَّاحَتَيْنِ، والرُّكْبَتَيْنِ، وصُدُورِ القَدَمَيْنِ.
٣٤٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجْعَلُ فىِ عَيْنَيْهِ كَافُورًا)
إنَّما كُرِهَ هذا لأنَّه يُفْسِدُ العُضْوَ ويُتْلِفُهُ، ولا يُصْنَعُ مِثْلُه بِالحَىِّ. قال أحمدُ: ما سَمِعْنَا إلَّا في المَسَاجِدِ (١). وحُكِىَ له عن ابنِ عمرَ أنَّه كان يَفْعلُه (٢)، فأنْكَرَ أن يكونَ ابنُ عمرَ فَعَلَهُ، وكَرِهَ ذلك.
٣٤٨ - مسألة؛ قال: (وإنْ خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ يَسِيرٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِى أَكْفَانِهِ، لَمْ يُعَدْ إلى الغُسْلِ، وحُمِلَ)
لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ في هذا خِلَافًا. والوَجْهُ في ذلك أنَّ إعَادَةَ الغُسْلِ فيها مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ؛ لأنَّه يَحْتَاجُ إلى إخْرَاجِه، وإعادةِ غُسْلِهِ وغَسْلِ أكْفَانِه، وتَجْفِيفِها أو إبْدَالِهَا، ثم لا يُؤْمَنُ مثلُ هذا في المَرَّةِ الثانيةِ والثالثةِ، فَسَقَطَ لذلك (١)، ولا يَحْتَاجُ أيضًا إلى إعَادَةِ وُضُوئِه، ولا غَسْلِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، دَفْعًا لهذه المَشَقَّةِ، ويُحْمَلُ بِحَالِه. ويُرْوَى عن الشَّعْبِىِّ أنَّ ابْنَةً له لما لُفَّتْ في (٢) أكفَانِها. بَدَا منها شيءٌ، فقال الشَّعْبِىُّ: ارْفَعُوا. فأمَّا إن كان الخَارِجُ كَثِيرًا فَاحِشًا فمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ ها هُنا أنَّه يُعَادُ غُسْلُه إن كان قبلَ تَمَامِ السَّابعةِ (٣)؛ لأنَّ الكَثِيرَ يَتَفَاحَشُ،