← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

٣٧٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ شَهْرٍ) وبهذا قال بعضُ (١) أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال بَعْضُهم: يُصَلَّى عليه أبَدًا. واخْتَارَهُ ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى على شُهَدَاء أُحُدٍ بعدَ ثَمَانِى سِنِينَ. حَدِيثٌ صَحِيحٌ، [مُتَّفَقٌ عليه] (٢). وقال بَعْضُهم: يُصَلَّى عليه ما لم يَبْلَ جَسَدُه. وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى عليه الوَلِىُّ إلى ثَلاثٍ، ولا يُصَلِّى عليه غيرُه بِحالٍ. قال إسْحاقُ: يُصَلِّى عليه الغائِبُ إلى شَهْرٍ، والحَاضِرُ إلى ثَلَاثٍ. ولَنا، ما رَوَى سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، أنَّ أمَّ سَعْدٍ ماتَتْ والنَّبِىُّ ﷺ غَائِبٌ، فلمَّا قَدِمَ صَلَّى عليها، وقد مَضَى لذلك شَهْرٌ. أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ (٣). وقال أحمدُ: أكْثَرُ ما سَمِعْنَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى على قَبْرِ أُمِّ سَعْدِ بن عُبادَةَ بعدَ شَهْرٍ. ولأنَّها مُدَّةٌ يَغْلِبُ على الظَّنِّ بَقَاءُ المَيِّتِ فيها، فجازَتْ الصلاةُ عليه فيها، كما قبلَ الثَّلَاثِ، وكالغَائِبِ، وتَجْوِيزُ الصلاةِ عليه مُطْلَقًا بَاطِلٌ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فإنَّه لا يُصَلَّى عليه الآنَ اتِّفَاقًا، وكذلك التَّحْدِيدُ بِبِلَى المَيِّتِ، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَبْلَى، ولا يُصَلَّى على قَبْرِهِ. فإن قِيلَ: فالخَبَرُ دَلَّ على الجَوَازِ بعد شَهْرٍ، فكيف مَنَعْتُمُوهُ؟ قُلْنا: تَحْدِيدُه بالشَّهْرِ

стр. 1577

دليلٌ (٤) على أنَّ صلاةَ النَّبِيِّ ﷺ كانت عندَ رَأْسِهِ، لِيكونَ مُقَارِبًا لِلْحَدِّ، وتجوزُ الصلاةُ بعد الشَّهْرِ قَرِيبًا منه؛ لِدَلَالَةِ الخَبَرِ عليه، ولا يجوزُ بعدَ ذلك؛ لِعَدَمِ وُرُودِهِ. ٣٧٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ فِي الْكَفَنِ، جُعِلَ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَإنْ كَانَ مُوسِرًا فَبِخَمْسِينَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ كَفَنِ المَيِّتِ، بِدَلِيلِ ما رَوَى مُسْلِمٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ذكر رَجُلًا من أصْحَابِه قُبِضَ، فَكُفِّنَ في كَفَنٍ غيرِ طَائِلٍ، فقال: "إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ" (١). ويُسْتَحَبُّ تَكْفِينُهُ في البَيَاضِ؛ لِقَوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ : "الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُم البَيَاضَ؛ فَإنَّهُ أَطْهَرُ وأَطْيَبُ، وكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (٢). وكُفِّنَ رسولُ اللهِ ﷺ في ثلاثةِ أثْوابٍ سَحُولِيَّةٍ (٣). وإن تَشَاحَّ الوَرَثَهُ في الكَفَنِ، جُعِلَ كَفَنُه بحسَبِ حَالِه، إنْ كان مُوسِرًا كان كَفَنُه رَفِيعًا حَسَنًا، ويُجْعَلُ على حَسَبِ ما كان يَلْبَسُ في حال الحيَاةِ، وإن كان دُونَ ذَلِكَ فعلَى حَسَبِ حالِه. وقولُ الْخِرَقِىِّ: "جُعِلَ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وإن كان مُوسِرًا فَبِخَمْسِينَ". ليس هو على سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، إذ لم يَرِدْ فيه (٤) نَصٌّ، ولا فيه إجْماعٌ، والتَّحْدِيدُ إنَّما يكونُ بأحَدِهما، وإنَّما هو تَقْرِيبٌ، فلعَلَّه كان يَحْصُلُ الجَيِّدُ والمُتَوَسّطُ في وَقْتِه بالقَدْرِ الذي ذَكَرَهُ، وقد رُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه أوْصَى أن يُكَفَّنَ بنحوٍ من ثلاثينَ دِرْهَمًا. والمُسْتَحَبُّ أن يُكَفَّنَ في جَدِيدٍ، إلَّا أن يُوصِىَ المَيِّتُ بغيرِ ذلك، فتُمْتَثَلُ وَصيَّتُه، كما رُوِىَ عن أَبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّه

стр. 1578

عنه، أنَّه قال: كَفِّنُونِى في ثَوْبَىَّ هذَيْنِ، فإنَّ الحَىَّ أَحْوَجُ إلى الجَدِيدِ من المَيِّتِ، وإنَّما هما (٥) لِلْمهْلَةِ (٦) والتُّرَابِ (٧). وذَهَبَ ابنُ عَقِيلٍ إلى أن التَّكْفِينَ في الخَلِيعِ (٨) أوْلَى لهذا الخَبَرِ. والأوَّلُ أَوْلَى، لِدَلَالَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وفِعْلِ أصْحابِه به (٩) عليه. فصل: ويَجِبُ كَفْنُ المَيِّتِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ به، ولأنَّ سُتْرَتَهُ وَاجِبَةٌ في الحياةِ، فكذلك بعدَ المَوْت. ويكونُ ذلك من رَأْسِ مالِهِ مُقَدَّمًا على الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ والمِيرَاثِ؛ لأنَّ حَمْزَةَ ومُصْعَبَ بن عُمَيْرٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما، لم يُوجَدْ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهما إلَّا ثَوْبٌ، فكُفِّنَ فيه، ولأنَّ لِبَاسَ المُفْلِسِ مُقَدَّمٌ على قَضاءِ دَيْنِه، فكذلك كَفَنُ المَيِّتِ. ولا يَنْتَقِلُ إلى الوَارِثِ مِن مالِ المَيِّتِ إلَّا ما فَضَلَ عن حَاجَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وكذلك مَؤُونَةُ دَفْنِه وتَجْهِيزِه، وما لا بُدَّ لِلْمَيِّتِ منه، فأمَّا الحَنُوطُ والطِّيبُ، فليس بِوَاجِبٍ. ذَكَرَهُ أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ. ولأنَّه لا يَجبُ في الحَياةِ، فكذلك بعدَ المَوْتِ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنَّه وَاجِبٌ؛ لأنَّه ممَّا جَرَتِ العادةُ به. وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّ العادةَ جَرَتْ بِتَحْسِينِ الكَفَنِ، وليس بِوَاجِبٍ. فصل: وكَفَنُ المَرْأَةِ ومَؤُونَةُ دَفْنِها من مَالِها إنْ كان لها مَالٌ. وهذا قَوْلُ الشَّعْبِىِّ، وأبى حنيفةَ، وبعضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال بَعْضُهم: يَجِبُ على الزَّوْجِ. واخْتَلَفُوا عن مالِكٍ فيه. واحْتَجُّوا بأنَّ كُسْوَتَها ونَفَقَتَها وَاجِبَةٌ عليه فوَجَبَ

стр. 1579

عليه كَفَنُها، كسَيِّدِ العَبْدِ والوالدِ. ولَنا، أنَّ النَّفَقَةَ والكُسْوَةَ تَجِبُ في النِّكاحِ لِلتَّمَكُّنِ من الاسْتِمْتاعِ، ولهذا تَسْقُطُ بالنُّشُوزِ والبَيْنُونَةِ، وقد انْقَطَعَ ذلك بالمَوْتِ، فأشْبَهَ ما لو انْقَطَعَ بالفُرْقَةِ في الحياةِ، ولأنَّها بَانَتْ منه بالمَوْتِ، فأشْبَهَتِ الأجْنَبِيَّةَ، وفارَقَتِ المَمْلُوكَ، فإنَّ نَفَقَتَه تَجِبُ بِحَقِّ المِلْكِ لا بالانْتِفاعِ (١٠)، ولهذا تَجِبُ نَفَقَةُ الآبِقِ وفِطْرَتُه، [والولدُ تَجِبُ نفقتُه بالقَرابةِ، ولا يبْطُلُ ذلك بالموتِ؛ بدليلِ أنَّ السَّيِّدَ] (١١) والوَالِدَ أحَقُّ بِدَفْنِه وَتَوَلِّيهِ. إذا تقَرَّرَ هذا فإنَّه إنْ لم يَكُنْ لها مَالٌ، فعلَى مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُها من الأقارِبِ، فإن لم يَكُنْ ففى بَيْتِ المالِ، كمَنْ لا زَوْجَ لها. ٣٧٥ - مسألة؛ قال: (والسِّقْطُ إذا وُلِدَ لِأَكْثرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ، وصُلِّىَ عَلَيْهِ) السِّقْطُ: الوَلَدُ تَضَعُهُ المَرْأةُ مَيِّتًا، أو لغيرِ تَمامٍ. فأمَّا إن خَرَجَ حَيًّا واسْتَهَلَّ، فإنَّه يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه، [بَغْيرِ خِلافٍ] (١). قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الطِّفْلَ إذا عُرِفَتْ حَيَاتُه واسْتَهَلَّ، صُلِّىَ (٢) عليه. وإن لم يَسْتَهِلَّ، فقال أحمدُ: إذا أتَى له أرْبَعَةُ أشْهُرٍ غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه. وهذا قولُ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وابنِ سِيرِينَ، وإسْحاقَ. صلى ابنُ عمرَ على ابْنٍ لابْنَتِه وُلِدَ مَيِّتًا. وقال الحسنُ، وإبْراهيمُ، والحَكَمُ (٣)، وحَمَّادٌ، ومَالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا يُصَلَّى عليه حتى يَسْتَهِلَّ. ولِلشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالمَذْهَبَيْنِ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 1580

أنَّه قال: "الطِّفْلُ لا يُصَلَّى عَلَيْهِ، ولَا يَرِثُ، ولَا يُورَثُ، حَتَّى يَسْتَهِلَّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٤). ولأنَّه لم يَثْبُتْ له حُكْمُ الحياةِ ولا يَرِثُ ولا يُورَث، فلا يُصَلَّى عليه، كمَنْ دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ. ولنَا، ما رَوَى المُغِيرَةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٥). وفى لَفْظِ رِوايةِ التِّرْمِذِىِّ: "والطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ". وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وذَكَرَهُ أحمدُ، واحْتَجَّ به، وبِحَدِيثِ أبى بكرٍ الصِّدِّيق، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: "مَا أحَدٌ أَحَقُّ أن يُصَلَّى عَلَيْهِ مِن الطِّفْلِ" (٦). ولأنَّه نَسَمَةٌ نُفِخَ فيه الرُّوحُ فيُصَلَّى عليه كالمُسْتَهِلِّ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ أخْبَرَ في حَدِيثِه الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، أنَّه يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ لأرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (٧). وحَدِيثُهمْ، قال التِّرْمِذِىُّ: قد اضْطَرَبَ النّاسُ فيه، فرَوَاهُ بَعْضُهم مَوْقُوفًا. قال التِّرْمِذِىُّ: كأنَّ هذا أصَحُّ من المَرْفُوعِ. وأمَّا الإِرْثُ فلأنَّه لا تُعْلَمُ حَيَاتُه حالَ

стр. 1581

مَوْتِ مُوَرِّثِه (٨)، وذلك مِن شَرْطِ (٩) الإِرْثِ. والصلاةُ مِن شَرْطِها أن تُصَادِفَ مَن كانت فيه حَيَاةٌ، وقد عُلِمَ ذلك بما ذَكَرْنَا من الحَدِيثِ، ولأنَّ الصلاةَ عليه دُعاءٌ له ولِوالِدَيْهِ وخَيْرٌ، فلا يُحْتَاجُ فيها إلى الاحْتِيَاطِ واليَقِينِ لِوُجُودِ الحَياةِ، بِخِلافِ المِيرَاثِ. فأمَّا مَن لم يَأْتِ له أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، فإنَّه لا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلَّى عليه، ويُلَفُّ في خِرْقَةٍ، ويُدْفَنُ. ولا نعلمُ فيه خِلَافًا، إلَّا عن ابنِ سِيرِينَ، فإنَّه قال: يُصَلَّى عليه إذا عُلِمَ أنَّه نُفِخَ فيه الرُّوحُ. وحَدِيثُ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ يَدُلُّ علَى أنَّه لا يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ إلَّا بعدَ أرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وقبلَ ذلك فلا يكونُ نَسَمَةً، فلا يُصَلَّى عليه، كالجماداتِ والدَّمِ. ٣٧٦ - مسألة؛ قال: (فَإنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ، أَذَكَرٌ هو أَمْ أُنْثَى، سُمِّىَ اسْمًا يَصْلُحُ لِلذَّكَرِ والْأُنْثَى) هذا على سَبِيلِ الاسْتِحْبَابِ؛ لأنَّه يُرْوَى عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "سَمُّوا أَسْقَاطَكُمْ، فَإنَّهُمْ أسْلَافُكُمْ". رَوَاهُ ابنُ السَّمَّاكِ بإسْنَادِهِ (١). قيل: إنَّهم إنَّما يُسَمَّوْنَ لِيُدْعَوْا يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَسْمَائِهم. فإذا لم يُعْلَمْ هل السِّقْطُ ذَكَرٌ أو أُنْثَى، سُمِّىَ اسْمًا يَصْلُحُ لهما جَمِيعًا؛ كسَلَمَةَ، وقَتَادَةَ، وسَعَادَةَ، وهِنْدٍ، وعَنْبَسَة (٢)، وهِبَةِ اللهِ، ونحوِ ذلك. ٣٧٧ - مسألة؛ قال: (وتُغسِّلُ المَرْأَةُ زوْجَهَا) قال ابنُ المُنذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ المَرْأَةَ تُغَسِّلُ زَوْجَها إذا ماتَ. قالتْ عائشةُ: لو اسْتَقْبَلْنَا من أمْرِنَا ما اسْتَدْبَرْنَا ما غَسَّلَ رسولَ اللهِ ﷺ إلَّا

стр. 1582

نِسَاؤُهُ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (١). وأوْصَى أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، أن تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُه (٢) أسْمَاءُ بنتُ عُمَيْسٍ، وكانت صَائِمَةً، فَعَزَمَ عليها أن تُفْطِرَ، فلمَّا فَرَغَتْ من غُسْلِهِ ذَكَرَتْ يَمِينَهُ، فقالتْ: لا أُتْبِعُه اليومَ حِنْثًا. فدَعَتْ بمَاءٍ فَشَرِبَتْ. وغَسَّل أبا موسى امْرأَتُه أُمُّ عبدِ اللهِ، وأوْصَى جابِرُ ين زيد أن تُغَسِّلَهُ امْرَأتُه. قال أحمدُ: ليس فيه اخْتِلافٌ بين النّاسِ. ٣٧٨ - مسألة؛ قال: (وإنْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ إلَى أن يُغسِّلَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، فَلَا بَأْسَ) المشهورُ عن أحمدَ أنَّ لِلزَّوْجِ غَسْلَ امْرَأتِه (١). وهو قولُ عَلْقَمَةَ، وعبدِ الرحمنِ بن يَزِيدَ بن الأسْوَد، وجابِرِ بن زيدٍ، وسُليمانَ بن يَسَارٍ، وأبى سَلَمَةَ بن عبدِ الرحمنِ، وقَتَادَةَ، وحَمَّادٍ، ومالكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسْحاقَ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ ثانيةٌ، ليس لِلزَّوْجِ غَسْلَها. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّ المَوْتَ فُرْقَةٌ تُبِيحُ أُخْتَها، وأرْبَعًا سِوَاها، فحرَّمَتِ النَّظَرَ واللَّمْسَ، كالطَّلاقِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ المُنْذِرِ، أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، غَسَّلَ فَاطِمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها (٢). واشْتَهَرَ ذلك في الصَّحابةِ، فلم يُنْكِرُوهُ، فكان إجْمَاعًا، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لعائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها: "لَوْ مُتِّ قَبْلِى لَغَسَّلْتُكِ وكَفَنْتُكِ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٣). والأصْلُ في إضافَةِ الفِعْلِ إلى الشَّخْص أن يكونَ لِلْمُباشرةِ، وحَمْلُهُ على

стр. 1583

الأمْرِ يُبْطِلُ فائِدَةَ التَّخْصِيصِ. ولأنَّه أحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فأُبِيحَ له غَسْلُ صَاحِبِه كالآخَر، والمَعْنَى فيه أنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من الزَّوْجَيْنِ يَسْهُلُ عليه اطِّلَاعُ الآخَر على عَوْرَتِه دُونَ غيرِه، لما كان بينهما في الحَيَاةِ، ويَأْتِى بالغُسْلِ على أكْمَلِ ما يُمْكِنُه، لما بينهما من المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ. وما قَاسُوا عليه لا يَصِحُّ، لأنَّه يَمْنَعُ الزَّوْجَةَ من النَّظَرِ، وهذا بِخِلافِه، ولأنَّه لا فَرْقَ بين الزَّوْجَيْنِ إلَّا بقَاءُ العِدَّةِ، ولا أثَرَ لها، بِدَلِيلِ ما لو ماتَ المُطَلِّقُ ثَلَاثًا، فإنَّه لا يجوزُ لها غَسْلُه مع العِدَّةِ. ولأنَّ المَرْأَةَ لو وَضَعَتْ حَمْلَها عَقِبَ مَوْتِه كان لها غَسْلُه، ولا عِدَّةَ عليها. وقولُ الْخِرَقِىِّ: "وإن دَعَتِ الضَّرُورَةُ إلى أن يُغَسِّلَ الرَّجُلُ زَوْجَتَه فلا بَأْسَ" يَعْنِى به (٤) أنَّه يُكْرَهُ له غَسْلُها مع وُجُودِ مَن يُغَسِّلها سِواهُ، لما فيه من الخِلافِ والشُّبْهَةِ، ولم يُرِدْ أنَّه مُحَرَّمٌ؛ فإنَّ غُسْلَها لو كان مُحَرَّمًا لم تُبِحْهُ الضَّرُورَةُ، كغَسْلِ ذَوَات مَحَارِمِه والأجْنَبِيَّاتِ. فصل: فإن طَلَّقَ امْرَأتَهُ، ثم ماتَ أحَدُهما في العِدَّةِ، وكان الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، فحُكْمُهُما حُكْمُ الزَّوْجَيْنِ قبلَ الطَّلَاقِ؛ لأنَّها زَوْجَةٌ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ، وتَرِثُه ويَرِثُها، ويُباحُ له وَطْؤُها. وإن كان بَائِنًا لم يَجُزْ؛ لأن اللَّمْسَ والنَّظَرَ مُحَرَّمٌ حالَ الحياةِ، فبعدَ المَوْتِ أوْلَى. وإنْ قُلْنا: إن الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ. لم يُبَحْ لأحَدِهما غُسْلُ صَاحِبِه؛ لما ذَكَرْناهُ. فصل: وحُكْمُ أُمِّ الوَلدِ حُكْمُ المَرْأَةِ فيما ذَكَرْنا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أنْ لا يجوزَ لها غَسْلُ سَيِّدِها؛ لأنَّ عِتْقَهَا حَصَلَ بالمَوْتِ، ولم يَبْقَ عُلْقَةٌ مِن مِيرَاثٍ ولا غيرِه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. ولَنا، أنَّها في مَعْنَى الزَّوْجَةِ في اللَّمْسِ والنَّظَرِ

стр. 1584

والاسْتِمْتاعِ، فكذلك في الغَسْلِ، والمِيرَاثُ ليس مِن المُقْتضَى، بِدَلِيلِ الزَّوْجَيْنِ إذا كان أحَدُهما رَقِيقًا، والاسْتِبْراءُ ها هُنا كالعِدَّةِ. ولأنَّها إذا ماتَتْ يَلْزَمُه كَفَنُها ودَفْنُها (٥) ومُؤْنَتُها، بخِلافِ الزَّوْجَةِ. فأمَّا غيرُ أُمِّ الوَلدِ من الإِماءِ، فيَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ لها غَسْلُ سَيِّدِها؛ لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ فيها إلى غيرِه، ولم يكنْ بينهما من الاسْتِمْتَاعِ ما تَصِيرُ به في مَعْنَى الزَّوْجاتِ. ولو ماتَ قبلَ الدُّخُولِ بامْرَأتِه احْتَمَلَ أن لا يُباحَ لها غَسْلُه لذلك. واللهُ أعلمُ. فصل: وإن كانت الزَّوْجَةُ ذِمِّيِّةً، فليس لها غَسْلُ زَوْجِها، لأنَّ الكافِرَ لا يُغَسِّلُ المُسْلِمَ، لأنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ في الغُسْلِ، والكَافِرُ ليس مِن أهْلِها، وليس لِزَوْجِها غَسْلُها؛ لأنَّ المُسْلِمَ لا يُغَسِّلُ الكافِرَ، ولا يَتَوَلَّى دَفْنَهُ، ولأنَّه لا مِيراثَ بينهما، ولا مُوَالاةَ، وقد انْقَطَعَتِ الزَّوْجِيَّةُ بِالمَوْتِ. ويَتَخَرَّجُ جَوازُ ذلك بِنَاءً على جَوازِ غسْلِ المُسْلِمِ الكافِرَ. فصل: وليس لِغيرِ مَن ذَكَرْنَا من الرِّجالِ غَسْلُ أحَدٍ من النِّساءِ، ولا أحَدٍ (٦) من النِّساءِ غَسْلُ غيرِ مَن ذَكَرْنَا من الرِّجالِ، وإن كُنَّ ذَواتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن أبي قِلَابَةَ أنَّه غَسَّلَ ابْنَتَهُ. واسْتَعْظَمَ أحمدُ هذا، ولم يُعْجبْهُ. وقال: أليس قد قِيلَ: اسْتَأْذِنْ على أُمِّكَ. وذلك لأنَّها مُحَرَّمَةٌ حالَ الحياةِ، فلم يَجُزْ غُسْلُها كالأجْنَبِيَّةِ، وأخْتِه من الرَّضاعِ. فإن دَعَتِ الضَّرُورَةُ إلى ذلك، بأنْ لا يُوجَدَ من يُغَسِّلُ المَرْأَةَ من النِّساءِ، فقال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يُغَسِّلُ أُخْتَه إذا لم يَجِدْ نِسَاءً. قال: لا. قلتُ: فكيف يَصْنَعُ؟ قال: يُغَسِّلُها وعليها ثِيَابُها، يَصُبُّ عليها الماءَ صَبًّا. قلتُ لأحمدَ: وكذلك كلُّ ذَاتِ مَحْرَمٍ تُغَسَّلُ وعليها ثِيابُها؟ قال: نعم. وقال الحسنُ، ومحمدٌ، ومالِكٌ: لا بَأْسَ

стр. 1585

بِغَسْلِ ذَاتِ مَحْرَمٍ عندَ الضَّرُورَةِ. فأمَّا إن ماتَ رَجُلٌ بين نِسْوَةٍ أجانِبَ، أو امْرَأَةٌ بين رِجالٍ أجانِبَ، أو ماتَ خُنْثَى مُشْكِلٌ، فإنَّه يُيَمَّمُ. وهذا قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادٍ، ومالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ. وحَكَى أبو الخَطَّابِ رِوَايَةً ثَانِيَةً، أنَّه يُغَسَّلُ مِن فَوْقِ القَمِيصِ، يُصَبُّ عليه الماءُ مِن فوقِ القَمِيصِ صَبًّا، ولا يُمَسُّ. وهو قَوْلُ الحسنِ، وإسْحاقَ. ولَنا، ما رَوَى تَمَّامٌ الرَّازِىُّ، في "فَوَائِدِه"، بإسْنَادِه عن مَكْحُولٍ، عن وَاثِلَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا مَاتَتِ المَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ، لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَهُم مَحْرَمٌ، تُيَمَّمُ كما يُيَمَّمُ الرِّجَالُ" (٧). ولأنَّ الغُسْلَ من غير مَسٍّ لا يَحْصُلُ به التَّنْظِيفُ، ولا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، بل رُبَّما كَثُرَتْ، ولا يَسْلَمُ من النَّظَرِ، فكان العُدُولُ إلى التَّيَمُّمِ أوْلَى، كما لو عَدِمَ الماءَ. فصل: ولِلنِّسَاءِ غَسْلُ الطِّفْلِ بِغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن يُحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ المَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِىَّ الصَّغِيرَ. قال أحمدُ: لَهُنَّ غُسْلُ مَن له دُونَ سَبْع سِنِينَ. وقال الحسنُ: إذا كان فَطِيمًا، أو فَوْقَه. وقال الأوْزَاعِىُّ: ابن أرْبَعٍ أو خَمْسٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: الذي لم يَتَكَلَّمْ. ولَنا، أنَّ مَنْ له دُونَ السَّبْعِ لم نُؤْمَرْ بأمْرِهِ بالصلاةِ، ولا عَوْرَةَ له، فأشْبَهَ ما سَلَّمُوه، فأمَّا مَن بَلَغَ السَّبْعَ ولم يَبْلُغْ عَشْرًا (٨)، فحَكَى أبو الخَطَّابِ فيه رِوَايَتَيْنِ. والصَّحِيحُ أنَّ مَن بَلَغَ عَشْرًا ليس لِلنِّساءِ غَسْلُه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وفَرِّقُوا بَيْنَهُم فِي الْمَضَاجِعِ" (٩). وأمَرَ بِضَرْبِهِم لِلصلاةِ لِعَشْرٍ. [ومَن دونَ العَشْرِ] (١٠) يَحْتَمِلُ أن

стр. 1586

يَلْحَقَ بمن دُونَ السَّبْعِ، لأنَّه في مَعْنَاهُ، ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْحَقَ به، لأنَّه يُفَارِقُه في أمْرِهِ بالصلاةِ، وقُرْبِهِ من المُرَاهَقَةِ (١١). فأمَّا الجاريةُ (١٢) الصَّغِيرَةُ، فلم يَرَ أبو عبدِ اللهِ أن يُغَسِّلَها الرَّجُلُ، وقال: النِّساءُ أعْجَبُ إلَىَّ. وذُكِرَ له أنَّ الثَّوْرِىَّ يقول: تُغَسِّلُ المَرْأَةُ الصَّبِىَّ والرُّجُلُ الصَّبِيَّةَ. قال: لا بَأْسَ أن تُغَسِّلَ المَرْأةُ الصَّبِىَّ، وأمَّا الرَّجُلُ يُغَسِّلُ الصَّبِيَّةَ فلا أجْتَرِئُ عليه، إلَّا أن يُغَسِّلَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ، فإنَّه يُرْوَى عن أبي قِلَابَةَ أنَّه غَسَّلَ بِنْتًا له صَغِيرَةً (١٣). والحسنُ قال: لا بَأْسَ أن يُغَسِّلَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، إذا كانت صَغِيرَةً. وكَرِهَ غَسْلَ الرَّجُلِ الصَّغِيرَةَ سَعِيدٌ، والزُّهْرِىُّ. قال الخَلَّالُ: القِياسُ التَّسْوِيَةُ بين الغُلامِ والجارِيَةِ، لولا أنَّ التَّابِعِينَ فَرَّقُوا بينهما، فكَرِهَهُ أحمدُ لذلك. وسَوَّى أبو الخَطَّابِ بينهما، فجَعَلَ فيهما رِوَايَتَيْنِ، جَرْيًا على مُوجِبِ القِياسِ. والصَّحِيحُ ما عليه السَّلَفُ، مِن أنَّ الرَّجُلَ لا يُغَسِّلُ الجارِيَةَ، والتَّفْرِقَةُ بين عَوْرَةِ الغُلامِ والجارِيَةِ؛ لأنَّ عَوْرَةَ الجارِيَةِ أفْحَشُ، ولأنَّ العادَةَ مُعانَاةُ المَرْأَةِ لِلْغُلامِ الصَّغِيرِ، ومُباشَرَةُ عَوْرَتِه في حال تَرْبِيَتِه، ولم تَجْرِ العادَةُ بِمُباشَرَةِ الرَّجُلِ عَوْرَةَ الجارِيَةِ في الحياةِ، فكذلك حَالَةَ المَوْتِ، واللهُ أعلمُ. فأمَّا الصَّبِىُّ إذا غَسَّلَ المَيِّتَ، فإنْ كان عَاقِلًا صَحَّ غُسْلُه صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا؛ لأنَّه يَصِحُّ طَهَارَتُه، فَصَحَّ أن يُطَهِّرَ غَيْرَه، كالكَبِيرِ. فصل: ويَصِحُّ أن يُغَسِّلَ المُحْرِمُ الحَلالَ، والحَلالُ المُحْرِمَ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما تَصِحُّ طَهارَتُه وغُسْلُه، فكان له أن يُغَسِّلَ غيرَه. فصل: ولا يَصِحُّ غَسْلُ الكَافِرِ للمُسْلِمِ (١٤)؛ لأنَّه عِبَادَةٌ، وليس الكَافِرُ من

стр. 1587

أهْلِها. وقال مَكْحُولٌ في امْرَأةٍ تُوُفِّيَتْ في سَفَرٍ، ومعها ذُو مَحْرَمٍ، ونِساءٌ نَصارَى: يُغَسِّلُها النِّسَاءُ. وقال سُفْيَانُ في رَجُلٍ ماتَ مع نِسَاءٍ، ليس مَعَهُنَّ رَجُلٌ، قال: إن وَجَدُوا نَصْرَانِيًّا أو مَجُوسِيًّا، فلا بَأْسَ إذا تَوَضَّأَ أن يُغَسِّلَهُ، ويُصَلِّىَ عليه النِّسَاءُ. وغَسَّلَتِ امْرَأةَ عَلْقَمَةَ امْرَأةٌ نَصْرانِيَّةٌ. ولم يُعْجِبْ هذا أبا عبدِ اللهِ. وقال: لا يُغَسِّلُه إلا مُسْلِمٌ، ويُيَمَّمُ؛ لأنَّ الكَافِرَ نَجِسٌ، فلا يُطَهِّرُ غَسْلَه المُسْلِمَ. ولأنَّه ليس من أهْلِ العِبادَةِ فلا يَصِحُّ غَسْلُه لِلْمُسْلِمِ، كالمَجْنُونِ. وإن ماتَ كَافِرٌ مع مُسْلِمِينَ، لم يُغَسِّلُوهُ، سَوَاءٌ كان قَرِيبًا لهم (١٥) أو لم يكنْ، ولا يَتَوَلَّوْا دَفْنَه، إلَّا أن لا يَجِدُوا مَن يُوَارِيه. وهذا قولُ مالكٍ. وقال أبو حَفْص العُكْبَرِىُّ: يجوزُ له غَسْلُ قَرِيبِه الكَافِر، ودَفْنُهُ. وحكاه قَوْلًا لأحمدَ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لما رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: قلتُ للنَّبِىِّ ﷺ : إنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قد ماتَ. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "اذْهَبْ فَوَارِهِ" (١٦). ولَنا، أنَّه لا يُصَلِّى عليه، ولا يَدْعُو له، فلم يكنْ له غَسْلُه، وتَوَلِّى أمْرِه، كالأجْنَبِىِّ، والحَدِيثُ إن صَحَّ يَدُلُّ على [مُوَارَاتِه له، وذلك] (١٧) إذا خافَ من التَّعْيِيرِ به، والضَّرَرِ بِبَقائِه. قال أحمدُ، ﵀، في يَهُودِىٍّ أو نَصْرَانِىٍّ ماتَ، وله وَلَدٌ مُسْلِمٌ: فلْيَرْكَبْ دَابَّةً، ولْيَسِرْ أمامَ الجِنازَةِ، وإذا أرادَ أنْ يَدْفِنَ رَجَعَ مثل قَوْلِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه (١٨).

стр. 1588

٣٧٩ - مسألة؛ قال: (والشَّهِيدُ إذا مَاتَ في مَوْضِعِه، لَمْ يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عَلَيْهِ) . يعني إذا ماتَ في المُعْتَرَكِ، فإنَّه لا يُغَسَّلُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، إلَّا عن الحسنِ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، قالا: يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ، ما ماتَ مَيِّتٌ إلَّا جُنُبًا. والاقْتِدَاءُ بالنَّبِىِّ ﷺ وأصْحابِه في تَرْكِ غُسْلِهِم أوْلَى. فأمَّا الصلاةُ عليه، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يُصَلَّى عليه. وهو قَوْلُ مالكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُصَلَّى عليه. واخْتَارَها الخَلَّالُ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ. إلَّا أن كلامَ أحمدَ في هذه الرِّوَايَةِ يُشِيرُ إلى أنَّ الصلاةَ عليه مُسْتَحَبَّةٌ، غيرُ وَاجِبَةٍ. قال في مَوْضِعٍ: إن صُلِّىَ عليه فلا بَأْسَ به (١). وفي مَوْضِعٍ آخَرَ، قال: يُصَلَّى عليه (٢)، وأهْلُ الحِجَازِ لا يُصَلُّونَ عليه، وما تَضُرُّهُ الصلاةُ، لا بَأْسَ به. وصَرَّحَ بذلك في رِوَايَةِ المَرُّوذِىِّ، فقال: الصلاةُ عليه أجْوَدُ، وإن لم يُصَلُّوا عليه أجْزَأَ. فكأنَّ الرِّوَايَتَيْنِ في اسْتِحْبَابِ الصلاةِ، لا في وُجُوبِها، إحْدَاهُما يُسْتَحَبُّ؛ لما رَوَى عُقْبَةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا، فصَلَّى على أهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَه على المَيِّتِ، ثم انْصَرَفَ إلى المِنْبَرِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى على قَتْلَى أُحُدٍ (٤). ولَنا، ما رَوَى جَابِرٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ في دِمَائِهم، ولم يُغَسِّلْهم، ولم يُصَلِّ عليهم. [رَواهُ البُخَارِىُّ] (٥). ولأنَّه لا يُغَسَّلُ مع إمْكانِ غَسْلِه، فلم يُصَلَّ

стр. 1589

عليه، كسَائِرِ مَن لم يُغَسَّلْ، وحديثُ عُقْبَةَ مَخْصُوصٌ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ، فإنَّه صَلَّى عليهم في القُبُورِ بعد ثَمَانِى سِنِينَ، وهم لا يُصَلُّونَ على القَبْرِ أصْلًا، ونحنُ لا نُصَلِّى عليه بعدَ شَهْرٍ. وحَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ الحسنُ بن عُمارَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وقد أنْكَرَ عليه شُعْبَةُ رِوايَةَ هذا الحَدِيثِ. وقال: إن جَرِيرَ بن حازِمٍ يُكَلِّمُنِى في أن لا أتَكَلَّمَ في الحسنِ بن عُمارَةَ، وكيف لا أتَكَلَّمُ فيه وهو يَرْوِى (٦) هذا الحديثَ! ثم نَحْمِلُه على الدُّعاءِ. إذا ثَبَتَ هذا فيَحْتَمِلُ أنَّ تَرْكَ غُسْلِ الشَّهِيدِ لما تَضَمَّنَهُ الغُسْلُ من إزالَةِ أثَرِ العِبادَةِ المُسْتَحْسَنَة شَرْعًا، فإنَّه جاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "والَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لا يُكْلَمُ (٧) أَحَدٌ في سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلهِ، إلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، واللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، والرِّيحُ ريِحُ مِسْكٍ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٨). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَيْسَ شَىْءٌ أحَبَّ إلى اللهِ من قَطْرَتَيْنِ

стр. 1590

وأَثَرَيْنِ: أمَّا الأَثَرَانِ، فَأَثَرٌ في سَبِيلِ اللهِ، وأثَرٌ في (٩) فَرِيضَةٍ [مِنْ فَرَائِضِ] (١٠) اللهِ تَعَالَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (١١)، وقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ، وقد جاءَ ذِكْرُ هذه العِلَّةِ في الحَدِيثِ، فإن عبدَ اللهِ بنَ ثَعْلَبَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، فَإنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ في سَبِيلِ (١٢) اللهِ إلَّا يَأْتِى يَوْمَ القِيَامَةِ يَدْمَى، لَوْنُه لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُه رِيحُ المِسْكِ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (١٣). ويَحْتَمِلُ أنَّ الغُسْلَ لا يَجِبُ إلَّا من أجْلِ الصلاةِ، إلَّا أنَّ المَيِّتَ لا فِعْلَ له، فأُمِرْنَا بغَسْلِه لِنُصَلِّىَ عليه، فمَن لم تَجِب الصلاةُ عليه لم يَجِبْ غَسْلُه، كالحَىِّ. ويَحْتَمِلُ أن الشُّهَدَاءَ في المَعْرَكَةِ يَكْثُرُونَ، فيَشُقُّ غَسْلُهم، ورُبَّما يكونُ فيهم الجِراحُ فَيَتَضَرَّرُونَ، فَعُفِىَ عن غَسْلِهم لذلك. وأمَّا سُقُوطُ الصلَاةِ عليهم، فيَحْتَمِلُ أن تَكُونَ عِلَّتُه كَوْنَهم أحْياءً عند رَبِّهم، والصلاةُ إنَّما شُرِعَتْ في حَقِّ المَوْتَى. ويَحْتَمِلُ أنَّ ذلك لِغِنَاهُم عن الشَّفَاعَةِ لهم، فإنَّ الشَّهِيدَ يُشَفَّعُ في سَبْعِينَ من أهْلِه، فلا يَحْتَاجُ إلى شَفِيعٍ، والصلاةُ إنَّما شُرِعَتْ للشَّفاعَةِ. فصل: فإن كان الشَّهِيدُ جُنُبًا غُسِّلَ، وحُكْمُه في الصَّلَاةِ عليه حُكْمُ غيرِه من الشُّهَداءِ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال مالِكٌ: لا يُغَسَّلُ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ. وعن الشَّافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ حَنْظَلَةَ بن الرَّاهِبِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فقال

стр. 1591

النَّبِىُّ ﷺ : "ما شَأْنُ حَنْظَلَةَ؟ فَإنِّى رَأَيْتُ المَلَائِكَةَ تُغَسِّلُه". فقالوا: إنَّه جَامَعَ، ثم سَمِعَ الهَيْعَةَ (١٤) فَخَرَجَ إلى القِتَالِ. رَوَاه ابنُ إسحاقَ، في "المَغَازِى" (١٥). ولأنَّه غُسْلٌ وَاجِبٌ لغيرِ المَوْتِ، [فلم يسْقُطْ] (١٦) بالمَوْتِ كغُسْلِ الْجنَابةِ (١٧). وحَدِيثُهم لا عُمَومَ له، فإنَّه قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ وَرَدَ في شُهَدَاءِ أُحُدٍ، وحَدِيثُنا خَاصٌّ في حَنْظَلَةَ، وهو من شُهَدَاءِ أُحُدٍ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه. إذا ثَبَتَ هذا، فمَن وَجَبَ الغُسْلُ عليه بِسَبَبٍ سابِقٍ على المَوْتِ، كالمَرْأَةِ تَطْهُرُ من حَيْضٍ أو نِفاسٍ، ثم تُقْتَلُ، فهى كالجُنُبِ؛ لِلْعِلَّةِ التي ذَكَرْنَاها. ولو قُتِلَتْ في حَيْضِها أو نِفاسِها، لم يَجِبِ الغُسْلُ؛ لأنَّ الطُّهْرَ من الحَيْضِ شَرْطٌ في الغُسْلِ، أو في السَّبَبِ المُوجِب، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بِدُونِه. فأمَّا إنْ أسْلَمَ، ثم اسْتُشْهِدَ، فلا غُسْلَ عليه؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّ أُصَيْرِمَ بَنِى (١٨) عبدِ الأَشْهَلِ أسْلَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثم قُتِلَ، فلم يُؤْمَرْ بِغَسْلِه. فصل: والبَالِغُ وغيرُه سواءٌ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ حُكْمُ الشَّهادَةِ لِغَيْرِ البالِغِ؛ لأنَّه ليس من أَهْلِ القِتالِ. ولَنا، أنَّه مُسْلِمٌ قُتِلَ في مُعْتَرَكِ المُشْرِكِينَ بِقِتالِهم، أشْبَه البالِغَ، [ولأنَّه أشْبَهَ البالِغَ] (١٩) في الصلاةِ عليه والغُسْلِ إذا لم يَقْتُلْهُ المُشْرِكُونَ، فيُشْبِهُه في سُقُوطِ ذلك عنه بالشَّهادَةِ، وقد كأن في شُهَداءِ أُحُدٍ حَارِثَةُ بن

стр. 1592

النُّعْمانِ، وعُمَيْرُ بن أبي وَقَّاصٍ أخو سَعْدٍ، وهما صَغِيرَانِ، والحَدِيثُ عَامٌّ في الكُلِّ. وما ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بالنِّساءِ. ٣٨٠ - مسألة؛ قال: (وَدُفِنَ في ثِيَابِه، وَإنْ كَانَ عَلَيْهِ شَىْءٌ مِنَ الْجُلُودِ والسِّلَاحِ نُحِّىَ عَنْهُ) أمَّا دَفْنُه بِثِيَابِه، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وهو ثابِتٌ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "ادْفِنُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ". ورَوَى أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (١)، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَن يُنْزَعَ عنهم الحَدِيدُ والجُلُودُ، وأن يُدْفَنُوا في ثِيَابِهِم، بِدِمَائِهِم. وليس (٢) هذا بِحَتْمٍ، لكنَّه الأوْلَى. ولِلْوَلِىِّ أن يَنْزِعَ عنه ثِيابَه، ويُكَفِّنَه بغَيْرِها، وقال أبو حنيفةَ: لا يُنْزَعُ عنه شيءٌ؛ لِظَاهِرِ الخَبَرِ. ولَنا، ما رُوِىَ، أنَّ صَفِيَّةَ أرْسَلَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَيْنِ، لِيُكَفِّنَ فيهما حَمْزَةَ، فَكَفَّنَه في أحَدِهما، وكفَّنَ في الآخَرِ رَجُلًا آخَرَ. رَوَاه يعقوبُ بن شَيْبَة (٣)، وقال: هو صالحُ الإِسْنَادِ. فدَلَّ على أنَّ الخِيَارَ لِلْوَلِىِّ. والحَدِيثُ الآخَرُ يُحْمَلُ على الإِباحةِ والاسْتِحْبابِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُنْزَعُ عنه منِ لِباسِه ما لم يَكُنْ من عَامَّةِ لِبَاسِ النَّاسِ، من الجُلُودِ والفِراءِ والحَدِيدِ. قال أحمدُ: لا يُتْرَكُ عليه فَرْوٌ، ولا خُفٌّ، ولا جِلْدٌ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ. وقال مَالِكٌ: لا يُنْزَعُ عنه فَرْوٌ ولا خُفٌّ ولا مَحْشُوٌّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "ادْفِنُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ". وهذا عَامٌّ في الكُلِّ، وما رَوَيْنَاهُ أخَصُّ، فكان أوْلَى.

стр. 1593

٣٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ حُمِلَ وَبِهِ رَمَقٌ غُسِّلَ، وصُلِّىَ عَلَيْهِ) مَعْنَى قولِهِ "رَمَقٌ" أي حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ. فهذا يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه، وإن كان شَهِيدًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ غَسَّلَ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ، وصَلَّى عليه، وكان شَهِيدًا، رَمَاهُ ابنُ الْعَرِقَةِ يَوْمَ الخَنْدَقِ بِسَهْمٍ، فقَطَعَ أَكْحَلَهُ (١)، فَحُمِلَ إلى المَسْجِد، فلَبِثَ فيه أيَّامًا، حتى حَكَمَ في بَنِى قُرَيْظَةَ، ثم انْفَتَحَ جُرْحُهُ فمَاتَ (٢). وظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّه متى طالَتْ حَياتُه بعدَ حَمْلِه غُسِّلَ، وصُلِّىَ عليه، وإن ماتَ في المُعْتَرَكِ، أو عَقِبَ حَمْلِه، لم يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه. ونحوُ هذا قولُ مالكٍ، قال: إن أكَلَ، أو شَرِبَ، أو بَقِىَ يَوْمَيْنِ أو ثَلَاثَةً، غُسِّلَ. وقال أحمدُ في مَوْضِعٍ: إن تَكَلَّمَ، أو أكَلَ، أو شَرِبَ، صُلِّىَ عليه. وقولُ أصحابِ أبي حنيفةَ نحوٌ مِن هذا. وعن أحمدَ أنَّه سُئِلَ عن المَجْرُوحِ إذا بَقِىَ في المُعْتَرَكِ (٣) يَوْمًا إلى اللَّيْلِ، ثم ماتَ، فرَأَى أن يُصَلَّى عليه. وقال أصْحابُ الشَّافِعِيِّ: إن ماتَ حالَ الحَرْبِ، لم يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه، وإلَّا فلَا. والصَّحِيحُ: التَّحْدِيدُ بِطُولِ الفَصْلِ، أو الأكْلِ؛ لأنَّ الأكْلَ لا يكونُ إلَّا من ذِى حَياةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وطُولُ الفَصْلِ يَدُلُّ على ذلك، وقد ثَبَتَ اعْتبارُهما (٤) في كَثِيرٍ من المَوَاضِع. وأمَّا الكلامُ والشُّرْبُ، وحالَةُ الحَرْبِ، فلا يَصِحُّ التَّحْدِيدُ بِشىءٍ منها؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال يَوْمَ أُحُدٍ: "مَنْ يَنْظُرُ

стр. 1594

مَا فَعَلَ سَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ؟ " فقال رَجُلٌ: أنا أَنْظُرُ لكَ يا رسولَ اللهِ. فنَظَرَ فوَجَدَهُ جَرِيحًا، به رَمَقٌ، فقال له: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمَرَنِى أن أَنْظُرَ في الأحْيَاءِ أَنْتَ أم في الأمْوَاتِ؟ قال: فأنا في الأمْواتِ، فأبْلِغْ رسولَ اللهِ ﷺ عَنِّى السَّلَامَ. وذَكَرَ الحَدِيثَ، قال: ثم لم أَبْرَحْ أن ماتَ (٥). وَرُوِىَ أنَّ أُصَيْرِمَ بَنِى (٦) عَبْدِ الأشْهَلِ وُجِدَ صَرِيعًا يومَ أُحُدٍ، فقِيلَ له: ما جاءَ بِكَ؟ قال: أسْلَمْتُ، ثم جِئْتُ. وهما من شُهَدَاءِ أُحُدٍ، دَخَلَا في عُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وثِيَابِهِمْ". ولم يُغَسِّلْهم، ولم يُصَلِّ عليهم، وقد تَكَلَّمَا، وماتَا بعدَ انْقِضَاءِ الحَرْبِ. وفى قِصَّةِ أهْلِ اليَمَامَةِ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه طَافَ في القَتْلَى، فوَجَدَ أبا عَقِيلٍ الأُنَيْفِىّ (٧) قال: فسَقَيْتُه مَاءً، وبه أرْبَعَةَ عَشَرَ جُرْحًا، كُلُّها قد خَلَصَ إلى مَقْتَلٍ، فخَرَجَ الماءُ مِن جرَاحَاتِه كُلِّها، فلم يُغَسَّلْ. وفي فتوحِ الشَّامِ، أنَّ رَجُلًا قال: أخَذْتُ مَاءً لَعَلِّى أَسْقِى ابنَ عَمِّى إن وَجَدْتُ به حَيَاةً، فوَجَدْتُ الحارثَ بن هِشامٍ، فأرَدْتُ أن أسْقِيَهُ، [فإذا رَجُلٌ يَنْظُرُ إليه، فأوْمَأَ لي أن أَسْقِيَهُ] (٨)، فَذَهَبْتُ إليه لأَسْقِيَهُ، فإذا آخَرُ يَنْظُرُ إليه، فأوْمَأَ لِى أن أسْقِيَهُ، فلم أَصِلْ إليه حتى ماتُوا كُلُّهُم (٩)، ولم يُفْرَدْ أحَدٌ منهم بِغُسْل ولا صَلَاةٍ، وقد مَاتُوا بعد انْقِضَاءِ الحَرْبِ. فصل: فإن كان الشَّهِيدُ عادَ عليه سِلَاحُهُ فَقَتَلَهُ، فهو كالمَقْتُولِ بأيْدِى العَدُوِّ. وقال القاضي: يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه؛ لأنَّه ماتَ بغيرِ أَيْدِى المُشْرِكِينَ، أشْبَهَ ما لو أصابَهُ ذلك في غيرِ المُعْتَرَكِ. ولنَا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ (١٠)، عن رَجُلٍ

стр. 1595

من أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال: أَغَرْنَا على حَيٍّ من جُهَيْنَةَ (١١)، فطَلَبَ رَجُلٌ من المُسْلِمِينَ رَجُلًا منهم، فضَرَبَه فأخْطَأَهُ، فأصابَ نَفْسَهُ بالسَّيْفِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَخُوكُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ". فَابْتَدَرَهُ الناسُ، فَوَجَدُوهُ قد ماتَ، فَلَفَّهُ رسولُ اللَّه ﷺ بثِيابِه ودِمائِه، وصَلَّى عليه، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أشَهِيدٌ هو؟ قال: "نَعَمْ، وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ". وعَامِرُ بنُ الأكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يومَ خَيْبَرَ، فذَهَبَ يَسْفُلُ له (١٢)، فَرَجَعَ سَيْفُه على نَفْسِه، فكانتْ فيها نَفْسُه (١٣). فلم يُفْرَدْ عن الشُّهَدَاءِ بِحُكْمٍ. ولأنَّه شَهِيدُ المَعْرَكَةِ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَهُ الكُفَّارُ، وبهذا فارَقَ، ما لو كان في غيرِ المُعْتَرَكِ، فأمَّا إن سَقَطَ من دَابَّتِه، أو وُجِدَ مَيِّتًا لا (١٤) أثَرَ به، فإنَّه يُغَسَّلُ. نَصَّ عليه أحمدُ، وتَأَوَّلَ الحَدِيثَ: "ادْفِنُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ" (١٥). فإذا كان به كَلْمٌ لم يُغَسَّلْ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ في الذي يُوجَدُ مَيِّتًا لا أثَرَ به. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يُغَسَّلُ بِحالٍ؛ لاحْتِمالِ أنَّه ماتَ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ القِتالِ. ولَنا، أنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الغُسْلِ، فلا يَسْقُطُ بالاحْتِمالِ، ولأنَّ سُقُوطَ الغُسْلِ في مَحَلِّ الوِفَاقِ مَقْرُونٌ بمَن كُلِمَ، فلا يجوزُ حَذْفُ ذلك عن دَرَجَة الاعْتِبارِ. فصل: ومَن قُتِلَ من أهْلِ العَدْلِ في المَعْرَكَةِ، فَحُكْمُه في الغُسْلِ والصَّلَاةِ عليه (١٦)، حُكْمُ مَن قُتِلَ في مَعْرَكَةِ المُشْرِكِينَ؛ لأنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّه عنه لم يُغَسِّلْ

стр. 1596

مَن قُتِلَ معه (١٧)، وعَمَّارٌ أوْصَى أن لا يُغَسَّلَ، وقال: ادْفِنُونِى في ثِيَابِى، فإنِّى مُخَاصِمٌ (١٧). قال أحمدُ: قد أوْصَى أصْحابُ الجَمَلِ (١٨): إَّنا مُسْتَشْهَدُونَ غَدًا، فلا تَنْزِعُوا عَنَّا ثَوْبًا، ولا تَغْسِلُوا عنَّا دَمًا. ولأنَّه شَهِيدُ المَعْرَكَةِ، أشْبَهَ قَتِيلَ الكُفَّارِ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ، في أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُغَسَّلُونَ؛ لأنَّ أسْماءَ غَسَّلَتِ ابْنَها عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْرِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لما ذَكَرْنَاهُ، وأمَّا عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ فإنَّه أُخِذَ وصُلِبَ، فهو كالمَقْتُولِ ظُلْمًا، وليس بِشَهِيدِ المَعْرَكَةِ. وأمَّا الباغِى، فقال الْخِرَقِىُّ: مَنْ قُتِلَ منهم، غُسِّلَ، وكُفِّنَ، وصُلِّى عليه. ويَحْتَمِلُ إلْحاقَه بأهْلِ العَدْلِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ إلينا غَسْلُ أهْلِ الجَمَلِ وصِفِّينَ (١٩) من الجَانِبَيْنِ، ولأنَّهم يَكْثُرُونَ في المُعْتَرَكِ، فيَشُقُّ غُسْلُهم، فأشْبَهُوا أهْلَ العَدْلِ. فأمَّا الصلاةُ على أهْلِ العَدْلِ، فيحتَمِلُ أنْ لا يُصَلَّى عليهم؛ لأنَّنا شَبَّهْناهم بِشُهَدَاءِ مَعْرَكَةِ المُشْرِكِينَ في الغُسْلِ، فكذلك في الصلاةِ، ويَحْتَمِلُ أن يُصَلَّى عليهم؛ لأنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، صَلَّى عليهم. فصل: فأمَّا مَن قُتِلَ ظُلْمًا، أو قُتِلَ دُونَ مالِه، أو دُونَ نَفْسِه أو أهْلِه (٢٠)، ففيه رِوَايتانِ: إحْدَاهما، يُغَسَّلُ. اخْتَارَها الخَلَّالُ، وهو قولُ الحسنِ، ومَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، ومالِكٍ؛ لأنَّ رُتْبَتَهُ دون رُتْبَة الشَّهِيدِ في المُعْتَرَكِ، فأشْبَهَ المَبْطُونَ (٢١)؛ ولأنَّ هذا لا يَكْثُرُ القَتْلُ فيه، فلم يَجُزْ إلْحاقُه بشُهَداءِ (٢٢) المُعْتَرَكِ. والثانية، لا

стр. 1597

يُغَسَّلُ، ولا يُصَلَّى عليه. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، وإسحاقَ في الغُسْلِ؛ لأنَّه [قُتِلَ شَهِيدًا] (٢٣)، أشْبَهَ شَهِيدَ المُعْتَرَكِ، قال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه فَهُوَ شَهِيدٌ" (٢٤). فصل: فأمَّا الشَّهِيدُ بغيرِ قَتْلٍ، كالمَبْطُونِ، والمَطْعُونِ (٢٥)، والغَرِقِ، وصَاحِبِ الهَدْمِ، والنُّفَسَاءِ، فإنَّهم يُغَسَّلُونَ، ويُصَلَّى عليهم؛ لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، إلَّا ما يُحْكَى عن الحسنِ: لا يُصَلَّى على النُّفَساءِ؛ لأنَّها شَهِيدَةٌ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى على امْرَأَةٍ مَاتَتْ في نِفَاسِها، فقَامَ وَسَطَها. مُتَّفَقٌ عليه (٢٦). وصَلَّى على سَعْدِ بن مُعَاذٍ، وهو شَهِيدٌ (٢٧). وصَلَّى المُسْلِمُونَ على عمرَ، وعليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، وهما شَهِيدَانِ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، والمَبْطُونُ، والغَرِقُ، وصَاحِبُ الهَدْمِ، والشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ". قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢٨) صَحِيحٌ، مُتَّفَقٌ عليه (٢٩). وعن النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 1598

أنَّه قال: "الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ". وزادَ على ما ذُكِرَ في هذا الخَبَرِ: "صَاحِبُ الحَرِيقِ (٣٠)، وصَاحِبُ ذاتِ الجَنْبِ (٣١)، والمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ (٣٢) شَهِيدَةٌ" (٣٣). وكل هؤُلَاءِ يُغَسَّلُونَ ويُصَلَّى عليهم، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ غَسْلَ الشَّهِيدِ في المَعْرَكَةِ، لما يَتَضَمَّنُه من إزَالَةِ الدَّمِ المُسْتَطابِ شَرْعًا، أو لِمَشَقَّةِ غَسْلِهم، لِكَثْرَتِهم، أو لما فيهم من الجِراحِ، ولا يُوجَدُ ذلك ها هُنا. فصل: فإن اخْتَلَطَ مَوْتَى المُسْلِمِينَ بِمَوْتَى المُشْرِكِينَ، فلم يُمَيَّزُوا، صَلَّى على جَمِيعِهم يَنْوِى المُسْلِمِينَ. قال أحمدُ: ويَجْعَلُهم بينَه وبين القِبْلَةِ، ثم يُصَلِّى عليهم. وهذا قولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان المُسْلِمُونَ أكْثَرَ، صَلَّى عليهم، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالأكْثَرِ، بِدَلِيلِ أنَّ دارَ المُسْلِمِينَ الظَّاهِرُ فيها الإِسلامُ؛ لِكَثْرَةِ المسلمِينَ بها، وعَكْسُها دارُ الحَرْبِ، لِكَثْرَةِ مَنْ بها من الكُفَّارِ. ولنَا، أنَّه أمْكَنَ الصلاةُ علَى المسلمين مِن غيرِ ضَرَرٍ، فوَجَبَ، كما لو كانوا أكْثَرَ،

стр. 1599

ولأنَّه إذا جازَ أن يَقْصِدَ بصَلَاِته ودُعَائِه الأكْثَرَ، جازَ قَصْدُ الأقَلِّ، ويَبْطُلُ ما قالُوه بما إذا اخْتَلَطَتْ أُخْتُه بأجْنَبِيَّاتٍ، أو مَيْتَةٌ بمُذَكَّياتٍ، ثَبَتَ الحُكْمُ لِلْأَقَلِّ، دُونَ الأكْثَرِ. فصل: وإن وُجِدَ مَيِّتٌ، فلم يُعْلَمْ أَمُسْلِمٌ هو أم كافِرٌ، نَظَر إلى العلاماتِ، من الخِتانِ، والثِّيابِ، والخِضابِ، فإن لم يكنْ عليه عَلامةٌ، وكان في دارِ الإِسلامِ، غُسِّلَ، وصُلِّىَ عليه، وإن كان في دارِ الكُفْرِ، لم يُغْسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ مَن كان في دَارٍ، فهو من أهْلِها، يَثْبُتُ له حُكْمُهم ما لم يَقُمْ على خِلافِه دَلِيلٌ. ٣٨٢ - مسألة؛ قال: (والمُحْرِمُ يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وسِدْرٍ، ولا يُقْرَبُ طِيبًا، ويُكَفَّنُ في ثَوْبَيْهِ، ولا يُغَطَّى رَأْسُهُ، ولَا رِجْلَاهُ) إنما كان كذلك لأنَّ المُحْرِمَ لا يَبْطُلُ حُكْمُ إحْرَامِه بِمَوْتِه، فلذلك جُنِّبَ ما يُجَنَّبُه المُحْرِمُ من الطِّيبِ، وتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، ولُبْسِ المَخِيطِ، وقَطْعِ الشَّعْرِ. رُوِىَ ذلك عن عثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ. وبه قال عَطَاءٌ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ. وقال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، وأبو حنيفةَ: يَبْطُلُ إحْرَامُه بمَوْتِه (١)، ويُصْنَعُ به كما يُصْنَعُ بالحَلَالِ. ورُوِىَ ذلك عن عائشةَ، وابنِ عمرَ، وطَاوُس؛ لأنَّها عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فبَطَلَتْ بالمَوْتِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ. ولنَا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُه (٢)، ونحنُ مع النَّبِيِّ ﷺ ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "اغْسِلُوه بمَاءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ، ولَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإنَّ اللهَ يَبْعَثُه يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبَّدًا" (٣). وفي رِوَايَةٍ "مُلَبِّيًا". مُتَّفَقٌ عليه (٤). فإن قيل: هذا خَاصٌّ

стр. 1600

له؛ لأنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُلَبِّيًا. قُلْنا: حُكْمُ النَّبِيِّ ﷺ في وَاحِدٍ حُكْمُه في مِثْلِه، إلَّا أنْ يَرِدَ تَخْصِيصُه، ولهذا ثَبَتَ حُكْمُه في شُهَدَاء أُحُدٍ في سائِر الشُّهَداءِ، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "حُكْمِى عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِى عَلَى الجَمَاعَةِ" (٥). قال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ يقول: في هذا الحَدِيثِ خَمْسُ سُنَنٍ؛ كَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، أي يُكَفَّنُ في ثَوْبَيْنِ. وأن يكونَ في الغَسَلَاتِ كُلِّها سِدْرٌ، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، ولا تَقْربُوه طِيبًا، وكان (٦) الكَفَنُ من جَمِيعِ المالِ. وقال أحمدُ في مَوْضِعٍ: يُصَبُّ عليه الماءُ صَبًّا، ولا يُغَسَّلُ كما يُغَسَّلُ الحَلَالُ. وإنَّما كُرِهَ عَرْكُ رَأْسِه، ومَوَاضِعِ الشَّعْرِ، كيْلا يَتَقَطَّعَ شَعْرُه. واخْتلَف عنه (٧) في تَغْطِيَةِ رِجْلَيْهِ، فرَوَى حَنْبَلٌ عنه: لا تُغَطَّى رِجْلَاهُ. وهو الذي ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ. وقال الخَلَّالُ: لا أعْرِفُ هذا في الأحادِيث، ولا رَوَاهُ أحَدٌ عن أبي عبدِ اللهِ غيرَ حَنْبَلٍ، وهو عِنْدِى وَهَمٌ (٨) من حَنْبَلٍ، والعَمَلُ على أنَّه يُغَطَّى جَمِيعُ المُحْرِمِ، إلَّا رَأْسَه، لأنَّ إحْرَامَ الرَّجُلِ في رَأْسِه، ولا يُمْنَعُ من تَغْطِيَةِ رِجْلَيْهِ في حَياتِه، فكذلك في مَماتِه. واخْتَلَف (٩) عن أحمدَ في تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ، فنَقَلَ عنه إسماعيلُ بنُ سَعِيدٍ: لا يُغَطَّى وَجْهُهُ؛ لأنَّ في بعضِ الحَدِيثِ: "ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ولا وَجْهَهُ". ونَقَلَ عنه سائِرُ أصْحابِه: لا بَأْسَ بِتَغْطِيَةِ وَجْهِهِ؛ لِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ الذي رَوَيْناهُ، وهو أصَحُّ ما رُوِىَ فيه، وليس فيه إلا المَنْعُ من تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، ولأنَّ إحْرَامَ الرَّجُلِ في رَأْسِه، ولا يُمْنَعُ من تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ في الحَياةِ، فبعدَ المَوْتِ أوْلَى، ولم يَرَ أن يُلْبَسَ المُحْرِمُ المَخِيطَ بعد مَوْتِه، كما لا يَلْبَسُهُ في حَياتِه. وإنْ كان المَيِّتُ امْرَأَةً مُحْرِمَةً،

стр. 1601

أُلْبِسَت القَمِيصَ، وخُمِّرَتْ، كما تَفْعَلُ ذلك في حياتِها، ولم تُقْرَبْ طِيبًا (١٠)؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليها في حياتِها، فكذلك بعد مَوْتِها. ٣٨٣ - مسألة؛ قال: (وإنْ سَقَطَ مِنَ المَيِّتِ شَىْءٌ غُسِّلَ، وجُعِلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا بَانَ من المَيِّتِ شىْءٌ، وهو مَوْجُودٌ، غُسِّلَ، وجُعِلَ معه في أكْفَانِه. قالَه ابنُ سِيرِينَ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، وقد رُوِىَ عن أسْماءَ، أنَّها غَسَّلَتِ ابْنَها، فكانت تَنْزِعُه أعْضَاءً، كلَّما غَسَّلَتْ عُضْوًا طَيَّبَتْهُ، وجَعَلَتْه في كَفَنِه (١). ولأنَّ في ذلك جَمْعَ أجْزَاءِ المَيِّتِ في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وهو أَوْلَى مِن تَفْرِيقِها. فصل: فإنْ لم يُوجَدْ إلَّا بعضُ المَيِّتِ، فالمذهبُ أنَّه يُغَسَّلُ، ويُصلَّى عليه. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ عن أحمدَ، أنَّه لا يُصَلَّى على الجَوارِحِ. قال الخَلَّالُ: ولَعَلَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ لأبي عبدِ اللهِ، والذي اسْتَقَرَّ عليه قولُ أبي عبدِ اللهِ أنَّه يُصَلَّى على الأعْضاءِ. وقال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ: إن وُجِدَ الأكْثَرُ صُلِّىَ عليه، وإلَّا فَلَا؛ لأنَّه بعضٌ لا يَزِيدُ على النصْفِ، فلم يُصَلَّ عليه، كالذى بانَ في حَياةِ صَاحِبِهِ، كالشَّعْرِ والظُّفْرِ. ولَنا، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم، قال أحمدُ: صَلَّى أبو أيُّوبَ على رِجْلٍ، وصَلَّى عمرُ على عِظَامٍ بالشَّامِ، وصَلَّى أبو عُبَيْدَةَ على رُءُوسٍ بالشَّامِ. رَوَاهُما عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، بإسْنَادِهِ. وقال الشَّافِعِىُّ: ألْقَى طَائِرٌ يَدًا بمَكَّةَ مِن وَقْعَةِ الجَمَلِ، فعُرِفَتْ بالخَاتَمِ، وكانت يدَ عبدِ الرحمنِ بن عَتَّابِ بن أَسِيدٍ، فَصَلَّى عليها أهْلُ مَكَّةَ (٢). وكان ذلك بمَحْضَرٍ من الصَّحابَةِ، ولم

стр. 1602

نَعْرِفْ من الصَّحابةِ مُخَالِفًا في ذلك، ولأنَّه بعضٌ من جُمْلَةٍ تَجِبُ الصلاةُ عليها، فيُصَلَّى عليه كالأكْثَرِ، وفارَق ما بانَ في الحياةِ؛ لأنَّه من جُمْلَةٍ لا يُصَلَّى عليها، والشَّعْرُ والظُّفْرُ لا حَياةَ فيه. فصل: وإن وُجِدَ الجُزْءُ بعدَ دَفْنِ المَيِّتِ، غُسِّلَ، وصُلِّىَ عليه، ودُفِنَ إلى جانِبِ القَبْرِ، أو نُبِشَ بعضُ القَبْرِ ودُفِنَ فيه، ولا حاجَةَ إلى كَشْفِ المَيِّتِ؛ لأنَّ ضَرَرَ نَبْشِ المَيِّتِ وكَشْفِه أعْظَمُ من الضَّرَرِ بِتَفْرِقَةِ أجْزائِه. فصل: والمَجْدُورُ (٣)، والمُحْتَرِقُ، والغَرِيقُ، إذا أمْكنَ غَسْلُه غُسِّلَ، وإن خِيفَ تَقَطُّعُهُ بالغَسْلِ صُبَّ عليه الماءُ صَبًّا، ولم يُمَسَّ، فإن خِيفَ تَقَطُّعُه بالماءِ لم يُغَسَّلْ، ويُيَمَّمُ (٤) إن أمْكَنَ، كالحَىِّ الذي يُؤْذِيه الماءُ، وإن تَعَذَّرَ غَسْلُ المَيِّتِ لِعَدَمِ الماءِ يُمِّمَ، وإن تَعَذَّرَ غَسْلُ بعضِه دونَ بعضٍ، غُسِّلَ ما أمْكَنَ غَسْلُه، ويُمِّمَ الباقِى، كالحَىِّ سواءً. فصل: فإن ماتَ في بِئْرٍ ذات نَفَسٍ، فأمْكَنَ مُعالَجةُ البِئْرِ بالأكْسِيَةِ المَبْلُولَةِ تُدَارُ في البِئْرِ حتى تَجْتَذِبَ بُخَارَهُ، ثم يَنْزِلُ مَن يُطْلِعُه، أو أمْكَنَ إخْراجُه بِكَلَالِيبَ (٥) من غيرِ مُثْلَةٍ، لَزِمَ ذلك؛ لأنَّه أمْكَنَ غَسْلُه من غيرِ ضَرَرٍ، فلَزِمَ، كما لو كان على ظَهْرِ (٦) الأرْضِ. وإذا شُكَّ في زَوَالِ بُخارِهِ، أُنْزِلَ إليه سِرَاجٌ أو نَحْوُه، فإنَّ انْطَفَأَ فالبُخارُ بَاقٍ، وإن لم يَنْطَفِئْ فقد زالَ، فإنَّه يُقال: لا تَبْقَى النَّارُ إلَّا فيما يَعِيشُ فيه الحَيوانُ. وإن لم يُمْكِنُ إخْرَاجُه إلَّا بمُثْلَةٍ، ولم يَكُنْ إلى البِئْرِ

стр. 1603

حاجَةٌ، طُمَّتْ عليه، فكانتْ قَبْرَه. وإن كان طَمُّها يَضُرُّ بالمارَّةِ، أُخْرِجَ بالكَلَالِيبِ، سَوَاءٌ أفْضَى إلى المُثْلَةِ أو لم يُفْضِ؛ لأنَّ فيه جَمْعًا بين حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ؛ نَفْعِ المَارَّةِ، وغُسْلِ المَيِّتِ، ورُبَّما كانت المُثْلَةُ في بَقَائِه أعْظَمَ؛ لأنَّه يَتَقَطَّعُ ويَنْتِنُ. فإن نَزَلَ على البِئْرِ قَوْمٌ، فاحْتاجُوا إلى الماءِ، وخَافُوا على أَنْفُسِهم، فلهم (٧) إخْرَاجُه، وَجْهًا وَاحِدًا، وإن حَصَلَتْ مُثْلَةٌ؛ لأنَّ ذلك أسْهَلُ من تَلَفِ نُفوسِ الأحْياءِ، ولهذا لو لم يَجِدْ من السُّتْرَةِ إلَّا كَفَنَ المَيِّتِ، واضْطُرَّ الحَىُّ إليه، قُدِّمَ الحَىُّ، ولأنَّ حُرْمَةَ الحَىِّ، وحِفْظَ نَفْسِه، أوْلَى من حِفْظِ الميِّتِ (٨) عن المُثْلَةِ. لأنَّ زوالَ الدُّنْيا أهْوَنُ على اللهِ من قَتْلِ مُسْلِمٍ، ولأنَّ المَيِّتَ لو بَلَعَ مالَ غيرِه شُقَّ بَطْنُه (٩) لِحِفْظِ مالِ الحَىِّ، وحِفْظُ النَّفْسِ أولى من حِفْظِ المالِ، واللهُ أعلمُ. ٣٨٤ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ شَارِبُهُ طَوِيلًا أُخِذَ، وجُعِلَ مَعَهُ) وجُمْلَتُه أنَّ شَارِبَ المَيِّتِ إن كان طَوِيلًا اسْتُحِبَّ قَصُّهُ. وهذا قولُ الحسنِ، وبَكْرِ بنِ عبدِ اللهِ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وإسحاقَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يُؤْخَذُ من المَيِّتِ شَىْءٌ لأنَّه (١) قَطْعُ شيءٍ منه فلم يُسْتَحَبَّ، كالخِتانِ. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشَّافِعِىِّ كالقَوْلَيْنِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا (٢) تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ" (٣). والعَرُوسُ يُحَسَّنُ، ويُزالُ عنه ما يُسْتَقْبَحُ من الشَّارِبِ وغيرِه، ولأنَّ تَرْكَهُ يُقَبِّحُ مَنْظَرَهُ، فشُرِعَتْ إزالَتُه، كَفَتْحِ عَيْنَيْهِ وفَمِهِ شُرِعَ ما يُزِيلُه، ولأنَّه فِعْلٌ مَسْنُونٌ في الحَياةِ لا مَضَرَّةَ فيه، فشُرِعَ بعدَ المَوْتِ، كالاغْتِسالِ.

стр. 1604

ويُخَرَّجُ على هذا الخِتَانُ؛ لما فيه من المَضَرَّةِ. فإذا أُخِذَ الشَّعْرُ جُعِلَ معه في أكْفانِه؛ لأنَّه من المَيِّتِ، فيُسْتَحَبُّ جَعْلُه في أكْفَانِه كأعْضائِه؛ وكذلك كُلُّ ما أُخِذَ من المَيِّتِ من شَعْرٍ أو ظُفْرٍ أو غيرِهما، فإنَّه يُغَسَّلُ ويُجْعَلُ معه في أَكْفانِه كذلك. فصل: فأمَّا الأظْفارُ [إذا طالتْ] (٤) ففيها رِوَايتانِ: إحْدَاهما، لا تُقْلَمُ. قال أحمدُ: لا تُقْلَمُ أظْفارُه، ويُنَقَّى وَسَخُها. وهو ظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لقولِه: والخِلَالُ يُسْتَعْمَلُ إن احْتِيجَ إليه. والخلالُ يُزالُ به ما تحتَ الأظْفارِ؛ لأنَّ الظُّفْرَ لا يَظْهَرُ كظُهُورِ (٥) الشَّارِبِ، فلا حاجةَ إلى قَصِّهِ. والثانية، يُقَصُّ إذا كان فَاحِشًا. نصَّ عليه؛ لأنَّه من السُّنَّةِ، ولا مَضَرَّةَ فيه، فيُشْرَعُ أخْذُه كالشَّارِبِ. ويُمْكِنُ أن تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الأُولَى على ما إذا لم تكنْ فاحِشَةً. وأمَّا العَانَةُ فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّها لا تُؤْخَذُ؛ لِتَرْكِهِ ذِكْرَها. وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، ومالكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه يُحتاجُ في أخْذِها إلى كَشْفِ العَوْرَةِ، ولَمْسِها، وهَتْكِ المَيِّتِ، وذلك مُحَرَّمٌ لا يُفْعَلُ لِغَيْرِ وَاجِبٍ، ولأنَّ العَوْرَةَ مَسْتُورَةٌ يُسْتَغْنَى بِسَتْرِهَا عن إزالَتِها. وَرُوِىَ عن أحمدَ أنَّ أخْذَها مَسْنُونٌ. وهو قولُ الحسنِ، وبكرِ بنِ عبدِ اللهِ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّ سَعْدَ بنَ أبِى وَقَّاصِ جَزَّ عَانَةَ مَيِّتٍ. ولأنَّه شَعْرٌ إزَالَتُه من السُّنَّةِ، فأشْبَهَ الشَّارِبَ. والأوَّلُ أَوْلَى. ويُفَارِقُ الشَّارِبُ العَانَةَ؛ لأنَّه ظَاهِرٌ يتفَاحَشُ لِرُؤْيَتِه، ولا يحْتاجُ في أخْذِه إلى كَشْفِ العَوْرَةِ ولا مَسِّها. فإذا قُلْنَا بأخْذِها، فإنَّ حَنْبَلًا رَوَى أنَّ أحمدَ سُئِلَ: تَرَى أن تُسْتَعْمَلَ النُّورَةُ؟ قال: المُوسَى، أو مِقْرَاضٌ يُؤْخَذُ به الشَّعْرُ من عَانَتِه. وقال القاضي: تُزالُ بالنُّورَةِ؛ لأنَّه أسْهَلُ، ولا يَمَسُّها. ووَجْهُ قولِ أحمدَ أنَّه فِعْلُ سعدٍ، والنُّورَةُ لا يُؤْمَنُ أنْ تُتْلِفَ جِلْدَ المَيِّتِ.

стр. 1605

فصل: فأمَّا الخِتَانُ فلا يُشْرَعُ؛ لأنَّه إبَانَةُ جُزْءٍ من أعْضائِه. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن بعضِ النَّاس أنَّه يُخْتَنُ. حَكاهُ الإِمامُ أحمدُ. والأوَّلُ (٦) أوْلَى؛ لما ذَكَرْنَاهُ. ولا يُحْلَقُ رَأْسُ المَيِّتِ؛ لأنَّه ليس من السُّنَّةِ في الحياةِ، وإنما يُرَادُ لِزِينةٍ أو نُسُكٍ، ولا يُطْلَبُ شيءٌ مِن ذلك ها هُنا. فصل: وإن جُبِرَ عَظْمُه بِعَظْمٍ فجَبَرَ، ثم ماتَ، لم يُنْزَعْ أن كان طاهِرًا. وإنْ كان نَجِسًا فأمْكَنَ إزالَتُه مِن غيرِ مُثْلَةٍ أُزِيلَ؛ لأنَّه نَجاسَةٌ مَقْدُورٌ على إزَالَتِها مِن غيرِ مَضَرَّةٍ. وإن أفْضَى إلى المُثْلَةِ لم يُقْلَعْ، وصارَ في حُكْمِ البَاطِنِ، كما لو كان حَيًّا. وإن كان على المَيِّتِ جَبيرَةٌ يُفْضِى نَزْعُها إلى مُثْلَةٍ، مُسِحَتْ كمَسْحِ جَبِيرَةِ الحَىِّ. وإن لم يُفْض إلى مُثْلَةٍ، نُزِعَتْ فغُسِلَ ما تَحْتَها. قال أحمدُ، في المَيِّتِ تكونُ أسْنانُه مَرْبُوطَةً بِذَهَبٍ: إن قَدَرَ على نَزْعِه مِن غيرِ أن يَسْقُطَ بعضُ أسْنانِه نَزَعَهُ، وإن خافَ أن يَسْقُطَ بعضُها تَرَكَهُ. فصل: ومَن كان مُشَنَّجًا، أو به حَدَبٌ، أو نَحْوُ ذلك، فأمْكَنَ تَمْدِيدُه بالتَّلْيِينِ والماءِ الحَارِّ، فَعَلَ ذلك، وإن لم يكنْ إلَّا بِعُنْفٍ (٧)، تَرَكَه بِحالِه. فإنْ كان على صِفَةٍ لا يُمْكِنُ تَرْكُه على النَّعْشِ إلَّا على وَجْهٍ يَشْتَهِرُ بالمُثْلَةِ، تُرِكَ في تَابُوتٍ، أو تَحْتَ مِكَبَّةٍ، مثل ما يُصْنَعُ بالمَرْأةِ، لأنَّه أصْوَنُ له (٨)، وأسْتَرُ لِحالِه. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُتْرَكَ فوقَ سَرِيرِ المَرْأةِ شيءٌ من الخَشَبِ أو الجَرِيدِ، مثل القُبَّةِ، يُتْرَكُ فوقَه ثَوْبٌ، لِيكونَ أسْتَرَ لها. وقد رُوِىَ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رسولِ اللهِ ﷺ ، رَضِىَ اللهُ عنها، أوَّلُ مَن صُنِعَ لها ذلك بأمْرِها.

стр. 1606

٣٨٥ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ تَعْزِيةُ أهْلِ المَيِّتِ) لا نعلمُ في هذه المسأَلْةِ خِلَافًا، إلَّا أنَّ الثَّوْرِيَّ قال: لا تُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ بعدَ الدَّفْنِ؛ لأنَّه خَاتِمَةُ أمْرِه. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇: "مَنْ عَزَّى مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (١). وقال: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ورَوَى ابنُ مَاجَه، في "سُنَنِهِ" (٢) عن عبدِ اللَّه بنِ أبي بكرِ بنِ محمدِ بن عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّى أخَاهُ بِمُصيبَةٍ، إِلَّا كَسَاهُ اللهُ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ". وقال أبو بَرْزَةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ عَزَّى ثَكْلَى، كُسِىَ بُرْدًا في الجَنَّةِ". قال التِّرْمِذِىُّ (٣): هذا ليسَ إسْنادُهُ بالقَوِيِّ. والمَقْصُودُ بالتَّعْزِيَةِ تَسْلِيَةُ أهْلِ المُصِيبَةِ، وقَضاءُ حُقُوقِهم، والتَّقَرُّبُ إليهم، والحاجةُ إليها بعدَ الدَّفْنِ كالحاجةِ إليها قَبْلَه. فصل: ويُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ جَمِيعِ أهْلِ المُصِيبَةِ، كِبارِهم وصِغارِهم، ويَخُصُّ خِيارَهم، والمَنْظُورَ إليه مِن بينهم؛ لِيَسْتَنَّ به غيرُه، وذَا الضَّعْفِ منهم عن تَحَمُّلِ المُصِيبَةِ، لِحاجَتِه إليها، ولا يُعَزِّى الرَّجُلُ الأجْنَبِىُّ شَوَابَّ النِّساء؛ مَخَافَةَ الفِتْنَةِ. فصل: ولا نعلمُ في التَّعْزِيَةِ شيئًا مَحْدُودًا، إلَّا أنَّه يُرْوَى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَزَّى رَجُلًا، فقال: "رَحِمَكَ اللهُ وآجَرَكَ". رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ (٤). وعَزَّى أحمدُ أبا طَالِبٍ، فوَقَفَ على بابِ المسجدِ فقال: أعْظَمَ اللهُ أَجْرَكم، وأحْسَنَ عَزَاءَكُم.

стр. 1607

وقال بعضُ أصْحابِنا: إذا عَزَّى مُسْلِمًا بِمُسْلِمٍ قال: أَعْظَمَ اللهُ أجْرَكَ، وأحْسَنَ عَزَاكَ، ورَحِمَ اللهُ مَيِّتَكَ. واسْتَحَبَّ بعضُ أهْلِ العِلْمِ أن يقولَ ما رَوَى جعفرُ بن محمدٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، قال: لمَّا تُوُفِّىَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وجَاءَت التَّعْزِيَةُ، سَمِعُوا قائلًا يقولُ: إنَّ في اللهِ عَزَاءً مِن كُلِّ مُصِيبَةٍ، وخَلَفًا مِن كلِّ هَالِكٍ، وَدَرَكًا مِن كلِّ ما فاتَ، فبِاللهِ فثِقُوا، وإيَّاهُ فارْجُوا، فإنَّ المُصَابَ مَن حُرِمَ الثَّوَابَ. رَوَاهُ الشَّافِعِىُّ، في "مُسْنَدِهِ" (٥). وإن عَزَّى مُسْلِمًا بِكَافِرٍ، قال: أعْظَمَ (٦) اللهُ أجْرَكَ، وأحْسَنَ عَزَاءَكَ. فصل: وَتَوَقَّفَ أحمدُ، ﵀، عن تَعْزِيَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ، وهى تُخَرَّجُ على عِيادَتِهم، وفيها روَايَتانِ: إحْدَاهما، لا نَعُودُهم، فكذلك لا نُعَزِّيهم؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا تَبْدَأُوهُمْ بالسَّلَامِ" (٧). وهذا في مَعْنَاه. والثانية، نَعُودُهم؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَتَى غُلَامًا مِن اليَهُودِ كان مَرِضَ يَعُودُه، فقَعَدَ عندَ رَأْسِه، فقال له: "أَسْلِمْ". فنَظَرَ إلى أبِيهِ وهو عندَ رَأْسِه، فقال له (٨): أَطِعْ أبا القاسِمِ. فأسْلَمَ، فقامَ النَّبِىُّ ﷺ ، وهو يقولُ: "الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِى أَنْقَذَهُ بِى مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٩). فعَلَى هذا نُعَزِّيهم فنقولُ في تَعْزِيَتِهم بمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللهُ عَزَاءَكَ،

стр. 1608

وغَفَرَ لِمَيِّتِكَ. وعن كافِرٍ: أَخْلَفَ اللهُ عليك، ولا نَقَصَ عَدَدَكَ، ويَقْصِدُ زِيادةَ عَدَدِهم لِتَكْثُرَ جِزْيَتُهُم. وقال أبو عبدِ اللهِ ابن بَطَّةَ، يقولُ: أعْطَاكَ اللهُ على مُصِيبَتِكَ أفضلَ ما أعْطَى أحَدًا مِن أهلِ دِينِكَ. فأمَّا الرَّدُّ مِن المُعَزَّى، فبَلَغَنا عن أحمدَ بن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ، وهو يُعَزَّى في عَبْثَرٍ ابنِ عَمِّه، وهو يقولُ: اسْتَجابَ اللهُ دُعاكَ، ورَحِمَنا وإيَّاكَ. فصل: قال أبو الخَطَّابِ: يُكْرَهُ الجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرهُ الاجْتِماعُ بعدَ خُرُوجِ الرُّوحِ؛ لأنَّ فيه تَهْيِيجًا لِلحُزْنِ. وقال أحمدُ: أكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عندَ القَبْرِ، إلَّا لِمَنْ لم يُعَزِّ، فَيُعَزِّى إذا دُفِنَ المَيِّتُ، أو قبلَ أن يُدْفَنَ. وقال: إن شِئْتَ أخَذْتَ بِيَدِ الرَّجُلِ في التَّعْزِيَةِ، وإن شِئْتَ لم تَأْخُذْ. وإذا رَأى الرَّجُلَ قد شَقَّ ثَوْبَه على المُصِيبَةِ عَزَّاهُ، ولم يَتْرُكْ حَقًّا لِباطِلٍ، وإن نَهَاهُ فحَسَنٌ. ٣٨٦ - مسألة؛ قال: (والْبُكَاءُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَدْبٌ ولا نِيَاحَةٌ) . أمَّا البُكاءُ بِمُجَرَّدِهِ فلا يُكْرَهُ في حالٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُباحُ إلى أن تَخْرُجَ الرُّوحُ، ويُكْرَهُ بعدَ ذلك؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ (١) بن عَتِيكٍ قال: جاءَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى عبدِ اللهِ بن ثابِتٍ يَعُودُه، فوَجَدَه قد غُلِبَ فصاحَ به فلم يُجِبْهُ، فاسْتَرْجَعَ، وقال: "غُلِبْنَا عَلَيْكَ أَبَا الرَّبيعِ". فصَاحَ النِّسْوَةُ، وبَكَيْنَ، فجَعَلَ ابنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ. فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ" (٢). يعني إذا ماتَ. ولَنا، ما رَوَى أَنَسٌ، قال: شَهِدْنا بنتَ رسولِ اللهِ

стр. 1609

- ﷺ ورسولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ على القَبْرِ، فرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعانِ (٣). وقَبَّلَ النَّبِىُّ ﷺ عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ وهو مَيِّتٌ، ورَفَعَ رَأْسَه، وعَيْنَاهُ تَهْرَاقَانِ (٤). وقال أنَسٌ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَها جَعْفَرٌ فأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بنُ روَاحَةَ فأُصِيبَ". وإن عَيْنَىْ رسولِ اللهِ ﷺ ، لَتَذْرِفَانِ (٥). وقالتْ عائشةُ: دَخَلَ أبو بكرٍ، فكَشَفَ عن وَجْهِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقَبَّلَهُ، ثم بَكَى (٦). وكُلُّها أحادِيثُ صِحَاحٌ. ورَوَى الأُمَوِيُّ، في "المَغَازِى"، عن عائشةَ، أنَّ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ لمَّا ماتَ، جَعَلَ أبو بكرٍ وعمرُ يَنْتَحِبَانِ، حتى اخْتَلَطَتْ عَلَيَّ أصْوَاتُهما (٧). ورُوِىَ (٨) أنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ على سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، وهو في غَاشِيَتِه، فبَكَى، وبَكَى أصْحابُه، وقال: "ألَا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، ولا بِحُزْنِ القَلْبِ، ولكِنْ يُعَذِّبُ بهَذَا"، وأشارَ إلى لِسَانِه. "أوْ يَرْحَمُ". وعنه ﵇، أنَّه دَخَلَ على ابْنِه إبراهيمَ، وهو يَجُودُ بِنَفْسِه،

стр. 1610

فجَعَلَتْ عَيْنَا رسولِ اللهِ ﷺ تَذْرِفَانِ، فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ: وأنتَ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: "يا ابْنَ عَوْفٍ إنَّها رَحْمَةٌ". ثم أتْبَعَها بأُخْرَى، فقال: "إنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إلَّا ما يُرْضِى رَبَّنَا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ". مُتَّفَقٌ عليهما (٩). وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على رَفْعِ الصَّوْتِ والنَّدْبِ وشِبْهِهِما، بِدَلِيلِ ما رَوَى جابِرٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أخَذَ ابْنَهُ، فوَضَعَهُ في حِجْرِهِ، فبَكَى، فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ: أَتَبْكِى؟ أوَ لم تكنْ نَهَيْتَ عن البُكَاءِ؟ قال: "لَا، ولكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ؛ صَوْتٍ عنْدَ مُصِيبَةٍ، وخَمْشِ وُجُوهٍ، وشَقِّ جُيُوبٍ، ورنَّةِ شَيْطَانٍ" (١٠). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَنْهَ عن مُطْلَقِ البُكاءِ، وإنَّما نَهَى عنه مَوْصُوفًا بهذه الصِّفاتِ. وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: ما على نِسَاءِ بَنِى المُغِيرَة أن يَبْكِينَ على أبي سُليمانَ، ما لم يكنْ نَقْعٌ أو لَقْلَقَةٌ (١١). قال أبو عُبَيْدٍ (١٢): اللَّقْلَقَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، والنَّقْعُ: التُّرَابُ يُوضَع على الرَّأْسِ. فصل: وأمَّا النَّدْبُ فهو تَعْدَادُ مَحَاسِنِ المَيِّتِ، وما يَلْقَوْنَ بِفَقْدِهِ بِلَفْظِ النِّداءِ؛

стр. 1611

[إلَّا أنَّه] (١٣) يكونُ بالوَاوِ مكان اليَاءِ، وَرُبَّما زِيدَتْ فيه الألفُ والهاءُ، مثل قَوْلِهم: وَارَجُلَاهُ وَاجَبَلَاهُ، واانْقِطَاعُ ظَهْرَاهُ. وأشْبَاهُ هذا. والنِّيَاحَةُ، وخَمْشُ الوُجُوهِ، وشَقُّ الجُيُوبِ، وضَرْبُ الخُدُودِ، والدُّعَاءُ بالوَيْلِ والثُّبُورِ، فقال بعضُ أصْحابِنا: هو مَكْرُوهٌ. ونَقَلَ حَرْبٌ عن أحمدَ كلامًا فيه احْتِمَالُ إباحَةِ النَّوْحِ والنَّدْبِ. واخْتارَهُ الخَلَّالُ وصَاحِبُه؛ لأنَّ وَاثِلَةَ بن الأَسْقَعِ، وأبا وَائِلٍ، كانا يسْمعانِ (١٤) النوْحَ ويَبْكِيانِ (١٥). وقال أحمدُ: إدا ذَكَرَتِ المَرْأةُ مِثلَ ما حُكِىَ عن فَاطِمَةَ، في مِثْلِ الدُّعاءِ، لا يكونُ مثلَ النَّوْحِ. يَعْنِى لا بَأْسَ به. ورَوَىَ [البُخارىُّ بإسْنادِه] (١٦) عن فاطمةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالت: يا أَبَتَاهُ، مِن رَبِّه ما أدْناهُ، يا أبَتَاهُ، إلى جِبْرِيلَ أنعَاهُ، يا أَبَتَاهُ، أجابَ رَبًّا دَعاهُ. ورُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ فاطمةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، أخَذَتْ قَبْضَةً مِن تُرَابِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فوَضَعَتْها على عَيْنِها، ثم قالتْ: ماذا على مُشْتَمِّ تُرْبَةِ أحْمَدٍ ... أنْ لا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا (١٧) صُبَّتْ عَلَىَّ مُصِيبَةٌ لَوْ أنَّها ... صُبَّتْ على الأيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا (١٨) وظاهُر الأخْبارِ تَدُلُّ على تَحْرِيمِ النَّوْحِ، وهذه الأشْياءِ المَذْكُورَة؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عنها في حَدِيثِ جابِرٍ (١٩)؛ لِقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي

стр. 1612

مَعْرُوفٍ﴾ (٢٠). قال أحمدُ: هو النَّوْحُ. ولَعَنَ النَّبِىُّ ﷺ النَّائِحَةَ والمُسْتَمِعَةَ (٢١). وقالتْ أُمُّ عَطِيَّة: أخَذَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ عندَ البَيْعَةِ أنْ لا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). وعن أبي موسى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ [بَرِئَ من الصَّالِقَةِ، والحالِقَةِ، والشَّاقَّةِ (٢٣). والصَّالِقة: التي ترفعُ صَوْتَها. وعن ابن مسعودٍ، أن النبي ﷺ ] (٢٤)، قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بِدَعْوَى الجَاهِليَّةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٥). ولأنَّ ذلك يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ (٢٦) والاسْتِغَاثَةَ والسَّخَطَ

стр. 1613

بِقَضَاءِ اللهِ، وفى بعضِ الآثَارِ: إنَّ أهْلَ الميِّتِ (٢٧) إذا دَعَوْا بالوَيْلِ والثُّبُورِ، وَقَفَ مَلَكُ المَوْتِ في عَتَبةِ البَابِ، وقال: إن كانَتْ صَيْحَتُكمْ عَلَيَّ فإنِّى مَأْمُورٌ، وإنْ كانتْ على مَيِّتِكم فإنَّه مَقْبُورٌ، وان كانتْ علَى رَبِّكُم فالوَيْلُ لَكُم والثُّبُورُ، وإنَّ لي فيكم لَعَوْدَاتٍ (٢٨) ثم عَوْدَاتٍ. وقال النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا حَضَرْتُم الْمَيِّتَ، فقُولُوا خَيْرًا؛ فإنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى ما تَقُولُونَ" (٢٩). فصل: وقد صَحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ في قَبْرِهِ بِمَا يُنَاحُ عَلَيْهِ". وفى لَفْظٍ: "إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِه عَلَيه". ورَوى ذلك عمرُ، وابنُه، والمُغِيرَةُ، وهى أحادِيثُ مُتَّفَقٌ عليها (٣٠). واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في

стр. 1614

مَعْناها، فحَمَلها قَوْمٌ على ظَوَاهِرِها؛ وقالُوا: يَتَصَرَّفُ اللهُ (٣١) في خَلْقِه بما شاءَ، وأَيَّدُوا ذلك بما رَوَى أبو موسى، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ (٣٢) فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ، وَاسَنَدَاهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، إلَّا وَكَلَ اللهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَلْهَزَانِهِ (٣٣): أهكَذَا كُنْتَ؟ " (٣٤). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى النُّعْمَانُ بن بَشِيرٍ، قال: أُغْمِىَ على عبدِ اللَّه بنِ رَوَاحَةَ، فجَعَلَتْ أُخْتُه عَمْرَةُ (٣٥) تَبْكِى، وتقولُ: وَاجَبَلَاهُ، واكَذا وَاكَذا. تُعَدِّدُ عليه. فقال حِينَ أفاقَ: ما قُلْتِ لي (٣٦) شيئًا إلَّا قِيلَ لي: أنْتَ كَذَلِكَ؟ فلمَّا ماتَ لم تَبْكِ عليه. أخْرَجَهُ البُخَارِىُّ (٣٧). وأنْكَرَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها حَمْلَها على ظاهِرِها، ووَافَقَها ابنُ عَبَّاسٍ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: ذَكَرْتُ ذلك لعائشةَ فقالتْ: يَرْحَمُ اللهُ عمرَ، واللهِ (٣٨) ما حَدَّث رسولُ اللهِ ﷺ (٣٩): "إنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِه عَلَيْهِ". ولَكِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ

стр. 1615

عَلَيْهِ". وقالتْ: حَسْبُكُمْ القُرْآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤٠). قال ابنُ عَبَّاسٍ عندَ ذلك: واللهُ أَضْحَكَ وأَبْكَى. وذَكَرَ ذلك ابنُ عَبَّاسٍ لابنِ عمرَ حِينَ رَوَى حَدِيثَه، فما قال شيئًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤١). وحَمَلَهُ قَوْمٌ على مَن كان النَّوْحُ سُنَّتَهُ (٤٢)، ولم يَنْهَ أهْلَهُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٤٣). وقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه" (٤٤). وحَمَلَهُ آخَرُونَ على مَن أَوْصَى بذلك في حياتِه، كقولِ طَرَفَةَ (٤٥): إذا مُتُّ فَانْعِينِى بما أنَا أهْلُهُ ... وشُقِّى عَلَىَّ الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ (٤٦) وقال آخرُ:
следующие страницы →