← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

العِلْمِ على هذا، ولأنَّ الجَوَامِيسَ من أنْوَاعِ البَقَرِ، كما أن البَخَاتَى من أَنْوَاعِ الإِبِلِ، فإذا اتَّفَقَ فى المالِ جَوَامِيسُ وصِنْفٌ آخَرُ من البَقَرِ، أو بَخَاتَى وعِرَابٌ، أو مَعْزٌ وضَأْنٌ، كَمَلَ نِصَابُ أحَدِهما بالآخَر، وأُخِذَ الفَرْضُ من أَحَدِهما على قَدْرِ المَالَيْنِ. على ما سَنَذْكُرُه، إن شاءَ اللهُ تعالى. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى بَقَرِ الوَحْشِ، فَرُوِىَ أنَّ فيها الزكاةَ. اخْتَارَهُ أبو بكرٍ؛ لأنَّ اسْمَ البَقَرِ يَشْمَلُها، فيَدْخُلُ فى مُطْلَقِ الخَبَرِ. وعنه لا زكاةَ فيها. وهى أصَحُّ، وهذا قولُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ اسْمَ البَقَرِ عند الإطْلَاقِ لا يَنْصَرِفُ إليها، ولا يُفْهَمُ منه، إذْ كانت لا تُسَمَّى بَقَرًا بدون الإِضَافَةِ، فيقال: بَقَرُ الوَحْشِ. ولأنَّ وُجُودَ نِصَابٍ منها مَوْصُوفًا بصِفَةِ السَّوْمِ حَوْلًا لا وُجُودَ له، ولأنَّها حَيَوَانٌ لا يُجْزِئُ نَوْعُهُ فى الأُضْحِيَةِ والهَدْىِ، فلا تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ، كالظِّبَاءِ، ولأنَّها ليستْ من بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فلا تَجِبُ فيها الزكاةُ، كسائِرِ الوُحُوشِ، وسِرُّ ذلك أن الزكاةَ إنما وَجَبَتْ فى بَهِيمَةِ الأنْعامِ دُونَ غَيْرِها، لِكَثْرَةِ النَّمَاءِ فيها من دَرِّهَا ونَسْلِها، وكَثْرَةِ الانْتِفَاعِ بها، لِكَثْرَتِها وخفَّةِ مَؤُونَتِها، وهذا المَعْنَى مُخْتَصٌّ (١) بها، فاخْتَصَّتِ الزكاةُ بها دُونَ غَيْرِها، ولا تَجِبُ الزَّكَاةُ فى الظِّبَاءِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ اسْم الغَنَمِ لها. فصل: قال أصْحَابُنا: تَجِبُ الزكاةُ فى المُتَوَلِّدِ بين الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ، سَوَاءٌ كانتِ الوَحْشِيَّةُ الفُحُولَ أو الأُمَّهَاتِ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: إن كانتِ الأُمَّهَاتُ أهْلِيَّةً وَجَبَتِ الزكاةُ فيها، وإلَّا فلا؛ لأن وَلَدَ البَهِيمَةِ يَتْبَعُ أُمَّهُ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا زكاةَ فيها؛ لأنَّها مُتَوَلّدَةٌ من وَحْشِىٍّ، أَشْبَهَ المُتَوَلّدَ من وَحْشِيَّيْنِ. واحْتَجَّ أصْحَابُنا بأنَّها مُتَوَلّدَةٌ بين ما تَجِبُ فيه الزكاةُ، وما لا تَجِبُ فيه، فوَجَبَتْ فيها الزكاةُ، كالمُتَوَلّدَةِ بين سَائِمَةٍ ومَعْلُوفَةٍ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ غَنَمَ مَكَّة مُتَوَلّدَةٌ

стр. 1682

بين (٢) الظِّبَاءِ والغَنَمِ، وفيها الزكاةُ بالاتِّفَاقِ، فعلى هذا القَوْلِ تُضَمُّ إلى جِنْسِها من الأَهْلِىِّ فى وُجُوبِ الزكاةِ، وتُكَمّلُ بها نِصَابُه، وتكونُ كأحَدِ أنْوَاعِه، والقَوْلُ بِانْتِفَاءِ الزكاةِ فيها أصَحُّ؛ لأنَّ الأصْلَ انْتِفَاءُ الوُجُوبِ، وإنَّما يثْبُتُ (٣) بِنَصٍّ أو إجْماعٍ أو قِياسٍ، ولا نَصَّ فى هذه ولا إجْماعَ، إنَّما هو فى بَهِيمَةِ الأنْعامِ من الأزْوَاجِ الثَّمانِيَةِ، وليستْ هذه دَاخِلَةً في (٤) اسْمهِا (٥)، ولا حُكْمِها، ولا حَقِيقَتِها، ولا مَعْنَاها؛ فإنَّ المُتَوَلِّدَ بين شَيْئَيْنِ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ وجنْسِه وحُكْمِه عنهما، كالبَغْلِ المُتَوَلِّدِ بين الفَرَسِ والحِمَارِ، والسِّمْعِ (٦) المُتَوَلِّدِ بين الذِّئْبِ والضَّبُعِ، والعِسْبار (٧) المُتَوَلِّدِ بين الضِّبعَانِ والذِّئبة، فكَذَلِكَ المُتَوَلِّدُ بين [الظِّبَاءِ والمَعْزِ ليس بِمَعْزٍ] (٨) ولا ظَبْى، ولا يَتَنَاوَلُه نُصُوصُ الشَّارِعِ، ولا يُمْكِنُ قِياسُه عليها، لِتَبَاعُدِ ما بَيْنَهما، واخْتِلَافِ حُكْمِهِما، فى كَوْنِه لا يُجْزِئ فى هَدْىٍ ولا أُضْحِيَةٍ ولا دِيَةٍ، ولو أسْلَمَ (٩) فى الغَنَمِ لم يَتَنَاوَلْهُ العَقْدُ، ولو وَكَّلَ وَكِيلًا فى شِرَاءِ شاةٍ، لم يَدْخُلْ فى الوَكَالَةِ، ولا يَحْصُلُ منه ما يَحْصُلُ من الشِّياهِ (١٠)؛ من الدَّرِّ، وكَثْرَةِ النَّسْلِ، بل الظَّاهِرُ أنَّه لا نَسْلَ (١١) له أصْلًا، فإن المُتَوَلّدَ بين شَيْئَيْن (١٢) لا نَسْلَ له كالبِغالِ، وما لا نَسْلَ له لا دَرَّ فيه، فامْتَنَعَ القِياسُ، ولم يَدْخُلْ فى نَصٍّ ولا

стр. 1683

إجْماعٍ، فإيجابُ الزكاةِ فيها تَحَكُّمٌ بالرَّأْىِ. وإن (١٣) قِيلَ: تَجِبُ الزكاةُ احْتِيَاطًا وتَغْلِيبًا لِلإيجَابِ، كما أَثْبَتْنا التَّحْرِيمَ فيها فى الحَرَمِ والإحْرَامِ احْتِيَاطًا. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الوَاجِباتِ لا تَثْبُتُ احْتِيَاطًا بالشَّكِّ، ولهذا لا تَجِبُ الطَّهَارَةُ على مَن تَيَقَّنَها، وشَكَّ فى الحَدَثِ، ولا غيرِها من الوَاجِبَاتِ. وأمَّا السَّوْمُ والعَلَفُ فالاعْتِبَارُ فيه بما تَجِبُ فيه الزكاةُ، لا بِأصْلِه الذى تَوَلَّدَ منه، بِدَلِيلِ أَنَّه لو عَلَفَ المُتَوَلِّدَ مِن السَّائِمَةِ لم تَجِبْ زَكَاتُه، ولو أسَامَ أولادَ المَعْلُوفَةِ، لوَجَبَتْ زكاتُها. وقولُ مَن زَعَمَ أنَّ غَنَمَ مَكَّةَ مُتَوَلّدَةٌ من الغَنَمِ والظِّبَاءِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّها لو كانتْ كذلك لَحُرِّمَتْ فى الحَرَمِ والإحْرامِ، وَوَجَبَ فيها (١٤) الجَزَاءُ، كسائِرِ المُتَوَلِّدِ بين الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ، ولأنَّها لو كانتْ كذلك (١٥) مُتَوَلّدَةً من جِنْسَيْنِ، لما كان لها نَسْلٌ كالسَّمْعِ (١٦) والبِغالِ.

стр. 1684

بابُ صَدَقَةِ الغَنَمِ وهى وَاجِبَةٌ بالسُّنَّةِ، والإجْماعِ؛ أما السُّنَّةُ فما رَوَى أنَسٌ، فى كتابِ أبى بكرٍ، الذى ذَكَرْنَا أوَّلَهُ (١)، قال: "وَفِى صَدَقَةِ الغَنَمِ فى سَائِمَتِهَا، إذَا كَانَتْ أرْبَعِينَ إلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ، شَاةٌ، فإذا زَادَتْ عَلَى [عِشرين ومائةٍ إلى مِائتيْن، ففيها شاتان، فإذا زادتْ على] (٢) مائتَيْنِ إلى ثَلَاثمائةٍ، فَفِيها ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإذَا زَادَتْ على ثَلَاثمائةٍ، فَفِى كُلِّ مائةٍ شَاةٌ، وإذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً من أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أن يَشَاءَ رَبُّهَا، ولا يُخْرِجُ فى الصَّدَقَةِ هَرِمَةً، ولا ذَاتَ عُوَارٍ، ولا تَيْسًا، إلَّا ما شَاءَ المُصَدِّقُ". وأخْبَارٌ (٣) سِوَى هذا كَثِيرٌ، وأجْمَعَ العُلَمَاءُ على وُجُوبِ الزكاةِ فيها. ٤٠٥ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (ولَيْسَ فِيمَا دُونَ أرْبَعِينَ من الغَنَمِ سَائِمَةً صَدَقَةٌ، فإذا مَلَكَ أرْبَعِينَ من الغَنَمِ، فأسَامَها أكْثَرَ السَّنَةِ، ففِيها شَاةٌ، إلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ، فإذا زَادَتْ وَاحِدَةً، ففيها شَاتَانِ إلى مائتَيْنِ، فإذا زَادَتْ وَاحِدةً، ففيها ثَلَاثُ شِيَاهٍ) وهذا كُلُّه مُجْمَعٌ عليه. قال (١) ابنُ المُنْذِرِ: إلَّا المَعْلُوفَةَ فى أقَلَّ من نِصْفِ الحَوْلِ، على ما ذَكَرْنا من الخِلَافِ فيه (٢). وحُكِىَ عن مُعَاذٍ، رَضِىَ اللهُ عنه،

стр. 1685

أنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بعد المائةِ وإحْدَى (٣) وعِشْرِينَ، حتى تَبْلُغَ مائتَيْنِ واثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ، ليَكُونَ مِثْلَىْ مائَةٍ وإحْدَى وعِشْرِينَ. ولا يَثْبُتُ عنه. وَرَوَى سَعِيدٌ، عن خَالِد، عن (٤) مُغِيرَةَ، عن الشَّعْبِىِّ، عن مُعَاذٍ، قال: كان إذا بَلَغَ (٥) الشِّيَاهُ مائتَيْنِ لم يُغَيِّرْهَا، حتى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ ومائتَيْنِ، فيَأْخُذَ منها ثَلَاثَ شِيَاهٍ، فإذا بَلَغَتْ ثَلَاثَمائةٍ، لم يُغَيِّرْهَا، حتى تَبْلُغ أرْبَعِينَ وثَلَاثَمائةٍ، فَيأخُذَ منها أرْبَعًا. ولَفْظُ الحَدِيثِ الذى ذَكَرْنَاهُ دَلِيلٌ عليه، والإجْمَاعُ على خِلَافِ هذا القَوْلِ دَلِيلٌ على فَسَادِهِ، والشَّعْبِىُّ لم يَلْقَ مُعَاذًا. ٤٠٦ - مسألة؛ قال: (فَإذَا زَادَتْ فَفِى كُلِّ مائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) ظَاهِرُ هذا القَوْلِ أنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بعد المائتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ، حتى يَبْلُغَ أرْبَعمائةٍ، فيَجِبُ فى كُلِّ مائةٍ شَاةٌ، ويكونُ الوَقْصُ ما بين المائتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ إلى أرْبَعمائةٍ، وذلك مائةٌ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ. وهذا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، وقولُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها إذا زَادَتْ على ثَلَاثمائةٍ وَاحِدَةً (١)، ففيها أرْبَعُ شِيَاهٍ، ثم لا يَتَغَيَّرُ الفَرْضُ حتى تَبْلُغَ خَمْسَمائةٍ، فيكونُ فى كُلِّ مائةٍ شاةٌ، ويكونُ الوَقْصُ الكَبِيرُ بين ثَلَاثمائةٍ وَوَاحِدَةٍ إلى خَمْسمائةٍ، وهو أيضًا مائةٌ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ، وهذا اخْتِيَارُ أبى بكرٍ. وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، والحسنِ بن صَالِحٍ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ الثَّلَاثَمائة حَدًّا لِلْوَقْصِ، وغَايَةً له، فيَجِبُ أن يَتَعَقَّبَهُ تَغَيُّرُ النِّصَابِ، كالمائتَيْنِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "فإذا زَادَتْ، فَفِى كُلِّ مائةٍ

стр. 1686

شَاةٌ" (٢). وهذا يَقْتَضِى أن لا يَجِبَ فى دُونِ المائةِ شىءٌ، وفى كِتَابِ الصَّدَقَاتِ الذى كان عند آل عمرَ بن الخَطَّابِ: "فَإذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثمائةٍ وَوَاحِدَةٍ، فَلَيْسَ فِيهَا شَىْءٌ، حَتَّى تَبْلُغَ أرْبَعَمائةِ شَاةٍ (٣)، فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ" (٤). وهذا نَصٌّ لا يجوزُ خِلَافُه إلَّا بِمِثْلِه، أو أقْوَى منه، وتَحْدِيدُ النِّصابِ لاسْتِقْرَارِ الفَرِيضَةِ، لا لِلْغَايَةِ، واللهُ أعلمُ. ٤٠٧ - مسألة؛ قال: (ولا يُؤْخَذُ فى الصَّدَقَةِ تَيْسٌ، ولا هَرِمَةٌ، ولا ذَاتُ عُوَارٍ) ذاتُ العُوَارِ: المَعِيبَةُ. وهذه الثَّلَاثُ لا تُؤْخَذُ لِدَنَاءتِها، فإنَ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١). وقال النبىُّ ﷺ : "ولا يُخْرَجُ فى الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، ولا ذَاتُ عُوَارٍ، ولا تَيْسٌ، إلَّا مَا شَاءَ المُصَدِّقُ" (٢). وقد قِيلَ: لا يُؤْخَذُ تَيْسُ الغَنَمِ، وهو فَحْلُها لِفَضِيلَتِه. وكان أبو عُبَيْدٍ يَرْوِى الحَدِيثَ (٣): "إلَّا مَا شَاءَ المُصَدَّقُ". بِفَتْحِ (٤) الدَّالِ. يَعْنِى صَاحِبَ المالِ، فعلى هذا يكونُ الاسْتِثْنَاءُ فى الحَدِيثِ رَاجِعًا إلَى التَّيْسِ وَحْدَهُ. وذَكَرَ الخَطَّابِىُّ (٥) أنَّ جَمِيعَ الرُّوَاةِ يُخَالِفُونَه فى هذا، فيَرْوُونَهُ: "المُصَدِّقُ" بِكَسْرِ الدَّالِ. أى العَامِلُ. وقال: التَّيْسُ لا يُوخَذُ؛ لِنَقْصِه، وفَسَادِ لَحْمِهِ، وكَوْنِه ذَكَرًا، وعلى هذا لا يَأْخُذُ (٦)

стр. 1687

المُصَدِّقُ، وهو السَّاعِى، أحَدَ هذه الثلاثةِ، إلَّا أن يَرَى ذلك، بأن يكونَ جَمِيعُ النِّصَابِ من جِنْسِه، فيكونُ له أن يَأْخُذَ من جِنْسِ المالِ، فيأْخُذُ هَرِمَةً، وهى الكَبِيرَةُ من الهَرِمَاتِ، وذَاتَ عُوَارٍ من أَمْثَالِها، وَتَيْسًا من التُّيُوسِ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: إن رَأى المُصَدِّقُ أنَّ أخْذَ هذه الثَّلاثةِ خَيْرٌ له، وأنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، فله أخْذُهُ؛ لِظَاهِرِ الاسْتِثْنَاءِ. ولا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّه ليس له أخْذُ الذَّكَرِ فى شىءٍ من الزكاةِ، إذا كان فى النِّصَابِ إنَاثٌ، فى غيرِ أتْبِعَةِ البَقَرِ وابنِ اللَّبُونِ، بَدَلًا عن بِنْتِ مَخَاضٍ إذا عَدِمَها. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ إخْرَاجُ الذَّكَرِ من الغَنَمِ الإناثِ؛ لِقَوْلِه ﷺ "فى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" (٧). ولَفْظُ الشَّاةِ يَقَعُ على الذَّكَرِ والأُنْثَى، ولأنَّ الشَّاةَ إذا أُمِرَ بها مُطْلَقًا، أجْزَأَ فيها الذَّكَرُ، كالأُضْحِيَةِ والهَدْىِ. ولنَا، أنَّه حيوانٌ تَجِبُ الزكاةُ فى عَيْنِه، فكانتِ الأُنُوثَةُ (٨) مُعْتَبَرَةً فى فَرْضِه، كالإِبِلِ، والمُطْلَقُ يَتَقَيَّدُ بالقِيَاسِ على سائِرِ النُّصُبِ، والأُضْحِيَةُ غير مُعْتَبَرَةٍ بالمالِ، بِخِلافِ مَسْأَلَتِنا. فإن قيل: فما فائِدَةُ [تَخْصِيصِ التَّيْسِ] (٩) بالنَّهْىِ إذًا؟ قُلْنا: لأنَّه لا يُوْخَذُ عن الذُّكُورِ أيضًا، فلو مَلَكَ أرْبَعِينَ ذَكَرًا، وفيها تَيْسٌ مُعَدٌّ لِلضِّرَابِ، لم يَجُزْ أَخْذُهُ؛ إمَّا لِفَضِيلَتِه، فإنَّه لا يُعَدُّ لِلضِّرابِ إلَّا أفْضَلُ الغَنَمِ وأعْظَمُها، وإمَّا [لِدَناءتِه وفَسادِ] (١٠) لَحْمِهِ. ويجوزُ أن يُمْنَعَ مِن أخْذِه لِلْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا. وإن كان النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، جازَ إخْرَاجُ الذَّكَرِ فى الغَنَمِ وَجْهًا وَاحِدًا، وفى البَقَرِ فى أصَحّ الوجْهَيْنِ، وفى الإبِلِ وَجْهانِ. والفَرْقُ بين النُّصُبِ الثَّلَاثَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَصَّ على الأُنْثَى فى فَرَائِض الإِبِلِ والبَقَرِ، وأَطْلَقَ الشَّاةَ الوَاجِبَةَ، وقال فى الإِبِلِ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ بِنْتَ

стр. 1688

مَخَاضٍ، أخْرَجَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا" (١١). ومن حيثُ المَعْنَى أنَّ الإِبِلَ يَتَغَيَّرُ (١٢) فَرْضُها بِزِيَادَةِ السِّنِّ، فإذا جَوَّزْنا إخْرَاجَ الذَّكَرِ أفْضَى إلى التَّسْوِيَةِ بين الفَرِيضَتَيْنِ، لأنَّه يُخْرِجُ ابْنَ لَبُونٍ عن خَمْسٍ وعِشْرِينَ، ويُخْرِجُهُ عن سِتَّةٍ وثَلَاثِينَ، وهذا المَعْنَى يَخْتَصُّ الإِبِلَ. فإن قِيلَ: فالبَقَرُ أيضا يَأْخُذُ منها تَبِيعًا عن ثَلَاثِينَ، وتَبِيعًا عن أرْبَعِينَ إذا كانت أتْبِعَةً كُلَّها، وقُلْنَا: تُؤْخَذُ الصَّغِيرَةُ عن الصِّغَارِ. قُلْنَا: هذا يَلْزَمُ (١٣) مِثْلُه فى إخْرَاجِ الأُنْثَى، فلا فَرْقَ، ومن جَوَّزَ إخْرَاجَ الذَّكَرِ فى الكُلِّ، قال: يَأْخُذُ ابْنَ لَبُونٍ من خَمْسٍ وعِشْرِينَ، قِيمَتهُ دُونَ قِيمَةِ ابن لَبُونٍ يَأْخُذُهُ من سِتَّةٍ وثَلَاثِينَ، ويكونُ بَيْنَهُما فى القِيمَةِ كما بينَهما فى العَدَدِ، ويكونُ الفَرْضُ بِصِفَةِ المَالِ، وإذا اعْتَبَرْنَا القِيمَةَ لم يُؤَدِّ إلى التَّسْوِيَةِ، كما قُلْنَا فى الغَنَمِ. فصل: ولا يجوزُ إخْرَاجُ المَعِيبَةِ عن الصِّحَاحِ، وإن كَثُرَتْ قِيمَتُها؛ للنَّهْىِ (١٤) عن أخْذِها، ولما فيه من الإضْرَارِ بالفُقَرَاءِ، ولهذا يَسْتَحِقُّ رَدَّها [فى البَيْعِ] (١٥) وإن كَثُرَتْ قِيمَتُها. وإن كان فى النِّصَابِ صِحَاحٌ ومِرَاضٌ، أخْرَجَ صَحِيحَةً، قِيمَتُها (١٦) على قَدْرِ قِيمَةِ المالَيْنِ، فإن كان النِّصَابُ كُلُّه مِرَاضًا إلا مِقْدَارَ الفَرْضِ، فهو مُخَيَّرٌ بين إخْرَاجِهِ، وبين شِرَاءِ فَرِيضَةٍ (١٧) قَلِيلَة القِيمَةِ فيُخْرِجُها، ولو كانتِ الصَّحِيحَةُ غيرَ الفَرِيضَةِ بِعَدَدِ الفَرِيضَةِ، مثل مَن وَجَبَ عليه ابْنَتَا لَبُونٍ، وعندَه حُوَارَانِ صَحِيحانِ، [كان عليه شِرَاءُ صَحِيحَتَيْنِ] (١٨)، فيُخْرِجُهما. وإن

стр. 1689

وَجَبَتْ عليه حِقَّتَانِ وعندَه ابْنَتَا لَبُونٍ صَحِيحَتَانِ، خُيِّرَ بين إخْرَاجِهِما مع الجُبْرَانِ، وبين شِرَاءِ حِقَّتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ على قَدْرِ قِيمَةِ المالِ. وإن كان عِنْدَهُ جَذَعَتَانِ صَحِيحَتانِ، فله إخْرَاجُهما مع أخْذِ الجُبْرَانِ. وإن كانت عليه حِقَّتَانِ ونِصْفُ مَالِه صَحِيحٌ ونِصْفُهُ مَرِيضٌ، فقال ابْنُ عَقِيلٍ: له إخْرَاجُ حِقَّةٍ صَحِيحَةٍ، وحِقَّةٍ مَرِيضَةٍ؛ لأنَّ النِّصْفَ الذى يَجِبُ فيه إحْدَى الحِقَّتَيْنِ مَرِيضٌ كُلُّهُ. والصَّحِيحُ فى المذهبِ خِلَافُ هذا؛ لأنَّ فى مَالِه صَحِيحًا ومَرِيضًا، فلم يَمْلِكْ إخْرَاجَ مَرِيضَةٍ، كما لو كان نِصَابًا وَاحِدًا، ولم يتعَيَّنِ (١٩) النِّصْفُ الذى وَجَبَتْ فيه الحِقَّةُ فى المِرَاضِ، وكذلك لو كان لِشَرِيكَيْنِ، لم يَتَعَيَّنْ حَقُّ أَحَدِهما فى المِرَاضِ دُونَ الآخَرِ. وإن كان النِّصَابُ مِرَاضًا كلُّه، فالصَّحِيحُ فى المذهبِ جَوَازُ إخْرَاجِ الفَرْضِ منه، ويَكُونُ وَسَطًا فى القِيمَةِ، [ولا اعْتبار] (٢٠) بقِلَّةِ العَيْبِ وكَثْرَتِه؛ لأنَّ القِيمَةَ تَأْتِى على ذلك. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ. وقال مَالِكٌ: إن كانتْ كُلُّهَا جَرْبَاءَ أخْرَجَ جَرْبَاءَ، وإن كانت كُلُّها هَتْمَاءَ كُلِّفَ شِرَاءَ صَحِيحَةٍ. وقال أبو بكرٍ: لا تُجْزِئُ إلَّا صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ أحمدَ، قال: لا يُؤْخَذُ إلَّا ما يجوزُ فى الأضاحِى، ولِلنَّهْىِ عن أَخْذِ ذَاتِ العُوَارِ، فعَلى هذا يُكَلَّفُ شِرَاءَ صَحِيحَةٍ بِقَدْرِ قِيمَةِ المَرِيضَةِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "إيَّاكَ وكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" (٢١) وقال: "إنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، ولم يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٢٢)، ولأنَّ مَبْنَى الزَّكاةِ على المُواساةِ، وتَكْلِيفُ الصَّحِيحَةِ عن المِرَاضِ إخْلَالٌ بِالمُوَاساةِ، ولهذا يَأْخُذُ من الرَّدِىءِ مِن الحُبُوبِ والثِّمَارِ من جِنْسِه، ويأْخُذُ من اللِّئَامِ والهِزَالِ من المَوَاشِى من جِنْسِه، كذا هاهُنا. وقد ذَكَرْنَا

стр. 1690

أنَّ الاسْتِثْناءَ فى الحَدِيثِ يَدُلُّ على جَوازِ إخْرَاجِ المَعِيبَة فى بعضِ الأحْوَالِ، أو نَحْمِلُه على ما إذا كان فيه صَحِيحٌ، فإنَّ الغَالِبَ الصِّحَّةُ، وإن كان جَمِيعُ النِّصابِ مَرِيضًا إلَّا بَعْضَ الفَرِيضَةِ، أخْرَجَ الصَّحِيحَةَ، وتَمَّمَ الفَرِيضَةَ من المِرَاضِ على قَدْرِ المالِ، ولا فَرْقَ فى هذا بين الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، والحُكْمُ فى الهَرِمَةِ كالحُكْمِ فى المَعِيبَةِ سَوَاءٌ. ٤٠٨ - مسألة؛ قال: (ولا الرُّبَّى، ولا المَاخِضُ، ولا الأكُولَةُ) قال أحمدُ: الرُّبَّى التى قد (١) وَضَعَتْ وهى تُرَبِّى وَلَدَها. يَعنى قَرِيبَةَ العَهْدِ بالوِلادةِ. تَقُولُ العَرَبُ، فى رِبابِهَا (٢). كما تَقُولُ: فى نِفَاسِهَا. قال الشاعر: • حَنِينَ أُمِّ الْبَوِّ فى رِبَابِهَا (٣) • قال أحمدُ: والمَاخِضُ التى قد حانَ وِلادُها، فإن كان فى بَطْنِها وَلَدٌ لم يَحِنْ وِلادُها، فهى خَلِفَةٌ. وهذه الثَّلَاثُ لا تُؤْخَذُ لحقِّ رَبِّ المالِ. قال عُمَرُ لِسَاعِيهِ: لَا تَأْخُذِ الرُّبَّى ولَا الماخِضَ، ولا الأَكُولَةَ، ولا فَحْلَ الغَنَمِ. وإن تَطَوَّعَ رَبُّ المالِ بإخْرَاجِها جازَ أخْذُها، وله ثَوَابُ الفَضْلِ، على ما ذَكَزْنا فى حَدِيثِ أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ (٤). وإذا ثَبَتَ هذا، وأنَّه مُنِعَ من أخْذِ الرَّدِىءِ من أجْلِ الفُقَرَاءِ، ومن أخْذِ كَرَائِمِ الأمْوَالِ من أجْلِ أرْبَابِه، ثَبَتَ أنَّ الحَقَّ فى الوَسَطِ من المالِ. قال الزُّهْرِىُّ: إذا جَاءَ المُصَدِّق قَسَّمَ الشِّيَاهَ أَثْلَاثًا: ثُلُثٌ خِيَارٌ، وثُلُثٌ أوْسَاطٌ، وثُلُثٌ شِرَارٌ،

стр. 1691

وأَخَذَ المُصَدِّقُ من الوَسَطِ (٥). وَرُوِىَ نحوُ هذا عن عمرَ (٥)، رَضِىَ اللهُ عنه، وقالَه إمَامُنا (٦)، وذَهَبَ إليه. والأحَادِيثُ تَدُلُّ على هذا، فرَوَى أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ (٧)، بإسْنَادِهِمَا عن [سَعْر بن دَيْسَم] (٨)، قال: كُنْتُ فى غَنَمٍ لى، فَجَاءَنِى رَجُلَانِ علَى بَعِيرٍ، فقالا: إنَّا رسولَا رسولِ اللهِ ﷺ إليك، لِتُؤَدِّىَ إلينا صَدَقَةَ غَنَمِكَ، قلتُ: وَمَا عَلَىَّ فيها؟ قالا: شَاةٌ. فأَعْمَدُ إلى شَاةٍ قد عَرَفتُ مَكَانَها مُمْتَلِئَةً مَخْضًا وشَحْمًا، فأخْرجتُها (٩) إليهِما. فقالا: هذه شَافِعٌ، وقد نَهَى (١٠) رسولُ اللهِ ﷺ أن نَأْخُذَ شَاةً شَافِعًا. والشَّافِعُ: الحَامِلُ؛ سُمِّيَتْ بذلك لأنَّ وَلَدَها قد شَفَعَها، والمَخْضُ: اللَّبَنُ. وقال سُوَيْدُ بن غَفَلَةَ: سِرْتُ، أو أخْبَرَنِى من سَارَ، مع مُصَدِّق رَسولِ اللهِ ﷺ ، فإذا فى عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ أنْ لا نَأْخُذَ من رَاضِعِ لَبَنٍ. قال: فكان يَأْتِى المِيَاهَ حِينَ تَرِدُ الغَنَمُ فيَقُولُ: أدُّوا صَدَقَاتِ أَموَالِكُمْ. قال: فعَمَدَ رَجُلٌ منهم إلى نَاقَةٍ كَوْمَاء، وهى العَظِيمَةُ السَّنَامِ، فأَبَى أن يَقْبَلَهَا. رَوَاه أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ (١١). ورَوَى أبو دَاوُدَ (١٢)، بإسْنَادِهِ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه

стр. 1692

قال: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ، وأنَّهُ لَا إلهَ إلَّا هُوَ، وأَعْطَى زَكَاةَ مَالِه طَيِّبَةً بها نَفْسُه، رَافِدَةً عَلَيْه كُلَّ عَامٍ، ولَمْ يُعْطِ الهَرِمَةَ، ولا الدَّرِنَةَ، ولا المَرِيضَةَ، ولا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، ولكنْ مِنْ وَسَطِ أمْوَالِكُمْ، فإنَّ اللهَ لَمْ يَسْأَلْكُم خَيْرَهُ، ولَمْ يَأْمُرْكُم بِشَرِّهِ". رَافِدَةً: يعنى (١٣) مُعِينَةً (١٤)، والدَّرنة: الجَرْبَاءُ، والشَّرَطُ: رُذَالَةُ المالِ. ٤٠٩ - مسألة؛ قال: (وتُعَدُّ عَلَيْهِمُ السَّخْلَةُ، ولَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ) السَّخْلَةُ، بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِهَا: الصَّغِيرَةُ من أوْلَادِ المَعْزِ. وجُمْلَتُه أنَّه متى كان عندَه نِصَابٌ كَامِلٌ، فنَتَجَتْ منه سِخَالٌ فى أثْناء الحَوْلِ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فى الجَمِيعِ عندَ تَمَامِ حَوْلِ الأُمَّهَاتِ، فى قَوْلِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن الحسنِ، والنَّخَعِىِّ: لا زَكَاةَ فى السِّخَالِ حتى يَحُولَ عليها الحَوْلُ. ولِقَوْلِه ﵇: "لَا زَكَاةَ فى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ" (١). ولنَا، ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال لِسَاعِيه: اعْتَدَّ عليهم بالسَّخْلَةِ، يَرُوحُ بها الرَّاعِى على يَدَيْهِ، ولا تَأْخُذْها منهم (٢). وهو مَذهبُ علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، ولا نَعْرِفُ لهما فى عَصْرِهما مُخَالِفًا، فكان إجْمَاعًا، ولأنَّه نَمَاءُ نِصَابٍ، فيَجِبُ أن يُضَمَّ إليه فى الحَوْلِ، كأمْوَالِ التِّجَارَةِ، والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بمالِ التِّجَارَةِ، فنَقِيسُ عليه. فأمَّا إن لم يَكْمُلِ

стр. 1693

النِّصَابُ إلَّا بالسِّخَالِ، احْتُسِبَ الحَوْلُ من حِين كَمَلَ النِّصَابُ، فى الصَّحِيحِ من المذهبِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُعْتَبرُ حَوْلُ الجَمِيعِ من حِين مَلَكَ الأُمَّهَاتِ. وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لأنَّ الاعْتِبَارَ بِحَوْلِ الأُمَّهَاتِ دُونَ السِّخَالِ فيما إذا كانَتْ نِصَابًا، وكذلك إذا لم تكنْ نِصَابًا. ولَنا، أنَّه لم يَحُلِ الحَوْلُ على نِصابٍ، فلم تَجِبِ الزكاةُ فيها، كما لو كَمَلَتْ بغيرِ سِخَالِها، أو كمالِ التِّجَارَةِ، فإنَّه لا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فيه. وإن نُتِجَتِ السِّخَالُ بعد الحَوْلِ، ضُمَّتْ إلى أُمَّهَاتِها فى الحَوْلِ الثَّانِى وَحْدَه. والحُكْمُ فى فُصْلَانِ الإِبِلِ، وعُجُولِ البَقَرِ، كالحُكْمِ فى السِّخَالِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ السَّخْلَةَ لا تُؤْخَذُ فى الزكاةِ، لما قَدَّمْنا من قَوْلِ عمرَ، ولما سَنَذْكُرُه فى المَسْألةِ التى تَلِى هذه، ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، إلَّا أن يكونَ النِّصابُ كُلُّه صِغارًا، فيَجُوزُ أَخْذُ الصَّغِيرَةِ فى الصَّحِيحِ من المذهبِ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذلك، بأن يُبَدِّلَ كِبَارًا بِصِغَارٍ فى أثْنَاءِ الحَوْلِ، أو يكونَ عندَه نِصَابٌ من الكِبَارِ، فتَوَالَدَ نِصَابٌ من الصِّغَارِ، ثم تموتُ الأُمَّهَاتُ، ويحولُ الحَوْلُ على الصِّغارِ. وقال أبو بكرٍ: لا يُؤْخَذُ أيضا إلَّا كَبِيرَةٌ تُجْزِئُ فى الأُضْحِيَةِ. وهو قولُ مَالِكٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّما حَقُّنَا فى الجَذَعَةِ أو الثَّنِيَّةِ" (٣). ولأنَّ زِيَادَةَ السِّنِّ فى المالِ لا يَزِيدُ به الوَاجِبُ (٤)، كذلك نُقْصَانُه لا يَنْقُصُ به. ولَنا، قَوْلُ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه: وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِى عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَها إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، لَقَاتَلْتُهُمْ عليها (٥). فَدلَّ (٦) على أَنَّهُم كانُوا يُؤَدُّونَ العَنَاقَ، ولأنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ من غيرِ اعْتِبَارِ قِيمَتِه، فيَجِبُ أن يَأْخُذَ من عَيْنِه، كسَائِرِ الأمْوَالِ، والحَدِيثُ مَحْمُولٌ على ما (٧) فيه كِبَارٌ. وأما زِيَادَةُ

стр. 1694

السِّنِّ، فليس (٨) تَمْنَعُ (٩) الرِّفْقَ بالمالِكِ فى المَوْضِعَيْنِ، كما أنَّ ما دُونَ النِّصَابِ عَفْوٌ، وما فَوْقَه عَفْوٌ، وظاهرُ قَوْلِ أصْحَابِنا أنَّ الحُكْمَ فى ال فُصْلَ انِ والعُجُولِ، كالحُكْمِ فى السِّخَالِ؛ لما ذَكَرْنا فى الغَنَمِ، ويكونُ التَّعْدِيلُ بالقِيمَةِ مكانَ زِيَادَةِ السِّنِّ، كما قُلْنا فى إخْرَاجِ الذَّكَرِ من الذُّكُورِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ إخْرَاجُ الفُصْلَانِ والعُجُولِ، وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، كَيْلَا يُفْضِى إلى التَّسْوِيَةِ بين الفُرُوضِ، فإنَّه يُفْضِى إلى إخْرَاجِ ابْنَةِ المَخَاضِ عن خَمْسٍ وعِشْرِينَ، وسِتٍّ وثَلَاثِينَ، وسِتٍّ وأَرْبَعِينَ، وإحْدَى وسِتِّينَ، ويُخْرِجُ ابْنَتَىِ اللَّبُونِ عن سِتٍّ وسَبْعِينَ، وإحْدَى وتِسْعِينَ، ومائةٍ وعِشْرِينَ، ويُفْضِى إلى الانْتِقَالِ من ابْنَةِ اللَّبُونِ الوَاحِدَة من إحْدَى وسِتِّينَ، إلى اثْنَتَيْنِ فى سِتٍّ وسَبْعِينَ، مع تَقَارُبِ الوَقْصِ بينهما، وبَيْنَهما فى الأصْلِ أَرْبَعُونَ، والخَبَرُ وَرَدَ فى السِّخَالِ، فيَمْتَنِعُ قِيَاسُ الفُصْلَانِ والعُجُولِ عليه (١٠)؛ لما بَيْنَهما من الفَرْقِ. فصل: وإن مَلَكَ نِصَابًا من الصِّغَارِ، انْعَقَدَ عليه حَوْلُ الزكاةِ من حِينَ مَلَكَهُ. وعن أَحمدَ، لا يَنْعَقِدُ عليه الحَوْلُ حتى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ مثلُه فى الزكاةِ. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ. وحُكِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "لَيْسَ فىِ السِّخَالِ زَكَاةٌ". وقال: "لَا تَأْخُذْ مِنْ رَاضِعِ (١١) لَبَنٍ" (١٢). ولأنَّ السِّنَّ مَعْنًى يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ، فكان لِنُقْصَانِه تَأْثِيرٌ فى الزكاةِ، كالعَدَدِ. ولَنا، أنَّ السِّخَالَ تُعَدُّ مع غيرِها، فَتُعَدُّ مُنْفَرِدَةً، كالأُمَّهَاتِ، والخَبَر يَرْوِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِىُّ، وهو ضَعِيفٌ، عن الشَّعْبِىِّ، مُرْسَلًا، ثم هو مَحْمُولٌ على أنَّه لا تَجِبُ فيها قبلَ

стр. 1695

حَوْلِ (١٣) الحَوْلِ، والعَدَدُ تَزيدُ الزكاةُ بِزِيَادَتِه، بِخلَافِ السِّنِّ، فإذا قُلْنا بهذه الرِّوَايَةِ، فإذا ماتَتِ الأُمَّهَاتُ إلَّا وَاحِدَةً، لم يَنْقَطِعِ الحَوْلُ، وإن ماتَتْ كلُّها، انْقَطَعَ الحَوْلُ. ٤١٠ - مسألة؛ قال: (ويُؤْخَذُ مِنَ الْمَعْزِ الثَّنِيُّ، ومِنَ الضَّأْنِ الجَذَعُ) وجُمْلَتُه أَنَّه لا يُجْزِئُ فى صَدَقَةِ الغَنَمِ إلَّا الجَذَعُ من الضَّأْنِ، وهو ما لَه سِتَّةُ أَشْهُرٍ، والثَّنِىُّ من المَعْزِ، وهو ما لَه سَنَةٌ. فإنْ تَطَوَّعَ المالِكُ بِأَفْضَلَ منهما (١) فى السِّنِّ جَازَ، فإن كان الفَرْضُ فى النِّصَابِ أَخَذَهُ، وإن كان كُلُّه فَوْقَ الفَرْضِ خُيِّرَ المالِكُ بين دَفْعِ وَاحِدَةٍ منه، وبين شِرَاءِ الفَرْضِ فيُخْرِجُه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عنه: لا يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِيَّةُ منهما جَمِيعًا؛ لأنَّهما نَوْعَا جِنْسٍ، فكان الفَرْضُ منهما وَاحِدًا، كأنْوَاعِ الإِبِلِ والبَقَرِ. وقال مَالِكٌ: تُجْزِئُ الجَذَعَةُ منهما؛ لذلك، ولِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّمَا حَقُّنَا فى الجَذَعَةِ والثَّنِيَّةِ" (٢). ولَنا، على جَوَازِ إخْرَاجِ الجَذَعَةِ من الضَّأنِ مع هذا الخَبَرِ، قَوْلُ سِعْر ابن دَيْسَم: أَتَانِى رَجُلَانِ على بَعِيرٍ، فقالا: إنَّا رسولَا رَسولِ اللهِ ﷺ إليكَ، لِتُؤَدِّىَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ. قلتُ: فَأىَّ شىءٍ تَأْخُذَانِ؟ قالا: عَنَاقٌ، جَذَعَةٌ أو ثَنِيَّةٌ. أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (٣). ولَنا [على مالكٍ؛ ما رَوَى] (٤) سُوَيْدُ بن غَفَلَةَ، قال: أتَانَا مُصَدِّقُ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقال: أُمِرْنَا أنْ نَأْخُذَ الجَذَعَةَ من الضَّأْنِ، والثَّنِيَّةَ من المَعْزِ (٥). وهذا صَرِيحٌ، وفيه بَيَانُ المُطْلَقِ فى الحَدِيثَيْنِ قبلَه، ولأنَّ جَذَعَةَ الضَّأْنِ

стр. 1696

تُجْزِئُ فى الأُضْحِيَةِ، بخِلَافِ جَذَعَة المَعْزِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ لأبِى بُرْدَةَ بن نِيَار، فى جَذَعَة المَعْزِ: "تُجْزِئُكَ، ولا تُجْزِئُ عن أحَدٍ بَعْدَكَ" (٦). قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ: إنَّما أجْزَأَ الجَذَعُ من الضَّأْنِ، لأنَّه يَلْقَحُ، والمَعْزُ لا يَلْقَحُ إلَّا إذا كان ثَنِيًّا. ٤١١ - مسألة؛ قال: (فإنْ كَانَتْ عِشْرِينَ ضَأْنًا، وعِشْرِينَ مَعْزًا، أخَذَ مِن أَحَدِهِمَا ما يكونُ قِيمَتُهُ نِصْفَ شَاةِ ضَأْنٍ ونِصْفَ مَعْزٍ) لا نَعْلَمُ خِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ فى ضَمِّ أنْوَاعِ الأجْنَاسِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فى إيجَابِ الزَّكَاةِ، وقال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ من نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على ضَمِّ الضَّأْنِ إلى المَعْزِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يُخْرِجُ الزكاةَ من أىِّ الأنْوَاعِ أحَبَّ، سَوَاءٌ دَعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك، بأنْ يكونَ الوَاجِبُ وَاحِدًا، أو لا يكونَ أحَدُ النَّوْعَيْنِ مُوجِبًا لِوَاحِدٍ، أو لم يَدْعُ، بأنْ يكونَ كُلُّ وَاحِدٍ من النَّوْعَيْنِ يَجِبُ فيه فَرِيضَةٌ كامِلَةٌ. وقال عِكْرِمَةُ، ومالِكٌ، وإسحاقُ: يُخْرِجُ من أَكْثَر العَدَدَيْنِ، فإن اسْتَوَيَا أخْرَجَ من أيِّهِما شاءَ. وقال الشَّافِعِىُّ: القِيَاسُ أن يَأْخُذَ من كُلِّ نَوْعٍ ما يَخُصُّهُ. اخْتَارَهُ ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّها أَنْوَاعٌ تَجِبُ فيها الزكاةُ، فتَجِبُ زَكَاةُ كُلِّ نَوْعٍ منه، كأنْوَاعِ الثَّمَرَةِ والحُبُوبِ. ولَنا، أنَّهما نَوْعَا جِنْسٍ من المَاشِيَةِ، فجازَ الإخْرَاجُ من أيِّهِما شاءَ، كما لو اسْتَوَى العَدَدَانِ، وكالسِّمَانِ والمَهَازِيلِ، وما ذَكَرَهُ الشَّافِعِىُّ يُفْضِى إلى تَشْقِيصِ الفَرْضِ، وقد عُدِلَ إلى غَيْرِ الجِنْسِ فيما دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ من أجْلِهِ، فالعُدُولُ إلى النَّوْعِ أوْلَى. فإذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يُخْرِجُ من أحَدِ النَّوْعَيْنِ ما قِيمَتُه كقِيمَةِ المُخْرَجِ من النَّوْعَيْنِ، فإذا كان النَّوْعَانِ سَوَاءً، وقِيمَةُ المُخْرَجِ من أحَدِهما اثْنَا عَشَرَ، وقِيمَةُ المُخْرَجِ من الآخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، أخْرَجَ

стр. 1697

من أحَدِهما ما قِيمَتُه ثَلَاثَةَ عَشَرَ ونِصْفٌ، وإن كان الثُّلُثُ مَعْزًا، والثُّلُثَانِ ضَأْنًا، أخْرَجَ ما قِيمَتُه أرْبَعَةَ عَشَرَ، وإن كان الثُّلُثُ ضَأْنًا، والثُّلُثَانِ مَعْزًا، أَخْرَجَ ما قِيمَتُه ثَلَاثَةَ عَشَرَ (١). وهكذا لو كان فى إبِلِه عَشْرٌ بَخَاتَى، وعَشْرٌ مَهْرِيَّةٌ، وعَشْرٌ عِرَابِيَّةٌ، وقِيمَةُ ابْنَة المَخَاضِ البُخْتِيَّة ثَلَاثُونَ، وقِيمَةُ المَهْرِيَّةِ أَرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيمَةُ العِرَابِيَّةِ اثْنَا عَشَرَ، أخْرَجَ ابْنَةَ مَخَاضٍ قِيمَتُها ثُلُثُ قِيمَةِ ابْنَة مَخَاضٍ بُخْتِيَّةٍ، وهو عَشَرَةٌ، وثُلُثُ قِيمَةِ مَهْرِيَّةٍ ثَمَانِيَةٌ، وثُلُثُ قِيمَةِ عِرَابِيَّةٍ أرْبَعَةٌ، فَصَارَ الجَمِيعُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ. وهكذا (٢) الحُكْمُ فى أَنْوَاعِ البَقَرِ، وكذلك الحُكْمُ فى السِّمَانِ مع المَهَازِيلِ، والكِرَامِ مع اللِّئَامِ. فأمَّا الصِّحَاحُ مع المِرَاضِ، والذُّكُورُ مع الإِنَاثِ، والكِبَارُ مع الصِّغَارِ، فيَتَعَيَّنُ عليه صَحِيحَةً كَبِيرَةً (٣) أُنْثَى، على قَدْرِ قِيمَةِ المَالَيْنِ، إلَّا أن يَتَطَوَّعَ رَبُّ المالِ بالفَضْلِ، وقد ذُكِرَ هذا. فصل: فإن أخْرَجَ عن النِّصَابِ من غيرِ نَوْعِه ممَّا ليس فى مَالِه منه شىءٌ، ففيه وَجْهانِ: أحَدُهما، يُجْزِئُ؛ لأنَّه أَخْرَجَ عنه من جِنْسِه، فجازَ، كما لو كان المَالُ نَوْعَيْنِ، فأخْرَجَ من أَحَدِهما عَنْهُما. والثانى، لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه أخْرَجَ من غيرِ نَوْعِ مَالِهِ، أشْبَهَ ما لو أخْرَجَ من غيرِ الجِنْسِ، وفارَق ما إذا أخْرَجَ من أحَدِ نَوْعَىْ مَالِهِ، لأنَّه جازَ فِرَارًا من تَشْقِيصِ الفَرْضِ، وقد جَوَّزَ الشَّارِعُ الإخْرَاجَ من غيرِ الجِنْسِ فى قَلِيلِ الإِبِلِ وشَاةِ الجُبْرَانِ كذلك (٤)، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. ٤١٢ - مسألة؛ قال (وَإنِ اختَلَطَ جَمَاعَةٌ فِى خَمْسٍ من الإِبِلِ، أو ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ، أو أرْبَعِينَ من الغَنَمِ، وكَانَ مَرْعَاهُمْ ومَسْرَحُهُمْ ومَبِيتُهُمْ ومحْلَبُهُمْ وفَحْلُهُمْ وَاحِدًا، أُخِذَتْ مِنْهُمُ الصَّدَقَةُ) وجُمْلَتُه أنَّ الخُلْطَةَ فى السَّائِمَةِ تَجْعَلُ مالَ الرَّجُلَيْنِ كمَالِ الرَّجُلِ الوَاحِدِ فى

стр. 1698

الزكاةِ، سَوَاءٌ كانتْ خُلْطَةَ أعْيانٍ، وهى أن تكونَ المَاشِيَةُ مُشْتَرَكَةً بينهما، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما (١) نَصِيبٌ مَشَاعٌ، مثل أن يَرِثَا نِصَابًا أو يَشْتَرِيَاهُ، أو يُوهَبَ لهما، فيُبْقِيَاهُ بِحَالِه، أو خُلْطَة أوْصَافٍ، وهى أن يكونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ منهما مُتَمَيِّزًا (٢)، فخَلَطَاهُ، واشْتَرَكا فى الأوْصَافِ التى نَذْكُرُها، وسَوَاءٌ تَسَاوَيَا فى الشَّرِكَةِ، أو اخْتَلَفَا، مثل أن يكونَ لِرَجُلٍ شَاةٌ، ولآخَرَ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ، أو يكونَ لأرْبَعِينَ رَجُلًا أرْبَعُونَ شَاةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ منهم شَاةٌ، نَصَّ عليهما أحمدُ. وهذا قَوْلُ عَطَاءٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، واللَّيْثِ، وإسحاقَ. وقال مَالِكٌ: إنَّما تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ إذا كان لِكُلِّ وَاحِدٍ من الشُّرَكَاءِ نِصَابٌ. وحُكِىَ ذلك عن الثَّوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، واخْتَارَهُ ابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: لا أثَرَ لها بِحَالٍ؛ لأنَّ مِلْكَ كل وَاحِدٍ دُونَ النِّصَابِ، فلم يَجِبْ عليه زَكَاةٌ، كما لو لم يَخْتَلِطْ بِغَيْرِه. ولأبى حنيفةَ، فيما إذا اخْتَلَطَا فى نِصَابَيْنِ، أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ من الغَنَمِ، فَوَجَبَتْ عليه شَاةٌ؛ لِقَوْلِه ﵇: "فى أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" (٣). ولَنا، ما رَوَى البُخَارِىُّ، فى حديثِ أَنَسٍ الذى ذَكَرْنَا أَوَّلَهُ (٤): "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بين مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، ومَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهما بالسَّوِيَّةِ". ولا يَجِىءُ التَّراجُعُ إلَّا علَى قَوْلِنَا فى خُلْطَةِ الأوْصَافِ. وقوله: لا يُجْمَعُ بين مُتَفَرِّقٍ. إنَّما يكونُ هذا إذا كان لِجَمَاعَةٍ، فإنَّ الوَاحِدَ يَضُمُّ مَالَهُ بَعْضَه إلى بَعْضٍ، وإن كان فى أمَاكِنَ، وهكذا (٥) لا يُفَرَّقُ بين مُجْتَمِعٍ. ولأنَّ لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا فى تَخْفِيفِ المُؤْنَةِ، فجازَ أن تُؤثِّرَ فى الزكاةِ كالسَّوْمِ (٦) والسَّقْىِ، وقِيَاسُهم مع

стр. 1699

مُخَالَفَةِ النَّصِّ غيرُ مَسْمُوعٍ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ خُلْطَةَ الأوْصافِ يُعْتَبَرُ فيها اشْتِرَاكُهم فى خَمْسَةِ أوْصَافٍ: المَسْرَحُ، والمَبِيتُ، والمَحْلَبُ، والمَشْرَبُ، والفَحْلُ. قال أحمدُ: الخَلِيطانِ أن يكونَ رَاعِيهما وَاحِدًا، ومرَاحُهُما وَاحِدًا، وشِرْبُهُما وَاحِدًا. وقد ذَكَرَ أحمدُ فى كَلَامِه شَرْطًا سَادِسًا، وهو الرَّاعِى. قال الخِرَقِىُّ: "وكان مَرْعَاهم ومَسْرَحُهم وَاحِدًا". فيَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ بالمَرْعَى الرَّاعِى، لِيكونَ مُوافِقًا لِقَوْلِ أحمدَ، ولِكَوْنِ المَرْعَى هو المَسْرَحُ. قال ابْنُ حَامِدٍ: المَرْعَى (٧) والمَسْرَحُ شَرْطٌ وَاحِدٌ، وإنَّما ذَكَرَ أحمدُ المَسْرَحَ لِيكونَ فيه رَاعٍ واحِدٌ، والأصْلُ فى هذا ما رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ، فى "سُنَنِهِ" (٨)، بإسْنَادِهِ عن سَعْدِ ابن أبِى وَقَّاصٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، والخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِى الْحَوْضِ والفَحْلِ والرَّاعِى" ورُوِىَ "المَرْعَى" (٩). وبِنَحْوٍ من هذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال بعضُ أصْحَابِ مالِكٍ: لا يُعْتَبَرُ فى الخُلْطَةِ إلَّا شَرْطَانِ: الرَّاعِى، والمَرْعَى؛ لِقَوْلِه ﵇: "لا يُفَرَّقُ بين مُجْتَمِعٍ، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ". والاجْتِمَاعُ يَحْصُلُ بذلك، ويُسَمَّى خُلْطَةً، فاكْتُفِىَ به. ولَنا، قولُه ﷺ : "والخَلِيطَانِ: ما اجْتَمَعَا فِى الْحَوْضِ والرَّاعِى والفَحْلِ". فإن قِيلَ: فلم اعْتَبَرْتُمْ زِيَادَةً على هذا؟ قلنا: هذا تَنْبِيهٌ على بَقِيَّة الشَّرائِط، وإلْغاءٌ لما ذَكَرُوهُ، ولأن لِكُلِّ وَاحِدٍ من هذه الأوْصافِ (١٠) تَأْثِيرًا. فاعْتُبِرَ كالمَرْعَى. إذا ثَبَتَ هذا فالمَبِيتُ مَعْرُوفٌ، وهو المَرَاحُ الذى تَرُوحُ إليه الماشِيَةُ، قال اللَّه تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (١١). والمَسْرَحُ

стр. 1700

والمَرْعَى وَاحِدٌ، وهو الذى تَرْعَى فيه الماشِيَةُ، يقال: سَرَحَتِ الغَنَمُ، إذا مَضَتْ إلى المَرْعَى، وسَرَحْتُها، أى بالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾. والمَحْلَبُ: المَوْضِعُ الذى تُحْلَبُ فيه الماشِيَةُ، يُشْتَرَطُ أن يكونَ واحِدًا، ولا يُفْرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ منهما (١٢) لِحَلْبِ مَاشِيَتِه مَوْضِعًا، وليس المُرَادُ منه خَلْطَ اللَّبَنِ فى إناءٍ واحِدٍ؛ لأنَّ هذا ليس بمَرْفَقٍ، بل مَشَقَّةٌ، لما فيه من الحاجَةِ إلى قَسْمِ (١٣) اللَّبَنِ. ومَعْنَى كَوْن الفَحْلِ وَاحِدًا، أن لا تكونَ فُحُولَةُ أحدِ المَالَيْنِ لا تطرُقُ غيرَه. وكذلك الرَّاعِى، هو أن لا يكونَ لِكُلِّ مَالٍ رَاعٍ، يَنْفَرِدُ بِرِعَايَتِه دُونَ الآخَرِ. ويُشْتَرَطُ أن يكونَ المُخْتلِطان (١٤) من أهْلِ الزكاةِ، فإن كان أحَدُهما ذِمِّيًّا أو مُكَاتَبًا لم يُعْتَدّ بِخُلْطَتِه، ولا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الخُلْطَةِ. وحُكِىَ عن القاضى، أنَّه اشْتَرَطَها. ولَنا، قَوْلُه ﵇: "والخَلِيطَانِ ما اجْتَمَعَا فى الحَوْضِ والرَّاعِى والفَحْلِ". ولأنَّ النِّيَّةَ لا تُؤثِّرُ فى الخُلْطَةِ، فلا تُؤثِّرُ فى حُكْمِها، ولأنَّ المَقْصُودَ بالخُلْطَةِ من الارْتِفَاقِ يَحْصُلُ بِدُونِها، فلم يُعْتَبَرْ (١٥) وُجُودُها معه، كما لا تُعْتَبَرُ (١٦) نِيَّةُ السَّوْمِ فى الإسامةِ، ولا نِيَّةُ السَّقْىِ فى الزَّرْعِ (١٧) والثِّمَارِ، ولا نِيَّةُ مُضِىِّ الحَوْلِ فيما يُشْتَرَطُ الحَوْلُ فيه. فصل: فإن كان بعضُ مَالِ الرَّجُلِ مُخْتَلِطًا، وبعضُه مُنْفَرِدًا، أو مُخْتَلِطًا مع مالٍ لِرَجُلٍ آخَرَ، فقال أصْحابُنا: يَصِيرُ مالُه كُلُّه كالمُخْتَلِطِ، بِشَرْطِ أن يكونَ مالُ الخُلْطَةِ نِصَابًا، فإن كان دُونَ النِّصَابِ لم يَثْبُتْ حُكْمُها، فلو كان لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً، منها عِشْرُونَ مُخْتَلِطَةٌ مع عِشْرِينَ لِرَجُلٍ آخَرَ، وَجَبَ عليهما شَاةٌ

стр. 1701

وَاحِدَةٌ، رُبْعُهَا على صاحِبِ العِشْرِينَ، وبَاقِيها على صاحِبِ السِّتِّينَ؛ لأنَّنا لما ضَمَمْنا مِلْكَ صَاحِبِ السِّتِّينَ صارَ صَاحِبُ العِشْرِينَ كالمُخَالِطِ للسِّتِّين (١٨)، فيكونُ الجَمِيعُ ثَمَانِينَ، عليها شَاةٌ بالْحِصَصِ. ولو كان لِصَاحِبِ السِّتِّينَ ثَلَاثَةُ خُلَطَاء، كلُّ وَاحِدٍ منهم بِعِشْرِينَ، وَجَبَ على الجَمِيعِ شَاةٌ، نِصْفُهَا على صَاحِبِ السِّتِّينَ، ونِصْفُها على الخُلَطَاءِ، على كُلِّ واحِدٍ منهم سُدْسُ شَاةٍ. ولو كان رَجُلَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهما سِتُّونَ، فخَالَطَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما صَاحِبَهُ بِعِشْرِينَ فقط، وَجَبَ عليهما شَاةٌ وَاحِدَةٌ بينهما نِصْفَيْنِ. فإن اخْتَلَطَا فى أَقَلّ من ذلك، لم يَثْبُتْ لهما حُكْمُ الخُلْطَةِ، ووَجَبَ على كلِّ واحِدٍ منهما شَاةٌ كَامِلَةٌ. وإن اخْتَلَطَا فى أرْبَعِينَ، لِوَاحِدٍ منهما عَشَرَةٌ، ولِلْآخَر ثَلَاثُونَ، ثَبَتَ لهما حُكْمُ الخُلْطَةِ لِوُجُودِها فى نِصَابٍ كامِلٍ. فصل: ويُعْتَبَرُ اخْتِلاطُهم فى جَمِيع الحَوْلِ، فإن ثَبَتَ لهم حُكْمُ الانْفِرَادِ فى بعضِه زَكَّوا زكاةَ المُنْفَرِدِينَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ فى الجديد. وقال مالِكٌ: لا يُعْتَبَرُ اخْتِلاطُهم فى أوَّل الحَوْلِ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ" (١٩). يَعْنِى فى وَقْتِ أخْذِ الزكاةِ. ولَنا، أنَّ هذا مالٌ ثَبَتَ له حُكْمُ الانْفِرَادِ، فكانت زكاتُه زكاةَ المُنْفَرِدِ، كما لو انْفَرَدَ فى آخِر الحَوْلِ، والحَدِيثُ مَحْمُولٌ على المُجْتَمِعِ فى جميعِ الحَوْلِ. إذا تَقَرَّرَ هذا فمتى كان لِرَجُلَيْنِ ثَمَانُونَ شَاةً بينهما نِصْفَيْنِ، وكانا مُنْفَرِدَيْنِ، فاخْتَلَطَا فى أثْناءِ الحَوْلِ، فعلى كُلِّ وَاحِدٍ منهما عندَ تَمَامِ حَوْلِه شَاةٌ، وفِيما بعد ذلك من السِّنِينَ يُزَكِّيَانِ زكاةَ الخُلْطَةِ، فإن اتَّفَقَ حَوْلَاهُما أخْرَجَا شَاةً عند تَمَامِ كُلِّ (٢٠) حَوْلٍ، على كُلِّ وَاحِدٍ منهما

стр. 1702

نِصْفُها، وإن اخْتَلَفَ حَوْلَاهُما، فعلى الأَوَّل منهما عندَ تَمَامِ حَوْلِه نِصْفُ شَاةٍ، فإذا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِى، فإن كان الأوَّلُ أخْرَجَها من غيرِ المالِ، فعلى الثّانِى نِصْفُ شَاةٍ أيضا، وإن أخْرَجَهَا من النِّصَابِ نَظَرْتَ، فإن أَخْرَجَ الشَّاةَ جَمِيعَها عن مِلْكِه، فعلى الثَّانِى أَرْبَعُونَ جُزْءًا، من تِسْعَةٍ (٢١) وسَبْعِينَ جُزْءًا من شَاةٍ، وإن أخْرَجَ نِصْفَ شَاةٍ فعلى الثَّانِى أرْبَعُونَ جُزْءًا، من تِسْعَةٍ وسَبْعِينَ ونِصْف جُزْءٍ من شَاةٍ. فصل: وإن ثَبَتَ لأحَدِهما حُكْمُ الانْفِرَادِ دُونَ صَاحِبِه، ويُتَصَوَّرُ ذلك بأن يَمْلِكَ رَجُلانِ نِصَابَيْنِ فيَخْلِطاهُما، ثم يَبِيعُ أحَدُهما نَصِيبَه أَجْنَبِيًّا، أو يكونُ لأحَدِهما نِصَابٌ مُنْفَرِدٌ، فَيَشْتَرِى آخَرُ نِصَابًا، ويَخْلِطُه به فى الحَالِ، إذا قُلْنَا: اليَسِيرُ مَعْفُوٌّ عنه. فإنَّه لابُدَّ أن تكونَ عَقِيبَ مِلْكِهما (٢٢) مُنْفَرِدَةً فى جُزْءٍ، وإن قَلَّ، أو يكونَ لأحَدِهما نِصَابٌ ولِلْآخَر دُونَ النِّصَابِ، فَاخْتَلَطَا فى أثْنَاءِ الحَوْلِ، فإذا تَمَّ حَوْلُ الأوَّل فعليه شَاةٌ، فإذا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِى فعليه زَكَاةُ الخُلْطَةِ، على التَّفْصِيلِ الذى ذَكَرْنَاهُ. ويُزَكِّيَانِ فيما بعد ذلك زكاةَ الخُلْطَةِ، كُلَّما تمَّ حَوْلُ أحَدِهما فعليه من زكاةِ الجَمِيعِ بِقَدْرِ مَالِه منه، فإذا كان المالانِ جَمِيعًا ثَمَانِينَ شَاةً، فأخْرَجَ الأوَّلُ منها شَاةً، زَكَاةَ الأرْبَعِينَ التى يَمْلِكُها، فعلى الثَّانى أرْبَعُونَ جُزْءًا، من تِسْعَةٍ وسَبْعِينَ جُزْءًا. فإن أخْرَجَ الشَّاةَ كُلَّها من مِلْكِه، وحَالَ الحَوْلُ الثَّانِى، فعلى الأوَّل نِصْفُ شَاةٍ، زكاةَ خُلْطَةٍ. فإن أخْرَجَهُ وَحْدَه، فعلى الثَّانِى تِسْعَةٌ وثَلَاثُونَ جُزْءًا، من سَبْعَةٍ وسَبْعِينَ جُزْءًا ونِصْفِ جُزْءٍ من شَاةٍ، وإن تَوَالَدَتْ شَيْئًا حُسِبَ معها. فصل: وإن كان بينهما ثَمَانُونَ شَاةً مُخْتَلِطَةً، مَضَى عليها بعضُ الحَوْلِ، فتَبايَعاهَا، باعَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما غَنَمَهُ صَاحِبَه مُخْتَلِطَةً، وأبقياها (٢٣) على

стр. 1703

الخُلْطَةِ، لم ينْقطِعْ (٢٤) حَوْلُهما، ولم تَزُلْ خُلْطَتُهما. وكذلك لو بَاعَ بعضَ غَنَمِهِ [ببعضِ غَنَمِه] (٢٥) من غيرِ إفْرَادٍ، قَلَّ المَبِيعُ أو كَثُرَ. فأمَّا إنْ أفْرداها (٢٦) ثم تَبايَعاها ثم خَلَطاها، وتَطَاوَلَ زَمَنُ الانْفِرادِ (٢٧)، بَطَلَ حُكْمُ الخُلْطَةِ. وإن خَلَطاها عَقِيبَ البَيْعِ، ففيه وَجْهانِ: أحَدُهما، لا يَنْقَطِعُ؛ لأنَّ هذا زَمَنٌ يَسِيرٌ يُعْفَى عنه (٢٨). والثانى، يَنْقَطِعُ؛ لأنَّ الانْفِرَادَ قد وُجِدَ فى بعض الحَوْلِ، فيُزَكِّيانِ زَكَاةَ المُنْفَرِدَيْنِ. وإن أفْرَدَ كُلُّ واحِدٍ منهما نِصْفَ نِصَابٍ وتَبايَعاهُ، لم يَنْقَطِعْ حُكْمُ الخُلْطَةِ، لأنَّ مِلْكَ الإنْسانِ يُضَمُّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، فكأنَّ الثَّمانِينَ مُخْتَلِطَةٌ بحَالِها. وكذلك إن تَبَايَعَا أقَلَّ من النِّصْفِ. وإن تَبَايَعَا أكْثَرَ من النِّصْفِ مُنْفَرِدًا، بَطَلَ حُكْمُ الخُلْطَةِ؛ لأنَّ من شَرْطِها كَوْنَها فى نِصَابٍ، فمتى بَقِيَتْ فيما دُونَ النِّصَابِ صَارَا مُنْفَرِدَيْنِ. وقال القاضى: تَبْطُلُ الخُلْطَةُ فى جَمِيعِ هذه المَسائِل فى المَبِيعِ، ويَصِيرُ مُنْفَرِدًا. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ عندَه أن المَبِيعَ بِجِنْسِه يَنْقَطِعُ حُكْمُ الحَوْلِ فيه، فتَنْقَطِعُ الخُلْطَةُ ضَرُورَةَ انْقِطَاعِ الحَوْلِ. وسَنُبَيِّنُ، إن شاء اللهُ، أنَّ حُكْمَ الحَوْلِ لا يَنْقَطِعُ فى وُجُوبِ الزكاةِ، فلا تَنْقَطِعُ الخُلْطَةُ، لأنَّ الزَّكَاةَ إنَّما تَجِبُ فى المُشْتَرَى بِبِنَائِه على حَوْلِ المَبِيعِ، فيَجِبُ أن يُبْنَى عليه فى الصِّفَةِ التى كان عليها. فأمَّا إنْ كان مَالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهما مُنْفَرِدًا، فخَلَطَاهُ، ثم تَبَايَعاهُ، فعليهما فى الحَوْلِ زكاةُ الانْفِرَادِ؛ لأنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فيه بِبِنَائِه على حَوْلِ الأوَّل، وهو مُنْفَرِدٌ فيه. ولو كان لِرَجُلٍ نِصابٌ مُنْفَرِدٌ، فبَاعَهُ بِنِصَابٍ مُخْتَلِطٍ، زَكَّى كُلَّ واحِدٍ منهما زكاةَ الانْفِرَادِ؛ لأنَّ الزكاةَ فى الثَّانِى تَجِبُ بِبِنَائِه على الأوَّل، فهما كالمالِ

стр. 1704

الوَاحِدِ الذى حَصَلَ الانْفِرَادُ فى أحَدِ طَرَفَيْهِ. فإن كان لِكُلِّ واحِدٍ منهما أرْبَعُونَ مُخْتَلِطَة مع مَالٍ آخَرَ، فَتَبَايَعاها، وبقَّياها مُخْتَلِطَةً، لم يَبْطُلْ حُكْمُ الخُلْطَةِ. وإن اشْتَرَى أحَدُهما بالأرْبَعِينَ المُخْتَلِطَة أرْبَعِينَ مُنْفَرِدَةً، وخَلَطَها فى الحالِ، احْتَمَلَ أن يُزَكِّىَ زكاةَ الخُلْطَةِ؛ لأنَّه ينْبنِى (٢٩) حَوْلُها على حَوْلِ مُخْتَلِطَةٍ، وزَمَنُ الانْفِرَادِ يَسِيرٌ، فعُفِىَ عنه، واحْتَمَلَ أن يُزَكِّىَ زكاةَ المُنْفَرِدِ، لِوُجُودِ الانْفِرَادِ فى بعضِ الحَوْلِ. فصل: وإذا كان لِرَجُلٍ أرْبَعُونَ شَاةً، ومَضَى عليها بَعْضُ الحَوْلِ، فباعَ بَعْضَها مَشَاعًا فى بَعْضِ الحَوْلِ. فقال أبو بكرٍ: يَنْقَطِعُ الحَوْلُ، ويَسْتَأْنِفَانِ حَوْلًا من حِينِ البَيْعِ؛ لأنَّ النِّصْفَ المُشْتَرَى قد انْقَطَعَ الحَوْلُ فيه، فكأنَّهُ لم يَجْرِ فى حَوْلِ الزكاةِ أصْلًا، فلَزِمَ انْقِطَاعُ الحَوْلِ فى الآخَرِ. وقال ابْنُ حَامِدٍ: لا يَنْقَطِعُ الحَوْلُ فيما بَقِىَ لِلْبَائِعِ؛ لأنَّ حُدُوثَ الخُلْطَةِ لا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الحَوْلِ، فلا يَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهُ، ولأنَّه لو خَالَطَ غيرَه فى جَمِيعِ الحَوْلِ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، فإذا خالَطَ فى بَعْضِه نَفْسَه، وفى بَعْضِه غيرَه، كان أوْلَى بالإيجَابِ، وإنَّما بَطَلَ حَوْلُ المَبِيعَةِ لانْتِقَالِ المِلْكِ فيها، وإلَّا فهذه العِشْرُونَ لم تَزَلْ مُخَالِطَةً لِمَالٍ جَارٍ فى الزكاةِ، وهكذا الحُكْمُ فيما إذا عَلَّمَ على بَعْضِها وبَاعَهُ مُخْتَلِطًا. فأمَّا إن أَفْرَدَ بعضَها وبَاعَهُ، فخَلَطَهُ المُشْتَرِى فى الحالِ بِغَنَمِ الأوَّل، فقال ابْنُ حامِدٍ: يَنْقَطِعُ الحَوْلُ، لِثُبُوتِ حُكْمِ الانْفِرَادِ فى البَعْضِ. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أن يكونَ كما لو بَاعَها مُخْتَلِطَةً؛ لأنَّ هذا زَمَنٌ يَسِيرٌ. وهكذا (٣٠) الحُكْمُ فيما إذا كانت الأرْبَعُونَ لِرَجُلَيْنِ، فبَاعَ أحَدُهما نَصِيبَه أجْنَبِيًّا، فعلى هذا إذا تَمَّ حَوْلُ الأوَّل فعليه نِصْفُ شَاةٍ، ثم إذا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِى نَظَرْنَا فى البَائِعِ، فإنْ كان أخْرَجَ الزكاةَ من غيرِ المالِ فلا شىءَ على المُشْتَرِى؛ لأنَّ النِّصابَ نَقَصَ فى بعضِ الحَوْلِ، إلَّا أن يكونَ الفَقِيرُ مُخالِطًا لهما بالنِّصْفِ الذى صارَ له، فلا يَنْقُصُ النِّصابُ إذًا، ويُخْرِجُ الثَّانِى

стр. 1705

نِصْفَ شاةٍ. وإن كان الأوَّلُ أخْرَجَ الزَّكَاةَ من غيرِ المالِ، وقُلْنَا: الزَّكاةُ تَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ. وَجَبَ على المُشْتَرِى نِصْفُ شاةٍ. وإن قلنا تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ. فقال القاضى: يَجِبُ نِصْفُ شاةٍ أيضا؛ لأنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بالعَيْنِ، لا بِمَعْنَى أنَّ الفُقَراءَ مَلَكُوا جُزْءًا من النِّصابِ، بل بِمَعْنَى أنه تَعَلَّقَ حَقُّهُم به، كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الجنايَةِ بالجانِى، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الزكاةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا شىءَ على المُشْتَرِى؛ لأنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بالعَيْنِ نَقَصَ النِّصابَ. وهذا الصَّحِيحُ؛ فإنَّ فَائِدَةَ قَوْلِنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ. إنَّما تَظْهَرُ فى مَنْعِ الزكاةِ، وقد ذَكَرَهُ القاضى فى غير هذا المَوْضِعِ. وعلى قِيَاسِ هذا، لو كان لِرَجُلَيْنِ نِصابُ خُلْطَةٍ، فبَاعَ أحدُهما خَلِيطَهُ فى بعض الحَوْلِ، فهى عَكْسُ المَسْأَلَةِ الأُولَى فى الصُّورَةِ، ومِثْلُها فى المَعْنَى؛ لأنَّه كان فى الأَوَّل خَلِيطَ نَفْسِه، ثم صارَ خَلِيطَ أَجْنَبِىٍّ، وهاهُنا كان خَلِيطَ أَجْنَبِىٍّ، ثم صارَ خَلِيطَ نَفْسِه. ومثلُه لو كان رَجُلَانِ مُتَوَارِثَانِ، لهما نِصابُ خُلْطَةٍ، فمات أحَدُهما فى بعضِ الحَوْلِ، فوَرِثَهُ صَاحِبُه، على قِياس قَوْلِ أبى بكرٍ، لا يَجِبُ عليه شىءٌ حتى يَتِمَّ الحَوْلُ على المَالَيْنِ، من حِينِ مِلْكِهِ لهما، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما بِمُفْرَدِه يَبْلُغُ نِصابًا. وعلى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حامِدٍ تَجِبُ الزكاةُ فى النِّصْفِ الذى كان له خَاصَّةً. فصل: إذا اسْتَأْجَرَ أجِيرًا يَرْعَى له بِشاةٍ مُعَيَّنَةٍ من النِّصابِ، فحالَ الحَوْلُ، ولم يُفْرِدْها، فهما خَلِيطانِ تَجِبُ عليهما زكاةُ الخُلْطَةِ. وإن أفْرَدَها قبلَ الحَوْلِ، فلا شىءَ عليهما؛ لِنُقْصانِ النِّصابِ. وإن اسْتَأْجَرَهُ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ فى الذِّمَّةِ، صَحَّ أيضا، فإذا حَالَ الحَوْلُ، وليس له ما يَقْتَضِيهِ غيرَ النِّصَابِ، انْبَنَى على الدَّيْنِ، هل يَمْنَعُ الزكاةَ فى الأمْوَالِ الظَّاهِرَةِ؟ وسنَذْكُرُه فيما بعدُ، إن شاء اللَّه تعالى. ٤١٣ - مسألة؛ قال: (وتَرَاجَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بالْحِصَصِ) قد ذَكَرْنا أنَّ الخُلَطَاءَ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ من أمْوَالِهم، كما تُؤْخَذُ من مَالِ الوَاحِدِ. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ السَّاعِىَ يَأْخُذُ الفَرْضَ من مالِ أىِّ الخَلِيطَيْنِ شاءَ، سَوَاءٌ

стр. 1706

دَعَتِ الحَاجَةُ إلى ذلك، بأن تكون الفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً لا (١) يُمْكِنُ أخْذُها من المَالَيْنِ جَمِيعًا، أو لا يَجِدَ فَرْضَهُما جَمِيعًا إلَّا فى أحَدِ المَالَيْنِ، مثل أن يكونَ مالُ أحدِهما صِحَاحًا كِبَارًا، ومالُ خَلِيطِه صِغَارًا أو مِرَاضًا، فإنَّه تَجِبُ صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ، أو لم تَدْعُ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن يَجِدَ فَرْضَ كُلِّ وَاحِدٍ من المَالَيْنِ فيه. قال أحمدُ: إنَّما يَجِىءُ المُصَدِّقُ فيَجِدُ المَاشِيَةَ، فيُصَدِّقُها، ليس يَجِىءُ فيقولُ: أىُّ شىءٍ لك؟ [وأىُّ شىءٍ لك؟ ] (٢) وإنَّما يُصَدِّقُ ما يَجِدهُ، والخَلِيطُ قد يَنْفَعُ وقد يَضُرُّ. قال الهَيْثَمُ بن خَارِجَةَ لأبى عبدِ اللهِ: أنا رَأَيْتُ مِسْكِينًا كان له فى غَنَمٍ شَاتَانِ، فجاءَ المُصَدِّقُ فأخَذَ إحْدَاهما. والوَجْهُ فى ذلك قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإنَّهُما يَتَرَاجَعَانِ بالسَّوِيَّةِ" (٣). وقولُه: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" (٣). وهما خَشْيَتَانِ: خَشْيَةُ رَبِّ المالِ من زِيَادَةِ الصَّدَقَةِ، وخَشْيَةُ السَّاعِى من نُقْصَانِها. فليس لأرْبابِ الأمْوالِ أن يَجْمَعُوا أمْوَالَهُم المُتَفَرِّقَةَ، التى كان الوَاجِبُ فى كُلِّ واحِدٍ منها شَاةً، لِيَقِلَّ الوَاجِبُ فيها، ولا أن يُفَرِّقُوا أمْوَالَهُم المُجْتَمِعَةَ، التى كان فيها باجْتِماعِها فَرْضٌ، لِيَسْقُطَ عنها (٤) بِتَفْرِقَتِها (٥)، وليس لِلسَّاعِى أن يُفَرِّقَ بين الخُلَطَاءِ، لِتَكْثُرَ الزَّكَاةُ، ولا أن يَجْمَعَها إذا كانت مُتَفَرِّقَةً لِتَجِبَ الزكاةُ، ولأنَّ المَالَيْنِ قد صارَا كالمالِ الوَاحِدِ فى وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فكذلك فى إخْرَاجِها. ومتى أخَذَ السَّاعِى الفَرْضَ من مَالِ أحَدِهما، رَجَعَ على خَليطِه بِقَدْرِ قِيمَةِ حِصَّتِهِ من الفَرْضِ، فإذا كان لأحَدهما ثُلُثُ المالِ، ولِلْآخَر ثُلُثَاهُ، فأخَذَ الفَرْضَ من مَالِ صَاحِبِ الثُّلُثِ، رجع بِثُلُثَىْ

стр. 1707

قِيمَةِ المُخْرَجِ على صَاحِبِه. وإن أخَذَهُ من الآخَر، رَجَعَ على صَاحِبِ الثُّلُثِ بِثُلُثِ قِيمَةِ المُخْرَجِ، والقَوْلُ قَوْلُ المَرْجُوعِ عليه مع يَمِينِه إذا اخْتَلَفَا، وعُدِمَتِ البَيِّنةُ؛ لأنَّه غَارِمٌ، فكان القَوْلُ قَوْلَه، كالغَاصِبِ إذا اخْتَلَفَا فى قِيمَةِ المَغْصُوبِ بعد تَلَفِه. فصل: إذا أخَذَ السَّاعِى أكْثَرَ من الفَرْضِ بغيرِ تَأْوِيلٍ، مثل أن يَأْخُذَ (٦) شاتَيْنِ مَكانَ شاةٍ، أو يَأْخُذَ (٦) جَذَعَةً مَكَانَ حِقَّةٍ، لم يَكُنْ لِلْمَأْخُوذِ منه الرُّجُوعُ إلَّا بِقَدْرِ الوَاجِبِ. وإن كان بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، مثل أن يَأْخُذَ (٦) الصَّحِيحَةَ عن المِرَاضِ، والكَبِيرةَ عن الصِّغَارِ، فإنَّه يرجع بالحِصَّةِ منها؛ لأنَّ ذلك إلى اجْتِهادِ الإمامِ، فإذا أدَّاهُ اجْتِهادُه إلى أخْذِه، وَجَبَ عليه (٧) دَفْعُه إليه، وصَارَ بِمَنْزِلَةِ الفَرْضِ الوَاجِبِ. وكذلك إذا أخَذَ القِيمَةَ، رَجَعَ بما يَخُصُّ شَرِيكَه منها؛ لأنَّه بِتَأْوِيلٍ. فصل: إذا مَلَكَ رَجُلٌ أرْبَعِينَ شَاةً فى المُحَرَّمِ، وأرْبَعِينَ فى صَفَر، وأرْبَعِينَ فى رَبِيعٍ، فعليه فى الأوَّل عند تَمامِ حَوْلِه شَاةٌ، فإذا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِى، فعلى وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، لا زكاةَ فيه؛ لأنَّ الجَمِيعَ مِلْكُ وَاحِدٍ، فلم يَزِدْ فَرْضُه على شَاةٍ وَاحِدَةٍ، كما لو اتَّفَقَتْ أحْوَالُه. والثانى، فيه الزَّكَاةُ؛ لأنَّ الأوَّلَ اسْتَقَلَّ بِشَاةٍ، فيَجِبُ الزَّكَاةُ فى الثَّانِي، وهى نِصْفُ شَاةٍ؛ لاخْتِلَاطِها بالأرْبَعِينَ الأُولَى من حِينَ مَلَكَها. وإذا تَمَّ حَوْلُ الثَّالِثِ، فعلى وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما لا زكاةَ فيه. والثانى، فيه الزَّكَاةُ، وهو ثُلُثُ شَاةٍ؛ [لأنَّه مَلَكَهُ مُخْتَلِطًا] (٨) بالثَّمَانِينَ المُتَقَدِّمَةِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيه وَجْهًا ثَالِثًا، وهو أنَّه يَجِبُ فى الثَّانِى شاةٌ كامِلَةٌ، وفى الثَّالِثِ شاةٌ كامِلَةٌ؛ لأنَّه نِصابٌ كامِلٌ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فيه بِنَفْسِه، فوَجَبَتْ فيه شاةٌ كامِلَةٌ، كما لو انْفَرَدَ. وهذا ضَعِيفٌ؛ لأنَّه لو كان المالِكُ لِلثَّانِى والثَّالِثِ أجْنَبِيَّيْنِ، مَلَكَاهما مُخْتَلِطَيْنِ، لم

стр. 1708

يكنْ عليهما إلَّا زكاةُ خُلْطَةٍ، فإذا كان لمالكِ الأوَّل كان أَوْلى، فإنَّ ضَمَّ بَعْضِ مِلْكِه (٩) إلى بَعْضٍ، أوْلَى من ضَمِّ مِلْكِ الخَلِيطِ إلى خَلِيطِهِ (١٠). وإن مَلَكَ فى الشَّهْرِ الثانِى ما يُغَيِّرُ الفَرْضَ، مثلَ إن مَلَكَ مائةَ شَاةٍ، فعليه فيه (١١) عند تَمَامِ حَوْلِه شَاةٌ ثانِيَةٌ، على الوَجْهِ الأوَّل. وكذلك الثَّالِث؛ لأنَّنا نَجْعَلُ مِلْكَهُ فى الإيجابِ، كَمِلْكِه لِلْكُلِّ (١٢) فى حَالٍ وَاحِدَةٍ، فيَصِيرُ كأنَّه مَلَكَ مائَتَيْنِ وأرْبَعِينَ، فيَجِبُ عليه ثَلاثُ شِيَاهٍ، عند تَمَامِ حَوْلِ كلِّ مالٍ شَاةٌ. وعلى الوَجْهِ الثانِى، يَجِبُ عليه فى الشَّهْرِ الثانِى حِصتُهُ (١٣) من فَرْضِ المَالَيْنِ معا، وهو شاةٌ وثَلَاثَةُ أسْباعِ شاةٍ؛ لأنَّه لو مَلَكَ المَالَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، كان عليه فيهما شاتانِ، حِصَّةُ المائةِ منها خَمْسَةُ أسْباعِهما، وهو شاةٌ وثَلَاثةُ أسْباعِ شاةٍ، وعليه فى الثَّالِثِ شاةٌ وَرُبْعٌ؛ لأنَّه لو مَلَكَ الجَمِيعَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وهو مِائَتَان (١٤) وأَرْبَعُونَ شاةً، لَكان عليه ثَلاثُ شِيَاهٍ، حِصَّةُ الثَّالِثِ منهن رُبْعُهُنَّ وسُدْسُهُنَّ، وهو شاةٌ وَرُبْعٌ. ولو كان المالِكُ للأمْوَالِ الثَّلاثةِ ثلاثةَ أشْخاصٍ، ومَلَكَ الثانِى سَائِمَتَهُ مُخْتَلِطَةً بِسَائِمَةِ الأوَّل، ثم مَلَكَ الثَّالِثُ سَائِمَتَهُ مُخْتَلِطَةً بِغَنَمِهما (١٥)، لَكان الوَاجِبُ على (١٦) الثانِى والثَّالِثِ كالوَاجِبِ على المالِكِ فى الوَجْهِ الثانِى، لا غَيْرُ. فصل: فإن مَلَكَ عِشْرِينَ من الإِبِلِ فى المُحَرَّمِ، وخَمْسًا فى صَفَر، فعليه فى العِشْرِينَ عندَ تَمَامِ حَوْلِها، أرْبَعُ شِيَاهٍ، وفى الخَمْسِ عند تَمامِ حَوْلِها خُمْسُ

стр. 1709

بِنْتِ مَخَاضٍ. على الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ. [وعليه على] (١٧) الوَجْهِ الثَّالِثِ، سُدُسا (١٨) شاةٍ. وإن مَلَكَ فى المُحَرَّمِ خَمْسًا وعِشْرِينَ، وفى صَفَر خَمْسًا، فعليه فى الأوَّل عند تَمَامِ حَوْلِه بِنْتُ مَخَاضٍ، ولا شىءَ عليه فى الخَمْسِ فى الوَجْهِ الأوَّل. وعلى الثانِى: عليه سُدْسُ بِنْتِ مَخَاضٍ. وعلى الثَّالِثِ عليه فيها شاةٌ. فإن مَلَكَ مع ذلك فى رَبِيعٍ سِتًّا (١٩)، ففى الوَجْهِ الأوَّل، عليه فى الأوَّل عند تَمَامِ حَوْلِه بِنْتُ مَخَاضٍ، ولا شىءَ عليه فى الخَمْسِ حتى يَتِمَّ حَوْلُ السِّتِّ، فيَجِبُ فيهما (٢٠) رُبْعُ بِنْتِ لَبُونٍ ونِصْفُ تُسْعِها. وفى الوَجْهِ الثانِى، عليه فى الخَمْسِ سُدْسُ بِنْتِ مَخَاضٍ إذا تَمَّ حَوْلُها، وفى السِّتِّ سُدْسُ بِنْتِ لَبُونٍ عندَ تَمَامِ حَوْلِها. وفى الوَجْهِ الثَّالِثِ، عليه فى الخَمْسِ الثانيةِ شاةٌ عند تَمامِ حَوْلِها، وفى السِّتِّ شاةٌ عند تَمامِ حَوْلِها. فصل: فإن كانت سَائِمَةُ الرَّجُلِ فى بُلْدَانٍ شَتَّى، وبينهما مَسَافَةٌ لا تُقْصَرُ فيها الصلاةُ، أو كانت مُجْتَمِعَةً، ضَمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، وكانت زكاتُها كزكاةِ المُخْتَلِطَةِ، بغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه. وإن كان بين البُلْدَانِ مَسَافَةُ القَصْرِ، فعن أحمدَ فيه رِوَايَتانِ؛ إحْدَاهُما، أنَّ لِكُلِّ مالٍ حُكْمَ نَفْسِه، يُعْتَبَرُ على حِدَتِه، إنْ كان نِصَابًا ففيه الزَّكَاةُ، وإلَّا فلا، ولا يُضَمُّ إلى المَالِ الذى فى البَلَدِ الآخَرِ. نَصَّ عليه. قال ابْنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ هذا القَوْلَ عن غيرِ أحمدَ. واحْتَجَّ بظَاهِرِ قَوْلِه ﵇: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" (٢١). وهذا مُفَرَّقٌ فلا يُجْمَعُ، ولأنَّه لما أثَّرَ اجْتِماعُ مَالَيْنِ لِرَجُلَيْنِ، فى كَوْنِهِما كالمالِ الوَاحِدِ، يَجِبُ أن يُؤثِّرَ افْتِرَاقُ مَالِ الرَّجُلِ الوَاحِدِ، حتى يَجْعَلَهُ كالمَالَيْنِ.

стр. 1710

والرِّوَايَةُ الثانيةُ، قال فى مَن له مائةُ شَاةٍ فى بُلْدَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ: لا يَأْخُذُ المُصَدِّقُ منها شيئا؛ لأنَّه لا يُجْمَعُ بين مُتَفَرِّقٍ، وصَاحِبُها إذا ضَبَطَ ذَلِكَ وعَرَفهُ أخْرَجَ هو بِنَفْسِه، يَضَعُها فى الفُقَرَاءِ. رُوِىَ هذا عن المَيْمُونِىِّ وحَنْبَلٍ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ زكَاتَها تَجِبُ مع اخْتِلافِ البُلْدَانِ، إلَّا أنَّ السَّاعِىَ لا يَأْخُذُها؛ لِكَوْنِه لا يَجِدُ نِصابًا كامِلًا مُجْتَمِعًا، ولا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الحالِ فيها، فأمَّا المَالِكُ العَالِمُ بمِلْكِه نِصابًا كَامِلًا، فعليه أدَاءُ الزكاةِ. وهذا اخْتِيَارُ أبى الخَطَّابِ، ومَذْهَبُ سائِرِ الفُقَهاءِ. قال مَالِكٌ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ فى مَن كان له غَنَمٌ على رَاعِيينِ مُتَفَرِّقَينِ بِبُلْدَانٍ شَتَّى، أنَّ ذلك يُجْمَعُ على صَاحِبِه، فَيُؤَدِّى صَدَقَتَه. وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لِقَوْلِه ﵇: "فى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" (٢٢). ولأنَّه مِلْكٌ وَاحِدٌ أشْبَهَ ما لو كان فى بُلْدَانٍ مُتَقَارِبَةٍ، أو غير السَّائِمَة. ونَحْمِلُ كلامَ أحمدَ (٢٣)، فى الرِّوَايَةِ الأُولَى، على أنَّ المُصَدِّقَ لا يَأْخُذُها، وأما رَبُّ المالِ فيُخْرِجُ. فعلى هذا يُخْرِجُ الفَرْضَ فى أحَدِ البَلَدَيْنِ شاءَ (٢٤)، لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ. ٤١٤ - مسألة؛ قال: (وإِنِ اخْتَلَطُوا فِى غَيْرِ هذَا، أخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (١) عَلَى انْفِرَادِه، إذَا كَانَ ما يَخُصُّه تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) ومعناه أنَّهم إذا اخْتَلَطُوا فى غيرِ الماشِيَةِ (٢)، كالذَّهَبِ والفِضَّةِ وعُرُوضِ التِّجارَةِ والزُّرُوعِ والثِّمَارِ، لم تُؤثِّرْ خُلْطَتُهم شَيئا، وكان حُكْمُهم حُكْمَ المُنْفَرِدِينَ. وهذا قَوْلُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أن شَرِكَةَ الأعْيَانِ تُؤثِّرُ فى غيرِ

стр. 1711

المَاشِيَةِ (٣)، فإذا كان بينهم نِصَابٌ يَشْتَرِكُونَ فيه، فعليهم الزكاةُ. وهذا قولُ إسحاقَ، والأوْزَاعِىِّ، فى الحَبِّ والثَّمَرِ. والمذهبُ الأوَّلُ. قال أبو عبدِ اللهِ: الأوْزَاعِىُّ يقول فى الزَّرْعِ، إذا كانوا شُرَكَاءَ فخَرَجَ لهم خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، يقول: فيه الزكاةُ. قَاسَه على الغَنَمِ، ولا يُعْجِبُنِى قَوْلُ الأوْزَاعِىِّ. وأمَّا خُلْطَةُ الأوْصَافِ، فلا مَدْخَلَ لها فى غيرِ المَاشِيَةِ بحالٍ، لأنَّ الاخْتِلاطَ لا يَحْصُلُ. وخَرَّجَ القاضى وَجْهًا آخَرَ، أنَّها تُؤثِّرُ؛ لأنَّ المَؤُونَةَ تَخِفُّ إذا كان المُلْقِحُ (٤) وَاحِدًا، والصَّعَّادُ (٥)، والنَّاطُورُ (٦)، والجَرِينُ، وكذلك أمْوَالُ التِّجَارَةِ؛ الدُّكَّانُ (٧) وَاحِدٌ، والمَخْزنُ والمِيزَانُ والبَائِعُ، فَأَشْبَهَ المَاشِيَةَ. ومَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ على نحوٍ ممَّا حَكَيْنَا فى (٨) مَذْهَبِنَا. والصَّحِيحُ أنَّ الخُلْطَةَ لا تُؤَثِّرُ فى غيرِ المَاشِيَةِ، لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "والْخَلِيطَانِ مَا اشْتَرَكَا فى الْحَوْضِ والْفَحْلِ والرَّاعِى (٩) ". فَدَلَّ على أنَّ ما لم يُوجَدْ فيه ذلك لا يكونُ خُلْطَةً مُؤَثِّرَةً، وقَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "لا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" (١٠). إنَّما يكونُ فى المَاشِيَةِ؛ لأنَّ الزكاةَ تَقِلُّ بِجَمْعِها تَارَةً، وتَكْثُرُ أُخْرَى، وسَائِرُ الأمْوَالِ تَجِبُ فيها فيما زَادَ على النِّصَابِ بِحِسابِه، فلا أثَرَ لِجَمْعِها، ولأنَّ الخُلْطَةَ فى المَاشِيَةِ تُؤَثِّرُ فى النَّفْعِ تَارَةً، وفى الضَّرَرِ أُخْرَى، ولو اعْتَبَرْنَاها فى غيرِ الماشِيَةِ أَثَّرَتْ ضَرَرًا مَحْضًا بِرَبِّ المَالِ، فلا يجوزُ اعْتِبارُها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنْ (١١) كان لِجَمَاعَةٍ وَقْفٌ، أو حَائِطٌ مُشْتَرَكٌ بينهم، فيه ثَمَرَةٌ أو

стр. 1712

زَرْعٌ، فلا زكاةَ عليهم، إلَّا أن يَحْصُلَ فى يَدِ بَعْضِهِم نِصَابٌ كَامِلٌ، فيَجِبُ عليه، وقد ذَكَرَ الخِرَقِىُّ هذا فى بابِ الوَقْفِ. وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، إذا كان الخَارِجُ نِصَابًا، ففيه الزَّكَاةُ، وإن كان الوَقْفُ نِصَابًا من السَّائِمَةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ عليهم الزكاةَ؛ لاشْتِرَاكِهِم فى مِلْكِ نِصَابٍ تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ فيه، ويَنْبَغِى أن تُخْرَجَ الزَّكَاةُ من غَيْرِه؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يَجُوزُ نَقْلُ المِلْكِ فيه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَجِبَ الزَّكَاةُ فيه؛ لِنَقْصِ المِلْكِ فيه، وكَمَالُه مُعْتَبَرٌ فى إيجَابِ الزَّكَاةِ، بِدَلِيلِ مالِ المُكاتَبِ. فصل: ولا زكاةَ فى غيرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ من المَاشِيَةِ، فى قَوْلِ أكْثَرِ (١٢) أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: فى الخَيْلِ الزَّكَاةُ، إذا كانت ذُكُورًا وإنَاثًا، وإن كَانت ذُكُورًا مُفْرَدَةً، أو إناثًا مُفْرَدَةً (١٣)، ففيها رِوَايَتَانِ، وزَكَاتُها دِينَارٌ عن كلِّ فَرَسٍ، أو رُبْعُ عُشْرِ قِيمَتِها، والخِيَرَةُ فى ذلك إلى صَاحِبِها، أَيَّهما شَاءَ أخْرَجَ؛ لما رَوَى جَابِرٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "فى الخَيْلِ السَّائِمَةِ، فى كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ" (١٤). وَرُوِىَ عن عمرَ، أنَّه كان يَأْخُذُ من الرَّأْسِ عَشَرَةً (١٥)، ومن الفَرَسِ عَشَرَةً، ومن (١٦) البِرْذَوْنِ خَمْسَةً. (١٧) ولأنَّه حَيَوانٌ يُطْلَبُ نَمَاؤُه من جِهَةِ السَّوْمِ، أشْبَه النَّعَمَ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِى فَرَسِه وغُلَامِهِ صَدَقَةٌ". مُتَّفَقٌ عليه (١٨). وفى لَفْظٍ: "لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِى فَرَسِه ولَا فِى عَبْدِه صَدَقَةٌ" (١٨). وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: "عَفَوْتُ لَكُمْ

стр. 1713

عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (١٩). [وقال: صحيحٌ] (٢٠). ورَوَى أبو عُبَيْدٍ، فى "الغَرِيبِ" (٢١)، عن النَّبِىِّ ﷺ : "لَيْسَ فى الجَبْهَةِ، وَلَا فى النُّخَّةِ، ولَا فى الكُسْعَةِ، صَدَقَةٌ". وفَسَّرَ الجَبْهَةَ بالخَيْلِ، والنُّخَّةَ بالرَّقِيقِ، والكُسْعَةَ بالحَمِيرِ. وقال الْكِسَائِىُّ: النُّخَّةُ: بِضَمِّ النُّونِ: البَقَرُ العَوَامِلُ. ولأنَّ ما لا زَكاةَ فى ذُكُورِه المُفْرَدَة، وإنَاثِه المُفْرَدَة، لا زكاةَ فيهما إذا اجْتَمَعَا، كالحَمِيرِ. ولأنَّ ما لا يُخْرَجُ زَكاتُه (٢٢) من جِنْسِه من السَّائِمَةِ لا تَجِبُ فيه، كسائِرِ الدَّوَابِّ، ولأنَّ الخَيْلَ دَوَابٌّ، فلا تَجِبُ الزَّكَاةُ فيها، كسائِرِ الدَّوَابِّ، ولأنَّها

стр. 1714

ليستْ من بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فلم تَجِبْ زَكاتُها، كالوُحُوشِ. وحَدِيثُهُم يَرْوِيهِ غُورك (٢٣) السَّعْدِىُّ، وهو ضَعِيفٌ. وأمَّا عمرُ فإنَّما أخَذَ منهم شيئا تَبَرَّعُوا به، وسَأَلُوهُ أخْذَهُ، وعَوَّضَهُم عنه بِرِزْقِ عَبِيدِهم، فرَوَى الإمامُ أحمَدُ (٢٤)، بإسْنَادِهِ عن حَارِثَةَ، قال: جاءَ نَاسٌ من أهْلِ الشَّامِ إلى عُمَرَ، فقالُوا: إنَّا قد أصَبْنَا مَالًا وخَيْلًا وَرَقِيقًا، نُحِبُّ أن يكونَ لنا فيها زَكاةٌ وطَهُورٌ. قال: ما فَعَلَهُ صَاحِبَاىَ قَبْلِى (٢٥)، فَأفْعَلُهُ. فاسْتَشَارَ أصْحابَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وفيهم علىٌّ، فقال: هو حَسَنٌ إن لم يَكُنْ جِزْيَةً يُؤْخَذُونَ بها من بَعْدِكَ. قال أحمدُ: فكان عمرُ يَأخُذُ منهم، ثم يَرْزُقُ عَبِيدَهُمْ، فصارَ حَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةً عليهم من وُجُوهٍ؛ أحدُها، قولُه: ما فَعَلَه صَاحِبَاىَ. يعنى النَّبِىَّ ﷺ وأبا بكرٍ رَضىَ اللَّه عنه، ولو كان وَاجِبًا لما تَرَكَا فِعْلَهُ. الثانى، أنَّ عمرَ امْتَنَعَ من أخْذِها، ولا يجوزُ له (٢٦) أن يَمْتَنِعَ من الوَاجِبِ. الثالث، قَوْلُ علىٍّ: هو حَسَنٌ إن لم يَكُنْ جِزْيَةً يُؤْخَذُونَ بها من بَعْدِكَ. فسَمَّاه (٢٧) جِزْيَةً إن أُخِذُوا بها، وجَعَلَ حُسْنَه (٢٨) مَشْرُوطًا بِعَدَمِ أخْذِهِم به، فَيَدُلُّ على أن أخْذَهُم بذلك غيرُ جائِزٍ. الرابعُ، اسْتِشَارَةُ عمرَ أصْحَابَه فى أخْذِهِ، ولو كان وَاجِبًا لما احْتَاجَ إلى الاسْتِشَارَةِ. الخامسُ، أنَّه لم يُشِرْ عليه بأَخْذِهِ أحَدٌ سِوَى علىٍّ، بهذا الشَّرْطِ الذى ذَكَرَهُ، ولو كان وَاجِبًا لأشَارُوا به. السادسُ، أن عمرَ عَوَّضَهم عنه رِزْقَ عَبِيدِهم، والزكاةُ لا يُؤْخَذُ عنها عِوَضٌ. ولا يَصِحُّ قِيَاسُها على

стр. 1715

النَّعَمِ؛ لأنَّها يَكْمُلُ نَمَاؤُها، ويُنْتَفَعُ بِدَرِّهَا ولَحْمِها، ويُضَحَّى بِجِنْسِها، وتكونُ هَدْيًا (٢٩)، وفِدْيَةً عن مَحْظُورَاتِ الإحْرَامِ، وتَجِبُ الزكاةُ من عَيْنِها، ويُعْتَبَرُ كَمَالُ نِصَابِها، ولا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا، والخَيْلُ بِخِلَافِ ذلك. ٤١٥ - مسألة؛ قال: (والصَّدَقَةُ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى أحْرَارِ المُسْلِمِينَ) وفى بعضِ النُّسَخِ: "إلَّا على الأحْرَارِ المُسْلِمِينَ". ومَعْنَاهُما واحِدٌ، وهو أنَّ الزَّكَاةَ لا تَجِبُ إلَّا على حُرٍّ مُسْلِمٍ تَامِّ المِلْكِ، وهذا (١) قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا إلَّا عن عَطَاءٍ، وأَبِى ثَوْرٍ، فإنَّهما قالا: على العَبْدِ زَكَاةُ مَالِه. ولَنا، أنَّ العَبْدَ ليس بِتَامِّ المِلْكِ، فلم تَلْزَمْهُ زَكَاةٌ، كالمُكاتَبِ. فأمَّا الكَافِرُ فلا خِلافَ فى أنَّه لا زكاةَ عليه، ومتى صَارَ أحَدُ هؤُلاءِ من أهْلِ الزَّكَاةِ، وهو مَالِكٌ لِلنِّصَابِ، اسْتَقْبَلَ به حَوْلًا ثم زَكَّاهُ، فأمَّا الحُرُّ المُسْلِمُ إذا مَلَكَ نِصَابًا خَالِيًا عن دَيْنٍ، فعليه الزكاةُ عندَ تَمَامِ حَوْلِه، سَوَاءٌ كان كَبِيرًا أو صَغِيرًا، أو عَاقِلًا أو مَجْنُونًا. ٤١٦ - مسألة؛ قال: (والصَّبِىُّ والمَجْنُونُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُما) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فى مالِ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ؛ لِوُجُودِ الشَّرَائِط الثَّلَاثِ فيهما، رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابْنِ عمرَ، وعَائِشَةَ، والحسنِ بن علىٍّ، وجابِرٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال جابِرُ بن زيدٍ، وابنُ سِيرِينَ، وعَطَاءٌ، ومُجَاهِدٌ، ورَبِيعَةُ، ومَالِكٌ، والحسنُ بنُ صَالِحٍ، وابْنُ أبِى لَيْلَى، والشَّافِعِىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وابْنُ عُيَيْنَةَ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ (١) عن ابْنِ مسعودٍ والثَّوْرِىِّ والأوْزَاعِىِّ أنَّهم قالوا: تَجِبُ الزَّكَاةُ، ولا تُخْرَجُ حتى يَبْلُغَ

стр. 1716

الصَّبِىُّ، ويُفِيقَ المَعْتُوهُ. قال ابْنُ مسعودٍ: أحْصِ (٢) ما يَجِبُ فى مَالِ اليَتِيمِ من الزَّكَاةِ، فإذا بَلَغَ أعْلِمْهُ، فإنْ شَاءَ زَكَّى، وإن شاءَ (٣) لم يُزَكِّ (٤). وَرُوِىَ نحوُ هذا عن إبراهيمَ. وقال الحسنُ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو وَائِلٍ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا تَجِبُ الزكاةُ فى أمْوَالِهما. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ العُشْرُ فى زُرُوعِهما وثَمَرَتِهِما (٥)، وتَجِبُ صَدَقَةُ الفِطْرِ عليهما. واحْتَجَّ فى نَفْىِ الزكاةِ بقولِه ﵇: "رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ" (٦). وبأنَّها عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ؛ فلا تَجِبُ عليهما، كالصَّلاةِ والحَجِّ. ولَنا، ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ (٧) وَلِىَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، ولا يَتْرُكْه حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ". أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٨). وفى رُواتِه المُثَنَّى بن الصَّبَّاحِ، وفيه مَقَالٌ، وروى موقوفًا على عمر (٩). وإنما تَأْكُلُه الصَّدَقَةُ بإخْرَاجِهَا. وإنَّما يجوزُ إخْرَاجُها إذا كانت وَاجِبةً؛ لأنَّه ليس له أن يَتَبَرَّعَ بمالِ اليَتِيمِ، ولأنَّ من وَجَبَ العُشْرُ فى زَرْعِه وَجَبَ رُبْعُ العُشْرِ فى وَرِقِه، كالبَالِغِ العَاقِلِ، ويُخَالِفُ الصلاةَ والصَّوْمَ، فإنَّها مُخْتَصَّةٌ بالبَدَنِ، وبِنْيَةُ الصَّبِىِّ

стр. 1717

ضَعِيفَةٌ عنها، والمَجْنُونُ لا يَتَحَقَّقُ منه نِيَّتُها، والزَّكَاةُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالمالِ، فأشْبَهَ نَفَقَةَ الأقَارِب والزَّوْجاتِ، وأُرُوشَ الجِنَايَاتِ، وقِيَمَ المُتْلَفَاتِ، والحَديثُ أُرِيدَ به رَفْعُ الإثْمِ والعِبادَاتِ البَدَنِيَّةِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ العُشْرِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ والحُقُوق المالِيَّةِ، ثم هو مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنَاهُ، والزَّكَاةُ فى المالِ فى معناه، فنَقِيسُها (١٠) عليه. إذا تَقَرَّرَ هذا، فإنَّ الوَلِىَّ يُخْرِجُها عنهما من مَالِهِما؛ لأنَّها زكاةٌ وَاجِبَةٌ، فوَجَبَ إخْرَاجُها، كزَكَاةِ البالِغِ العاقِلِ، والوَلِىُّ يَقُومُ مَقامَهُ فى أدَاءِ ما عليه؛ ولأنَّها حَقٌّ وَاجِبٌ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فكان على الوَلِىِّ أدَاؤُهُ عنهما، كنَفَقَةِ أقَارِبِه، وتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الوَلِىِّ فى الإخْرَاجِ، كما تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ من رَبِّ المالِ. ٤١٧ - مسألة؛ قال: (والسَّيِّدُ يُزَكِّى عَمَّا فِى يَدِ عَبْدِهِ؛ لِأنَّهُ مَالِكُهُ) يَعْنِى أن السَّيِّدَ مالِكٌ لما فى يَدِ عَبْدِه، وقد اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، ﵀، فى زكاةِ مالِ العَبْدِ الذى مَلَّكهُ إيَّاه، فَرُوِىَ عنه: زَكَاتُه على سَيِّدِه. هذا مَذْهَبُ سُفْيَانَ، وإسحاقَ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وَرُوِىَ عنه: لا زكاةَ فى مَالِهِ؛ لا على العَبْدِ ولا على سَيِّدِهِ. قال ابْنُ المُنْذِرِ: وهذا قولُ ابْنِ عمرَ، وجَابِرٍ، والزُّهْرِىِّ، وقَتَادَةَ، ومالِكٍ، وأبى عُبَيْدٍ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالمَذْهَبَيْنِ. قال أبو بكرٍ: المَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ على الرِّوَايَتَيْنِ فى مِلْكِ العَبْدِ، إذا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ؛ إحْداهما، لا يَمْلِكُ. قال أبو بكرٍ: وهو اخْتِيَارِى. وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِىِّ هاهُنا؛ لأنَّه جَعَلَ السَّيِّدَ مالِكًا لِمَالِ عَبْدِهِ، ولو كان مَمْلُوكًا لِلْعَبْدِ لم يَكُنْ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهِ، لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ مِلْكَيْنِ كامِلَيْنِ فى مَالٍ واحِدٍ، وَوَجْهُه أنَّ العَبْدَ مَالٌ، فلا يَمْلِكُ المالَ كالبَهَائِمِ، فعلى هذا تكونُ زكاتُه على سَيِّدِ العَبْدِ، لأنَّه مِلْكٌ له فى يَدِ عَبْدِه، فكانت زكاتُه عليه، كالمَالِ الذى فى يَدِ المُضارِبِ والوَكِيلِ. والثانية، يَمْلِكُ؛ لأنَّه آدَمِىٌّ يَمْلِكُ النِّكَاحَ، فمَلَكَ المالَ، كالحُرِّ، وذلك لأنَّه بالآدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ

стр. 1718

لِلْمِلْكِ، من قِبَلِ أنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ المالَ لِبَنِى آدَمَ لِيَسْتَعِينُوا به على القِيَامِ بِوَظَائِف العِبَادَاتِ، وأعْبَاء التَّكَالِيفِ، قال (١) اللهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢). فبالآدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ لِلْمِلْكِ ويَصْلُحُ له، كما يَتَمَهَّدُ لِلتَّكْلِيفِ والعِبادَةِ، فعلى هذا لا زكاةَ على السَّيِّدِ فى مَالِ العَبْدِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُهُ، ولا على العَبْدِ؛ لأنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، والزكَاةُ إنما تَجِبُ على تَامِّ المِلْكِ. فصل: ومن بَعْضُه حُرٌّ عليه زَكَاةُ مَالِهِ؛ لأنَّه يَمْلِكُه (٣) بِجُزْئِه الحُرِّ، ويُورَثُ عنه، ومِلْكُه كَامِلٌ فيه (٤)، فكانت زكاتُه عليه، كالحُرِّ الكَامِلِ. والمُدَبَّرُ وأُمُّ الوَلَدِ كالقِنِّ؛ لأنَّه لا حُرِّيَّةَ فيهما. ٤١٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا زكَاةَ عَلَى مُكَاتَبٍ) فإنْ عَجَزَ اسْتَقْبَلَ سَيِّدُه بما فى يَدِه من المَالِ حَوْلًا وزَكَّاهُ، إن كان نِصَابًا، وإن أَدَّى، وبَقِىَ فى يَدِهِ نِصَابٌ لِلزَّكَاةِ، اسْتَقْبَلَ به حَوْلًا. لا نَعْلَمُ (١) خِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ فى أنَّه لا زكاةَ على المُكَاتَبِ؛ ولا على سَيِّدِهِ فى مَالِهِ، إلَّا قَوْلَ أبى ثَوْرٍ. ذَكَرَ ابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَ هذا. واحْتَجَّ أبو ثَوْرٍ بأنَّ الحَجْرَ من السَّيِّدِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، كالحَجْرِ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ والمَرْهُونِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه أوْجَبَ العُشْرَ فى الخَارِجِ من أرْضِهِ، بِنَاءً على أصْلِه فى أن العُشْرَ مُؤْنَةُ الأرْضِ، وليس بِزَكَاةٍ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لَا زَكَاةَ فِى مَالِ المُكَاتَبِ" (٢). رَوَاه الفُقَهاءُ فى كُتُبِهِم، ولأنَّ الزكاةَ تَجِبُ على طَرِيقِ المُوَاسَاةِ،

стр. 1719

فلم تَجِبْ فى مَالِ المُكَاتَبِ، كَنَفَقَةِ الأقَارِب، وفَارَقَ المَحْجُورَ عليه، فإنَّه مُنِعَ التَّصَرُّفَ لِنَقْصِ [تَصَرُّفِهِ، لا لِنَقْصِ] (٣) مِلْكِهِ، والمَرْهُونُ مُنِعَ من التَّصَرُّفِ فيه بِعَقْدِهِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّ اللهِ تَعَالَى، ومتى كان مَنْعُ التَّصَرُّفِ فيه لِدَيْنٍ لا يُمْكِنُ (٤) وَفَاؤُه من غَيْرِه، فلا زكاةَ عليه. إذا ثَبَتَ هذا، فمتى عَجَزَ ورُدَّ فى الرِّقِّ، صارَ ما كان فى يَدِهِ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ، فإن كانا نِصابًا، أو يَبْلُغُ بِضَمِّهِ إلى ما فى يَدِهِ نِصابًا، اسْتَأنَفَ له حَوْلًا من حِينَ مَلَكَهُ، وزَكَّاهُ، كالمُسْتَفَادِ سَوَاء. ولا أعْلَمُ فى هذا خِلَافًا. فإنْ أدَّى المُكاتَبُ نُجُومَ كِتابَتِه، وبَقِىَ فى يَدِه نِصابٌ، فقد صارَ حُرًّا كَامِلَ المِلْكِ، فيَسْتَأْنِفُ الحَوْلَ من حِينِ عِتْقِه، ويُزَكِّيه إذا تَمَّ الحَوْلُ، واللهُ أعلمُ. ٤١٩ - مسألة؛ قال: (ولَا زكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) ورَوَى أبو عبدِ اللهِ ابنُ مَاجَه، فى "السُّنَنِ" (١) بإسْنَادِهِ عن عَمْرَةَ (٢) عن عائشةَ، قالتْ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "لَا زَكَاةَ فى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ". وهذا [اللَّفْظُ غيرُ] (٣) مُبْقًى على عُمُومِهِ، فإنَّ الأمْوَالَ الزَّكَاتِيَّةَ خَمْسَةٌ: السَّائِمَةُ من بَهِيمَةِ الأنْعَامِ، والأثْمَانُ؛ وهى الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وقِيَمُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وهذه الثَّلَاثَةُ الحَوْلُ شَرْطٌ فى وُجُوبِ زكاتِها. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، سِوَى ما سَنَذْكُرُه فى المُسْتَفَادِ. والرَّابِعُ: ما يُكَالُ ويُدَّخَرُ من الزُّرُوعِ والثِّمَارِ،

стр. 1720

والخَامِسُ: المَعْدِنُ. وهذانِ لا يُعْتَبَرُ لهما حَوْلٌ. والفَرْقُ بين ما اعْتُبِرَ له الحَوْلُ وما لم يُعْتَبَرْ له، أنَّ ما اعْتُبِرَ له الحَوْلُ مُرْصَدٌ لِلنَّمَاءِ، فالمَاشِيَةُ مُرْصَدَةٌ لِلدَّرِّ والنَّسْلِ، وعُرُوضُ التِّجَارَةِ مُرْصَدَةٌ لِلرِّبْحِ، وكذا الأثْمَانُ، فاعْتُبِرَ له الحَوْلُ؛ فإنَّه (٤) مَظِنَّةُ النَّمَاءِ، ليكونَ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ من الرِّبْحِ، فإنَّه أسْهَلُ وأيْسَرُ، ولأنَّ الزَّكَاةَ إنَّما وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، ولم نَعْتَبِرْ حَقِيقَةَ النَّمَاءِ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِه، وعَدَمِ ضَبْطِه، ولأنَّ ما اعْتُبِرَتْ مَظِنَّتُه لم يُلْتَفَتْ إلى حَقِيقَتِه، كالحُكْمِ مع الأسْبَابِ، ولأنَّ الزكاةَ تَتَكَرَّرُ فى هذه الأمْوَالِ، فلا بُدَّ لها من ضَابِطٍ، كيلا يُفْضِىَ إلى تَعَاقُبِ الوُجُوبِ فى الزَّمَنِ الوَاحِدِ مَرَّات، فيَنْفَدَ مَالُ المالِكِ. أمَّا الزُّرُوعُ والثِّمَارُ، فهى نَمَاءٌ فى نَفْسِهَا، تَتَكَامَلُ عند إخْرَاجِ الزكاةِ منها، فَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ منها حِينَئِذٍ، ثم تَعُودُ فى النَّقْصِ لا فى النَّمَاءِ؛ فلا تَجِبُ فيها زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ، لِعَدَمِ إرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ، والخَارِجُ من المَعْدِنِ مُسْتَفَادٌ خَارِجٌ من الأرْضِ، بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، إلَّا أنَّه إن كان من جِنْسِ الأثْمَانِ، ففيه الزَّكَاةُ عند كُلِّ حَوْلٍ، لأنَّه مَظِنَّةٌ لِلنَّمَاءِ، من (٥) حَيْثُ إنَّ الأثْمَانَ قِيَمُ الأمْوَالِ، ورَأْسُ مَالِ التِّجَارَاتِ (٦)، وبهذا تَحْصُلُ المُضَارَبَةُ والشَّرِكَةُ، وهى مَخْلُوقَةٌ لذلك، فكانت بأَصْلِهَا (٧) وخِلْقَتِها، كمَالِ التِّجَارَةِ المُعَدِّ لها. فصل: فإن اسْتَفَادَ مالًا ممَّا يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ، ولا مالَ له سِوَاهُ، وكان نِصابًا، أو كان له مالٌ من جِنْسِه لا يَبْلُغُ نِصَابًا، فبَلَغَ بالمُسْتَفَادِ نِصابًا، انْعَقَدَ عليه حَوْلُ الزَّكَاةِ من حِينَئِذٍ، فإذا تَمَّ حَوْلٌ (٨) وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فيه، وإن كان عنده نِصابٌ، لم يَخْلُ
следующие страницы →