← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

قرياتٍ (١٦) حَوْلَ المدينةِ لِيَشْهَدُوا جِنازَتَه. قال: نِعْمَ ما رَأَيْتُم (١٧). وقال النَّبِيُّ ﷺ الذي دُفِنَ لَيْلًا: "ألَا آذَنْتُمُونِي" (١٨). وقد صَحَّ عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ، في اليومِ الذي ماتَ فيه، وخَرَجَ بهم إلى المُصَلَّى، فصَفَّ بهم، وكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١٩). وفي لَفْظٍ: "إنَّ أخَاكُم النَّجَاشِيَّ قد مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ" (٢٠). ورُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا يَمُوتُ فِيكُمْ أَحَدٌ إلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ" (٢١). أو كما قال. ولأنَّ في كَثْرَةِ المُصَلِّينَ عليه (٢٢) أجْرًا لهم، ونَفْعًا لِلْمَيِّتِ، فإنَّه يَحْصُلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ منهم قِيرَاطٌ من الأجْرِ. وجاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، إلَّا أَوْجَبَ" (٢٣). وقد ذَكَرْنَا هذا. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٢٤) بإسْنَادِه عن أبي المُلَيْحِ، أنَّه صَلَّى على جِنَازَةٍ، فالْتَفَتَ فقال: اسْتَوُوا. ولْتَحْسُنْ شَفاعَتُكم، ألَا وإنَّه حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بن سَلِيطٍ، عن إحْدَى أُمَّهاتِ المؤمِنِين، وهي مَيْمُونَةُ، وكان أخاها من الرَّضَاعَةِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ". فسألتُ أبَا المُلَيْحِ عن الأُمَّةِ؟ فقال: أرْبَعُونَ.

стр. 1647

المغْني لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسيّ الجَمَّاعِيليّ الدِّمَشْقيّ الصَّالحِيّ الحَنْبَلِيّ ٥٤١ - ٦٢٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو الجزء الرابع دَار عَالَم الكُتبُ للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 1648

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1649

المغْني

стр. 1650

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م مصححة، منقحة دَار عَالَم الكُتب للطباعة والنشر والتوزيع العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية

стр. 1651

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ الزَّكاةِ قال أَبو محمدِ بن قُتَيْبَةَ (١): الزَّكاةُ من الزَّكاءِ والنَّماءِ والزِّيادَةِ؛ سُمِّيَتْ بذلك لأنَّها تُثَمِّرُ المَالَ وتُنَمِّيهِ. يقال: زَكَا الزَّرْعُ، إذا كَثُرَ رَيْعُهُ. وزَكَتِ النَّفَقَةُ، إذا بُورِكَ فيها. وهى فى الشَّرِيعَةِ حَقٌّ يَجِبُ فى المالِ، فَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِهَا فى مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ يَنْصَرِفُ إلى ذلك. والزَّكَاةُ أحَدُ أَرْكانِ الإسلامِ الخَمْسَة، وهى وَاجِبَةٌ بكِتابِ اللهِ تعالى، وسُنَّةِ رَسُولِه ﷺ ، وإجْماعِ أُمَّتِهِ؛ أمّا الكِتَابُ، فقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢). وأما السُّنَّةُ، فإن النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إلى اليَمَنِ، فقال: "أعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عليهم صَدَقَةً تُؤْخَذُ من أغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ فى فُقَرَائِهِمْ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). فى آيٍ وأخْبَارٍ سِوَى هذَيْنِ كَثِيرَةٍ. وأجْمَعَ المسلمون فى جَمِيعِ الأعْصارِ على وُجُوبِها، واتَّفَقَ الصَّحابَةُ رَضِىَ اللهُ عنهم على قِتَالِ مَانِعِيها، فَرَوَى البُخارِىُّ بإسْنَادِهِ عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: لمَّا تُوُفِّىَ النَّبِىُّ ﷺ ، وكان أبو بكرٍ، وكَفَرَ من كَفَرَ من العَرَبِ، فقال عمرُ: كيف تُقاتِلُ النَّاسَ، وقد قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ النّاسَ حتى يَقُولُوا لَا إله إلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَها فَقَدْ عَصَمَ مِنِّى مَالَه ونَفْسَه إلَّا بِحَقِّه، وحِسَابُهُ عَلَى اللهِ"؟ فقال: واللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بين الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فإن الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، واللهِ لو مَنَعُونِى عَنَاقًا (٤) كانُوا يُؤدُّونَها إلى رَسُول

стр. 1652

اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُم (٥) على مَنْعِهَا. قال عمرُ: فَوَاللهِ ما هو إلَّا أن رَأيْتُ اللهَ قد شَرَحَ صَدْرَ أبِى بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ (٦). ورَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وقال: "لو مَنَعُونى عِقَالًا". قال أبو عُبَيْدٍ: العِقَالُ، صَدَقَةُ العَامِ (٧). قال الشاعر (٨): سَعَى عِقَالًا فلم يَتْرُكْ لنا سَبَدًا ... فكيفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ (٩) وقيل: كانوا إذا أخَذُوا الفَرِيضَةَ أخَذُوا معها عِقالَها (١٠). ومن رَوَاهُ "عَنَاقًا" ففى رِوَايَتِه دَلِيلٌ على أخْذِ الصَّغِيرَةِ من الصّغارِ. فصل: فمَنْ أنْكَرَ وُجُوبَها جَهْلًا به، وكان مِمَّنْ يَجْهَلُ ذلك، إمَّا لِحَداثَةِ عَهْدِه بالإسلامِ، أو (١١) لأنَّه نَشَأَ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ عن الأمْصارِ، عُرِّفَ وُجوبَها، ولم (١٢) يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ، وإن كان مُسْلِمًا نَاشِئًا بِبِلادِ الإسلامِ بين أهْلِ

стр. 1653

العِلْمِ فهو مُرْتَدٌّ، تَجْرِى عليه أحْكامُ المُرْتَدِّينَ ويُسْتَتَابُ ثلاثًا، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ؛ لأنَّ أدِلَّةَ وُجُوبِ الزَّكاةِ ظَاهِرَةٌ فى الكِتَابِ والسُّنَّةِ وإجْمَاعِ الأُمَّةِ، فلا تَكَادُ تَخْفَى [على مَن هذا] (١٣) حَالُه، فإذا جَحَدَها لا يكونُ إلَّا لِتَكْذِيبِهِ الكِتابَ والسُّنَّةَ، وكُفْرِه بهما. فصل: وإن مَنَعَها مُعْتَقِدًا وُجُوبَها، وقَدَرَ الإمامُ على أخْذِهَا منه، أخَذَها وعَزَّرَهُ، ولم يَأْخُذْ زِيَادَةً عليها، فى قَوْلِ أكْثَر أَهْلِ العِلْمِ، منهم أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُهُم. وكذلك إن غَلَّ مَالَه فكَتَمَهُ حتى لا يَأْخُذَ الإمَامُ زَكَاتَه، فظَهَرَ عليه. وقال إسْحاقُ بن رَاهُويه وأبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: يَأْخُذُها وشَطْرَ مالِه؛ لما رَوَى بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النبىِّ ﷺ أنَّه كان يقولُ: "فى كُلِّ سَائِمَةِ الإِبِلِ، فى كُلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لا تُفرَّقُ عَنْ حِسَابِهَا (١٤)، مَنْ أعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أجْرُهَا، ومَنْ أبَاهَا [فَإنَّا آخِذُوهَا] (١٥) وشَطْرَ مَالِه، عَزْمَةٌ من عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَىْءٌ" وذُكِرَ هذا الحَدِيثُ لأحمدَ فقال: ما أَدْرِى ما وَجْهُهُ؟ وسُئِلَ عن إسْنَادِه. فقال: هو عِندِى صَالِحُ الإسْنادِ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والأثْرَمُ (١٦)، والنَّسَائِىُّ، فى "سُنَنِهم" (١٧). وَوَجْهُ الأوَّل، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَيْسَ فى المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" (١٨). ولأنَّ مَنْعَ الزَّكاةِ كان فى

стр. 1654

زَمَنِ أبى بكرٍ، رَضِى اللَّه عنه، [عَقِبَ مَوْتِ] (١٩) رسولِ اللهِ ﷺ ، مع تَوَفُّرِ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فلم يُنْقَلْ [عنهم أخْذُ] (٢٠) زيادةٍ، ولا قولٌ (٢١) بذلك. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فى العُذْرِ عن هذا الخَبَرِ. فقيلَ: كان فى بَدْءِ الإسلامِ، حيثُ كانت العُقُوباتُ فى المالِ، ثم نُسِخَ بالحَدِيثِ الذى رَوَيْنَاهُ. وحَكَى الخَطَّابِىُّ (٢٢)، عن إبراهيمَ الْحَرْبِىِّ، أنَّه يُؤْخَذُ منه السِّنُّ الواجِبُ (٢٣) عليه مِن خِيَارِ مَالِهِ، من غيرِ زِيَادَةٍ فى سِنٍّ ولا عَدَدٍ، لكن يَنْتَقِى مِن خَيْرِ (٢٤) مَالِه ما تَزِيدُ به صَدَقَتُه فى القِيمَةِ بقَدْرِ (٢٥) شَطْرِ قِيمَةِ الوَاجِبِ عليه. فيكونُ المُرَادُ بـ "مالِه" هاهُنا الوَاجِبَ عليه من مَالِهِ، فيُزَادُ عليه فى القِيمَةِ بِقَدْرِ شَطْرِهِ، واللهُ أعلمُ. فأمَّا إن كان مَانِعُ الزَّكَاةِ خَارِجًا عن قَبْضَةِ الإمامِ قَاتَلَه؛ لأنَّ الصَّحابَةَ رَضِىَ اللَّه عنهم قَاتَلُوا مَانِعِيها، وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللهُ عنه: لو مَنَعُونِى عِقَالًا كانوا يُؤَدُّونَهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ لقَاتَلْتُهُمْ عليه (٢٦). فإن ظَفِرَ به وبمَالِهِ، أخَذَها من غيرِ زِيَادَةٍ أيضًا، ولم تُسْبَ ذُرِّيَّتُه؛ لأنَّ الجِنَايَةَ من غيرهم، ولأنَّ المانِعَ لا يُسْبَى، فَذُرِّيَّته أوْلَى. وإن ظَفِرَ به دُونَ مَالِه، دَعَاهُ إلى أدَائِها، واسْتَتَابَهُ ثَلَاثًا، فإن تَابَ وأَدَّى، وإلَّا قُتِلَ، ولم يَحْكُمْ بكُفْرِهِ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنه يَكْفُرُ بقِتَالِه عليها، فرَوَى المَيْمُونِىُّ عنه: إذا مَنَعُوا الزَّكَاةَ كما مَنَعُوا أبَا بَكْرٍ، وقَاتَلُوا عليها، لم يُوَرَّثُوا، ولم يُصَلَّ عليهم.

стр. 1655

قال عبدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ: ما تَارِكُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ (٢٧). وَوَجْهُ ذلك، ما رُوِىَ أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، لمَّا قَاتَلَهُم، وعَضَّتْهُمُ الحَرْبُ، قالوا: نُؤَدِّيها. قال: لا أقْبَلُهَا حتى تَشْهَدُوا أنَّ قَتْلَانَا فى الجَنَّةِ وقَتْلَاكُمْ فى النَّارِ (٢٨). ولم يُنْقَلْ إنْكارُ ذلك عن أحَدٍ من الصَّحابَةِ، فدَلَّ على كُفْرِهم. وَوَجْهُ الأوَّل، أنَّ عمرَ وغَيْرَه من الصَّحابَةِ امْتَنَعُوا من القِتَالِ فى بَدْءِ الأمْرِ، ولو اعْتَقَدُوا كُفْرَهُم لَما تَوَقَّفُوا عنه، ثم اتَّفَقُوا على القِتَالِ، وبَقِىَ الكُفْرُ على أَصْلِ النَّفْىِ، ولأنَّ الزَّكَاةَ فَرْعٌ من فُرُوعِ الدِّينِ، فلم يَكْفُرْ تَارِكُه بمُجَرَّدِ تَرْكِه؛ كالحَجِّ، وإذا لم يَكْفُرْ بِتَرْكِه، لم يَكْفُرْ بالقِتَالِ عليه كأهْلِ البَغْىِ. وأمَّا الَّذِينَ قال لهم أبو بكرٍ هذا القَوْلَ، فيحْتَمِلُ أنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَها، فإنَّه نُقِلَ عنهم أنَّهُمْ قالوا: إنَّمَا كُنَّا نُؤَدِّى إلى رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأنَّ صَلَاتَهُ سَكَنٌ لنا، وليس صلاةُ أبى بكرٍ سَكَنًا لنا، فلا نُؤَدِّى إليه. وهذا يَدُلُّ على أنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَ الأدَاءِ إلى أبى بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، ولأنَّ هذه قَضِيَّةٌ فى عَيْنٍ، ولا يَتَحَقَّقُ من الَّذِينَ قال لهم أبو بكرٍ هذا القَوْلَ، فيحْتَمِلُ أَنَّهم كَانُوا مُرْتَدِّينَ، ويَحْتَمِلُ أَنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَ الزَّكَاةِ، ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك، فلا يجوزُ الحُكْمُ به فى مَحَلِّ النِّزَاعِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ أبا بكرٍ قال ذلك لأنَّهُم ارْتَكَبُوا كَبَائِرَ، وماتُوا من غيرِ تَوْبَةٍ، فحكم لهم بالنَّارِ ظَاهِرًا، كما حكم لِقَتْلَى المُجَاهِدِينَ بالجَنَّةِ ظَاهِرًا، والأمْرُ إلى اللهِ تعالى فى الجَمِيعِ، ولم يَحْكُمْ عليهم بالتَّخْلِيدِ، ولا يَلْزَمُ من الحُكْمِ بالنَّارِ الحُكْمُ بالتَّخْلِيدِ، فقد (٢٩) أخْبَرَ النبىُّ ﷺ أن قَوْمًا من أُمَّتِهِ يَدْخُلُونَ النَّارَ، ثم يُخْرِجُهُم اللهُ تَعَالَى منها ويُدْخِلُهُم الجَنَّةَ (٣٠).

стр. 1656

٣٩٧ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وليسَ فِيمَا دُونَ خمْسٍ مِنَ الإِبِلِ سَائِمَةً صَدَقَةٌ) . بدأ الخِرَقِىُّ، ﵀، بِذِكْرِ صَدَقَةِ الإِبِلِ؛ لأنَّها أهَمُّ، فإنَّها أعْظَمُ النَّعَمِ قِيمَةً وأجْسَامًا، وأَكْثَرُ أمْوَالِ العَرَبِ، فالاهْتِمامُ بها أوْلَى، وَوُجُوبُ زَكَاتِها مِمَّا أجْمَعَ عليه عُلَماءُ الإسلامِ، وصَحَّتْ فيه السُّنَّةُ عن النَبِىِّ ﷺ ، ومِن أَحْسَنِ ما رُوِىَ فى ذلك، ما رَوَى (١) البُخَارِىُّ فى "صَحِيحِه" (٢)، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المُثَنَّى الأَنْصارِىُّ، قال: حَدَّثَنِى أبى، قال: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بنُ عبدِ اللهِ ابنِ أنَسٍ، أنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنه، كَتَبَ له هذا الكِتَابَ، لمَّا وُجِّهَ إلى البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هذه فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ التى فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ على المُسْلِمِينَ، والتى أمَرَ اللهُ بها رَسُولَه (٣) ﷺ ، فمَن سُئِلَهَا علَى (٤) وَجْهِهَا [مِن المسلمين] (٥) فَلْيُعْطِهَا، ومن سُئِلَ فَوْقَها فلا يُعْطِ: "فى

стр. 1657

أرْبَعٍ وعِشْرِينَ فما دُونَها من الإِبِلِ فى كل خَمْسٍ شَاةٌ، فإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِينَ إلى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، ففِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وثَلَاثِينَ إلى خَمْسٍ وأرْبَعِينَ، فَفِيها بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وأرْبَعِينَ إلى سِتِّينَ، فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فإذا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وسِتِّين إلى خَمْسٍ وسَبْعِين، فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وسَبْعِينَ إلى تِسْعِينَ، فَفِيها ابْنَتَا لَبُونٍ، فإذا بَلَغَتْ إحْدَى وتِسْعِينَ إلى عِشْرِينَ ومائة، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ (٦)، فإذا زَادَتْ على عِشْرِينَ ومائة، فَفِى كل أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وفى كل خَمْسِينَ حِقَّةٌ، ومَن لم يَكُنْ معه إلَّا أرْبَعٌ من الإِبِلِ، فَلَيْسَ فيها صَدَقَةٌ إلَّا أن يَشَاءَ رَبُّهَا، فإذا بَلَغَتْ خَمْسًا من الإِبِلِ، فَفِيها شَاةٌ". وذِكْرُ تَمَام الحَدِيثِ نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى فى أبْوَابِهِ، ورَوَاهُ أبُو دَاوُدَ، فى "سُنَنِهِ"، وزَادَ: "وإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِينَ، فَفِيها بِنْتُ مَخَاضٍ، إلى أن تَبْلُغَ خَمْسًا وثَلَاثِينَ، فإن لم يَكُنْ فيها ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَفِيهَا ابنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ". وهذا كُلّه مُجْمَعٌ عليه إلى أن يَبْلُغَ عِشْرِينَ ومائة، ذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ. قال: ولا يَصِحُّ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، ما رُوِىَ عنه فى خَمْسٍ وعِشْرِينَ. يَعْنِى ما حُكِىَ عنه فى خَمْسٍ وعِشْرِينَ خَمْسُ شِيَاهٍ (٧). وقولُ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه: التى فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ . يَعْنِى قَدَّرَ، والتَّقْدِيرُ يُسَمَّى فَرْضًا، ومنه فَرَضَ الحَاكِمُ لِلْمَرأةِ فَرْضًا. وقولُه: ومن سُئِلَ فَوْقَها فلا يُعْطِ. يَعْنِى لا يُعْطِى فَوْقَ الفَرْضِ (٨). وأجْمَعَ المسلمونَ على أنَّ ما دُونَ خَمْسٍ من الإِبِلِ لا زَكَاةَ فيه. وقال النَّبِىُّ ﷺ فى هذا الحَدِيثِ: "ومن لم يَكُنْ معه إلَّا أرْبَعٌ من الإِبِلِ، فلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ رَبُّها". وقال: "لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ (٩) صَدَقَةٌ".

стр. 1658

مُتَّفَقٌ عليه (١٠). والسَّائِمَةُ: الرَّاعِيَةُ، وقد سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا: إذا رَعَتْ، وأسَمْتُها إذا رَعَيْتَها، وسَوَّمْتُها: إذا جَعَلْتَهَا سَائِمَةً، ومنه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (١١) أى تَرْعُون. وفى ذِكْرِ السَّائِمَةِ احْتِرَازٌ من المَعْلُوفةِ (١٢) والعَوَامِلِ؛ فإنَّه لا زَكَاةَ فيها عندَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ أنَّ (١٣) فى الإِبِلِ النَّوَاضِحِ (١٤) والمَعْلُوفةِ (١٢) الزَّكَاةَ؛ لِعُمُومِ قَوْلِه ﵇: "فى كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ". قال أحمدُ: ليس فى العَوَامِلِ زَكَاةٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ يَرَوْنَ فيها الزَّكَاةَ، وليسَ عِنْدَهم فى هذا أصْلٌ. ولنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "فى كُلِّ سَائِمَةٍ فى كُلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ". فى حَدِيثِ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ (١٥)، فَقَيَّدَهُ بالسَّائِمَةِ، فَدَلَّ على أنَّه لا زَكاةَ فى غيرِها، وحَدِيثُهُم مُطْلَقٌ، فيُحْمَلُ على المُقَيَّدِ، ولأنَّ وَصْفَ النَّماءِ مُعْتَبَرٌ فى الزَّكَاةِ، والمَعْلُوفَةُ يَسْتَغْرِقُ عَلْفُها نَماءَها، إلَّا أن يُعِدَّها لِلتِّجارةِ، فيكونُ فيها زكاةُ التِّجارةِ.

стр. 1659

٣٩٨ - مسألة؛ قال: (فَإذَا مَلَكَ خمْسًا مِنَ الإِبِلِ، فأسَامَها أكْثَرَ السَّنَةِ، ففِيهَا شَاةٌ، وفِى العَشْرِ شَاتَانِ، وفى الخَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وفى العِشْرِينَ أرْبَعُ شِيَاهٍ) وهذا كُلُّه مُجْمَعٌ عليه، وثَابِتٌ بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، بما رَوَيْنَاه وغيرِه، إلَّا قَوْلَه: "فأسَامَها أَكْثَرَ السَّنَةِ". [فإنَّ مذهبَ إمامِنا ومذهبَ أبى حنيفةَ أنَّها إذا كانتْ سَائِمَةً أكْثَرَ السَّنَةِ] (١) ففيها الزكاةُ. وقال الشَّافِعِىُّ: إن لم تَكُنْ سَائِمَةً فى جميعِ الحَوْلِ فلا زكاةَ فيها؛ لأن السَّوْمَ شَرْطٌ فى الزكاةِ، فاعْتُبِرَ فى جَمِيعِ الحَوْلِ، كالمِلْكِ كمَالِ النِّصَابِ، ولأنَّ العَلْفَ [مُسْقِطٌ والسَّوْمَ مُوجِبٌ، فإذا] (٢) اجْتَمَعَا غَلَبَ الإسْقَاطُ، كما لو مَلَكَ نِصَابًا بَعْضُهُ سَائِمَةٌ وبَعْضُهُ مَعْلوفٌ (٣). ولَنا، عُمُومُ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِ الزَّكَاةِ فى نُصُبِ الماشِيَةِ، واسْمُ السَّوْمِ لا يَزُولُ بالعَلْفِ اليَسِيرِ، فلا يَمْنَعُ دُخُولَها فى الخَبَرِ، ولأنَّه لا يَمْنَعُ حَقَّهُ المُؤْنَةُ (٤)، فأشْبَهَتِ السَّائِمَةَ فى جميعِ الحَوْلِ، ولأنَّ العَلْفَ اليَسِيرَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه فاعْتِبَارُهُ فى جميعِ الحَوْلِ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ بالكُلِّيَّةِ، سِيَّمَا عندَ مَنْ يَسُوغُ له الفِرَارُ من الزكاةِ، فإنَّه إذا (٥) أرَادَ إسْقَاطَ الزكاةِ عَلَفَها (٦) يَوْمًا فأسْقَطَها، ولأنَّ هذا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ فى رَفْعِ الكُلْفَةِ فاعْتُبِرَ فيه الأكْثَرُ، كالسَّقْىِ بما لا كُلْفَةَ فى الزَّرْعِ والثِّمَارِ. وقَوْلُهم "السَّوْمُ شَرْطٌ" يَحْتَمِلُ أن يَمْنَعَ. ونَقُولُ: بل العَلْفُ إذا وُجِدَ فى نِصْفِ الحَوْلِ فما زَادَ مَانِعٌ، كما أنَّ السَّقْىَ بِكُلْفَةٍ مانِعٌ من وُجُوبِ العُشْرِ، ولا يكونُ مَانِعًا حتى يُوجَدَ فى النِّصْفِ فصَاعِدًا، كذا فى مَسْألَتِنا، [ثم إن] (٧) سَلَّمْنَا كَوْنَهُ شَرْطًا فيجوزُ أن يكونَ

стр. 1660

الشَّرْطُ وُجُودَهُ فى أكْثَر الحَوْلِ، كالسَّقْىِ بما لا كُلْفَةَ فيه شَرْطٌ فى وُجُوبِ العُشْرِ، ويُكْتَفَى بِوُجُودِهِ فى الأكْثَر، ويُفَارِقُ ما إذا كان (٨) بعضُ النِّصَابِ مَعْلُوفًا (٩)؛ لأنَّ النِّصَابَ سَبَبُ الْوُجُوبِ (١٠)، فلا بُدَّ من وُجُودِ الشَّرْطِ فى جميعِه، وأمَّا الحَوْلُ فإنَّه شَرْطُ الوُجُوبِ، فجازَ أن يُعْتَبَرَ الشَّرْطُ فى أكْثَرِه. فصل: ولا يُجْزِئُ فى الغَنَمِ المُخْرَجَةِ فى الزَّكَاةِ إلَّا الجَذَعُ (١١) من الضَّأْنِ، والثَّنِىُّ (١١) من المَعْزِ، وكذلك شَاةُ الجُبْرَانِ، وأيُّهما أَخْرَجَ اجْزَأَهُ. ولا يُعْتَدُّ (١٢) كَوْنُها من جِنْسِ [غَنَمِهِ، ولا جِنْسِ] (١٣) غَنَمِ البَلَدِ، لأنَّ الشَّاةَ مُطْلَقَةٌ فى الخَبَرِ الذى ثَبَتَ به وُجُوبُها، وليس غَنَمُهُ ولا غَنَمُ البَلَدِ سَبَبًا لِوُجُوبِها، فلم يَتَقَيَّدْ بذلك، كالشَّاةِ الوَاجِبَةِ فى الفِدْيَةِ، وتكونُ أُنْثَى، فإن أخْرَجَ ذَكَرًا لم يُجْزِئْهُ؛ لأنَّ الغَنَمَ الوَاجِبَةَ فى نُصُبِها إنَاثٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَهُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أطْلَقَ لَفْظَ الشَّاةِ، فيدخلُ (١٤) فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، ولأنَّ الشَّاةَ إذا تَعَلَّقَتْ بالذِّمَّةِ دُونَ العَيْنِ أجْزَأ فيها الذَّكَرُ كالأُضْحِيَةِ، فإن لم يكن له غَنَمٌ لَزِمَهُ شِرَاءُ شَاةٍ. وقال أبو بكرٍ: يُخْرِجُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، قِيَاسًا على شَاةِ الجُبْرَانِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَصَّ على الشَّاةِ، فيَجِبُ العَمَلُ بِنَصِّه، ولأنَّ هذا إخْرَاجُ قِيمَةٍ فلم يَجُزْ، كما لو كانتِ الشَّاةُ وَاجِبَةً فى نِصَابِها، وشَاةُ الجُبْرَانِ مُخْتَصَّةٌ بالبَدَلِ بِعَشَرَة دَرَاهِمَ (١٥)، بِدَلِيلِ أنَّها لا تجوزُ بَدَلًا عن الشَّاةِ الوَاجِبَةِ فى سَائِمَةِ الغَنَمِ.

стр. 1661

فصل: فإن أخْرَجَ عن الشَّاةِ بَعِيرًا لم يُجْزِئْهُ، سَوَاءٌ كانتْ قِيمَتُهُ أكْثَرَ من قِيمَةِ الشَّاةِ أو لم يكنْ، وحُكِىَ عن مَالِكٍ وداودَ. وقال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يُجْزِئُ (١٦) البَعِيرُ عن العِشْرِينَ فما دُونَها. ويَتَخَرَّجُ (١٧) لَنا مِثلُ ذلك إذا كان المُخْرَجُ مما يُجْزِئُ عن خَمْسٍ وعِشْرِينَ؛ لأنه يُجْزِئُ عن خَمْسٍ وعِشْرِينَ، والعِشْرُونَ دَاخِلَةٌ فيها، ولأنَّ ما أجْزَأ عن الكَثِيرِ أجْزَأَ عَمَّا دُونَه، كابْنَتَىْ لَبُونٍ عمَّا دُونَ سِتَّةٍ وسَبْعِينَ. ولنَا، أنَّه أَخْرَجَ غيرَ المَنْصُوصِ عليه من غيْرِ جِنْسِه، فلم يُجْزِهِ، كما لو أخْرَجَ بَعِيرًا عن أرْبَعِينَ شاةً، ولأنَّ النَّصَّ وَرَدَ بالشَّاةِ، فلم يُجْزِئ البَعِيرُ كالأصْلِ، أو كشَاةِ الجُبْرَانِ، ولأنَّها فَرِيضَةٌ وَجَبَتْ فيها شَاةٌ فلمْ (١٨) يُجْزِئ عنها البَعِيرُ، كنِصابِ الغَنَمِ، ويُفارِقُ ابْنَتَىْ لَبُونٍ عن الجَذَعَةِ؛ لأنَّهما (١٩) من الجِنْسِ. فصل: وتكونُ الشَّاةُ المُخْرَجَةُ كحالِ الإِبِلِ فى الجَوْدَةِ والرَّدَاءةِ، فَيُخْرِجُ عن الإِبِلِ السِّمَانِ سَمِينَةً، وعن الهُزَالِ هَزِيلةً (٢٠)، وعن الكَرَائِمِ كَرِيمَةً، وعن اللِّئَامِ لَئِيمَةً، فإن كانت مِرَاضًا أخْرَجَ شَاةً صَحِيحَةً على قَدْرِ المالِ، فيقالُ له (٢١): لو كانَتِ الإبِلُ صِحَاحًا كم كانتْ قِيمَتُها وقِيمَةُ الشَّاةِ؟ فيقال: قِيمَةُ الإِبِلِ مائةٌ وقِيمَةُ الشَّاةِ خَمْسَةٌ، فيَنْقُصُ من قِيمَتِها قَدْرُ ما نَقَصَتِ الإِبِلُ، فإذا نَقَصَتِ الإِبِلُ خُمْسَ قِيمَتِها وَجَبَ شَاةٌ قِيمَتُها أرْبَعَةٌ. وقيل: تُجْزِئُه شَاةٌ تُجْزِئُ فى الأُضْحِيةِ، من غَيْرِ نَظَرٍ إلى القِيمَةِ. وعلى القَوْلَيْنِ لا تُجْزِئُه مَرِيضَةٌ؛ لأنَّ المُخْرَجَ من غَيْرِ جِنْسِها، وليس كلُّه مِرَاضًا، فينزَّلُ مَنْزِلَةَ اجْتِمَاعِ الصِّحَاحِ، والمِرَاضُ لا تُجْزِئُ فيه إلَّا الصَّحِيحَةُ.

стр. 1662

٣٩٩ - مسألة؛ قال: (فَإذَا صَارَتْ خمْسًا وعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخاضٍ، إلى خَمْسٍ وثَلَاثِينَ، فإن لم يكنْ فيها (١) بِنْتُ مَخاضٍ فابْنُ (٢) لَبُونٍ ذَكَرٌ، فإذَا بَلَغَتْ سِتًّا وثَلَاثِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إلى خمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ، إلى سِتِّينَ، فإذا بَلَغَتْ إحْدَى وسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ إلى خَمْسٍ وسَبْعِينَ، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وسَبْعِينَ فَفِيها ابْنَتَا لَبُونٍ إلى تِسْعِينَ، فإذا بَلَغَتْ إحْدَى وتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ [طَرُوقَتَا الْفَحْلِ] (٣) إلى عِشْرِينَ ومائة). وهذا كُلُّه مُجْمَعٌ عليه، والخَبَرُ الذى رَوَيْنَاهُ (٤) مُتَنَاوِلٌ له. وَابْنَةُ المَخَاضِ: التى لها سَنَةٌ وقد دَخَلَتْ فى الثَّانِيَةِ، سُمِّيَتْ بذلك لأنَّ أُمَّهَا قد حَمَلَتْ غَيْرَها، والمَاخِضُ الحَامِلُ، وليس كَوْنُ أُمِّهَا مَاخِضًا شَرْطًا فيها، وإنَّما ذُكِرَ تَعْرِيفًا لها بغَالِبِ حَالِها، كَتَعْرِيفِه (٥) الرَّبِيبَةَ بالحِجْرِ، وكذلك بِنْتُ لَبُونٍ وبِنْتُ المَخَاضِ أَدْنَى سِنٍّ يُوجَدُ فى الزكاةِ، ولا تَجِبُ إلَّا فى خَمْسٍ وعِشْرِينَ إلى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ خَاصَّةً. وبِنْتُ اللَّبُونِ: التى تَمَّتْ لها سَنَتَانِ ودَخَلَتْ فى الثَّالِثَة، سُمِّيَتْ بذلك لأنَّ أُمَّهَا قد وَضَعَتْ حَمْلَهَا ولها لَبَنٌ. والحِقَّةُ: التى لها ثَلَاثُ سِنِينَ ودَخَلَتْ فى الرَّابِعَةِ؛ لأنَّها قد اسْتَحَقَّتْ أن يَطْرُقَهَا الفَحْلُ، ولهذا قال: طَرُوقَةُ الفَحْلِ. واسْتَحَقَّتْ أن يُحْمَلَ عليها وتُرْكَبَ. والجَذَعَةُ: التى لها أرْبَعُ سِنِينَ ودَخَلَتْ فى الخَامِسَةِ، وقِيلَ لها ذلك لأنَّها تَجْذَعُ إذا سَقَطَتْ سِنُّهَا، وهى أعْلَى سِنٌّ تَجِبُ فى الزكاةِ، ولا تَجِبُ إلَّا فى إحْدَى وسِتِّينَ إلى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ. وإن رَضِىَ رَبُّ

стр. 1663

المالِ أن يُخْرِجَ مَكَانَها ثَنِيَّةً جَازَ، وهى التى لها خَمْسُ سِنِينَ ودَخَلَتْ فى السَّادِسَةِ، وسُمِّيَتْ ثَنِيَّةً، لأنَّها قد ألْقَتْ ثَنِيَّتَيْها. وهذا الذى ذَكَرْناه فى الأسْنَانِ ذَكَرَهُ أبو عُبَيْدٍ (٦)، وحَكَاهُ عن الأصْمَعِىِّ، وأبى زيدٍ الأنْصَارِىِّ، وأبى زِيَادٍ الكِلَابِىِّ (٧) وغيرهم. وقولُ الخِرَقِىِّ: "فإن لم يَكُنْ ابْنَةُ مَخَاضٍ" أرَادَ إن لم يَكُنْ فى إبِلِه ابْنَةُ مَخَاضٍ أجْزَأَهُ ابنُ لَبُونٍ، ولا يُجْزِئُه مع وُجُودِ ابْنَةِ مَخَاضٍ؛ لِقَوْلِه ﷺ : "فإن لم يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ". فى الحَدِيثِ الذى رَوَيْنَاهُ (٨). فشَرَط (٩) فى إخْرَاجِه عَدَمَها. فإن اشْتَرَاهَا وأخْرَجَها جازَ، وإن أرَادَ إخْرَاجَ ابْنِ لَبُونٍ بعدَ شِرَائِها لم تَجُزْ؛ لأنَّه صارَ فى إبِلِه بِنْتُ مَخَاضٍ، فإن لم يكنْ فى إِبِلِه ابْنُ لَبُونٍ، وأرَادَ [أن يشْتَرِىَ] (١٠)، لَزِمَهُ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ. وهذا قَوْلُ مَالِكٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُجْزِئُهُ شِرَاءُ ابنِ لَبُونٍ؛ لِظَاهِرِ الخَبَرِ وعُمُومِه. ولَنا، أنَّهما اسْتَوَيَا فى العَدَمِ، فلَزِمَتْهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ، كما لو اسْتَوَيَا فى الوُجُودِ، والحَدِيثُ مَحْمُولٌ على وُجُودِه؛ لأنَّ ذلك لِلرِّفْقِ به، إغْنَاءً له عن الشِّرَاءِ، ومع عَدَمِه لا يَسْتَغْنِى عن الشِّرَاءِ، فكان شِرَاءُ الأصْلِ أوْلَى. علَى أنَّ فى بعضِ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ: "فمَنْ لم يَكُنْ عِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ على وَجْهِهَا، وعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فإنَّه يُقْبَلُ مِنْهُ، ولَيْسَ مَعَهُ شَىْءٌ". فَشَرَطَ فى قَبُولِه وُجُودَهُ وعَدَمَها، وهذا فى حَدِيثِ أبى بكرٍ، وفى بعضِ الأَلْفَاظِ: "وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ، ولَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا ابْنُ لَبُونٍ". وهذا [تقْيِيدٌ يتَعَيَّنُ] (١١) حَمْلُ المُطْلَقِ عليه، وإن لم يَجِدْ إلَّا ابْنَةَ مَخَاضٍ

стр. 1664

مَعِيبَةً (١٢)، فله الانْتِقَالُ إلى ابْنِ لَبُونٍ؛ لِقَوْلِه فى الخَبَرِ: "فَمَنْ (١٣) لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، على وَجْهِهَا" ولأنَّ وُجُودَها كعَدَمِها، لِكَوْنِها لا يجوزُ إخْرَاجُها، فأشْبَهَ الذى لا يَجِدُ إلَّا ما لا يجوزُ الوُضُوءُ به فى انْتِقَالِه إلى التَّيَمُّمِ، وإن وَجَدَ ابْنَةَ مَخَاضٍ أعْلَى مِن صِفَةِ الوَاجِبِ، لم يُجْزِهِ ابنُ لَبُونٍ؛ لِوُجُودِ بِنْتِ مَخَاضٍ على وَجْهِها، ويُخَيَّرُ بين إخْرَاجِها وبَيْنَ شِرَاءِ بِنْت مَخَاضٍ على صِفَةِ الوَاجِبِ، ولا [يُجْبَرُ نَقْصُ] (١٤) الذُّكُوريَّة بزِيَادَةِ سِنٍّ فى غيرِ هذا المَوْضِعِ، ولا يُجْزِئُهُ أَن يُخْرِجَ عن ابْنِ لَبُونٍ حِقًّا، ولا عن الحِقَّةِ جَذَعًا، [مع عَدَمِهما] (١٥) ولا وُجُودِهما. وقال القَاضِى، وابْنُ عَقِيلٍ: يجوزُ ذلك مع عَدَمِهما؛ لأنَّهما أَعْلَى وأَفْضَلُ، فَيَثْبُتُ الحُكْمُ فيهما بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ. ولنَا، أنَّه لا نَصَّ فيهما، ولا يَصِحُّ قِيَاسُهما على ابْنِ لَبُونٍ مَكانَ بِنْتِ مَخَاضٍ؛ لأنَّ زِيَادةَ سِنِّ ابن لَبُونٍ على بِنْتِ مَخَاضٍ يَمْتَنِعُ بها من صِغارِ السِّبَاعِ، ويَرْعَى الشَّجَرَ بِنَفْسِه، ويَرِدُ الماءَ، ولا يُوجَدُ هذا فى الحِقِّ مع بِنْتِ لَبُون، لأنَّهما يَشْتَرِكَانِ فى هذا، فلم يَبْقَ إلا مُجَرَّدُ السِّنِّ فلم يُقَابِل الأُنُوثِيَّةَ (١٦). وقَوْلُهما: إنَّه يَدُلُّ على ثُبُوتِ الحُكْمِ فيهما بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ. قُلْنَا: بل يَدُلُّ على انْتِفَاءِ الحُكْمِ فِيهِما بِدَلِيلِ خِطَابِه، فإنَّ تَخْصِيصَهُ بالذِّكْرِ دُونَهما دَلِيلٌ على اخْتِصَاصِه بالحُكْمِ دُونهما. فصل: وإنْ أَخْرَجَ عن الوَاجِبِ سِنًّا أَعْلَى من جِنْسِه، مثل أن يُخْرِجَ بِنْتَ لَبُونٍ عن بِنْتِ مَخَاضٍ، وحِقَّةً عن بِنْتِ لَبُونٍ أو بِنْتِ مَخَاضٍ، أو أخْرَجَ عن الجَذَعَةِ ابْنَتَىْ لَبُونٍ أو حِقَّتَيْنِ، جَازَ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّه زَادَ على الوَاجِبِ

стр. 1665

مِن جِنْسِه ما يُجْزِئُ عنه مع (١٧) غيرِه، فكان مُجْزِيًا عنه على انْفِرَادِهِ، كما لو كانت الزِّيَادَةُ فى العَدَدِ. وقد رَوَى الإِمامُ أحمدُ، فى "مُسْنَدِهِ"، وأبو دَاوُدَ، فى "سُنَنِه" (١٨)، بإسْنَادِهما عن أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ قال: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ ﷺ مُصَدِّقًا، فمَرَرْتُ بِرَجُلٍ، فلمَّا جَمَعَ لى مَالَهُ لم أجِدْ عليه فيه إلَّا بِنْتَ مَخَاضٍ. فقلتُ له: أَدِّ بِنْتَ مَخَاضٍ، فإنَّها صَدَقَتُكَ. فقال: ذَاكَ ما لا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، ولكن هذه نَاقَةٌ فَتِيَّةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ، فخُذْها. فَقُلْتُ: ما أنا بآخِذٍ ما لم أُومَرْ به، وهذا رسولُ اللَّه ﷺ مِنْكَ قَرِيبٌ، فإن أحْبَبْتَ أن تَأْتِيَهُ فَتَعْرِضَ عليه ما عَرَضْتَ عَلَىَّ فَافْعَلْ، فإن قبِلَهُ منك قَبِلْتُه، وإن رَدَّهُ عليك رَدَدْتُه. قال: فإنِّى فَاعِلٌ. فَخَرَجَ معى وخَرَجَ بالنَّاقَةِ التى عَرَضَ عَلَىَّ، حتى قَدِمْنا (١٩) على رسولِ اللَّه ﷺ فقال له: يا نَبِىَّ اللهِ، أتَانِى رَسُولُكَ لِيَأْخُذَ مِنِّى صَدَقَةَ مَالِى، وايْمُ اللهِ، ما قَامَ فى مَالِى رسولُ اللَّه ولا رَسُولُه قَطُّ قَبْلَهُ، فَجَمَعْتُ له مَالِى، فَزَعَمَ أنَّ ما عَلَىَّ فيه بِنْتُ مَخَاضٍ، وذاك ما لا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، وقد عَرَضْتُ عليه نَاقَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً عَظِيمَةً لِيَأْخُذَهَا فأبَى، وها هى ذِهْ، قد جِئْتُكَ بها يا رسولَ اللهِ، خُذْهَا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ذَاكَ الَّذِى وَجَبَ عَلَيْكَ، فَإنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ (٢٠) اللهُ فِيهِ، وقَبِلْنَاهُ مِنْكَ". فقال: فها هى ذِهْ يا رَسولَ اللهِ، قد جِئْتُكَ بها. قال: فأَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بِقَبْضِهَا، ودَعَا له فى مَالِه بالبَرَكَةِ. وهكذا الحُكْمُ إذا أَخْرَجَ أَعْلَى من الوَاجِبِ فى الصِّفَةِ، مثل أن يُخْرِجَ السَّمِينَةَ مَكَانَ الهَزِيلَةِ، والصَّحِيحَةَ مكان المَرِيضَةِ، والكَرِيمَةَ عن (٢١) اللَّئِيمَةِ، والحَامِلَ عن الحَوَائِلِ، فإنَّها تُقْبَلُ منه

стр. 1666

وتُجْزِئُهُ، وله أَجْرُ الزَّيادَةِ. فصل: ويُخْرِجُ عن مَاشِيَتِه من جِنْسِها على صِفَتِها، فيُخْرِجُ عن البَخَاتَى (٢٢) بُخْتِيَّةً، وعن العِرَابِ عَرَبِيَّةً، وعن الكِرَامِ كَرِيمَةً، وعن السِّمَانِ سَمِينَةً، وعن اللِّئَامِ والهِزَالِ لَئِيمَةً هَزِيلَةً. فإن أَخْرَجَ عن البَخَاتَى عَرَبِيَّةً بِقِيمَةِ البُخْتِيَّةِ، أو أَخْرَجَ عن السِّمَانِ هَزِيلَةً بِقِيمَةِ السَّمِينَةِ، جَازَ؛ لأنَّ القِيمَةَ مع اتِّحَادِ الجِنْسِ هى المَقْصُودُ. اخْتارَ (٢٣) هذا أبو بكرٍ. وحُكِىَ عن القاضى وَجْهٌ آخَرُ: أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ فيه تَفْوِيتَ صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ، فلم يَجُزْ، كما لو أَخْرَجَ من جِنْسٍ آخَرَ. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لما ذَكَرْنَا، وفارَقَ خِلافَ الجِنْسِ. فإنَّ الجِنْسَ مَرْعِىٌّ فى الزكاةِ، ولهذا لو أَخْرَجَ البَعِيرَ عن الشَّاةِ لم يَجُزْ، ومع الجِنْسِ يجوزُ إخْرَاجُ الجَيِّدِ عن الرَّدِىءِ، بغيرِ خِلَافٍ. ٤٠٠ - مسألة؛ قال: (فإذا زَادَتْ على عِشْرِينَ ومِائَةٍ، فَفِى كُلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وفى كُلَّ خمْسِينَ حِقَّةٌ) ظَاهِرُ هذا أنَّها إذا زَادَتْ على العِشْرِينَ والْمِائةِ وَاحِدَةً ففيها ثلاثُ بَناتِ لَبُونٍ، وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، ومذهبُ الأوْزَاعِىَّ، والشَّافِعِىِّ، وإسْحاقَ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لا يتغَيَّرُ (١) الفَرْضُ إلى ثَلَاثِينَ ومِائَةٍ، فيكونُ فيها حِقَّةٌ وبِنْتَا لَبُونٍ. وهذا مذهبُ محمدِ بن إسْحاقَ بن يَسَارٍ، وأبى عُبَيْدٍ. ولِمَالِكٍ رِوَايَتانِ؛ لأنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ الوَاحِدَةِ؛ بِدَلِيلِ سَائِرِ الفُرُوضِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "فَإذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ ومِائَةٍ، فَفِى كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ" (٢). والواحِدَةُ زِيَادَةٌ، وقد جاءَ مُصرَّحًا به فى حديثِ الصَّدَقَاتِ الذى كَتَبَهُ رسولُ اللهِ ﷺ ،

стр. 1667

وكان عِنْدَ آل عمرَ بن الخَطَّابِ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: هو أحْسَنُ شَىْءٍ رُوِىَ فى أحادِيثِ الصَّدَقَاتِ. وفيه: "فَإذَا كَانَتْ إحْدَى وعِشْرِينَ ومِائةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ". وفى لَفْظٍ: "إلَى عِشْرِينَ ومِائةٍ، فَإذَا زَادَتْ وَاحِدَةً ففى كُلِّ أَرْبَعِينَ بنْتُ لَبُونٍ، وفى كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٤). وأَخْرَجَ حَدِيثَ أنَسٍ (٥)، من رِوايةِ إسحاقَ بن رَاهُويَه، عن النَّضْر بن شُمَيْلٍ (٦)، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، قال: أَخَذْنَا هذا الكتابَ مِن ثُمامَةَ يُحدِّثُه (٧) عن أَنَسٍ. وفيه: "فَإذَا بَلَغَتْ إحْدَى وعِشْرِينَ ومِائَةً، فَفِى كُلَّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وفى كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ". ولأنَّ سائِرَ ما جَعَلَهُ النَّبِىُّ ﷺ غَايَةً لِلْفَرْضِ، إذا زادَ عليه وَاحِدَةٌ تَغَيَّرَ الفَرْضُ، كذا هذا. وقَوْلُهم: إنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بِزِيادَةِ الوَاحِدَةِ. قُلْنا: وهذا ما تَغَيَّرَ بالوَاحِدَةِ وَحْدَها، وإنَّما تَغَيَّرَ بها مع ما قَبْلَها، فأشْبَهَتِ الوَاحِدَةَ الزَّائِدَةَ عن التِّسْعِينَ والسِّتِّينَ وغيرهما. وقال ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: إذا زادَتِ الإِبلُ على عِشْرِينَ ومِائَةٍ، اسْتُؤْنِفَت الفَرِيضَةُ، فى (٨) كلَّ خَمْسٍ شَاةٌ إلى خَمْسٍ وأرْبَعِينَ ومِائَةٍ، فيكونُ فيها حِقَّتانِ، وبِنْتُ مَخاضٍ، إلى خَمْسِينَ ومائةٍ، ففيها ثَلَاثُ حِقَاقٍ. وتُسْتَأْنَفُ الفَرِيضَةُ فى كلِّ خَمْسٍ شَاةٌ؛ لما رُوىَ أن النَّبِىَّ ﷺ

стр. 1668

كَتَبَ لِعَمْرِو بن حَزْمٍ كِتَابًا، ذَكَرَ فيه الصَّدَقَاتِ والدِّيَاتِ (٩)، وذَكَرَ فيه مِثْلَ هذا. ولنا، أنَّ فى حَدِيثَىِ الصَّدَقَاتِ الذى كَتَبَهُ أبو بكرٍ لِأَنَسٍ، والذى كان عندَ آلِ عمرَ ابن الخَطَّابِ مِثْلَ مَذْهَبِنا، وهما صَحِيحانِ، وقد رَوَاهُ أبو بكرٍ عن النَّبِىِّ ﷺ بِقَوْلِه: هذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِى فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ على المُسْلِمِينَ. وأمَّا كتابُ عَمْرِو بن حَزْمٍ، فقد اخْتُلِفَ فى صِفَتِه، فرَوَاهُ الأَثْرَمُ فى "سُنَنِه" مِثْلَ مَذْهَبِنا. والأخْذُ بذلك أَوْلَى، لِمُوَافَقَتِه الأحَادِيثَ الصَّحاحَ، ومُوَافَقَتِه القِياسَ، فإنَّ المالَ إذا وَجَبَ فيه مِن جِنْسِه لم يَجِبْ من غَيْرِ جِنْسِه، كسائِرِ بَهِيمة الأنْعامِ، ولأنَّه مالٌ احْتَمَلَ المُوَاساةَ من جِنْسِه، فلم يَجِبْ من غيرِ جِنْسِه، كالبَقَرِ والغَنَمِ، وإنَّما وَجَبَ فى الابْتِدَاءِ مِن غيرِ جِنْسِه، لأنَّه ما احْتَمَلَ المُوَاساةَ من جِنْسِهِ، فلم يَجِبْ مِن غيرِ جِنْسِه، فعَدَلْنَا إلى غيرِ الجِنْسِ ضَرُورَةً، وقد زَالَ ذلك بِزِيادَةِ المالِ وكَثْرَتِه، ولأنَّه عِنْدَهم يَنْتَقِلُ (١٠) مِن بِنْتِ مَخَاضٍ إلى حِقَّةٍ، بِزِيَادَةِ خَمْسٍ من الإِبِلِ، وهى زِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ لا تَقْتَضِى الانْتِقَالَ إلى حِقَّةٍ، فإنَّا لم نَنْتَقِلْ (١١) فى مَحَلِّ الوِفَاقِ مِن بِنْتِ مَخَاضٍ إلى حِقَّةٍ، إلَّا بِزِيَادَةِ إحْدَى وعِشْرِينَ، وإن زَادَتْ على مائةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا من بَعِيرٍ، لم يَتَغَيَّرِ الفَرْضُ عند أحَدٍ من النَّاسِ؛ لأنَّ فى بعضِ الرِّوَايَاتِ: "فإذا زَادَتْ وَاحِدَةً". وهذا يُقَيِّدُ مُطْلَقَ الزِّيادَةِ فى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، ولأنَّ سائِرَ الفُرُوضِ لا تَتَغَيَّرُ بِزِيادَةِ جُزْءٍ. وعلى كِلْتا الرِّوَايَتَيْنِ متى بَلَغَتِ الإِبِلُ مائةً وثَلَاثِينَ ففيها حِقَّةٌ وبِنتا لَبُونٍ، وفى مائةٍ وأَرْبَعِينَ حِقَّتَانِ وبِنْتَا لَبُونٍ، وفى مائةٍ وخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ، وفى مائةٍ وسِتِّينَ أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ. ثم كُلَّما زَادَتْ عَشْرًا

стр. 1669

أُبْدِلَتْ مَكَانَ بِنْتِ لَبُونٍ حِقَّةٌ، ففى مائةٍ وسَبْعِينَ حِقَّةٌ (١٢) وثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وفى مائةٍ وثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وابْنَتَا لَبُونٍ، وفى مائةٍ وتِسْعِينَ ثَلاثُ حِقَاقٍ وبِنْتُ لَبُونٍ. فإذا بَلَغَتْ مائَتَيْنِ اجْتَمَعَ الفَرْضانِ؛ لأنَّ فيهما خَمْسِينَ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، [وأَرْبَعِينَ خَمْسَ مَرَّاتٍ] (١٣)، فَيجبُ عليه أرْبَعُ حِقَاقٍ أو خَمْسُ بَناتِ لَبُونٍ، أىَّ الفَرْضَيْنِ شَاءَ أَخْرَجَ، وإن كان الآخَرُ أفْضَلَ منه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّ عليه أَرْبَعَ حِقَاقٍ. وهذا مَحْمُولٌ على أنَّ عليه أرْبَعَ حِقَاقٍ بصِفَةِ (١٤) التَّخْيِيرِ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكونَ المُخْرِجُ وَلِيًّا لِيَتيمٍ أو مَجْنُونٍ، فليس له أن يُخْرِجَ من مَالِه إلَّا أدْنَى الفَرْضَيْنِ. وقال الشَّافِعِىُّ: الخِيَرَةُ إلى السَّاعِى. ومُقْتَضَى قَوْلِه أنَّ رَبَّ المالِ إذا أَخْرَجَ لَزِمَهُ إخْرَاجُ أَعْلَى الفَرْضَيْنِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١٥). ولأنَّه وُجِدَ سَبَبُ الفَرْضَيْنِ، فكانتِ الخِيَرَةُ إلى مُسْتَحِقِّه أو نَائِبِه، كقَتْلِ العَمْدِ المُوجِبِ لِلْقِصَاصِ أو الدِّيَةِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ ، فى كتابِ الصَّدَقَاتِ، الذى كَتَبَهُ، وكان عِنْدَ آل عمرَ بن الخَطَّابِ: "فَإذَا كَانَتْ مائَتَيْنِ، فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ، أو خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أىُّ السِّنَّيْنِ (١٦) وُجِدَتْ أُخِذَتْ" (١٧). وهذا نَصٌّ لا يُعَرَّجُ معه على شىءٍ يُخَالِفُه، وقولُه ﵇ لِمُعَاذٍ: "إيَّاكَ وكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" (١٨). ولأنَّها زكاةٌ ثَبَتَ فيها الخِيَارُ، فكان ذلك لِرَبِّ المالِ، كالخِيَرَةِ فى الجُبْرَانِ بين شاتَيْن (١٩) أو عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وبين النُّزُولِ والصُّعُودِ، وتَغْييرِ (٢٠) المُخْرَجِ، ولا تَتَنَاوَلُ الآيةُ ما نَحْنُ فيه؛ لأنَّه إنَّما يَأْخُذُ

стр. 1670

الفَرْضَ بِصِفَةِ المالِ، فيأخُذُ من الكِرامِ كَرَائِمَ، ومن غيرِها من وَسَطِها، فلا يكونُ خَبِيثًا، لأنَّ الأدْنَى ليس بِخَبِيثٍ، وكذلك لو لم يُوجَدْ إلَّا سَبَبُ وُجُوبِه وَجَبَ إخْرَاجُه، وقِياسُهم يَبْطُلُ بِشَاةِ الجُبْرَانِ، وقِياسُنا أَوْلَى منه؛ لأنَّ قِياسَ الزكاةِ على الزكاةِ أوْلَى مِن قِياسِها على الدِّيَاتِ. إذا ثَبَتَ هذا فكانَ أحَدُ الفَرْضَيْنِ فى مَالِه دُونَ الآخَرِ، فهو مُخَيَّرٌ بين إخْرَاجِه أو شِرَاء الآخَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ عليه (٢١) إخْرَاجُ المَوْجُودِ؛ لأنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ فى (٢٢) عَيْنِ المالِ. وقال القاضى: يَتَعَيَّنُ عليه إخْرَاج المَوْجُودِ (٢٣). ولعلَّه أرادَ إذا لم يَقْدِرْ على شِرَاءِ الآخَرِ. فصل: فإن أرادَ إخْرَاجَ الفَرْضِ من النَّوْعَيْنِ، نَظَرْنَا؛ فإن لم يَحْتَجْ إلى تَشْقِيصٍ، كرَجُلٍ عنده أَرْبَعُمائةٍ يُخْرِجُ عنها (٢٤) أَرْبَعَ حِقاقٍ وخَمْسَ بَناتِ لَبُونٍ، جازَ، وإن احْتَاجَ إلى تَشْقِيصٍ، كزَكاةِ المائَتَيْنِ، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه ذلك إلَّا بالتَّشْقِيصِ. وقيل: يَحْتَمِلُ أن يجوزَ، على قِيَاسِ قولِ أَصْحَابِنَا: ويجوزُ أن يُعْتِقَ نِصْفَىْ عَبْدَيْنِ فى الكَفَّارَةِ. وهذا غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بالتَّشْقِيصِ فى زكاةِ السَّائِمةِ إلَّا من حَاجَةٍ، ولذلك جَعَلَ لها أَوْقاصًا، دَفْعًا لِلتَّشْقِيصِ عن الوَاجِبِ فيها، وعَدَلَ فى ما (٢٥) دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ من الإِبِلِ عن إيجَابِ الإِبِلِ إلى إيجَابِ الغَنَمِ، فلا يجوزُ القَوْلُ بِتَجْوِيزِه مع إمْكَانِ العُدُولِ عنه إلى إيجَابِ فَرِيضَةٍ كامِلَةٍ. وإن وَجَدَ أحَدَ الفَرْضَيْنِ كامِلًا والآخَرَ نَاقِصًا، لا يُمْكِنُه إخْرَاجُه إلَّا بِجُبْرَانٍ معه، مثل أن يَجِدَ فى المائتين خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ وثَلاثَ حِقَاقٍ، تَعَيَّنَ أَخْذُ الفَرِيضَةِ الكَامِلَةِ؛ لأنَّ الجُبْرَانَ بَدَلٌ يُشْتَرَطُ له عَدَمُ المُبْدَلِ. وإن كانتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَحْتاجُ

стр. 1671

إلى جُبْرَانٍ، مثل أن يَجِدَ أَرْبَعَ بَناتِ لَبُونٍ وثَلاثَ حِقَاقٍ، فهو مُخَيَّرٌ أَيَّهما شاءَ أَخْرَجَ مع الجُبْرَانِ، إن شاءَ أخْرَجَ بَناتَ اللَّبُونِ وحِقَّةً وأخَذَ بالجُبْرَانِ، وإن شَاءَ أَخْرَجَ الحِقَاقَ وبِنْتَ اللَّبُونِ مع جُبْرَانِها. فإن قال: خُذُوا مِنِّى حِقَّةً وثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ مع الجُبْرَانِ. لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَعْدِلُ عن الفَرْضِ مع وُجُودِهِ إلى الجُبْرَانِ. ويَحْتَمِلُ الجوازَ؛ لأنَّه لابُدَّ مِن الجُبْرَانِ. وإن لم يُوجَدْ إلَّا حِقَّةٌ وأَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أَدَّاهَا وأخَذَ الجُبْرَانَ، ولم يكنْ له دَفْعُ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ مع الجُبْرَانِ، فى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ. وإن كان الفَرْضان مَعْدُومَيْنِ، أو مَعِيبَيْنِ، فله العُدُولُ عنهما مع الجُبْرَانِ، فإن شاءَ أَخْرَجَ أرْبَعَ جَذَعاتٍ وأخَذَ ثَمَانِىَ شِيَاهٍ أو ثَمَانِينَ دِرْهَمًا، وإن شَاءَ دَفَعَ خَمْسَ بَناتِ مَخَاضٍ ومعها عَشْرُ شِيَاهٍ أو مائةُ دِرْهَمٍ. وإن أَحَبَّ أن [ينْتَقِلَ عن الحِقاقِ] (٢٦) إلى بِناتِ المَخَاضِ، أو عن بَنَاتِ اللَّبُونِ إلى الجِذاعِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الحِقَاقَ وبَناتَ الَلَّبُونِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهنَّ فى هذا المالِ، فلا يَصْعَدُ إلى الحِقاقِ بِجُبْرَانٍ، ولا يَنْزلُ إلى بَنَاتِ اللَّبُونِ بِجُبْرانٍ. ٤٠١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ [حِقَّةٌ ولَيْسَتْ] (١) عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ ابْنَةُ لَبُونٍ، أُخِذَتْ مِنْهُ ومَعَها شَاتَانِ أو عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ابْنَةُ لَبُونٍ، وليْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ حِقَّةٌ، أُخِذَتْ مِنْهُ وأُعْطِىَ الجُبْرَانَ (٢) شَاتَيْنِ أو عِشْرِينَ دِرْهَمًا) المذهبُ فى هذا أنَّه متى وَجَبَتْ عليه سِنٌّ وليستْ عندَه، فله أن يُخْرِجَ سِنًّا أعْلَى منها، ويَأْخُذَ شَاتَيْنِ أو عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أو سِنًّا أَنْزَلَ منها ومعها شَاتَيْنِ (٣) أو عِشْرِينَ دِرْهَمًا، إلَّا ابْنَةَ مَخَاضٍ ليس له أن يُخْرِجَ أنْزَلَ منها؛ لأنَّها أَدْنَى سِنٍّ تَجِبُ فى الزَّكَاةِ، أو جَذَعَة. فلا يُخْرِجُ أَعْلَى منها، إلَّا أن يَرضَى رَبُّ المالِ بإخْرَاجِهَا لا جُبْرَانَ معها، فَتُقْبَلَ منه. والاخْتِيَارُ فى الصُّعُودِ والنُّزُولِ، والشِّيَاهِ

стр. 1672

والدَّرَاهِم، إلى رَبِّ المالِ. وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وابْنُ المُنْذِرِ. واخْتَلَفَ فيه عن إسحاقَ. وقال الثَّوْرِىُّ: يُخْرِجُ شَاتَيْنِ أو عَشَرَةَ دَرَاهِم؛ لأنَّ الشَّاةَ فى الشَّرْعِ مُقَوَّمةٌ (٤) بِخَمْسَة دَرَاهِمَ، بِدَلِيلِ أنَّ نِصَابَها أَرْبَعُونَ، ونِصَابَ الدَّرَاهِم مائَتانِ. وقال أصْحَابُ الرَّأْىِ: يَدْفَعُ قِيمَةَ ما وَجَبَ عليه، أو دُونَ السِّنِّ الوَاجِبَةِ وفَضْلَ ما بينهما دَرَاهِمَ. ولنَا، قَوْلُه ﵇، فى الحَدِيثِ الذى رَوَيْناهُ من طَرِيقِ البُخَارِىّ (٥): "وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَه مِن الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ، ولَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، ويَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ، إنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أو عِشْرِينَ دِرْهَمًا، ومَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، ولَيْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فإنَّها تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، ويُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أو شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ [عِنْدَهُ صَدَقَةُ] (٦) الحِقَّةِ ولَيْسَتْ عِنْدَهُ إلَّا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإنَّها تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ، ويُعْطِى شَاتَيْنِ، أو عِشْرِينَ دِرْهَمًا، ومَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُه بِنْتَ لَبُونٍ، وعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإنَّها تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، ويُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أو شَاتَيْنِ، ومَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُه بِنْتَ لَبُونٍ، ولَيْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَإنَّها تُقْبَلُ مِنْهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ ويُعْطِى مَعَها عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أو شَاتَيْنِ". وهذا نَصٌّ ثَابِتٌ صَحِيحٌ فلا (٧) يُلْتَفَتُ إلى ما سِوَاهُ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه لا يجوزُ العُدُولُ إلى هذا الجُبْرَانِ مع وُجُودِ الأصْلِ؛ لأنَّه مَشْرُوطٌ فى الخَبَرِ بِعَدَمِ الأصْلِ، وإن أرَادَ أن يُخْرِجَ فى الجُبْرَانِ شَاةً، وعَشَرَةَ دَرَاهِم. فقال القاضى: لا يمْتَنِعُ (٨) هذا، كما قُلْنَا فى الكَفّارَةِ، له (٩)

стр. 1673

إخْرَاجُها من جِنْسَيْنِ؛ لأنَّ الشَّاةَ مَقَامُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فإذا اخْتَارَ إخْرَاجَها وعَشَرَةً جَازَ. ويَحْتَمِلُ المَنْعَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَيَّرَ بَين شَاتَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وهذا قِسْمٌ ثَالِثٌ، فَتَجْوِيزُه يُخَالِفُ الخَبَرَ. واللهُ أعلمُ بالصَّوَابِ (١٠). فصل: فإن عَدِمَ السِّنَّ الوَاجِبَةَ والتى تَلِيهَا، كمَن وَجَبَتْ عليه جَذَعَةٌ فَعَدِمَها وعَدِمَ [الحِقَّةَ، أو وَجَبتْ عليه حِقَّةٌ فعَدِمَها وعَدِم] (١١) الجَذَعَةَ وابْنَةَ اللَّبُونِ، فقال القاضى: يجوزُ أن يَنْتَقِلَ إلى السِّنِّ الثَّالِثِ مع الجُبْرَانِ، فَيُخْرِجَ ابْنةَ اللَّبُونِ فى الصُّورَةِ الأُولَى، ويُخْرِجَ معها أَرْبَعَ شِيَاهٍ وأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، ويُخْرِجَ ابْنَةَ مَخَاضٍ فى الثَّانِيَةِ، ويُخْرِجَ معها مِثْلَ ذلك. وذكرَ أنَّ أحمدَ أوْمَأَ إليه. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَنْتَقِلُ إلى سِنٍّ تَلِى الوَاجِبَ، فأمَّا إن انْتَقَلَ مِن حِقَّةٍ إلى بِنْتِ مَخَاضٍ، أو مِن جَذَعَةٍ إلى بِنْتِ لَبُونٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النَّصَّ وَرَدَ بالعُدُولِ إلى سِنٍّ وَاحِدَةٍ، فيَجِبُ الاقْتِصَارُ عليه (١٢)، كما اقْتَصَرْنَا فى أَخْذِ الشِّيَاهِ عن الإِبِلِ على المَوْضِعِ الذى وَرَدَ به النَّصُّ. هذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ. ووَجْهُ الأوَّل أنَّه قد جَوَّزَ الانْتِقَالَ إلى السِّنِّ الذى تَلِيهِ مع الجُبْرَانِ، وجَوَّزَ العُدُولَ عن ذلك أيضا إذا عَدِمَ مع الجُبْرَانِ إذا كان هو الفَرْضَ، وهاهُنا لو كان مَوْجُودًا أَجْزَأَ، فإن عَدِمَ جَازَ العُدُولُ إلى ما يَلِيهِ مع الجُبْرَانِ، والنَّصُّ إذا عُقِلَ (١٣) عُدِّىَ وعُمِلَ بِمَعْنَاهُ، وعلى مُقْتَضَى هذا القَوْلِ يجوزُ العُدُولُ عن الجَذَعَةِ إلى بِنْتِ المَخَاضِ مع سِتِّ شِيَاهٍ، أو سِتِّينَ دِرْهَمًا، ويَعْدِلُ عن ابْنَةِ المَخَاضِ إلى الجَذَعَةِ، ويَأْخُذُ سِتَّ شِيَاهٍ، أو سِتِّينَ دِرْهَمًا. وإن أرَادَ أن يُخْرِجَ عن الأَرْبَع شِيَاهٍ شَاتَيْنِ وعِشْرِينَ دِرهمًا، جازَ. لأنَّهما جُبْرَانَانِ، فهما كالكَفَّارَتَيْنِ. وكذلك فى الجُبْرَانِ الذى يُخْرِجُه عن فَرْضِ

стр. 1674

المائَتَيْنِ من الإِبِلِ، إذا أَخْرَجَ عن خَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ خَمْسَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، أو مكانَ أَرْبَع حِقَاقٍ أَرْبَعَ جَذَعَاتٍ، جَازَ أن يُخْرِجَ بعضَ الجُبْرَانِ دَرَاهِمَ، وبَعْضَه شِيَاهًا. ومتى وَجَدَ سِنًّا تَلِى الوَاجبَ [لم يَجُزِ] (١٤) العُدُولُ إلى سِنٍّ لا تَلِيهِ؛ لأنَّ الانْتِقَالَ عن السِّنِّ التى تَلِيه إلى السِّنِّ الأُخْرَى بَدَلٌ، فلا يَجُوزُ مع إمْكانِ الأصْلِ. فإن عَدِمَ الحِقَّةَ وابْنَةَ اللَّبُونِ، وَوَجَدَ الجَذَعَةَ وابْنَةَ المَخَاضِ، وكان الوَاجِبُ الحِقَّةَ، لم يَجُز العُدُولُ إلى بِنْتِ المَخَاضِ، وإن كان الوَاجِبُ ابْنَةَ لَبُونٍ، لم يَجُزْ إخْرَاجُ الجَذَعَةِ. واللهُ أعلمُ. فصل: فإن كان النِّصَابُ كُلُّه مِراضًا، وفَرِيضَتُه مَعْدُومَةً، فلَه أن يَعْدِلَ إلى السِّنِّ السُّفْلَى مع دَفْعِ الجُبْرَانِ، وليس له أن يَصْعَدَ مع أخذِ الجُبْرَانِ، لأنَّ الجُبْرَانَ أكْثَرُ مِن الفَضْلِ الذى بين الفَرْضَيْنِ، وقد يكونُ الجُبْرَانُ جَبْرًا من الأصْلِ، فإنَّ قِيمَةَ الصَّحِيحَتَيْنِ أَكْثَرُ من قِيمَةِ المَرِيضَتَيْنِ، فكذلك قِيمَةُ ما بَيْنَهُما، فإذا كان كذلك لم يَجُزْ فى الصُّعُودِ، وجَازَ فى النُّزُولِ، لأنَّه مُتَطَوِّعٌ بِشىءٍ من مَالِه، وَرَبُّ المالِ يُقْبَلُ منه الفَضْلُ، ولا يَجُوزُ لِلسَّاعِى أن يُعْطِىَ الفَضْلَ من المَسَاكِين. فإن كان المُخْرِجُ وَلِىَّ اليَتِيمِ، لم يَجُزْ له أيْضًا النُّزُولُ، لأنَّه لا يجوزُ أن يُعْطِىَ الفَضْلَ من مَالِ اليَتِيمِ، فَيَتَعَيَّنُ شِرَاءُ الفَرْضِ مِن غيرِ المالِ. فصل: [ولا مَدْخَلَ للجُبْرَانِ] (١٥) فى غيرِ الإِبِلِ؛ لأنَّ النَّصَّ فيها وَرَدَ. وليس غيرُها فى مَعْنَاها، لأنَّها أَكْثَرُ قِيمَةً، ولأنَّ الغَنَمَ لا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُها باخْتِلافِ سِنِّها، وما بين الفَرِيضَتَيْنِ فى البَقَرِ يُخَالِفُ ما بين الفَرِيضَتَيْنِ فى الإِبِلِ فَامْتَنَعَ القِيَاسُ. فمن عَدِمَ فَرِيضَةَ البَقَرِ أو الغَنَمِ، وَوَجَدَ دُونَها، لم يَجُزْ له إخْرَاجُها، فإن وَجَدَ أَعْلَى منها، فأَحَبَّ أن يَدْفَعَها مُتَطَوِّعًا بغيرِ جُبْرَانٍ، قُبِلَتْ منه، وإن لم

стр. 1675

يَفْعَلْ كُلِّفَ شِرَاءَها من غيرِ مَالِه. فصل: قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللهِ، ﵀: ما (١٦) تَفْسِيرُ الأوْقَاصِ. قال: الأوقاصُ (١٧) ما بَيْنَ الفَرِيضَتَيْنِ. قلتُ له: كأنه ما بين الثَّلَاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ فى البَقَرِ وما أشْبَهَ هذا؟ قال: نعم، والشَّنَقُ (١٨) ما دُونَ الفَرِيضَةِ. قلتُ له: كأنه ما دُونَ الثَّلَاثِينَ من البَقَرِ، وما دُونَ الفَرِيضَةِ؟ فقال: نعم. وقال الشَّعْبِىُّ: الشَّنَقُ ما بين الفَرِيضَتَيْنِ أيضا. قال أصْحابُنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالنِّصَابِ دون الوَقْصِ. ومَعْناهُ: أنَّه إذا كان عِنْدَه أَكْثَرُ من الفَرِيضَةِ، مثل أن يكونَ عنده ثلاثُونَ من الإِبِلِ، فالزكاةُ تَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ، دُونَ الخَمْسَةِ الزَّائِدَةِ عليها. فعلى هذا لو وَجَبَت الزَّكاةُ فيها، وتَلِفَتِ الخَمْسُ الزَّائِدَةُ قبلَ التَّمَكُّنِ من أَدَائِها، وقلنا: إنّ تَلَفَ النِّصابِ قبلَ التَّمَكُّنِ يُسْقِطُ الزَّكاةَ، لم يَسْقُطْ هاهُنا منها شىءٌ؛ لأنَّ التَّالِفَ لم تَتَعَلَّق الزكاةُ به، وإن تَلِفَ منها عَشْرٌ سَقَطَ من الزَّكَاةِ خُمْسُها؛ لأنَّ الاعْتِبَارَ بِتَلَفِ جُزْءٍ من النِّصابِ، وإنَّما تَلِفَ منها (١٩) من النِّصَابِ خُمْسُه. وأمَّا مَن قال: لا تَأْثِيرَ لِتَلَفِ النِّصابِ فى إسْقَاطِ الزكاةِ فلا فَائِدةَ فى الخِلَافِ عندَه فى هذه المَسْأَلةِ فيما أعلمُ. واللَّه تعالى أعلمُ.

стр. 1676

بابُ صَدَقَةِ البَقَرِ وهى وَاجِبَةٌ بالسُّنَّةِ والإجْماعِ؛ أما السُّنَّةُ فما رَوَى أبو ذَرٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنه قال: "مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ ولَا بَقَرٍ ولَا غَنَمٍ لا يُؤَدِّى زَكَاتَها، إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعظَمَ مَا كَانَتْ وأسْمَنَه (٢٠)، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِها، وتَطَؤُهُ بأَخْفَافِهَا، كُلَّما نَفِدَتْ اُّخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢١). ورَوَى النَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (٢٢) عن مَسْرُوقٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إلى اليَمَنِ، وأَمَرَهُ أن يَأْخُذَ من كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، ومن البَقَرِ من كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أو تَبِيعَةً (٢٣)، ومن كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً (٢٣). ورَوَى الإمامُ أحمدُ (٢٤)، بإسْنَادِهِ

стр. 1677

عن يحيى بن الحَكَمِ، أن مُعَاذًا قال: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ ﷺ أُصَدِّقُ أهْلَ الْيَمَنِ، وأَمَرَنِى أن آخُذَ من البَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، ومِن كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً. قال: فَعَرضُوا عَلَىَّ أن آخُذَ ما بين الأرْبَعِينَ والخَمْسِينَ، وما بين السِّتِّينَ والسَّبْعِينَ، وما بين الثَّمَانِينَ والتِّسْعِينَ، فأَبَيْتُ ذلك. وقلتُ لهم: حتى أسْأَلَ رسول اللهِ ﷺ فى (٢٥) ذلك. فَقَدِمْتُ، فأَخْبَرْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، فأَمَرَنِى أن آخُذَ مِن كل ثَلَاثِينَ تَبيعًا، ومن كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً ومن السِّتِّين تَبِيعَيْنِ، ومِن السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وتَبِيعًا، ومن الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، ومن التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أتْباعٍ (٢٦)، ومِن المائَةِ مُسِنَّةً وتَبِيعَيْنِ، ومن العَشَرَةِ ومائةٍ مُسِنَّتَيْنِ وتَبِيعًا، ومِن العِشْرِينَ ومائةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ أو أرْبَعَة أتْبَاعٍ (٢٦)، وأمَرَنِى رَسُولُ اللَّه ﷺ أن لا آخُذَ فيما (٢٧) بين ذلك شيئًا إلَّا أن يَبْلُغَ (٢٨) مُسِنَّةً أو جَذَعًا. يعنى تَبِيعًا. وزَعَمَ أنَّ الأَوْقَاصَ لا فَرِيضَةَ فيها. وأمَّا الإجْمَاعُ فلا نعلمُ (٢٩) اخْتِلَافًا فى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فى البَقَرِ. قال أبو عُبَيْدٍ: لا أعْلَمُ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فيه اليومَ. ولأنَّها أحَدُ أصْنَافِ بَهِيمَة الأنْعامِ، فوَجَبَتِ الزكاةُ فى سَائِمَتِها، كالإبِلِ والغَنَمِ. ٤٠٢ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ فيما دُونَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ سَائِمَةً صَدقَةٌ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا زكاةَ فيما دُونَ الثَّلَاثِينَ من البَقَرِ فى قَوْلِ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وحُكِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِىِّ أنَّهما قالا: فى كل خَمْسٍ شاةٌ. لأنَّها (١) عُدِلَتْ بالإبِلِ فى الهَدْىِ والأُضْحِيَةِ، فكذلك فى الزكاةِ. ولَنا، ما تَقَدَّمَ من

стр. 1678

الخَبَرِ، ولأنَّ نُصُبَ الزكاةِ إنَّما ثَبَتَتْ بالنَّصِّ والتَّوْقِيفِ، وليس فيما ذَكَرَاهُ (٢) نَصٌّ ولا تَوْقِيفٌ، فلا يَثْبُتُ، وقِيَاسُهم فَاسِدٌ، فإنَّ خَمْسًا وثَلَاثِينَ من الغَنَمِ تَعْدِلُ خَمْسًا من الإِبِلِ فى الهَدْىِ، ولا زكاةَ فيها. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه لا زكاةَ فى غيرِ السَّائِمَةِ من البَقَرِ فى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ أنَّ فى العَوَامِلِ والمَعْلُوفَةِ صَدَقَةٌ، كَقَوْلِه فى الإِبِلِ. وقد تَقَدَّمَ الكَلامُ معه. وَرُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال الرَّاوِى: أحْسَبُه عن النَّبِىِّ ﷺ فى صَدَقَةِ البَقَرِ، قال: "ولَيْسَ فى العَوَامِلِ شَىْءٌ". رَوَاه أبو داودَ (٣). وَرُوِىَ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "لَيْسَ فى البَقَرِ العَوَامِلِ صَدَقَةٌ" (٤). وهذا مُقَيَّدٌ يُحْمَلُ عليه المُطْلَقُ. وَرُوِىَ عن علىٍّ، ومُعَاذٍ، وجابرٍ، أَنَّهم قالوا: لا صَدَقَةَ فى البَقَرِ العَوَامِلِ (٥). ولأنَّ صِفَةَ النَّمَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فى الزكاةِ، ولا يُوجَدُ إلَّا فى السَّائِمَةِ. ٤٠٣ - مسألة؛ قال: (وإذا مَلَكَ الثَّلَاثِينَ من البَقَرِ، فأَسَامَها أكْثَرَ السَّنَةِ، فَفِيهَا تَبِيعٌ أو تَبِيعَةٌ، إلى تِسْعٍ وثَلَاثِينَ، فَإذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ، فَفِيهَا مُسِنَّةٌ، إلى تِسْعٍ وخَمْسِينَ، فَإذَا بَلَغَتْ سِتِّينَ، فَفِيهَا تَبِيعَانِ، إلى تِسْعٍ وسِتِّينَ، فَإذَا بَلَغَتْ سَبْعِينَ، فَفِيهَا تَبِيعٌ ومُسِنَّةٌ، فَإذَا زَادَتْ، فَفِى كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وفى كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) التَّبِيعُ: الذى له سَنَةٌ، ودَخَلَ فى الثَّانِيَةِ، وقِيلَ له ذلك لأنَّه يَتْبَعُ أُمَّهُ.

стр. 1679

والمُسِنَّةُ: التى لها سَنَتَانِ، وهى الثَّنِيَّةُ. ولا فَرْضَ فى البَقَرِ غَيْرُهما، وبما ذَكَرَ الخِرَقِىُّ هَاهُنا قال أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحسنُ، ومَالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ الماجِشُونِ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بن الحسنِ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ، فى بعضِ الرِّوَايَاتِ عنه، فيما زَادَ على الأرْبَعِينَ بِحِسَابِه، فى كُلِّ بَقَرَةٍ رُبْعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ. فِرَارًا من جَعْلِ الوَقْصِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهو مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ أوْقَاصِهَا، فإنَّ جَمِيعَ أَوقَاصِها عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ (١). ولَنا، حديثُ يحيى بن الحَكَمِ الذى رَوَيْنَاهُ (٢)، وهو صَرِيحٌ فى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ فى الحديثِ الآخَرِ: "فى كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ؛ وفى كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ" (٣). يَدُلُّ على أنَّ الاعْتِبارَ بِهَذَيْنِ العَدَدَيْنِ، ولأنّ البَقَرَ أحَدُ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، [فلا يجبُ] (٤) فى زَكَاتِها كَسْرٌ كسَائِرِ الأَنْوَاعِ، [أو لا ينْتقِلُ] (٥) من فَرْضٍ فيها إلى فَرْضٍ بغيرِ وَقْصٍ، كسَائِرِ الفُرُوضِ، ولأنَّ هذه زِيَادَةٌ لا يَتِمُّ بها أحدُ العَدَدَيْنِ، فلا يَجِبُ فيها شىءٌ، كما بينَ الثَّلَاثِينَ والأَرْبَعِينَ، وما بين السِّتِّينَ والسَّبْعِينَ، ومُخَالَفَةُ قَوْلِهم لِلأُصُولِ (٦) أشَدُّ من الوُجُوهِ التى ذَكَرْنَاها، وعلى أنَّ أَوْقَاصَ الإِبِلِ والغَنَمِ مُخْتَلِفَةٌ، فجازَ الاخْتِلَافُ هاهُنا. فصل: وإذا رَضِىَ رَبُّ المالِ بإعْطاءِ المُسِنَّةِ عن التَّبِيعِ، والتَّبِيعَيْنِ عن المُسِنَّةِ، أو أخْرَجَ أكْثَرَ فها سِنًّا عنها، جازَ، ولا مَدْخَلَ لِلْجُبْرَانِ فيها، [لما قدَّمْنا] (٧) فى زكاةِ الإِبِلِ.

стр. 1680

فصل: ولا يُخْرَجُ الذَّكَرُ فى الزَّكَاةِ أصْلًا إلَّا فى البَقَرِ، فأمَّا (٨) ابْنُ اللَّبُونِ فليس (٩) بأصْلٍ، إنَّما هو بَدَلٌ عن ابْنَةِ مَخَاضٍ، ولهذا لا يُجْزِئُ مع وُجُودِها، وإنَّما يجْزِئُ الذَّكَرُ فى البَقَرِ عن الثَّلَاثِينَ، وما تَكَرَّرَ منها، كالستِّيِّنَ والتِّسْعِين (١٠)، وما تَرَكَّبَ من الثَّلَاثِينَ وغيرِها، كالسَّبْعِين، فيها تَبِيعٌ ومُسِنَّةٌ، والمائةُ فيها مُسِنَّةٌ وتَبيعَانِ. وإن شاءَ أخْرَجَ مكانَ الذُّكُورِ إنَاثًا؛ لأنَّ النَّصَّ وَرَدَ بهما جَمِيعًا، فأمَّا الأَرْبَعُونَ وما تَكَرَّرَ منها كالثَّمَانِينَ، فلا يجْزِئُ فى فَرْضِها إلَّا الإنَاثُ، إلَّا أن يُخْرِجَ عن المُسِنَّةِ تَبِيعَيْنِ، فيجوزُ. وإذا بَلَغَتِ البَقَرُ مائةً وعِشْرِينَ، اتَّفَقَ الفَرْضانِ جَمِيعًا، فيُخَيَّرُ رَبُّ المالِ بين إخْرَاجِ ثَلاثِ مُسِنَّاتٍ، أو أرْبَعةِ أَتْبِعَةٍ، والوَاجِبُ أحَدُهما، أيُّهما شاءَ على ما نَطَقَ به الخَبَرُ المَذْكُورُ، والخِيَرَةُ فى الإِخْرَاجِ إلى رَبِّ المالِ، كما ذَكَرْنا فى زكاةِ الإِبِلِ. وهذا التَّفْصِيلُ فيما إذا كان فيها إناثٌ، فإن كانتْ كُلُّها ذُكُورًا، أَجْزَأَ الذَّكَرُ فيها بِكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ الزكاةَ مُواساةٌ، فلا يُكَلَّفُ المُواساةَ من غيرِ مَالِه. ويَحْتَمِلُ أنَّه لا يُجْزِئُه إلَّا إناثٌ فى الأرْبَعِينِيَّاتِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَصَّ على المُسِنَّاتِ، فيَجِبُ اتِّباعُ مَوْرِدِه، فيُكَلَّفُ شِرَاءَها، إذا لم تكنْ فى مَاشِيَتِه، كما لو لم يَجِدْ إلَّا دُونَها فى السِّنِّ، والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّنَّا أخَّرْنَا الذَّكَرَ فى الغَنَمِ، مع أنَّه لا مَدْخَلَ له فى زَكَاتِها مع وُجُودِ الإِنَاثِ، فالبَقَرُ [التى لِلذَّكَرِ فيها مَدْخَلٌ] (١١) أوْلَى؛ [لأن لِلذَّكَرِ فيها مَدْخَلًا] (١٢). ٤٠٤ - مسألة؛ قال: (والجَوَامِيسُ كَغيْرِهَا من البَقَرِ) لا خِلَافَ فى هذا نَعْلَمُهُ. وقال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن يُحْفَظُ عنه مِن أهْلِ

стр. 1681

العِلْمِ على هذا، ولأنَّ الجَوَامِيسَ من أنْوَاعِ البَقَرِ، كما أن البَخَاتَى من أَنْوَاعِ الإِبِلِ، فإذا اتَّفَقَ فى المالِ جَوَامِيسُ وصِنْفٌ آخَرُ من البَقَرِ، أو بَخَاتَى وعِرَابٌ، أو مَعْزٌ وضَأْنٌ، كَمَلَ نِصَابُ أحَدِهما بالآخَر، وأُخِذَ الفَرْضُ من أَحَدِهما على قَدْرِ المَالَيْنِ. على ما سَنَذْكُرُه، إن شاءَ اللهُ تعالى. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى بَقَرِ الوَحْشِ، فَرُوِىَ أنَّ فيها الزكاةَ. اخْتَارَهُ أبو بكرٍ؛ لأنَّ اسْمَ البَقَرِ يَشْمَلُها، فيَدْخُلُ فى مُطْلَقِ الخَبَرِ. وعنه لا زكاةَ فيها. وهى أصَحُّ، وهذا قولُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ اسْمَ البَقَرِ عند الإطْلَاقِ لا يَنْصَرِفُ إليها، ولا يُفْهَمُ منه، إذْ كانت لا تُسَمَّى بَقَرًا بدون الإِضَافَةِ، فيقال: بَقَرُ الوَحْشِ. ولأنَّ وُجُودَ نِصَابٍ منها مَوْصُوفًا بصِفَةِ السَّوْمِ حَوْلًا لا وُجُودَ له، ولأنَّها حَيَوَانٌ لا يُجْزِئُ نَوْعُهُ فى الأُضْحِيَةِ والهَدْىِ، فلا تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ، كالظِّبَاءِ، ولأنَّها ليستْ من بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فلا تَجِبُ فيها الزكاةُ، كسائِرِ الوُحُوشِ، وسِرُّ ذلك أن الزكاةَ إنما وَجَبَتْ فى بَهِيمَةِ الأنْعامِ دُونَ غَيْرِها، لِكَثْرَةِ النَّمَاءِ فيها من دَرِّهَا ونَسْلِها، وكَثْرَةِ الانْتِفَاعِ بها، لِكَثْرَتِها وخفَّةِ مَؤُونَتِها، وهذا المَعْنَى مُخْتَصٌّ (١) بها، فاخْتَصَّتِ الزكاةُ بها دُونَ غَيْرِها، ولا تَجِبُ الزَّكَاةُ فى الظِّبَاءِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ اسْم الغَنَمِ لها. فصل: قال أصْحَابُنا: تَجِبُ الزكاةُ فى المُتَوَلِّدِ بين الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ، سَوَاءٌ كانتِ الوَحْشِيَّةُ الفُحُولَ أو الأُمَّهَاتِ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: إن كانتِ الأُمَّهَاتُ أهْلِيَّةً وَجَبَتِ الزكاةُ فيها، وإلَّا فلا؛ لأن وَلَدَ البَهِيمَةِ يَتْبَعُ أُمَّهُ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا زكاةَ فيها؛ لأنَّها مُتَوَلّدَةٌ من وَحْشِىٍّ، أَشْبَهَ المُتَوَلّدَ من وَحْشِيَّيْنِ. واحْتَجَّ أصْحَابُنا بأنَّها مُتَوَلّدَةٌ بين ما تَجِبُ فيه الزكاةُ، وما لا تَجِبُ فيه، فوَجَبَتْ فيها الزكاةُ، كالمُتَوَلّدَةِ بين سَائِمَةٍ ومَعْلُوفَةٍ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ غَنَمَ مَكَّة مُتَوَلّدَةٌ

стр. 1682

بين (٢) الظِّبَاءِ والغَنَمِ، وفيها الزكاةُ بالاتِّفَاقِ، فعلى هذا القَوْلِ تُضَمُّ إلى جِنْسِها من الأَهْلِىِّ فى وُجُوبِ الزكاةِ، وتُكَمّلُ بها نِصَابُه، وتكونُ كأحَدِ أنْوَاعِه، والقَوْلُ بِانْتِفَاءِ الزكاةِ فيها أصَحُّ؛ لأنَّ الأصْلَ انْتِفَاءُ الوُجُوبِ، وإنَّما يثْبُتُ (٣) بِنَصٍّ أو إجْماعٍ أو قِياسٍ، ولا نَصَّ فى هذه ولا إجْماعَ، إنَّما هو فى بَهِيمَةِ الأنْعامِ من الأزْوَاجِ الثَّمانِيَةِ، وليستْ هذه دَاخِلَةً في (٤) اسْمهِا (٥)، ولا حُكْمِها، ولا حَقِيقَتِها، ولا مَعْنَاها؛ فإنَّ المُتَوَلِّدَ بين شَيْئَيْنِ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ وجنْسِه وحُكْمِه عنهما، كالبَغْلِ المُتَوَلِّدِ بين الفَرَسِ والحِمَارِ، والسِّمْعِ (٦) المُتَوَلِّدِ بين الذِّئْبِ والضَّبُعِ، والعِسْبار (٧) المُتَوَلِّدِ بين الضِّبعَانِ والذِّئبة، فكَذَلِكَ المُتَوَلِّدُ بين [الظِّبَاءِ والمَعْزِ ليس بِمَعْزٍ] (٨) ولا ظَبْى، ولا يَتَنَاوَلُه نُصُوصُ الشَّارِعِ، ولا يُمْكِنُ قِياسُه عليها، لِتَبَاعُدِ ما بَيْنَهما، واخْتِلَافِ حُكْمِهِما، فى كَوْنِه لا يُجْزِئ فى هَدْىٍ ولا أُضْحِيَةٍ ولا دِيَةٍ، ولو أسْلَمَ (٩) فى الغَنَمِ لم يَتَنَاوَلْهُ العَقْدُ، ولو وَكَّلَ وَكِيلًا فى شِرَاءِ شاةٍ، لم يَدْخُلْ فى الوَكَالَةِ، ولا يَحْصُلُ منه ما يَحْصُلُ من الشِّياهِ (١٠)؛ من الدَّرِّ، وكَثْرَةِ النَّسْلِ، بل الظَّاهِرُ أنَّه لا نَسْلَ (١١) له أصْلًا، فإن المُتَوَلّدَ بين شَيْئَيْن (١٢) لا نَسْلَ له كالبِغالِ، وما لا نَسْلَ له لا دَرَّ فيه، فامْتَنَعَ القِياسُ، ولم يَدْخُلْ فى نَصٍّ ولا

стр. 1683

إجْماعٍ، فإيجابُ الزكاةِ فيها تَحَكُّمٌ بالرَّأْىِ. وإن (١٣) قِيلَ: تَجِبُ الزكاةُ احْتِيَاطًا وتَغْلِيبًا لِلإيجَابِ، كما أَثْبَتْنا التَّحْرِيمَ فيها فى الحَرَمِ والإحْرَامِ احْتِيَاطًا. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الوَاجِباتِ لا تَثْبُتُ احْتِيَاطًا بالشَّكِّ، ولهذا لا تَجِبُ الطَّهَارَةُ على مَن تَيَقَّنَها، وشَكَّ فى الحَدَثِ، ولا غيرِها من الوَاجِبَاتِ. وأمَّا السَّوْمُ والعَلَفُ فالاعْتِبَارُ فيه بما تَجِبُ فيه الزكاةُ، لا بِأصْلِه الذى تَوَلَّدَ منه، بِدَلِيلِ أَنَّه لو عَلَفَ المُتَوَلِّدَ مِن السَّائِمَةِ لم تَجِبْ زَكَاتُه، ولو أسَامَ أولادَ المَعْلُوفَةِ، لوَجَبَتْ زكاتُها. وقولُ مَن زَعَمَ أنَّ غَنَمَ مَكَّةَ مُتَوَلّدَةٌ من الغَنَمِ والظِّبَاءِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّها لو كانتْ كذلك لَحُرِّمَتْ فى الحَرَمِ والإحْرامِ، وَوَجَبَ فيها (١٤) الجَزَاءُ، كسائِرِ المُتَوَلِّدِ بين الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ، ولأنَّها لو كانتْ كذلك (١٥) مُتَوَلّدَةً من جِنْسَيْنِ، لما كان لها نَسْلٌ كالسَّمْعِ (١٦) والبِغالِ.

стр. 1684

بابُ صَدَقَةِ الغَنَمِ وهى وَاجِبَةٌ بالسُّنَّةِ، والإجْماعِ؛ أما السُّنَّةُ فما رَوَى أنَسٌ، فى كتابِ أبى بكرٍ، الذى ذَكَرْنَا أوَّلَهُ (١)، قال: "وَفِى صَدَقَةِ الغَنَمِ فى سَائِمَتِهَا، إذَا كَانَتْ أرْبَعِينَ إلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ، شَاةٌ، فإذا زَادَتْ عَلَى [عِشرين ومائةٍ إلى مِائتيْن، ففيها شاتان، فإذا زادتْ على] (٢) مائتَيْنِ إلى ثَلَاثمائةٍ، فَفِيها ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإذَا زَادَتْ على ثَلَاثمائةٍ، فَفِى كُلِّ مائةٍ شَاةٌ، وإذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً من أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أن يَشَاءَ رَبُّهَا، ولا يُخْرِجُ فى الصَّدَقَةِ هَرِمَةً، ولا ذَاتَ عُوَارٍ، ولا تَيْسًا، إلَّا ما شَاءَ المُصَدِّقُ". وأخْبَارٌ (٣) سِوَى هذا كَثِيرٌ، وأجْمَعَ العُلَمَاءُ على وُجُوبِ الزكاةِ فيها. ٤٠٥ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (ولَيْسَ فِيمَا دُونَ أرْبَعِينَ من الغَنَمِ سَائِمَةً صَدَقَةٌ، فإذا مَلَكَ أرْبَعِينَ من الغَنَمِ، فأسَامَها أكْثَرَ السَّنَةِ، ففِيها شَاةٌ، إلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ، فإذا زَادَتْ وَاحِدَةً، ففيها شَاتَانِ إلى مائتَيْنِ، فإذا زَادَتْ وَاحِدةً، ففيها ثَلَاثُ شِيَاهٍ) وهذا كُلُّه مُجْمَعٌ عليه. قال (١) ابنُ المُنْذِرِ: إلَّا المَعْلُوفَةَ فى أقَلَّ من نِصْفِ الحَوْلِ، على ما ذَكَرْنا من الخِلَافِ فيه (٢). وحُكِىَ عن مُعَاذٍ، رَضِىَ اللهُ عنه،

стр. 1685

أنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بعد المائةِ وإحْدَى (٣) وعِشْرِينَ، حتى تَبْلُغَ مائتَيْنِ واثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ، ليَكُونَ مِثْلَىْ مائَةٍ وإحْدَى وعِشْرِينَ. ولا يَثْبُتُ عنه. وَرَوَى سَعِيدٌ، عن خَالِد، عن (٤) مُغِيرَةَ، عن الشَّعْبِىِّ، عن مُعَاذٍ، قال: كان إذا بَلَغَ (٥) الشِّيَاهُ مائتَيْنِ لم يُغَيِّرْهَا، حتى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ ومائتَيْنِ، فيَأْخُذَ منها ثَلَاثَ شِيَاهٍ، فإذا بَلَغَتْ ثَلَاثَمائةٍ، لم يُغَيِّرْهَا، حتى تَبْلُغ أرْبَعِينَ وثَلَاثَمائةٍ، فَيأخُذَ منها أرْبَعًا. ولَفْظُ الحَدِيثِ الذى ذَكَرْنَاهُ دَلِيلٌ عليه، والإجْمَاعُ على خِلَافِ هذا القَوْلِ دَلِيلٌ على فَسَادِهِ، والشَّعْبِىُّ لم يَلْقَ مُعَاذًا. ٤٠٦ - مسألة؛ قال: (فَإذَا زَادَتْ فَفِى كُلِّ مائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) ظَاهِرُ هذا القَوْلِ أنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بعد المائتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ، حتى يَبْلُغَ أرْبَعمائةٍ، فيَجِبُ فى كُلِّ مائةٍ شَاةٌ، ويكونُ الوَقْصُ ما بين المائتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ إلى أرْبَعمائةٍ، وذلك مائةٌ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ. وهذا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، وقولُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها إذا زَادَتْ على ثَلَاثمائةٍ وَاحِدَةً (١)، ففيها أرْبَعُ شِيَاهٍ، ثم لا يَتَغَيَّرُ الفَرْضُ حتى تَبْلُغَ خَمْسَمائةٍ، فيكونُ فى كُلِّ مائةٍ شاةٌ، ويكونُ الوَقْصُ الكَبِيرُ بين ثَلَاثمائةٍ وَوَاحِدَةٍ إلى خَمْسمائةٍ، وهو أيضًا مائةٌ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ، وهذا اخْتِيَارُ أبى بكرٍ. وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، والحسنِ بن صَالِحٍ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ الثَّلَاثَمائة حَدًّا لِلْوَقْصِ، وغَايَةً له، فيَجِبُ أن يَتَعَقَّبَهُ تَغَيُّرُ النِّصَابِ، كالمائتَيْنِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "فإذا زَادَتْ، فَفِى كُلِّ مائةٍ
следующие страницы →