← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فصل: والوَاجِبُ في صلاةِ الجِنازةِ النِّيَّةُ، والتَّكْبِيرَاتُ، والقِيامُ، وقِرَاءَةُ الفاتِحَةِ، والصلاةُ على النَّبِيِّ ﷺ ، وأدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ، وتَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ. ويُشْتَرَطُ لها شَرَائطُ المَكْتُوبَةِ، إلَّا الوَقْتَ. وتَسْقُطُ بعضُ وَاجِباتِها عن المَسْبُوقِ، على ما سَنُبَيِّنُ، ولا يُجْزِئُ (٩) أن يُصَلِّىَ على الجِنازةِ (١٠) وهو رَاكِبٌ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ القِيامَ الوَاجِبَ، وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ. ولا أعْلمُ فيه خِلافًا. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُصَفَّ في الصلاةِ على الجَنائِزِ ثَلَاثَهُ صُفُوفٍ؛ لما رُوِىَ عن مالكِ بنِ هُبَيْرَةَ، حِمْصِيٌّ وكانت له صُحْبَةٌ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ". قال: فكان مالكُ بنُ هُبَيْرَةَ إذا اسْتقْبَلَ (١١) أهْلَ الجِنَازَةِ جَزَأهُمْ ثلاثةَ أجْزاءٍ. رَوَاهُ الخَلَّالُ بإسْنَادِهِ. وقال التِّرْمِذِيُّ (١٢): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. قال أحمدُ: أُحِبُّ إذا كان فيهم قِلَّةٌ أن يَجْعَلَهم ثلاثةَ صُفُوفٍ. قالوا: فإن كان وَرَاءَه أرْبعَةٌ كيف يَجْعَلُهُمْ؟ قال: يَجْعَلُهُمْ صَفَّيْنِ، في كُلِّ صَفٍّ رَجُلَيْنِ. وكَرِهَ أن يَكُونُوا ثلاثةً فيَكُونُ في (١٣) صَفٍّ رَجُلٌ وَاحِدٌ. وذكر ابنُ عَقِيلٍ أنَّ عَطَاءَ بنَ أبي رَباحٍ رَوَى، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى على جِنَازَةٍ، فكانُوا سَبْعَةً، فجَعَلَ الصَّفَّ الأوَّلَ ثلاثةً، والثَّانِىَ اثْنَيْنِ، والثَّالِثَ وَاحِدًا. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويُعَايَى (١٤) بها، فيقال: أين تَجِدُونَ فَذًّا انْفِرَادُهُ أفْضَلُ؟ ولا أحْسَبُ هذا الحَدِيثَ صَحِيحًا،

стр. 1542

فإنِّى لم أَرَهُ في غيرِ كتابِ ابنِ عَقِيلٍ، وأحمدُ قد صارَ إلى خِلافِه، وكَرِهَ أن يكون الواحِدُ صَفًّا، ولو عَلِمَ أحمدُ في هذا حَدِيثًا لم يَعْدُه إلى غيرِه. والصَّحِيحُ في هذا أنْ يَجْعَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ صَفًّا. فصل: ويُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصَّفِّ في الصلاةِ على الجِنَازَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقيل لِعَطاءٍ: أُخِذَ (١٥) على النَّاسِ أن يُصَفُّوا على الجِنَازَةِ كما يُصَفُّونَ في الصلاةِ؟ قال: لا، قَوْمٌ يَدْعُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ. ولم يُعْجِبْ أحمدَ قولُ عَطاءٍ هذا. وقال: يُسَوُّونَ صُفُوفَهم، فإنَّها صَلَاةٌ. ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَعَى النَّجَاشِيَّ في اليومِ الذي ماتَ فيه، وخَرَجَ إلى المُصَلَّى، فَصَفَّ بهم، وكَبَّرَ أرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عليه (١٦). وَرُوِىَ عن أبي المَلِيحِ (١٧) أنَّه صَلَّى على جِنَازَةٍ، فالْتَفَتَ، فقال: اسْتَوُوا، لِتَحْسُنَ (١٨) شَفاعتُكم. فصل: ولا بَأْسَ بالصلاةِ على المَيِّتِ في المسجِدِ إذا لم يُخَفْ تَلْوِيثُه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، ودَاوُدُ. وكَرِهَ ذلك مالِكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ صَلَّى على جِنَازَةٍ في المَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ".

стр. 1543

من "المُسْنَدِ" (١٩). ولَنا، ما رَوَى مُسْلِمٌ (٢٠) وغيرُه، عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: ما صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ على سُهَيْلِ بنِ بَيْضَاءَ إلَّا في المَسْجِدِ. وقال سَعِيدٌ: حَدَّثنا مالِكٌ، عن سالِمٍ أبي النَّضْرِ، قال: لمَّا مات سعدُ بنُ أبى وَقَّاصٍ، قالت عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: مُرُّوا به عَلَيَّ حتى أدْعُوَ له. فأنْكَرَ النَّاسُ ذلك، فقالتْ: ما أسْرَعَ ما نَسِىَ النَّاسُ؟ ما صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ على سُهَيْلِ بن بَيْضَاءَ إلَّا في المَسْجِدِ (٢٠). وقال: حدَّثنا [عبدُ العَزِيزِ بن محمدٍ، عن هِشَامٍ ابن (٢١) عُرْوَةَ، عن أبِيهِ، قال: صُلِّىَ على أبي بكرٍ في المَسْجِدِ (٢٢). وقال: حدَّثنا] (٢٣) مالِكٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: صُلِّىَ على عمرَ في المَسْجِدِ (٢٤). وهذا كان بِمَحْضَرٍ من الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها صَلَاةٌ فلم يُمْنَعْ منها [في المسجدِ] (٢٥) كسائِرِ الصَّلَواتِ، وحَدِيثُهم يَرْوِيهِ صالحٌ مَوْلَى التَّوْأمَة. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: مِن أهْلِ العِلْمِ من لا يَقْبَلُ

стр. 1544

من حَدِيثِه شيئًا لِضَعْفِه، لأنَّه اخْتَلَطَ، ومنهم مَن يَقْبَلُ منه ما رَوَاهُ عن ابْنِ أبي ذِئْبٍ خَاصَّةً، ثم يُحْمَلُ على مَن خِيفَ عليه الانْفِجَارُ، وتَلْوِيثُ المَسجدِ. فصل: فأمَّا الصلاةُ على الجِنَازَةِ في المَقْبَرَةِ، [فعن أحمدَ فيها (٢٦) رِوَايتانِ. إحْداهُما: لا بَأْسَ بها؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى على قَبْرٍ وهو في المَقْبَرَةِ] (٢٧). قال ابنُ المُنْذِرِ: ذَكَرَ نَافِعٌ أنَّه صُلِّىَ على عائشةَ وأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ قُبُورِ البَقِيعِ. صَلَّى على عائشةَ أبو هُرَيْرَةَ، وحَضَرَ ذلك ابنُ عمرَ (٢٨). وَفَعَلَ ذلك عمرُ بن عبدِ العزِيزِ. والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ ذلك. ورُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وابنِ الْعَاصِ، وابنِ عَبَّاسٍ، وبه قال عَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَالْأَرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ إلَّا المَقْبَرَةَ والحَمَّامَ" (٢٩). ولأنَّه ليس بِمَوْضِعٍ لِلصَّلَاةِ غير صَلَاةِ الجِنَازَةِ فكُرِهَتْ فيه [صلاةُ الجِنَازَةِ] (٣٠)، كالحَمَّامِ. ٣٦٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ مُتَتَابِعًا، فإنْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ ولَمْ يَقْضِ، فَلَا بَأْسَ) . وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَسْبُوقَ ببعضِ (١) الصلاةِ في الجِنازَةِ يُسَنُّ له قَضاءُ ما فاتَهُ منها. ومِمَّنْ قال: يَقْضِى ما فَاتَهُ، سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطَاءٌ، والنَّخَعِيُّ،

стр. 1545

والزُّهْرِيُّ، وابنُ سِيرِينَ، وقَتَادَةُ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. فإنْ سَلَّمَ قبلَ القَضاءِ فلا بَأْسَ. هذا قولُ ابنِ عمرَ، والحسنِ، وأيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، قالوا: لا يَقْضِى ما فاتَ مِن تَكْبِيرَةِ الجنَازَةِ. قال أحمدُ: إذا لم يَقْضِ لم يُبَالِ. العُمَرِيُّ عن نَافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه لا يَقْضِى (٢). وإن كَبَّرَ مُتَتَابِعًا فلا بَأْسَ. كذلك قال إبراهيمُ. وقال أيضًا: يُبَادِرُ بالتَّكْبِيرِ قبلَ أن يَرْفَعَ. وقال أبو الخَطَّابِ: إن سَلَّمَ قبلَ أن يَقْضِيَهُ فهل (٣) تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُما: لا تَصِحُّ. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشَّافِعِيِّ؛ لقولِه ﵇: "مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، ومَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (٤). وفى لفْظٍ: "فَاقْضُوا". وقِيَاسًا على سائرِ الصَّلَوَاتِ. ولَنا، قولُ ابنِ عمرَ، ولم يُعْرَفْ له في الصَّحابةِ مُخَالِفٌ، وقد رُوِىَ عن عائشةَ أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُصَلِّى على الجِنازَةِ، ويَخْفَى عَلَى بعضُ التَّكْبِيرِ؟ قال: "مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِى، ومَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ" (٥). وهذا صَرِيحٌ، ولأنَّها تَكْبِيرَاتٌ مُتَوَالِيَاتٌ حالَ القِيَامِ، فلم يَجِبْ قَضَاءُ ما فَاتَهُ منها، كَتكْبِيرَاتِ العِيدِ، وحَدِيثُهم وَرَدَ في الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، بِدَلِيلِ قَوْلِه في صَدْرِ الحَدِيثِ: "وَلَا تَأْتُوهَا وأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ". ورُوِىَ أنَّه سَعَىَ في جِنَازَةِ سَعْدٍ حتى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن مَنْكِبَيْهِ، فَعُلِمَ أنَّه لم يُرَدْ بالحَدِيثِ هذه الصلاةُ. ثم الحَدِيثُ الذي رَويْنَاهُ أخَصُّ منه، فيَجِبُ تَقْدِيمُه. والقِياسُ على سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَقْضِى في شيءٍ من الصَّلَوَاتِ التَّكْبِيرَ المُنْفَرِدَ، ثم يَبْطُلُ بِتَكْبِيرَاتِ العِيدِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه مَتَى قَضَى أتَى بالتَّكْبِيرِ مُتَوَالِيًا، لا

стр. 1546

ذِكْرَ معه. كذلك قال أحمدُ، وحَكاهُ عن إبراهيمَ، قال: يُبَادِرُ بالتَّكْبِيرِ مُتَتَابِعًا، وإن لم يَرْفَعْ قَضَى ما فاتَهُ، وإذا أدْرَكَ الإِمامَ في الدُّعَاءِ على المَيِّتِ تَابَعَهُ فيه، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ كَبَّرَ، وقَرَأ الفاتِحَةَ، [ثم كَبَّرَ] (٦) وصَلَّى على النَّبِيِّ ﷺ ، وكبَّرَ وسَلَّمَ. وقال الشَّافِعِىُّ: مَتَى دَخَلَ المَسْبُوقُ في الصلاةِ ابْتَدَأ الفَاتِحَةَ، ثم أتَى بالصلاةِ في الثانيةِ. وَوَجْهُ الأوَّل أنَّ المَسْبُوقَ في سائِرِ الصَّلَوَاتِ يَقْرأُ فيما يَقْضِيهِ الفَاتِحَةَ وسُورَةً، على صِفَةِ ما فَاتَهُ، فَيَنْبَغِى أن يَأْتِىَ ها هُنا بالقِرَاءَةِ على صِفَةِ ما فَاتَهُ. واللهُ أعلمُ. فصل (٧): وإذا أدْرَكَ الإِمامَ فيما بين تَكْبِيرَتَيْنِ. فعن أحمدَ أنَّه يَنْتَظِرُ الإِمامَ حتى يُكَبِّرَ معه. وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ التَّكْبِيرَاتِ كالرَّكَعَاتِ، ثم لو فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ لم يَتَشَاغَلْ بِقَضائِها، وكذلك إذا فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةٌ. والثانيةُ، يُكَبِّرُ ولا يَنْتَظِرْ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه في سائرِ الصَّلَوَاتِ متى أدْرَكَ الإِمامَ كَبَّرَ معه، ولم يَنْتَظِرْ، وليس هذا اشْتِغَالًا بِقَضاءِ ما فَاتَهُ، وإنَّما يُصَلِّى معه ما أدْرَكَهُ، فيُجْزِئُه، كالذى عَقِيبَ تَكْبِيرِ الإِمامِ، أو يَتَأخَّرُ عن ذلك قَلِيلًا. وعن مالِكٍ كالرِّوَايَتَيْنِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: سَهَّلَ أحمدُ في القَولَيْنِ جَمِيعًا. ومتى أدْرَكَ الإِمامَ في التَّكْبِيرَةِ الأُولَى فكَبَّرَ، وشَرَعَ في القِرَاءَةِ، ثم كَبَّرَ الإِمامُ قبلَ أن يُتِمَّها، فإنَّه يُكَبِّرُ، ويُتَابِعُه، ويَقْطَعُ القِرَاءَةَ كالمَسْبُوقِ في بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، إذا رَكَعَ الإِمامُ قبل إتْمَامِ القِرَاءَةِ. ٣٦٥ - مسألة؛ قال: (ويُدْخَلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ إنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ) الضَّمِيرُ في قَوْلِه "رِجْلَيْهِ" يَعُودُ إلى القَبْرِ، أي من عند مَوْضِعِ الرِّجْلَيْنِ. وذلك أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُوضَعَ رَأْسُ المَيِّتِ عند رِجْلِ القَبْرِ، ثم يُسَلُّ سَلًّا إلى القَبْرِ.

стр. 1547

رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، وعبدِ اللهِ بن يَزِيدَ الأنْصارِيّ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، والشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: تُوضَعُ الجِنَازَةُ على جَانِبِ القَبْرِ، ممَّا يَلِى القِبْلَةَ، ثم يُدْخَلُ القَبْرَ مُعْتَرِضًا؛ لأنَّه يُرْوَى عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، ولأنَّ النَّخَعِىَّ قال: حَدَّثَنى مَن رَأَى أهْلَ المَدِينَةِ في الزَّمَنِ الأوَّل يُدْخِلُونَ مَوْتَاهُمْ مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، وأنَّ السَّلَّ شيءٌ أحْدَثَهُ أهْلُ المَدِينَةِ. ولَنا، ما رَوَى الإِمامُ أحمدُ، بإسْنَادِه عن عبدِ اللَّه بن يَزِيدَ الأنْصَارِىِّ، أنَّ الحارِثَ أوْصَى أن يَلِيَهُ عندَ مَوْتِه، فَصَلَّ ى عليه، ثم دَخَلَ القَبْرَ، فأدْخَلَهُ من رِجْلَىِ القَبْرِ، وقال: هذا السُّنَّةُ (١). وهذا يَقْتَضِى سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ . ورَوَى ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، أن النبيَّ ﷺ سُلَّ من قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا (٢). وما ذُكِرَ عن النَّخَعِىِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مَذْهَبَهُ بِخِلافِه، ولأنَّه لا يجوزُ على العَدَدِ الكَثِيرِ أن يُغَيِّرُوا سُنَّةً ظَاهِرَةً في الدَّفْنِ إلَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، أو سُلْطَانٍ قَاهِرٍ. قال (٣): ولم يُنْقَلْ من ذلك شيءٌ، ولو ثَبَتَ فَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ مُقَدَّمَةٌ على فِعْلِ أهْلِ المَدِينَةِ. وإنْ كان الأسْهَلُ عليهم أخْذَهُ مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، أو مِن رَأْسِ القَبْرِ، فلا حَرَجَ فيه؛ لأنَّ اسْتِحْبَابَ أَخْذِه من رِجْلَىِ القَبْرِ، إنَّما كان طَلبًا لِلسُّهُولَةِ عليهم، والرِّفْقِ [به، فإذا] (٤) كان الأسْهَلُ غَيْرَهُ كان مُسْتَحَبًّا. قال أحمدُ، ﵀: كُلٌّ لا بَأْسَ به. فصل: قال أحمدُ، ﵀: يُعَمَّقُ القَبْرُ إلى الصَّدْرِ، الرَّجُلُ والمَرْأَةُ في ذلك سَواءٌ. كان الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبَّانِ أن يُعَمَّقَ القَبْرُ إلى الصَّدْرِ. وقال

стр. 1548

سَعِيدٌ: حدَّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ، عن عَمْرِو بن مُهَاجِرٍ، أنَّ عمرَ بن عَبْدِ العزيزِ لمَّا ماتَ ابْنُهُ، أَمَرَهُمْ أن يَحْفِرُوِا قَبْرَهُ إلى السُّرَّةِ، ولا يُعَمِّقُوا، فإنَّ ما على ظَهْرِ الأرْضِ أفْضَلُ ممَّا سَفَلَ منها. وذكَرَ أبو الخَطَّاب أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُعَمَّقَ قَدْرَ قَامَةٍ وبَسْطَةً. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "احْفِرُوا، وأَوْسِعُوا، وَأَعْمِقُوا". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٥). ولأنَّ ابنَ عمرَ أوْصَى بذلك في قَبْرِه، ولأنَّه أحْرَى أن لا تَنَالَهُ السِّبَاعُ، وأبْعَدُ على مَن يَنْبُشُهُ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّ المُسْتَحَبَّ تَعْمِيقُه إلى الصَّدْر؛ لأنَّ التَّعْمِيقَ قَدْرَ قَامَةٍ وبَسْطَة يَشُقُّ، ويَخْرُجُ عن العَادَةِ. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَعْمِقُوا" ليس فيه بَيَانٌ لِقَدْرِ التَّعمِيقِ، ولم يَصِحَّ عن ابنِ عمرَ أنَّه أوْصَى (٦) بذلك في قَبْرِه، ولو صَحَّ عند أبى عبدِ اللهِ لم يَعْدُهُ إلى غيرِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُه وتَعْمِيقُه وتَوْسِيعُه؛ لِلْخَبَرِ، وقد رَوَى زيدُ بنُ أسْلَمَ، قال: وَقَفَ رسولُ اللهِ ﷺ على قَبْرٍ، فقال: "اصْنَعُوا كَذَا، اصْنَعُوا كذا"، ثم قال: "مَا بِى أنْ يَكُونَ يُغْنِى عَنْهُ شَيْئًا، ولكِنَّ اللهَ يُحِبُّ إذَا عمِلَ العَمَل أن يُحكمَ". قال مَعْمَر: وبَلَغَنِى أنَّه قال: "ولَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِأَنْفُسِ أَهْلِهِ". رَوَاهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، في كتابِ الجَنَائِزِ (٧). فصل: والسُّنَّةُ أن يُلْحَدَ قَبْرُ المَيِّتِ، كما صُنِعَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ . قال سعدُ بن أبى وَقَّاصٍ: الْحَدُوا لي لَحْدًا، وانْصِبُوا عَلَىَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كما صُنِعَ بِرسولِ اللهِ ﷺ . رَوَاه مُسْلِمٌ (٨). ومَعْنَى اللَّحْد، أنَّه إذا بَلَغَ أرْضَ القَبْرِ حَفرَ فيه ممَّا يَلِى

стр. 1549

القِبْلَةَ مَكَانًا يُوضَعُ المَيِّتُ فيه، فإن كانتِ الأرْضُ رُخْوَةً جَعَلَ له من الحِجَارَةِ شِبْهَ اللَّحْدِ. قال أحمدُ: ولا أُحِبُّ الشَّقَّ؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "اللَّحْدُ لَنَا، والشَّقُّ لِغيْرِنَا". رَوَاه أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ، والترْمِذِيُّ (٩). وقال: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. فإن لم يُمكنِ اللَّحْدُ شُقَّ له في الأرْضِ، ومَعْنَى الشَّقِّ أن يَحْفِرَ في أرْضِ القَبْرِ شَقًّا يَضَعُ المَيِّتَ فيه، ويَسْقُفُه عليه بِشىءٍ. ويَضَعُ المَيِّتَ في اللَّحْدِ على جَنْبِه الأيْمَنِ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ بِوَجْهِه، ويَضَعُ تَحْتَ رَأْسِه لَبنَةً، أو حَجَرًا، أو شَيْئًا مُرْتَفِعًا، كما يَصْنَعُ الحَىُّ. وقد رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: إذا جَعَلْتُمُونِى في اللَّحْدِ فأَفْضُوا بِخَدِّى إلى الأرْضِ. ويُدْنَى من الحائِطِ لئلَّا يَنْكَبَّ على وَجْهِهِ، ويُسْنَدُ مِن وَرَائِه بِتُرَابٍ، لئلَّا يَنْقَلِبَ. قال أحمدُ، ﵀: ما أُحِبُّ أن يُجْعَلَ في القَبْرِ مَضْرَبَةٌ (١٠)، ولا مِخَدَّةٌ. وقد جُعِلَ في قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ (١١)، فإنْ جَعَلُوا قَطِيفَةً فلِعِلَّةٍ (١٢). فإذا فَرَغُوا نَصَبُوا (١٣) عليه اللَّبِنَ نَصْبًا. ويُسَدُّ خَلَلُه بالطِّينِ لئلَّا يَصِلَ إليه التُّرَابُ، وإن جَعَلَ مكان اللَّبِن

стр. 1550

قَصَبًا، فحَسَنٌ؛ لأنَّ الشَّعْبِىَّ قال: جُعِلَ على لَحْدِ النَّبِيِّ ﷺ طُنُّ (١٤) قَصَبٍ، فإنِّى رَأيْتُ المُهَاجِرِينَ يسْتَحِبُّون ذلك (١٥). قال الخَلَّالُ: كَان أبو عبدِ اللَّه يَمِيلُ إلى اللَّبنِ، ويَخْتَارُهُ على القَصَبِ، ثم تَرَكَ ذلك. ومالَ إلى اسْتِحْباب القَصَبِ على اللَّبِنِ، وأمَّا الخَشَبُ، فَكَرِهَهُ على كل حَالٍ. ورَخَّصَ فيه عند الضَّرُورَةِ إذا لم يُوجَدْ غيرُه، وأكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عن أبي عبدِ اللهِ اسْتِحْبَابُ اللَّبِنِ، وتَقْدِيمُه على القَصَبِ؛ لِقَوْلِ سعدٍ: انْصِبُوا عَلَىَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كما صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ . وقولُ سَعْدٍ أَوْلَى من قولِ الشَّعْبِىِّ، فإنَّ الشَّعْبِىَّ لم يَرَ، ولم يَحْضُرْ، وأيُّهما فَعَلَهُ كان حَسَنًا. قال حَنْبَلٌ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: فإن لم يكنْ لَبِنٌ؟ قال يُنْصَبُ عليه القَصَبُ والحَشِيشُ، وما أمْكَنَ مِن ذلك، ثم يُهَالُ عليه التُّرَابُ. فصلِ: رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه حَضَرَ جِنَازَةً، فلمَّا أُلْقِىَ عليها التُّرَابُ، قامَ إلى القَبْرِ، فحَثَى عليه ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثم رَجَعَ إلى مَكانِه. وقال: قد جاءَ عن عليٍّ وصَحَّ، أنَّه حَثَى على قَبْرِ ابنِ مُكَفّف. وَرُوِىَ عنه أنَّه قال: إن فَعَلَ فَحَسَنٌ، وإن لم يَفْعَلْ فلا بَأْسَ. ووَجْهُ اسْتِحْبَابِه ما رُوِىَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صَلَّى على جِنَازَةٍ، ثم أتَى قَبْرَ المَيِّتِ مِن قِبَلِ رَأْسِه، فَحَثَى عليه ثَلَاثًا. أخْرَجَهُ ابنُ مَاجَه (١٦). وعن عَامِرِ بن رَبِيعَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ [صَلَّى على عُثمانَ بن مَظْعُونٍ، فَكَبَّرَ عَليه أرْبَعًا، ثم أَتَى القَبْرَ، فَحَثَى] (١٧) عليه ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ وهو قائِمٌ عند رَأْسِهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (١٨). وعن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبِيهِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حَثَى على المَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا. أخْرَجَهُ الشَّافِعِىُّ، في "مُسْنَدِهِ" (١٩). وفَعَلَهُ

стр. 1551

علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه. وَرُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسِ، أنَّه لما دَفَنَ زيدَ بن ثَابِتٍ، حَثَى في قَبْرِهِ ثَلَاثًا، وقال: هكذا يَذْهَبُ العِلْمُ (٢٠). فصل: ويقولُ حِينَ يَضَعُهُ في قَبْرِهِ، ما رَوَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان إذا أُدْخِلَ المَيِّتُ القَبْرَ، قال: "بِسْمِ اللهِ، وعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ". ورُوِىَ "وعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ". قال التِّرْمِذِىُّ (٢١): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورَوَى ابنُ مَاجَه (٢٢)، عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: حَضَرْتُ ابنَ عمرَ في جِنَازَةٍ، فلما وَضَعَها في اللَّحْدِ، قال: بِسْمِ اللهِ، وفى سَبِيلِ اللهِ، وعلى [مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ. فلما أخَذَ في تَسْوِيَةِ اللَّبِنِ] (٢٣) على اللَّحْدِ، قال: اللَّهُمَّ أجِرْهَا من الشَّيْطَانِ، ومن عَذَابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ جَافِ الأرْضَ عن جَنْبَيْهَا، وصَعِّدْ رُوحَها، ولَقِّهَا منك رِضْوَانًا. قلتُ: يا ابْنَ عمرَ أشىءٌ سَمِعْتَهُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ ، أم قُلْتَه بِرأْيِكَ؟ قال: إنِّي إذًا لَقَادِرٌ على القَوْلِ! بل سَمِعْتُه مِن (٢٤) رسولِ اللهِ ﷺ . ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان إذا سُوّىَ على المَيِّتِ قال: اللَّهُمَّ أسْلَمَه إليك الأهْلُ والمالُ والعشِيرَةُ، وذَنْبُهُ عَظِيمٌ، فَاغْفِرْ له. رَوَاهُ ابنُ المُنْذِرِ (٢٥).

стр. 1552

فصل: إذا ماتَ في سَفِينَةٍ في البَحْرِ، فقال أحمدُ، ﵀: يُنْتَظَرُ به إن كانُوا يَرْجُونَ أن يَجِدُوا له مَوْضِعًا يَدْفِنُونَهُ فيه (٢٦)، حَبَسُوهُ يومًا أو يَوْمَيْنِ، ما لم يخافُوا عليه الفَسَادَ، فإن لم يَجِدُوا غُسِّلَ، وكُفِّنَ، وحُنِّطَ، ويُصَلَّى عليه، ويُثَقَّلُ بِشىءٍ، ويُلْقَى في الماءِ. وهذا قولُ عَطاءٍ، والحسنِ. قال الحسنُ: يُتْرَكُ في زَنْبِيلٍ (٢٧)، ويُلْقَى في البَحْرِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُرْبَطُ بين لَوْحَيْنِ؛ لِيَحْمِلَهُ البَحْرُ إلى السَّاحِلِ، فرُبَّما وَقَعَ إلى قَوْمٍ يَدْفِنُونَهُ، وإن ألْقَوْهُ في البَحْرِ لم يأْثَمُوا. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه يَحْصُلُ به السَّتْرُ المَقْصُودُ من دَفْنِه، وإلْقاؤُهُ بين لَوْحَيْنِ تَعْرِيضٌ له لِلتَّغَيُّرِ والهَتْكِ، ورُبَّما بَقِىَ على السَّاحِلِ مَهْتُوكًا عُرْيانًا، وَرُبَّما وَقَعَ إلى قَوْمٍ، من المُشْرِكِينَ، فكان ما ذَكَرْنَاهُ أوْلَى. ٣٦٦ - مسألة؛ قال: (والمَرْأَةُ يُخْمَرُ قَبْرُهَا بِثَوْبٍ) لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِ هذا بين أهْلِ العِلْمِ خِلافًا. وقد رَوَى ابنُ سِيرِينَ، أنَّ عمرَ كان يُغَطِّى قَبْرَ المَرْأةِ. وَرُوِىَ عن عليٍّ أنَّه مَرَّ بِقَوْمٍ قد دَفَنُوا مَيِّتًا، وبَسَطُوا على قَبْرِهِ الثَّوْبَ، فجذَبَهُ، وقال: إنَّما يُصْنَعُ هذا بالنِّساءِ (١). وشَهِدَ أنَسُ بن مالِكٍ دَفْنَ أبى زيدٍ الأنْصَارِىِّ، فخَمَرَ القَبْرَ بِثَوْبٍ، فقال عبدُ اللهِ بن أنَسٍ: ارْفَعُوا الثَّوْبَ، إنَّما يُخْمَرُ قبرُ (٢) النِّساءِ. وأنَسٌ شَاهِدٌ على شَفِيرِ القَبْرِ لا يُنْكِرُ. ولأنَّ المَرْأَةَ عَوْرَةٌ، ولا يُؤْمَنُ أن يَبْدُوَ منها شيءٌ، فيَراهُ الحاضِرُونَ. فإن كان المَيِّتُ رَجُلًا كُرِهَ سَتْرُ قَبْرِهِ. لما ذَكَرْنَا. وكَرِهَهُ عبدُ اللهِ بن يَزِيدَ، ولم يَكْرَهْهُ أصْحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ فِعْل عليٍّ رَضِىَ اللهُ عنه وأنَسٍ يَدُلُّ على كَراهَتِه، ولأنَّ

стр. 1553

كَشْفَهُ أمْكَنُ وأَبْعَدُ من التَّشَبُّهِ بالنِّساءِ، مع ما فيه من اتِّبَاعِ أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ . ٣٦٧ - مسألة؛ قال: (ويُدْخِلُهَا مَحْرَمُهَا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَالنِّسَاءُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَشَايِخُ) لا خِلَافَ بين أهْلِ العِلْمِ في أنَّ أوْلَى النَّاسِ بإِدْخالِ المَرْأَةِ قَبْرَها مَحْرَمُها، وهو مَن كان يَحِلُّ له النَّظَرُ إليها في حَياتِها، ولها السَّفَرُ معه، وقد رَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِهِ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قامَ عند مِنْبَرِ رسولِ اللهِ ﷺ حين تُوُفِّيَتْ زينبُ بنتُ جَحْشٍ، فقال: ألَا (١) إنِّي أرْسَلْتُ إلى النِّسْوَةِ مَن يُدْخِلُها قَبْرَها؟ فأرْسَلْنَ: مَن كان يَحِلُّ له الدُّخُولُ عليها في حَيَاتِها. فرأيْتُ أنْ قد صَدَقْنَ (٢). ولما تُوُفِّيَتِ امْرَأةُ عمرَ، قال لِأهْلِهَا: أنْتُمْ أحَقُّ بها (٣). ولأنَّ مَحْرَمَها أوْلَى النَّاسِ بِوِلايَتِها في الحياةِ، فكذلك بعدَ المَوْتِ. وظَاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الأقَارِبَ يُقَدَّمُونَ على الزَّوْجِ. قال الخَلَّالُ: اسْتَقامَتِ الرِّوَايَةُ عن أبي عبدِ اللَّه، أنَّه إذا حَضَرَ الأوْلِياءُ والزَّوْجُ، فالأوْلِياءُ أحَبُّ إليه، فإنْ لم يكنِ الأوْلِياءُ فالزَّوْجُ أحَقُّ مِن الغَرِيبِ؛ لما ذَكَرْنَا من خَبَرِ عمرَ، ولأنَّ الزَّوْجَ قد زالَتْ زَوْجِيَّتُه بِمَوْتِها، والقَرابَةُ بَاقِيَةٌ. وقال القاضي: الزَّوْجُ أحَقُّ من الأوْلِياءِ؛ لأنَّ أبا بكرٍ أدْخَلَ امْرَأتَهُ قَبْرَها دون أقَارِبِها، ولأنَّه أحَقُّ بِغُسْلِهَا منهم، فكان أوْلَى بإدْخالِهَا قَبْرَها، كمَحَلِّ الوِفاقِ، وأيُّهما قُدِّمَ فالآخَرُ بعدَه. فإنْ لم يكنْ وَاحِدٌ منهما، فقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: أحَبُّ إلىَّ أن يُدْخِلَها النِّساءُ؛ لأنَّه مُبَاحٌ لَهُنَّ النَّظَرُ إليها، وهُنَّ أَحقُّ بِغُسْلِهَا.

стр. 1554

وعلى هذا يُقَدَّمُ الأقْرَبُ مِنْهُنَّ فالأقْرَبُ، كما في حَقِّ الرَّجُلِ. وَرُوِى عنه أنَّ النِّساءَ لا يَسْتَطِعْنَ أن يَدْخُلْنَ القَبْرَ، ولا يَدْفِنَّ. وهذا أصَحُّ وأحْسَنُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ حين ماتَتْ ابْنَتُه أمَرَ أبا طَلْحَةَ، فنَزَلَ في قَبْرِهَا. وَرُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أيُّكُمْ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ " قال أبو طَلْحَةَ: أنا. فأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فنَزَلَ (٤)، فأدْخَلَها قَبْرَها. [رَوَاهُ البُخَارِىُّ] (٥). ورَأى النَّبِيُّ ﷺ النِّساءَ في جِنَازَةٍ، فقال: "هَلْ تَحْمِلْنَ؟ " قلن: لا. قال: "هَلْ تُدْلِينَ فِي مَنْ يُدْلِى؟ " قلن: لا. قال: "فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٦). وهذا اسْتِفْهَامُ إنْكارٍ، فَدَلَّ على أنَّ ذلك غيرُ مَشْرُوعٍ لَهُنَّ بحالٍ، وكيْف يُشْرَعُ لَهُنَّ وقد نَهاهُنَّ رسولُ اللَّه ﷺ عن اتِّباعِ الجَنائِزِ (٧)؟ ولأنَّ ذلك لو كان مَشْروعًا لَفُعِلَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، أو خُلَفائِه، ولَنُقِلَ عن بعضِ الأئِمَّةِ، ولأنَّ الجِنازَةَ يَحْضُرُها جُمُوعُ الرِّجالِ، وفى نُزُولِ النِّساءِ في القَبْرِ بين أَيْدِيهم هَتْكٌ لَهُنَّ، مع عَجْزِهِنَّ عن الدَّفْنِ، وضَعْفِهِنَّ عن حَمْلِ المَيِّتَةِ وتَقْلِيبِهَا، فلا يُشْرَعُ. لكنْ إن عُدِمَ مَحْرَمُها، اسْتُحِبَّ ذلك لِلْمَشَايِخِ؛ لأنَّهم أقَلُّ شَهْوَةً، وأبْعَدُ من الفِتْنَةِ، وكذلك من يَلِيهم من فُضَلاءِ النَّاسِ وأَهْلِ الدِّينِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ أبا طَلْحَةَ، فَنَزَلَ في قَبْرِ ابْنَتِه، دونَ غَيرِه. فصل: فأمَّا الرَّجُلُ فأوْلَى النَّاسِ بِدَفْنِه أوْلاهُمْ بالصَّلَاةِ عليه من أقارِبِهِ؛ لأنَّ القَصْدَ طَلَبُ الحَظِّ لِلْمَيِّتِ، والرِّفْقُ به. قال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: إنَّما يَلِى الرَّجُلَ أَهْلُه (٨). ولما تُوُفِّىَ النَّبِىُّ ﷺ أَلْحَدَهُ العَبَّاسُ، وعَلِىٌّ، وأُسَامَةُ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٨).

стр. 1555

ولا تَوْقِيفَ في عَدَدِ مَن يَدْخُلُ القَبْرَ. نَصَّ عليه أحمدُ، فعلى هذا يكونُ عَدَدُهم على حَسَبِ حال المَيِّتِ وحاجَتِه، وما هو أسْهَلُ في أمْرِه. وقال القاضي: يُسْتَحَبُّ أن يكونَ وِتْرًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ألْحَدَهُ ثلاثةٌ، ولَعَلَّ هذا كان اتِّفَاقًا أو لِحَاجَتِهِم إليه. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ، عن أبي مُرَحِّب، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ نَزَلَ في قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ . قال: كأَنِّى أنْظُرُ إليهم أرْبَعَةً (٩). وإذا كان المُتَوَلِّى فَقِيهًا كان حَسَنًا؛ لأنَّه مُحْتَاجٌ (١٠) إلى مَعْرِفَةِ ما يَصْنَعُه في القَبْرِ. ٣٦٨ - مسألة؛ قال: (ولَا يُشَقُّ الكَفَنُ فِي الْقَبْرِ، وتُحَلُّ العُقَدُ) أمَّا شَقُّ الكَفَنِ فغيرُ جَائِزٍ؛ لأنَّه إتْلافٌ مُسْتَغْنًى عنه، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ به، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "إذَا كَفَّنَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ". [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١). وتَخْرِيقُه يُتْلِفُه، ويَذْهَبُ بِحُسْنِه. وأمَّا حَلُّ العُقَدِ مِن عند رَأْسِه ورِجْلَيْه، فَمُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ عَقْدَها كان لِلْخَوْفِ مِن انْتِشَارِهَا، وقد أُمِنَ ذلك بدَفْنِه. وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا أدْخَلَ نُعَيْمَ بن مسعودٍ الأشْجَعِىَّ القَبْرَ نَزَعَ الأخِلَّةَ بِفِيهِ (٢). وعن ابنِ مسعودٍ، وسَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ نحوُ ذلك.

стр. 1556

٣٦٩ - مسألة؛ قال: (ولا يُدْخِلُ القَبْرَ آجُرًّا، ولَا خَشَبًا، ولَا شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ) قد ذَكَرْنا أنَّ اللَّبِنَ والقَصَبَ مُسْتَحَبٌّ، وكَرِهَ أحمدُ الخَشَبَ. وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: كانوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ، ويَكْرَهُونَ الخَشَبَ. ولا يُسْتَحَبُّ (١) الدَّفْنُ في تَابُوتٍ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا أصْحابِه، وفيه تَشَبُّهٌ بأهْلِ الدُّنْيَا، والأرْضُ أنْشَفُ لِفَضَلاتِه. ويُكْرَهُ الآجُرُّ؛ لأنَّه من بِناءِ المُتْرَفِينَ، وسَائِرُ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، تَفَاؤُلًا بأنْ لا تَمَسَّهُ النَّارُ. فصل: وإذا فَرَغَ من اللَّحْدِ أهالَ عليه التُّرَابَ، ويُرْفَعُ القَبْرُ عن الأرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ؛ لِيُعْلَمَ أنَّه قَبْرٌ، فيُتَوَقَّى (٢)، ويُتَرَحَّمُ على صَاحِبِهِ. ورَوَى السَّاجِىُّ، عن جابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رُفِعَ قَبْرُهُ عن الأرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ (٣). ورَوَى القاسمُ بنُ محمدٍ، قال: قلتُ لعائشةَ يا أُمَّهْ اكْشِفِى لي عن قَبْرِ رسولِ اللهِ ﷺ وصَاحِبَيْهِ. فكَشَفَتْ لي عن ثلاثَة قُبُورٍ، لا مُشْرِفَةٍ ولا لَاطِئَةٍ (٤)، مَبْطُوحَةٍ بِبطْحَاءِ العَرْصَةِ الحَمْرَاءِ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٥). ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُهُ بأكْثَرَ من تُرَابِهِ. نَصَّ عليه أحمدُ، ورَوَى بإسْنَادِهِ، عن عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، أنَّه قال: "لا يُجْعَلُ في القَبْرِ من التُّرَابِ أَكْثَرُ ممَّا خَرَجَ منه حِينَ حُفِرَ". ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِهِ عن جَابِرٍ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُزَادَ على القَبْرِ على حُفْرَتِهِ (٦). ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ القَبْرِ

стр. 1557

إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا، لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ لعلىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه: "لا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ، ولا قَبْرًا مُشْرِفًا إلًا سَوَّيْتَهُ". رَوَاه مُسْلِمٌ (٧)، وغيرُه. والمُشْرِفُ ما رُفِعَ كَثِيرًا، بِدَلِيلِ قَوْلِ القَاسِمِ في صِفَةِ قَبْرِ النَّبِىِّ ﷺ وصَاحِبَيْهِ: لا مُشْرِفَةٍ، ولا لَاطِيَةٍ. ويُسْتَحَبُّ أن يُرَشَّ على القَبْرِ ماءٌ لِيَلْتَزِقَ تُرَابُه، قال أبو رافِعٍ: سَلَّ رسولُ اللهِ ﷺ سَعْدًا، وَرَشَّ على قَبْرِهِ ماءً. رَوَاه ابن مَاجَه (٨). وعن جَابِرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رُشَّ على قَبْرِه مَاءٌ (٩). رَوَاهُما الخَلَّالُ جَمِيعًا. فصل: ولا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ القَبْرِ بِحَجَرٍ أو خَشَبَةٍ. قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يُعَلِّمَ الرَّجُلُ القَبْرَ عَلَامَةً يَعْرِفُه بها. وقد عَلَّمَ النبيُّ ﷺ قَبْرَ عثمانَ بن مَظْعُونٍ. ورَوَى أبو دَاوُدَ (١٠)، بإسْنَادِه عن المُطَّلِبِ، قال: لمَّا مَاتَ عثمانُ بنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بجِنازتِه (١١)، فَدُفِنَ، أمَرَ النبيُّ ﷺ رَجُلًا أن يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فلم يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فحَسَرَ عن ذِرَاعَيْهِ، ثم حَمَلَها، فوَضَعَها عند رَأْسِه، وقال: "أتَعَلَّمُ (١٢) بِهَا قَبْرَ أَخِى، وأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِه". ورَوَاه ابنُ مَاجَه (١٣)، عن النَّبِيِّ ﷺ ، من رِوَايَةِ أنَسٍ.

стр. 1558

فصل: وتَسْنِيمُ القَبْرِ أفْضَلُ من تَسْطِيحِه. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ. وقال الشَّافِعِىُّ: تَسْطِيحُهُ أفْضَلُ. قال: وبَلَغَنَا أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إبراهيمَ (١٤). وعن القاسِمِ، قال: رَأيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ وأبى بكر وعمرَ مُسَطَّحَةً. ولَنا، ما رَوَى سُفْيَانُ التَّمَّارُ، أنَّه قال: رَأيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسنَّمًا. رَوَاه البُخَارِىُّ بإسْنَادِهِ (١٥). وعن الحسنِ مِثْلُه. ولأنَّ التَّسْطِيحَ يُشْبِهُ أبْنِيَةَ أهْلِ الدُّنْيا، وهو أشْبَهُ بِشِعَارِ أهْلِ البِدَعِ، فكان مَكْرُوهًا. وحَدِيثُنا أثْبَتُ مِن حَدِيِثهم وأَصَحُّ، فكان العَمَلُ به أوْلَى. فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن الوُقُوفِ على القَبْرِ بعدَ ما يُدْفَنُ، يُدْعَى لِلْمَيِّتِ؟ قال: لا بَأْسَ به، قد وَقَفَ علىٌّ، والأحْنَفُ بنُ قَيْسٍ. ورَوَى أبو دَاوُدَ (١٦)، بإسْنَادِهِ عن عثمانَ، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ إذا دُفِنَ الرَّجُلُ وَقَفَ عليه، فقال: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ". ورَوَى الخَلَّالُ بإسْنَادِهِ، ومُسْلِمٌ (١٧)، والبُخَارِىُّ (١٨)، [عن السَّرِىِّ] (١٩)، قال: لما حَضَرَتْ عَمْرَو بنَ العَاصِ الوَفَاةُ، قال: اجْلِسُوا عندَ قَبْرِى قَدْرَ ما يُنْحَرُ جَزَورٌ، ويُقْسَمُ، فإنِّى أسْتَأْنِسُ بكم. فصل: فأمَّا التَّلْقِينُ بعدَ الدَّفْنِ، فلم أجِدْ فيه عن أحمدَ شَيْئًا، ولا أعْلَمُ فيه

стр. 1559

لِلْأَئِمَّةِ قَوْلًا، سِوَى ما رواهُ الأثْرَمُ، قال: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: فهذا الذي يَصْنَعُونَ إذا دُفِنَ المَيِّتُ، يَقِفُ الرَّجُلُ، ويقول: يا فُلَانُ ابن فُلانةَ (٢٠)، اذْكُرْ ما فَارَقْتَ عليه، شَهَادَةَ أنْ لا إله إلَّا اللَّه؟ فقال: ما رَأيْتُ أحَدًا فَعَلَ هذا إلَّا أهْلَ الشَّامِ، حين ماتَ أبو المُغِيرَةِ جاء إنْسَانٌ، فقال ذاك. قال: وكان أبو المُغِيرَةِ يَرْوِى فيه عن أبي بكرِ بنِ أبي مَرْيَم، عن أشْياخِهم، أنَّهم كانوا يَفْعَلُونَهُ. وكان ابنُ عَيَّاشٍ [يَرْوِى فيه] (٢١) [ثم قال فيه] (٢٢): إنَّما لا يثْبُتُ (٢٣) عَذَابُ القَبْرِ. قال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: يُسْتَحَبُّ ذلك. ورَوَيَا فيه عن أبي أُمَامَةَ البَاهِلِىِّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "إذا مَاتَ أحَدُكُمْ، فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلْيَقِفْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ رَأْسِ قَبْرِه، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ ابن فُلَانَةَ. فَإنَّهُ يَسْمَعُ (٢٤) ولا يُجِيبُ، ثم لْيَقُلْ: يا فُلَانُ ابن فُلَانَةَ. الثَّانِيةَ، فَيَسْتَوِى قَاعِدًا، ثم لْيَقُلْ: يا فُلَانُ ابن فُلَانَةَ. فإنَّه يَقُولُ: أرْشِدْنَا يَرْحَمُكَ اللهُ. ولكِنْ لَا تَسْمَعُون. فَيَقْولُ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا، شَهَادَةَ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه، وأنَّكَ رَضيتَ باللهِ رَبًّا، وبالإِسْلَامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وبالقُرْآنِ إمَامًا. فَإنَّ مُنْكَرًا ونَكِيرًا يَتَأَخَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَقُولُ: انْطَلِقْ، فَمَا يُقْعِدُنَا عِنْدَ هَذَا وقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، ويَكُونُ اللهُ تَعَالَى حُجَّتَهُ (٢٥) دُونَهُمَا". فقال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، فإن لم يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ؟ قال: "فَلْيَنْسِبْهُ إلَى حَوَّاءَ". رَوَاه ابنُ شَاهِينَ، في "كِتَابِ ذِكْرِ المَوْتِ" بإسْنَادِهِ (٢٦).

стр. 1560

فصل: سُئِلَ أحمدُ عن تَطْيِينِ القُبُورِ. فقال: أرجُو أنْ لا يكونَ به بَأْسٌ. ورَخَّصَ في ذلك الحسنُ، والشَّافِعِىُّ. ورَوَى أحمدُ، بإسْنَادِه عن نَافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يَتَعَاهَدُ قَبْرَ عَاصِمِ بن عمرَ. قال نَافِعٌ: وتُوُفِّىَ ابنٌ له وهو غائِبٌ، فقَدِم فسَأَلَنا عنه، فدَلَلْنَاهُ عليه، فكان يَتَعاهَدُ القَبْرَ، ويأْمُرُ بإصْلاحِه. ورُوِىَ عن الحسنِ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال، قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ المَيِّتُ يَسْمَعُ الْأَذَانَ مَا لَمْ يُطَيَّنْ قَبْرُهُ". أو قال: "مَا لَمْ يُطْوَ (٢٧) قَبْرُهُ" (٢٨). فصل: ويُكْرَهُ البِنَاءُ على القَبْرِ، وتَجْصِيصُهُ، والكِتابَةُ عليه؛ لما رَوَى مُسْلِمٌ، في "صَحِيحِه" (٢٩)، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ : أن يُجَصَّصَ القَبْرُ، وأن يُبْنَى عليه، وأن يُقْعَدَ عليه. زَادَ التِّرْمِذِىُّ: وأن يُكْتَبَ عليه. وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّ ذلك من زِينَةِ الدُّنْيَا، فلا حَاجَةَ بالمَيِّتِ إليه. وفى هذا الحَدِيثِ دَلِيلٌ على الرُّخْصَةِ في طِينِ القَبْرِ، لِتَخْصِيصِه التَّجْصِيصَ بالنَّهْىِ. ونَهَى عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ أن يُبْنَى على القَبْرِ بآجُرٍّ، وأوْصَى بذلك. وأوْصَى الأسْوَدُ بن يَزِيدَ أن لا تَجْعَلُوا على قَبْرِى آجُرًّا. وقال إبراهيمُ: كانوا يَكْرَهُونَ الآجُرَّ في قُبُورِهِم. وكَرِهَ أحمدُ أن يُضْرَبَ على القَبْرِ [فُسْطَاطٌ، وأوْصَى أبو هُرَيْرَةَ حين حَضَره الموتُ أن لا تَضْرِبُوا علىَّ] (٣٠) فُسْطَاطًا.

стр. 1561

فصل: ويُكْرَهُ الجُلُوسُ على القَبْرِ، والاتِّكَاءُ عليه، والاسْتِنادُ إليه، والمَشْىُ عليه، والتَّغَوُّطُ بين القُبُورِ؛ لما تَقَدَّمَ من حديثِ جابِرٍ، وفي حديثِ أبي مَرْثَدٍ الغَنَوىّ: "لا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، ولا تُصَلُّوا إلَيْهَا". صَحِيحٌ (٣١). وذُكِرَ لأحمدَ أنَّ مالِكًا يَتَأوَّلُ حديثَ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى أن يُجْلَسَ على القُبُورِ. أي لِلْخَلاءِ. فقال: ليس هذا بِشيءٍ، ولم يُعْجِبْه رَأْىُ مالِكٍ. ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِهِ عن عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَأَنْ أطَأ عَلَى جَمْرَةٍ، أو سَيْفٍ، أَحَبُّ إلَىَّ مِنْ أنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، ولَا أُبَالِى أَوَسَطَ القُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِى، أو وَسَطَ السُّوقِ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٣٢). فصل: ولا يَجُوزُ اتِّخَاذُ السُّرُجِ على القُبُورِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ القُبُورِ، والمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهِنَّ المَسَاجِدَ والسُّرُجَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ (٣٣). ولَفْظُه: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ولو أُبِيحَ لم يَلْعَنِ النَّبِىُّ ﷺ مَنْ

стр. 1562

فَعَلَهُ، ولأنَّ فيه تَضْيِيعًا لِلْمَالِ في غير فَائِدَةٍ، وإفْرَاطًا في تَعْظِيمِ القُبُورِ أشْبَهَ تَعْظِيمَ الأصْنَامِ، ولا يجوزُ اتِّخَاذُ المَساجدِ على القُبُورِ لهذا الخَبَرِ؛ ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". يُحَذِّرُ مثلَ ما صَنَعُوا. مُتَّفَقٌ عليه (٣٤). وقالت عائشةُ: إنما لم يُبْرَزْ قَبْرُ رسولِ اللهِ ﷺ ، لئَلَّا يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٣٥). ولأنَّ تَخْصِيصَ القُبُورِ بالصَّلَاةِ عندَها يُشْبِهُ تَعْظيم الأصْنَامِ بالسُّجُودِ لها، والتَّقَرُّبِ إليها، وقد رَوَيْنا أنَّ ابْتِدَاءَ عِبَادَةِ الأصْنَامِ تَعْظِيمُ الأمْواتِ، باتِّخَاذِ صُوَرِهم، ومَسْحِها، والصَّلَاةِ عندَها (٣٦). فصل: والدَّفْنُ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ أَعْجَبُ إلى أبي عبدِ اللهِ من الدَّفْنِ في البُيُوتِ؛ لأنَّه أقَلُّ ضَرَرًا على الأحْياءِ من وَرَثَتِه، وأشْبَهُ بمَساكِن الآخِرَةِ، وأكْثَرُ لِلدُّعاءِ له، والتَّرَحُّمِ عليه. ولم يَزَلِ الصَّحابَةُ والتَّابِعُونَ ومَن بَعْدَهم يُقْبَرُونَ في الصَّحَارَى. فإن قيل: فالنَّبِىُّ ﷺ قُبِرَ في بَيْتِه، وقُبِرَ صَاحِباهُ معه؟ قُلْنا: قالت عائشةُ: إنَّما فُعِلَ ذلك لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٣٧). ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَدْفِنُ أصْحابَهُ في البَقِيعِ، وفِعْلُهُ أوْلَى من فِعْلِ غيرِه، وإنَّما أصْحابه رَأوْا تَخْصِيصَه بذلك. ولأنَّه رُوِى: "يُدْفَنُ الأَنْبِيَاءُ حيثُ يَمُوتُونَ" (٣٨). وصِيَانَةً له (٣٩) عن كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ، وتَمْييزًا له عن غَيْرِه.

стр. 1563

فصل: ويُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ في المَقْبَرَةِ التي يَكْثُرُ فيها الصَّالِحُونَ والشُّهَدَاءُ؛ لِتَنَالَه بَرَكَتُهم، وكذلك في البِقَاعِ الشَّرِيفَةِ. وقد رَوَى البُخَارِىُّ، ومُسْلِمٌ (٤٠)، بإسْنَادِهِما، أن موسى ﵇ لمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ، سَألَ اللهَ تعالى أن يُدْنِيَهُ إلى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بحَجَرٍ، قال النَّبِىُّ ﷺ : "لو كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ". فصل: وجَمْعُ الأقارِبِ في الدَّفْنِ حَسَنٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لمَّا دفنَ عثمان بن مَظْعُونٍ: "أَدْفِن إلَيْهِ مَنْ مَاتَ من أَهْلِه" (٤١). ولأنَّ ذلك أسْهَلُ لِزِيَارَتِهم، وأكْثَرُ لِلتَّرَحُّمِ عليهم. ويُسَنُّ تَقْدِيمُ الأبِ ثم مَن يَلِيه في السِّنِّ والفَضِيلَةِ، إذا أمْكَنَ. فصل: ويُسْتَحَبُّ دَفْنُ الشَّهِيدِ حيثُ قُتِلَ. قال أحمدُ: أمَّا القَتْلَى فعلَى حديثِ جابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "ادْفِنُوا القَتْلَى في مَصَارِعِهِمْ" (٤٢). ورَوَى ابنُ مَاجَه (٤٣)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أن يُرَدُّوا إلى مَصَارِعِهِمْ. فأمَّا غيرُهم فلا يُنْقَلُ المَيِّتُ من بَلَدِهِ إلى بَلَدٍ آخَرَ، إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ. وهذا مَذْهَبُ الأوْزاعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. قال عبدُ اللَّه ابن أبي مُلَيْكَةَ: تُوُفِّىَ عبدُ الرحمنِ بن أبى بكرٍ بالحَبَشَةِ، فحُمِلَ إلى مَكَّةَ، فدُفِنَ، فلمَّا قَدِمَتْ عائشةُ أَتَتْ قَبْرَهُ، ثم

стр. 1564

قالت: واللهِ لو حَضَرْتُكَ ما دُفِنْتَ إلَّا حيثُ مُتَّ، ولو شَهِدْتُكَ ما زُرْتُكَ (٤٤). ولأنَّ ذلك أخَفُّ لِمُؤْنَتِه وأسْلَم له من التَّغْيِيرِ. فأمَّا إنْ كان فيه غَرَضٌ صَحِيحٌ جَازَ. وقال أحمد: ما أعْلَمُ بِنَقْلِ الرَّجُلِ يَمُوتُ في بَلَدِهِ إلى بَلَدٍ أُخْرَى بَأْسًا. وسُئِلَ الزُّهْرِىُّ عن ذلك، فقال: قد حُمِلَ سعدُ بن أبي وَقَّاصٍ، وسَعِيدُ بن زيدٍ، من العَقيقِ إلى المَدِينَةِ. وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: ماتَ ابنُ عمرَ هنا، فأوْصَى أن لا يُدْفَنَ ها هُنا، وأن يُدْفَنَ بِسَرِفٍ (٤٥). فصل: وإذا تَنَازَعَ اثْنَانِ من الوَرَثَةِ، فقال أحَدُهما: يُدْفَنُ في المَقْبَرَةِ المُسَبَّلَة. وقال الآخر: يُدْفَنُ في مِلْكِهِ. دُفِنَ في المُسَبَّلَة؛ لأنَّه لا مِنَّةَ فيه، وهو أقَلُّ ضَرَرًا على الوَارِثِ. فإنْ تَشَاحَّا في الكَفَنِ، قُدِّمَ قَوْلُ مَن قال نَكْفِنُه من مِلْكِه؛ لأنَّ ضَرَرَهُ على الوَارِثِ بِلُحُوقِ المِنَّةِ، وتَكْفِينُهُ من مالِه قَلِيلُ الضَّرَرِ. وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلِ يُوصِى أن يُدْفَنَ في دَارِهِ. قال: يُدْفَنُ في المَقابِرِ مع المُسْلِمِينَ، وإن دُفِنَ في دَارِهِ أضَرَّ بِالوَرَثَةِ. وقال: لا بَأْسَ أن يَشْتَرِىَ الرَّجُلُ مَوْضِعَ قَبْرِه، ويُوصِىَ أن يُدْفَنَ فيه، فَعَلَ ذلك عثمانُ بنُ عَفانَ، وعائشةُ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ، رَضِىَ اللهُ عنهم. فصل: إذا تَشَاحَّ (٤٦) اثْنَانِ في الدَّفْنِ في المَقْبَرَةِ المُسَبَّلَة، قُدِّمَ أسْبَقُهما، كما لو تنازَعَا في مَقاعِدِ الأَسْواقِ، ورِحابِ المَساجِدِ، فإن تَساوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهما. فصل: وإنْ تَيَقَّنَ أن المَيِّتَ قد بَلِىَ وصَارَ رَمِيمًا، جازَ نَبْشُ قَبرِه، ودَفْنُ غَيْرِه

стр. 1565

فيه. وإن شَكَّ في ذلك رَجَعَ إلى أهْلِ الخِبْرَةِ. فإنْ حَفَرَ، فوَجَدَ فيها عِظَامًا دَفَنَها، وحَفَرَ في مَكَانٍ آخَرَ. نَصَّ عليه أحمدُ (٤٧)، واسْتَدَلَّ بأنَّ كَسْرَ عَظْمِ المَيِّتِ ككَسْرِ عَظْمِ الحَىِّ. وسُئِلَ أحمدُ عن المَيِّتِ يُخْرَجُ من قَبْرِهِ إلى غَيْرِه. فقال: إذا كان شيءٌ يُؤْذِيهِ, قد حُوِّلَ طَلْحَةُ، وحُوِّلَتْ عائشةُ. وسُئِلَ عن قَوْمٍ دُفِنُوا في بَساتِينَ ومَواضِعَ رَدِيئَة. فقال: قد نَبَشَ مُعَاذٌ امْرَأَتَهُ، وقد كانت كُفِنَتْ في خُلْقَانٍ فَكَفَنَهَا. ولم يَرَ أبو عبدِ اللهِ بَأْسًا أن يُحَوَّلُوا. ٣٧٠ - مسألة؛ قال: (ومَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَّى عَلَى القَبْرِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن فَاتَتْهُ الصلاةُ على الجِنازَةِ، فلَه أنْ يُصَلِّىَ عليها، ما لم تُدْفَنْ، فإن دُفِنَتْ، فله أن يُصَلِّىَ [على القَبْرِ] (١) إلى شَهْرٍ. هذا قولُ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهم، رُوِىَ ذلك عن أبي موسى، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وإليه ذَهَبَ الأوْزاعِيُّ، والشَّافِعِىُّ. وقال النَّخَعِىُّ، والثَّوْريُّ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ: لا تُعَادُ الصَّلَاةُ على المَيِّتِ، إلَّا لِلْوَلِىِّ إذا كان غَائِبًا، ولا يُصَلَّى على القَبْرِ إلَّا كذلك، ولو جَازَ ذلك لَكانَ قَبْرُ النَّبِىِّ ﷺ يُصَلَّى عليه في جَمِيعِ الأعْصار. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ذَكَرَ رَجُلًا مَاتَ، فقال: " فَدُلُّونِى على قَبْرِهِ" فَأتَى قَبْرَهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه مَرَّ مع النَّبِيِّ ﷺ على قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فأَمَّهُمْ وصَلَّوا خَلْفَه (٣). قال أحمدُ، رَحِمَهُ

стр. 1566

اللهُ: ومَن يَشُكُّ (٤) في الصَّلَاةِ على القَبْرِ! يُرْوَى عن النَّبِيِّ ﷺ من سِتَّةِ وُجُوهٍ كلُّها حِسَانٌ. ولأنَّه من أهْلِ الصلاةِ، فيُسَنُّ له الصلاةُ على القَبْرِ، كالْوَلِىِّ، وقَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ لا يُصَلَّى عليه؛ لأنَّه لا يُصَلَّى على القَبْرِ بعدَ شَهْرٍ. فصل: ومَن صَلَّى مَرَّةً فلا يُسَنُّ له إعَادَةُ الصلاةِ عليها. وإذا صُلِّىَ على الجِنازَةِ مَرَّةً لم تُوضَعْ لأَحَدٍ يُصَلِّى عليها. قال القاضي: لا يَحْسُنُ بعدَ الصَّلَاةِ عليه، ويُبَادَرُ بِدَفْنِه، فإن رُجِىَ مَجِىءُ الوَلِىِّ أُخِّرَ إلى أن يَجِىءَ، إلَّا أن يُخافَ تَغَيُّرُهُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: لا يُنْتَظَرُ به أحَدٌ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال في طَلْحَةَ بن البَرَاءِ: "اعْجَلُوا بِهِ، فَإنَه لَا يَنْبَغِى لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ أَهْلِهِ" (٥). فأمَّا مَن أَدْرَكَ الجِنازَةَ مِمَّنْ لم يُصَلِّ، فله أن يُصَلِّىَ عليها، فَعَلَ ذلك عليٌّ، وأَنَسٌ، وسَلْمانُ (٦) بن رَبِيعَةَ، وأبو حَمْزَةَ (٧)، ومَعْمَرُ بنُ سُمَيْر (٨). فصل: ويُصَلَّى على القَبْرِ، وتُعَادُ الصلاةُ عليه قَبْلَ الدَّفْنِ جَمَاعَةً وفُرَادَى.

стр. 1567

نَصَّ عليهما أحمدُ، وقال: وما بَأْسٌ بذلك، قد فَعَلَهُ عِدَّةٌ من أصْحَابِ رسولِ اللهِ ﷺ . وفي حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: انْتَهَى النَّبِىُّ ﷺ إلى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَفُّوا خَلْفَهُ، وكَبَّرَ أَرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عليه (٩). فصل: وتجوزُ الصَّلَاةُ على الغائِبِ في بَلَدٍ آخَرَ بِالنِّيَّةِ، فَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويُصَلِّى عليه كصَلَاتِه على حَاضِرٍ، وسَوَاءٌ كان المَيِّتُ في جِهَةِ القِبْلَةِ أو لم يكنْ، وسَوَاءٌ كان بين البَلَدَيْنِ مسافَةُ القَصْرِ أو لم يكنْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يجوزُ. وحَكَى ابنُ أبي موسى، عن أحمدَ رِوَايَةً أُخْرَى كقَوْلِهما؛ لأنَّ مِن شَرْطِ الصَّلَاةِ على الجِنازَةِ حُضُورَهَا، بِدَلِيلِ ما لو كان في البَلَدِ لم تَجُزِ الصلاةُ عليها مع غَيْبَتِها عنه. ولَنا، ما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه نَعَى النَّجَاشِىَّ صَاحِبَ الحَبَشَة اليومَ الذي ماتَ فيه، وصَلَّى بهم بالمُصَلَّى، فكَبَّرَ عَليه أرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). فإن قيل: فيَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ زُوِيَتْ له الأرْضُ، فأُرِىَ الجِنَازَةَ. قُلْنا: هذا لم يُنْقَلْ، ولو كان لأخْبَرَ به، ولَنا أن نَقْتَدِىَ بالنَّبِىِّ ﷺ ما لم يَثْبُتْ ما يَقْتَضِى اخْتِصاصَهُ، ولأنَّ المَيِّتَ مع البُعْدِ لا تجوزُ الصلاةُ عليه وإن رُئِىَ، ثم لو رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ لَاخْتَصَّتِ الصلاةُ به، وقد صَفَّ النَّبِىُّ ﷺ فَصَلَّى بهم. فإن قيل: لم يَكُنْ بِالحَبَشَةِ مَن يُصَلِّى عليه. قُلْنا: ليس هذا مَذْهَبَكُم، فإنَّكُم لا تُجِيزُونَ الصلاةَ على الغَرِيقِ، والأسِيرِ، ومَن ماتَ بِالْبَوَادِى، وإن كان لم يُصَلَّ عليه، ولأنَّ هذا بَعِيدٌ؛ لأنَّ النَّجاشِىَّ مَلِكُ الحَبَشَةِ، وقد أَسْلَمَ وظهَرَ (١١) إسْلامُه، فيبْعُدُ أن يكونَ لم يُوافِقْهُ أحَدٌ يُصَلِّى عليه. فصل: فإنْ كان المَيِّتُ في أحَدِ جَانِبَىِ البَلَدِ لم يُصَلِّ عليه مَن في (١٢) الجانِبِ

стр. 1568

الآخَرِ. قال: وهذا اخْتِيارُ أبى حَفْصٍ البَرْمَكِىّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه الحُضُورُ لِلصلاة عليه، أو على قَبْرِه، وصَلَّى أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ على مَيِّتٍ ماتَ (١٣) في أحَدِ جَانِبَىْ بَغْدَادَ، وهو في الجَانِبِ الآخَرِ؛ لأنَّه غَائِبٌ، فجازَتِ الصلاةُ عليه، كالغَائِبِ في بَلَدٍ آخَرَ، وهذا مُنْتَقِضٌ (١٤) بما إذا كان معه في هذا الجَانِبِ. فصل: وتَتَوَقَّفُ الصلاةُ على الغائِبِ بِشَهْرٍ، كالصلاةِ على القَبْرِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ مِن غير تَلَاشٍ أكْثَرَ من ذلك. وقال ابنُ عَقِيلٍ، في أكِيلِ السَّبُعِ، والمُحْتَرِقِ بالنَّارِ: يَحْتَمِلُ أنْ لا يُصَلَّى عليه؛ لِذَهابِهِ، بِخِلَافِ الضَّائِعِ والغَرِيقِ؛ فإنَّه قد بَقِىَ منه ما يُصَلَّى عليه، [ويُصَلَّى عليه] (١٥) إذا غَرِقَ (١٦) قبلَ الغُسْلِ، كالغَائِبِ في بَلَدٍ بَعِيدٍ؛ لأنَّ الغُسْلَ تَعَذَّرَ لِمَانِعٍ، أشْبَهَ الحَىَّ إذا عَجَزَ عن الغُسْلِ والتَّيَمُّمِ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه. ٣٧١ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا كَبَّرَ بِتَكْبِيرِهِ) لا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّه لا يجوزُ الزِّيادَةُ على سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، ولا النَّقْصُ (١) مِن أرْبَعٍ، والأوْلَى أرْبَعٌ لا يُزادُ عليها، واخْتَلَفتِ الرِّوَايَةُ فيما بينَ ذلك، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّ الإِمامَ إذا كَبَّرَ خَمْسًا تَابَعَهُ المَأْمُومُ، ولا يُتابِعُه في زِيادَةٍ عليها. رَوَاهُ الأثْرَمُ عن أحمدَ. ورَوَى حَرْبٌ عن أحمدَ، إذا كَبَّرَ خَمْسًا، لا يُكَبِّرُ معه، ولا يُسَلِّمُ إلَّا مع الإِمامِ. قال الخَلَّالُ: وكلُّ مَن رَوَى عن أبي عبدِ اللهِ يُخَالِفُه. ومِمَّنْ لم يَرَ مُتابَعَةَ الإِمامِ في زِيَادَةٍ على أرْبَعٍ؛ الثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ.

стр. 1569

واخْتَارَها ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّها زِيادَةٌ غيرُ مَسْنُونَةٍ لِلْإِمامِ، فلا يُتَابِعُهُ المَأْمُومُ فيها، كالْقُنُوتِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى. ولَنا، ما رُوِىَ عن زيدِ بنِ أَرْقَمَ، أنَّه كَبَّرَ على جِنَازَةٍ خَمْسًا، وقال: كان النَّبِىُّ ﷺ يُكَبِّرُها. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وسَعِيدُ بن مَنْصُورٍ، وغيرُهما (٢). وفي رِوَايَةِ سَعِيدٍ: فسُئِلَ عن ذلك، فقال: سُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ . وقال سَعِيدٌ: ثنا خالِدُ بن عبدِ اللهِ، عن يحيى الجَابِرِيِّ، عن عيسى مَوْلًى لِحُذَيْفَةَ، أنَّه كَبَّرَ على جِنَازَةٍ خَمْسًا، فقِيلَ له، فقال: مَوْلَاىَ وَوَلِىُّ نِعْمَتِى صَلَّى على جِنَازَةٍ وكَبَّرَ عليها خَمْسًا. وذَكَرَ حُذَيْفَةُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ فعَلَ ذلك (٣). ورَوَى بإسْنَادِهِ، أنَّ عليًّا صَلَّى على سَهْلِ بن حُنَيْفٍ، فَكَبَّرَ عليه خَمْسًا. وكان أصْحابُ مُعَاذٍ يُكَبِّرُونَ على الجَنَائِزِ خَمْسًا. ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن عمرَ بن الخَطَّابِ، قال: كُلُّ ذلك قد كان، أرْبَعًا، وخَمْسًا، وأمَرَ النَّاسَ بأرْبَعٍ. قال أحمدُ: في إسْنَادِ حديثِ زيدِ بن أَرْقَمَ: إسْنَادٌ جَيِّدٌ، رَوَاهُ شُعْبَةُ عن عَمْرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي لَيْلَى، عن زيدِ بنِ أرْقَمَ. ومَعْلُومٌ أن المُصَلِّينَ معه كانوا يُتَابِعُونَهُ. ورَوَى الأثْرَمُ، عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان يُكَبَّرُ على أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ غيرِ أهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا، وعلى سَائِرِ النَّاسِ أرْبَعًا (٤). وهذا

стр. 1570

أوْلَى ممَّا ذَكَرُوهُ. فأمَّا إنْ زَادَ الإِمامُ عن خَمْسٍ، فعن أحمدَ أنَّه يُكَبِّرُ مع الإِمامِ إلى سَبْعٍ. قال الخَلَّالُ: ثَبَتَ القَوْلُ عن أبي عبدِ اللهِ أنَّه يُكَبِّرُ مع الإِمامِ إلى سَبْعٍ، ثم لا يُزَادُ على سَبْعٍ، ولا يُسَلِّمُ إلَّا مع الإِمامِ. وهذا قولُ بكرِ بن عَبْدِ اللَّه المُزَنِىِّ. وقال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: كَبِّرْ ما كَبَّرَ إمَامُكَ، فإنَّه لا وَقْتٌ ولا عَدَدٌ (٥). ووَجْهُ ذلك ما رُوِىَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَبَّرَ عَلى حَمْزَةَ سَبْعًا. رَوَاهُ ابنُ شَاهِينَ (٦). وكَبَّرَ عَليٌّ علَى جِنَازَةِ أبى قَتادَةَ سَبْعًا (٧)، وعلى سَهْلِ بن حُنَيْف سِتًّا، وقال: إنَّه بَدْرِيٌّ (٨). وَرُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، جَمَعَ الناسَ فاسْتَشَارَهُم، فقال بَعْضُهم: كَبَّرَ النَّبِىُّ ﷺ سَبْعًا. وقال بَعْضُهم: خَمْسًا. وقال بَعْضُهم: أَرْبَعًا. فَجَمَعَ عمرُ النَّاسَ على أرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، وقال: هو أَطْوَلُ الصلاةِ (٩). وقال الحَكَمُ بن عُتَيْبَةَ (١٠): إنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، صَلَّى على سَهْلِ بن (١١) حُنَيْف، فكَبَّرَ عَليه

стр. 1571

سِتًّا، وكانوا يُكَبِّرُونَ على أهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا وسِتًّا وسَبْعًا. فإنَّ زادَ على سَبْعٍ لم يُتَابِعْهُ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال، في رِوَايَةِ أبي دَاوُدَ: إن زادَ على سَبْعٍ يَنْبَغِى أن يُسَبَّحَ به، ولا أعلم أحدًا قال بالزِّيَادَةِ على سَبْعٍ إلَّا عبدَ اللهِ بن مسعودٍ؛ فإنَّ عَلْقَمَةَ رَوَى أنَّ أصْحابَ عبدِ اللهِ قالوا له: إنَّ أصْحابَ مُعَاذٍ يُكَبِّرُونَ على الجَنَائِز خَمْسًا، فلو وَقَّتَّ لنا وَقْتًا. فقال: إذا تَقَدَّمَكم إمامٌ (١٢) فَكَبِّرُوا ما يُكَبِّرُ، فإنَّه لا وَقْتٌ ولا عَدَدٌ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، والأثْرَمُ. والصَّحِيحُ أنَّه لا يُزَادُ على سَبْعٍ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ ذلك مِن فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا أحَدٍ من أصْحابِه (١٣)، ولكن لا يُسَلِّمُ حتى يُسَلِّمَ إمامُه. قال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَخْتَلِفُ قولُ أحمدَ إذا كَبَّرَ الإِمَامُ زِيادَةً على أرْبَعٍ، أنَّه لا يُسَلِّمُ قبلَ إمامِه، على الرِّوايَاتِ الثَّلَاث، بل يَتْبَعُه ويَقِفُ فَيُسَلِّمُ معه. قال الخَلَّالُ: العَمَلُ في نَصِّ قَوْلِه، وما ثَبَتَ عنه، أنَّه لم يُكَبِّرُ ما كَبَّرَ الإِمامُ إلى سَبْعٍ، وإن زَادَ على سَبْعٍ فلَا، ولا يُسَلِّمُ إلَّا مع الإِمامِ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىُّ، في أنَّه لا يُسَلِّمُ قبل إمَامِه. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: يَنْصَرِفُ، كما لو قامَ الإِمامُ إلى خَامِسَةٍ، فَارَقَهُ، ولم يَنْتَظِرْ تَسْلِيمَهُ. قال أبو عبدِ اللهِ: ما أعْجَبَ حالَ الكُوفِيِّينَ، سُفْيَانُ يَنْصَرِفُ إذا كَبَّرَ الخامِسَةَ، والنَّبِىُّ ﷺ كَبَّرَ خَمْسًا، وفَعَلَهُ زَيْدُ بنُ أرْقَمَ وحُذَيْفَةُ، وقال ابنُ مسعودٍ: كَبِّرْ ما كَبَّرَ إمَامُكَ. ولأنَّ هذه زِيادَة قَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فيه، فلا يُسَلِّمُ قبلَ إمامِه إذا اشْتغَل به، كما لو صَلَّى خلفَ مَن يَقْنُتُ في صَلَاةٍ يُخالِفُه الإِمامُ (١٤) في القُنُوتِ فيها. ويُخَالِفُ ما قَاسُوا عليه من وَجْهَيْنِ: أحدُهما، أنَّ الرَّكْعَةَ الخَامِسَةَ لا خِلافَ فيها. والثانى، أنَّها فِعْلٌ، والتَّكْبِيرَةُ الزَّائِدَةُ بِخِلَافِها، وكل تَكْبِيرَةٍ قُلْنا يُتَابِعُ الإِمامُ فيها فله فِعْلُها، وما لا فَلَا. فصل: والأفْضَلُ أن لا يَزِيدَ على أَرْبَعٍ؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا من الخِلافِ، وأكْثَرُ

стр. 1572

أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ التَّكْبِيرَ أَرْبَعًا؛ منهم عمرُ وابْنُه، وزيدُ بن ثابِتٍ، وجابِرٌ، وابنُ أبِى أوْفَى، والحسنُ بن عليٍّ، والبَرَاءُ بنُ عازِبٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، وعُقْبَةُ بن عامِرٍ، وابنُ الحَنَفِيَّةِ، وعَطَاءٌ، والأوْزَاعِىُّ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبي حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَبَّرَ عَلَى النَّجَاشِىِّ أرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عليه (١٥). كَبَّرَ عَلى قَبْرٍ بعدَ ما دُفِنَ أرْبَعًا. وجَمَعَ عمرُ النَّاسَ على أرْبَعٍ. ولأنَّ أَكْثَرَ الفَرَائِضِ لا تَزِيدُ على أرْبَعٍ، ولا يجوزُ النُّقْصَانُ منها. ورُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه كَبَّرَ عَلى الجِنَازَةِ ثلاثًا (١٦). ولم يُعْجِبْ ذلك أبا عبدِ اللَّه. وقال: قد كَبَّرَ أنَسٌ ثلاثًا نَاسِيًا، فأعَادَ. ولأنَّه خِلافُ ما نُقِلَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولأنَّ الصلاةَ الرُّبَاعِيَّةَ إذا نَقَصَ منها رَكْعَةً بَطَلَتْ، كذلك ها هُنا، فإنْ نَقَصَ منها تَكْبِيرَةً عَامِدًا بَطَلَتْ، كما لو تَرَكَ رَكْعَةً عَمْدًا، وإنْ تَرَكَها سَهْوًا احْتَمَلَ أن يُعِيدَها، كما فَعَلَ أَنَسٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُكَبِّرَها، ما لم يَطُلِ ال فَصْلُ ، كما لو نَسِىَ رَكْعَةً، ولا يُشْرَعُ لها سُجُودُ سَهْوٍ في المَوْضِعَيْنِ. فصل: قال أحمدُ، ﵀: يُكَبِّرُ على الجِنازَةِ فيَجِيئُونَ بأُخْرَى، يُكَبِّرُ إلى سَبْعٍ ثم يَقْطَعُ، ولا يَزِيدُ على ذلك حتى تُرْفَعَ الأرْبَعُ. قال أصْحابُنا: إذا كَبَّرَ عَلى جِنازَةٍ، ثم جِىءَ بأُخْرَى، كَبَّرَ الثَّانيةَ عليهما، ويَنْويهما، فإنْ جِىءَ بِثَالِثَةٍ كَبَّرَ الثَّالِثَةَ عليهنَّ، وَنوَاهُنَّ، فإنْ جِىءَ بِرَابِعَةٍ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ علَيهنَّ، ونَواهُنَّ (١٧)، ثم يُكْمِلُ التَّكْبِيرَ عليهنَّ إلى سَبْعٍ، لِيَحْصُلَ للرَّابِعَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، إذْ لا يجوزُ النُّقْصَانُ منهنَّ، ويَحْصُلُ لِلْأُولَى سَبْعٌ، وهو أكْثَرُ ما يَنْتَهِى إليه التَّكْبِيرُ، فإن جِىءَ بخَامِسَةٍ لم يَنْوِهَا بالتَّكْبِيرِ، وإن نَوَاهَا لم يَجُزْ؛ لأنَّه دَائِرٌ بينَ أن يَزِيدَ على سَبْعٍ أو يَنْقُصَ في تَكْبِيرِها عن أَرْبَعٍ، وكلاهما لا يجوزُ، وهكذا لو جِىءَ بِثَانِيةٍ بعدَ تَكْبِيرَةِ

стр. 1573

الرَّابِعَةِ، لم يَجُزْ أنْ يُكَبِّر عليها الخَامِسَةَ؛ لما بَيَّنَّا. فإن أرَادَ أهْلُ الجِنازَةِ الأُولَى رَفْعَها قبلَ سَلَامِ الإِمامِ لم يَجُزْ؛ لأنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ لا تَتِمُّ الصلاةُ إلَّا به. إذا تقرَّرَ هذا، فإنَّه يَقْرَأُ في التَّكْبِيرَةِ الخامِسَةِ الفَاتِحَةَ، وفى السَّادِسَةِ يُصَلِّى على النَّبِيِّ ﷺ ، ويَدْعُو في السَّابِعَةِ؛ لِيُكْمِلَ لِجَمِيعِ الجَنَائِزِ القِرَاءَةَ والأَذْكَارَ كما كَمَّلَ لهنَّ التَّكْبِيرَاتِ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ وَجْهًا ثانِيًا، قال: ويَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ ما زادَ على الأرْبَعِ مُتَتَابِعًا، كما قُلْنا في القَضاءِ لِلْمَسْبُوقِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَبَّرَ سَبْعًا، ومَعْلُومٌ أنَّه لم يُرْوَ أنَّه قَرَأَ قِرَاءَتَيْنِ. والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ الثَّانِيَةَ وما بعدَها جَنَائِزُ، فيُعْتَبَرُ في الصلاةِ عليهنَّ شُرُوطُ الصلاةِ وواجِبَاتُها، كالأُولَى. ٣٧٢ - مسألة؛ قال: (والإِمامُ يَقُومُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ وَوَسَطِ المَرْأَةِ) لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في أنَّ السُّنَّةَ أن يقُومَ الإِمامُ في صَلَاةِ الجِنازَةِ حِذَاءَ وَسَطِ المَرْأَةِ، وعندَ صَدْرِ الرَّجُلِ، أو عند مَنْكِبَيْهِ، وإن وَقَفَ في غيرِ هذا المَوْقِف (١) خَالَفَ سُنَّةَ المَوْقِفِ، وأجْزَأهُ. وهذا قولُ إسْحاقَ، ونحوُه قولُ الشَّافِعِىِّ، إلَّا أنَّ بعضَ أصْحابِه قال: يَقُومُ عندَ رَأْسِ الرَّجُلِ. وهو مذهبُ أبى يوسفَ ومحمدٍ؛ لما رُوِىَ عن أَنَسٍ، أنَّه صَلَّى على رَجُلٍ، فقامَ عندَ رَأْسِهِ، ثم صَلَّى على امْرَأةٍ، فقامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فقال له العَلَاءُ بنُ زِيَادٍ: هكذا رَأَيْتَ رسولَ اللهِ ﷺ قامَ على الجِنَازَةِ مَقَامَكَ منها، ومن الرَّجُلِ مَقَامَكَ منه؟ قال: نعم. فلمَّا فَرَغَ، قال: احْفَظُوا. قال التِّرْمِذِىُّ (٢): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال أبو حنيفةَ: يَقُومُ عند صَدْرِ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ؛ لأنَّهما سَواءٌ، فإذا وَقَفَ عندَ صَدْرِ الرَّجُلِ فكذا المَرْأَة.

стр. 1574

وقال مالِكٌ: يَقِفُ من الرَّجُلِ عندَ وَسَطِهِ؛ لأنَّه يُرْوَى مِثْلُ (٣) هذا عن ابنِ مسعودٍ، ويَقِفُ من المَرْأَةِ عند مَنْكِبَيْها (٤)؛ لأنَّ الوُقُوفَ عندَ أعَالِيهَا أَمْثَلُ وأسْلَمُ. ولَنا، ما رَوَى سَمُرَةُ، قال: صَلَّيْتُ وراءَ النَّبِيِّ ﷺ على امْرَأَةٍ ماتَتْ في نِفَاسِها فقَامَ وَسَطَها. مُتَّفَقٌ عليه (٥). وحديث أنَس الذي ذَكَرْنَاهُ (٦)، والمَرْأَةُ تُخَالِفُ الرُّجُلَ في المَوْقِفِ، فجازَ أن تُخَالِفَه ها هُنا. ولأنَّ قِيَامَهُ عندَ وَسَطِ المَرْأَةِ أسْتَرُ (٧) لها مِن الناسِ، فكان أوْلَى. فأمَّا قولُ مَن قال: يَقِفُ عند رَأْسِ الرَّجُلِ. فغيرُ مُخالِفٍ لِقَوْلِ مَن قال بالوُقُوفِ عند الصَّدْرِ؛ لأنَّهما مُتَقارِبَانِ، فالواقِفُ عندَ أحَدِهما وَاقِفٌ عندَ الآخَرِ، واللهُ أعلمُ. فصل: فإن اجْتَمَعَ جَنائِزُ رِجالٍ ونِساءٍ، فعن أحمدَ فيه (٨) رِوَايتانِ: إحْدَاهما، يُسَوِّى بينَ رُءُوسِهم. وهذا اخْتِيارُ القاضي، وقولُ إبراهيمَ وأهْلِ مَكَّةَ، ومذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه يُرْوَى عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يُسَوِّى بين رَءُوسِهم (٩). ورَوَى

стр. 1575

سَعِيدٌ، بإسْنَادِهِ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ أُمَّ كُلْثُوم بنت عليٍّ، وابْنَهَا زيد بن عمرَ، تُوُفِّيَا جَمِيعًا، فأُخْرِجَتْ جِنازَتَاهُما، فَصَلَّى عليهما أمِيرُ المَدِينَةِ، فَسَوَّى بين رُءُوسِهما وأرْجُلِهما حين صَلَّى عليهما (١٠). وبإسْنَادِهِ عن حَبِيب بن أبي ثابتٍ (١١)، قال: قَدِمَ سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ على أهْلِ مَكَّة، وهم يُسَوُّونَ بين الرَّجُلِ والمَرْأةِ إذا صُلِّىَ عليهما، فأرَادَهُم على أن يَجْعَلُوا رَأْسَ المَرْأةِ عندَ وَسَطِ (١٢) الرَّجُلِ، فأبَوْا عليه (١٣). والرِّوَايَةُ الثَّانِيةُ، أن يصُفَّ (١٤) الرِّجَالَ صَفًّا والنِّسَاءَ صَفًّا، ويَجْعَلَ وَسَطَ النِّسَاءِ عندَ صُدُورِ الرِّجَالِ. وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ؛ ليكونَ مَوْقِفُ الإِمامِ عندَ صَدْرِ الرَّجُلِ ووَسَطِ المَرْأةِ. وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنِى خالِدُ بن يَزِيدَ بن أبي مالِكٍ الدِّمَشْقِىُّ. قال: حَدَّثَنِى أبي، قال: رَأَيْتُ وَاثِلَةَ بن الأسْقَع يُصَلِّى على جَنَائِزِ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ إذا اجْتَمَعَتْ، فيَصُفُّ الرِّجَالَ صَفًّا، ثم يَصُفُّ النِّسَاءَ خَلْفَ الرِّجَالِ، رَأْسُ أوَّلِ امْرَأَةٍ يَضَعُهَا عندَ رُكْبَةِ آخِرِ الرِّجالِ، ثم يَصُفُّهُنَّ، ثم يَقُومُ وَسَطَ الرِّجالِ، وإذا كانوا رِجالًا كُلُّهم صَفَّهم، ثم قامَ وَسَطَهم (١٥). وهذا يُشْبِهُ مذهبَ مالِكٍ، وقَوْلَ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ. وما ذَكَرْنَاه أوْلَى؛ لأنَّه مَدْلُولٌ عليه بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا حُجَّةَ في قَوْلِ أحَدٍ خَالَفَ فِعْلَهُ أو قَوْلَه، واللهُ أعلمُ.

стр. 1576

٣٧٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ شَهْرٍ) وبهذا قال بعضُ (١) أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال بَعْضُهم: يُصَلَّى عليه أبَدًا. واخْتَارَهُ ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى على شُهَدَاء أُحُدٍ بعدَ ثَمَانِى سِنِينَ. حَدِيثٌ صَحِيحٌ، [مُتَّفَقٌ عليه] (٢). وقال بَعْضُهم: يُصَلَّى عليه ما لم يَبْلَ جَسَدُه. وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى عليه الوَلِىُّ إلى ثَلاثٍ، ولا يُصَلِّى عليه غيرُه بِحالٍ. قال إسْحاقُ: يُصَلِّى عليه الغائِبُ إلى شَهْرٍ، والحَاضِرُ إلى ثَلَاثٍ. ولَنا، ما رَوَى سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، أنَّ أمَّ سَعْدٍ ماتَتْ والنَّبِىُّ ﷺ غَائِبٌ، فلمَّا قَدِمَ صَلَّى عليها، وقد مَضَى لذلك شَهْرٌ. أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ (٣). وقال أحمدُ: أكْثَرُ ما سَمِعْنَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى على قَبْرِ أُمِّ سَعْدِ بن عُبادَةَ بعدَ شَهْرٍ. ولأنَّها مُدَّةٌ يَغْلِبُ على الظَّنِّ بَقَاءُ المَيِّتِ فيها، فجازَتْ الصلاةُ عليه فيها، كما قبلَ الثَّلَاثِ، وكالغَائِبِ، وتَجْوِيزُ الصلاةِ عليه مُطْلَقًا بَاطِلٌ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فإنَّه لا يُصَلَّى عليه الآنَ اتِّفَاقًا، وكذلك التَّحْدِيدُ بِبِلَى المَيِّتِ، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَبْلَى، ولا يُصَلَّى على قَبْرِهِ. فإن قِيلَ: فالخَبَرُ دَلَّ على الجَوَازِ بعد شَهْرٍ، فكيف مَنَعْتُمُوهُ؟ قُلْنا: تَحْدِيدُه بالشَّهْرِ

стр. 1577

دليلٌ (٤) على أنَّ صلاةَ النَّبِيِّ ﷺ كانت عندَ رَأْسِهِ، لِيكونَ مُقَارِبًا لِلْحَدِّ، وتجوزُ الصلاةُ بعد الشَّهْرِ قَرِيبًا منه؛ لِدَلَالَةِ الخَبَرِ عليه، ولا يجوزُ بعدَ ذلك؛ لِعَدَمِ وُرُودِهِ. ٣٧٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ فِي الْكَفَنِ، جُعِلَ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَإنْ كَانَ مُوسِرًا فَبِخَمْسِينَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ كَفَنِ المَيِّتِ، بِدَلِيلِ ما رَوَى مُسْلِمٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ذكر رَجُلًا من أصْحَابِه قُبِضَ، فَكُفِّنَ في كَفَنٍ غيرِ طَائِلٍ، فقال: "إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ" (١). ويُسْتَحَبُّ تَكْفِينُهُ في البَيَاضِ؛ لِقَوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ : "الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُم البَيَاضَ؛ فَإنَّهُ أَطْهَرُ وأَطْيَبُ، وكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (٢). وكُفِّنَ رسولُ اللهِ ﷺ في ثلاثةِ أثْوابٍ سَحُولِيَّةٍ (٣). وإن تَشَاحَّ الوَرَثَهُ في الكَفَنِ، جُعِلَ كَفَنُه بحسَبِ حَالِه، إنْ كان مُوسِرًا كان كَفَنُه رَفِيعًا حَسَنًا، ويُجْعَلُ على حَسَبِ ما كان يَلْبَسُ في حال الحيَاةِ، وإن كان دُونَ ذَلِكَ فعلَى حَسَبِ حالِه. وقولُ الْخِرَقِىِّ: "جُعِلَ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وإن كان مُوسِرًا فَبِخَمْسِينَ". ليس هو على سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، إذ لم يَرِدْ فيه (٤) نَصٌّ، ولا فيه إجْماعٌ، والتَّحْدِيدُ إنَّما يكونُ بأحَدِهما، وإنَّما هو تَقْرِيبٌ، فلعَلَّه كان يَحْصُلُ الجَيِّدُ والمُتَوَسّطُ في وَقْتِه بالقَدْرِ الذي ذَكَرَهُ، وقد رُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه أوْصَى أن يُكَفَّنَ بنحوٍ من ثلاثينَ دِرْهَمًا. والمُسْتَحَبُّ أن يُكَفَّنَ في جَدِيدٍ، إلَّا أن يُوصِىَ المَيِّتُ بغيرِ ذلك، فتُمْتَثَلُ وَصيَّتُه، كما رُوِىَ عن أَبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّه

стр. 1578

عنه، أنَّه قال: كَفِّنُونِى في ثَوْبَىَّ هذَيْنِ، فإنَّ الحَىَّ أَحْوَجُ إلى الجَدِيدِ من المَيِّتِ، وإنَّما هما (٥) لِلْمهْلَةِ (٦) والتُّرَابِ (٧). وذَهَبَ ابنُ عَقِيلٍ إلى أن التَّكْفِينَ في الخَلِيعِ (٨) أوْلَى لهذا الخَبَرِ. والأوَّلُ أَوْلَى، لِدَلَالَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وفِعْلِ أصْحابِه به (٩) عليه. فصل: ويَجِبُ كَفْنُ المَيِّتِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ به، ولأنَّ سُتْرَتَهُ وَاجِبَةٌ في الحياةِ، فكذلك بعدَ المَوْت. ويكونُ ذلك من رَأْسِ مالِهِ مُقَدَّمًا على الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ والمِيرَاثِ؛ لأنَّ حَمْزَةَ ومُصْعَبَ بن عُمَيْرٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما، لم يُوجَدْ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهما إلَّا ثَوْبٌ، فكُفِّنَ فيه، ولأنَّ لِبَاسَ المُفْلِسِ مُقَدَّمٌ على قَضاءِ دَيْنِه، فكذلك كَفَنُ المَيِّتِ. ولا يَنْتَقِلُ إلى الوَارِثِ مِن مالِ المَيِّتِ إلَّا ما فَضَلَ عن حَاجَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وكذلك مَؤُونَةُ دَفْنِه وتَجْهِيزِه، وما لا بُدَّ لِلْمَيِّتِ منه، فأمَّا الحَنُوطُ والطِّيبُ، فليس بِوَاجِبٍ. ذَكَرَهُ أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ. ولأنَّه لا يَجبُ في الحَياةِ، فكذلك بعدَ المَوْتِ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنَّه وَاجِبٌ؛ لأنَّه ممَّا جَرَتِ العادةُ به. وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّ العادةَ جَرَتْ بِتَحْسِينِ الكَفَنِ، وليس بِوَاجِبٍ. فصل: وكَفَنُ المَرْأَةِ ومَؤُونَةُ دَفْنِها من مَالِها إنْ كان لها مَالٌ. وهذا قَوْلُ الشَّعْبِىِّ، وأبى حنيفةَ، وبعضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال بَعْضُهم: يَجِبُ على الزَّوْجِ. واخْتَلَفُوا عن مالِكٍ فيه. واحْتَجُّوا بأنَّ كُسْوَتَها ونَفَقَتَها وَاجِبَةٌ عليه فوَجَبَ

стр. 1579

عليه كَفَنُها، كسَيِّدِ العَبْدِ والوالدِ. ولَنا، أنَّ النَّفَقَةَ والكُسْوَةَ تَجِبُ في النِّكاحِ لِلتَّمَكُّنِ من الاسْتِمْتاعِ، ولهذا تَسْقُطُ بالنُّشُوزِ والبَيْنُونَةِ، وقد انْقَطَعَ ذلك بالمَوْتِ، فأشْبَهَ ما لو انْقَطَعَ بالفُرْقَةِ في الحياةِ، ولأنَّها بَانَتْ منه بالمَوْتِ، فأشْبَهَتِ الأجْنَبِيَّةَ، وفارَقَتِ المَمْلُوكَ، فإنَّ نَفَقَتَه تَجِبُ بِحَقِّ المِلْكِ لا بالانْتِفاعِ (١٠)، ولهذا تَجِبُ نَفَقَةُ الآبِقِ وفِطْرَتُه، [والولدُ تَجِبُ نفقتُه بالقَرابةِ، ولا يبْطُلُ ذلك بالموتِ؛ بدليلِ أنَّ السَّيِّدَ] (١١) والوَالِدَ أحَقُّ بِدَفْنِه وَتَوَلِّيهِ. إذا تقَرَّرَ هذا فإنَّه إنْ لم يَكُنْ لها مَالٌ، فعلَى مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُها من الأقارِبِ، فإن لم يَكُنْ ففى بَيْتِ المالِ، كمَنْ لا زَوْجَ لها. ٣٧٥ - مسألة؛ قال: (والسِّقْطُ إذا وُلِدَ لِأَكْثرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ، وصُلِّىَ عَلَيْهِ) السِّقْطُ: الوَلَدُ تَضَعُهُ المَرْأةُ مَيِّتًا، أو لغيرِ تَمامٍ. فأمَّا إن خَرَجَ حَيًّا واسْتَهَلَّ، فإنَّه يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه، [بَغْيرِ خِلافٍ] (١). قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الطِّفْلَ إذا عُرِفَتْ حَيَاتُه واسْتَهَلَّ، صُلِّىَ (٢) عليه. وإن لم يَسْتَهِلَّ، فقال أحمدُ: إذا أتَى له أرْبَعَةُ أشْهُرٍ غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه. وهذا قولُ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وابنِ سِيرِينَ، وإسْحاقَ. صلى ابنُ عمرَ على ابْنٍ لابْنَتِه وُلِدَ مَيِّتًا. وقال الحسنُ، وإبْراهيمُ، والحَكَمُ (٣)، وحَمَّادٌ، ومَالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا يُصَلَّى عليه حتى يَسْتَهِلَّ. ولِلشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالمَذْهَبَيْنِ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 1580

أنَّه قال: "الطِّفْلُ لا يُصَلَّى عَلَيْهِ، ولَا يَرِثُ، ولَا يُورَثُ، حَتَّى يَسْتَهِلَّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٤). ولأنَّه لم يَثْبُتْ له حُكْمُ الحياةِ ولا يَرِثُ ولا يُورَث، فلا يُصَلَّى عليه، كمَنْ دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ. ولنَا، ما رَوَى المُغِيرَةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٥). وفى لَفْظِ رِوايةِ التِّرْمِذِىِّ: "والطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ". وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وذَكَرَهُ أحمدُ، واحْتَجَّ به، وبِحَدِيثِ أبى بكرٍ الصِّدِّيق، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: "مَا أحَدٌ أَحَقُّ أن يُصَلَّى عَلَيْهِ مِن الطِّفْلِ" (٦). ولأنَّه نَسَمَةٌ نُفِخَ فيه الرُّوحُ فيُصَلَّى عليه كالمُسْتَهِلِّ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ أخْبَرَ في حَدِيثِه الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، أنَّه يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ لأرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (٧). وحَدِيثُهمْ، قال التِّرْمِذِىُّ: قد اضْطَرَبَ النّاسُ فيه، فرَوَاهُ بَعْضُهم مَوْقُوفًا. قال التِّرْمِذِىُّ: كأنَّ هذا أصَحُّ من المَرْفُوعِ. وأمَّا الإِرْثُ فلأنَّه لا تُعْلَمُ حَيَاتُه حالَ
следующие страницы →