← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فَوْقَها حَنُوطًا وكَافُورًا، ثم يَبْسُطُ فَوْقَهما الثَّالِثَةَ، ويَجْعَلُ فَوْقَها حَنُوطًا وكَافُورًا، ولا يُجْعَلُ على وَجْهِ العُلْيَا، ولا على النَّعْشِ شيءٌ من الحَنُوطِ؛ لأنَّ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنه قال: لا تَجْعَلُوا على أكْفانِى حَنُوطًا (١٢). ثم يُحْمَلُ المَيِّتُ مَسْتُورًا بثَوْبٍ فيُوضَعُ فيها (١٣) مُسْتَلْقِيًا؛ لأنَّه أمْكَنُ لإِدْرَاجِه فيها، ويُجْعَلُ ما عِنْدَ رَأْسِه أكْثَرَ ممَّا عند رِجْلَيْه، ويُجْعَلُ من الطِّيبِ على وَجْهِه ومَوَاضِع سُجُودِهِ ومَغَابِنِه (١٤)؛ لأنَّ الحَىَّ يَتَطَيَّبُ هكذا، ويُجْعَلُ بَقِيَّةُ الحَنُوطِ والكَافُورِ في قُطْنٍ، ويُجْعَلُ منه بين أَلْيَتَيْهِ بِرِفْقٍ، ويُكْثِرُ ذلك لِيَرُدَّ شيْئا إن خَرَجَ منه حين تَحْرِيكِه، ويَشُدُّ فَوْقَه خِرْقَةً مَشْقُوقَةَ الطَّرَفِ كالتُّبَّانِ، وهو السَّرَاوِيلُ بلا أكْمامٍ، ويَجْعَلُ البَاقِىَ على مَنَافِذِ وَجْهِه، في فِيهِ، ومِنْخَرَيْهِ، وعَيْنَيْهِ، لِئَلَّا يَحْدُثَ منهنَّ حَادِثٌ، وكذلك في (١٥) الجِرَاحِ النَّافِذَةِ، ويَتْرُكُ على مَوَاضِعِ السُّجُودِ منه؛ لأنَّها أعْضاءٌ شَرِيفَةٌ، ثم يَثْنِى طَرَفَ اللِّفافَةِ العُلْيَا على شِقِّه الأيْمَنِ، ثم يَرُدُّ طَرَفَهَا الآخَرَ على شِقِّه الأيْسَرِ، وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لئلَّا يَسْقُطَ عنه الطَّرَفُ الأيْمَنُ إذا وُضِعَ على يَمِينِه في القَبْرِ، ثم يَفْعَلُ بالثَّانِيةِ والثَّالِثَةِ كذلك، ثم يَجْمَعُ ما فَضَلَ عند رَأْسِه ورِجْلَيْه، فَيُرَدُّ على وَجْهِهِ ورِجْلَيْه، وإن خافَ انْتِشَارَها عَقَدَها، وإذا وُضِعَ في القَبْرِ حَلَّهَا، ولم يَخْرُقِ الكَفَنَ. فصل: وتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ على ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ في الكَفَنِ؛ لما فيه من إضاعةِ المالِ، وقد نَهَى عنه النَّبِىُّ ﷺ ، ويَحْرُمُ تَرْكُ شيءٍ مع المَيِّتِ من ماله لغيرِ حاجَةٍ؛ لما ذَكَرْنا، إلَّا مثلَ ما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه تُرِكَ تَحْتَه قَطِيفَةٌ في قَبْرِه (١٦)، فإن

стр. 1507

تُرِكَ نحوُ ذلك فلا بَأْسَ. ٣٤٥ - مسألة؛ قال: (وإنْ كُفِّنَ في قَمِيصٍ ومِئْزَرٍ ولِفَافَةٍ جُعِلَ المِئْزَرُ مِمَّا يَلِى جِلْدَهُ، ولم يُزَرَّ عَلَيْهِ القَمِيصُ) . التَّكْفِينُ في القَمِيصِ والمِئْزَرِ واللِّفَافَةِ غيرُ مَكْرُوهٍ، وإنَّما الأفْضَلُ الأوَّلُ، وهذا جَائِزٌ لا كَرَاهَةَ فيه؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ ألْبَسَ عَبْدَ اللَّه بنَ أُبَىٍّ قَمِيصَه لمَّا ماتَ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (١). فيؤْزَرُ بالمِئْزَرِ، ويُلْبَسُ القَمِيصَ، ثم يُلَفُّ باللِّفَافَةِ بعدَ ذلك. وقال أحمدُ: إن جَعَلُوهُ قَمِيصًا فأحَبُّ إلَىَّ أن يَكُونَ مثلَ قَمِيصِ الحَىِّ، له كُمَّان ودَخَارِيصُ (٢) وأزْرَارٌ، ولا يُزَرُّ عليه القَمِيصُ. فصل: قال أبو دَاوُدَ: قلتُ لأحمدَ: يَتَّخِذُ الرَّجُلُ كَفَنَهُ فيُصَلِّى (٣) فيه أيَّامًا، أو قلتُ: يُحْرِمُ فيه، ثم يَغْسِلُه ويَضَعُه لِكَفَنِه؟ فَرآهُ حَسَنًا. قال: يُعْجِبُنِى أن يكونَ جَدِيدًا أو غَسِيلًا. وكَرِهَ أن يَلْبَسَهُ حتى يُدَنِّسَهُ. فصل: ويَجُوزُ التَّكْفِينُ في ثَوْبَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في المُحْرِمِ الذي وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٤). وكان سُوَيْدُ بن غَفَلَةَ يقول: يُكَفَّنُ في ثَوْبَيْنِ. وقال الأوْزَاعِىُّ: يُجْزِئُ ثَوْبانِ، وأَقَلُّ ما يُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ. قالت أُمُّ عَطِيَّة: لما فَرَغْنَا. يَعْنِى مِن غُسْلِ بِنْتِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ألْقَى إلَيْنَا حَقْوَهُ (٥)، فقال: "أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ". ولم يَزِدْ على ذلك.

стр. 1508

رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦). وقال: مَعْنَى أَشْعِرْنَها إيَّاهُ. الْفُفْنَها فيه. قال ابنُ عَقِيلٍ: العَوْرَةُ المُغَلَّظَةُ يَسْتُرُها ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فجَسَدُ المَيِّتِ أوْلَى. وقال القاضي: لا يُجْزِئُ أَقَلُّ من ثلاثةِ أثْوابٍ لمن يَقْدِرُ عليها. ويُرْوَى (٧) مِثْلُ ذلك عن عائشةَ، واحْتَجَّ بأنَّه لو جازَ أقَلُّ منها لم يَجُزِ التَّكْفِينُ بها في حَقِّ مَن له أيْتامٌ، احْتِيَاطًا لهم. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، وما ذَكَرَهُ القاضي لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يجوزُ التَّكْفِينُ بالحَسَنِ مع حُصُولِ الإِجْزاءِ بما دُونَهُ. فصل: قال أحمدُ: يُكَفَّنُ الصَّبِىُّ في خِرْقَةٍ، وإن كُفِّنَ في ثلاثةٍ فلا بَأْسَ. وكذلك قال إسحاقُ، ونحوَه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والثَّوْرىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وغيرُهم. لا خِلَافَ بينهم في أنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُه، [وَأنَّه إنْ] (٨) كُفِّنَ في ثلاثةٍ فلا بَأْسَ؛ لأنَّه ذَكَرٌ فأشْبَهَ الرَّجُلَ. فصل: فإن لم يَجِدِ الرَّجُلُ ثَوْبًا يَسْتُرُ جَمِيعَهُ، سَتَرَ رَأْسَهُ، وجَعَلَ على رِجْلَيْهِ حَشِيشًا أو وَرَقًا، كما رُوِىَ عن خَبَّابٍ، أنَّ مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ قُتِلَ يومَ أُحُدٍ، فلم يُوجَدْ له شيءٌ يُكَفَّنُ فيه، إلَّا نَمِرَةً (٩). فَكُنَّا إذا وَضَعْنَاهَا على رَأْسِه خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وإذا وَضَعْنَاها على رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُه، فأمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ أن نُغَطِّىَ رَأْسَهُ، ونَجْعَلَ على رِجْلَيْه من الإِذْخِرِ (١٠). رَوَاهُ البُخَارِىُّ (١١) فإن لم يَجِدْ إلَّا ما

стр. 1509

يَسْتُرُ العَوْرَةَ سَتَرَهَا؛ لأنَّها أهَمُّ في السَّتْرِ، بِدَلِيلِ حالَةِ الحَيَاةِ. فإنْ كَثُرَ القَتْلَى، وقَلَّتِ الأكْفَانُ، كُفِّنَ الرَّجُلانِ والثَّلاثةُ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، كما صُنِعَ بِقَتْلَى أُحُدٍ. قال أنَسٌ: كَثُرَتْ [قَتْلَى أُحُدٍ، وقَلَّت الثِّيَابُ] (١٢). قال: فَكُفِّنَ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ والثَّلَاثَةُ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، ثم يُدْفَنُونَ في قَبْرٍ وَاحِدٍ (١٣). قال التِّرمِذِىُّ: حَدِيثُ أَنسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ٣٤٦ - مسألة؛ قال: (ويَجْعَلُ الذَّرِيرَةَ في مَفَاصِلِه، ويَجْعَلُ الطِّيبَ فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ والمَغَابِنِ، ويُفْعَلُ بِهِ كما يُفْعَلُ بالعَرُوسِ) الذَّرِيرَةُ هي الطِّيبُ المَسْحُوقُ، ويُسْتَحَبُّ أن يُجْعَلَ في مَفاصِلِ المَيِّتِ ومَغابِنِه، وهى المَوَاضِعُ التي تَنْثَنِى من الإِنْسانِ، كَطَىِّ الرُّكْبَتَيْنِ، وتحتَ الإِبْطَيْنِ، وأُصُولِ الفَخِذَيْنِ؛ لأنَّها مَوَاضِعُ الوَسَخِ، ويَتْبَعُ بإزالَةِ الوَسَخِ والدَّرَنِ منها من الحىِّ، ويَتْبَعُ بالطِّيبِ (١) من المِسْكِ والكَافُورِ مَوَاضِعَ السُّجُودِ؛ لأنَّها أعْضاءٌ شَرِيفَةٌ، ويُفْعَلُ به كما يُفْعَلُ بالعَرُوسِ؛ لأنَّه يُرْوَى عن النَّبِيِّ ﷺ : "اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ" (٢). وكان ابنُ عمرَ يتَتَبَّعُ (٣) مَغَابِنَ المَيِّتِ ومَرَافِقَه بالمِسْكِ. قال أحمدُ: يُخْلَطُ الكافورُ بالذَّرِيرَةِ. وقيل له: يُذَرُّ

стр. 1510

المِسْكُ على المَيِّتِ أو يُطْلَى به؟ قال: لا يُبَالِى، قد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّه ذَرَّ عليه، وَرُوِىَ عنه أنَّه مَسَحَه بالمِسْكِ مَسْحًا، وابنُ سِيرِينَ طَلَى إنْسَانًا بالمِسْكِ من قَرْنِه إلى قَدَمِه. وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: يُوضَعُ الحَنُوطُ على أعْظُمِ السُّجُودِ، الجَبْهَةِ، والرَّاحَتَيْنِ، والرُّكْبَتَيْنِ، وصُدُورِ القَدَمَيْنِ. ٣٤٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجْعَلُ فىِ عَيْنَيْهِ كَافُورًا) إنَّما كُرِهَ هذا لأنَّه يُفْسِدُ العُضْوَ ويُتْلِفُهُ، ولا يُصْنَعُ مِثْلُه بِالحَىِّ. قال أحمدُ: ما سَمِعْنَا إلَّا في المَسَاجِدِ (١). وحُكِىَ له عن ابنِ عمرَ أنَّه كان يَفْعلُه (٢)، فأنْكَرَ أن يكونَ ابنُ عمرَ فَعَلَهُ، وكَرِهَ ذلك. ٣٤٨ - مسألة؛ قال: (وإنْ خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ يَسِيرٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِى أَكْفَانِهِ، لَمْ يُعَدْ إلى الغُسْلِ، وحُمِلَ) لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ في هذا خِلَافًا. والوَجْهُ في ذلك أنَّ إعَادَةَ الغُسْلِ فيها مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ؛ لأنَّه يَحْتَاجُ إلى إخْرَاجِه، وإعادةِ غُسْلِهِ وغَسْلِ أكْفَانِه، وتَجْفِيفِها أو إبْدَالِهَا، ثم لا يُؤْمَنُ مثلُ هذا في المَرَّةِ الثانيةِ والثالثةِ، فَسَقَطَ لذلك (١)، ولا يَحْتَاجُ أيضًا إلى إعَادَةِ وُضُوئِه، ولا غَسْلِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، دَفْعًا لهذه المَشَقَّةِ، ويُحْمَلُ بِحَالِه. ويُرْوَى عن الشَّعْبِىِّ أنَّ ابْنَةً له لما لُفَّتْ في (٢) أكفَانِها. بَدَا منها شيءٌ، فقال الشَّعْبِىُّ: ارْفَعُوا. فأمَّا إن كان الخَارِجُ كَثِيرًا فَاحِشًا فمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ ها هُنا أنَّه يُعَادُ غُسْلُه إن كان قبلَ تَمَامِ السَّابعةِ (٣)؛ لأنَّ الكَثِيرَ يَتَفَاحَشُ،

стр. 1511

ويُؤْمَنُ مِثْلُه في المَرَّةِ الثانيةِ، لِتَحَفُّظِهم، بالشَّدِّ والتَّلَجُّمِ ونحوِه. ورَوَاه إسحاقُ بنُ منصورٍ عن أحمدَ. قال الخَلَّالُ: وخَالَفَه أصْحابُ أبى عبدِ اللهِ، كُلُهم رَوَوْا عنه: لا يُعَادُ إلى الغُسْلِ بِحَالٍ. قال: والعَمَلُ على ما اتَّفَقُوا (٤) لما ذكرنا من المَشَقَّةِ فيه. ويَحْتَمِلُ أن تُحْمَلَ الرِّوايتان (٥) على حَالَتَيْنِ، فالمَوْضِعُ الذي قال لا يُعادُ غُسْلُه إذا كان يَسيرًا، ويَخْفَى على المُشَيِّعِينَ، والمَوْضِعُ الذي أمَرَ بإعادَتِه إذا كان يَظْهَرُ لهم ويَفْحُشُ. ٣٤٩ - مسألة؛ قال: (وإنْ أَحَبَّ أَهْلُه أنْ يَرَوْهُ لَمْ يُمْنَعُوا) وذلك لما رُوِىَ عن جَابِرٍ، قال: لمَّا قُتِلَ أبى جَعَلْتُ أكْشِفُ الثَّوْبَ عن وَجْهِه وأبْكِى، والنَّبِىُّ لا يَنْهَانِى (١). وقالت عائشةُ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ وهو مَيِّتٌ، حتى رأيتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ (٢). وقالت: أقْبَلَ أبو بكرٍ فَتَيَمَّمَ النَّبِىَّ ﷺ ، وهو مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَة، فَكَشَفَ عن وَجْهِهِ، ثم أكَبَّ عليه فَقَبَّلَهُ، ثم بَكَى. فقال: بِأبِى أنتَ يَا نَبِىَّ اللهِ، لا يَجْمَعُ اللهُ عليكَ مَوْتَتَيْنِ (٣). وهذه

стр. 1512

أحادِيثُ صِحَاحٌ. ٣٥٠ - مسألة؛ قال: (والمَرْأَةُ تُكَفَّنُ في خَمْسَةِ. أثْوَابٍ: قَمِيصٍ، ومِئْزَرٍ، ولِفَافَةٍ، ومِقْنَعَةٍ، وخَامِسَةٍ تُشَدُّ بِهَا فَخِذَاهَا) قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ يَرَى أن تُكَفَّنَ المَرْأةُ في خَمْسَةِ أثْوابٍ، وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لأنَّ المَرْأةَ تَزِيدُ في حالِ حَيَاتِها على الرَّجُلِ في السَّتْرِ لِزِيَادَةِ عَوْرَتِها على عَوْرَتِه، فكذلك بعدَ المَوْتِ، ولمَّا كانت تَلْبَسُ المَخِيطَ في إحْرَامِها، وهو أكْمَلُ أحْوالِ الحياةِ، اسْتُحِبَّ إلْباسُها إيَّاهُ بعد مَوْتِها، والرَّجُلُ بِخِلافِ ذلك، فافْتَرَقَا في اللُّبْسِ بعد المَوْتِ، لِافْتِرَاقِهما فيه في الحياةِ، واسْتَوَيَا في الغُسْلِ بعد المَوْتِ لِاسْتِوَائِهما فيه في الحياةِ. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ (١)، بإسْنادِه عن لَيْلَى بنت قانِفٍ الثَّقَفِيَّة، قالت: كنتُ في مَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رسولِ اللهِ ﷺ عند وَفَاتِها، فكان أوَّلُ ما أعْطَانَا رسولُ اللهِ ﷺ الحَقْوَ، ثم الدِّرْعَ، ثم الخِمَارَ، ثم المِلْحَفَةَ (٢)، ثم أُدْرِجَتْ بعدَ ذلك في الثَّوبِ الآخِرِ. قالت: ورسولُ اللهِ ﷺ عند البابِ معه كَفَنُها، يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْبًا ثَوْبًا. إلَّا أنَّ الْخِرَقِىَّ إنَّما ذَكَرَ لِفَافَةً وَاحِدَةً، فعلى هذا تُشَدُّ الخِرْقَةُ على فَخِذَيْها أوَّلًا، ثم تُؤْزَرُ بالمِئْزَرِ، ثم تُلْبَسُ القَمِيصَ، ثم تُخَمَّرُ بالمِقْنَعَةِ، ثم تُلَفُ بِلِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ. وقد أشَارَ إليه أحمدُ، فقال: تُخَمَّرُ، ويُتْرَكُ قَدْرُ ذِرَاعٍ، يُسْدَلُ على وَجْهِهَا، ويُسْدَلُ على فَخِذَيْها الحَقْوُ. وسُئِلَ عن الحَقْوِ؟ فقال: هو الإِزارُ. قيل: الخَامِسَةُ. قال: خِرْقَةٌ تُشَدُّ على فَخِذَيْها. قيل له: قَمِيصُ المَرْأةِ؟ قال: يُخَيَّطُ. قيل: يُكَفُّ وَيُزَرُّ؟ قال: يُكَفُّ، لا يُزَرُّ عليها. والذي عليه (٣) أكْثَرُ أصْحابِنا وغَيْرُهم، أنَّ الأثْوابَ

стр. 1513

الخَمْسَةَ إِزَارٌ، ودِرْعٌ، وخِمَارٌ، ولِفَافَتانِ، وهو الصَّحِيحُ، لِحَديثِ لَيْلَى الذي ذَكَرْنَاهُ، ولما رَوَتْ أُمُّ عَطَّةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَاوَلَها إزَارًا، ودِرْعًا، وخِمَارًا، وَثَوْبَيْنِ. (٤) فصل: قال المَرُّوذِىُّ: سألتُ أبا عبدِ اللَّه: في كم تُكَفَّنُ الجارِيَةُ إذا لم تَبْلُغْ؟ قال: في لِفَافَتَيْنِ، وقَمِيصٍ، لا خِمَارَ فيه. وكَفَّنَ ابنُ سِيرِينَ بِنتًا له قد أعْصَرَتْ (٥) في قَمِيصٍ ولِفَافَتَيْنِ. ورُوِىَ في بَقِيرٍ ولِفَافَتَيْنِ. قال أحمدُ: البَقِيرُ القَمِيصُ الذي ليس له كُمَّانِ. ولأنَّ غَيْرَ البَالِغِ لا يَلْزَمُها سَتْرُ رَأْسِها في الصلاةِ. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في الحَدِّ الذي تَصِيرُ به في حُكْمِ المَرْأَةِ في الكَفَنِ، فَرُوِىَ عنه: إذا بَلَغَتْ. وهو ظَاهِرُ كَلَامِهِ، في رِوَايَةِ المَرُّوذِىِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بخِمَارٍ" (٦) مَفْهُومُهُ أنَّ غَيْرَها لا تَحْتَاجُ إلى خِمارٍ في صَلَاتِها، فكذلك في كَفَنِها. ولأنَّ ابنَ سِيرِينَ كَفَّنَ ابْنَتَهُ، وقد أعْصَرَتْ - أي قَارَبَتِ المَحِيضَ - بغيرِ خِمَارٍ. ورَوَى عن أحمدَ أكْثَرُ أصْحابِه: إذا كانتْ بِنْتَ تِسْعٍ يُصْنَعُ بها ما يُصْنَعُ بِالمَرْأَةِ. واحْتَجَّ بحديثِ عائشةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بها وهى بِنْتُ تِسْع سِنِينَ (٧). وَرُوِىَ عنها أنَّها قالت: إذا بَلَغَتِ الجَارِيَةُ تِسْعًا فهى امْرَأةٌ.

стр. 1514

فصل: قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أن تُكَفَّنَ في شيءٍ من الحَرِيرِ. وكَرِهَ ذلك الحسنُ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أحْفَظُ مِن غَيْرِهم خِلَافَهم. وفى جَوَازِ تَكْفِينِ المَرْأَةِ بالحَرِيرِ احْتمالان (٨)؛ لأنَّ أقْيَسَهما الجَوَازُ، لأنَّه مِن لِباسِها في حَياتِها، لكن كَرِهْنَاهُ لها، لأنَّها خَرَجَتْ عن كَوْنِها مَحَلًّا لِلزِّينَةِ والشَّهْوَةِ، وكذلك يُكْرَهُ تَكْفِينُها بالمُعَصْفَرِ، ونحوِه؛ لذلك. قال الأوْزاعِىُّ: لا يُكَفَّنُ المَيِّتُ في الثِّيَابِ المُصْبَغةِ، إلَّا ما كان من العَصْبِ، يَعْنِى ما صُبِغَ بالعَصْبِ، وهو نَبْتٌ يَنْبُتُ باليَمَنِ (٩). ٣٥١ - مسألة؛ قال: (ويُضْفَرُ شَعْرُهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، ويُسْدَلُ مِنْ خَلْفِهَا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ شَعْرَ المَيِّتَةِ يُغْسَلُ، وإن كان مَعْقُوصًا نُقِضَ، ثم غُسِلَ، ثم ضُفِرَ ثلاثةَ قُرُونٍ، قَرْنَيْها ونَاصِيَتَها، ويُلْقَى مِن خَلْفِها. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الأوْزَاعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: لا يُضْفَرُ، ولكنْ يُرْسَلُ مع خَدَّيْها، مِن بين يَدَيْها من الجانِبَيْنِ، ثم يُرْسَلُ عليه الخِمارُ؛ لأنَّ ضَفْرَهُ يَحْتاجُ إلى تَسْرِيحِهَا، فيتقطَّعُ (١) شَعْرُها ويَتَنَتَّفُ (٢). ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قالتْ: ضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثلاثةَ قُرُونٍ، وألْقَيْنَاهُ مِن (٣) خَلْفِهَا. يَعْنِى بِنْتَ رسولِ اللهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولِمُسْلِمٍ: فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثلاثَةَ قُرُونٍ؛ قَرْنَيْها، ونَاصِيَتَها. ولِلْبُخَارِىِّ: جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رسولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، نَقَضْنَهُ،

стр. 1515

ثم غَسَلْنَهُ، ثم جَعَلْنَهُ ثلاثةَ قُرُونٍ. وإنَّما غَسَلْنَهُ بأمْرِ رسولِ اللَّه ﷺ وَتَعْلِيمِه. وفى حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "واضْفُرْنَ شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ؛ قُصَّةً، وقَرْنَيْنِ، ولا تُشَبِّهْنَها بالرِّجَالِ" (٥). فأمَّا التَّسْرِيحُ فكَرِهَهُ أحمدُ، وقال: قالت عائشةُ: عَلَامَ تَنُصُّونَ (٦) مَيِّتَكُمْ؟ قال: يعني لا تُسَرِّحُوا رَأْسَه بالمُشْطِ. ولأنَّ ذلك يَقْطَعُ شَعْرَهُ ويَنْتِفُهُ. وقد رُوِىَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالت: مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. مُتَّفَقٌ عليه. قال أحمدُ: إنَّما ضَفَرْنَ. وأَنْكَرَ المَشْطَ. فكأنَّه تَأَوَّلَ قَوْلَها: مَشَطْنَاهَا. على أنَّها أرادَتْ ضَفَرْنَاها؛ لما ذَكَرْنَاهُ. واللهُ أعلمُ. ٣٥٢ - مسألة؛ قال: (والمَشْىُ بالجِنَازَةِ الإِسْرَاعُ) لا خِلافَ بين الأئِمَّةِ، ﵏، في اسْتِحْبابِ الإِسْراعِ بالجِنازَةِ، وبه وَرَدَ النَّصُّ، وهو قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَسْرِعُوا بالجِنَازَةِ، فَإنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ". مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا تَبِعَ الجِنازَةَ، قال: "انْبَسِطُوا (٢) بِها، وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ الْيَهُودِ بِجَنَائِزِهَا". رَوَاهُ أحمدُ، في

стр. 1516

"المُسْنَدِ" (٣). واخْتَلَفُوا في الإِسْراعِ المُسْتَحَبِّ، فقال القاضي: المُسْتَحَبُّ إسْرَاعٌ لا يَخْرُجُ عن المَشْىِ المُعْتادِ. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يَخُبُّ، ويَرْمُلُ؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ، عن عُيَيْنَةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبِيهِ. قال: كُنَّا في جِنَازَةِ عُثمانَ بن أبي الْعَاصِ، فَكُنَّا نَمْشِى مَشْيًا خَفِيفًا، فَلَحِقَنَا أبو بَكْرَة (٤)؛ فَرَفَعَ سَوْطَهُ، فقال: لقد رَأيْتُنَا مع النَّبِيِّ ﷺ نَرْمُلُ رَمَلًا (٥). ولَنا، ما رَوَى أبو سَعِيد، عن النَّبِيِّ ﷺ : أنَّه مَرَّ عليه بِجِنَازَةٍ تُمْخَضُ مَخْضًا، فقال ﵇: "عَلَيْكُمْ بالْقَصْدِ في جَنَائِزِكُمْ". من "المُسْنَدِ" (٦). وعن ابنِ مسعودٍ قال: سَألْنَا نَبِيَّنَا ﷺ عن المَشْىِ بالجِنَازَةِ. فقال: "ما دُونَ الخَبَبِ (٧) " رَوَاه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٨). وقال: يَرْوِيه أبو ماجِدٍ، وهو مَجْهُولٌ. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "انْبَسِطُوا (٩) بِهَا، وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ اليَهُودِ". يَدُلُّ على أنَّ المُرَادَ إسْرَاعٌ يَخْرُجُ به عن شِبْهِ مَشْىِ اليَهُودِ بِجَنَائزِهم، ولأنَّ الإِسْرافَ في الإِسْراعِ يَمْخُضُهَا، ويُؤْذِى حَامِلِيها ومُتَّبِعِيهَا، ولا يُؤْمَنُ على المَيِّتِ. وقد قال ابنُ عَبَّاسٍ، في جِنَازَةِ مَيْمُونَةَ: لا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا، فإنَّها أُمُّكُمْ. فصل: واتِّبَاعُ الجَنَائِزِ سُنَّةٌ. قال الْبَرَاءُ: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ بِاتِّبَاعِ

стр. 1517

الجَنَائِزِ (١٠). وهو على ثلاثةِ أضْرُبٍ: أحدُها، أن يُصَلِّىَ عليها، ثم يَنْصَرِفُ. قال زيدُ بن ثابِتٍ: إذا صَلَّيْتَ فقد قَضَيْتَ الذي عليكَ. وقال أبو دَاوُدَ: رَأيتُ أحمدَ مالا أُحْصِى صَلَّى على جَنَائِزَ، ولم يَتْبَعْها إلى القَبْرِ، ولم يَسْتَأْذِنْ. الثاني، أن يَتْبَعَها إلى القَبْرِ، ثم يَقِفَ حتى تُدْفَنَ؛ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّىَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، ومَنْ شَهِدَها حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ". قيل: وما القِيرَاطَانِ؟ قال: "مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). الثالث، أن يَقِفَ بعد الدَّفْنِ، فَيَسْتَغْفِرَ له، ويَسْألَ اللهَ له التَّثْبِيتَ، ويَدْعُوَ له بالرحْمَةِ؛ فإنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كان إذا دَفَنَ مَيِّتًا وَقَفَ، وقال: "اسْتَغْفِرُوا لَهُ. واسْأَلُوا اللهَ لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فإنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٢). وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّه كان يَقْرَأُ عندَه بعد الدَّفْنِ أوَّلَ البَقَرَةِ وخَاتِمَتَها. فصل: ويُسْتَحَبُّ لِمُتَّبِعِ الجِنَازَةِ أن يكونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَفَكِّرًا في مَآلِه، مُتَّعِظًا بالمَوْتِ، وبما يَصِيرُ إليه المَيِّتُ، ولا يَتَحَدَّثُ بأحادِيثِ الدُّنْيَا، ولا يَضْحَكُ، قال

стр. 1518

سعدُ بن مُعاذٍ: ما تَبِعْتُ جنَازَةً فَحَدَّثْتُ نَفْسِى بغيرِ ما هو مَفْعُولٌ بها. ورَأى بَعْضُ السَّلَفِ رَجُلًا يَضْحَكُ في جِنَازَةٍ، فقال: أتَضْحَكُ وأنْتَ تَتْبَعُ الجِنازَةَ؟ لا كَلَّمْتُكَ أبَدًا. ٣٥٣ - مسألة؛ قال: (والمَشْيُ أَمَامَها أَفْضَلُ) أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ الفَضِيلَةَ لِلْمَاشِى أن يكونَ أمامَ الجِنَازَةِ، رُوِىَ ذلك عن أبِى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيْرَةَ والحسنِ بن عليٍّ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي قَتَادَةَ، وأبي أَسِيدٍ، وعُبَيْد بن عُمَيْرٍ، وشُرَيْحٍ، والقَاسِمِ بن محمدٍ، وسَالمٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِيِّ. وقال الأوْزَاعِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: المَشْىُ خَلْفَها أفْضَلُ؛ لما رَوَى ابنُ مسعودٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، ولا تَتْبَعُ، لَيْسَ مِنْهَا (١) مَنْ تَقَدَّمَها" (٢). وقال عليٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه: فَضْلُ المَاشِى خَلْفَ الجِنازَةِ على المَاشِى قُدَّامَها، كَفَضْلِ المَكْتُوبَةِ على التَّطَوُّعِ، سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ ﷺ (٣). ولأنَّها مَتْبُوعَةٌ فيَجِبُ أن تُقَدَّمَ كالإِمامِ في الصلاةِ، ولهذا قال في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً" (٤). ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: رأيتُ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكرٍ، وعمرَ يَمْشُونَ أمامَ الجِنَازَةِ. رَوَاه

стр. 1519

أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٥). وعن أنَسٍ نَحْوُه، رَوَاه ابنُ مَاجَه (٦). وقال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وأبا بكرٍ، وعمرَ، كانوا يَمْشُونَ أمامَ الجِنازَةِ. وعن ابنِ عمرَ، قال: السُّنَّةُ في الجِنَازَةِ أن يَمْشِىَ أمَامَها. وقال أبو صالحٍ: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَمْشُونَ أمامَ الجِنازَةِ، لأنَّهم شُفَعَاءُ لهم، بِدَلِيلِ قَوْلِه ﷺ : "مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَبْلُغُونَ مائةً، كُلُّهُم يَشْفَعُونَ لَهُ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). وقال ﷺ : "مَا مِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ (٨) مُؤْمِنٍ، يَشْفَعُونَ لِمُؤْمِنٍ، إلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٩). ولهذا يقولونَ في الدُّعاءِ له: اللَّهُمَّ إنَّا جِئْنَاكَ شُفَعَاءَ له، فَشَفِّعْنَا فيه. والشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ المَشْفُوعَ له، وحَدِيثُ ابنِ مسعودٍ يَرْوِيه أبو ماجدٍ، وهو مَجْهُولٌ، قِيلَ لِيحيى: مَنْ أبو ماجِدٍ هذا؟ قال: طَائِرٌ طارَ. قال التِّرْمِذِيُّ: سمعتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يُضَعِّفُ هذا الحَدِيثَ. والحَدِيثُ الآخَرُ لم يَذْكُرْهُ أصْحابُ السُّنَنِ. وقالُوا: هو ضَعِفٌ. ثم نَحْمِلُه على مَن تَقَدَّمَها إلى مَوْضِعِ الصلاةِ أو الدَّفْنِ، ولم يَكُنْ معها. وقِياسُهم

стр. 1520

يَبْطُلُ بِسُنَّةِ الصُّبْحِ والظُّهْرِ، فإنَّها تَابِعَةٌ لهما، وتَتَقَدَّمُها في الوُجُودِ. فصل: ويُكْرَهُ الرُّكُوبُ في اتِّباعِ الجنائِزِ. قال ثَوْبانُ: خَرَجْنَا مع النَّبِيِّ ﷺ في جنازَةٍ، فرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فقال: "ألَّا تَسْتَحيُونَ؟ إنَّ مَلَائِكَةَ اللهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وأَنْتُمْ على ظُهُورِ الدَّوَابِّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١٠). فإن رَكِبَ في جِنازَةٍ فالسُّنَّةُ أن يكونَ خَلْفَها، قال الخطابِيُّ (١١) في الرَّاكِبِ: لا أعْلَمُهم اخْتَلَفُوا في أنَّه يكونُ خَلْفَها؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الجِنَازَةِ، والمَاشِى يَمْشِى خَلْفَها وأمَامَها، وعن يَمِينِها وعنْ يَسَارِها، قَرِيبًا مِنْهَا". رَوَاه أبو دَاوُدَ (١٢). ورَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَه، ولَفْظُه: "الرَّاكِبُ خَلْفَ الجِنَازَةِ، والمَاشِى حَيْثُ شَاءَ مِنْها، والطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ" (١٣). وقال: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ولأنَّ سَيْرَ الرَّاكِبِ أمَامَها يُؤْذِى المُشاةَ؛ لأنَّه مَوْضِعُ مَشْيِهِمْ على ما قَدَّمْنَاهُ. فأمَّا الرُّكُوبُ في الرُّجُوعِ منها فلا بَأْسَ به. قال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّبَعَ جِنَازَةَ ابنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا، ورَجَعَ على فَرَسٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٤). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

стр. 1521

فصل: ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عندَ الجِنَازَةِ؛ لِنَهْى النَّبِيِّ ﷺ أنْ تُتْبَعَ الجِنَازَةُ بِصَوْتٍ (١٥). قال ابنُ المُنْذِرِ: رَوَيْنا عن قَيْسِ بن عُبَادٍ، أنَّه قال: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عندَ ثلاثٍ؛ عندَ الجَنَائِزِ، وعندَ الذِّكْرِ، وعندَ القِتَالِ (١٦) وذَكَرَ الحسنُ، عن أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّهم كانوا يَسْتَحِبُّونَ خَفْضَ الصَّوْتِ عند ثلاثٍ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ (١٦). وكَرِهَ (١٧) سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بن جُبَيْر، والحسنُ، والنَّخَعِيُّ، وإمَامُنا، وإسحاقُ، قَوْلَ القَائِلِ خَلْفَ الجِنازَةِ: اسْتَغْفِرُوا له. وقال الأوْزَاعِيُّ: بِدْعَةٌ. وقال عَطَاءٌ: مُحْدَثَةٌ. وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ في مَرَضِه: إيَّاىَ وحَادِيهم، هذا الذي يَحْدُو لهم، يقولُ: اسْتَغْفِرُوا له، غَفَرَ اللهُ لكمْ. وقال فُضَيْلُ بن عَمْرٍو: بَيْنَا ابنُ عُمرَ في جِنَازَةٍ، إذْ سَمِعَ قائِلًا يقولُ: اسْتَغْفِرُوا له، غَفَرَ اللهُ لكم. فقال ابنُ عمرَ: لا غَفَرَ اللهُ لك. رَوَاهُما سَعِيدٌ. قال أحمدُ: ولا يَقُولُ خَلْفَ الجِنَازَةِ: سَلِّمْ رَحِمَكَ اللهُ. فإنَّها (١٨) بِدْعَةٌ. ولكن يقول: بِسْمِ اللَّه، وعلى مِلَّةِ رسول اللهِ ﷺ . ويَذْكُرُ اللهَ إذا تَنَاوَلَ السَّرِيرَ. فصل: ومَسُّ الجِنازَةِ بالأيْدِى والأكْمَامِ والمَنَادِيلِ مُحْدَثٌ مَكْرُوهٌ، ولا يُؤْمَنُ معه فَسَادُ المَيِّتِ، وقد مَنَعَ العُلَمَاءُ مَسَّ القَبْرِ، فَمَسُّ الجَسَدِ مع خَوْفِ الأذَى أوْلَى بالمَنْعِ. فصل: ويُكْرَهُ اتِّبَاعُ المَيِّتِ بِنَارٍ، قال ابنُ المُنْذِرِ: يَكْرَهُ ذلك كُلُّ مَن يُحْفَظُ

стр. 1522

عنه. رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وعبدِ اللهِ بن مُغَفَّلٍ، ومَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ، وأبى سَعِيدٍ، وعائشةَ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، أنَّهم وَصَّوْا أن لا يُتْبَعُوا بِنَارٍ. ورَوَى ابنُ مَاجَه (١٩)، أنَّ أبا موسى حين حَضَرَهُ المَوْتُ قال: لا تَتْبَعُونِى بمِجْمَرٍ. قالوا له: أوَسَمِعْتَ فيه شَيْئًا؟ قال: نعم، مِن رسولِ اللهِ ﷺ ، ورَوَى أبو دَاوُدَ (٢٠)، بإسْنَادِه، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تُتْبَعُ الجِنَازَةُ بِصَوْتٍ ولَا نَارٍ". فَإنْ دُفِنَ لَيْلًا فَاحْتَاجُوا إلَى ضَوْءٍ، فَلَا بَأْسَ بِه (٢١)، إنَّما كُرِهَتِ (٢٢) المَجَامِرُ فيها البَخُورُ. وفي حَدِيثٍ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا، فأُسْرِجَ له سِرَاجٌ (٢٣). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. فصل: ويُكْرَهُ اتِّبَاعُ النِّساءِ الجَنَائِزَ؛ لما رُوِىَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ قالت: نُهِينَا عن اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، ولم يُعْزَمْ عَلَيْنَا. مُتَّفَقٌ عليه (٢٤). وكَرِهَ ذلك ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وأبو أُمامَةَ، وعائشةُ، ومَسْرُوقٌ، والحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وإسْحاقُ. وَرُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ، فإذا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ، قال: "مَا يُجْلِسكُنَّ؟ "

стр. 1523

قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الجِنازَةَ. قال: "هَلْ تُغَسِّلْنَ؟ " قُلْنَ: لا. قال: "هَلْ تَحْمِلْنَ؟ " قُلْنَ: لا. قال: "هَلْ تُدْلِينَ فِي مَنْ يُدْلِى؟ " قُلْنَ: لا. قال: "فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ، غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٢٥). وَرُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِىَ فَاطِمَةَ، فقال: "مَا أَخرَجَكِ يَا فَاطِمَةُ من بَيْتِكِ؟ ". قالت: يا رسولَ اللَّه، أتَيْتُ أهْلَ هذا البَيْتِ، فَرَحَّمْتُ إليهم مَيِّتَهم، أو عَزَّيْتُهم به. قال لها رسولُ اللهِ ﷺ : "فَلَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُم الكُدَى؟ ". قالت: مَعَاذَ اللهِ، وقد سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فيها ما تَذْكُرُ. قال: "لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُم الكُدَى" (٢٦). فذكر تَشْدِيدًا. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٧). فصل: فإن كان مع الجِنَازَةِ مُنْكَرٌ يَرَاهُ أو يَسْمَعُه، فإن قَدَر على إنْكارِهِ وإزالَتِه، أزَالَه، وإن لم يَقْدِرْ على إزَالَتِه، ففيهِ وَجْهَانِ: أحَدُهما، يُنْكِرُه، ويَتْبَعُها، فَيَسْقُطُ فَرْضُه بالإِنْكارِ، ولا يَتْرُكُ حَقًّا لِبَاطِلٍ. والثانى، يَرْجِعُ؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى اسْتِمَاعِ مَحْظُورٍ وَرُؤْيَتِه، مع قُدْرَتِه على تَرْكِ ذلك. وأَصْلُ هذا في [الغُسْلِ، فإنَّ] (٢٨) فيه رِوَايَتَيْنِ، فيُخَرَّجُ في اتِّباعِها وَجْهَانِ. ٣٥٤ - مسألة؛ قال: (والتَّرْبِيعُ أنْ يُوضَعَ عَلَى الكَتِفِ اليُمْنَى إلَى الرِّجْلِ، ثُمَّ الْكَتِفِ اليُسْرَى إلى الرِّجْلِ) التَّرْبِيعُ هو الأخْذُ بجَوانِبِ السَّرِيرِ. الأرْبَعِ، وهو سُنَّةٌ في حَمْلِ الجِنازَةِ؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ: إذا تَبِعَ أَحَدُكُمْ جِنَازَةً، فَلْيَأْخُذْ بِجَوانِبِ السَّرِيرِ الأرْبَعِ، ثم لْيَتَطوَّعْ

стр. 1524

بعدُ أو لِيَذَرْ، فإنَّه مِن السُّنَّةِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، في "سُنَنِه" (١). وهذا يَقْتَضِى سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ . وصِفَةُ التَّرْبِيعِ المَسْنُونِ أن يَبْدَأَ فَيَضَعَ قائِمَةَ السَّرِيرِ اليُسْرَى على كَتِفِه اليُمْنَى (٢)، مِن عند رَأْسِ المَيِّتِ، ثم يَضَعَ القَائِمَةَ اليُسْرَى من عند الرَّجْلِ على الكَتِفِ اليُمْنَى أيضًا (٣)، ثم يَعُود إلى القائِمَةِ اليُمْنَى مِن عند رَأْسِ المَيِّتِ فَيَضَعَها على كَتِفِه اليُسْرَى، ثم يَنْتَقِلَ إلى اليُمْنَى مِن عند رِجْلَيْهِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ. وعن أحمدَ، ﵀، أنَّه يَدُورُ عليها، فَيأْخُذُ بعدَ يَاسِرَةِ المُؤَخِّرَةِ يامِنَةَ المُؤَخِّرَةِ ثم المُقَدِّمَةَ. وهو مذهبُ إسحاقَ. وَرُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، وأيُّوبَ. ولأنَّه أَخَفُّ. وَوَجْهُ الأوَّل، أنَّه أحَدُ الجَانِبَيْنِ، فَيَنْبَغِى أن يَبْدَأَ فيه بِمُقَدَّمِهِ كالأوَّل. فأمَّا الحَمْلُ بين العَمْودَيْنِ، فقال ابنُ المُنْذِرِ: رَوَيْنا عن عُثمانَ، وسَعِيدِ (٤) بنِ مَالِكٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّهم حَمَلُوا بين عَمُودَىِ السَّرِيرِ. وقال به الشَّافعِيُّ، وأحمدُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ، والحسنُ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الصَّحابَةَ، رَحْمَةُ اللهِ عليهم، قد فَعَلُوهُ، وفيهم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وقال مالِكٌ: ليس في حَمْلِ المَيِّتِ تَوْقِيتٌ، يَحْمِلُ مِن حيثُ شاءَ. ونَحْوَه قال الأوْزاعِيُّ. واتِّباعُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم، فيما فَعَلُوهُ وقالُوه (٥)، أحْسَنُ وأوْلَى. فصل: إذا مَرَّتْ به جِنازَةٌ لم يُسْتَحَبَّ له القِيامُ لها؛ لقولِ عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه: قامَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم قَعَدَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). وقال إسحاقُ: معنى قول

стр. 1525

علىٍّ يقول: كان النَّبِيُّ ﷺ إذا رَأَى جِنَازَةً قَامَ، ثم تَرَكَ ذلك بعدُ. قال أحمدُ: إن قامَ لم أعِبْهُ، وإن قَعَدَ فلا بَأْسَ. وذَكَرَ ابنُ أبي موسى، والقاضى، أنَّ القِيَامَ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذَا رَأَى أَحَدُكُم الجِنَازَةَ فَلْيَقُمْ حين يَرَاهَا، حَتَّى تَخْلُفَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). وقد ذَكَرْنَا: أنَّ آخِرَ الأمْرَيْنِ مِن رسولِ اللهِ ﷺ تَرْكُ القِيَامِ لها، والأخْذُ بالآخِرِ من أمْرِهِ أوْلَى، فقد رُوِىَ في حَدِيثٍ، أنَّ يَهُودِيًّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ قَامَ لِلْجِنَازَةِ، فقال: يا محمدُ: هكذا نَصْنَعُ. فَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ القِيامَ لها (٨). فصل: ومَن يَتَّبِعُ الجِنازَةَ اسْتُحِبَّ له أنْ لا يَجْلِسَ حتى تُوضَعَ، مِمَّنْ رَأَى أن لا يَجْلِسَ حتى تُوضَعَ عن أعْناقِ الرِّجَالِ الحسنُ بنُ عليٍّ، وابنُ عمرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، وابنُ الزُّبَيرِ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وإسحاقُ. وَوَجْهُ ذلك ما رَوَى مُسْلِمٌ (٩)، بإسْنَادِه عن أبي سَعِيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا اتَّبَعْتُمُ الجِنَازَةَ فلا تَجْلِسُوا حتى تُوضَعَ". ورَأى الشَّافِعِيُّ أنَّ هذا مَنْسُوخٌ

стр. 1526

بِحَدِيثِ عليٍّ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ قولَ عليٍّ [مُحْتَمِلٌ لما] (١٠) ذَكَرَهُ إسحاقُ، والسَّبَبَ الذي ذَكَرْنَاهُ فيه، وليس في اللَّفْظِ عُمُومٌ، فيَعُمُّ الأمْرَيْنِ جميعا، فلم يَجُزِ النَّسْخُ بِأمْرٍ مُحْتَمِلٍ، ولأنَّ قولَ عليٍّ: قامَ رسولُ اللهِ ﷺ ثم قَعَدَ. يَدُلُّ على ابْتِدَاءِ فِعْلِ القِيَامِ، وها هُنا إنَّما وُجِدَتْ منه الاسْتِدَامَةُ. إذا ثَبَتَ هذا، فأظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ أنَّه أُرِيدَ بالوَضْعِ وَضْعُها عن أعْناقِ الرِّجَالِ، وهو قولُ مَن ذَكَرْنَا مِن قَبْلُ. وقد رَوَى الثَّوْرِيُّ الحَدِيثَ: "إذا اتَّبَعْتُمُ الجِنَازَةَ فلا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ بالأَرْضِ". ورَوَاه أبو مُعَاوِيَةَ: "حَتَّى تُوضَعَ في اللَّحْدِ". وحَدِيثُ سُفْيَانَ أصَحُّ. فأمَّا من تَقَدَّمَ الجِنَازَةَ فلا بَأْسَ أن يَجْلِسَ قبلَ أن تَنْتَهِىَ إليه. قال التِّرْمِذِيُّ (١١): رُوِىَ عن بعضِ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهم كانوا يَتَقَدَّمُونَ الجِنَازَةَ، فيَجْلِسُونَ قبلَ أن تَنْتَهِىَ إليهم، فإذا جَاءَتِ الجِنَازَةُ لم يَقُومُوا لها. لما تَقَدَّمَ. ٣٥٥ - مسألة؛ قال: (وأَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَنْ أَوْصَى لَهُ أنْ يُصَلِّىَ عَلَيْهِ) . هذا مذهبُ أنَسٍ، وزيدِ بنِ أرْقَمَ، وأبي بَرْزَةَ، وسَعِيدِ بن زيدٍ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وابنِ سِيرِينَ (١). وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: الْوَلِيُّ أحَقُّ؛ لأنَّها وِلَايَةٌ تَتَرَتَّبُ بِتَرَتُّبِ العَصَباتِ، فَالوَلِيُّ فيها أوْلَى، كوِلايَةِ النِّكاحِ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، رُوِىَ أنَّ أبا بكرٍ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه عمرُ. قالَه أحمدُ. قال: وعمرُ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه صُهَيْبٌ. وأُمُّ سَلَمَةَ أوْصَتْ أنْ

стр. 1527

يُصَلِّىَ عليها سَعِيدُ بن زيدٍ، وأبو بَكْرَةَ أوْصَى أن يُصَلِّيَ عليه [أبو بَرْزَةَ. وقال غيرُه: عائشةُ أوْصَتْ أن يُصَلِّىَ عليها أبو هُرَيْرَةَ، وابنُ مسعودٍ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه] (٢) الزُّبَيْرُ، ويُونُسُ بنُ جُبَيْرٍ (٣) أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه أنَسُ بن مالِكٍ، وأبو سَرِيحةَ (٤) أَوْصَى أن يُصَلِّى عليه زَيْدُ بن أرْقَمَ، فجاءَ عَمْرُو بنُ حريثٍ، وهو أَمِيرُ الكُوفَة لِيَتَقَدَّمَ فَيُصَلِّىَ عليه، فقال ابنُه: أيُّها الأمِيرُ إنَّ أبى أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه زيدُ بنُ أرْقَمَ، فقَدَّمَ زيدًا. وهذه قَضَايَا انْتَشَرَتْ، فلم يَظْهَرْ لها مُخَالِفٌ، فكان إجْمَاعًا، ولأنَّه حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فإنَّها شَفَاعَةٌ له، فتُقَدَّمُ وَصِيَّتُه فيها كَتَفْرِيقِ ثُلُثِه، ووِلَايَةُ النِّكَاحِ يُقَدَّمُ فيها الوَصِيُّ أيضًا، فهى (٥) كمَسْألَتِنَا، وإن سُلِّمَتْ فليستْ حَقًّا له، إنَّما هي حَقٌّ للمُوَلَّى عليه، ثم الفَرْقُ بينهما أنَّ الأمِيرَ يُقَدَّمُ في الصلاةِ، بِخِلافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ، ولأنَّ الغَرَضَ في الصلاةِ الدُّعاءُ والشَّفاعَةُ إلى اللهِ ، فالمَيِّتُ يَخْتارُ لذلك مَن هو أظْهَر صَلاحًا، وأقْرَبُ إجابَةً في الظَّاهِرِ، بِخِلافِ وِلايَةِ النِّكاحِ. فصل: فإن كان الوَصِيُّ (٦) فَاسِقًا، أو مُبْتَدِعًا، لم تُقْبَلِ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ المُوصِىَ جَهِلَ الشَّرْعَ، فرَدَدْنا وَصِيَّتَهُ، كما لو كان الوَصِيُّ ذِمِّيًّا. فإن كان الأقْرَبَ إليه كذلك لم يُقَدَّمْ، وصَلَّى غيرُه، كما يُمْنَعُ من التَّقْدِيمِ في الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ. ٣٥٦ - مسألة؛ قال: (ثم الأمِيرُ) أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ تَقْدِيمَ الأمِيرِ على الأقارِبِ في الصلاةِ على المَيِّتِ. وقال

стр. 1528

الشَّافِعِيُّ، في أَحَدِ قَوْلَيْه: يُقَدَّمُ الوَلِيُّ، قِيَاسًا على تَقْدِيمِه في النِّكَاحِ، بِجَامِعِ اعْتِبَار تَرْتِيبِ العَصَبَاتِ. وهو خِلَافُ قولِ النبيِّ ﷺ : "لَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ" (١). وحَكَى أبو حَازِمٍ، قال: شَهِدْتُ حُسَيْنًا حين ماتَ الحَسَنُ، وهو يَدْفَعُ في قَفَا سَعِيدِ بن العَاصِ، ويقول: تَقَدَّمْ، لولا السُّنَّةُ ما قَدَّمْتُكَ (٢). وسَعِيدٌ أمِيرُ المَدِينَةِ. وهذا يَقْتَضِى سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ . ورَوَى الإِمامُ أحمدُ، بإسْنَادِه عن عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِى هَاشِمٍ، قال: شَهِدْتُ جِنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ بنت عليٍّ وزيدِ بن عمرَ، فَصَلَّ ى عليها سَعِيدُ بن الْعَاصِ، وكان أمِيرَ المَدِينَةِ، وخَلْفَه يَوْمَئِذٍ ثَمَانُونَ مِن أصْحابِ محمدٍ ﷺ ، فيهم ابنُ عمرَ، والحسنُ، والحسينُ. وسَمَّى في مَوْضِعٍ آخَرَ زيدَ بن ثَابتٍ، وأبا هُرَيْرَةَ. وقال عليٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: الإِمَامُ أحَقُّ مَنْ صَلَّى على الجِنَازَةِ (٣). وعن ابنِ مسعودٍ نحوُ ذلك. وهذا اشْتَهَرَ فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها صَلَاةٌ شُرِعَتْ فيها الجَماعَةُ، فكان الإِمامُ أحَقَّ بالإِمامةِ فيها كسائِرِ الصَّلَوَاتِ، وقد كان النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّى على الجَنَائِزِ، مع حُضُورِ أقَارِبِها، والخُلَفَاءُ بعدَه، ولم يُنْقَلْ إلينا أنَّهم اسْتَأْذَنُوا أوْلِياءَ المَيِّتِ في التَّقَدُّمِ عليها. فصل: والأمِيرُ ها هُنا الإِمامُ، فإن لم يكنْ فالأمِيرُ مِن قِبَلِه، فإن لم يكنْ فَالنَّائِبُ من قِبَلِه في الإِمامَةِ، فإنَّ الحُسينَ قَدَّمَ سَعِيدَ بنَ الْعَاصِ، وإنَّما كان أمِيرًا مِن قِبَلِ مُعَاوِيَةَ، فإن لم يكنْ فالحاكِمُ. ٣٥٧ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ الْأَبُ وَإنْ عَلَا، ثُمَّ الابْنُ وإنْ سَفَلَ، ثُمَّ أَقْرَبُ العَصَبَةِ) . الصَّحِيحُ في المذهبِ ما ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، في أنَّ أوْلَى النَّاسِ بعدَ الأمِيرِ الأبُ، ثم

стр. 1529

الجَدُّ أبو الأبِ وإن عَلَا، ثم الابنُ، ثم ابْنُه وإن نَزَلَ، ثم الأخُ الذي هو عَصَبَةٌ، ثم ابْنُه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ من العَصَبَاتِ. وقال أبو بكرٍ: إذا اجْتَمَعَ جَدٌّ وأخٌ، ففيه قَوْلَانِ. وحُكِىَ عن مالِكٍ أنَّ الابْنَ أحَقُّ من الأبِ؛ لأنَّه أقْوَى تَعْصِيبًا منه، بِدَلِيلِ الإِرْثِ، والأخَ أَوْلَى من الجَدِّ؛ لأنَّه يُدْلِى بالبُنُوَّةِ والجَدُّ يُدْلِى بالأُبُوَّةِ. ولَنا، أنَّهما اسْتَوَيَا في الإِدْلَاءِ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يُدْلِى بِنَفْسِه، والأبُ أرَقُّ (١) وأشْفَقُ، ودُعَاؤْه لابْنِه أقْرَبُ إلى الإِجابَةِ، فكان أوْلَى، كالقَرِيبِ مع البَعِيد، إذْ كان المَقْصُودُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، والشَّفاعَةَ له، بِخِلافِ المِيرَاثِ. فصل: وإن اجْتَمَعَ زَوْجُ المَرْأَةِ وعَصبَتُها، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَقْدِيمُ العَصَباتِ، وهو أكْثَرُ الرِّوَاياتِ عن أحمدَ، وقولُ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ، وبُكَيْرِ ابن الأشَجِّ، ومذهبُ أبي حنيفةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِيُّ، إلَّا أن أبا حنيفةَ يُقَدِّمُ زَوْجَ المَرْأَةِ على ابْنِها منه. وَرُوِىَ عن أحمدَ تَقْدِيمُ الزَّوْجِ على العَصَباتِ؛ لأنَّ أبا بَكْرةَ صَلَّى على امْرَأَتِه، ولم يَسْتَأْذِنْ إخْوَتَها. وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، وعَطاءٍ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ، وإسْحاقَ، ولأنَّه أحَقُّ بالغُسْلِ، فكان أَحَقَّ بالصَّلاةِ، كمَحَلِّ الوِفَاق. ولَنا، أنَّه يُرْوَى عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال لأهْلِ امْرَأتِه: أنْتُم أحَقُّ بها (٢). ولأنَّ الزَّوْجَ قد زَالَتْ زَوْجِيَّتُه بالمَوْتِ، فصَارَ أجْنَبِيًّا، والقَرَابَةُ لم تَزُلْ، فعلى هذه الرِّوَايَةِ، إنْ لم يَكُنْ لها عَصَبَاتٌ، فالزَّوْجُ أوْلَى؛ لأنَّ له سَبَبًا وشَفَقَةً، فكان أوْلَى من الأجْنَبِيِّ. فصل: فإن اجْتَمَعَ أخٌ من الأبوَيْنِ، وأخٌ من أبٍ، ففى تَقْدِيمِ الأخِ من الأبَوَيْنِ، أو التَّسْوِيَةِ، وَجْهَانِ، أخْذًا من الرِّوَايَتَيْنِ في وِلَايَةِ النِّكَاحِ، والحُكْمُ في

стр. 1530

أوْلادِهما، وفى الأعْمامِ وأوْلَادِهِم، كالحُكْمِ فيهما سَواءٌ. فإن انْقَرَضَ العَصَبَةُ من النَّسَبِ فالْمَوْلَى الْمُنعِم، ثم أقْرَبُ عَصَبَاتِه، ثم الرِّجالُ (٣) من ذَوِى أرْحَامِه، الأقْربُ فالأقْرَبُ، ثم الأجانِبُ. فصل: فإن اسْتَوَى وَلِيَّانِ في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، فأوْلاهُما أحَقُّهُما بالإِمامَةِ في المَكْتُوباتِ؛ لِعُمُومِ قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَؤُمُ القَوْمَ أَقرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ" (٤). قال القاضي: ويَحْتَمِلُ أن يُقَدَّمَ له الأسَنُّ؛ لأنَّه أَقْرَبُ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ، وأعْظَمُ عندَ اللهِ قَدْرًا. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِيِّ. والأوَّلُ أوْلَى، وفَضِيلَةُ السِّنِّ مُعارَضةٌ بِفَضِيلَةِ العِلْمِ، وقد رَجَّحَها الشَّارِعُ في سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، مع أنَّه يُقْصَدُ فيها إجابَةُ الدُّعاء، والحظُّ لِلْمَأْمُومِينَ، وقد رُوِىَ عنه ﵇، أنَّه قال: "أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ" (٥). ولا نُسَلِّمُ أنَّ الأسَنَّ الجاهِلَ أَعْظَمُ قَدْرًا من العَالِمِ، ولا أقْرَبُ إجابَةً، فإن اسْتَوَوْا وتَشَاحُّوا، أُقْرِعَ بَيْنَهم، كما في سائِرِ الصَّلَوَاتِ. فصل: ومَن قَدَّمَهُ الوَلِيُّ فهو بِمَنْزِلَتِه؛ لأنَّها وِلَايَةٌ تَثْبُتُ له، فكانتْ له الاسْتِنَابةُ فيها، ويُقَدَّمُ نائبُه فيها على غيرِه، كوِلايَةَ النِّكَاحِ. فصل: والحَرُّ البَعِيدُ أوْلَى من العَبْدِ القَرِيبِ؛ لأنَّ العَبْدَ لا وِلايَةَ له، ولهذا لا يَلِى في النِّكاحِ ولا المالِ. فإن اجْتَمَعَ صَبِيٌّ ومَمْلُوكٌ ونِساءٌ، فالمَمْلُوكُ أوْلَى؛ لأنَّه تَصِحُّ إمامَتُه بهما. فإنْ لم يكنْ إلَّا نِسَاءٌ وصِبْيَانٌ، فقِياسُ المذهبِ أنَّه لا يَصِحُّ أنْ يَؤُمَّ أحَدُ الجِنْسَيْنِ الآخَرَ، ويُصَلِّى كلُّ نَوْعٍ لأنْفُسِهم وإمَامُهم منهم، ويُصَلِّى النِّسَاءُ جَمَاعَةً إمَامَتُهنَّ في وَسَطِهنَّ. نَصَّ عليه أحمدُ، وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِيُّ:

стр. 1531

يُصَلِّينَ مُفْرَدَاتٍ، لا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا، وإن صَلَّيْنَ جَماعَةً جازَ. ولَنا، أنَّهُنَّ مِن أهْلِ الجماعةِ، فيُصَلِّينَ جَمَاعَةً كالرِّجالِ، وما ذَكَرُوهُ مِن كَوْنِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، لا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا، تَحَكُّمٌ لا يُصارُ إليه إلَّا بِنَصٍّ أو إجْماعٍ، وقد صَلَّى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ على سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). فصل: فإن اجْتَمَعَ جَنائِزُ، فتَشَاحَّ أوْلِيَاؤُهم في مَن يَتَقَدَّمُ لِلصَّلاةِ عليهم، قُدِّمَ أوْلَاهم بالإِمامَةِ في الفَرائِضِ. وقال القاضي: يُقَدَّمُ السَّابِقُ، يعني مَن سبَق مَيِّتُه. ولَنا، أنَّهم تَساوَوْا فأشْبَهوا الأوْلِيَاءَ إذا تَساوَوْا في الدَّرَجَةِ، مع قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ". وإن أرَادَ وَلِىُّ كُلِّ مَيِّتٍ إفْرَادَ مَيِّتِه بِصَلَاةٍ جازَ. ٣٥٨ - مسألة؛ قال: (والصَّلَاةُ عَلَيْهِ، يُكَبِّرُ، ويَقْرَأُ الحَمْدَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ سُنَّةَ التَّكْبِيرِ على الجِنازَةِ أرْبَعٌ، ولا تُسَنُّ الزِّيادَةُ عليها، ولا يجوزُ النَّقْصُ منها، فيُكَبِّرُ الأُولَى، ثم يَسْتَعِيذُ، ويَقْرَأُ الحَمْدَ، ويَبْدَؤُهَا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ولا يُسَنُّ الاسْتِفْتَاحُ. قال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ يُسْأَلُ عن الرَّجُلِ يَسْتَفْتِحُ الصلاةَ على الجِنازَةِ بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ؟ قال: ما سَمِعْتُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: كان الثَّوْرِيُّ يَسْتَحِبُّ أن يَسْتَفْتِحَ في صلاةِ الجِنازَةِ، ولم نَجِدْهُ في كُتُبِ سائِرِ أهْلِ العِلْمِ، وقد رُوِىَ عن أحمدَ مثلُ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ الاسْتِعاذَةَ فيها مَشْرُوعَةٌ، فَسُنَّ فيها الاسْتِفْتَاحُ، كسائِرِ الصَّلَوَاتِ. ولَنا، أنَّ صلاةَ الجِنازَةِ شُرِعَ فيها التَّخْفِيفُ، ولهذا لا يُقْرَأُ فيها بعدَ الفَاتِحَةِ بشىءٍ، وليس فيها رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ، والتَّعَوُّذُ سُنَّةٌ لِلْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا في الصلاةِ وغيرِها؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). إذا ثَبَتَ

стр. 1532

هذا فإنَّ قِرَاءَةَ الفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ في صلاةِ الجِنازَةِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ. وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ. وقال الثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ (٢)، وأبو حنيفةَ: لا يَقْرَأُ فيها بشيءٍ من القُرْآنِ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ قال: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُوَقِّتْ فيها قَوْلًا ولا قِرَاءَةً. ولأنَّ ما لا رُكُوعَ فيه لا قِرَاءَةَ فيه، كسُجُودِ التِّلَاوَةِ. ولَنا، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ صَلَّى على جِنَازَةٍ فقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتابِ، فقال: إنَّه مِن السُّنَّةِ. أو: مِن تَمَامِ السُّنَّةِ. قال التِّرْمِذِيُّ (٣): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَوَى ابنُ مَاجَه (٤)، بإسْنَادِهِ عن أُمِّ شَرِيكٍ، قالت: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَقْرَأَ على الجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. ورَوَى الشَّافِعِيُّ، في "مُسْنَدِهِ" (٥)، بإسْنَادِهِ عن جَابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ على الجِنَازَةِ أرْبَعًا، وقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ بعدَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى. ثم هو دَاخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِه ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ" (٦). ولأنَّها صَلَاةٌ يَجِبُ فيها القِيَامُ، فوَجَبَتْ فيها القِرَاءَةُ، كسائِرِ الصَّلَوَاتِ، وإنْ صَحَّ ما رَوَوْهُ عن ابنِ مسعودٍ فإِنَّما قال: لم يُوَقِّتْ. أي لم يُقَدِّرْ، ولا يَدُلُّ هذا على نَفْىِ أصْلِ القِرَاءَةِ، وقد رَوَى ابنُ المُنْذِرِ عنه، أنَّه قَرَأَ على جِنازَةٍ بِفاتِحَةِ الكِتابِ. ثم لا يُعارِضُ ما رَوَيْنَاهُ؛ لأنَّه نَفْيٌ يُقَدَّمُ عليه الإِثْباتُ، ويُفَارِقُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ، فإنَّه لا قِيامَ فيه، والقِرَاءَةُ إنَّما مَحَلُّهَا القِيَامُ.

стр. 1533

فصل: ويُسِرُّ القِرَاءَةَ والدُّعاءَ في صلاةِ الجِنازَةِ. لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ فيه خِلافًا، ولا يَقْرَأُ بعدَ أُمِّ القُرْآنِ شَيئًا. وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه جَهَرَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ (٧). قال أحمدُ: إنَّما جَهَرَ لِيُعَلِّمَهم. ٣٥٩ - مسألة؛ قال: (ويُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ، ويُصَلِّى علَى النَّبِيِّ ﷺ ، كَمَا يُصَلِّى عَلَيْهِ في التَّشَهُّدِ) هكذا وَصَفَ أحمدُ الصلاةَ على المَيِّتِ، كما ذَكَرَ الْخِرَقِيُّ، وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ. وَرُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه صَلَّى على جِنَازَةٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّر، ثم قَرَأَ وجَهَرَ، وصَلَّى على النَّبِيِّ ﷺ ، ثم دَعَا لِصَاحِبِهَا فأحْسَنَ، ثم انْصَرَفَ، وقال: هكذا يَنْبَغِى أن تكونَ الصَّلَاةُ على الجِنَازَةِ (١). وروَى الشَّافِعِيُّ، في "مُسْنَدِهِ" (٢) عن أبي أُمَامَةَ بن سَهْلٍ، أنَّه أخْبَرَهُ رَجُلٌ من أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّ السُّنَّةَ في الصَّلَاةِ على الجِنَازَةِ، أن يُكَبِّرَ الإِمَامُ، ثم يَقْرَأَ بفَاتِحَةِ الكِتَابِ بعد التَّكْبِيرَةِ الأُولَى، يَقْرَأُ في نَفْسِه، ثم يُصَلِّىَ على النَّبِيِّ ﷺ وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْجِنَازَةِ (٣) في التَّكْبِيرَاتِ، لا يَقْرَأُ في شَىْءٍ مِنْهُنَّ، ثم يُسَلِّمَ سِرًّا في نَفْسِه. وصِفَةُ الصَّلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ ، كصِفَةِ الصلاةِ عليه في التَّشَهُّدِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمَّا سَألُوهُ: كَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ؟ عَلَّمَهم ذلك. وإن أَتَى بها على غيرِ ما ذُكِرَ في التَّشَهُّدِ، فلا بَأْسَ؛ لأنَّ القَصْدَ مُطْلَقُ الصلاةِ. قال القاضي، يقول: اللَّهُمَّ صَلِّ على مَلَائِكَتِكَ المُقَرَّبِينَ، وأنْبِيَائِكَ المُرْسَلِينَ وأهْلِ طَاعَتِكَ أجْمَعِينَ، مِن أهْلِ السَّموَاتِ وأَهْلِ الأرَضِينَ، إنَّكَ على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. لأنَّ أحمدَ قال، في رِوَايَةِ عبدِ اللهِ: يُصَلِّى

стр. 1534

على النَّبِيِّ ﷺ ، ويُصَلِّى على المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ. ٣٦٠ - مسألة؛ قال: (ويُكَبِّرُ الثَّالِثَةَ، ويَدْعُو لِنفْسِه ولِوَالِدَيْه ولِلْمُسْلِمِينَ، ويَدْعُو لِلْمَيِّتِ) وإن أحَبَّ أن يقولَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا ومَيِّتِنَا، وشَاهِدِنَا وغَائِبِنَا، وصَغِيرِنَا وكَبِيرِنَا، وذَكَرِنَا وأُنْثَانَا، إنَّك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا ومَثْوَانَا، إنَّك على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ مَن أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فأحْيِهِ على الإِسلامِ، ومَن تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا (١) فَتَوَفَّهُ على الإِيمانِ، اللَّهُمَّ إنَّه عَبْدُكَ وابْنُ أَمَتِكَ، نَزَلَ بِكَ وأنتَ خَيْرُ مُنْزَلٍ بِهِ، ولا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، اللَّهُمَّ إنْ كان مُحْسِنًا فَجَازِهِ بإحْسَانِه (٢)، وإنْ كان مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عنه، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَه. والوَاجِبُ أدْنَى دُعَاءٍ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ فأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣). وهذا يَحْصُلُ بأدْنَى دُعَاءٍ، ولأنَّ المَقْصُودَ الشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّتِ، والدُّعَاءُ له، فيَجِبُ أقَلُّ ذلك. ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ لِنَفْسِه ولِوَالِدَيْهِ ولِلْمُسْلِمِينَ. قال أحمدُ: وليس على المَيِّتِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ. والذي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ حَسَنٌ، يَجْمَعُ ذلك، وقد رُوِىَ أكْثَرُه في الحَدِيثِ، فمِنْ ذلك، ما رَوَى أبو إبراهيمَ الأشْهَلِيُّ، عن أبِيهِ، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا صَلَّى على الجِنَازَةِ، قال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا ومَيِّتِنَا، وشَاهِدِنَا وغَائِبِنَا، وصَغِيرِنَا وكَبِيرِنَا، وذَكَرِنَا وأُنْثَانَا". قال التِّرْمِذِيُّ (٤): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

стр. 1535

صَحِيحٌ. ورَوَى أبو دَاوُدَ (٥)، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ حَدِيثِ أبى إبراهيمَ، وزَادَ: "اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ على الإِيمَانِ، ومَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، ولا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ". وفي حَدِيثٍ آخَرَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا، وأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وأنْتَ هَدَيْتَهَا لِلإِسْلَامِ، وأَنْتَ قَبَضْتَهَا، وأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وعَلَانِيَتِها، جِئْنَا شُفَعَاءَ، فَاغْفِرْ له". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٦). ورَوَى مُسْلِمٌ (٧)، بإسْنَادِه عن عَوْفِ بنِ مالكٍ، قال: صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ على جِنَازَةٍ، فحَفِظْتُ من دُعَائِه، وهو يقولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وأكْرِمْ نُزُلَهُ، وأَوْسِعْ مَدْخَلَهُ، واغْسِلْهُ بالماءِ والثَّلْجِ والبَرَدِ، ونَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أهْلِه، وزَوْجًا خَيْرًا مِن زَوْجِه، وأَعِذْهُ مِن عَذَابِ القَبْرِ، ومِنْ عَذَابِ النَّارِ". حتى تَمَنَّيْتُ أنْ أكُونَ ذلك المَيِّتَ. فصل: زَادَ أبو الخَطَّابِ على ما ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ: اللَّهُمَّ جِئْنَاكَ شُفَعَاءَ لَهُ، فَشَفِّعْنَا فيه، وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ، وعَذَابَ النَّارِ، وأَكْرِمْ مثْوَاهُ، وأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِن دَارِهِ، وجِوَارًا خَيْرًا مِنْ جِوَارِهِ، وَافْعَلْ بنا ذلك وبِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ. وزَادَ ابنُ

стр. 1536

أبى مُوسى: الحَمْدُ لِلهِ الذي أَمَاتَ وأَحْيَا، الحَمْدُ لِلهِ الذي يُحْيى المَوْتَى، له العَظَمَةُ والكِبْرِيَاءُ، والمُلْكُ والقُدْرَةُ والثَّنَاءُ، وهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُكَ، ابنُ عَبْدِكَ، ابنُ أَمَتِكَ، أَنْتَ خَلَقْتَه ورَزَقْتَهُ، وأنْتَ أَمَتَّهُ وأنت تُحْيِيهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ سِرَّهُ، جِئْنَاكَ شُفَعَاءَ له فَشَفِّعْنَا فيه، اللَّهُمَّ إنا نَسْتَجِيرُ بِحَبْلِ جِوَارِكَ لَه، إنَّكَ ذُو وَفَاءٍ وذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ وَقِهِ مِنْ فِتْنَة القَبْرِ، ومِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بإحْسَانِه، وإنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عنه، اللَّهُمَّ قد نَزَلَ بك وأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ به، فَقِيرًا إلى رَحْمَتِكَ، وأنتَ غَنِيٌّ عن عَذابِهِ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عندَ المَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ، ولا تَبْتَلِهِ في قَبْرِهِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ. فصل: وقوله: "لا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا". إنَّما يَقُولُه لمن لَمْ يَعْلَمْ منه شَرًّا، لِئلَّا يكونَ كَاذِبًا. [وقد رَوَى] (٨) القاضى حَدِيثًا، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ، عن أبِيهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُم الصلاةَ على المَيِّتِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَحْيَائِنَا وأَمْوَاتِنَا، وصَغِيرِنَا وكَبِيرِنَا، وشَاهِدِنَا وغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ إنَّ عَبْدَكَ وابنَ عَبْدِكَ نَزَلَ بِفِنَائِكَ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، ولا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا". فقلتُ، وأنا أصْغَرُ الجَمَاعَةِ: يا رسولَ اللهِ، وإن لم أعْلَمْ خَيْرًا؟ قال: "لا تَقُلْ إلَّا ما تَعْلَمُ" (٩). وإنَّما شُرِعَ هذا لِلْخَبَرِ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمَّا أُثْنِىَ عِنْدَه على جِنَازَةٍ بِخَيْرٍ، فقال: "وَجَبَتْ". وأُثْنِىَ على أُخْرَى بِشَرٍّ، فقال: "وَجَبَتْ". ثم قال: "إنَّ بَعْضَكُم عَلَى بَعْضٍ شَهِيدٌ (١٠) ". رَوَاه أبو دَاوُدَ، [مُتَّفَقٌ عليه] (١١). وفي حَدِيثٍ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه

стр. 1537

قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، يَشْهَدُ لَهُ اثْنَانِ مِنْ جِيرَانِهِ الأَدْنِينَ بخَيْرٍ، إلَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَدْ قَبِلْتُ شَهَادَةَ عِبَادِى عَلَى ما عَلِمُوا، وغَفَرْتُ له مَا أَعْلَمُ". رَوَاه الإِمامُ أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (١٢). وفى لَفْظٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فيَقُومُ رَجُلَانِ مِنْ جِيرَانِه الأَدْنينَ، فيَقُوَلانِ: اللَّهُمَّ لا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا. إلَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى: قد قَبِلْتُ شَهَادَتَهُمَا لِعَبْدِى، وغَفَرْتُ لَهُ مَا لَا يَعْلَمَانِ". أخْرَجَه اللَّالَكَائِيُّ (١٣). فصل: وإن كان المَيِّتُ طِفْلًا، جَعَلَ مكانَ الاسْتِغْفَارِ له: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا (١٤) لِوَالِدَيْهِ، وذُخْرًا وسَلَفًا وأَجْرًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ به مَوَازِينَهُما، وأَعْظِمْ به أُجُورَهُمَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ في كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ، وأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِينَ، وأَجِرْهُ بِرَحْمَتِكَ من عَذَابِ الجَحِيمِ، وأبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا من دَارِه، وأهْلًا خَيْرًا من أهْلِه، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَسْلَافِنَا وأفْرَاطِنَا ومن سَبَقَنَا بالْإِيمَانِ. ونحوَ ذلك، وبأَيِّ شيءٍ دَعا ممَّا ذَكَرْنَا أو نَحْوَهُ أجْزَأَهُ، وليس فيه شَيءٌ مُوَقَّتٌ. ٣٦١ - مسألة؛ قال: (ويُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ، ويَقِفُ قَلِيلًا) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أنَّه لا يَدْعُو بعدَ الرَّابِعَةِ شيئًا. ونَقَلَهُ عن أحمدَ جَمَاعَةٌ مِن

стр. 1538

أصْحابِهِ. وقال: لا أعْلَمُ فيه شيئًا؛ لأنَّه لو كان فيه دُعاءٌ مَشْرُوعٌ لَنُقِلَ. وَرُوِىَ عن أحمدَ أنَّه يَدْعُو، ثم يُسَلِّمُ؛ لأنَّه قِيامٌ في صَلَاةٍ، فكان فيه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، كالذى قبلَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ. قال ابنُ أبي موسى، وأبو الخَطَّابِ: يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١). وقِيلَ يقولُ: اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، ولا تَفْتِنَّا بعدَه. وهذا الخِلافُ في اسْتِحْبَابِه، ولا خِلافَ في المذهبِ أنَّه غَيْرُ وَاجِبٍ، وأنَّ الوُقُوفَ بعد التَّكْبِيرِ قَلِيلًا مَشْرُوعٌ. وقد رَوَى الجُوزَجَانِيُّ، بإسْنَادِه عن زيدِ بنِ أرْقَمَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثم يقولُ ما شَاءَ اللهُ، ثم يَنْصَرِفُ (٢). قال الجُوزَجَانِيُّ: وكنت أَحْسَبُ أنَّ (٣) هذه الوَقْفَةَ لِيُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فإنَّ الإِمامَ إذا كَبَّرَ ثم سَلَّم، خِفْتُ أن يكونَ تَسْلِيمُه قبل أن يُكَبِّرَ آخِرُ (٣) الصُّفُوفِ، فإن كان هكذا فَاللهُ المُوَفِّقُ له، وإن كان غيرَ ذلك فإنِّى أَبْرَأُ إلى اللهِ مِن أنْ أَتَأَوَّلَ على رسولِ اللهِ ﷺ أمْرا لم يُرِدْهُ، أو أرَادَ خِلافَهُ. ٣٦٢ - مسألة؛ قال: (ويَرْفَعُ يَدَيْهِ في كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن المُصَلِّىَ على الجَنائِزِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ في أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ يُكَبِّرُهَا، وكان ابنُ عُمَرَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ في كُلِّ تَكْبِيرَةٍ. وبه قال سَالِمٌ، وعمرُ بن عبدِ العزيزِ، وعَطَاءٌ، وقَيْسُ بن أبي حَازِمٍ، والزُّهْرِيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ. وقال مَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا في الأُولَى؛ لأنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ مَقامُ رَكْعَةٍ، ولا تُرْفَعُ الأيْدِى في جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ في كُلِّ تَكْبِيرَةٍ (١).

стр. 1539

رَوَاه ابنُ أبي موسى. وعن ابنِ عمرَ، وأنَسٍ، أنَّهما كانا يَفْعَلَانِ ذلك. ولأنَّها تَكْبِيرَةٌ حَالَ الاسْتِقْرَارِ، أَشْبَهَتِ الأُولَى، وما ذَكَرُوهُ غيرُ مُسَلَّمٍ، فإذا رَفَعَ يَدَيْهِ فإنَّه يَحُطُّهما عندَ انْقِضَاءِ التَّكْبِيرِ، ويَضَعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، كما في بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ. وفيما رَوَى ابنُ أبي موسى، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى على جِنَازَةٍ، فَوَضَعَ يَمِينَهُ على شِمَالِهِ. (٢) ٣٦٣ - مسألة؛ قال: (ويُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عن يَمينِهِ) السُّنَّةُ أن يُسَلِّمَ على الجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً. قال أحمدُ (١) ﵀: التَّسْلِيمُ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، عن سِتَّةٍ من أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وليس فيه اخْتِلافٌ إلَّا عن إبراهيمَ. ورُوِىَ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عن عليٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وجَابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وأنَسِ بن مَالِكٍ، وابنِ أبي أوْفَى، وَوَاثِلَةَ بن الأسْقَع. وبه قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وأبو أُمَامَةَ ابن سَهْلٍ (٢)، والقَاسمُ بن محمدٍ، والحَارِثُ، وإبراهيمُ النَّخَعِيّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ، وابنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ الرحمنِ بن مَهْدِيٍّ، وإسحاقُ. وقال ابنُ المُبَارَكِ: مَن سَلَّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَتَيْنِ فهو جَاهِلٌ جَاهِلٌ. واخْتَارَ القاضي أنَّ المُسْتَحَبَّ تَسْلِيمَتَانِ، وتَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُ. وبه قال الشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، قِيَاسًا على سائرِ الصَّلَوَاتِ. ولَنا، ما رَوَى عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَّمَ على الجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً واحدةً (٣).

стр. 1540

رَوَاهُ الجُوزَجَانِيُّ بإسْنادِهِ. وأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنَا من الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخَالِفٌ. في عَصْرِهم، فكان إجْمَاعًا. قال أحمدُ: ليس فيه اخْتِلَافٌ إلَّا عن إبراهيمَ. قال الجُوزَجَانِيُّ: هذا عِنْدَنا لا اخْتِلافَ فيه؛ لأنَّ الاخْتِلافَ إنَّما يكونُ بين الأقْرَانِ والأشْكالِ، أما إذا أجْمَعَ (٤) النَّاسُ، واتَّفَقَتِ الرِّوايةُ عن الصَّحابةِ والتَّابِعِينَ، فشَذَّ عنهم رَجُلٌ، لم يُقَلْ لهذا اخْتِلَافٌ. واخْتِيَارُ القاضي في هذه المَسْألةِ مُخَالِفٌ لِقولِ إمامِه وأصْحابِه ولِإِجْماعِ (٥) الصَّحابةِ والتَّابِعِينَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُسَلِّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عن يَمِينِه، وإنْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فلا بَأْسَ. قال أحمدُ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً. وسُئِلَ يُسَلمُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ؟ قال: كُلُّ هذا، وأكْثَرُ ما رُوِىَ فيه عن يَمِينِه. قِيل: خُفْيَةً؟ قال: نعم. يَعْنِى (٦) أنَّ الكُلَّ جَائِزٌ، والتَّسْلِيمُ عن يَمِينِه أوْلَى، لأنَّه أكْثَرُ مَا رُوِىَ، وهو أشبَهُ بالتَّسْلِيمِ في سائرِ الصَّلَواتِ. قال أحمدُ، يقولُ: السلامُ عَليكم ورحمةُ اللهِ. ورَوَى عنه عليُّ بن سَعِيدٍ، أنَّه قال: إذا قال السلامُ عليكمْ. أجْزَأهُ. ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن عليِّ بن أبي طَالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى على يَزِيدَ بن المُكَفِّف، فَسَلَّمَ وَاحِدَةً عن يَمِينِه: السلامُ عليكم (٧). فصل: ورُوِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: إذا صَلَّيْتَ فلا (٨) تَبْرَحْ مُصَلَّاكَ حتى تُرْفَعَ. قال: ورأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ لا يَبْرَحُ مُصَلَّاهُ إذا صَلَّى على جِنَازَةٍ حتى يَرَاها على أيْدِى الرِّجَالِ. قال الأوْزَاعِيُّ: لا تُنْقَضُ الصُّفُوفُ حتى تُرْفَعَ الجِنَازَةُ.

стр. 1541

فصل: والوَاجِبُ في صلاةِ الجِنازةِ النِّيَّةُ، والتَّكْبِيرَاتُ، والقِيامُ، وقِرَاءَةُ الفاتِحَةِ، والصلاةُ على النَّبِيِّ ﷺ ، وأدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ، وتَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ. ويُشْتَرَطُ لها شَرَائطُ المَكْتُوبَةِ، إلَّا الوَقْتَ. وتَسْقُطُ بعضُ وَاجِباتِها عن المَسْبُوقِ، على ما سَنُبَيِّنُ، ولا يُجْزِئُ (٩) أن يُصَلِّىَ على الجِنازةِ (١٠) وهو رَاكِبٌ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ القِيامَ الوَاجِبَ، وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ. ولا أعْلمُ فيه خِلافًا. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُصَفَّ في الصلاةِ على الجَنائِزِ ثَلَاثَهُ صُفُوفٍ؛ لما رُوِىَ عن مالكِ بنِ هُبَيْرَةَ، حِمْصِيٌّ وكانت له صُحْبَةٌ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ". قال: فكان مالكُ بنُ هُبَيْرَةَ إذا اسْتقْبَلَ (١١) أهْلَ الجِنَازَةِ جَزَأهُمْ ثلاثةَ أجْزاءٍ. رَوَاهُ الخَلَّالُ بإسْنَادِهِ. وقال التِّرْمِذِيُّ (١٢): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. قال أحمدُ: أُحِبُّ إذا كان فيهم قِلَّةٌ أن يَجْعَلَهم ثلاثةَ صُفُوفٍ. قالوا: فإن كان وَرَاءَه أرْبعَةٌ كيف يَجْعَلُهُمْ؟ قال: يَجْعَلُهُمْ صَفَّيْنِ، في كُلِّ صَفٍّ رَجُلَيْنِ. وكَرِهَ أن يَكُونُوا ثلاثةً فيَكُونُ في (١٣) صَفٍّ رَجُلٌ وَاحِدٌ. وذكر ابنُ عَقِيلٍ أنَّ عَطَاءَ بنَ أبي رَباحٍ رَوَى، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى على جِنَازَةٍ، فكانُوا سَبْعَةً، فجَعَلَ الصَّفَّ الأوَّلَ ثلاثةً، والثَّانِىَ اثْنَيْنِ، والثَّالِثَ وَاحِدًا. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويُعَايَى (١٤) بها، فيقال: أين تَجِدُونَ فَذًّا انْفِرَادُهُ أفْضَلُ؟ ولا أحْسَبُ هذا الحَدِيثَ صَحِيحًا،

стр. 1542

فإنِّى لم أَرَهُ في غيرِ كتابِ ابنِ عَقِيلٍ، وأحمدُ قد صارَ إلى خِلافِه، وكَرِهَ أن يكون الواحِدُ صَفًّا، ولو عَلِمَ أحمدُ في هذا حَدِيثًا لم يَعْدُه إلى غيرِه. والصَّحِيحُ في هذا أنْ يَجْعَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ صَفًّا. فصل: ويُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصَّفِّ في الصلاةِ على الجِنَازَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقيل لِعَطاءٍ: أُخِذَ (١٥) على النَّاسِ أن يُصَفُّوا على الجِنَازَةِ كما يُصَفُّونَ في الصلاةِ؟ قال: لا، قَوْمٌ يَدْعُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ. ولم يُعْجِبْ أحمدَ قولُ عَطاءٍ هذا. وقال: يُسَوُّونَ صُفُوفَهم، فإنَّها صَلَاةٌ. ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَعَى النَّجَاشِيَّ في اليومِ الذي ماتَ فيه، وخَرَجَ إلى المُصَلَّى، فَصَفَّ بهم، وكَبَّرَ أرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عليه (١٦). وَرُوِىَ عن أبي المَلِيحِ (١٧) أنَّه صَلَّى على جِنَازَةٍ، فالْتَفَتَ، فقال: اسْتَوُوا، لِتَحْسُنَ (١٨) شَفاعتُكم. فصل: ولا بَأْسَ بالصلاةِ على المَيِّتِ في المسجِدِ إذا لم يُخَفْ تَلْوِيثُه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، ودَاوُدُ. وكَرِهَ ذلك مالِكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ صَلَّى على جِنَازَةٍ في المَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ".

стр. 1543

من "المُسْنَدِ" (١٩). ولَنا، ما رَوَى مُسْلِمٌ (٢٠) وغيرُه، عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: ما صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ على سُهَيْلِ بنِ بَيْضَاءَ إلَّا في المَسْجِدِ. وقال سَعِيدٌ: حَدَّثنا مالِكٌ، عن سالِمٍ أبي النَّضْرِ، قال: لمَّا مات سعدُ بنُ أبى وَقَّاصٍ، قالت عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: مُرُّوا به عَلَيَّ حتى أدْعُوَ له. فأنْكَرَ النَّاسُ ذلك، فقالتْ: ما أسْرَعَ ما نَسِىَ النَّاسُ؟ ما صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ على سُهَيْلِ بن بَيْضَاءَ إلَّا في المَسْجِدِ (٢٠). وقال: حدَّثنا [عبدُ العَزِيزِ بن محمدٍ، عن هِشَامٍ ابن (٢١) عُرْوَةَ، عن أبِيهِ، قال: صُلِّىَ على أبي بكرٍ في المَسْجِدِ (٢٢). وقال: حدَّثنا] (٢٣) مالِكٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: صُلِّىَ على عمرَ في المَسْجِدِ (٢٤). وهذا كان بِمَحْضَرٍ من الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها صَلَاةٌ فلم يُمْنَعْ منها [في المسجدِ] (٢٥) كسائِرِ الصَّلَواتِ، وحَدِيثُهم يَرْوِيهِ صالحٌ مَوْلَى التَّوْأمَة. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: مِن أهْلِ العِلْمِ من لا يَقْبَلُ

стр. 1544

من حَدِيثِه شيئًا لِضَعْفِه، لأنَّه اخْتَلَطَ، ومنهم مَن يَقْبَلُ منه ما رَوَاهُ عن ابْنِ أبي ذِئْبٍ خَاصَّةً، ثم يُحْمَلُ على مَن خِيفَ عليه الانْفِجَارُ، وتَلْوِيثُ المَسجدِ. فصل: فأمَّا الصلاةُ على الجِنَازَةِ في المَقْبَرَةِ، [فعن أحمدَ فيها (٢٦) رِوَايتانِ. إحْداهُما: لا بَأْسَ بها؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى على قَبْرٍ وهو في المَقْبَرَةِ] (٢٧). قال ابنُ المُنْذِرِ: ذَكَرَ نَافِعٌ أنَّه صُلِّىَ على عائشةَ وأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ قُبُورِ البَقِيعِ. صَلَّى على عائشةَ أبو هُرَيْرَةَ، وحَضَرَ ذلك ابنُ عمرَ (٢٨). وَفَعَلَ ذلك عمرُ بن عبدِ العزِيزِ. والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ ذلك. ورُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وابنِ الْعَاصِ، وابنِ عَبَّاسٍ، وبه قال عَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَالْأَرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ إلَّا المَقْبَرَةَ والحَمَّامَ" (٢٩). ولأنَّه ليس بِمَوْضِعٍ لِلصَّلَاةِ غير صَلَاةِ الجِنَازَةِ فكُرِهَتْ فيه [صلاةُ الجِنَازَةِ] (٣٠)، كالحَمَّامِ. ٣٦٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ مُتَتَابِعًا، فإنْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ ولَمْ يَقْضِ، فَلَا بَأْسَ) . وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَسْبُوقَ ببعضِ (١) الصلاةِ في الجِنازَةِ يُسَنُّ له قَضاءُ ما فاتَهُ منها. ومِمَّنْ قال: يَقْضِى ما فَاتَهُ، سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطَاءٌ، والنَّخَعِيُّ،

стр. 1545

والزُّهْرِيُّ، وابنُ سِيرِينَ، وقَتَادَةُ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. فإنْ سَلَّمَ قبلَ القَضاءِ فلا بَأْسَ. هذا قولُ ابنِ عمرَ، والحسنِ، وأيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، قالوا: لا يَقْضِى ما فاتَ مِن تَكْبِيرَةِ الجنَازَةِ. قال أحمدُ: إذا لم يَقْضِ لم يُبَالِ. العُمَرِيُّ عن نَافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه لا يَقْضِى (٢). وإن كَبَّرَ مُتَتَابِعًا فلا بَأْسَ. كذلك قال إبراهيمُ. وقال أيضًا: يُبَادِرُ بالتَّكْبِيرِ قبلَ أن يَرْفَعَ. وقال أبو الخَطَّابِ: إن سَلَّمَ قبلَ أن يَقْضِيَهُ فهل (٣) تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُما: لا تَصِحُّ. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشَّافِعِيِّ؛ لقولِه ﵇: "مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، ومَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (٤). وفى لفْظٍ: "فَاقْضُوا". وقِيَاسًا على سائرِ الصَّلَوَاتِ. ولَنا، قولُ ابنِ عمرَ، ولم يُعْرَفْ له في الصَّحابةِ مُخَالِفٌ، وقد رُوِىَ عن عائشةَ أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُصَلِّى على الجِنازَةِ، ويَخْفَى عَلَى بعضُ التَّكْبِيرِ؟ قال: "مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِى، ومَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ" (٥). وهذا صَرِيحٌ، ولأنَّها تَكْبِيرَاتٌ مُتَوَالِيَاتٌ حالَ القِيَامِ، فلم يَجِبْ قَضَاءُ ما فَاتَهُ منها، كَتكْبِيرَاتِ العِيدِ، وحَدِيثُهم وَرَدَ في الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، بِدَلِيلِ قَوْلِه في صَدْرِ الحَدِيثِ: "وَلَا تَأْتُوهَا وأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ". ورُوِىَ أنَّه سَعَىَ في جِنَازَةِ سَعْدٍ حتى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن مَنْكِبَيْهِ، فَعُلِمَ أنَّه لم يُرَدْ بالحَدِيثِ هذه الصلاةُ. ثم الحَدِيثُ الذي رَويْنَاهُ أخَصُّ منه، فيَجِبُ تَقْدِيمُه. والقِياسُ على سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَقْضِى في شيءٍ من الصَّلَوَاتِ التَّكْبِيرَ المُنْفَرِدَ، ثم يَبْطُلُ بِتَكْبِيرَاتِ العِيدِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه مَتَى قَضَى أتَى بالتَّكْبِيرِ مُتَوَالِيًا، لا
следующие страницы →