← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الصَّبِىُّ، ويُفِيقَ المَعْتُوهُ. قال ابْنُ مسعودٍ: أحْصِ (٢) ما يَجِبُ فى مَالِ اليَتِيمِ من الزَّكَاةِ، فإذا بَلَغَ أعْلِمْهُ، فإنْ شَاءَ زَكَّى، وإن شاءَ (٣) لم يُزَكِّ (٤). وَرُوِىَ نحوُ هذا عن إبراهيمَ. وقال الحسنُ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو وَائِلٍ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا تَجِبُ الزكاةُ فى أمْوَالِهما. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ العُشْرُ فى زُرُوعِهما وثَمَرَتِهِما (٥)، وتَجِبُ صَدَقَةُ الفِطْرِ عليهما. واحْتَجَّ فى نَفْىِ الزكاةِ بقولِه ﵇: "رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ" (٦). وبأنَّها عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ؛ فلا تَجِبُ عليهما، كالصَّلاةِ والحَجِّ. ولَنا، ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ (٧) وَلِىَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، ولا يَتْرُكْه حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ". أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٨). وفى رُواتِه المُثَنَّى بن الصَّبَّاحِ، وفيه مَقَالٌ، وروى موقوفًا على عمر (٩). وإنما تَأْكُلُه الصَّدَقَةُ بإخْرَاجِهَا. وإنَّما يجوزُ إخْرَاجُها إذا كانت وَاجِبةً؛ لأنَّه ليس له أن يَتَبَرَّعَ بمالِ اليَتِيمِ، ولأنَّ من وَجَبَ العُشْرُ فى زَرْعِه وَجَبَ رُبْعُ العُشْرِ فى وَرِقِه، كالبَالِغِ العَاقِلِ، ويُخَالِفُ الصلاةَ والصَّوْمَ، فإنَّها مُخْتَصَّةٌ بالبَدَنِ، وبِنْيَةُ الصَّبِىِّ

стр. 1717

ضَعِيفَةٌ عنها، والمَجْنُونُ لا يَتَحَقَّقُ منه نِيَّتُها، والزَّكَاةُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالمالِ، فأشْبَهَ نَفَقَةَ الأقَارِب والزَّوْجاتِ، وأُرُوشَ الجِنَايَاتِ، وقِيَمَ المُتْلَفَاتِ، والحَديثُ أُرِيدَ به رَفْعُ الإثْمِ والعِبادَاتِ البَدَنِيَّةِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ العُشْرِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ والحُقُوق المالِيَّةِ، ثم هو مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنَاهُ، والزَّكَاةُ فى المالِ فى معناه، فنَقِيسُها (١٠) عليه. إذا تَقَرَّرَ هذا، فإنَّ الوَلِىَّ يُخْرِجُها عنهما من مَالِهِما؛ لأنَّها زكاةٌ وَاجِبَةٌ، فوَجَبَ إخْرَاجُها، كزَكَاةِ البالِغِ العاقِلِ، والوَلِىُّ يَقُومُ مَقامَهُ فى أدَاءِ ما عليه؛ ولأنَّها حَقٌّ وَاجِبٌ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فكان على الوَلِىِّ أدَاؤُهُ عنهما، كنَفَقَةِ أقَارِبِه، وتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الوَلِىِّ فى الإخْرَاجِ، كما تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ من رَبِّ المالِ. ٤١٧ - مسألة؛ قال: (والسَّيِّدُ يُزَكِّى عَمَّا فِى يَدِ عَبْدِهِ؛ لِأنَّهُ مَالِكُهُ) يَعْنِى أن السَّيِّدَ مالِكٌ لما فى يَدِ عَبْدِه، وقد اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، ﵀، فى زكاةِ مالِ العَبْدِ الذى مَلَّكهُ إيَّاه، فَرُوِىَ عنه: زَكَاتُه على سَيِّدِه. هذا مَذْهَبُ سُفْيَانَ، وإسحاقَ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وَرُوِىَ عنه: لا زكاةَ فى مَالِهِ؛ لا على العَبْدِ ولا على سَيِّدِهِ. قال ابْنُ المُنْذِرِ: وهذا قولُ ابْنِ عمرَ، وجَابِرٍ، والزُّهْرِىِّ، وقَتَادَةَ، ومالِكٍ، وأبى عُبَيْدٍ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالمَذْهَبَيْنِ. قال أبو بكرٍ: المَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ على الرِّوَايَتَيْنِ فى مِلْكِ العَبْدِ، إذا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ؛ إحْداهما، لا يَمْلِكُ. قال أبو بكرٍ: وهو اخْتِيَارِى. وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِىِّ هاهُنا؛ لأنَّه جَعَلَ السَّيِّدَ مالِكًا لِمَالِ عَبْدِهِ، ولو كان مَمْلُوكًا لِلْعَبْدِ لم يَكُنْ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهِ، لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ مِلْكَيْنِ كامِلَيْنِ فى مَالٍ واحِدٍ، وَوَجْهُه أنَّ العَبْدَ مَالٌ، فلا يَمْلِكُ المالَ كالبَهَائِمِ، فعلى هذا تكونُ زكاتُه على سَيِّدِ العَبْدِ، لأنَّه مِلْكٌ له فى يَدِ عَبْدِه، فكانت زكاتُه عليه، كالمَالِ الذى فى يَدِ المُضارِبِ والوَكِيلِ. والثانية، يَمْلِكُ؛ لأنَّه آدَمِىٌّ يَمْلِكُ النِّكَاحَ، فمَلَكَ المالَ، كالحُرِّ، وذلك لأنَّه بالآدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ

стр. 1718

لِلْمِلْكِ، من قِبَلِ أنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ المالَ لِبَنِى آدَمَ لِيَسْتَعِينُوا به على القِيَامِ بِوَظَائِف العِبَادَاتِ، وأعْبَاء التَّكَالِيفِ، قال (١) اللهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢). فبالآدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ لِلْمِلْكِ ويَصْلُحُ له، كما يَتَمَهَّدُ لِلتَّكْلِيفِ والعِبادَةِ، فعلى هذا لا زكاةَ على السَّيِّدِ فى مَالِ العَبْدِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُهُ، ولا على العَبْدِ؛ لأنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، والزكَاةُ إنما تَجِبُ على تَامِّ المِلْكِ. فصل: ومن بَعْضُه حُرٌّ عليه زَكَاةُ مَالِهِ؛ لأنَّه يَمْلِكُه (٣) بِجُزْئِه الحُرِّ، ويُورَثُ عنه، ومِلْكُه كَامِلٌ فيه (٤)، فكانت زكاتُه عليه، كالحُرِّ الكَامِلِ. والمُدَبَّرُ وأُمُّ الوَلَدِ كالقِنِّ؛ لأنَّه لا حُرِّيَّةَ فيهما. ٤١٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا زكَاةَ عَلَى مُكَاتَبٍ) فإنْ عَجَزَ اسْتَقْبَلَ سَيِّدُه بما فى يَدِه من المَالِ حَوْلًا وزَكَّاهُ، إن كان نِصَابًا، وإن أَدَّى، وبَقِىَ فى يَدِهِ نِصَابٌ لِلزَّكَاةِ، اسْتَقْبَلَ به حَوْلًا. لا نَعْلَمُ (١) خِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ فى أنَّه لا زكاةَ على المُكَاتَبِ؛ ولا على سَيِّدِهِ فى مَالِهِ، إلَّا قَوْلَ أبى ثَوْرٍ. ذَكَرَ ابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَ هذا. واحْتَجَّ أبو ثَوْرٍ بأنَّ الحَجْرَ من السَّيِّدِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، كالحَجْرِ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ والمَرْهُونِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه أوْجَبَ العُشْرَ فى الخَارِجِ من أرْضِهِ، بِنَاءً على أصْلِه فى أن العُشْرَ مُؤْنَةُ الأرْضِ، وليس بِزَكَاةٍ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لَا زَكَاةَ فِى مَالِ المُكَاتَبِ" (٢). رَوَاه الفُقَهاءُ فى كُتُبِهِم، ولأنَّ الزكاةَ تَجِبُ على طَرِيقِ المُوَاسَاةِ،

стр. 1719

فلم تَجِبْ فى مَالِ المُكَاتَبِ، كَنَفَقَةِ الأقَارِب، وفَارَقَ المَحْجُورَ عليه، فإنَّه مُنِعَ التَّصَرُّفَ لِنَقْصِ [تَصَرُّفِهِ، لا لِنَقْصِ] (٣) مِلْكِهِ، والمَرْهُونُ مُنِعَ من التَّصَرُّفِ فيه بِعَقْدِهِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّ اللهِ تَعَالَى، ومتى كان مَنْعُ التَّصَرُّفِ فيه لِدَيْنٍ لا يُمْكِنُ (٤) وَفَاؤُه من غَيْرِه، فلا زكاةَ عليه. إذا ثَبَتَ هذا، فمتى عَجَزَ ورُدَّ فى الرِّقِّ، صارَ ما كان فى يَدِهِ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ، فإن كانا نِصابًا، أو يَبْلُغُ بِضَمِّهِ إلى ما فى يَدِهِ نِصابًا، اسْتَأنَفَ له حَوْلًا من حِينَ مَلَكَهُ، وزَكَّاهُ، كالمُسْتَفَادِ سَوَاء. ولا أعْلَمُ فى هذا خِلَافًا. فإنْ أدَّى المُكاتَبُ نُجُومَ كِتابَتِه، وبَقِىَ فى يَدِه نِصابٌ، فقد صارَ حُرًّا كَامِلَ المِلْكِ، فيَسْتَأْنِفُ الحَوْلَ من حِينِ عِتْقِه، ويُزَكِّيه إذا تَمَّ الحَوْلُ، واللهُ أعلمُ. ٤١٩ - مسألة؛ قال: (ولَا زكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) ورَوَى أبو عبدِ اللهِ ابنُ مَاجَه، فى "السُّنَنِ" (١) بإسْنَادِهِ عن عَمْرَةَ (٢) عن عائشةَ، قالتْ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "لَا زَكَاةَ فى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ". وهذا [اللَّفْظُ غيرُ] (٣) مُبْقًى على عُمُومِهِ، فإنَّ الأمْوَالَ الزَّكَاتِيَّةَ خَمْسَةٌ: السَّائِمَةُ من بَهِيمَةِ الأنْعَامِ، والأثْمَانُ؛ وهى الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وقِيَمُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وهذه الثَّلَاثَةُ الحَوْلُ شَرْطٌ فى وُجُوبِ زكاتِها. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، سِوَى ما سَنَذْكُرُه فى المُسْتَفَادِ. والرَّابِعُ: ما يُكَالُ ويُدَّخَرُ من الزُّرُوعِ والثِّمَارِ،

стр. 1720

والخَامِسُ: المَعْدِنُ. وهذانِ لا يُعْتَبَرُ لهما حَوْلٌ. والفَرْقُ بين ما اعْتُبِرَ له الحَوْلُ وما لم يُعْتَبَرْ له، أنَّ ما اعْتُبِرَ له الحَوْلُ مُرْصَدٌ لِلنَّمَاءِ، فالمَاشِيَةُ مُرْصَدَةٌ لِلدَّرِّ والنَّسْلِ، وعُرُوضُ التِّجَارَةِ مُرْصَدَةٌ لِلرِّبْحِ، وكذا الأثْمَانُ، فاعْتُبِرَ له الحَوْلُ؛ فإنَّه (٤) مَظِنَّةُ النَّمَاءِ، ليكونَ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ من الرِّبْحِ، فإنَّه أسْهَلُ وأيْسَرُ، ولأنَّ الزَّكَاةَ إنَّما وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، ولم نَعْتَبِرْ حَقِيقَةَ النَّمَاءِ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِه، وعَدَمِ ضَبْطِه، ولأنَّ ما اعْتُبِرَتْ مَظِنَّتُه لم يُلْتَفَتْ إلى حَقِيقَتِه، كالحُكْمِ مع الأسْبَابِ، ولأنَّ الزكاةَ تَتَكَرَّرُ فى هذه الأمْوَالِ، فلا بُدَّ لها من ضَابِطٍ، كيلا يُفْضِىَ إلى تَعَاقُبِ الوُجُوبِ فى الزَّمَنِ الوَاحِدِ مَرَّات، فيَنْفَدَ مَالُ المالِكِ. أمَّا الزُّرُوعُ والثِّمَارُ، فهى نَمَاءٌ فى نَفْسِهَا، تَتَكَامَلُ عند إخْرَاجِ الزكاةِ منها، فَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ منها حِينَئِذٍ، ثم تَعُودُ فى النَّقْصِ لا فى النَّمَاءِ؛ فلا تَجِبُ فيها زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ، لِعَدَمِ إرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ، والخَارِجُ من المَعْدِنِ مُسْتَفَادٌ خَارِجٌ من الأرْضِ، بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، إلَّا أنَّه إن كان من جِنْسِ الأثْمَانِ، ففيه الزَّكَاةُ عند كُلِّ حَوْلٍ، لأنَّه مَظِنَّةٌ لِلنَّمَاءِ، من (٥) حَيْثُ إنَّ الأثْمَانَ قِيَمُ الأمْوَالِ، ورَأْسُ مَالِ التِّجَارَاتِ (٦)، وبهذا تَحْصُلُ المُضَارَبَةُ والشَّرِكَةُ، وهى مَخْلُوقَةٌ لذلك، فكانت بأَصْلِهَا (٧) وخِلْقَتِها، كمَالِ التِّجَارَةِ المُعَدِّ لها. فصل: فإن اسْتَفَادَ مالًا ممَّا يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ، ولا مالَ له سِوَاهُ، وكان نِصابًا، أو كان له مالٌ من جِنْسِه لا يَبْلُغُ نِصَابًا، فبَلَغَ بالمُسْتَفَادِ نِصابًا، انْعَقَدَ عليه حَوْلُ الزَّكَاةِ من حِينَئِذٍ، فإذا تَمَّ حَوْلٌ (٨) وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فيه، وإن كان عنده نِصابٌ، لم يَخْلُ

стр. 1721

المُسْتَفادُ من ثلاثةِ أقْسامٍ: أحدُها، أن يكونَ المُسْتَفَادُ من نَمَائِه كَرِبْحِ مالِ التِّجَارَةِ ونِتاجِ السَّائِمَةِ، فهذا يَجِبُ ضَمُّه إلى ما عِنْدَه من أصْلِه، فيُعْتَبَرُ حَوْلُه (٩) بِحَوْلِه. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّه تَبَعٌ له من جِنْسِه، فأشْبَهَ النَّمَاءَ المُتَّصِلَ، وهو زِيادَةُ قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجارَةِ، وبثَمَنِ (١٠) العَبْدِ والجَارِيَةِ. الثانى، أن يكونَ المُسْتَفَادُ من غيرِ جِنْسِ ما عِنْدَه، فهذا له حُكْمُ نَفْسِه، لا يُضَمُّ إلى ما عِنْدَه فى حَوْلٍ ولا نِصَابٍ، بل إنْ كان نِصابًا اسْتَقْبَلَ به حَوْلًا وزَكَّاهُ، وإلَّا فلا شىءَ فيه. وهذا قولُ جُمْهُورِ العُلَماءِ. ورُوِىَ عن ابْنِ مسعودٍ، وابْنِ عَبَّاسٍ، ومُعَاوِيَةَ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيه حِينَ اسْتَفَادَه. قال أحمدُ، عن (١١) غيرِ واحِدٍ: يُزَكِّيه حين يَسْتَفِيدُه. ورَوَى بإسْنَادِهِ عن ابْنِ مسعودٍ، قال: كان عبدُ اللهِ يُعْطِينَا ويُزَكِّيه. وعن الأوْزَاعِىِّ فى مَن بَاعَ عَبْدَهُ أو دَارَهُ، أنَّه يُزَكِّى الثَّمَنَ حِينَ يَقَعُ فى يَدِهِ إلَّا أن يكونَ له شَهْرٌ يُعْلَمُ، فَيُؤَخِّرَه حتى يُزَكِّيَه مع مَالِه. وجُمْهُورُ العُلَمَاءِ على خِلَافِ هذا القَوْلِ؛ منهم أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعلىٌّ، رَضِى اللهُ عنهم. قال ابْنُ عبدِ البَرِّ: على هذا جُمْهُورُ العُلَمَاءِ، والخِلَافُ فى ذلك شُذُوذٌ، ولم يُعَرِّجْ عليه أحَدٌ من العُلَمَاءِ، ولا قال به أحَدٌ من أَئِمَّةِ الفَتْوَى. وقد رُوِىَ عن أحمدَ فى مَن بَاعَ دَارَهُ بِعَشْرَةِ آلاف دِرْهَمٍ إلى سَنَةٍ، إذا قَبَضَ المَالَ يُزَكِّيه. وإنَّما نَرَى أنَّ أحمدَ قال ذلك؛ لأنَّه مَلَكَ الدَّرَاهِمَ فى أوَّل الحَوْلِ، وصَارَتْ دَيْنًا له على المُشْتَرِى، فإذا قَبَضَه زَكَّاهُ لِلْحَوْلِ الذى مَرَّ عليه فى مِلْكِه، كسَائِرِ الدُّيُونِ. وقد صرَّحَ بهذا المَعْنَى فى رِوَايَةِ بكرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ، فقال: إذا كَرَى دَارًا أو عَبْدًا فى سَنَةٍ بأَلْفٍ، فحَصَلَتْ له الدَّراهِمُ وقَبَضَها، زَكَّاهَا إذا حَالَ عليها الحَوْلُ، من حِينَ قَبَضَها، وإن كانت على المُكْتَرِى، فمن يَوْمِ وَجَبَتْ له فيها الزَّكَاةُ، بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ إذا وَجَبَ له على

стр. 1722

صَاحِبِهِ، زَكَّاهُ من يَوْمِ وَجَبَ له. القِسْمُ الثَّالِثُ، أن يَسْتَفِيدَ مَالًا من جِنْسِ نِصَابٍ عِنْدَه، قد انْعَقَدَ عليه حَوْلُ الزكاةِ بِسَبَبٍ مُسْتَقِلٌّ، مثل أن يكونَ له (١٢) أَرْبَعُونَ من الغَنَمِ، مَضَى عليها بعضُ حَوْلٍ (١٣)، فيَشْتَرِى أو يَتَّهِبُ مائةً، فهذا لا تَجِبُ فيه الزكاةُ حتى يَمْضِىَ عليه حَوْلٌ أيضًا. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَضُمُّهُ إلى ما عِنْدَه فى الحَوْلِ، فيُزَكِّيهِما (١٤) جَمِيعًا عند تَمَامِ حَوْلِ المَالِ الذى كان عندَه، إلَّا أن يكونَ عِوَضًا عن مَالٍ مُزَكًّى؛ لأنَّه يُضَمُّ إلى جِنْسِه فى النِّصَابِ، فوَجَبَ ضَمُّهُ إليه فى الحَوْلِ كالنِّتَاجِ، ولأنَّه إذا ضُمَّ فى النِّصَابِ وهو سَبَبٌ، فضَمُّهُ إليه فى الحَوْلِ الذى هو شَرْطٌ أوْلَى. وبَيَانُ ذلك أنَّه لو كان عندَه مائَتَا دِرْهَمٍ، مَضَى عليها نِصْفُ الحَوْلِ، فوُهِبَ له مائةٌ أُخْرَى، فإن الزَّكَاةَ تَجِبُ فيها إذا تَمَّ حَوْلُها، بغيرِ خِلَافٍ، ولَوْلَا المائتَانِ ما وَجَبَ فيها شىءٌ، فإذا ضُمَّتْ إلى المائتَيْنِ فى أصْلِ الوُجُوبِ فكذلك فى وَقْتِه، ولأنَّ إفْرَادَهُ بالحَوْلِ يُفْضِى إلى تَشْقِيصِ الوَاجِبِ فى السَّائِمَةِ، واخْتِلَافِ أوْقَاتِ الوَاجِبِ، والحَاجَةِ إلى ضَبْطِ مَوَاقِيتِ التَّمَلُّكِ، ومَعْرِفَةِ قَدْرِ الوَاجِبِ فى كل جُزْءٍ مَلَكَهُ، وَوُجُوبِ القَدْرِ اليَسِيرِ الذى لا يَتَمَكَّنُ من إخْرَاجِه، ثم يَتَكَرَّرُ ذلك فى كلِّ حَوْلٍ وَوَقْتٍ، وهذا حَرَجٌ مَدْفُوعٌ بقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١٥). وقد اعْتَبَرَ الشَّرْعُ ذلك بإيجابِ غيرِ الجِنْسِ فيما دُونَ خَمْسٍ وعِشرينَ من الإبِلِ، وجَعَلَ الأوْقَاصَ فى السَّائِمَةِ، وضَمَّ الأرْبَاحَ والنِّتَاجَ إلى حَوْلِ أَصْلِها مَقْرُونًا بِدَفْعِ هذه المَفْسَدَةِ، فيَدُلُّ على أنَّه عِلَّةٌ لذلك، فيَجِبُ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ إلى مَحَلِّ النِّزَاعِ. وقال مالِكٌ كَقَوْلِه فى السَّائِمَةِ؛ دَفْعًا لِلتَّشْقِيصِ فى (١٦) الوَاجِبِ، كقَوْلِنا فى الأثْمَانِ؛

стр. 1723

لِعَدَمِ ذلك فيها. ولَنا، حَدِيثُ عائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ : "لَا زَكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" (١٧). ورَوَى التِّرْمِذِىُّ (١٨)، عن ابْنِ عمرَ، أنَّه قال: مَن اسْتَفَادَ مَالًا، فَلا زَكَاةَ فيه حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ. وَرُوِىَ مَرْفُوعًا عن النَّبِىِّ ﷺ ، إلَّا [أن التِّرْمِذِىَّ] (١٩) قال: المَوْقُوفُ أصَحُّ، وإنَّما رَفَعَهُ عَبْدُ الرحمنِ بن زيدِ (٢٠) بنِ أسْلَمَ، وهو ضَعِيفٌ. وقد رُوِىَ عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ وعلىٍّ، وابْنِ عمرَ، وعائشةَ، وعَطاءٍ، وعمرَ بن عبدِ العَزِيزِ، وسَالِمٍ، والنَّخَعِىِّ، أنَّه لا زَكَاةَ فى المُسْتَفادِ حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ. ولأنَّه مَمْلُوكٌ أصْلًا، فَيُعْتَبَرُ فيه الحَوْلُ شَرْطًا، كالمُسْتَفادِ من غيرِ الجِنْسِ، ولا تُشْبِهُ هذه الأمْوَالُ الزُّرُوعَ والثِّمَارَ، لأنَّها [تَتَكَامَلُ ثِمَارُها] (٢١) دُفْعَةً وَاحِدَةً، ولهذا لا تَتَكَرَّرُ الزَّكَاةُ فيها، وهذه نَمَاؤُها بنَقْلِها (٢٢)، فاحْتَاجَتْ إلى الحَوْلِ. وأمَّا الأرْبَاحُ والنِّتاجُ، فإنَّما ضُمَّتْ إلى أَصْلِها؛ لأنَّها تَبَعٌ له، ومُتَوَلِّدَةٌ منه، ولم (٢٣) يُوجَدْ ذلك فى مَسْألَتِنَا، وإن سَلَّمْنَا أنَّ عِلَّةَ ضَمِّها، ما ذَكَرُوهُ من الحَرَجِ، فلا يُوجَدُ ذلك فى مَسْأَلَتِنَا؛ لأنَّ الأرْبَاحَ تَكْثُرُ وتَتَكَرَّرُ فى الأيَّامِ والسَّاعاتِ، ويَعْسُرُ ضَبْطُها، وكذلك النتاجُ، وقد يُوجَدُ ولا يُشْعَرُ به، فالمَشَقَّةُ فيه أَتَمُّ؛ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ، بِخِلَافِ هذه الأسبابِ المُسْتَقِلَّةِ،

стр. 1724

فإنَّ المِيرَاثَ والاغْتِنَامَ والاتِّهابَ ونَحْوَ ذلك يَنْدُرُ ولا يَتَكَرَّرُ، فلا يَشُقُّ ذلك فيه، وإن شَقَّ فهو دُونَ المَشَقَّةِ فى الأرْبَاحِ والنِّتَاجِ، فَيَمْتَنِعُ قِيَاسُه عليه، واليُسْرُ فيما ذَكَرْنَا أكْثَرُ؛ لأنَّ الإنْسانَ يَتَخَيَّرُ بين التَّأْخِيرِ والتَّعْجِيلِ، وما ذَكَرُوهُ يَتَعَيَّنُ عليه التَّعْجِيلُ، ولا شَكَّ أنَّ التَّخْيِيرَ بين شَيْئَيْنِ أَيْسَرُ مِن تَعْيِينِ أحَدِهِما، لأنَّه مع التَّخْيِيرِ، فيخْتَارُ أيْسَرَهما عليه، وأحَبَّهما إليه، ومع التَّعْيِينِ يَفُوتُه ذلك. وأمَّا ضَمُّه إليه فى النِّصابِ، فَلأنَّ النِّصابَ مُعْتَبَرٌ لِحُصُولِ الغِنَى، وقد حَصَلَ الغِنَى بالنِّصَابِ الأوَّل، والحَوْلُ مُعْتَبَرٌ، لِاسْتِنْماءِ (٢٤) المالِ؛ لِيَحْصُلَ أدَاءُ الزَّكَاةِ من الرِّبْحِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بِمُرُورِ الحَوْلِ على أَصْلِه، فوَجَبَ أن يُعْتَبَرَ الحَوْلُ له. فصل: ويُعْتَبَرُ وُجُودُ النِّصابِ فى جَمِيعِ الحَوْلِ، فإن نَقَصَ الحَوْلُ نَقْصًا يَسِيرًا، فقال أبو بكرٍ: ثَبَتَ أن نَقْصَ الحَوْلِ سَاعَةً أو ساعَتَيْنِ مَعْفُوٌّ عنه. وظاهِرُ كَلامِ القَاضِى، أنَّ النَّقْصَ اليَسِيرَ فى أثْنَاءِ الحَوْلِ يَمْنَعُ؛ لأنَّه قال فى مَن له أرْبَعُونَ شاةً، فماتَتْ منها شاةٌ ونُتِجَتْ أُخْرَى: إنْ (٢٥) كان النِّتَاجُ والمَوْتُ حَصَلَا فى وَقْتٍ واحِدٍ لم تَسْقُط الزكاةُ؛ لأنَّ النِّصَابَ لم يَنْقُصْ، وكذلك إن تَقَدَّمَ النِّتَاجُ المَوْتَ، وإن تَقَدَّمَ المَوْتُ النِّتَاجَ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ؛ لأنَّ حُكْمَ الحَوْلِ سَقَطَ بِنُقْصَانِ النِّصابِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ كلامَ أبى بكرٍ أرَادَ به النَّقْصَ فى طَرَفِ الحَوْلِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ القاضىَ أرَادَ بالوَقْتِ الوَاحِدِ الزَّمَنَ المُتَقَارِبَ، فلا يكونُ بين القَوْلَيْنِ اخْتِلَافٌ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّ النِّصابَ إذا كَمَلَ فى طَرَفَىِ الحَوْلِ، لم يَضُرّ نَقْصُه فى وَسَطِه. ولَنا، أنَّ قَوْلَ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا زَكَاةَ فى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ" (٢٦). يَقْتَضِى مُرُورَ الحَوْلِ على جَمِيعِه، ولأن ما اعْتُبِرَ فى طَرَفَىِ الحَوْلِ

стр. 1725

اعْتُبِرَ فى وَسَطِه، كالْمِلكِ والإسْلامِ. فصل: وإذا ادَّعَى رَبُّ المالِ أنَّه ما حالَ الحَوْلُ على المالِ، أو لم يَتِمَّ النِّصابُ إلَّا منذُ شَهْرٍ، أو أنَّه كان فى يَدِى وَدِيعَةً، وإنَّما اشْتَرَيْتُه من قَرِيبٍ، أو قال: بِعْتُه فى الحَوْلِ، ثم اشْتَرَيْتُه. أو رُدَّ عَلَىَّ. ونَحْوَ هذا، ممَّا ينْفِى وُجُوبَ الزَّكَاةِ، فالقَوْلُ قَوْلُه من غير يَمِينٍ. قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ صالِحٍ: لا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ على صَدَقَاتِهم. فظَاهِرُ هذا أنَّه لا يُسْتَحْلَفُ وُجُوبًا ولا اسْتِحْبَابًا؛ وذلك لأنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ، فالقَوْلُ قَوْلُ من تَجِبُ عليه بغيرِ يَمِينٍ، كالصلاةِ والكَفَّاراتِ (٧). ٤٢٠ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ تَقْدِمَةُ الزَّكَاةِ) وجُمْلَتُه أنَّه مَتَى وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ، وهو النِّصابُ الكامِلُ، جازَ تَقْدِيمُ الزكاةِ. وبهذا قال الحسنُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وحُكِىَ عن الحسنِ: أنَّه لا يجوزُ. وبه قال رَبِيعَةُ، ومَالِكٌ، ودَاوُدُ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تُؤَدَّى زَكاةٌ قَبْلَ حُلُولِ الحَوْلِ" (١). ولأنَّ الحَوْلَ أحَدُ شَرْطَىِ الزكاةِ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُ الزكاةِ عليه كالنِّصابِ، ولأن لِلزكاةِ وَقْتًا، فلم يَجُزْ تَقدِيمُها عليه، كالصلاةِ. ولَنا، ما رَوَى علىٌّ، أَنَّ العَبَّاسَ سَألَ رسولَ اللهِ ﷺ فى تَعْجِيلِ صَدَقَتِه قبلَ أن تَحِلَّ، فَرَخَّصَ له فى ذلك. [وفى لَفْظٍ: فى تَعْجيلِ الزَّكَاةِ، فرخَّص له فى ذلك] (٢). رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣).

стр. 1726

وقال يَعْقُوبُ بن شَيْبَةَ: هو أثْبَتُها إسْنَادًا. ورَوَى التِّرْمِذِىُّ (٤)، عن علىٍّ، عن النَّبِىِّ ﷺ : أنَّه قال لِعُمرَ: "إنَّا قَدْ أخَذْنَا زَكَاةَ العَبَّاسِ عَامَ الأوَّل لِلْعَامِ". وفى لَفْظٍ قال: "إنَّا كُنَّا تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ العَبَّاسِ لِعَامِنَا هذا عَامَ أوَّل" (٥). رَوَاهُ سَعِيدٌ عن عَطَاءٍ، وابْنِ أبِى مُلَيْكَةَ، والحسنِ بن مُسْلِمٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ مُرْسَلًا، ولأنَّه تَعْجِيلٌ لِمَالٍ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ قبلَ وُجُوبِهِ، فجازَ، كتَعْجِيلِ قَضَاءِ الدَّيْنِ قبلَ حُلُولِ أجَلِهِ، وَأدَاءِ كَفَّارَة اليَمِينِ بعدَ الحَلِفِ وقبلَ الحِنْثِ، وكَفَّارَةِ القَتْلِ بعدَ الجَرْحِ قبلَ الزُّهُوقِ، وقد سلَّم مالِكٌ تَعْجِيلَ الكَفَّارَةِ، وفَارَقَ تَقْدِيمَها قبلَ (٦) النِّصَابِ، لأنَّه تَقْدِيمٌ لها على سَبَبِها، فأشْبَهَ تَقْدِيمَ الكَفَّارَةِ على اليَمِينِ، وكَفَّارَةَ القَتْلِ على الجَرْحِ، ولأنَّه ثَمَّ (٧) قَدَّمَها على الشَّرْطَيْنِ، وهاهُنا قَدَّمَها على أحَدِهما. وقَوْلُهم: إن لِلزَّكَاةِ وَقْتًا. قُلْنا: الوَقْتُ إذا دَخَلَ فى الشىءِ رِفْقًا بالإنْسانِ، كان له أن يُعَجِّلَهُ ويَتْرُكَ الإرْفاقَ بِنَفْسِه، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، وكمن أدَّى زَكاةَ مالِ غَائِبٍ، وإن لم يَكُنْ على يَقِينٍ من وُجُوبِها، ومن الجائِزِ أن يكونَ المَالُ تَالِفًا فى ذلك الوَقْتِ، وأما الصَّلَاةُ والصِّيَامُ فتَعَبُّدٌ مَحْضٌ، والتَّوْقِيتُ فيهما غيرُ مَعْقُولٍ، فيَجِبُ أن يُقْتَصَرَ عليه. فصل: ولا يجوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ. ولو مَلَكَ بعضَ نِصابٍ، فعَجَّلَ زَكَاتَه، أو زكَاةَ نِصابٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه تَعَجَّلَ الحُكْمَ قبلَ سَبَبِه. وإن مَلَكَ نِصابًا فعَجَّلَ زكاتَهُ وزَكاةَ ما يَسْتَفِيدُه، وما يُنْتَجُ منه، أو يَرْبَحُه فيه، أجْزَأَهُ عن النِّصَابِ دونَ الزِّيادَة. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه تَابعٌ لما هو مَالِكُه. ولَنا، أنَّه عَجَّلَ زَكاةَ مالٍ ليس فى مِلْكِه، فلم يَجُزْ كالنِّصابِ الأوَّل، ولأنَّ الزَّائِدَ من الزكاةِ على زكاةِ النِّصابِ إنَّما سَبَّبها الزَّائِدُ فى المِلْكِ، وقد (٨) عَجَّلَ الزَّكَاةَ قبل وُجُودِ سَبَبِها، فأشْبَهَ ما لو عَجَّلَ

стр. 1727

الزَّكَاةَ قبلَ مِلْكِ النِّصَابِ. وقولُه: إنه تابعٌ. قُلْنا: إنَّما يَتْبَعُ فى الحَوْلِ، فأمَّا فى الإيجابِ فإنَّ الوُجُوبَ ثَبَتَ بالزِّيادَةِ، لا بالأصْلِ، ولأنَّه إنَّما يَصِيرُ له حُكْمٌ بعدَ الوُجُودِ، فأمَّا قبلَ ظُهُورِه فلا حُكْمَ له فى الزَّكَاةِ. فصل: وإن عَجَّلَ زكاةَ نِصابٍ من الماشِيَةِ، فتَوَالَدَتْ نِصابًا، ثم ماتَتِ الأُمَّهاتُ وحالَ الحَوْلُ على النِّتَاجِ، أجْزَأ المُعجَّلُ عنها؛ لأنَّها دَخَلَتْ فى حَوْلِ الأُمَّهاتِ، وقَامَتْ مَقامَها، فأجْزَأتْ زكاتُها عنها. فإذا كان عندَه أَرْبَعُونَ من الغَنَمِ، فعَجَّلَ عنها شاةً، ثم تَوَالَدَتْ أرْبَعِينَ سَخْلَةً، ومَاتَتِ الأُمَّهاتُ، وحالَ الحَوْلُ على السِّخالِ، أجْزَأَتِ المُعَجَّلَةُ عنها؛ لأنَّها كانتْ مُجْزِئَةً عنها وعن أُمَّهَاتِها لو بَقِيَتْ، فَلأنْ تُجْزِئ عن إحْدَاهما أوْلَى. وإن كان عندَه ثَلَاثُونَ من البَقَرِ، فعَجَّلَ عنها تَبِيعًا، ثم تَوَالَدَتْ ثلاثِينَ عِجْلَةً، ومَاتَتِ الأُمَّهاتُ، وحَالَ الحَوْلُ على العُجُولِ، احْتَمَلَ أن يُجْزِئ عنها؛ لأنَّها تَابِعَةٌ لها فى الحَوْلِ. واحْتَمَلَ (٩) أنْ لا يُجْزِئ عنها؛ لأنَّه لو عَجَّلَ عنها تَبِيعًا مع بَقاءِ الأُمَّهاتِ لم يُجْزِئ عنها، فلأنْ لا يُجْزِئ عنها إذا كان التَّعْجِيلُ عن غيرِها أوْلَى. وهكذا الحُكْمُ فى مائةِ شَاةٍ إذا عَجَّلَ عنها شاةً فتَوَالَدَتْ مائةً، ثم مَاتَتِ الأُمَّهاتُ، وحالَ الحَوْلُ على السِّخالِ. وإن تَوَالَدَ نِصْفُها، وماتَ نِصْفُ الأُمَّهاتِ، وحالَ الحَوْلُ على الصِّغَارِ ونِصْفِ الكِبَارِ، فإن قُلْنَا بالوَجْهِ الأوَّل، أجْزَأ المُعَجَّلُ عنهما جميعا. وإن قُلْنَا بالثانِى، فعليه فى الخَمْسِينَ سَخْلَةً شاةٌ؛ لأنَّها نِصَابٌ لم تُؤَدَّ زكاتُه. وليس عليه فى العُجُولِ إذا كانت خَمْسَةَ عَشَرَ شىءٌ؛ لأنَّها لم تَبْلُغْ نِصَابًا، وإنَّما وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فيها بِنَاءً على أُمَّهَاتِها التى عُجِّلَتْ زكاتُها. وإن مَلَكَ ثَلَاثِينَ من البَقَرِ، فَعَجَّلَ مُسِنَّةً زكَاةً لها ولِنِتَاجِها، فنُتِجَتْ عَشْرًا، أجْزَأتْه عن الثَّلَاثِينَ دُونَ العَشْرِ، وَوَجَبَ

стр. 1728

عليه فى العَشْرِ رُبْعُ مُسِنَّةٍ. ويَحْتَمِلُ أن تُجْزِئَهُ المُسِنَّةُ المُعَجَّلَةُ عن الجَمِيعِ؛ لأنَّ العَشْرَ تَابِعَةٌ لِلثَّلَاثِينَ فى الوُجُوبِ والحَوْلِ، فإنَّه لولا مِلْكُه لِلثَّلَاثِينَ لمَا وَجَبَ عليه فى العَشْرِ شىءٌ. فصَارَتِ الزِّيادَةُ على النِّصابِ مُنْقَسِمَةً أرْبَعَةَ أقْسامٍ: أحدُها، مالا يَتْبَعُ فى وُجُوبٍ ولا حَوْلٍ، وهو المُسْتَفَادُ من غيرِ الجِنْس، [فهذا لا] (١٠) يُجْزِئ تَعْجِيلُ زكاتِه قبلَ وُجُودِه، وكمالِ نِصَابِه، بِغيرِ خِلافٍ. الثانى، ما يَتْبَعُ فى الوُجُوبِ دُونَ الحالِ، وهو المُسْتَفَادُ من الجِنْسِ بِسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، فلا يُجْزِئ تَعْجِيلُ زكاتِه أيضا قبلَ وُجُودِهِ، مع الخِلافِ فى ذلك. الثالث، ما يَتْبَعُ فى الحَوْلِ دُونَ الوُجُوبِ، كالنِّتَاجِ والرِّبْحِ إذا بَلَغَ نِصابًا، فإنَّه يَتْبَعُ أصْلَه فى الحَوْلِ، فلا يُجْزِئ التَّعْجِيلُ عنه قبلَ وُجُودِهِ، كالذى قبلَه. الرابع، ما يَتْبَعُ فى الوُجُوبِ والحَوْلِ، وهو الرِّبْحُ والنِّتاجُ إذا لم يَبْلُغْ نِصَابًا، فهذا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، لا يُجْزِئ تَعْجِيلُ زكاتِه قبل وُجُودِه، كالذى قبلَه. والثانى: يُجْزِئ؛ لأنَّه تَابعٌ له (١١) فى الوُجُوبِ والحَوْلِ، فأشْبَهَ المَوْجُودَ. فصل: إذا عَجَّلَ الزكاةَ لأكْثَرَ من حَوْلٍ، ففيه رِوَايتانِ؛ إحْدَاهما، لا يجوزُ؛ لأنَّ النَّصَّ لم يَرِدْ بِتَعْجِيلِها لأكْثَرَ من حَوْلٍ. والثانيةُ، يجوزُ. ورُوِىَ عن الحسنِ أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا أَن يُخْرِجَ الرَّجُلُ زكاةَ مَالِه قبلَ حِلِّها، لِثَلَاث سِنِينَ؛ لأنَّه تَعْجِيلٌ لها بعدَ وُجُودِ النِّصَابِ، أشْبَهَ تَقْدِيمَها على الحَوْلِ الواحِدِ. وما لم يَرِدْ به النَّصُّ يُقَاسُ على المَنْصُوصِ عليه إذا كان فى مَعْنَاه، ولا نَعْلَمُ له (١٢) مَعْنًى سِوَى أنَّه تَقْدِيمٌ لِلْمَالِ الذى وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِه على شَرْطِ وُجُوبِه، وهذا مُتَحَقِّقٌ فى التَّقْدِيمِ فى الحَوْلَيْنِ، كَتَحَقُّقِه فى الحَوْلِ الواحِدِ. فعلَى هذا إذا كان عِنْدَه أكْثَرُ من النِّصابِ، فعَجَّلَ زكاتَه لِحَوْلَيْنِ، جَازَ. وإن كان قَدْرُ النِّصابِ مثلَ مَن عندَه

стр. 1729

أرْبَعُونَ شَاةً، فعَجَّلَ شاتَيْنِ لِحَوْلَيْنِ، [فإن كان] (١٣) المُعَجَّلُ من غيرِه، جَازَ. وإن أخْرَجَ شَاةً منه، وشَاةً من غيرِه، جَازَ عن الحَوْلِ الأوَّل، ولم يَجُزْ عن الثّانِى؛ لأنَّ النِّصابَ نَقَصَ. فإن كَمَلَ (١٤) بعدَ ذلك، صارَ (١٥) إخْرَاجُ زكاتِه وتَعْجِيلُه لها قبلَ كَمَالِ نِصَابِها، وإن أخْرَجَ الشَّاتَيْنِ جمِيعا من النِّصَابِ، لم تَجِبِ (١٦) الزكاةُ فى الحَوْلِ الأوَّل، إذا قُلْنا: ليس له ارْتِجَاعُ ما عَجَّلَهُ؛ لأنَّه كالتَّالِفِ، فيكونُ النِّصابُ نَاقِصًا. فإن كَمَلَ بعدَ ذلك، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ من حِينَ كَمَلَ النِّصَابُ، وكان ما عَجَّلَهُ سَابِقًا على كَمَالِ النِّصَابِ، فلم يُجْزِ عنه. فصل: وإن عَجَّلَ زكاةَ مَالِه، فحَالَ الحَوْلُ والنِّصَابُ نَاقِصٌ مِقْدَارَ ما عَجَّلَهُ، أجْزَأَتْ عنه، ويكونُ حُكْمُ ما عَجَّلَهُ حُكْمَ المَوْجُودِ فى مِلْكِه، يَتِمُّ النِّصابُ به، فلو زادَ مَالُه حتى بلغَ النِّصابَ أو زَادَ عليه، وحالَ الحَوْلُ، أجْزَأ المُعَجَّلُ عن زكاتِه؛ لما ذَكَرْنَا. فإن نَقَصَ أكْثَرُ ممَّا عَجَّلَه، فقد خَرَجَ بذلك عن كَوْنِه سَبَبًا لِلزَّكاةِ، مثل مَن له أرْبَعُونَ شَاةً فعَجَّلَ شَاةً، ثم تَلِفَتْ أُخْرَى، فقد خَرَجَ عن كَوْنِه سَبَبًا لِلزكاةِ، فإن زَادَ بعد ذلك إمَّا بِنِتَاجِ أو شِرَاءِ ما يَتِمُّ به النِّصَابُ، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ من حِينَ كَمَلَ (١٧) النِّصَابُ، ولم يُجْزِ ما عَجَّلَهُ عنه؛ لما (١٨) ذَكَرْنَا. وإن زَادَ بحيثُ يكونُ انْضِمَامُه إلى ما عجَّلَهُ يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ، مثل مَن له مائةٌ وعِشْرُونَ، فعَجَّلَ زكاتَها شاةً، ثم حالَ الحَوْلُ وقد نُتِجَتْ (١٩) سَخْلَةً، فإنَّه يَلْزَمُه إخْرَاجُ شَاةٍ ثَانِيَةٍ. وبما ذَكَرْنَاهُ قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: ما عَجَّلَهُ فى حُكْمِ التَّالِفِ،

стр. 1730

فقال فى المَسْأَلَةِ الأُولَى: لا تَجِبُ الزكاةُ، ولا يَكُونُ المُخْرَجُ زكاةً. وقال فى هذه المَسْأَلَةِ: لا يَجِبُ عليه زِيَادَةٌ؛ لأنَّ ما عَجَّلَهُ زَالَ مِلْكُه عنه، فلم يُحْسَبْ من مَالِه، كما لو تَصَدَّقَ به تَطَوُّعًا. ولَنا، أنَّ هذا نِصابٌ تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ بِحَوْلِ الحَوْلِ، فجَازَ تَعْجِيلُها منه. كما لو كان أَكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ، ولأنَّ ما عَجَّلَهُ بِمَنْزِلَةِ المَوْجُودِ فى إجْزَائِه عن مَالِه، فكان بِمَنْزِلَةِ المَوْجُودِ فى تَعَلُّقِ الزكاةِ به، ولأنَّها لو لم تُعَجَّلْ كان عليه شَاتَانِ، فكذلك إذا عُجِّلَتْ؛ لأنَّ التَّعْجِيلَ إنَّما كان رِفْقًا بالمَساكِينِ، فلا يَصِيرُ سَبَبًا لِنَقْصِ حُقُوقِهم، والتَّبَرُّعُ يُخْرِجُ ما تَبَرَّعَ به عن حُكْمِ الوُجُودِ (٢٠) فى مَالِه؛ وهذا فى حُكْمِ الوُجودِ (٢٠) فى الإجْزَاءِ عن الزَّكَاةِ. فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا لا يُجْزِئُه ما عَجَّلَه من (٢١) الزَّكَاةِ، فإن كان دَفَعَها إلى الفُقَرَاءِ مُطْلَقًا، فليس له الرُّجُوعُ فيها، وإن كان دَفَعَها بِشَرْطِ أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ فهل له الرُّجُوعُ؟ على وَجْهَيْنِ، يَأْتِى تَوْجِيهُهما. فصل: فأمَّا تَعْجِيلُ العُشْرِ من الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ، فظاهِرُ كلامِ القاضى: أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّه قال: كلُّ ما تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ فيه بِسَبَبَيْنِ (٢٢)؛ حَوْلٍ ونِصَابٍ، جَازَ تَعْجِيلُ زكاتِه. فمَفْهُومُ هذا أنَّه لا يجوزُ تَعْجِيلُ زكاةِ غيرِه؛ لأنَّ الزكاةَ مُعَلَّقَةٌ بِسَبَبٍ واحِدٍ، وهو إدْرَاكُ الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ، فإذا قَدَّمَها قَدَّمَها قبلَ وُجُودِ سَبَبِها، لكنْ إن أدَّاهَا بعدَ الإدْرَاكِ، وقبل يُبْسِ الثَّمَرَةِ وتَصْفِيَةِ الحَبِّ، جازَ. وقال أبو الخَطَّابِ: يجوزُ إخْراجُها بعدَ وُجُودِ الطَّلْعِ والحِصْرِمِ (٢٣)، ونَبَاتِ الزَّرْعِ، ولا يجوزُ قبلَ ذلك؛ لأنَّ وُجُودَ الزَّرْعِ وإطْلَاعَ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ النِّصَابِ، والإدْرَاكُ بِمَنْزِلَةِ حُلُولِ الحَوْلِ؛ فجازَ تَقْدِيمُها عليه، وتَعَلُّقُ الزكاةِ بالإدْرَاكِ لا يَمْنَعُ جَوازَ التَّعْجِيلِ،

стр. 1731

بِدَلِيلِ أنَّ زكاةَ الفِطْرِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بِهِلالِ شَوَّال، وهو زَمَنُ الوُجُوبِ. فإذا ثَبَتَ هذا فإنَّه لا يجوزُ تَقْدِيمُها قبلَ ذلك، لأنَّه يكونُ قبلَ وُجُودِ سَبَبِها. فصل: وإن عَجَّلَ زكاةَ مَالِه، ثم ماتَ، فأرادَ الوَارِثُ الاحْتِسَابَ بها عن زكاةِ حَوْلِه، لم يَجُزْ. وذكر القاضى وَجْهًا فى جَوَازِه، بِنَاءً على ما لو عَجَّلَ زَكَاةَ عَامَيْنِ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَعْجِيلٌ لِلزكاةِ قبل وُجُودِ سَبَبِها، أشْبَهَ ما لو عَجَّلَ زكاةَ نِصابٍ لغَيْرِه، ثم اشْتَرَاهُ، وذلك لأنَّ سَبَبَ الزكاةِ مِلْكُ النِّصابِ، ومِلْكُ الوَارِثِ حَادِثٌ، ولا يَبْنِى الوَارِثُ على حَوْلِ المَوْرُوثِ، ولأنَّه لم يُخْرِج الزَّكَاةَ، وإنَّما أخْرَجَها غيرُه عن نَفْسِه، وإخْراجُ الغيرِ عنه مِن غيرِ وِلايَةٍ ولا نِيَابَةٍ لا يُجْزِئُ ولو نَوَى، فكيف إذا لم يَنْوِ. وقد قال أصْحَابُنَا: لو أَخْرَجَ زَكَاتَه وقال: إن كان مُوَرِّثِى (٢٤) قد ماتَ فهذه زَكَاةُ مَالِه، فبَانَ أنَّه قد ماتَ، لم يقَعِ المَوْقِع. وهذا أبْلَغُ ولا يُشْبِه هذا تَعْجِيلَ زَكاةٍ لعامَيْنِ (٢٥)؛ لأنَّه ثَمَّ (٢٦) عَجَّلَ بعدَ وُجُودِ السَّبَبِ، وأخْرَجَها بِنَفْسِه، بخِلافِ هذا. فإن قِيلَ: فإنَّه لمَّا ماتَ المُوَرِّثُ قبلَ الحَوْلِ، كان لِلْوَارِثِ ارْتِجَاعُها، فإذا لم يَرْتَجِعْها احْتَسَبَ بها كالدَّيْنِ. قُلْنا: فلو أرادَ أن يَحْتَسِبَ (٢٧) الدَّيْنَ عن زكاتِه لم يَصِحَّ، ولو كان له عند رَجُلٍ شَاةٌ من غَصْبٍ أو قَرْضٍ، فأرادَ أن يَحْتَسِبَها (٢٨) عن زَكَاتِه، لم تُجْزِهِ. ٤٢١ - مسألة؛ قال: (ومن قَدَّمَ زكَاةَ مَالِه، فأعْطَاهَا لِمُسْتَحِقِّها، فمَاتَ المُعْطَى قَبْلَ الحَوْلِ، أو بَلَغَ الحَوْلَ وَهُوَ غَنِىٌّ مِنْهَا، أو مِنْ غَيْرِها، أجْزَأَتْ عَنْهُ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا دَفَعَ الزكاةَ المُعَجَّلَةَ إلى مُسْتَحِقِّها، لم يَخْلُ من أَرْبَعَة

стр. 1732

أقْسامٍ: أحدُها، أنْ لا يَتَغَيَّرَ الحالُ، فإنَّ المَدْفُوعَ يَقَعُ مَوْقِعَهُ، ويُجْزِئ عن المُزَكِّى، ولا يَلْزَمُه بَدَلُه، ولا لَه اسْتِرْجَاعُه، كما لو دَفَعَها بعد وُجُوبِها. الثانى، أن يَتَغَيَّرَ حَالُ الآخِذِ لها، بأن يَمُوتَ قبلَ الحَوْلِ، أو يَسْتَغْنِىَ، أو يَرْتَدَّ قبلَ الحَوْلِ. فهذا فى حُكْمِ القِسْمِ الذى قَبْلَه، وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يُجْزِئ؛ لأنَّ ما كان شَرْطًا لِلزَّكَاةِ إذا عَدِمَ قبلَ الحَوْلِ لم يُجْزِ، كما لو تَلِفَ المالُ، أو مَاتَ رَبُّهُ. ولَنا، أنَّه (١) أدَّى الزكاةَ إلى مُسْتَحِقِّها، فلم يَمْنَع الإجْزَاءَ تَغَيُّرُ حَالِه، كما لو اسْتَغْنَى بها، ولأنَّه حَقٌّ أدَّاهُ إلى مُسْتَحِقِّه، فَبَرِئ منه، كالدَّيْنِ يُعَجِّلُه (٢) قبلَ أجَلِه، وما ذَكَرُوهُ مُنتَقِضٌ بما إذا اسْتَغْنَى بها، والحُكْمُ فى الأصْلِ مَمْنُوعٌ، ثم الفَرْقُ بَيْنَهُما ظَاهِرٌ، فإنَّ المالَ إذا تَلِفَ تَبَيَّنَ عَدَمُ الوُجُوبِ؛ فأشْبَهَ ما لو أدَّى إلى غَرِيمِهِ دَرَاهِمَ يَظُنُّها عليه، فتَبَيَّنَ أنَّها ليست عليه، وكما لو (٣) أدَّى الضَّامِنُ الدَّيْنَ، فبَانَ أنَّ المَضْمُونَ عنه قد قَضاهُ، وفى مَسْأَلَتِنا الحَقُّ وَاجِبٌ، وقد أخَذَهُ مُسْتَحِقُّهُ. القِسْمُ الثَّالِث، أن يَتَغَيَّرَ حَالُ رَبِّ المَالِ قبلَ الحَوْلِ بِمَوْتِه أو رِدَّتِه، أو تَلَفِ النِّصَاب، أو نَقْصِه (٤)، أو بَيْعِه، فقال أبو بكرٍ: لا يَرْجِعُ بها على الفَقِيرِ، سَوَاءٌ أعْلَمَهُ أنَّها زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ أو لم يُعْلِمْهُ. قال (٥) القاضى: وهو المذهبُ عِنْدِى؛ لأنَّها وَصَلَتْ إلى الفَقِيرِ فلم يكنْ له ارْتِجَاعُها، كما لو لم يُعْلِمْهُ، ولأنَّها زَكاةٌ دُفِعَتْ إلى مُسْتَحِقِّها، فلم يَجُزِ اسْتِرْجَاعُها، كما لو تَغَيَّرَ حَالُ الفَقِيرِ وَحْدَه. قال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامِدٍ: إن كان الدَّافِعُ لها السَّاعِى، اسْتَرْجَعَها بكلِّ حالٍ، وإن كان الدَّافِعُ رَبَّ المالِ، وأَعْلَمَهُ أنَّها زكاةٌ مُعجَّلَةٌ، رَجَعَ بها، وإن أَطْلق لم يَرْجِعْ بها (٦).

стр. 1733

وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه مالٌ دَفَعَهُ عمَّا يَسْتَحِقُّهُ القَابِضُ فى الثَّانِى؛ فإذا طَرَأ ما يَمْنَعُ الاسْتِحْقاقَ، وَجَبَ رَدُّهُ، كالأُجْرَةِ إذا انْهَدَمَتِ الدَّارُ قبلَ السُّكْنَى، أمَّا إذا لم يُعْلِمْهُ فَيَحْتَمِلُ أن يكونَ تَطوُّعًا، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ هِبَةً، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه فى الرُّجُوعِ، فعلَى قَوْلِ ابنِ حامِدٍ، إن كانتِ العَيْنُ بَاقِيَةً لم تَتَغَيَّر، أخَذَهَا، وإن زَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، أخَذَها بِزِيَادَتِها؛ لأنَّها تَتْبَعُ (٧) فى الفُسُوخِ، وإن كانت مُنْ فَصِلَ ةً، أخَذَها دُونَ زِيَادَتِها؛ لأنَّها حَدَثَتْ فى مِلْكِ الفَقِيرِ. وإن كانت نَاقِصَةً، رَجَعَ على الفَقِيرِ بالنَّقْصِ؛ لأنَّ الفَقِيرَ قد مَلَكَها بالقَبْضِ (٨)؛ فكان نَقْصُها عليه، كالمَبِيعِ إذا نَقَصَ فى يَدِ المُشْتَرِى، ثم عَلِمَ عَيْبَهُ. وإن كانت تَالِفَةً أخَذَ قِيمَتَها يَوْمَ القَبْضِ؛ لأنَّ ما زَادَ بعدَ ذلك أو نَقَصَ فإنما هو مِلْكُ الفَقِيرِ، فلم يَضْمَنْه، كالصَّدَاقِ يَتْلَفُ فى يَدِ المَرْأةِ. القِسْمُ الرَّابِعُ، أن يَتَغَيَّر حَالُهما جميعا، فَحُكْمُه حُكْمُ القِسْمِ الذى قبلَه سَوَاءٌ. فصل: إذا قال رَبُّ المَالِ: قد أعْلَمْتُه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ، فَلِىَ الرُّجُوعُ. فَأَنْكَرَ الآخِذُ. فالقَوْلُ قَوْلُ الآخِذِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، والأصْلُ عَدَمُ الإعْلامِ، وعليه اليَمِينُ. وإن مَاتَ الآخِذُ، واخْتَلَفَ المُخْرِجُ ووَارِثُ الآخِذِ، فالقَوْلُ قَوْلُ الوَارِثِ، ويَحْلِفُ أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّ مُوَرِّثَه (٩) أعْلَمَ بذلك. فأمَّا مَن قال بِعَدَمِ الاسْتِرْجاعِ، فلا يَمِينٌ ولا غيْرُها. فصل: إذا تَسَلَّفَ الإمامُ الزَّكَاةَ، فهَلكَتْ فى يَدِهِ، فلا ضَمانَ عليه، وكانت من ضَمانِ الفُقَرَاءِ. ولا فَرْقَ بينَ أنْ يَسْأله ذلك رَبُّ المالِ أو الفُقَرَاءُ أو لم يَسْألْهُ أحَدٌ؛ لأنَّ يَدَهُ كيَدِ الفُقَرَاءِ، وقال الشَّافِعِىُّ: إن تَسَلَّفَها مِن غيرِ سُؤالٍ ضَمِنَها؛

стр. 1734

لأنَّ الفُقَرَاءَ رُشُدٌ، لا يُوَلَّى عليهِم، فإذا قَبَضَ بغيرِ إذْنِهم ضَمِن، كالأبِ إذا قَبَضَ لابْنِه الكَبِيرِ. وإن كان بِسُؤالِهم كان من ضَمَانِهم؛ لأنَّه وَكِيلُهم. فإنْ (١٠) كان بِسُؤالِ أرْبابِ الأمْوَالِ، لم يُجْزِئْهم الدَّفْعُ، وكان من ضَمَانِهم؛ لأنَّه وَكِيلُهم. وإن كان بِسُؤالِهما (١١) ففيه وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهما، أنَّه من ضَمانِ الفُقَرَاءِ. ولَنا، أنَّ لِلْإمامِ وِلَايَةً على الفُقَرَاءِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ قَبْضِ الصَّدَقَةِ لهم بغيرِ إذْنِهِمْ سَلَفًا وغيرِه، فإذا تَلِفَتْ فى يَدِهِ من غيرِ تَفرِيطٍ، لم يَضْمَنْ، كَوَلِىِّ اليَتِيمِ إذا قَبَضَ له. وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بما إذا قَبَضَ الصَّدَقَةَ بعدَ وُجُوبِها، وفَارَقَ الأبَ فى حَقِّ وَلَدِهِ الكَبِيرِ؛ فإنَّه لا يجوزُ له القَبْضُ له؛ لِعَدَمِ وِلَايَتِه عليه، ولهذا يَضْمَنُ ما قَبَضَهُ له من الحَقِّ بعدَ وُجُوبِهِ. ٤٢٢ - مسألة؛ قال: (ولَا يُجْزِئ (١) إخْرَاجُ الزَّكَاةِ إلَّا بِنِيَّةٍ). [إلَّا أنْ يَأْخُذَهَا الْإمَامُ منه قَهْرًا] (٢). مذهبُ عَامَّةِ الفُقَهاءِ أنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فى أدَاءِ الزكاةِ، إلَّا ما حُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ أنَّه قال: لا تَجِبُ لها النِّيَّةُ؛ لأنَّها دَيْنٌ، فلا تَجِبُ لها النِّيَّةُ، كسائِرِ الدُّيُونِ، ولهذا يُخْرِجُها وَلِىُّ اليَتِيمِ، ويأْخُذُها السُّلْطَانُ من المُمْتَنِعِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٣). وأدَاؤُها عَمَلٌ، ولأنَّها عِبَادَةٌ تَتَنَوَّعُ إلى فَرْضٍ ونَفْلٍ، فافْتَقَرَتْ إلى النِّيَّةِ كالصلاةِ، وتُفَارِقُ قَضَاءَ الدَّيْنِ؛ فإنَّه ليس بِعِبَادَةٍ، ولهذا يَسْقُطُ بإسْقَاطِ مُسْتَحِقِّه، ووَلِىُّ الصَّبِىِّ والسُّلْطَانُ يَنُوبانِ عندَ الحاجَةِ. فإذا ثَبَتَ

стр. 1735

هذا فإنَّ النِّيَّةَ أن يَعْتَقِدَ أنَّها زكاتُه، أو زكاةُ مَن يُخْرِجُ عنه. كالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، ومَحَلُّهَا القَلْبُ؛ لأنَّ مَحَلَّ الاعْتِقَادَاتِ كُلّها القَلْبُ. فصل: ويجوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على الأداءِ بالزَّمَنِ اليَسِيرِ، كسائِرِ العِبَادَاتِ؛ ولأنَّ هذه تجوزُ النِّيَابَةُ فيها، فاعْتِبارُ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِلإخْرَاجِ يُؤَدِّى إلى التَّغْرِيرِ بمَالِه، فإن دَفَعَ الزَّكَاةَ إلى وَكِيلِه، ونَوَى هو دُونَ الوَكِيلِ، جَازَ إذا لم تَتَقَدَّمْ نِيَّتُه الدَّفْعَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. وإن تَقَدَّمَتْ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ لم يَجُزْ، إلَّا أن يَكُونَ قد نَوَى حَالَ الدَّفْعِ إلى الوَكِيلِ، ونَوَى الوَكِيلُ عند الدَّفْعِ إلى المُسْتَحِقِّ، ولو نَوَى الوَكِيلُ ولم يَنوِ المُوَكِّلُ لم يَجُزْ؛ لأن الفَرْضَ يَتَعَلَّقُ به، والإجْزَاءُ يَقَعُ عنه. وإن دَفَعَها إلى الإمَامِ نَاوِيًا ولم يَنْوِ الإمَامُ حَالَ دَفْعِها إلى الفُقَرَاءِ، جَازَ، وإن طَالَ؛ لأنَّه وَكِيلُ الفُقَرَاءِ. ولو تَصَدَّقَ الإنْسَانُ بجَمِيعِ مَالِه تَطَوُّعًا ولم يَنْوِ به الزَّكَاةَ، لم يُجْزِئْهُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أصْحَابُ أبِى حَنِيفَةَ: يجْزِئُه اسْتِحْسانًا (٤). ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه لم يَنْوِ بِهِ الفَرْضَ، فلم يُجْزِئْهُ، كما لو تَصَدَّقَ بِبَعْضِه، وكما لو صَلَّى مائةَ رَكْعَةٍ ولم يَنْوِ الفَرْضَ بها. فصل: ولو كان له مالٌ غَائِبٌ فشَكَّ فى سَلامَتِه، جَازَ له إخْرَاجُ الزَّكَاةِ عنه، وكانت نِيَّةُ الإخْرَاجِ صَحِيحَةً؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاؤُهُ. فإن نَوَى: إن كان مَالِى سَالِمًا فهذه زَكَاتُه، وإن كان تَالِفًا فهى تَطَوُّعٌ. فبَانَ سَالِمًا، أجْزَأَتْ نِيَّتُه؛ لأنَّه أخْلَصَ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ، ثم رَتَّبَ عليها النَّفْلَ، وهذا حُكْمُها كما لو لم يَقُلْه، فإذا قَالَهُ لم يَضُرَّ. ولو قال: هذا زَكاةُ مَالِى الغَائِبِ أو الحَاضِرِ. صَحَّ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ ليس بِشَرْطٍ، بِدَلِيلِ أنَّ من له أرْبَعُونَ دِينَارًا إذا أخْرَجَ نِصْفَ دِينارٍ عنها، صَحَّ، وإن كان ذلك يَقَعُ عن عِشْرِينَ غيرِ مُعَيَّنَةٍ. وإن قال: هذا زَكَاةُ مَالِى الغَائِبِ أو تَطَوُّعٌ. لم يجْزِئْهُ. ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ. لأنه لم يُخْلِصِ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ. أشْبَه ما لو قال:

стр. 1736

أُصَلِّى فَرْضًا أو تَطَوُّعًا. وإن قال: هذا زَكَاةُ مَالِى الغَائِبِ إن كان سَالِمًا وإلَّا فهو زَكاةٌ لِمَالِى (٥) الحاضِرِ. أجْزَأهُ عن السَّالِم منهما. وإن كانَا سَالِمَيْنِ فعن أحَدِهما، لأنَّ التَّعْيِينَ ليس بِشَرْطٍ. وإن قال: زَكاةُ مَالِى الغَائِبِ. وأطْلَقَ، فبانَ تَالِفًا، لم يَكُنْ له أن يَصْرِفَهُ إلى زَكَاةِ غيرِه؛ لأنَّه عَيَّنَهُ، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ عَبْدًا عن كَفَّارَةٍ عَيَّنَهَا فلم يَقَعْ عنها، لم يَكُنْ له صَرْفُه إلى كَفَّارَةٍ أُخْرَى. هذا التَّفْرِيعُ فيما إذا كانَتِ الغَيْبَةُ (٦) ممَّا لا يَمْنَعُ إخْرَاجَ زَكَاتِه فى بَلَدِ رَبِّ المَالِ؛ إمَّا لِقُرْبِه، أو لِكَوْنِ البَلَدِ لا يُوجَدُ فيه أهلُ السُّهْمانِ، أو على الرِّوَايَةِ التى تقولُ بإخْرَاجِها فى بَلَدٍ بَعِيدٍ من بَلَدِ المَالِ. وإن كان له مُوَرِّثٌ غَائِبٌ فقال: إن كان مُوَرِّثِى قد مَاتَ، فهذه زَكَاةُ مَالِه الذى وَرِثْتُه منه، فبَانَ مَيِّتًا، لم يُجْزِئْه ما أَخْرَجَ؛ لأنه يَبْنِى على غيرِ أصْلٍ، فهو كما لو قال لَيْلَةَ الشَّكِّ: إن كان غَدًا من رَمَضَانَ فهو فَرْضِى، وإن لم يَكُنْ فهو نَفْلٌ. ٤٢٣ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ يَأْخُذَهَا الإمَامُ مِنْهُ قَهْرًا) مُقْتَضَى كَلَامِ الخِرَقِىِّ، أنَّ الإنْسَانَ متى دَفَعَ زَكَاتَه طَوْعًا لم تُجْزِئْهُ إلَّا بِنِيَّةٍ، سَوَاءٌ دَفَعَها إلى الإمامِ أو غَيْرِه، وإن أخَذَهَا الإمامُ منه قَهْرًا، أجْزَأَتْ من غيرِ نِيَّةٍ؛ لأنَّ تَعَذُّرَ النِّيَّةِ فى حَقِّه أسْقَطَ وُجُوبَها عنه كالصَّغِيرِ والمَجْنُونِ. وقال القَاضِى: متى أخَذَها الإمامُ أجْزَأَتْ من غيْرِ نِيَّةٍ، سَوَاءٌ أخَذَها طَوْعًا أو كَرْهًا. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ أخْذَ الإمَامِ بِمَنْزِلَةِ القسم بين الشُّرَكَاءِ، فلم يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ، ولأنَّ لِلإمَامِ وِلَايَةً فى أخْذِهَا، ولذلك يَأْخُذُهَا من المُمْتَنِعِ اتِّفَاقًا، ولو لم يُجْزِئْهُ لَما أخَذَها، أو لَأخَذَها ثَانِيًا وثَالِثًا حتى يَنْفَدَ مَالُه؛ لأنَّ أخْذَهَا إن كان لِإجْزَائِها فلا يَحْصُلُ الإجْزَاءُ بدون النِّيَّةِ، وإن كان لِوُجُوبِها فالوُجُوبُ باقٍ بعد أخْذِها.

стр. 1737

واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ وابنُ عَقِيلٍ: أنَّها لا تُجْزِئ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى إلَّا بِنِيَّةِ رَبِّ المَالِ؛ لأنَّ الإمَامَ إمَّا وَكِيلُه، وإمَّا وَكِيلُ الفُقَرَاءِ، أو وَكِيلُهُما مَعًا، وأىَّ ذلك كان فلا تُجْزِئ نِيَّتُه عن نِيَّةِ رَبِّ المَالِ، ولأنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ تَجِبُ لها النِّيَّةُ، فلا تُجْزِئ عَمَّنْ وَجَبَتْ عليه بِغَيْرِ نِيَّةٍ، إذا (١) كان من أهْلِ النِّيَّةِ كالصَّلاةِ، وإنَّما أُخِذَتْ منه مع عَدَمِ الإجْزَاءِ حِرَاسَةً لِلْعِلْمِ الظَّاهِرِ، كالصَّلاةِ يُجْبَرُ عليها لِيَأْتِىَ بِصُورَتِها، ولو صَلَّى بغيْرِ نِيَّةٍ لم يُجْزِئْهُ عندَ اللهِ تعالى. قال ابنُ عَقِيلٍ: ومَعْنَى قَوْلِ الفُقَهاءِ: يُجْزِئ عنه. أى فى الظَّاهِرِ، بمَعْنَى أنَّه لا يُطَالَبُ بأدائِها ثَانِيًا، كما قُلْنَا فى الإسْلامِ، فإنَّ المُرْتَدَّ يُطَالَبُ بالشَّهَادَةِ، فمتى أتَى بها حُكِمَ بإسْلامِهِ ظَاهِرًا، ومتى لم يَكُنْ مُعْتَقِدًا صِحَّةَ ما يَلْفِظُ به، لم يَصِحَّ إسْلامُه بَاطِنًا. قال (٢): وقولُ أصْحَابِنا: لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ. معناه: لا يَسْقُطُ عنه القَتْلُ الذى تَوَجَّهَ عليه؛ لِعَدَمِ عِلْمِنا بحَقِيقةِ (٣) تَوْبَتِه؛ لأنَّ أكْثَرَ ما فيه أنَّه أَظْهَرَ إيمَانَهُ، وقد كَانَ طُولَ (٤) دَهْره يُظْهِرُ إيمَانَه، ويُسِرُّ (٥) كُفْرَهُ، فأمَّا عندَ اللهِ فإنَّها تَصِحُّ إذا عُلِمَ منه حَقِيقَةُ الإنابَةِ، وصِدْقُ التَّوْبَةِ، واعْتِقَادُ الحَقِّ. ومن نَصَرَ قَوْلَ الخِرَقِىِّ، قال: إنَّ لِلإمَامِ وِلَايَةً على المُمْتَنِعِ، فقامَتْ نِيَّتُهُ مَقامَ نِيَّتِهِ، كوَلِىِّ اليَتِيمِ والمَجْنُونِ، وفَارَقَ الصلَاةَ؛ فإنَّ النِّيَابَةَ فيها لا تَصِحُّ، فلا بُدَّ مِن نِيَّةِ فَاعِلِها. وقوله: لا يَخْلُو من كَوْنِه وَكِيلًا له، أو وَكِيلًا لِلْفُقَرَاءِ، أوْ لهما. قُلْنا: بل هو وَالٍ على المَالِكِ، وأمَّا إلْحاقُ الزكاةِ بالقِسْمَةِ فغَيْرُ صَحِيحٍ، فإن القِسْمَةَ ليستْ عِبادَةً، ولا يُعْتَبَرُ لها نِيَّةٌ، بخِلَافِ الزَّكَاةِ.

стр. 1738

فصل: ويُسْتَحَبُّ لِلإنْسانِ أن يَلىَ تَفْرِقَةَ الزكاةِ بنَفْسِه؛ لِيكونَ على يَقِينٍ من وُصُولِها إلى مُسْتَحِقِّها، سَوَاءٌ كانتْ من الأمْوالِ الظَّاهِرَةِ أو البَاطِنَةِ. قال الإمامُ أحمدُ: أعْجَبُ إلَىَّ أن يُخْرِجَها، وإن دَفَعَها إلى السُّلْطَانِ. يعْنِى (٦) فهو جَائِزٌ. وقال الحسنُ، ومَكْحُولٌ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، ومَيْمُونُ بن مِهْرَانَ: يَضَعُها رَبُّ المالِ فى مَواضِعِها (٧). وقال الثَّوْرِىُّ: احْلِفْ لهم، واكْذُبْهُم، ولا تُعْطِهم شَيْئًا، إذا لم يَضَعُوها مَوَاضِعَهَا، وقال طاوُوس (٨): لا تُعْطِهم. وقال عَطَاءٌ: أعْطِهم إذا وَضَعُوها مَوَاضِعَها. فَمَفهُومُه أنَّه لا يُعْطِيهم إذا لم يَكُونُوا كذلك. وقال الشَّعْبِىُّ، وأبو جعفرٍ: إذا رَأَيْتَ الوُلاةَ لا يَعْدِلُونَ، فَضَعْها فى أهْلِ الحاجَةِ من أهْلِها. وقال إبراهيمُ: ضَعُوها فى مَواضِعِها، وإن أخَذَهَا السُّلْطَانُ أجزَأَكَ. وقال سَعِيدٌ: أنْبَأَنَا أبو عَوَانَةَ، عن مُهاجِرٍ أبى الحسنِ (٩)، قال: أتَيْتُ أبَا وَائِلٍ وأبَا بُرْدَةَ بالزكاةِ، وهما على بَيْتِ المالِ، فأخَذَاها، ثم جِئْتُ مَرَّةً أُخْرَى، فرَأَيْتُ أبا وَائِلٍ وَحْدَه. فقال لى: رُدَّها فَضَعْها مَوَاضِعَها. وقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: أمَّا صَدَقَةُ الأرْضِ فَيُعْجِبُنِى دَفْعُها إلى السُّلْطانِ. وأمَّا زَكَاةُ الأمْوَالِ كالمَوَاشِى، فلا بَأْسَ أن يَضَعَها فى الفُقَرَاء والمَسَاكِين. فظاهِرُ هذا أنَّه اسْتحَبَّ دَفْعَ العُشْرِ (١٠) خَاصَّةً إلى الأئِمَّةِ؛ وذلك لأنَّ العُشْرَ قد ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّه مَؤُونَةُ الأرْضِ، فهو كالخَراجِ يَتَوَلَّاهُ الأئِمَّةُ، بخِلافِ سَائِرِ الزكاةِ. والذى رَأَيْتُ فى "الجَامِعِ" قال: أمَّا صَدَقَةُ الفِطْرِ، فيُعْجِبُنِى دَفْعُها إلى السُّلْطانِ. ثم قال أبو عبدِ اللهِ: قِيلَ لابنِ عمرَ: إنَّهم يُقَلِّدُونَ بها

стр. 1739

الكِلابَ، ويَشْرَبُونَ بها الخُمُورَ؟ ! قال: ادفَعْها إليهِم. وقال ابنُ أبى موسى، وأبو الخَطَّابِ: دَفْعُ الزكاةِ إلى الإمامِ العَادِلِ أفْضَلُ. وهو قَوْلُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. ومِمَّنْ قال: يَدْفَعُها إلى الإمامِ؛ الشَّعْبِىُّ، ومحمدُ بن علىٍّ، وأبو رَزِين، والأوْزَاعِىُّ؛ لأنَّ الإمامَ أعْلَمُ بمَصَارِفِها، ودَفْعُها إليه يُبَرِّئُه ظَاهِرًا وبَاطِنًا، ودَفْعُها إلى الفَقِيرِ لا يُبَرِّئُه بَاطِنًا، لاحْتِمَالِ أنْ يكونَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لها، ولأنَّه يَخْرُجُ من الخِلافِ، وتَزُولُ عنه التُّهْمَةُ. وكان ابنُ عمرَ يَدْفَعُ زكاتَه إلَى من جَاءَهُ مِن سُعَاةِ ابن الزُّبَيْرِ، أو نَجْدَةَ الحَرُورِىِّ. وقد رُوِىَ عن سُهَيْلِ (١١) بن أبى صَالِحٍ، قال: أتَيْتُ سعدَ بن أبِى وَقَّاص، فقلتُ: عِنْدِى مَالٌ، وأُرِيدُ أنْ أُخْرِجَ زكاتَه، وهؤلاءِ القَوْمُ على ما تَرَى، فما تَأْمُرُنِى؟ قال: ادْفَعْها إليهم. فأتَيْتُ ابنَ عمرَ، فقال مثلَ ذلك، فأتَيْتُ أبا هُرَيْرَةَ، فقال مثلَ ذلك، فأتَيْتُ أبا سعيدٍ، فقال مثلَ ذلك (١٢). ورُوِىَ (١٣) نَحْوُه عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها. وقال مَالِكٌ، وأبو حنيفةَ، وأبو عُبَيْدٍ: لا يُفَرِّقُ الأمْوَال الظَّاهِرَةَ إلَّا الإمامُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١٤). ولأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، طَالَبَهم بالزَّكاةِ، وقَاتَلَهم عليها، وقال: لَوْ مَنَعُونِى عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَها إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لقَاتَلْتُهُم عليها (١٥). ووَافَقَه الصَّحابَةُ علَى هذا، ولأنَّ ما لِلْإِمامِ قَبْضُهُ بِحُكْمِ الوِلايَةِ، لا يجوزُ دَفْعُه إلى المُوَلَّى عليه، كَولِىِّ اليَتِيمِ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ

стр. 1740

كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، على جَوَازِ دَفْعِها بِنَفْسِه، أنَّه دَفْعُ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه الجَائِزِ تَصَرُّفُه. فأجْزَأهُ، كما لو دَفَعَ الدَّيْنَ إلى غَرِيمِه، وكزكاةِ الأمْوَالِ البَاطِنَةِ، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ الزكاةِ، فأشْبَهَ النَّوْعَ الآخَرَ، والآيةُ تَدُلُّ على أنَّ لِلْإمَامِ أخْذَها. ولا خِلافَ فيه، ومُطَالَبَةُ أبى بكرٍ لهم بها، لِكَوْنِهِم لم يُؤَدُّوها إلى أهْلِهِا، [ولو أدَّوْها إلى أهْلِها] (١٦) لم يُقَاتِلْهم عليها؛ لأنَّ ذلك مُخْتَلَفٌ فى إجْزَائِه، فلا تجوزُ المُقَاتَلَةُ من أجْلِهِ، وإنَّما يُطَالِبُ الإمامُ بِحُكْمِ الوِلَايَةِ والنِّيَابَةِ عن مُسْتَحِقِّيها (١٧)، فإذا دَفَعَها إليهم جَازَ؛ لأنَّهم أهْلُ رُشْدٍ، فجَازَ الدَّفْعُ إليهم، بِخِلافِ اليَتِيمِ. وأمَّا وَجْهُ فَضِيلَةِ دَفْعِها بِنَفْسِه، فلأنَّه إيصَالٌ لِلْحَقِّ (١٨) إلى مُسْتَحِقِّه، مع تَوْفِيرِ أجْر العِمَالَةِ، وصِيَانَةِ حَقِّهِم، عن خَطَرِ الخِيَانَةِ، ومُبَاشَرَةِ تَفْرِيج كُرْبَةِ مُسْتَحِقِّها، وإغْنَائِه بها، مع إعْطَائِها لِلْأَوْلَى بها؛ من مَحَاوِيج أقَارِبِه، وذَوِى رَحِمِه، وصِلَةِ رَحِمِه بها، فكان أفْضَلَ، كما لو لم يكنْ آخِذُها من أهْلِ العَدْلِ. فإن قِيلَ: فالكلامُ فى الإمامِ العَادِلِ، والخِيَانَةُ (١٩) مَأْمُونَةٌ فى حَقِّه. قُلْنا: الإمامُ لا يَتَوَلَّى ذلك بِنَفْسِه، وإنَّما يُفَوِّضُه إلى نُوَّابِه (٢٠)، فلا تُؤْمَنُ منهم الخِيَانَةُ، ثم رُبَّما لا يَصِلُ إلى المُسْتَحِقِّ الذى قد عَلِمَهُ المالِكُ من أهْلِهِ وجِيرَانِه شىءٌ منها، وهم أحَقُّ النَّاسِ بِصِلَتِه ؤصَدَقَتِه ومُوَاسَاتِه. وقَوْلُهم: إنَّ أخْذَ الإمامِ يُبَرِّئُه (٢١) ظَاهِرًا وبَاطِنًا. قُلْنَا: يَبْطُلُ هذا بِدَفْعِها إلى غَيْرِ العادِلِ؛ فإنَّه يُبَرِّئُه أيضا، وقد سَلَّمُوا أنَّه ليس بأفْضَلَ، ثم إنَّ البَرَاءَةَ الظَّاهِرَةَ تَكْفِى. وقَوْلُهم: إنَّه تَزُولُ به التُّهْمَةُ. قُلْنَا: متى أظْهَرَها زَالَتِ التُّهْمَةُ، سَوَاءٌ أخْرَجَها بِنَفْسِه، أو دَفَعَها إلى الإمامِ، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّ

стр. 1741

دَفْعَها إلى الإمامِ جائزٌ (٢٢)، سَوَاءٌ كان عَادِلًا أو غيرَ عَادِلٍ، وسَوَاءٌ كانت من الأمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أو البَاطِنَةِ، وَيبْرأُ بِدَفْعِها سَوَاءٌ تَلِفَتْ في يَد الإمَامِ أو لم تَتْلَفْ، أو صَرَفَها في مَصَارِفِها أو لم يَصْرِفْها؛ لما ذَكَرْنا عن الصَّحَابَةِ، ﵃، ولأنَّ الإمامَ نَائِبٌ عنهم شَرْعًا فبَرِئ بِدَفْعِها إليه، كوَلِيِّ اليَتيمِ إذا قَبَضَها له، ولا يَخْتَلِفُ المذهبُ أيضا في أنَّ صَاحِبَ المَالِ يجوزُ أن يُفرِّقَها بِنَفْسِه. فصل: إذا أخَذَ الخَوارِجُ والبُغاةُ الزكاةَ، أجْزَأتْ عن صَاحِبِها. وحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، والشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، في الخَوَارِجِ، أنَّه يُجْزِئُ. وكَذَلِكَ كُلُّ مَن أخَذَهَا من السَّلَاطِين، أجْزَأَتْ عن صَاحِبِها، سَوَاءٌ عَدَلَ فيها أو جارَ، وسَوَاءٌ أخَذَهَا قَهْرًا أو دَفَعَها إليه اخْتِيَارًا. قال أبو صالِحٍ: سَألتُ سَعْدَ بنَ أبِي وَقَّاصٍ، وابنَ عمرَ، وجَابِرًا، وأبا سَعيدٍ الخُدْرِيَّ، وأبا هُريرَةَ، فقلتُ: هذا السُّلْطَانُ يَصْنَعُ ما تَرَوْنَ، أفأدْفَعُ إليهم زَكَاتِي؟ فقالُوا كُلُّهُم: نعم. وقال إبراهيمُ: يُجْزِئُ عنك ما أخَذَ منك العَشَّارُونَ. وعن سَلَمَةَ بن الأكْوَعِ، أنه دَفَعَ صَدَقَتَه إلى نَجْدَةَ (٢٣). وعن ابنِ عمرَ، أَنَّه سُئِلَ عن مُصَدِّقِ ابنِ الزُّبَيْرِ، ومُصَدِّقِ نَجْدَةَ، فقال: إلى أيِّهِما دَفَعْتَ أجْزأَ عنك (٢٤). وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْيِ فيما غُلِبُوا عليه. وقالوا: إذا مَرَّ على الخَوَارِجِ، فعَشَرُوهُ، لا يُجْزِئُ عن زَكَاتِه. وقال أبو عُبَيْدٍ في الخَوَارجِ يَأخُذُونَ الزكاةَ: علَى مَن أخَذُوا منه الإعَادَةَ؛ لأنَّهم ليسوا بأئِمَّةٍ، فأشْبَهُوا قُطَّاعَ الطَّريقِ (٢٥). ولَنا، قَوْلُ الصَّحابةِ، ﵃، من غيرِ خِلافٍ في عَصْرِهِمْ عَلِمْنَاهُ، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه دَفَعَها إلى أهْلِ الوِلايَةِ،

стр. 1742

فأشْبَهَ دَفْعَها إلى أهْلِ البَغْيِ. فصل: وإذا دَفَعَ الزكاةَ اسْتُحِبَّ أن يقولَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْها مَغْنَمًا، ولا تَجْعَلْها مَغْرَمًا، ويَحْمَدُ اللهَ على التَّوْفِيقِ لأدَائِها. فقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذَا أعْطَيْتُمُ الزَّكاةَ فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابَها أن تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْها مَغْنَمًا، ولَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا". أخْرَجَه ابْنُ مَاجَه (٢٦). ويُسْتَحَبُّ لِلآخِذِ أن يَدْعُوَ لِصَاحِبِها، فيقولُ: آجَرَكَ اللهُ فيما أعْطَيْتَ، وبَارَكَ لكَ فيما أنفَقْتَ، وجَعَلَهُ لك طَهُورًا. وإن كان الدَّفْعُ إلى السَّاعِي، أو الإمامِ شَكَرَهُ ودَعَا له، قال اللهُ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٢٧). قال عَبْدُ اللهِ بنُ أبى أوْفَى: كانَ أبِي مِن أصْحَابِ الشَّجَرَةِ (٢٨)، وكان النَّبِيُّ ﷺ إذا أتاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِم، قال: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ". فأتاهُ أبي بِصَدَقَتِه، فقال: "اللَّهُمَّ صَلِّ على آل أبي أوْفَى". مُتَّفَقٌ عليه (٢٩). والصلاةُ هاهُنا الدعَاءُ والتَّبْرِيكُ، وليس هذا بِوَاجِبٍ، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ حين بَعَثَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ، قال: "أعْلِمْهُم أنَّ عَلَيْهِم صَدَقَةً تُؤْخَذُ من أغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ". مُتَّفَقٌ

стр. 1743

عليه (٣٠). فلم يَأْمُرْهُ بالدُّعَاءِ. ولأنَّ ذلك لا يَجِبُ على الفَقِيرِ المَدْفُوعِ إليه، فالنَّائِبُ أوْلَى. فصل: ويجوزُ دَفْعُ الزكاةِ إلى الكَبيرِ والصَّغِيرِ، سَوَاءٌ أكَلَ الطَّعامَ أو لم يَأْكُلْ. قال أحمدُ: يجوزُ أن يُعْطِيَ زكاتَه في أَجْرِ رَضَاعِ لَقِيطِ غيرِه، هو فَقِيرٌ من الفُقَرَاءِ. وعنه: لا يجوزُ دَفْعُها إلَّا إلَى مَن أكَلَ الطَّعَامَ. قال المَرُّوذِيُّ: كان أبو عبدِ اللهِ لا يَرَى أن يُعْطَى الصَّغِيرُ من الزكاةِ، إلَّا أن يَطعَمَ الطَّعَامَ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّه فقِيرٌ، فجازَ الدَّفْعُ إليه، كالَّذي طَعِمَ، ولأنَّه يَحْتَاجُ إلى الزَّكاةِ لأجْرِ (٣١) رَضَاعِه وكُسْوَتِه وسَائِرِ مُؤْنَتِه (٣٢)، فيدْخُلُ في عُمُومِ النُّصُوصِ، ويَدْفَعُ الزكاةَ إلى وَلِيِّهِ؛ لأنَّه يَقْبِضُ حُقُوقَه، وهذا من حُقُوقِه. فإن لم يَكُنْ له وَلِيٌّ، دَفَعَها إلى مَن يُعْنَى بِأَمْرِهِ، ويَقُومُ به، من أُمّه أو غيرِها. نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك المَجْنُونُ، قال هارونُ الحَمَّالُ: قلتُ لأحمدَ: فكيف يُصْنَعُ بالصِّغَارِ؟ قال: يُعْطَى أولِيَاؤُهم. فقلتُ: ليس لهم وَلِيٌّ. قال: فَيُعْطَى مَن يُعْنَى بِأمْرِهِمْ من الكِبَارِ. فَرَخَّصَ في ذلك. وقال مُهَنَّا: سَألتُ أبا عبدِ اللهِ: يُعْطَى مِن الزَّكَاةِ المَجْنُونُ، والذَّاهِبُ عَقْلُهُ؟ قال: نعم. قلتُ: من يَقْبِضُها له؟ قال: وَلِيُّهُ. قلتُ: ليس له وَلِيٌّ؟ قال: الذي يَقُومُ عليه. وإن دَفَعَها إلى الصَّبِيِّ العَاقِلِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّهُ يُجْزِئُه. قال المَرُّوذِيُّ: قلتُ لأحمدَ: يُعْطِي غُلَامًا يَتيمًا من الزكاةِ؟ قال: نعم. قلتُ: فإنِّي أخَافُ أن يُضَيِّعَهُ. قال: يَدْفَعُه إلى مَن يَقُومُ بِأمْرِه. وقد رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ (٣٣)، بإسْنَادِه عن أبي جُحَيْفَةَ، قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ فينا (٣٤)

стр. 1744

سَاعِيًا، فأَخَذَ الصَّدَقَةَ من أَغْنِيَائِنَا فَرَدَّها في فُقَرَائِنَا، وكنتُ غُلَامًا يَتِيمًا لا مَالَ لي، فأعْطَانِي قَلُوصًا (٣٥). فصل: وإذا دَفَعَ الزكاةَ إلى مَن يَظُنُّه فَقِيرًا، لم يَحْتَجْ إلى إعْلَامِهِ أنَّها زَكَاةٌ. قال الحسنُ: أترِيدُ أن تُقَرِّعَهُ، لا تُخْبِرْهُ؟ وقال أحمدُ بنُ الحسينِ: قلتُ لأحمدَ: يَدْفَعُ الرَّجُلُ الزكاةَ إلى الرَّجُلِ، فيقولُ: هذا من الزَّكَاةِ. أو يَسْكُتُ؟ قال: ولِمَ يُبَكِّتُه بهذا القَوْلِ؟ يُعْطِيهِ ويَسْكُتُ، وما حَاجَتُهُ إلى أن يُقَرِّعَهُ؟ ٤٢٤ - مسألة؛ قال: (ولَا يُعْطِى مِنَ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ لِلْوَالِدَيْنِ، وإنْ عَلَوْا، ولا لِلْوَلَدِ، وإن سَفَلَ) قال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الزَّكاةَ لا يجوزُ دَفْعُها إلى الوَالِدَينِ، في الحالِ التي يُجْبَرُ الدَّافِعُ إليهم على النَّفَقَةِ عليهم، ولأنَّ دَفْعَ زَكَاتِه إليهم تُغْنِيهِم عن نَفَقَتِه، وتُسْقِطُها عنه، ويَعُودُ نَفْعُها إليه، فكَأنَّه دَفَعَها إلى نَفسِه، فلم تَجُزْ، كما لو قَضَى بها دَيْنَهُ، وقولُ الخِرَقِيِّ: "للوَالِدَينِ" يَعْنِي الأبَ والأمَّ. وقَوْلُه: "وإن عَلَوْا" يَعْنِي آبَاءَهما وأُمَّهَاتِهما، وإن ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُمْ من الدَّافِعِ، كأبَوَي الأبِ، وأبوَيِ الأمِّ، وأَبَوَيْ كُلِّ وَاحِدٍ منهم، وإن عَلَتْ دَرَجَتُهُم، مَنْ يَرِثُ منهم ومَنْ لا يَرِثُ. وقَوْلُه: "والوَلَدِ وإن سَفَلَ" يَعْنِي وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه من أولَادِهِ البَنِينَ والبَنَاتِ، الوَارِثِ وغيرِ الوَارِثِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: لا يُعْطِى الوَالِدَينِ من الزكاةِ، [ولا الوَلَدَ] (١) ولا وَلَدَ الوَلَدِ، ولا الجَدَّ ولا الجَدَّةَ ولا وَلَدَ البِنْتِ، قال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ ابْنِي هذَا سَيِّدٌ" (٢). يَعْنِي الحسنَ، فجَعَلَهُ ابْنَهُ، ولأنَّه من عَمُودَيْ

стр. 1745

نَسَبِه، فأَشْبَهَ الوَارِثَ، ولأنَّ بينهما قَرَابَةً جُزْئِيَّةً وبَعْضِيَّةً، بِخِلَافِ غيرِها. فصل: فأمَّا سائِرُ الأقَارِب، فَمن لا يُوَرَّثُ منهم يجوزُ دَفْعُ الزكاةِ إليه، سَوَاءٌ كان انْتِفَاءُ الإرْثِ لِانْتِفَاءِ سَبَبِه، لِكَوْنِه بَعِيدَ القَرَابَةِ مِمَّنْ لم يُسَمِّ اللهُ تعالى ولا رَسُولُه ﷺ له مِيرَاثًا، أو كان لِمَانِعٍ، مثل أن يَكُونَ مَحْجُوبًا عن المِيرَاثِ، كالأخِ المَحْجُوبِ بالابْنِ أو الأبِ (٣)، والعَمِّ المَحْجُوبِ بالأخِ وابْنِه وإنْ نَزَلَ، فيجوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه؛ لأنَّه لا قَرَابَةَ جُزْئِيَّة بَينهما ولا مِيرَاثَ، فأشْبَهَا الأجانِبَ، وإن كان بينهما مِيرَاثٌ كالأخَوَيْنِ اللَّذَيْنِ يَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ منهما الآخَرَ، ففيه رِوَايتانِ؛ إحْداهما: يجوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهما دَفْعُ زكاتِه إلى الآخَرِ، وهي الظَّاهِرَةُ عنه، رَوَاها عنه الجماعةُ، قال في رِوَايَةِ إسحاقَ بن إبراهيمَ، وإسحاقَ بن منصورٍ، وقد سَألَه: يُعْطِي الأخَ والأُخْتَ والخَالَةَ من الزَّكَاةِ؟ قال: يُعْطِي كُلَّ القَرَابَةِ إلَّا الأبَوَيْنِ والوَلَدَ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال أبو عبيدٍ: هو القولُ عِنْدِي؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وهِيَ لِذِي الرَّحِمِ اثْنَانِ؛ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ" (٤). فلم يَشْتَرِطْ نَافِلَةً ولا فَرِيضَةً، ولم يُفَرِّق بين الوَارِثِ وغيرِه. ولأنَّه ليس من عَمُودَيْ نَسَبِه، فأَشْبَهَ الأجْنَبِيَّ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لا يجوزُ دَفْعُها إلى المَوْرُوثِ. وهو ظَاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، لِقَوْلِه: "ولَا لِمَنْ تَلْزَمُه مُؤْنَتُه"

стр. 1746

وعلَى الوَارِثِ مُؤْنَةُ المَوْرُوثِ؛ لأنَّه يَلْزَمُه مُؤْنَتُهُ، فَيُغْنِيهِ بِزَكَاتِه عن مُؤْنَتِه، ويَعُودُ نَفْعُ زَكاتِه إليه، فلم يَجُزْ، كدَفْعِها إلى والِده، أو قضاءِ دَيْنِه بها. والحَدِيثُ يَحْتَمِلُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، فيُحْمَلُ عليها. فعلَى هذا إن كان أحَدُهما يَرِثُ الآخَرَ، ولا يَرِثُه الآخَرُ، كالعَمَّةِ مع ابْنِ أخيها، والعَتِيقِ مع ابنِ (٥) مُعْتِقِه، فعلَى الوَارِثِ منهما نَفَقَةُ مَوْرُوثِه (٦)، ولَيْسَ له دَفْعُ زَكَاتِه إليه، وليس على المَوْرُوثِ منهما نَفَقَةُ وَارِثِه، ولا يُمْنَعُ من دَفْعِ زَكَاتِه إليه، لِانْتِفَاءِ المُقْتَضِى لِلْمَنْعِ. ولو كان الأخَوَانِ لأحَدِهما ابْنٌ، والآخَرُ لا وَلَدَ له، فعلَى أبي الابْنِ نَفَقَةُ أخِيهِ، وليس له دَفْعُ زَكَاتِه إليه، ولِلَّذِي (٧) لا وَلَدَ له، له دَفْعُ زَكَاتِه إلى أخِيهِ، ولا يَلْزَمُه نَفَقَتُهُ؛ لأنَّه مَحْجُوبٌ عن مِيرَاثِه. ونحوُ هذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. فأمَّا ذَوُو الأرْحَامِ في الحالِ التي يَرِثُونَ فيها، فيجوزُ دَفْعُها إليهم، في ظَاهِرِ المذهبِ؛ لأنَّ قَرَابَتَهم ضَعِيفَةٌ، لا يَرِثُ بها مع عَصَبَةٍ، ولا ذِي فَرْضٍ، غيرُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فلم تَمْنَعْ دَفْعَ الزَّكاةِ، كقَرَابَةِ سَائِرِ المُسْلِمِينَ، فإنَّ مَالَهُ يَصِيرُ إليهم، إذا لم يَكُنْ له وَارِثٌ. ٤٢٥ - مسألة؛ قال: (ولَا لِلزَّوْجِ، ولَا لِلزَّوْجَةِ) أمَّا الزَّوْجَةُ فلا يجوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إليها إجْماعًا. قال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ علَى أنَّ الرَّجُلَ لا يُعْطِي زَوْجَتَهُ من الزكاةِ؛ وذلك لأنَّ نَفَقَتَها وَاجِبَةٌ عليه، فتَسْتَغْنِى بها عن أخْذِ الزَّكاةِ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إليها، كما لو دَفَعَها إليها على سَبِيلِ الإنْفاقِ عليها. وأما الزَّوْجُ، ففيهِ رِوَايتانِ: إحْدَاهما، لا يجوزُ دَفْعُها إليه. وهو اخْتِيَارُ أبي بكرٍ، ومذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه أحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فلم يَجُزْ للآخَر دَفْعُ زَكَاتِه إليه كالآخَرِ، ولأنَّها تَنْتَفِعُ بِدَفْعِها إليه؛ لأنَّه إن كان عَاجِزًا عن الإنْفَاقِ عليها،

стр. 1747

تَمَكَّنَ بِأخْذِ الزكاةِ من الإنفَاقِ، فَيَلْزَمُه، وإن لم يَكُنْ عَاجِزًا، ولكنَّه أيْسَرَ بها، لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ المُوسِرِينَ، فَتَنْتَفِعُ بها في الحَالَيْنِ، فلم يَجُزْ لها ذلك، كما لو دَفَعَتْها في أُجْرَةِ دَارٍ، أو نَفَقَةِ رَقِيقِها أو بَهَائِمِها. فإن قِيلَ: فيُلْزَمُ على هذا الغَرِيمُ؛ فإنه يَجُوزُ له دَفْعُ زَكَاتِه إلى غَرِيمِه، ويُلْزَمُ الآخِذُ بذلك وَفَاءَ دَيْنِه؛ فيَنْتَفِعُ الدَّافِعُ بِدَفْعِها إليه. قُلْنَا: الفَرْقُ بينهما من وَجْهَيْنِ: أحدُهما، أنَّ حَقَّ الزَّوْجَةِ في النَّفَقَةِ آكَدُ من حَقِّ الغَرِيمِ، بِدَلِيلِ أنَّ نَفَقَةَ المَرْأَةِ مُقَدَّمَةٌ في مَالِ المُفْلِسِ على أدَاءِ دَيْنِه، وأنها تَمْلِكُ أَخْذَها من مَالِه بِغيرِ عِلْمِه، إذا امْتَنَعَ من أدَائِها. والثاني، أنَّ المَرأةَ تَنْبَسِطُ في مَالِ زَوْجِها بِحُكْمِ العَادَةِ، ويُعَدُّ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ منهما مَالًا للآخَر، ولهذا قال ابْنُ مسعودٍ، في عَبْدٍ سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَةِ سَيِّدِه: عَبْدُكم سَرَقَ مَالَكم. ولم يَقْطَعْهُ. وَرُوِيَ ذلك عن عمرَ. وكذلك لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ منهما لِصَاحِبِه، بِخِلافِ الغَرِيمِ مع غَرِيمِه. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَجُوزُ لها دَفْعُ زَكَاتِها إلى زَوْجِها. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ، وابْنِ المُنْذِرِ، وطَائِفَةٍ من أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ زينبَ امْرَأةَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ قالت: يا نَبِيَّ اللهِ، إنَّكَ أمَرْتَ اليَوْمَ بالصَّدَقَةِ، وكان عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فأرَدْتُ أن أتصَدَّقَ به، فزَعَمَ ابْنُ مسعودٍ أنَّه هو وَوَلَدَه أحَقُّ مَن تَصَدَّقْتُ عليهم. فقال النَّبِي ﷺ : "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). وروى أن امْرَأةَ عبدِ اللهِ سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ عن بَنِي أخٍ لها أَيْتَامٍ في حِجْرِهَا، أفَتُعْطِيهِم زَكَاتَها؟ قال: "نَعَمْ" (٢). ورَوَى الجُوزَجَانِيُّ، بإسْنَادِهِ عن عَطَاءٍ، قال: أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عَلَيَّ نَذْرًا أنْ أتَصَدَّقَ بعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وإنَّ لي زَوْجًا فَقِيرًا، أفيُجْزِئُ عَنِّي أن أُعْطِيَهُ؟ قال: "نَعَمْ، لَكِ كِفْلَانِ (٣) من

стр. 1748

الأجْرِ". ولأنَّه لا تَجِبُ نَفَقَتهُ، فلا يُمْنَعُ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه، كالأجْنَبِيِّ، ويُفَارِقُ الزَّوْجَةَ، فإنَّ نَفَقَتها وَاجِبَةٌ عليه، ولأنَّ الأصْلَ جَوَازُ الدَّفْعِ؛ لِدُخُولِ الزَّوْجِ في عُمُومِ الأصْنَافِ المُسَمَّينَ في الزَّكَاةِ، وليس في المَنْعِ نَصٌّ ولا إجْمَاعٌ، وقِيَاسُه علَى من ثَبَتَ المَنْعُ في حَقِّهِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِوُضُوحِ الفَرْقِ بينهما، فيَبْقَى جَوَازُ الدَّفْعِ ثابتًا، والاسْتِدْلَالُ بهذا أقوَى مِن الاسْتِدْلَالِ بالنُّصُوصِ، لِضَعْفِ دَلَالَتِها؛ فإنَّ الحَدِيثَ الأوَّلَ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، لِقَوْلِها: أرَدْتُ أن أتَصَدَّقَ بِحُلِيٍّ لِي. ولا تَجِبُ الصَّدَقَةُ بالحُلِيِّ، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ من تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ". والوَلَدُ لا تُدْفَعُ إليه الزكاةُ. والحَدِيثُ الثَّانِي، ليس فيه ذِكْرُ الزَّوْجِ، وذِكْرُ الزَّكاةِ فيه غيرُ مَحْفُوظٍ. قال أحمدُ: مَن ذَكَرَ الزكاةَ فهو عِنْدِي غيرُ مَحْفُوظٍ، إنَّما ذاك صَدَقَةٌ من غيرِ الزكاةِ، كذا قال الأعْمَشُ، فأمَّا الحَدِيثُ الآخَرُ فهو مُرْسَلٌ، وهو في النَّذْرِ. فصل: فإن كان في عَائِلَتِه من لا يجبُ عليه الإنْفاقُ عليه كيَتِيمٍ أجْنَبِيٍّ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أَنَّه لا يجوزُ له دَفْعُ زَكاتِه إليه؛ لأنَّه ينْتَفِعُ بِدَفْعِها إليه، لإغْنَائِه بها عن مُؤْنَتِهِ. والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، جَوَازُ دَفْعِهَا إليه؛ لأنَّه داخِلٌ في أصْنافِ المُسْتَحِقِّينَ لِلزكاةِ، ولم يَرِدْ في مَنْعِهِ نَصٌّ ولا إجْماعٌ ولا قِياسٌ صَحِيحٌ، فلا يجوزُ إخْرَاجُه من عُمُومِ النَّصِّ بغيرِ دَلِيلٍ، وإن تَوَهَّمَ أنَّه يَنْتَفِعُ بِدَفْعِها إليه، قُلْنا: قد لا يَنْتَفِعُ به، فإنَّه يَصْرِفُها في مَصَالِحِه التي لا يَقُومُ بها الدَّافِعُ، وإن قَدَّرَ الانْتِفاعَ فإنَّه نَفْعٌ لا يَسْقُطُ به وَاجِبٌ عليه، ولا يُجْتَلَبُ به مَالٌ إليه، فلم يَمْنَعْ ذلك الدَّفْعَ، كما لو كان يَصِلُه تَبَرُّعًا من غيرِ أن يكونَ من عائِلَتِه. فصل: وليسَ لِمُخْرِجِ الزكاةِ شِراؤها مِمَّنْ صارَتْ إليه. وَرُوِيَ ذلك عن الحسنِ، وهو قَوْلُ قَتَادَةَ، ومالِكٍ. قال أصْحابُ مَالِكٍ: فإن اشْتَرَاهَا لم يُنْقَضِ البَيْعُ. وقال الشَّافِعِيُّ وغيرُه: يجوزُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ،

стр. 1749

إلا لِخَمْسَةٍ؛ رَجُلٍ ابْتَاعَهَا بِمَالِهِ" (٤). ورَوَى سَعِيدٌ، في "سُنَنِه" أنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ على أُمِّهِ بِصَدَقَةٍ ثم مَاتَت، فسألَ النَّبِيَّ ﷺ فقال: "قد قَبِلَ اللهُ صَدَقَتَكَ، ورَدَّهَا إليكَ المِيرَاثُ" (٥). وهذا في مَعْنَى شِرَائِها. ولأنَّ ما صَحَّ أن يُمْلَكَ إرْثًا، صَحَّ أن يُمْلَكَ (٦) ابْتِيَاعًا، كسَائِرِ الأمْوالِ. ولَنا، ما رَوَى عمرُ، أنَّه قال: حملْتُ على فَرَسٍ في سَبِيل اللهِ، فأضَاعَهُ الذي كان عِنْدَه، وظَنَنْتُ أَنَّه بائِعُه (٧) بِرُخْصٍ، فأرَدْتُ أن أشْتَرِيَهُ، فسألْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "لا تَبْتَعْهُ، ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ ولَوْ أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَإنَّ الْعَائِدَ في صَدَقَتِه كالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِه". مُتَّفَقٌ عليه (٨).

стр. 1750

فإن قِيلَ: يحتمِلُ أنَّها كانت حَبِيسًا (٩) في سَبِيلِ اللهِ فَمَنَعَهُ لذلك. قُلْنا: لو كانت حَبِيسًا (٩) لَما بَاعَها الذي (١٠) هي (١١) في يَدهِ، ولا هَمَّ عمرُ بِشِرَائِها، بل كان يُنْكِرُ على البَائِعِ ويَمْنَعُه، فإنَّه لم يكنْ يُقِرُّ على مُنْكَرٍ، فكيف يَفْعَلُه، ويُعِينُ عليه. ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما أنكَرَ بَيْعَها، إنَّما أنْكَرَ على عمرَ الشِّرَاءَ، مُعَلِّلًا بِكَوْنِه عَائِدًا في الصَّدَقَةِ. الثاني، أنَّنا نَحْتَجُّ بِعُمُومِ اللَّفْظِ مِن غيرِ نَظَرٍ إلى خُصُوصِ السَّبَبِ، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ" أي بالشِّرَاءِ "فَإنَّ العَائِدَ في صَدَقَتِه كالعَائِدِ في قَيْئِه". والأخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِن التَّمَسُّكِ بِخُصُوصِ السَّبَبِ. فإنْ قِيلَ: فإن اللَّفْظَ لا يَتَنَاوَلُ الشِّرَاءَ، فإنَّ العَوْدَ في الصَّدَقَةِ ارْتِجاعُها (١٢) بغَيْرِ عِوَضٍ، وفَسْخٌ لِلْعَقْدِ، كالعَوْدِ في الهِبَةِ، والدَّلِيلُ على هذا قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "العَائِدُ في هِبَتِهِ كالعَائِدِ في قَيْئِه" (١٣). ولو وَهَبَ إنْسانًا شيئًا، ثم اشْتَرَاهُ منه، جازَ. قُلْنا: النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ ذلك جَوَابًا لِعمرَ حين سَألَهُ عن شِراءِ الفَرَسِ، فلو لم يَكُنِ اللَّفْظُ

стр. 1751

مُتَنَاوِلًا لِلشِّرَاءِ المَسْئُولِ عنه لم يكن مُجِيبًا له، ولا يجوزُ إخْرَاجُ خُصُوصِ السَّبَبِ من عُمُومِ اللَّفْظِ؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ السُّؤالُ عن الجَوابِ، وقد رُوِيَ عن جابِرٍ، أنَّه قال: إذا جاءَ المُصَدِّقُ فَادْفَعْ إليه صَدَقَتَكَ، ولا تَشْتَرِها، فإنَّهم كانوا يقولون: ابْتَعْها فأقولُ: إنَّما هِي للهِ (١٤). وعن ابْنِ عمرَ أنَّه قال: لا تَشْتَرِ طَهُورَ مَالِكَ (١٥). ولأنَّ في شِرَائِه لها وَسِيلَةً إلى اسْتِرْجَاعِ شىءٍ منها؛ لأنَّ الفَقِيرَ يَسْتَحِي منه، فلا يُمَاكِسُه في ثَمَنِها، وَرُبَّما أرْخَصَها (١٦) له طَمَعًا في أن يَدْفَعَ إليه صَدَقَةً أُخْرَى، وَرُبَّما عَلِمَ أنه إن لم يَبِعْهُ إيَّاها اسْتَرْجَعَها منه أو تَوَهَّمَ ذلك، وما هذا سَبِيلُه يَنْبَغِي أن يُجْتنَبَ، كما لو شَرَطَ عليه أن يَبِيعَه إيَّاها. وهو أيضًا ذَرِيعةٌ إلى إخْرَاجِ القِيمَةِ، وهو مَمْنُوعٌ من ذلك. أمَّا حَدِيثُهم فنقولُ به، وأنَّها تَرْجِعُ إليه بالمِيرَاثِ وليس هذا مَحَلَّ النِّزاعِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: كلُّ العُلماء يقولون: إذا رَجَعَتْ إليه بالمِيرَاثِ طابَتْ له، إلَّا ابنَ عمرَ والحسنَ بن حَيٍّ. وليس البَيْعُ في مَعْنَى المِيرَاثِ؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَتَ (١٧) بالمِيرَاثِ حُكْمًا بغيرِ اخْتِيَارِه، وليس بِوَسِيلَةٍ إلى شىءٍ ممَّا ذَكَرنَا، والحَدِيثُ الآخَرُ مُرْسَلٌ، وهو عَامٌّ، وحَدِيثُنَا خَاصٌّ صَحِيحٌ، فالعَمَلُ به أوْلَى من كُلِّ وَجْهٍ. فصل: فإن دَعَتِ الحاجةُ إلى شِرَاءِ صَدَقَتِه، مثل أن يكونَ الفَرْضُ جُزْءًا من حَيَوانٍ لا يُمْكِنُ الفَقِيرَ الانْتِفَاعُ بِعَيْنِه، ولا يَجِدُ من يَشْتَرِيه سِوَى المالِكِ لِبَاقِيهِ، ولو اشْتَرَاهُ غيرُه لتَضَرَّرَ المالِكُ بِسُوءِ المُشَارَكَةِ، أو إذا كان الوَاجِبُ في ثَمَرَةِ النَّخْلِ

стр. 1752

والكَرْمِ عِنَبًا وَرُطَبًا، فاحْتَاجَ السَّاعِي إلى بَيْعِها قبلَ الجِذَاذِ، فقد ذكر القاضي أنَّه يجوزُ بَيْعُها من رَبِّ المَالِ في هذا المَوْضِعِ. وكذلك يَجِىءُ في الصُّورَةِ الأُولَى، وفي كُلِّ مَوْضِعٍ دَعَتِ الحاجةُ إلى شِرَائِه لها؛ لأنَّ المَنْعَ من الشِّرَاءِ في مَحَلِّ الوِفَاقِ إنَّما كان لِدَفْعِ الضَّرَرِ عن الفَقِيرِ، والضَّرَرُ عليه في مَنْعِ البَيْعِ هاهُنا أعْظَمُ، فَدَفْعُه بِجَوَازِ البَيْعِ أوْلَى. فصل: قال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن رجلٍ له علَى رجلٍ دَيْنٌ بِرَهْنٍ وليس عندَه قَضَاؤُهُ، ولهذا الرجلِ زكاةُ مَالٍ يُرِيدُ أن يُفَرِّقَها على المَسَاكِين، فيَدْفَعُ إليه رَهْنَهُ ويقولُ له: الدَّيْنُ الذي لِي عليك هو لَكَ. ويَحْسُبُهُ مِن زَكاة مَالِه. قال: لا يُجْزِئُه ذلك. فقلتُ له: فيَدْفَعُ إليه (١٨) زكاتَه، فإن رَدَّه إليه قَضَاءً [مِمَّا له، له] (١٩) أخْذُه؟ فقال: نعم. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ، وقِيلَ له: فإن أعْطَاهُ، ثم رَدَّهُ إليه؟ قال: إذا كان بِحِيلَةٍ فلا يُعْجِبُنِي. قِيلَ له: فإن اسْتَقْرَضَ الذي عليه الدَّيْنُ دَرَاهِمَ، فقضاهُ إيَّاها ثم رَدَّهَا عليه، وحَسَبَها من الزكاةِ؟ فقال: إذا أرادَ بها إحْياءَ مَالِه فلا يجوزُ. فحَصَلَ من كَلَامِه أنَّ دَفْعَ الزكاةِ إلى الغَرِيمِ جَائِزٌ، سَوَاءٌ دَفَعَها ابْتِدَاءً، أو اسْتَوْفَى حَقَّهُ ثم دَفَعَ ما اسْتَوْفَاهُ إليه، إلَّا أنَّه متى قَصَدَ بالدَّفْعِ إحْيَاءَ مَالِه، أو اسْتِيفَاءَ دَيْنِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الزكاةَ لِحَقِّ اللهِ تعالى، فلا يجوزُ صَرْفُها إلى نَفْعِه، ولا يجوزُ أن يَحْتَسِبَ (٢٠) الدَّيْنَ الذي له من الزَّكاةِ قبلَ قَبْضِهِ؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بأدائِها وإيتائِها، وهذا إسْقَاطٌ، واللَّه أعلمُ. ٤٢٦ - مسألة؛ قال: (ولا لِكَافِرٍ، ولا لِمَمْلُوكٍ) لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا في أنَّ زكاةَ الأمْوالِ لا تُعْطَى لِكَافِرٍ ولا لِمَمْلُوكٍ.

стр. 1753

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ أنَّ الذِّمِّيَّ لا يُعْطَى من زكاةِ الأمْوَالِ شيئًا. ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لِمُعَاذٍ: "أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِم، وتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِم" (١). فخَصَّهم بِصَرْفِها إلى فُقَرَائِهم، كما خَصَّهم بِوُجُوبِها على أغْنِيائِهم. وأمَّا المَمْلُوكُ فلا يَمْلِكُها بِدَفْعِها إليه، وما يُعْطاهُ فهو لِسَيِّدِه، فكأنَّه دَفَعَها إلى سَيِّدِه، ولأنَّ العَبْدَ يَجِبُ على سَيِّدِه نَفَقَتُه، فهو غَنِيٌّ بِغِنَاه (٢). ٤٢٧ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ يَكُونُوا مِنَ العَامِلِينَ عَلَيْهَا، فَيُعْطَوْنَ بِحَقِّ مَا عَمِلُوا) وجُمْلَتُه أَنَّه يجوزُ لِلْعَامِلِ أنْ يَأخُذَ عِمَالَتَه من الزكاةِ، سَوَاءٌ كان حُرًّا أو عَبْدًا. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يجوزُ أن يكونَ كَافِرًا، وهذه (١) إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (٢). وهذا لَفْظٌ عَامٌّ يَدْخُلُ فيه كُلُّ عَامِلٍ على أيِّ صِفَةٍ كان. ولأنَّ ما يَأخُذُ على العِمَالَةِ أُجْرَةٌ لِعَمَلِه (٣)، فلم يُمْنَعْ من أخْذِه. كسائِرِ الإجارَاتِ. والرِّوَايَةُ الأخْرَى، لا يجوزُ أن يكونَ العَامِلُ كَافِرًا، لأنَّ من شَرْطِ العَامِلِ أن يكونَ أمِينًا، والكُفْرُ يُنَافِي الأمَانةَ. ويجوزُ أن يَكُونَ غَنِيًّا، وذَا قَرَابَةٍ لِرَبِّ المالِ. وقَوْلُه: "بحَقِّ ما عَمِلُوا" يعني يُعْطِيهِم بِقَدْرِ أُجْرَتِهم والإمَامُ مُخَيَّرٌ إذا بَعَثَ عَامِلًا؛ إن شاءَ اسْتَأْجَرَهُ إجارَةً صَحِيحَةً، ويَدْفَعُ إليه ما سَمَّى له، وإن شاءَ بَعَثَه بغيرِ إجَارَةٍ، ويَدْفَعُ إليه أجْرَ مِثْلِه. وهذا كان المَعْرُوفَ على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فإنَّه لم يَبْلُغْنَا أَنَّه قَاطَعَ أحَدًا من العُمَّالِ على أجْرٍ، وقد رَوَى أبو دَاوُدَ (٤)، بإسنادِهِ عن ابْنِ السَّاعِدِيِّ (٥)، قال: اسْتَعْمَلَنِي عمرُ على الصَّدَقَةِ،

стр. 1754

فلمَّا فَرَغْتُ منها وأدَّيْتُها إليه، أمَرَ لِي بِعِمَالَةٍ، فقلتُ: إنَّما عَمِلْتُ للهِ، وأجْرِي على اللهِ. قال: خُذْ ما أُعْطِيتَ، فإنِّي قد عَمِلْتُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ فَعَمَّلَنِي (٦)، فقلتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أنْ تَسْأَلَه فَكُلْ وتَصَدَّقْ" (٧). فصل: ويُعْطِي منها أجْرَ الحاسِبِ والكاتِبِ والحاشِر (٨) والخَازِنِ والحافِظِ والرَّاعِي ونَحْوِهم، فكُلُّهم مَعْدُودُونَ من العامِلِينَ (٩)، ويَدْفَعُ إليهم من حِصَّةِ العَامِلِينَ عليها، فأمَّا أجْرُ الوَزَّانِ والكَيَّالِ لِيَقْبِضَ السَّاعِي الزَّكاةَ فعلَى رَبِّ المَالِ؛ لأنَّه من مُؤْنَةِ دَفْعِ الزكاةِ. فصل: ولا يُعْطَى الكافِرُ من الزَّكاةِ، إلَّا لِكَوْنِه مُؤَلَّفًا، على ما سَنَذْكُرُه، ويجوزُ أن يُعْطِيَ الإنْسَانُ ذَا قَرابتِه (١٠) من الزكاةِ؛ لِكَوْنِه غَازِيًا، أو مُؤلَّفًا، أو غَارمًا في إصْلاحِ ذَاتِ البَيْنِ، أو عامِلًا، ولا يُعْطِي لِغيرِ ذلك. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ (١١)

стр. 1755

بإسْنَادِهِ عن عَطاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أوْ لِعَامِلٍ عَلَيْها، أوْ لِغَارِمٍ، أوْ رَجُلٍ ابْتَاعَها بمَالِه، أو لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ، فَتَصَدَّقَ على المِسْكِين، فأهْدَى المِسْكِينُ إلى الغَنِيِّ". ورَوَاه (١٢) أيضًا عن عَطاءٍ، عن أبي سَعِيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ . فصل: وإن اجْتَمَع في وَاحِدٍ أسْبابٌ تَقْتَضِي الأخْذَ بها، جازَ أن يُعْطَى بها، فالعامِلُ الفَقِيرُ له أن يأْخُذَ عِمَالَتَهُ، فإن لم تُغْنِه فله أن يَأخُذَ ما يُتِمُّ به غِنَاهُ، فإن كان غَازِيًا فله أخْذُ ما يَكْفِيه لِغَزْوِهِ، وإن كان غَارِمًا أخَذَ ما يَقْضِي به غُرْمَهُ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من هذه الأسْبابِ يَثْبُتُ حُكمُه بانْفِرَادِه، فوُجُودُ غيرِه لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِه، كما لم يَمْنَعْ وُجُودُهُ، وقد رُوِيَ عن أَحمدَ أنَّه قال: إذا كان له مائتانِ وعليه مِثْلُها، لا يُعْطَى من الزكاة؛ لأنَّ الغِنَى (١٣) خَمْسُونَ دِرْهَمًا. وهذا يَدُلُّ على أَنَّه يُعْتَبَرُ في الدَّفْعِ إلى الغَارِمِ أن يكونَ فَقِيرًا، فإذا أُعْطِيَ لأَجْلِ الغُرْمِ وَجَبَ صَرْفهُ إلى قَضاءِ الدَّيْنِ، وإن أُعْطِيَ لِلْفَقِيرِ جازَ أن يَقْضِيَ به دَيْنَهُ. ٤٢٨ - مسألة؛ قال: (ولا لِبَنِي هَاشِمٍ) لا نَعْلَمُ خِلَافًا في أنَّ بني هاشِمٍ لا تَحِلُّ لهم الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وقد قال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّما هِيَ أوسَاخُ النَّاس". أخْرَجَه مُسْلِمٌ (١). وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: أخَذَ الحسَنُ تَمْرَةً مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فقال النَّبِيُّ ﷺ "كَخْ كَخْ". لِيَطْرَحَها، وقال: "أمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ
следующие страницы →