← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

[إلَّا أنَّه] (١٣) يكونُ بالوَاوِ مكان اليَاءِ، وَرُبَّما زِيدَتْ فيه الألفُ والهاءُ، مثل قَوْلِهم: وَارَجُلَاهُ وَاجَبَلَاهُ، واانْقِطَاعُ ظَهْرَاهُ. وأشْبَاهُ هذا. والنِّيَاحَةُ، وخَمْشُ الوُجُوهِ، وشَقُّ الجُيُوبِ، وضَرْبُ الخُدُودِ، والدُّعَاءُ بالوَيْلِ والثُّبُورِ، فقال بعضُ أصْحابِنا: هو مَكْرُوهٌ. ونَقَلَ حَرْبٌ عن أحمدَ كلامًا فيه احْتِمَالُ إباحَةِ النَّوْحِ والنَّدْبِ. واخْتارَهُ الخَلَّالُ وصَاحِبُه؛ لأنَّ وَاثِلَةَ بن الأَسْقَعِ، وأبا وَائِلٍ، كانا يسْمعانِ (١٤) النوْحَ ويَبْكِيانِ (١٥). وقال أحمدُ: إدا ذَكَرَتِ المَرْأةُ مِثلَ ما حُكِىَ عن فَاطِمَةَ، في مِثْلِ الدُّعاءِ، لا يكونُ مثلَ النَّوْحِ. يَعْنِى لا بَأْسَ به. ورَوَىَ [البُخارىُّ بإسْنادِه] (١٦) عن فاطمةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالت: يا أَبَتَاهُ، مِن رَبِّه ما أدْناهُ، يا أبَتَاهُ، إلى جِبْرِيلَ أنعَاهُ، يا أَبَتَاهُ، أجابَ رَبًّا دَعاهُ. ورُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ فاطمةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، أخَذَتْ قَبْضَةً مِن تُرَابِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فوَضَعَتْها على عَيْنِها، ثم قالتْ: ماذا على مُشْتَمِّ تُرْبَةِ أحْمَدٍ ... أنْ لا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا (١٧) صُبَّتْ عَلَىَّ مُصِيبَةٌ لَوْ أنَّها ... صُبَّتْ على الأيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا (١٨) وظاهُر الأخْبارِ تَدُلُّ على تَحْرِيمِ النَّوْحِ، وهذه الأشْياءِ المَذْكُورَة؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عنها في حَدِيثِ جابِرٍ (١٩)؛ لِقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي

стр. 1612

مَعْرُوفٍ﴾ (٢٠). قال أحمدُ: هو النَّوْحُ. ولَعَنَ النَّبِىُّ ﷺ النَّائِحَةَ والمُسْتَمِعَةَ (٢١). وقالتْ أُمُّ عَطِيَّة: أخَذَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ عندَ البَيْعَةِ أنْ لا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). وعن أبي موسى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ [بَرِئَ من الصَّالِقَةِ، والحالِقَةِ، والشَّاقَّةِ (٢٣). والصَّالِقة: التي ترفعُ صَوْتَها. وعن ابن مسعودٍ، أن النبي ﷺ ] (٢٤)، قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بِدَعْوَى الجَاهِليَّةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٥). ولأنَّ ذلك يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ (٢٦) والاسْتِغَاثَةَ والسَّخَطَ

стр. 1613

بِقَضَاءِ اللهِ، وفى بعضِ الآثَارِ: إنَّ أهْلَ الميِّتِ (٢٧) إذا دَعَوْا بالوَيْلِ والثُّبُورِ، وَقَفَ مَلَكُ المَوْتِ في عَتَبةِ البَابِ، وقال: إن كانَتْ صَيْحَتُكمْ عَلَيَّ فإنِّى مَأْمُورٌ، وإنْ كانتْ على مَيِّتِكم فإنَّه مَقْبُورٌ، وان كانتْ علَى رَبِّكُم فالوَيْلُ لَكُم والثُّبُورُ، وإنَّ لي فيكم لَعَوْدَاتٍ (٢٨) ثم عَوْدَاتٍ. وقال النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا حَضَرْتُم الْمَيِّتَ، فقُولُوا خَيْرًا؛ فإنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى ما تَقُولُونَ" (٢٩). فصل: وقد صَحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ في قَبْرِهِ بِمَا يُنَاحُ عَلَيْهِ". وفى لَفْظٍ: "إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِه عَلَيه". ورَوى ذلك عمرُ، وابنُه، والمُغِيرَةُ، وهى أحادِيثُ مُتَّفَقٌ عليها (٣٠). واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في

стр. 1614

مَعْناها، فحَمَلها قَوْمٌ على ظَوَاهِرِها؛ وقالُوا: يَتَصَرَّفُ اللهُ (٣١) في خَلْقِه بما شاءَ، وأَيَّدُوا ذلك بما رَوَى أبو موسى، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ (٣٢) فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ، وَاسَنَدَاهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، إلَّا وَكَلَ اللهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَلْهَزَانِهِ (٣٣): أهكَذَا كُنْتَ؟ " (٣٤). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى النُّعْمَانُ بن بَشِيرٍ، قال: أُغْمِىَ على عبدِ اللَّه بنِ رَوَاحَةَ، فجَعَلَتْ أُخْتُه عَمْرَةُ (٣٥) تَبْكِى، وتقولُ: وَاجَبَلَاهُ، واكَذا وَاكَذا. تُعَدِّدُ عليه. فقال حِينَ أفاقَ: ما قُلْتِ لي (٣٦) شيئًا إلَّا قِيلَ لي: أنْتَ كَذَلِكَ؟ فلمَّا ماتَ لم تَبْكِ عليه. أخْرَجَهُ البُخَارِىُّ (٣٧). وأنْكَرَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها حَمْلَها على ظاهِرِها، ووَافَقَها ابنُ عَبَّاسٍ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: ذَكَرْتُ ذلك لعائشةَ فقالتْ: يَرْحَمُ اللهُ عمرَ، واللهِ (٣٨) ما حَدَّث رسولُ اللهِ ﷺ (٣٩): "إنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِه عَلَيْهِ". ولَكِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ

стр. 1615

عَلَيْهِ". وقالتْ: حَسْبُكُمْ القُرْآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤٠). قال ابنُ عَبَّاسٍ عندَ ذلك: واللهُ أَضْحَكَ وأَبْكَى. وذَكَرَ ذلك ابنُ عَبَّاسٍ لابنِ عمرَ حِينَ رَوَى حَدِيثَه، فما قال شيئًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤١). وحَمَلَهُ قَوْمٌ على مَن كان النَّوْحُ سُنَّتَهُ (٤٢)، ولم يَنْهَ أهْلَهُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٤٣). وقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه" (٤٤). وحَمَلَهُ آخَرُونَ على مَن أَوْصَى بذلك في حياتِه، كقولِ طَرَفَةَ (٤٥): إذا مُتُّ فَانْعِينِى بما أنَا أهْلُهُ ... وشُقِّى عَلَىَّ الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ (٤٦) وقال آخرُ:

стр. 1616

مَنْ كَانَ مِن أُمَّهاتِى بَاكِيًا أَبَدًا ... فاليَوْمَ إنِّي أَرَانِى اليَوْمَ مَقْبُوضَا يُسْمِعْنَنِيهِ فإنِّى غيرُ سَامِعِه ... إذا جُعِلْتُ على الأعْوَادِ مَعْرُوضَا (٤٧) ولا بُدَّ من حَمْلِ البُكاءِ في هذه الأحاديثِ على البُكاءِ غير المَشْرُوعِ، وهو الذي معه نَدْبٌ ونِيَاحَةٌ (٤٨) ونحوُ هذا، بدليلِ ما قَدَّمْناهُ من الأحاديثِ في صَدْرِ المَسألةِ. فصل: ويَنْبَغِى لِلْمُصَابِ أن يَسْتَعِينَ باللهِ تعالى، ويَتَعَزَّى بِعَزَائِه، ويَمْتَثِلَ أمْرَهُ في الاسْتِعَانَةِ بالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ويَتَنَجَّزَ (٤٩) ما وَعَدَ اللهُ به الصَّابِرِينَ، حيثُ يقولُ سُبْحَانَه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٥٠). ورَوَى مُسْلِمٌ، في "صَحِيحِه"، عن أُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُه مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللَّهُمَّ أْجُرْنِى في مُصِيبَتِى، واخْلُفْ لِى خَيْرًا مِنْهَا. إلَّا أجَرَهُ اللهُ في مُصِيبَتِه، وأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" قالتْ: فلمَّا ماتَ أبو سَلَمَةَ، قلتُ كما أمَرَنِى رسولُ اللهِ ﷺ , فأخَلَفَ لِى خَيْرًا منه، رسولَ اللهِ ﷺ (٥١). ولْيَحْذَرْ أن يتكلَّمَ بِشىءٍ يُحْبِطُ أجْرَه، ويُسْخِطُ رَبَّه، ممَّا يُشْبِه التَّظَلُّمَ والاسْتِغَاثَةَ، فإنَّ اللَّه عَدْلٌ لا يَجُورُ، وله ما أخَذَ وله (٥٢) ما أعْطى، وهو الفَعَّالُ لما يُرِيدُ، ولا (٥٣) يَدْعُو على نَفْسِه، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال، لمَّا ماتَ أبو سَلَمَةَ: "لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُم إلَّا

стр. 1617

بِخَيْرٍ؛ فَإنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى ما تَقُولُونَ" (٥٤). ويَحْتَسِبُ ثَوابَ اللَّه تعالى ويَحْمَدُه؛ لما رَوَى أبو موسى، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِى؟ فيَقُولُونَ: نَعَمْ. فيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فيَقُولُونَ: نَعَمْ. فيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِى؟ فيَقُولُونَ: حَمِدَكَ، واسْتَرْجَعَ. فيَقُولُ: ابْنُوا لِعَبْدِى بَيْتًا في الجَنَّةِ، وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ" (٥٥). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ٣٨٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا بَأْسَ أنْ يُصْلِحَ لأَهْلِ المَيِّتِ طَعَامًا، يَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ، وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا يُطْعِمُونَ النَّاسَ) وجُمْلَتُه أنَّه يُسْتَحَبُّ إصْلاحُ طَعامٍ لأهْلِ المَيِّتِ، يَبْعَثُ به إليهم، إعانَةً لهم، وجَبْرًا لِقُلُوبِهم؛ فإنَّهم رُبَّما اشْتَغَلُوا بمُصِيبَتِهم وبِمَنْ يَأْتِى إليهم عن إصْلاحِ طَعامٍ لأنْفُسِهم. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ (١)، في "سُنَنِه"، بإسْنادِه عن عبدِ اللهِ بن جعفرٍ، قال: لمّا جاءَ نَعْىُ جَعْفَرٍ، قال رسولُ اللَّه ﷺ : "اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا؛ فَإنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُم" (٢). ورُوِىَ عن عبدِ اللهِ بن أبي بكرٍ، أنَّه قال: فما زَالَتِ السُّنَّةُ فينا، حتى تَرَكَها مَن تَرَكَها. فأمَّا صُنْعُ (٣) أهْلِ المَيِّتِ طَعَامًا

стр. 1618

لِلنَّاسِ، فمَكْرُوهٌ؛ لأنَّ فيه زِيَادَةً على مُصِيبتِهم، وشُغْلًا لهم إلى شُغْلِهم، وتَشَبُّهًا (٤) بصَنِيعِ (٥) أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ. ورُويَ أنَّ جَرِيرًا وَفَدَ على عمرَ، فقال: هل يُنَاحُ على مَيِّتِكُم؟ قال: لا. قال: فهل يَجْتَمِعُونَ عندَ أهْلِ المَيِّتِ، ويَجْعَلُونَ الطَّعَامَ؟ قال: نعم. قال: ذاكَ النَّوْحُ (٦). وإن دَعَتِ الحاجةُ إلى ذلك جازَ؛ فإنَّه رُبَّما جاءَهم مَن يَحْضُرُ مَيِّتَهم مِن القُرَى والأماكِن البَعِيدَةِ، ويَبِيتُ عِنْدَهم، فلا (٧) يُمْكِنُهم [أنْ لا] (٨) يُضَيِّفُوهُ. ٣٨٨ - مسألة؛ قال: (والْمَرْأَةُ إذَا مَاتَتْ، وفِي بَطْنِها وَلَدٌ يَتَحَرَّكُ، فَلَا يُشَقُّ بَطْنُها، ويَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلُ، فَيُخْرِجْنَهُ) معنى "يَسْطُو القَوَابِلُ" أن يُدْخِلْنَ أَيْديَهُنَّ في فَرْجِها، فيُخْرِجْنَ الوَلَدَ من مَخْرَجِه. والمذهبُ أنَّه لا يُشَقُّ بَطْنُ المَيِّتَةِ لإِخْراجِ وَلَدِها، مُسْلِمَةً كانت أو ذِمِّيَّةً، وتُخْرِجُه القَوَابِلُ إن عُلِمَتْ حَيَاتُه بحركتِه (١). وإن لم يُوجَدْ نِساءٌ لم يَسْطُ (٢) الرِّجالُ عليه، وتُتْرَكُ أُمُّهُ حتى يُتَيَقَّنَ مَوْتُه، ثم تُدْفَنُ. ومذهبُ مالكٍ، وإسْحاقَ قَرِيبٌ مِن هذا. ويَحْتَمِلُ أن يُشَقَّ بَطْنُ الأُمِّ، إن غَلَب على الظَّنِّ أنَّ الجَنِينَ يَحْيَا، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ (٣)؛ لأنَّه إتْلَافُ جُزْءٍ من المَيِّتِ لإِبْقَاءِ حَيٍّ، فجَازَ، كما لو خَرَجَ بعضُه حَيًّا، ولم يُمْكِنْ خُرُوجُ بَقِيَّتِه إلَّا بِشَقٍّ، ولأنَّه يُشَقُّ لإِخْراجِ المالِ منه،

стр. 1619

فَلإبْقاءِ الحَىِّ أَوْلَى. ولَنا، أنَّ هذا الوَلَدَ لا يَعِيشُ عَادَةً، ولا يَتَحَقَّقُ أنَّه يَحْيَا، فلا يجوزُ هَتْكُ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لأمْرٍ مَوْهُومٍ، وقد قال ﵇: "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الحَىِّ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٤)، وفيه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن المُثْلَةِ (٥). وفارَقَ الأصْلَ؛ فإنَّ حياتَه مُنْتفِيَةٌ (٦)، وبَقَاءَهُ مَظْنُونٌ، فعلَى هذا إن خَرَجَ بعضُ الوَلَدِ حَيًّا، ولم يُمْكِنْ إخْرَاجُه إلَّا بِشَقٍّ، شُقَّ المَحَلُّ، وأُخْرِجَ؛ لما ذكرْنا. وإن ماتَ على تلك الحالِ، فأمْكَنَ إخْرَاجُه، أُخْرِجَ وغُسِّلَ. وإن تَعَذَّرَ غَسْلُه تُرِكَ، وغُسِّلَتِ الأُمُّ، وما ظَهَرَ من الوَلَدِ، وما بَقِىَ ففى حُكْمِ الباطِنِ لا يَحْتَاجُ إلى التَّيَمُّمِ مِن أجْلِه؛ لأنَّ الجَمِيعَ كان في حُكْمِ الباطِنِ، فظَهَرَ البَعْضُ، فتَعَلَّقَ به الحُكْمُ، وما بَقِىَ فهو على ما كان عليه. ذَكَرَ هذا ابنُ عَقِيلٍ. وقال: هي حادِثَةٌ سُئِلْتُ عنها، فأفْتَيْتُ فيها. فصل: وإنْ بَلَعَ المَيِّتُ مَالًا، لم يَخْلُ مِن أن يكونَ له أو لغيرِه، فإن كان له لم يُشَقَّ بَطْنُه؛ لأنَّه اسْتَهْلكَه في حَياتِه، ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان يَسِيرًا تُرِكَ، وإن كَثُرَتْ قِيمَتُه، شُقَّ بَطْنُه وأُخْرِجَ؛ لأنَّ فيه حِفْظَ المالِ عن الضَّيَاعِ، ونَفْعَ الوَرَثَةِ الذين تَعَلَّقَ حَقُّهم بمَالِه بِمَرَضِه. وإن كان المالُ لغيرِه، وابْتَلَعَه بإذْنِه، فهو كمالِه؛ لأنَّ

стр. 1620

صَاحِبَه أذِنَ في إتْلافِه. وإن بَلَعَه غَصْبًا ففيه وَجْهانِ: أحَدُهما، لا يُشَقُّ بَطْنُه، ويُغْرَمُ مِن تَرِكَتِه؛ لأنَّه إذا لم يُشَقَّ مِن أجْلِ الوَلَدِ المَرْجُوِّ حَيَاتُه، فمن أجْلِ المالِ أوْلَى. والثاني، يُشَقُّ إن كان كثيرًا؛ لِأَنَّ فيه دَفْعَ الضَّرَرِ عن المالِكِ بِرَدِّ مَالِه إليه، وعن المَيِّتِ بإبْراءِ ذِمَّتِه، وعن الوَرَثَةِ بِحِفْظِ التَّرِكَةِ لهم. ويُفارِقُ الجَنِينَ مِن وَجْهَيْنِ: أحدُهما، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ حَيَاتَه. والثاني، أنَّه ما حَصَلَ بجِنَايَتِه. فعَلَى (٧) الوَجْهِ الأوَّلِ (٨) إذا بَلِىَ جَسَدُه، وغَلَبَ على الظَّنِّ ظُهُورُ المالِ، وتَخَلُّصُه من أعْضاءِ المَيِّتِ، جازَ نَبْشُه وإخْرَاجُه. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ (٩)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "هَذَا (١٠) قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ (١١)، وآيَةُ ذَلِكَ أنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهَبٍ، إنْ أَنْتُم نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ". فابْتَدَرَهُ الناسُ، فاسْتَخْرَجُوا الغُصْنَ. ولو كان في أُذُنِ المَيِّتِ حَلَقٌ، أو في أُصْبُعِه خَاتَمٌ أُخِذَ. فإن صَعُبَ أَخْذُه، بُرِدَ، وأُخِذَ؛ لأنَّ تَرْكَهُ تَضْيِيعٌ لِلْمالِ. فصل: وإن وَقَعَ في القَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، نُبِشَ وأُخْرِجَ. قال أحمدُ: إذا نَسِىَ الحَفَّارُ مِسْحَاتَه (١٢) في القَبْرِ، جازَ أن يَنْبُشَ عنها (١٣). وقال في الشىءِ يَسْقُطُ في القبرِ، مثل الفَأْسِ والدَّرَاهِم: يُنْبَشُ. قال: إذا كان له قِيمَةٌ. يعني يُنْبَشُ. قيل: فإن أعْطاهُ أوْلِياءُ المَيِّتِ؟ قال: إن أعْطَوْهُ حَقَّهُ أىَّ شيءٍ يُرِيدُ! وقد رُوِىَ أنَّ المُغِيرَةَ بن شُعْبَةَ طَرَحَ خَاتَمَه في قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثم قال: خَاتَمِى. ففُتِحَ مَوْضِعٌ منه، فأخَذَ المُغِيرَةُ خَاتَمَهُ، فكان يقولُ: أنا أقْرَبُكم عَهْدًا بِرسولِ اللَّه ﷺ (١٤).

стр. 1621

فصل: وإنْ دُفِنَ مِن غيرِ غُسْلٍ، أو إلى غيرِ القِبْلَةِ، نُبِشَ، وغُسِّلَ، وَوُجِّهَ، إلَّا أن يُخافَ عليه أن يَتَفَسَّخَ، فَيُتْرَكُ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُنْبَشُ؛ لأنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ، وقد نُهِىَ عنها. ولنَا، أنَّ [هذا واجبٌ فلا يسْقُطُ] (١٥) بذلك، كإخْراجِ مَا لَهُ قِيمَةٌ. وقَوْلُهم: إنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ. قُلْنا: إنَّما هو مُثْلَةٌ في حَقِّ مَن [تغيَّر، وهو لا] (١٦) يُنْبَشُ. فصل: وإن دُفِنَ قبلَ الصَّلاةِ، [فرُوِىَ عن] (١٧) أحمدَ أنَّه يُنْبَشُ، ويُصَلَّى عليه. وعنه أنَّه (١٨) إنْ صُلِّىَ على القبرِ جازَ (١٩). واخْتَارَ القاضي أنَّه يُصَلَّى على القَبْرِ ولا يُنْبَشُ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى على قبرِ المِسْكِينَة ولم يَنْبُشْهَا (٢٠). ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه دُفِنَ قبلَ وَاجِبٍ، فنُبِشَ، كما لو دُفِنَ مِن غيرِ غُسْلٍ، وإنَّما يُصَلَّى على القبرِ عندَ الضَّرُورَةِ. وأمَّا المِسْكِينَةُ فقد كانتْ صُلِّىَ عليها، ولم تَبْقَ الصَّلاةُ عليها وَاجِبَةً، فلم تُنْبَشْ لذلك. فأمَّا إن تَغَيَّرَ المَيِّتُ، لم يُنْبَشْ بحالٍ. فصل: وإن دُفِنَ بِغيرِ كَفَنٍ ففيه وَجْهانِ: أحَدُهما، يُتْرَكُ؛ لأنَّ القَصْدَ بالكَفَنِ سَتْرُه، وقد حَصَلَ سَتْرُه بالتُّرَابِ. والثانى، يُنْبَشُ ويُكَفَّنُ؛ لأنَّ التَّكْفِينَ وَاجِبٌ، فأشْبَهَ الغُسْلَ. وإنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، فقال القاضي: يَغْرَمُ قِيمَتَه من تَرِكَتِه، ولا يُنْبَشُ؛ لما فيه من هَتْكِ حُرْمَتِه مع إمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ بِدُونِها.

стр. 1622

ويَحْتَمِلُ أن يُنْبَشَ، إذا كان الكَفَنُ (٢١) بَاقِيًا بحالِه؛ لِيُرَدَّ إلى مَالِكِه عن مَالِه، وإن كان بَالِيًا فَقِيمَتُه في (٢٢) تَرِكَتِه. فإن دُفِنَ في أرْضِ غَصْبٍ، أو أرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بينه وبينَ غيرِه بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه، نُبِشَ وأُخْرِجَ؛ لأنَّ القَبْرَ في الأرْضِ يَدُومُ ضَرَرُه، ويَكْثُرُ، بخِلافِ الكَفَنِ. وإن أذِنَ المالِكُ في الدَّفْنِ في أرْضِه، ثم أرادَ إخْرَاجَهُ، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّ في ذلك ضَرَرًا. وإنْ بَلِىَ المَيِّتُ وعَادَ تُرَابًا، فلِصَاحِبِ الأَرْضِ أَخْذُها، وكُلُّ مَوْضِعٍ أجَزْنَا نَبْشَه لِحُرْمَةِ مِلْكِ الآدمِىِّ، فالمُسْتَحَبُّ تَرْكُه احْتِرَامًا لِلْمَيِّتِ. ٣٨٩ - مسألة؛ قال: (وإذا حَضَرَتِ الْجِنَازَةُ وصَلَاةُ الفَجْرِ، بُدِئَ بالجِنَازَةِ، وَإِذَا (١) حَضَرَتْ صَلَاةُ (٢) المَغْرِبِ بُدِئَ بالمَغْرِبِ) وجُمْلَتُه أنَّه متى حَضَرَتِ الجِنَازَةُ والمَكْتُوَبَةُ بُدِئ بالمَكْتُوبَةِ، إلَّا الفَجْرَ والعَصْرَ؛ لأنَّ ما بَعْدَهما وَقْتٌ نُهِىَ عن الصلاةِ فيه. نَصَّ (٣) أحمدُ على نحوٍ من هذا، وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ. ويُرْوَى عن مُجَاهِدٍ، والحسنِ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وقَتَادَةَ، أنَّهم قالوا: يَبْدَأُ بالمَكْتُوبَةِ؛ لأنَّها أهَمُّ وأيْسَرُ، والجِنَازَةُ يَتَطَاوَلُ أمْرُها، والاشْتغالُ بها، فإن قَدَّمَ جميعَ أمْرِها على المَكْتُوبَةِ أفْضَى إلى تَفْوِيتِها، وإن صَلَّى عليها (٤) ثم انْتَظَرَ بها (٥) فَرَاغَ المَكْتُوبَةِ لم يُفِدْ (٦) تَقْدِيمُها شيئًا، إلَّا في الفَجْرِ

стр. 1623

والعَصْرِ، فإنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عليها [يُفيد أنَّه] (٧) يَقَعُ في غيرِ وَقْتِ النَّهْىِ عن الصلاةِ، فيكونُ أوْلَى (٨). فصل: قال أحمدُ: تُكْرَهُ الصلاةُ - يعني على المَيِّتِ - في ثلاثةِ أوْقاتٍ: عند طُلُوعِ الشَّمْسِ، ونِصْفَ النَّهارِ، وعندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وذَكَرَ حديثَ عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ: ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ اللهِ ﷺ يَنْهانا أن نُصَلِّىَ فيهنَّ، وأنْ (٩) نَقْبُرَ فيهنَّ مَوْتَانا: حينَ تَطْلُعُ الشمسُ بَازِغَةً حتى تَرْتَفِعَ، وحينَ يَقومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حتى يَمِيلَ، وحينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حتى تَغْرُبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠). ومَعْنَى تَتَضَيَّفُ: أي تَجْنَحُ وتَمِيلُ لِلْغُرُوبِ، من قَوْلِكَ: تَضَيَّفْتُ فُلَانًا: إذا مِلْتَ إليه. قال ابنُ المُبَارَكِ: مَعْنَى أن نَقْبُرَ فيهنَّ مَوْتَانا، يَعْنِى الصلاةَ على الجِنَازَةِ. قيل لأحمدَ: الشَّمْسُ على الحِيطَانِ مُصْفَرَّةٌ؟ قال: يُصَلِّى عليها ما لم تُدْلِ لِلْغُرُوبِ. فلا تجوزُ الصلاةُ على المَيِّتِ في هذه الأوْقاتِ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والأوْزاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن أحمدَ أنَّ ذلك جَائِزٌ. وهو قولٌ لِلشَّافِعِىِّ (١١)، قِياسًا على ما بعدَ الفَجْرِ والعَصْرِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لحديثِ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على الوَقْتَيْنِ الآخَرَيْنِ، لأنَّ مُدَّتَهما تَطُولُ، فيُخافُ على المَيِّتِ فيهما، ويَشُقُّ انْتِظَارُ خُرُوجِهما، بخِلافِ هذه. وكَرِهَ أحمدُ أيضًا دَفْنَ المَيِّتِ في هذه الأوْقاتِ، لحديثِ عُقْبَةَ. فأمَّا الصلاةُ على القَبْرِ والغَائِبِ، فلا يجوزُ في شيءٍ من أوْقاتِ النَّهْىِ؛ لأنَّ عِلَّةَ تَجْوِيزِها على المَيِّتِ مُعَلَّلَةٌ بالخَوْفِ عليه، وقد أُمِنَ ذلك هَا هُنا، فيَبْقَى على أصْلِ المَنْعِ،

стр. 1624

والعَمَلِ بِعُمُومِ النَّهْىِ. فصل: فأمَّا الدَّفْنُ لَيْلًا، فقال أحمدُ: ما (١٢) بَأْسٌ بذلك. وقال: أبو بكرٍ دُفِنَ لَيْلًا، وعلىٌّ دَفَنَ فاطمةَ لَيْلًا، وحديثُ عائشةَ: كُنَّا سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِى من آخِرِ اللَّيْلِ في دَفْنِ النَّبِيِّ ﷺ (١٣). ومِمَّنْ دُفِنَ لَيْلًا: عثمانُ، وعائشةُ، وابنُ مسعودٍ. وَرَخَّصَ فيه عُقْبَةُ بن عَامِرٍ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ. وكَرِهَهُ الحسنُ؛ لما رَوَى مُسْلِمٌ، في "صَحِيحِه" (١٤)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فذَكَرَ رَجُلًا من أصْحَابِه قُبِضَ، فكُفِّنَ في كَفَنٍ غيرِ طَائِلٍ، ودُفِنَ لَيْلًا، فزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أن يُقْبَرَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ، إلَّا أنْ يُضْطَرَّ الإِنْسانُ إلى ذلك. وقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: إليه أذْهَبُ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ مسعودٍ، قال: واللهِ لَكَأنِّى أسْمَعُ رسولَ اللهِ ﷺ في غَزْوَةِ (١٥) تَبُوكَ، وهو في قَبْرِ ذِى الِبجَادَيْنِ، وأبو بكرٍ وعمرُ، وهو يقول: "أَدْنِيَا مِنِّى أخَاكُما حَتَّى أسْنُدَهُ فِي لَحْدِهِ". ثم قال لما فَرَغَ مِن دَفْنِه، وقامَ على قَبْرِهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَة: "اللَّهُمَّ إنِّي أَمْسَيْتُ عَنْهُ رَاضِيًا، فَارْضَ عَنْهُ". وكان ذلك لَيْلًا، قال: فوَاللهِ لقد رَأَيْتُنِى ولَوَدَدْتُ أنِّى مَكَانَهُ، ولقد أسْلَمْتُ قَبْلَه بخَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، وأخَذَهُ مِن قِبَلِ القِبْلَةِ. رَوَاهُ الخَلَّالُ، في "جَامِعِه" (١٦). ورَوَى ابنُ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا، فأُسْرِجَ له

стр. 1625

سِرَاجٌ، فأخَذَ مِن قِبَلِ القِبْلَة، وقال: "رَحِمَكَ اللهُ، إنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا، تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ" (١٧). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَألَ عن رَجُلٍ، فقال: "مَنْ هَذَا؟ " قالوا: فُلَانٌ، دُفِنَ البارِحَةَ. فصَلَّى عليه. أخْرَجَهُ البُخَارِىُّ (١٨). فلم يُنْكِرْ عليهم، ولأنَّه أحَدُ الزَّمَنَيْن (١٩)، فجَازَ الدَّفْنُ فيه كالنَّهَارِ، وحديثُ الزَّجْرِ مَحْمُولٌ على الكَرَاهَةِ والتَّأْدِيبِ؛ فإنَّ الدَّفْنَ نَهَارًا أوْلَى؛ لأنَّه أسْهَلُ على مُتَّبِعِيها (٢٠)، وأكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ عليها، وأمْكَنُ لاتِّبَاعِ السُّنَّةِ في دَفْنِه وإلْحادِهِ. ٣٩٠ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُصَلِّى الْإِمَامُ عَلَى الغَالِّ [مِنَ الْغَنِيمَةِ] (١)، ولَا عَلَى (٢) مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) الغَالُّ: هو الذي يَكْتُمُ غَنِيمَتَه أو بعضَها، لِيَأْخُذَه لِنَفْسِه، ويَخْتَصَّ به. فهذا لا يُصَلِّى عليه الإِمامُ، ولا على مَن قَتَلَ نَفْسَه مُتَعَمِّدًا. ويُصَلِّى عليهما (٣) سائرُ النَّاسِ. نَصَّ [أحمدُ على هذا] (٤). وقال عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والأوْزَاعِىُّ: لا يُصَلَّى على قَاتِلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ؛ لأنَّ مَن لا يُصَلِّى عليه الإِمامُ لا يُصَلِّى عليه غيرُه، كشَهِيدِ

стр. 1626

المَعْرَكَةِ. وقال عَطَاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّافِعِىُّ (٥): يُصَلِّى الإِمامُ وغيرُه على كل مُسْلِمٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إلَّا اللهُ". رَوَاهُ الخَلَّالُ بإسْنَادِهِ (٦). ولَنا، ما رَوَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَاءُوه بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ (٧)، فلم يُصَلِّ عليه. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨). ورَوَى أبو دَاوُدَ (٩) أنَّ رَجُلًا انْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فأخْبَرَهُ عن رَجُلٍ أنَّه قد ماتَ، قال: "وما يُدْرِيكَ؟ " قال: رَأيْتُه يَنْحَرُ نَفْسَهُ بمَشاقِصَ (١٠)، قال: "أنْتَ رَأيْتَهُ؟ " (١١) قال: نعم، قال: "إذًا لَا أُصَلِّى عَلَيْهِ". ورَوَى زيدُ بنُ خَالِدٍ الجُهَنِىُّ، قال: تُوُفِّىَ رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ يومَ خَيْبَرَ، فذُكِرَ ذلك لِرسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ القَوْمِ، فلمَّا رَأَى ما بهم قال: "إنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ" (١٢). احْتَجَّ به أحمدُ. واخْتَصَّ هذا الامْتِناعُ بالإِمامِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا امْتَنَعَ مِن الصَّلَاةِ على الغَالِّ، قال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". ورُوِىَ أنَّه أمَرَ بالصلاةِ على قاتِلِ نَفْسِه، وكان النَّبِىُّ ﷺ هو الإِمامَ، فأُلْحِقَ به مَن سَاوَاهُ في ذلك، ولا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ صلاةِ النَّبِيِّ ﷺ تَرْكُ صَلَاةِ غيرِه؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان في

стр. 1627

بَدْءِ الإِسلامِ لا يُصَلِّى على مَنْ عليه دَيْنٌ لا وَفَاءَ له، ويَأْمُرُهم بالصلاةِ عليه. فإن قِيلَ: هذا خَاصٌّ للنَّبِىِّ ﷺ ؛ لأنَّ صلاتَهُ سَكَنٌ. قُلْنا: ما ثَبَتَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ، ثَبَتَ في حَقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصَاصِه (١٣) دَلِيلٌ. فإن قِيلَ: فقد تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الصلاةَ على مَن عليه دَيْنٌ. قُلْنا: ثم صَلَّى عليه بعدُ، فرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُؤْتَى بالرَّجُلِ المُتَوَفَّى عليه الدَّيْنُ، فيقولُ: "هل تَرَكَ لِدَيْنِه مِنْ وَفَاءٍ؟ ". فإن حُدِّثَ أنَّه تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عليه، وإلَّا قال لِلْمُسْلِمِينَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". فلمَّا فَتَحَ اللهُ الفُتُوحَ قامَ فقال: "أنَا أَوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَن تُوُفِّىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وتَرَكَ دَيْنًا، عَلَىَّ قَضَاؤُهُ، ومَنْ تَرَكَ مالًا فَلِوَرَثَتِهِ (١٤) ". قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ولولا النَّسْخُ كان كمَسْألَتِنا، وهذه الأحادِيثُ خاصَّةٌ، فيَجِبُ تَقْدِيمُها على قَوْلِه: "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إلَّا اللهُ" (١٥). على أنَّه لا تَعَارُضَ بين الخَبَرَيْنِ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَرَكَ الصلاةَ على هذَيْنِ، وأمَرَ بالصلاةِ عليهما، فلم يَكُنْ أمْرُهُ بالصلاةِ عليهما مُنَافِيًا لِتَرْكِه الصلاةَ عليهما، كذلك أمْرُهُ بالصلاةِ على مَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ. فصل: قال أحمدُ: لا أشْهَدُ الجَهْمِيَّةَ (١٦) ولا الرَّافِضَةَ (١٧)، ويَشْهَدُه مَن شاءَ،

стр. 1628

قد تركَ النَّبِىّ ﷺ الصلاةَ على أقَلَّ مِن هذا؛ الدَّيْنِ، والغُلُولِ، وقَاتِلِ نَفْسِه. وقال: لا يُصَلَّى على الرَّافِضِىِّ. وقال أبو بكرِ بن عَيَّاشٍ: لا أُصَلِّى عَلَى رَافِضِىٍّ، ولا حَرُورِىٍّ (١٨). وقال الْفِريَابِىُّ (١٩): مَن شَتَمَ أبا بكرٍ فهو كَافِرٌ، لا يُصَلَّى (٢٠) عليه. قِيلَ له: فكيف نَصْنَعُ به، وهو يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللَّه؟ قال: لا تَمَسُّوهُ بأيْدِيكم، ارْفَعُوهُ (٢١) بالخُشُبِ حتى تُوَارُوهُ في حُفْرَتِه. وقال أحمدُ: أهْلُ الْبِدَعِ لا يُعادُونَ إن مَرِضُوا، ولا تُشْهَدُ جَنَائِزُهم إن ماتُوا. وهذا قولُ مَالِكٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وسائِرُ العُلَمَاءِ يُصَلُّونَ على أهْلِ الْبِدَعِ والخَوَارِجِ وغَيْرِهِم؛ لِعُمُومِ قولِه ﷺ : "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إلَّا اللهُ" (٢٢). ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَرَكَ الصلاةَ بأدْونَ مِن هذا، فأوْلَى أن نَتْرُكَ الصلاةَ به، ورَوَى ابنُ عمرَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسًا، وإنَّ مَجُوسَ أُمَّتِى الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ، فَإنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وإنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ". رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ (٢٣). فصل: ولا يُصَلَّى على أطْفالِ المُشْرِكِينَ؛ لأنَّ لهم حُكْمَ آبَائِهم، إلَّا مَن حَكَمْنا بإسْلامِه، مثل أن يُسْلِمَ أحدُ أبَوَيْهِ، أو يموتَ، أو يُسْبَى مُنْفَرِدًا مِن أبوَيْهِ، أو من أحَدِهما، فإنَّه يُصَلَّى عليه. وقال أبو ثَوْرٍ في (٢٤) مَن سُبِىَ مع (٢٥) أحَدِ

стр. 1629

أبَوَيْهِ، لا يُصَلَّى عليه، حتى يَخْتارَ الإِسْلامَ. ولَنا، أنَّه مَحْكُومٌ له بالإِسلامِ، أشْبَهَ ما لو سُبِىَ مُنْفَرِدًا منهما. فصل: ويُصَلَّى على سائرِ المسلمين مِن أهْلِ الكَبائِرِ، والمَرْجُومِ في الزِّنَا، وغيرِهم. قال أحمدُ: مَن اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وصَلَّى بِصَلَاتِنَا، نُصَلِّى عليه ونَدْفِنُه. ويُصَلَّى على وَلَدِ الزِّنَا، والزَّانِيَةِ، والذي يُقادُ منه [في القِصاصِ] (٢٦)، أو يُقْتَل في حَدٍّ. وسُئِلَ عَمَّنْ لا يُعْطِى زَكاةَ مَالِه، فقال: يُصَلَّى عليه، ما يُعْلَمُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ الصلاةَ على أحَدٍ، إلَّا على قَاتِلِ نَفْسِه والغَالِّ. وهذا قولُ عَطَاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّ (٢٧) أبا حنيفةَ، قال: لا يُصَلَّى على البُغَاةِ، ولا المُحَارِبِينَ؛ لأنَّهم بَايَنُوا أهْلَ الإِسلامِ، وأشْبَهُوا أهْلَ دارِ الحَرْبِ. وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى على مَن قُتِلَ في حَدٍّ؛ لأنَّ أبا بَرْزَةَ الأسْلَمِىَّ قال: لم يُصَلِّ رسولُ اللهِ ﷺ على مَاعِزِ بن مَالِكٍ، ولم يَنْهَ عن الصلاةِ عليه. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٨). ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إلَّا اللهُ" (٢٩). رَوَاهُ الخَلَّالُ بإسْنَادِهِ، ورَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِهِ، عن أبي شُمَيْلَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ إلى قُبَاءَ، فاسْتَقْبَلَهُ رَهْطٌ من الأنْصارِ، يَحْمِلُونَ جِنَازَةً على بَابٍ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "مَا هَذَا؟ " قالوا: مَمْلُوكٌ لآل فُلَانٍ. قال: "أكَانَ يَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ؟ " قالوا: نعم، ولَكِنَّهُ كان وكان. فقال: "أكَانَ يُصَلِّى؟ " قالوا: قد كان يُصَلِّى ويَدَعُ. فقال لهم: "ارْجِعُوا بِهِ، فَغَسِّلُوه، وكَفِّنُوهُ، وصلُّوا عَلَيْهِ، وَادْفِنُوهُ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِه لَقَدْ كَادَتِ المَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِى وبَيْنَهُ". وأمَّا أهْلُ الحَرْبِ فلا يُصَلَّى عليهم؛ لأنَّهم

стр. 1630

كُفَّارٌ، ولا يُقْبَلُ فيهم شَفاعةٌ، ولا يُسْتَجابُ فيهم (٣٠) دُعَاءٌ، وقد نُهِينَا عن الاسْتِغْفَارِ لهم، وقال اللهُ تعالى لِنَبِيِّهِ ﵇: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٣١). وقال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣٢). وأمَّا تَرْكُ الصلاةِ علَى مَاعزٍ فيَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ من يُصَلِّى عليه لِعُذْرٍ، بِدَلِيلِ أنَّه رَجَمَ الغَامِدِيَّة، وصَلَّى عليها. فقال له عمرُ: تَرْجُمُها، وتُصَلِّى عليها؟ فقال: "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ". كذلك رَوَاهُ الأوْزَاعِىُّ (٣٣). ورَوَى مَعْمَرٌ، وهِشَامٌ، عن أَبَانٍ (٣٤) أنَّه أَمَرَهُمْ بالصَّلَاةِ عليها. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وهو الصَّحِيحُ. ٣٩١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَضَرَتْ جِنَازَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وصَبِىٍّ، جُعِلَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِى الإِمَامَ، والمَرْأَةُ خَلْفَه، والصَّبِىُّ خلْفَهُمَا) لا خِلافَ في المذهبِ أنَّه إذا اجْتَمَعَ مع الرِّجَالِ غيرُهم، أنَّه يُجْعَلُ الرِّجَالُ ممَّا يَلِى الإِمامَ، وهو مذهبُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، فإنْ كان مَعهم نِسَاءٌ وصِبْيَانٌ، فنَقَلَ الْخِرَقِىُّ ها هُنا، أنَّ المَرْأَةَ تُقَدَّمُ ممَّا يَلِى الرَّجُلَ، ثم يُجْعَلُ الصَّبِىُّ خَلْفَهما ممَّا يَلِى القِبْلَة؛ لأنَّ المَرْأَةَ شَخْصٌ مُكَلَّفٌ، فهى أحْوَجُ إلى الشَّفَاعَةِ، ولأنَّه قد رُوِىَ

стр. 1631

عن عَمَّارٍ مَوْلَى الحارِثِ بنِ نَوْفَلٍ، أنَّه شَهِدَ جِنَازَةَ أُمِّ كُلْثُوم وابْنِها، فجُعِلَ الغُلَامُ ممَّا يَلِى القِبْلَةَ، فأنْكَرْتُ ذلك، وفى القَوْمِ ابنُ عَبَّاسٍ، وأبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ، وأبو قَتَادَةَ، وأبُو هُرَيْرَةَ، فقالوا: هذه السُّنَّةُ (١). والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوَايَةِ جماعةٍ من أصحابِه، أنَّ الرِّجَالَ ممَّا يَلِى الإِمامَ، والصِّبْيَانَ أمامَهُم، والنِّسَاءَ يَلِينَ القِبْلَةَ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّهم يُقَدَّمُونَ عليهنَّ في الصَّفِّ في الصَّلَاةِ المكْتُوبَةِ، فكذلك يُقَدَّمُونَ عليهنَّ ممَّا يَلِى الإِمامَ عندَ اجْتِماعِ الجَنَائِز، كالرِّجالِ. وأمَّا حَدِيثُ عمَّار (٢)، فالصَّحِيحُ فيه أنَّه جَعَلَها ممَّا يَلِى القِبْلَةَ، وجَعَلَ ابْنَها ممَّا يَلِيه. كذلك رَوَاهُ سَعِيدٌ، وعَمَّارٌ مَوْلَى بنى سَلَمةَ (٣)، عن عَمَّارٍ مَوْلَى بنى هاشمٍ. وأخْرَجَهُ كذلك أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ، وغيرُهما (٤)، ولَفْظُه قال: شَهِدْتُ جِنَازَةَ صَبِىٍّ وامْرَأَةٍ، فقُدِّمَ الصَّبِىُّ ممَّا يَلِى القَوْمَ، ووُضِعَتِ المَرْأَةُ وَرَاءَه وفى القَوْمِ أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، وابْنُ عَبَّاسٍ، وأبو قَتَادَةَ، وأبو هُرَيْرَةَ، فقُلْنَا لهم، فقالوا: السُّنَّةُ. وأمَّا الحديثُ الأوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ فإنَّ زَيْدَ بن عمرَ هو ابنُ أُمِّ كُلْثُوم بنت عليٍّ، الذي صُلِّىَ عليه معها، وكان رَجُلًا له أوْلَادٌ. كذلك قال الزُّبَيْرُ بن بَكَّارٍ. ولا خِلافَ في تَقْدِيمِ الرَّجُلِ على المَرْأةِ، ولأنَّ زَيْدًا ضُرِبَ في حَرْبٍ كانت بين بنى (٥) عَدِىّ في خِلافَةِ (٦) بنى أُمَيَّةَ فصُرِعَ وحُمِلَ، ومات، والْتَقَتْ صَارِخَتَانِ (٧) عليه وعلى أُمِّهِ، فلا يكونُ إلَّا رَجُلًا.

стр. 1632

فصل: ولا خِلافَ في تَقْدِيمِ الخُنْثَى على المَرْأةِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ رَجُلًا، وأدْنَى أحْوَالِه أن يكونَ مُسَاوِيًا لها، ولا في تَقْدِيمِ الحُرِّ على العَبْدِ؛ لِشَرَفِه وتَقْدِيمِه عليه في الإِمامَةِ، ولا في تَقْدِيمِ الكبيرِ على الصَّغيرِ كذلك. وقد رَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِه عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، في جِنَازَةِ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، وحُرٍّ وعَبْدٍ، وصغيرٍ وكبيرٍ، يُجْعَلُ الرَّجُلُ ممَّا يَلِى الإِمامَ، والمَرْأةُ أمامَ ذلك، والكَبِيرُ ممَّا يَلِى الإِمامَ، والصَّغِيرُ أمامَ ذلك، والحُرُّ ممَّا يَلِى الإِمامَ، والمَمْلُوكُ أمامَ ذلك. فإن اجْتَمَعَ حُرٌّ صَغِيرٌ وعَبْدٌ كَبِيرٌ، فقال أحْمَدُ، في رِوَايَةِ الحسنِ بن محمدٍ (٨)، في غُلَامٍ حُرٍّ وشَيْخٍ عَبْدٍ: يُقَدَّمُ الحُرُّ إلى الإِمامِ. وهذا اخْتِيَارُ الخَلَّالِ، وغَلِطَ من رَوَى خِلَافَ ذلكَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ عليٍّ: الحُرُّ ممَّا يَلِى الإِمامَ، والمَمْلُوكُ وَرَاءَ ذلك. ونَقَلَ أبو الحارِثِ: يُقَدَّمُ أكْبَرُهما إلى الإِمامِ، وهو أصَحُّ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه يُقَدَّمُ في الصَّفِّ في الصلاةِ. وقولُ عليٍّ أرادَ به إذا تَسَاوَيا في الكِبَرِ والصِّغَرِ، بدليلِ أنَّه قال: والكَبِيرُ ممَّا يَلِى الإِمامَ، والصَّغِيرُ أمامَ ذلك. فصل: فإنْ كانُوا نَوْعًا وَاحِدًا، قُدِّمَ إلى الإِمامِ أفْضَلُهم؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَوْمَ أُحُدٍ يَدْفِنُ الاثْنَيْنِ والثَّلاثةَ في القبرِ الواحِدِ، ويُقَدِّمُ أكْثَرَهم أَخْذًا لِلْقُرْآنِ (٩). ولأنَّ الأفْضلَ يُقَدَّمُ في صَفِّ المَكْتُوبَةِ، فيُقَدَّمُ ها هُنا، كالرَّجُلِ مع المَرْأةِ. وقد دَلَّ على الأصْلِ قولُه ﵇: "لِيَلِنِى مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ والنُّهَى" (١٠). وإن تَسَاوَوْا في الفَضْلِ، قُدِّمَ الأكْبَرُ فالأكْبَرُ. [قال المَيْمُونىُّ: سمعتُ أحمدَ، غيرَ مَرَّةٍ يقول: يَلِى الإِمام الكُبْرُ (١١)، وذوُو الأسْنانِ، الأكْبَرُ فالأكْبَرُ] (١٢)، فإنْ

стр. 1633

تَسَاوَوْا قُدِّمَ السَّابِقُ. وقال القاضي: يُقَدَّمُ السَّابِقُ وإن كان صَبِيًّا، ولا تُقَدَّمُ المَرْأةُ وإن كانت سَابِقَةً؛ لِمَوْضِعِ الذُّكُورِيَّة، فإن تَسَاوَوْا قَدَّمَ الإِمامُ مَن شاء منهم، فإنْ تَشَاحَّ الأوْلِياءُ في ذلك أُقْرِعَ بينهم. فصل: ولا خِلافَ بين أهْلِ العِلْمِ في جَوَازِ الصلاةِ على الجَنَائِز، دَفْعَةً وَاحِدَةً، وإن أفْرَدَ كُلَّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ جازَ، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه صَلَّى على حَمْزَةَ مع غيرِه (١٣). وقال حَنْبَلٌ: صَلَّيْتُ مع أبى عبدِ اللهِ على جِنَازَةِ امْرَأةٍ مَنْفُوسَةٍ، فصَلَّى أبو إسحاقَ [على الأُمِّ] (١٤)، واسْتَأْمَرَ أبا عبدِ اللهِ، فقال: أُصَلِّى (١٥) على ابْنَتِها المَوْلُودَةِ أيضًا؟ قال أبو عبدِ اللهِ: لو أنَّهما وُضِعَا جميعا كانت صلاتُهما وَاحِدَةً، تَصِيرُ إذا كانت أُنْثَى عن يَمِينِ المَرْأةِ، وإذا كان ذَكَرًا عن يَسَارِها. وقال بعضُ أصحابِنا: إفْرَادُ كلِّ جِنَازَةٍ بِصلاةٍ أفْضَلُ، ما لم يُرِيدُوا المُبَادَرَةَ. وظَاهِرُ كلامِ أحمدَ في هذه الرِّوَايَةِ التي ذَكَرْنَاها، [أنَّه أفْضَلُ] (١٦) في الإِفْرَادِ، وهو ظَاهِرُ حَال السَّلَفِ؛ فإنَّه لم يُنْقَلْ عنهم ذلك. ٣٩٢ - مسألة؛ قال: (وإنْ دُفِنُوا فِى قَبْرٍ يَكْونُ الرَّجُلُ مَا يَلِى القِبْلَةَ، والمَرْأَةُ خلْفَهُ، والصَّبِىُّ خَلْفَهُمَا، ويَجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزًا مِنْ تُرَابٍ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا دُفِنَ الجماعةُ في القبرِ، قُدِّمَ الأفْضلُ منهم إلى القِبْلَةِ، ثم الذي يَلِيه في الفَضِيلَةِ، على حَسَبِ تَقْدِيمِهم إلى الإِمامِ في الصلاةِ سَوَاءً، على ما ذَكَرْنَا في المسألةِ قبلَ هذه؛ لما رَوَى هِشَامُ بنُ عَامِرٍ، قال: شُكِىَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ الجِراحاتُ يَوْمَ أُحُدٍ، فقال: "احْفِرُوا وأَوْسِعُوا، وأَحْسِنُوا، وادْفِنُوا الاثْنَيْنِ والثَّلَاثَةَ

стр. 1634

في قَبْرٍ وَاحِدٍ، وقَدِّمُوا أكْثَرَهُمْ قُرْآنًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجْعَلُ بينَ كلِ اثْنَيْنِ حَاجِزًا مِن التُّرَابِ، فيَجْعَلُ (٢) كُلَّ واحِدٍ منهم في مِثْلِ القبرِ المُنْفَردِ؛ لأنَّ الكَفَنَ حَائِلٌ غيرُ حَصِينٍ. قال أحمدُ: ولو جُعِلَ لهم شِبْهُ النَّهْرِ، وجُعِلَ رَأْسُ أحَدِهِم عندَ رِجْلِ الآخَرِ، وجُعِلَ بينهما شيءٌ من التُّرَابِ، لم يكُنْ به بَأْسٌ. أو كما قال. فصل: ولا يُدْفَنُ اثْنَانِ في قبرٍ واحدٍ، إلَّا لِضَرُورَةٍ. وسُئِلَ أحمدُ عن الاثْنَيْنِ والثَّلاثةِ يُدْفَنُونَ في قبرٍ واحدٍ. قال: أمَّا في مِصْرٍ فلا، ولكنْ (٣) في بلادِ الرُّومِ تَكْثُرُ (٤) القَتْلَى، فَيَحْفُرُ شِبْهَ النَّهْرِ، رَأْسُ هذا عندَ رِجْلِ هذا، ويَجْعَلُ بينهما حاجزًا، لا يَلْتَزِقُ وَاحِدٌ بالآخَرِ. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ. وذلك لأنَّه لا يَتَعَذَّرُ في الغَالِبِ إفْرادُ كلِّ وَاحِدٍ بقبرٍ (٥) في المِصْرِ، ويَتَعَذَّرُ ذلك غَالِبًا في دارِ الحَرْبِ، وفى مَوْضِعِ المُعْتَرَكِ. وإن وُجِدَتِ الضَّرَورَةُ جازَ دَفْنُ الاثْنَيْنِ والثَّلاثةِ وأكْثَرَ في القبرِ الواحدِ، حيثُما كان من مِصْرٍ أو غيرِه. فإن ماتَ له (٦) أقَارِبُ بَدَأ بمَن يَخَافُ تَغَيُّرَهُ، فإن اسْتَوَوْا في ذلك بَدَأ بأَقْرَبِهم إليه، على تَرْتِيبِ النَّفَقَاتِ، فإن اسْتَوَوْا في القُرْبِ قَدَّمَ أنْسَبَهم وأفْضَلَهم. ٣٩٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا (١) مَاتَتْ نَصْرَانِيَّةٌ، وَهِىَ حَامِلٌ (٢) مِنْ مُسْلِمٍ، دُفِنَتْ بَيْنَ مَقْبَرَةِ المُسْلِمِينَ ومَقْبَرَةِ (٣) النَّصَارَى) اخْتارَ هذا أحمدُ؛ لأنَّها كَافِرَةٌ، لا تُدْفَنُ في مَقْبَرَةِ المسلِمين، فيَتَأَذَّوْا

стр. 1635

بِعَذَابِها، ولا في مَقْبَرَةِ الكُفَّارِ؛ لأنَّ وَلَدَها مُسْلِمٌ فيَتَأَذَّى بِعَذَابِهم، وتُدْفَنُ مُنْفَرِدَةً. مع أنَّه رُوِىَ عن وَاثِلَةَ بن الأسْقَعِ مثلُ هذا القَوْلِ، وَرُوِىَ عن عمرَ أنَّها تُدْفَنُ في مَقابِرِ المسلِمين (٤). قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا يَثْبُتُ ذلك. قال أصحابُنا: ويُجْعَلُ ظَهْرُها إلى القِبْلَةِ على جَانِبِها الأيْسَر، ليكونَ وَجْهُ الجَنِينِ إلى القِبْلَةِ على جَانِبِه الأيْمَنِ، لأنَّ وَجْهَ الجَنِينِ إلى ظَهْرِها. ٣٩٤ - مسألة؛ قال: (ويَخْلَعُ النِّعَالَ إذَا دَخَلَ الْمَقَابِرَ) هذا مُسْتَحَبٌّ؛ لما رَوَى بَشِيرُ بنُ الْخَصَاصِيَةِ، قال: بَيْنَا أنا أُماشِى رسولَ اللَّه ﷺ إذا رَجُلٌ يَمْشِى في القُبُورِ، عليه نَعْلانِ، فقال: "يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ (١)، أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ". فَنَظَرَ الرَّجُلُ، فلمَّا عَرَف رسولَ اللهِ ﷺ خَلَعَهما، فَرَمَى بهما. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢). وقال أحمدُ: إسنادُ حَدِيثِ بَشِيرِ بنِ الْخَصَاصِيَة جَيِّدٌ، أَذْهَبُ إليه، إلَّا مِن عِلَّةٍ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ لا يَرَوْنَ بذلك بَأْسًا. قال جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ: رأيْتُ الحسنَ، وابنَ سِيرِينَ، يَمْشِيَانِ بين القُبُورِ في نِعَالِهما. ومِنهم مَن احْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُه، إنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٣). وقال أبو الخَطَّابِ: يُشْبِهُ أن يكونَ النَّبِىُّ ﷺ

стр. 1636

إنَّما كَرِهَ للرَّجُلِ المَشْيَ في نَعْلَيْهِ، لما فيهما مِن الخُيَلَاءِ، فإنَّ نِعالَ السِّبْتِ من لِبَاسِ أهْلِ النَّعِيمِ، قال عَنْتَرَةُ (٤): * يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ ليس بِتَوْأَمِ * ولَنا، أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ في الخَبَرِ الذي تَقَدَّمَ، وأقَلُّ أحْوَالِه النَّدْبُ، ولأنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْنِ أقْرَبُ إلى الخُشُوعِ، وزِيُّ أهْلِ التَّوَاضُعِ، واحْتِرَامُ أمْواتِ المسلِمين، وإخْبارُ النَّبِيِّ ﷺ بأنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهم لا يَنْفِي الكَرَاهَةَ، فإنَّه يَدُلُّ على وُقُوعِ هذا منهم، ولا نِزَاعَ في وُقُوعِه وفِعْلِهم إيَّاهُ مع كَراهَتِه (٥)، فأمَّا إنْ كان لِلْمَاشِي عُذْرٌ يَمْنَعُه مِن خَلْعِ نَعْلَيْه، مثل الشَّوْكِ يَخافُه على قَدَمَيْهِ، أو نَجاسَةٍ تَمَسُّهُما، لم يُكْرَه المَشْيُ في النَّعْلَيْنِ. قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يَدْخُلُ المَقابِرَ وفيها شَوْكٌ يَخْلَعُ نَعْلَيْهِ: هذا يُضَيِّقُ على النَّاسِ حتى يَمْشِىَ الرَّجُلُ في الشَّوْكِ، وإن فَعَلَهُ فحَسَنٌ، هو أحْوَطُ، وإن لم يَفْعَلْهُ رَجُلٌ. يعني لا بَأْسَ. وذلك لأنَّ العُذْرَ يَمْنَعُ الوُجُوبَ في بعضِ الأحْوالِ، والاسْتِحْبَابُ أوْلَى، ولا يَدْخُلُ في الاسْتِحْبابِ نَزْعُ الخِفافِ؛ لأنَّ نَزْعَها يَشُقُّ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه كان إذا أرادَ أن يَخْرُجَ إلى الجِنازَةِ لَبِسَ خُفَّيْهِ، مع أَمْرِهِ بِخَلْعِ النِّعَالِ. وذَكَرَ القاضي أنَّ الكَرَاهَةَ لا تَتَعَدَّى النِّعَالَ إلى الشمشكات (٦) ولا غَيْرِها؛ لأنَّ النَّهْىَ غيرُ مُعَلَّلٍ، فلا يَتَعَدَّى مَحَلَّه. فصل: ويُكْرَهُ المَشْيُ على القُبُورِ. وقال الخَطَّابِيُّ: ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى

стр. 1637

أن تُوطَأَ القُبُورُ. ورَوَى ابنُ مَاجَه (٧)، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَأَنْ أمْشِيَ عَلَى جَمْرَةٍ، أو سَيْفٍ، أوْ أَخْصِفَ نَعْلِي (٨) بِرِجْلِي، أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ أَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وما أُبَالِى أَوَسَطَ القُبُورِ" - كذا قال - "قَضَيْتُ حَاجَتِى، أو وَسَطَ السُّوقِ". ولأنَّه كَرِهَ المَشْىَ بينها بالنَّعْلَيْنِ، فالمَشْىُ عليها أوْلَى. فصل: ويُكْرَهُ الجُلُوسُ عليها، والاتِّكاءُ عليها؛ لما رَوَى أبو مَرْثِدٍ (٩)، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : ["لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا". وروَى أبو هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ] (١٠): "لَأَنْ يَجْلِسَ أحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ، تَحْرِقُ ثِيَابَه فَتَخْلُصُ إلَى جِلْدِه، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ". رَواهُما (١١) مُسْلِمٌ (١٢): قال الخَطَّابِيُّ (١٣): ورُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا قد اتَّكَأَ على قَبْرٍ، فقال: "لَا تُؤْذِ صَاحِبَ القَبْرِ".

стр. 1638

٣٩٥ - مسألة؛ قال: (ولَا بَأْسَ أنْ يَزُورَ الرَّجُلُ الْمَقَابِرَ) لا نعلمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا في إباحةِ [زِيَارَةِ الرَّجُلِ القُبُورَ] (١). وقال عليُّ بنُ سَعِيدٍ: سألتُ أحمدَ عن زِيارةِ القُبُورِ، تَرْكُها أفْضَلُ عِنْدَك أو زِيَارَتُها؟ قال: زِيَارَتُها. وقد صَحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَة القُبُورِ، فَزُورُوهَا؛ فَإنَّها تُذَكِّرُكُمُ المَوْتَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). والتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ (٣): "فإنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ". فصل: وإذا مَرَّ بالقُبُورِ، أو زَارَها، اسْتُحِبَّ أنْ يقولَ ما رَوَى (٤) مُسْلِمٌ (٥)، عن بُرَيْدَةَ، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُعَلِّمُهم إذا خَرَجُوا إلى المَقَابِر، فكان قائلُهم يقولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدِّيَارِ من المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ

стр. 1639

بِكُمْ (٦) لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا ولَكُم العَافِيَةَ. وفي حَدِيثِ عائشةَ: ويَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا والمُسْتَأْخِرِينَ (٧). وفي حَدِيثٍ آخَرَ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أجْرَهُمْ، ولَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُم (٨). وإن [زاد فقال] (٩): اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولَهُمْ. كان حَسَنًا. فصل: قال: ولا بَأْسَ بالقِراءةِ عندَ القبرِ، وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: إذا دَخَلْتُم المَقَابِرَ اقْرأُوا آيَةَ الكُرْسِيِّ وثلاثَ مَرَّاتٍ (١٠) ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم قُلْ: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَه لأهْلِ المَقَابِرِ. وَرُوِيَ عنه أنَّه قال: القِرَاءَةُ عندَ القبرِ بِدْعَةٌ، ورُوِيَ ذلك عن هُشَيْمٍ، قال أبو بكرٍ: نَقَلَ ذلك عن أحمدَ جَمَاعَةٌ، ثم رَجَعَ رُجُوعًا أبانَ به عن نَفْسِه، فرَوَى جماعةٌ أنَّ أحمدَ نَهَى ضَرِيرًا أنْ يَقْرأَ عندَ القبرِ، وقال له: إنَّ القِرَاءَةَ عندَ القبرِ بِدْعَةٌ. فقال له محمدُ بن قُدامةَ الجَوْهَرِيُّ (١١): يا أبا عبدِ اللَّه: ما تقولُ في مُبَشِّرٍ الحَلبِيّ؟ قال: ثِقَةٌ. قال: فأخْبَرَنِي مُبَشِّرٌ (١٢)، عن أبِيهِ، أنَّه أوْصَى إذا دُفِنَ يُقْرَأُ عندَه بِفَاتِحَةِ البَقَرَةِ وخَاتِمَتِها، وقال: سمعتُ ابنَ عمرَ يُوصِي بذلك. قال أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: فارْجِعْ فقُلْ لِلرَّجُلِ يَقْرأُ. وقال الخَلَّالُ: حدَّثنِي أبو

стр. 1640

علىٍّ الحسنُ بنُ الهَيْثَمِ البَزَّارُ (١٣)، شَيْخُنا الثِّقَةُ المَأْمُونُ، قال: رأيتُ أحمدَ بن حَنْبَلٍ يُصَلِّي خَلْفَ ضَرِيرٍ يَقْرأُ على القُبُورِ. وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرأَ سُورَةَ يس خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ" (١٤). ورُويَ عنه ﵇: "مَنْ زَارَ قَبْرَ والِدَيْهِ [أوْ أحدِهما] (١٥)، فَقَرأَ عِنْدَهُ أوْ عِنْدَهُمَا يس غُفِرَ لَهُ" (١٦). فصل: وأيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَها، وجَعَلَ ثَوابَها لِلْمَيِّتِ المُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذلك، إن شاءَ اللهُ، أمَّا الدُّعَاءُ، والاسْتِغْفارُ، والصَّدَقَةُ، وأداءُ الوَاجباتِ، فلا أعلمُ فيه خِلافًا، إذا كانت الواجِباتُ ممَّا يَدْخُلُه النِّيابَةُ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (١٧). وقال اللهُ تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١٨). ودَعَا النَّبِيُّ ﷺ لأبي سَلَمَةَ حين ماتَ (١٩)، ولِلْمَيِّتِ الذي صَلَّى عليه في حديثِ عَوْفِ بن مالكٍ (٢٠)، ولِكُلِّ مَيِّتٍ صَلَّى عليه (٢١). [ولِذِي الِبجادَيْنِ حتى دَفَنَه (٢٢). وشرَع اللهُ ذلك لكلِّ مَن صَلَّى على مَيِّتٍ] (٢٣) وسَألَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ

стр. 1641

أُمِّي مَاتَتْ، فيَنْفَعُها إنْ تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال: "نَعَمْ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢٤). ورُوِيَ (٢٥) ذلك عن سَعْدِ بنِ عُبادَةَ (٢٦). وجاءتِ امْرَأَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أن يَثْبُتَ على الرَّاحِلَةِ، أفَأَحُجُّ عنه؟ قال: "أرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ " قالت: نعم. قال: "فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقْضَى" (٢٧). وقال للَّذِي

стр. 1642

سأله: إنَّ أُمِّي ماتَتْ، وعليها صَوْمُ شَهْرٍ، أفأصُومُ عنها؟ قال: "نَعَمْ" (٢٨). وهذه أحاديثُ صِحَاحٌ، وفيها دَلالةٌ على انْتِفَاعِ المَيِّتِ بِسَائِرِ القُرَبِ؛ لأنَّ الصَّوْمَ والحَجَّ والدُّعاءَ والاسْتِغْفارَ عِبادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ، وقد أوْصَلَ اللَّه نَفْعَهَا إلى المَيِّتِ، فكذلِك ما سِواهَا، مع ما ذَكَرْنا من الحديثِ في ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ يس، وتَخْفِيفِ اللَّه تعالى عن أهْلِ المَقَابِر بِقِرَاءَتِه. ورَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لِعَمْرِو بن الْعَاصِ: "لَوْ كَانَ أَبُوكَ مُسْلِمًا، فَأعْتَقْتُمْ عَنْهُ، أوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ، بَلَغَهُ ذَلِكَ" (٢٩). وهذا عَامٌّ في حَجِّ التَّطَوُّعِ وغيرِه، ولأنَّه عَمَلُ بِرٍّ وطَاعَةٍ، فوَصَلَ نَفْعُه وثَوابُه (٣٠)، كالصَّدَقَةِ والصِّيامِ والحَجِّ الوَاجِبِ. وقال الشَّافِعِيُّ: ما عَدَا الوَاجِبَ والصَّدَقَةَ والدُّعاءَ والاسْتِغْفارَ، لا يُفْعَلُ عن المَيِّتِ، ولا يَصِلُ ثَوَابُه إليه؛ لِقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣١). وقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِه، أوْ وَلَدٍ صَالِحٍ

стр. 1643

يَدْعُو لَهُ" (٣٢). ولأنَّ نَفْعَهُ لا يَتَعَدَّى فَاعِلَه، فلا يَتَعَدَّاهُ (٣٣) ثَوَابُه. وقال بعضُهم: إذا قرئَ القُرْآنُ عندَ المَيِّتِ، أو أُهْدِيَ إليه ثَوَابُه، كان الثَّوَابُ لِقَارِئِه، ويكونُ المَيِّتُ كأنَّه حَاضِرُها، فتُرْجَى له الرَّحْمَةُ. ولَنا، ما ذَكَرْنَاهُ، وأنَّه إجْمَاعُ المسلمين؛ فإنَّهُم في كُلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ يَجْتَمِعُونَ ويَقْرَأونَ القُرْآنَ، ويُهْدونَ ثَوَابَهُ إلى مَوْتَاهم مِن غيرِ نَكِيرٍ (٣٤). ولأنَّ الحَدِيثَ صَحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الميِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" (٣٥). واللهُ أكْرَمُ مِن أن يُوصِلَ عُقُوَبةَ المَعْصِيَةِ إليه، ويَحْجُبَ عنه المَثُوبَةَ. ولأنَّ المُوصِلَ لِثَوَابِ ما سَلَّمُوه، قَادِرٌ على إِيصَالِ ثَوَابِ مَا مَنَعُوهُ، والآيةُ مَخْصُوصَةٌ بما سَلَّمُوه، وما اخْتَلَفْنَا فيه في مَعْنَاه، فنَقِيسُه عليه. ولا حُجَّةَ لهم في الخَبَرِ الذي احْتَجُّوا به، فإنَّما دَلَّ على انْقِطَاعِ عَمَلِه، [وليس هذا مِن عملِه] (٣٦) فلا دَلالةَ فيه عليه؛ ثم لو دَلَّ عليه لَكان (٣٧) مَخْصُوصًا بما سَلَّمُوه، وفي مَعْنَاه ما مَنَعُوهُ، فيَتَخَصَّصُ به أيضًا بالقِياسِ عليه، وما ذَكَرُوه من المَعْنَى غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ تَعَدِّيَ الثوَابِ ليس بِفَرْعٍ لِتَعَدِّي النَّفْعِ، ثم هو بَاطِلٌ بالصَّوْمِ والدُّعاءِ

стр. 1644

والحَجِّ، وليسَ له أصْلٌ يُعْتَبَرُ به (٣٨)، واللهُ أعلمُ. ٣٩٦ - مسألة؛ قال: (وتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في زِيارةِ النِّسَاءِ القُبُورَ، فرُوِىَ عنه كَراهتُه (١)؛ لما رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قالت: نُهِينَا عن زِيَارَةِ القُبُورِ ولم يُعْزَمْ علينا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ القُبُورِ" (٣). قال التِّرمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ (٤) صَحِيحٌ. وهذا خَاصٌّ في النِّساءِ، والنَّهْيُ المَنْسُوخُ كان عَامًّا لِلرِّجَالِ والنِّساءِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه كان خَاصًّا لِلرِّجالِ. ويَحْتَمِلُ أيضًا كَوْنَ الخَبَرِ في لَعْنِ زَوَّارَاتِ القُبُورِ، بعدَ أمْرِ الرِّجَالِ بِزِيارَتِها، فقد دارَ بين الحَظْرِ والإِباحَةِ، فأقَلُّ أَحْوَالِه الكَرَاهَةُ. ولأنَّ المَرْأَةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ، كثيرةُ الجَزَعِ، وفي زِيارَتِها لِلْقَبْرِ (٥) تَهْيِيجٌ لِحُزْنِها، وتَجْدِيدٌ لِذِكْرِ مُصَابِها، فلا يُؤْمَنُ أن يُفْضِيَ بها ذلك إلى فِعْلِ ما لا يجوزُ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ، ولهذا اخْتَصَصْنَ بالنَّوْحِ والتَّعْدِيدِ، وخُصِصْنَ بالنَّهْيِ عن الحَلْقِ والصَّلْقِ (٦) ونحوِهما. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لا يُكْرَهُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِه ﵇: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا" (٧). وهذا يَدُلُّ على سَبْقِ النَّهْيِ ونَسْخِهِ، فيَدْخُلُ في عُمُومِه الرِّجالُ والنِّساءُ. وَرُوِيَ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، أنَّه قال لعائشةَ: يا أُمَّ المُؤمنين، مِنْ (٨) أين أقْبَلْتِ؟ قالت: مِنْ قَبْرِ أخِي عبدِ

стр. 1645

الرحمنِ. فقلتُ لها: قد نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن زِيَارَةِ القُبُورِ؟ قالت: نعم، قد نَهَى، ثم أمَرَ بِزِيَارَتِها (٩)، [ولأنَّ النِّساءَ داخِلاتٌ في الرُّخْصة فِي زيارتها] (١٠). ورَوَى التِّرْمِذِيُّ أنَّ عائشةَ زَارَتْ قَبْرَ أخِيها، ورَوَى عنها أنَّها قالت: لو شَهِدْتُه ما زُرْتُه (١١). فصل: ويُكْرَهُ النَّعْيُ، وهو أن يَبْعَثَ مُنادِيًا يُنَادِي في الناسِ: إنَّ فُلانًا قد ماتَ. لِيَشْهَدُوا جِنازَتَهُ؛ لما رَوَى حُذَيْفَةُ، قال: سمعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عن النَّعْيِ. قال التِّرْمِذِيُّ (١٢): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَاسْتَحَبَّ جماعةٌ من أهْلِ العِلْمِ أن لا يُعْلَمَ الناسُ بِجَنائِزِهم؛ منهم عَبْدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وأصْحابُه عَلْقَمَةُ، والرَّبِيعُ بنُ خَيْثَمٍ، وعَمْرُو بنُ شُرَحْبِيل. قال عَلْقَمَةُ: لا تُؤْذِنُوا بي أحَدًا. وقال عَمْرُو بن شُرَحْبِيل: إذا أنا مُتُّ فلا أُنْعَى إلى أحَدٍ. وقال كَثِيرٌ من أهْلِ العِلْمِ: لا بَأْسَ أن يُعْلَمَ بالرَّجُلِ إخْوانُه ومَعارِفُهُ وذَوُو الفَضْلِ، من غير نِداءٍ. قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: لا بَأْسَ إذا ماتَ الرَّجُلُ أن يُؤْذِنَ صَدِيقَهُ وأصْحابَهُ، وإنَّما كانوا يَكْرَهُونَ أن يُطافَ في المجالِسِ: أنْعِي فُلَانًا. كفِعْلِ الجَاهِلِيَّةِ. ومِمَّنْ رَخَّصَ في هذا؛ أبو هُرَيْرَةَ، وابنُ عُمرَ (١٣)، وابنُ سِيرِينَ. وَرُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنَّه لمَّا (١٤) نُعِيَ إليه رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ، قال: كيف تُرِيدُونَ أن تَصْنَعُوا به؟ قالوا (١٥): نَحْبِسُه حتى نُرْسِلَ إلى قُبَاء، وإلى

стр. 1646

قرياتٍ (١٦) حَوْلَ المدينةِ لِيَشْهَدُوا جِنازَتَه. قال: نِعْمَ ما رَأَيْتُم (١٧). وقال النَّبِيُّ ﷺ الذي دُفِنَ لَيْلًا: "ألَا آذَنْتُمُونِي" (١٨). وقد صَحَّ عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ، في اليومِ الذي ماتَ فيه، وخَرَجَ بهم إلى المُصَلَّى، فصَفَّ بهم، وكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١٩). وفي لَفْظٍ: "إنَّ أخَاكُم النَّجَاشِيَّ قد مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ" (٢٠). ورُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا يَمُوتُ فِيكُمْ أَحَدٌ إلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ" (٢١). أو كما قال. ولأنَّ في كَثْرَةِ المُصَلِّينَ عليه (٢٢) أجْرًا لهم، ونَفْعًا لِلْمَيِّتِ، فإنَّه يَحْصُلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ منهم قِيرَاطٌ من الأجْرِ. وجاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، إلَّا أَوْجَبَ" (٢٣). وقد ذَكَرْنَا هذا. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٢٤) بإسْنَادِه عن أبي المُلَيْحِ، أنَّه صَلَّى على جِنَازَةٍ، فالْتَفَتَ فقال: اسْتَوُوا. ولْتَحْسُنْ شَفاعَتُكم، ألَا وإنَّه حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بن سَلِيطٍ، عن إحْدَى أُمَّهاتِ المؤمِنِين، وهي مَيْمُونَةُ، وكان أخاها من الرَّضَاعَةِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ". فسألتُ أبَا المُلَيْحِ عن الأُمَّةِ؟ فقال: أرْبَعُونَ.

стр. 1647

المغْني لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسيّ الجَمَّاعِيليّ الدِّمَشْقيّ الصَّالحِيّ الحَنْبَلِيّ ٥٤١ - ٦٢٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو الجزء الرابع دَار عَالَم الكُتبُ للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 1648

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1649

المغْني

стр. 1650

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م مصححة، منقحة دَار عَالَم الكُتب للطباعة والنشر والتوزيع العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية
следующие страницы →