← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

مُتَنَاوِلًا لِلشِّرَاءِ المَسْئُولِ عنه لم يكن مُجِيبًا له، ولا يجوزُ إخْرَاجُ خُصُوصِ السَّبَبِ من عُمُومِ اللَّفْظِ؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ السُّؤالُ عن الجَوابِ، وقد رُوِيَ عن جابِرٍ، أنَّه قال: إذا جاءَ المُصَدِّقُ فَادْفَعْ إليه صَدَقَتَكَ، ولا تَشْتَرِها، فإنَّهم كانوا يقولون: ابْتَعْها فأقولُ: إنَّما هِي للهِ (١٤). وعن ابْنِ عمرَ أنَّه قال: لا تَشْتَرِ طَهُورَ مَالِكَ (١٥). ولأنَّ في شِرَائِه لها وَسِيلَةً إلى اسْتِرْجَاعِ شىءٍ منها؛ لأنَّ الفَقِيرَ يَسْتَحِي منه، فلا يُمَاكِسُه في ثَمَنِها، وَرُبَّما أرْخَصَها (١٦) له طَمَعًا في أن يَدْفَعَ إليه صَدَقَةً أُخْرَى، وَرُبَّما عَلِمَ أنه إن لم يَبِعْهُ إيَّاها اسْتَرْجَعَها منه أو تَوَهَّمَ ذلك، وما هذا سَبِيلُه يَنْبَغِي أن يُجْتنَبَ، كما لو شَرَطَ عليه أن يَبِيعَه إيَّاها. وهو أيضًا ذَرِيعةٌ إلى إخْرَاجِ القِيمَةِ، وهو مَمْنُوعٌ من ذلك. أمَّا حَدِيثُهم فنقولُ به، وأنَّها تَرْجِعُ إليه بالمِيرَاثِ وليس هذا مَحَلَّ النِّزاعِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: كلُّ العُلماء يقولون: إذا رَجَعَتْ إليه بالمِيرَاثِ طابَتْ له، إلَّا ابنَ عمرَ والحسنَ بن حَيٍّ. وليس البَيْعُ في مَعْنَى المِيرَاثِ؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَتَ (١٧) بالمِيرَاثِ حُكْمًا بغيرِ اخْتِيَارِه، وليس بِوَسِيلَةٍ إلى شىءٍ ممَّا ذَكَرنَا، والحَدِيثُ الآخَرُ مُرْسَلٌ، وهو عَامٌّ، وحَدِيثُنَا خَاصٌّ صَحِيحٌ، فالعَمَلُ به أوْلَى من كُلِّ وَجْهٍ. فصل: فإن دَعَتِ الحاجةُ إلى شِرَاءِ صَدَقَتِه، مثل أن يكونَ الفَرْضُ جُزْءًا من حَيَوانٍ لا يُمْكِنُ الفَقِيرَ الانْتِفَاعُ بِعَيْنِه، ولا يَجِدُ من يَشْتَرِيه سِوَى المالِكِ لِبَاقِيهِ، ولو اشْتَرَاهُ غيرُه لتَضَرَّرَ المالِكُ بِسُوءِ المُشَارَكَةِ، أو إذا كان الوَاجِبُ في ثَمَرَةِ النَّخْلِ

стр. 1752

والكَرْمِ عِنَبًا وَرُطَبًا، فاحْتَاجَ السَّاعِي إلى بَيْعِها قبلَ الجِذَاذِ، فقد ذكر القاضي أنَّه يجوزُ بَيْعُها من رَبِّ المَالِ في هذا المَوْضِعِ. وكذلك يَجِىءُ في الصُّورَةِ الأُولَى، وفي كُلِّ مَوْضِعٍ دَعَتِ الحاجةُ إلى شِرَائِه لها؛ لأنَّ المَنْعَ من الشِّرَاءِ في مَحَلِّ الوِفَاقِ إنَّما كان لِدَفْعِ الضَّرَرِ عن الفَقِيرِ، والضَّرَرُ عليه في مَنْعِ البَيْعِ هاهُنا أعْظَمُ، فَدَفْعُه بِجَوَازِ البَيْعِ أوْلَى. فصل: قال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن رجلٍ له علَى رجلٍ دَيْنٌ بِرَهْنٍ وليس عندَه قَضَاؤُهُ، ولهذا الرجلِ زكاةُ مَالٍ يُرِيدُ أن يُفَرِّقَها على المَسَاكِين، فيَدْفَعُ إليه رَهْنَهُ ويقولُ له: الدَّيْنُ الذي لِي عليك هو لَكَ. ويَحْسُبُهُ مِن زَكاة مَالِه. قال: لا يُجْزِئُه ذلك. فقلتُ له: فيَدْفَعُ إليه (١٨) زكاتَه، فإن رَدَّه إليه قَضَاءً [مِمَّا له، له] (١٩) أخْذُه؟ فقال: نعم. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ، وقِيلَ له: فإن أعْطَاهُ، ثم رَدَّهُ إليه؟ قال: إذا كان بِحِيلَةٍ فلا يُعْجِبُنِي. قِيلَ له: فإن اسْتَقْرَضَ الذي عليه الدَّيْنُ دَرَاهِمَ، فقضاهُ إيَّاها ثم رَدَّهَا عليه، وحَسَبَها من الزكاةِ؟ فقال: إذا أرادَ بها إحْياءَ مَالِه فلا يجوزُ. فحَصَلَ من كَلَامِه أنَّ دَفْعَ الزكاةِ إلى الغَرِيمِ جَائِزٌ، سَوَاءٌ دَفَعَها ابْتِدَاءً، أو اسْتَوْفَى حَقَّهُ ثم دَفَعَ ما اسْتَوْفَاهُ إليه، إلَّا أنَّه متى قَصَدَ بالدَّفْعِ إحْيَاءَ مَالِه، أو اسْتِيفَاءَ دَيْنِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الزكاةَ لِحَقِّ اللهِ تعالى، فلا يجوزُ صَرْفُها إلى نَفْعِه، ولا يجوزُ أن يَحْتَسِبَ (٢٠) الدَّيْنَ الذي له من الزَّكاةِ قبلَ قَبْضِهِ؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بأدائِها وإيتائِها، وهذا إسْقَاطٌ، واللَّه أعلمُ. ٤٢٦ - مسألة؛ قال: (ولا لِكَافِرٍ، ولا لِمَمْلُوكٍ) لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا في أنَّ زكاةَ الأمْوالِ لا تُعْطَى لِكَافِرٍ ولا لِمَمْلُوكٍ.

стр. 1753

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ أنَّ الذِّمِّيَّ لا يُعْطَى من زكاةِ الأمْوَالِ شيئًا. ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لِمُعَاذٍ: "أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِم، وتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِم" (١). فخَصَّهم بِصَرْفِها إلى فُقَرَائِهم، كما خَصَّهم بِوُجُوبِها على أغْنِيائِهم. وأمَّا المَمْلُوكُ فلا يَمْلِكُها بِدَفْعِها إليه، وما يُعْطاهُ فهو لِسَيِّدِه، فكأنَّه دَفَعَها إلى سَيِّدِه، ولأنَّ العَبْدَ يَجِبُ على سَيِّدِه نَفَقَتُه، فهو غَنِيٌّ بِغِنَاه (٢). ٤٢٧ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ يَكُونُوا مِنَ العَامِلِينَ عَلَيْهَا، فَيُعْطَوْنَ بِحَقِّ مَا عَمِلُوا) وجُمْلَتُه أَنَّه يجوزُ لِلْعَامِلِ أنْ يَأخُذَ عِمَالَتَه من الزكاةِ، سَوَاءٌ كان حُرًّا أو عَبْدًا. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يجوزُ أن يكونَ كَافِرًا، وهذه (١) إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (٢). وهذا لَفْظٌ عَامٌّ يَدْخُلُ فيه كُلُّ عَامِلٍ على أيِّ صِفَةٍ كان. ولأنَّ ما يَأخُذُ على العِمَالَةِ أُجْرَةٌ لِعَمَلِه (٣)، فلم يُمْنَعْ من أخْذِه. كسائِرِ الإجارَاتِ. والرِّوَايَةُ الأخْرَى، لا يجوزُ أن يكونَ العَامِلُ كَافِرًا، لأنَّ من شَرْطِ العَامِلِ أن يكونَ أمِينًا، والكُفْرُ يُنَافِي الأمَانةَ. ويجوزُ أن يَكُونَ غَنِيًّا، وذَا قَرَابَةٍ لِرَبِّ المالِ. وقَوْلُه: "بحَقِّ ما عَمِلُوا" يعني يُعْطِيهِم بِقَدْرِ أُجْرَتِهم والإمَامُ مُخَيَّرٌ إذا بَعَثَ عَامِلًا؛ إن شاءَ اسْتَأْجَرَهُ إجارَةً صَحِيحَةً، ويَدْفَعُ إليه ما سَمَّى له، وإن شاءَ بَعَثَه بغيرِ إجَارَةٍ، ويَدْفَعُ إليه أجْرَ مِثْلِه. وهذا كان المَعْرُوفَ على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فإنَّه لم يَبْلُغْنَا أَنَّه قَاطَعَ أحَدًا من العُمَّالِ على أجْرٍ، وقد رَوَى أبو دَاوُدَ (٤)، بإسنادِهِ عن ابْنِ السَّاعِدِيِّ (٥)، قال: اسْتَعْمَلَنِي عمرُ على الصَّدَقَةِ،

стр. 1754

فلمَّا فَرَغْتُ منها وأدَّيْتُها إليه، أمَرَ لِي بِعِمَالَةٍ، فقلتُ: إنَّما عَمِلْتُ للهِ، وأجْرِي على اللهِ. قال: خُذْ ما أُعْطِيتَ، فإنِّي قد عَمِلْتُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ فَعَمَّلَنِي (٦)، فقلتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أنْ تَسْأَلَه فَكُلْ وتَصَدَّقْ" (٧). فصل: ويُعْطِي منها أجْرَ الحاسِبِ والكاتِبِ والحاشِر (٨) والخَازِنِ والحافِظِ والرَّاعِي ونَحْوِهم، فكُلُّهم مَعْدُودُونَ من العامِلِينَ (٩)، ويَدْفَعُ إليهم من حِصَّةِ العَامِلِينَ عليها، فأمَّا أجْرُ الوَزَّانِ والكَيَّالِ لِيَقْبِضَ السَّاعِي الزَّكاةَ فعلَى رَبِّ المَالِ؛ لأنَّه من مُؤْنَةِ دَفْعِ الزكاةِ. فصل: ولا يُعْطَى الكافِرُ من الزَّكاةِ، إلَّا لِكَوْنِه مُؤَلَّفًا، على ما سَنَذْكُرُه، ويجوزُ أن يُعْطِيَ الإنْسَانُ ذَا قَرابتِه (١٠) من الزكاةِ؛ لِكَوْنِه غَازِيًا، أو مُؤلَّفًا، أو غَارمًا في إصْلاحِ ذَاتِ البَيْنِ، أو عامِلًا، ولا يُعْطِي لِغيرِ ذلك. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ (١١)

стр. 1755

بإسْنَادِهِ عن عَطاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أوْ لِعَامِلٍ عَلَيْها، أوْ لِغَارِمٍ، أوْ رَجُلٍ ابْتَاعَها بمَالِه، أو لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ، فَتَصَدَّقَ على المِسْكِين، فأهْدَى المِسْكِينُ إلى الغَنِيِّ". ورَوَاه (١٢) أيضًا عن عَطاءٍ، عن أبي سَعِيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ . فصل: وإن اجْتَمَع في وَاحِدٍ أسْبابٌ تَقْتَضِي الأخْذَ بها، جازَ أن يُعْطَى بها، فالعامِلُ الفَقِيرُ له أن يأْخُذَ عِمَالَتَهُ، فإن لم تُغْنِه فله أن يَأخُذَ ما يُتِمُّ به غِنَاهُ، فإن كان غَازِيًا فله أخْذُ ما يَكْفِيه لِغَزْوِهِ، وإن كان غَارِمًا أخَذَ ما يَقْضِي به غُرْمَهُ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من هذه الأسْبابِ يَثْبُتُ حُكمُه بانْفِرَادِه، فوُجُودُ غيرِه لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِه، كما لم يَمْنَعْ وُجُودُهُ، وقد رُوِيَ عن أَحمدَ أنَّه قال: إذا كان له مائتانِ وعليه مِثْلُها، لا يُعْطَى من الزكاة؛ لأنَّ الغِنَى (١٣) خَمْسُونَ دِرْهَمًا. وهذا يَدُلُّ على أَنَّه يُعْتَبَرُ في الدَّفْعِ إلى الغَارِمِ أن يكونَ فَقِيرًا، فإذا أُعْطِيَ لأَجْلِ الغُرْمِ وَجَبَ صَرْفهُ إلى قَضاءِ الدَّيْنِ، وإن أُعْطِيَ لِلْفَقِيرِ جازَ أن يَقْضِيَ به دَيْنَهُ. ٤٢٨ - مسألة؛ قال: (ولا لِبَنِي هَاشِمٍ) لا نَعْلَمُ خِلَافًا في أنَّ بني هاشِمٍ لا تَحِلُّ لهم الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وقد قال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّما هِيَ أوسَاخُ النَّاس". أخْرَجَه مُسْلِمٌ (١). وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: أخَذَ الحسَنُ تَمْرَةً مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فقال النَّبِيُّ ﷺ "كَخْ كَخْ". لِيَطْرَحَها، وقال: "أمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ

стр. 1756

الصَّدَقَةَ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). ٤٢٩ - مسألة؛ قال: (ولَا لِمَوَالِيهِمْ) يَعْنِي أنَّ مَوالِي بني هاشِمٍ، وهم من أعْتَقَهُم هَاشِمِيٌّ، لا يُعْطَوْنَ من الزكاةِ. وقال أكْثَرُ العُلماءِ: يجوزُ؛ لأنَّهم لَيْسُوا بِقَرَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فلم يُمْنَعُوا الصَّدَقَةَ كسائِرِ النَّاسِ، ولأنَّهم لم يُعَوَّضُوا عنها بِخُمْسِ الخُمْسِ، فإنَّهم لا يُعْطَوْنَ منه، فلم يَجُزْ أن يُحْرَمُوها كسائِرِ النّاسِ. ولنَا، ما رَوَى أبو رافعٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا من بنِي مَخْزُومٍ على الصَّدَقَةِ، فقال لأبي رافِعٍ: اصْحَبْنِي كيْما تُصِيبَ منها. فقال: لا حَتَّى آتِيَ رسولَ اللهِ ﷺ فأسْأَلَه. فانْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فسَألهُ. فقال: "إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، وإنَّ مَوَالِيَ (١) القَوْمِ مِنْهُمْ". أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ (٢)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّهم مِمَّنْ يَرِثُهم (٣) بنو هاشِمٍ بالتَّعْصِيبِ، فلم يَجُزْ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إليهم كبني هاشِمٍ. وقَوْلُهُم: إنَّهم لَيْسُوا بِقَرَابَةٍ. قُلْنا: هم بِمَنْزِلَةِ القَرَابَةِ، بدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" (٤). وقَوْلُه: "مَوَالِى (١) القَوْمِ مِنْهُمْ". وثَبَتَ

стр. 1757

فيهم حُكْمُ القَرَابَةِ من الإرْثِ والعَقْلِ والنَّفَقَةِ، فلا يَمْتَنِعُ ثُبُوثُ حُكْمِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ فيهم. فصل: فأمَّا بنو المُطَّلِبِ، فهل لهم الأخْذُ من الزكاةِ؟ على رِوَايَتَيْنِ: إحْداهما، ليس لهم ذلك. نَقَلَها عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، وغيرُه؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّا وبَنُو المُطَّلِبِ لم نَفْتَرِقْ في جَاهِلِيَّةٍ ولَا إسْلَامٍ، إنَّما نَحْنُ وهُمْ شَيءٌ وَاحِدٌ" (٥). وفي لَفْظٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ في "مُسْنَدِهِ" (٦): "إنَّما بَنُو هَاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَىْءٌ وَاحِدٌ". وشَبَّكَ بين أصَابِعِه. ولأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ من خُمْسِ الخُمْسِ، فلم يكنْ لهم الأخْذُ كبني هاشِمٍ، وقد أكَّدَ ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ مَنْعَهم الصَّدَقَةَ باسْتِغْنَائِهم عنها بِخُمْسِ الخُمْسِ، فقال: "ألَيْسَ فى خُمْسِ الخُمْسِ ما يُغْنِيكُمْ؟ " (٧). والرِّوَايَةُ الثّانِيةُ، لهمُ الأخْذُ منها. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، لأنَّهم دَخَلُوا في عُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٨). الآية. لكن خَرَجَ بنو هاشِمٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ" (٩)، فَيَجِبُ أنْ يَخْتَصَّ المَنْعُ بهم، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ بَنِى المُطَّلِبِ علَى

стр. 1758

بني هاشِمٍ؛ لأنَّ بني هاشِمٍ أقْرَبُ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأشْرَفُ، وهم آلُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ ومُشَارَكَةُ بنى المُطَّلِبِ لهم في خُمْسِ الخُمْسِ ما اسْتَحَقُّوهُ بمُجَرَّدِ القَرَابَةِ، بِدَلِيلِ أنَّ بنى عَبْدِ شَمْسٍ وبني نَوْفَلٍ يُسَاوُونَهم في القَرَابَةِ، ولم يُعْطَوْا شيئا، وإنَّما شَارَكُوهم بِالنُّصْرَةِ، أو بهما جميعا، والنُّصْرَةُ لا تَقْتَضِى مَنْعَ الزكاةِ. فصل: ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِهِ عن ابْنِ أبي مُلَيْكَةَ، أنَّ خالِدَ بنَ سعيدِ بن العاصِ بَعَثَ إلى عائشةَ سُفْرَةً من الصَّدَقَةِ. فرَدَّتْها، وقالت: إنَّا آل مُحَمَّدٍ ﷺ لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ (١٠). وهذا يَدُلُّ على تَحْرِيمِهَا على أزْوَاجِ رسولِ اللَّه ﷺ . فصل: وظَاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ هاهنا، أنَّ ذَوِى القُرْبَى يُمْنَعُونَ الصَّدَقَةَ، وإن كانوا عَامِلِينَ، وذكرَ في بَابِ قَسْمِ الفَىْءِ والصَّدَقَةِ ما يَدُلُّ على إِباحَةِ الأخْذِ لهم عِمالَةً (١١). وهو قولُ أكْثَرِ أصْحَابِنَا؛ لأَنَّ ما يَأْخُذونَهُ أجْرٌ، فجَازَ لهم أَخْذُه، كالحَمَّالِ وصَاحِبِ المَخْزَنِ إذا أجَرَهُمْ مَخْزَنَه. ولَنا، حَدِيثُ أبي رافِعٍ وقد ذَكَرْناهُ (١٢)، وما رَوَى مُسْلِمٌ (١٣) بإسْنَادِه، أَنَّه اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بنُ الحارِثِ، والعَبَّاسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ، فقالا: واللهِ لو بَعَثْنَا هذين الغُلَامَيْنِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فَكَلَّمَاهُ، فأمَّرَهُما على هذه الصَّدَقَاتِ، فأَدَّيَا ما يُؤَدِّي النَّاسُ، وأصَابا ما يُصِيبُ الناسُ؟ فبينما هما في ذلك إذ جاءَ عليُّ بنُ أبِي طالبٍ، فوَقَفَ عليهما، فذَكَرَا له ذلك، قال عليٌّ: لا تَفْعَلَا. فواللهِ ما هو بِفاعِلٍ. فانْتَحَاهُ ربيعةُ بنُ الحارِثِ فقال: واللهِ ما تَصْنَعُ هذا إلا نَفَاسَةً منك علينا. قال: فألْقَى عليٌّ رِدَاءَهُ، ثم اضْطَجَعَ، ثم قال: أنا أبو حَسَنٍ (١٤) القَرْمُ (١٥). واللهِ لا أرِيمُ مَكَانِي حتى يَرْجِعَ إليكما ابْنَاكُما

стр. 1759

بِخَبَرِ ما بَعَثْتُما به إلى رسولِ اللهِ ﷺ . فذَكَرَ الحَدِيثَ إلى أن قال: فأتيَا رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالا: يا رسولَ اللهِ، أنت أبو النَّاسِ، وأوْصَلُ النَّاسِ، وقد بَلَغْنَا النِّكاحَ، فجِئْنَا لِتُؤَمِّرَنَا على بعضِ هذه الصَّدَقاتِ، فنُؤَدِّيَ إليك كما يُؤَدِّي النّاسُ، ونُصِيبَ كما يُصيبُونَ. فسَكَتَ طَوِيلًا ثم قال: "إنَّ هذِه الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِى لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّمَا هِيَ أوْسَاخُ النَّاسِ". وفي لَفْظٍ أَنَّه قال: "إنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا هِيَ أوسَاخُ النّاسِ، وإنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ ولَا لِآلِ مُحَمَّدٍ". فصل: ويجوزُ لِذَوِى القُرْبَى الأخْذُ من صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ: إنَّما لا يُعْطَوْنَ من الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، فأمَّا التَّطَوُّعُ، فلا. وعن أحمد، رِوَايَةٌ أُخْرَى: أنَّهم يُمْنَعُونَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ أيضا؛ لِعُمُومِ قَوْلِه ﷺ : "إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ". والأوَّلُ أظْهَرُ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "المَعْرُوفُ كُلُّه صَدَقَةٌ". مُتَّفَقٌ عليه (١٦). وقال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (١٧). وقال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨). ولا خِلافَ في إِباحةِ المَعْرُوفِ إلى الهاشِمِيِّ، والعَفْوِ عنه

стр. 1760

وإنْظَارِهِ. وقال إخْوَةُ يوسفَ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ (١٩). والخَبَرُ أُرِيدَ به صَدَقَةُ الفَرْضِ، لأنَّ الطَّلَبَ كان لها، والألِفُ واللَّامُ تعودُ إلى المَعْهُودِ. ورَوَى جعفرُ بن محمدٍ، عن أبِيهِ أنَّه كان يَشْرَبُ مِن سِقَاياتٍ بين مَكَّةَ والمَدِينَة. فقلتُ له: أَتَشْرَبُ من الصَّدَقَةِ؟ فقال: إنَّما حُرِّمَتْ عَلَيْنا الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ (٢٠). ويجوزُ أن يَأخُذُوا من الوَصَايَا لِلْفُقَراءِ، ومن النُّذُورِ؛ لأنَّهما تَطَوُّعٌ، فأشْبَهَ ما لو وُصِّىَ لهم. وفي الكَفَّارَةِ وَجْهانِ: أحَدُهما، يجوزُ؛ لأنَّها ليست بزكاةٍ، ولا هي أَوْسَاخُ النَّاسِ، فأشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. والثاني، لا يجوزُ، لأنَّها وَاجِبَةٌ، أشْبَهَتِ الزكاةَ. فصل: وكُلُّ مَن حُرِّمَ عليه (٢١) صَدَقَةُ الفَرْضِ من الأغْنِياءِ وقَرَابَةِ المُتَصْدِّقِ والكَافِرِ وغَيْرِهِم، يجوزُ دَفْعُ صَدَقَة التَّطَوُّعِ إليهم، ولهم أخْذُها، قال اللهُ تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢٢). ولم يكن الأسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كافرًا، وعن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، ﵄، قالت: قَدِمتْ عليَّ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ، فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عليَّ وهي رَاغِبَةٌ، أفأصِلُها؟ قال: "نعم، صِلِي أُمَّكِ" (٢٣). وكَسَا عمرُ أخًا له مُشْرِكًا (٢٤) حُلَّةً كان النَّبِيُّ ﷺ

стр. 1761

أعْطَاهُ إيَّاها (٢٥). وعن أبي مسعودٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: "إذَا أنْفَقَ المُسْلِمُ عَلَى أَهْلِه، وهُوَ يَحْتَسِبُها، فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٦). وقال النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدٍ: "إنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى أَهْلِكَ صَدَقَةٌ، وإنَّ ما تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ صَدَقَةٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٧). فصل: فأمَّا النَّبِيُّ ﷺ ، فالظَّاهِرُ أنَّ الصَّدَقَةَ جَمِيعَها كانت مُحَرَّمَةً عليه، فَرْضَها ونَفْلَها؛ لأنَّ اجْتِنَابهَا كان من دَلَائِلِ نُبُوَّتِه وعَلاماتِها، فلم يَكُنْ لِيُخِلَّ بذلك، وفي حَدِيثِ إسْلَامِ (٢٨) سَلْمَانَ الفَارِسيِّ، أنَّ الذي أخْبَرَهُ عن النَّبِيِّ ﷺ وَوَصَفَهُ، قال: إنَّه يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ، ولا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ (٢٩). وقال أبو هُرَيْرَةَ: كان النَّبِيُّ ﷺ إذا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَألَ عنه؟ فإن قِيلَ: صَدَقَةٌ. قال لأصْحَابِه: "كُلُوا". ولم يَأْكُلْ، وإن قِيلَ (٣٠): هَدِيَّةٌ. ضَرَبَ بِيَدِه، فأكَلَ معهم. أخْرَجَهُ

стр. 1762

البُخَارِيُّ (٣١). وقال النَّبِيُّ ﷺ في لَحْمٍ تُصُدِّق به عَلى بَرِيرَةَ (٣٢): "هُوَ عَلَيْها صَدَقَةٌ، وهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ" (٣٣)، وقال ﵇: "إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي [في بَيْتِي] (٣٤)، فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فأُلْقِيهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣٥). وقال: "إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ" (٣٦). ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان أشْرَفَ الخَلْقِ، وكان له من المَغَانِم خُمْسُ

стр. 1763

الخُمْسِ والصَّفِيُّ، فَحُرِمَ نَوْعَي الصَّدَقَةِ فَرْضَهَا ونَفْلَهَا، وآلُه دُونَه في الشَّرَفِ، ولهم خُمْسُ الخُمْسِ وَحْدَه، فَحُرِمُوا أحَدَ نَوْعَيْهَا، وهو الفَرْضُ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لم تَكُنْ مُحَرَّمَةً عليه. قال المَيْمُونِيُّ: سمعتُ أحمدَ يقولُ: الصَّدَقَةُ التي (٣٧) لا تَحِلُّ للنَّبِيِّ ﷺ وأهْلِ بَيْتِه؛ صَدَقَةُ الفِطْرِ، وزكاةُ الأمْوَالِ، والصَّدَقَةُ يَصْرِفُهَا الرَّجُلُ على مُحْتَاجٍ يُرِيدُ بها وَجْهَ اللهِ تعالى، فأمَّا غيرُ ذلك فلا، أليس يُقَالُ: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ؟ وقد كان يُهْدَى للنَّبِيِّ ﷺ ، ويَسْتَقْرِضُ، فليس ذلك من جِنْسِ الصَّدَقَةِ على وَجْهِ الحاجَةِ. والصَّحِيحُ أن هذا لا يَدُلُّ على إباحَةِ الصَّدَقَةِ له، إنَّما أرادَ أن ما ليس من صَدَقَةِ الأمْوالِ على الحَقِيقَةِ، كالقَرْضِ والهَدِيَّةِ وفعل (٣٨) المَعْرُوفِ، غيرُ مُحَرَّمٍ عليه، لَكِنْ فيه دَلَالَة على التسْوِيَةِ بَيْنَه وبين آلِهِ في تَحْرِيمِ صَدَقَةِ التَّطوُّعِ عليهم، لِقَوْلِه بأن الصَّدَقَةَ على المُحْتَاجِ يُرِيدُ بها وَجْهَ اللهِ مُحَرَّمَةٌ عليهما. وهذا هو صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فصارتِ الرِّوَايَتانِ في تَحْرِيمِ صَدَقَةِ التَّطوُّعِ على آلِه. واللهُ أعلمُ. ٤٣٠ - مسألة؛ قال: (ولَا لِغَنِيٍّ، وهُوَ الذِي يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، أو قِيمَتَهَا من الذَّهَبِ) . يَعْنِي لا يُعْطَى من سَهْمِ الفُقَراءِ والمَساكِينِ غَنِيٌّ، ولا خِلافَ في هذا بينَ أهْلِ العِلْمِ؛ وذلك لأنَّ اللَّه تعالى جَعَلَها لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، والغَنِيُّ غيرُ دَاخِلٍ فيهم، وقد قال النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ: "أَعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ من أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ" (١). وقال: "لا حَظَّ فيها لِغَنِيٍّ، ولا لِقَوِيٍّ مُكتَسِبٍ" (٢). وقال:

стр. 1764

"لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ" أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٣)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ولأنَّ أخْذَ الغَنِيِّ منها يَمْنَعُ وُصُولَها إلى أهْلِها، ويُخِلُّ بِحِكْمَةِ وُجُوبِها، وهو إغْناءُ الفُقَراءِ بها. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الغِنَى المَانِعِ من أخْذِها. ونُقِلَ عن أحمدَ فيه رِوايَتانِ: أظْهَرُهما، أنَّه مِلْكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، أو قِيمَتِها من الذَّهَبِ، أو وُجُودُ ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ على الدَّوَامِ؛ من كَسْبٍ (٤)، أو تِجارَةٍ، [أو أجْرِ عَقارٍ] (٥)، أو نحوِ ذلك. ولو مَلَكَ من العُرُوضِ، أو الحُبُوبِ، أو السَّائِمَةِ، أو العَقَارِ، ما لا تَحْصُلُ به الكِفَايَةُ، لم يَكُنْ غَنِيًّا، وإن مَلَكَ نِصَابًا، هذا الظَّاهِرُ من مَذْهَبِه، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ المبارَكِ، وإسحاقَ. وَرُوِيَ عن عليٍّ، وعبدِ اللهِ، أنَّهما قالا: لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمَنْ له خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو عِدْلُهَا، أو قِيمَتُهَا من الذَّهَبِ (٦). وذلك لما رَوَى عبدُ اللهِ ابنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَألَ، ولَهُ ما يُغْنِيهِ، جَاءَتْ مَسْألَتُه يَوْمَ القِيَامَةِ خُمُوشًا، أو خُدُوشًا، أو كُدُوحًا (٧)، في وَجْهِه". فقيل: يا رسولَ اللهِ، ما الغِنَى؟ قال: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو قِيمَتُها من الذَّهَبِ". رَوَاه

стр. 1765

أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٨)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فإن قِيلَ: هذا يَرْوِيهِ حَكيِمُ بن جُبَيْرٍ، وكان شُعْبَةُ لا يَرْوِي عنه، وليس بِقَوِيٍّ في (٩) الحَدِيثِ. قُلْنَا: قد قال عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ لِسُفْيَانَ: حفْظِي أنَّ شُعْبَةَ لا يَرْوِي عن حكيمِ بن جُبَيْرٍ. فقال سُفْيَانُ: حَدَّثَنَاهُ (١٠) زُبَيْدٌ (١١) عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ. وقد قال عليٌّ وعبدُ اللهِ مِثْلَ ذلك. والرِّوايَةُ الثَّانِيةُ، أنَّ الغِنَى ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ، فإذا لم يَكُنْ مُحْتاجًا حَرُمَتْ عليه الصَّدَقَةُ، وإن لم يَمْلِكْ شيئًا، وإن كان مُحْتَاجًا حَلَّتْ له الصَّدَقَةُ، وإنْ مَلَكَ نِصَابًا، والأثْمَانُ وغيرُها في هذا سَوَاءٌ. وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ، وابْنِ شِهابٍ العُكْبَرِيِّ، وقَوْلُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لِقَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ: "لا تَحِلُّ المَسْأَلَةُ إلَّا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ (١٢) ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِه: قَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحلَّتْ له المَسْأَلَةُ حتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أو سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٣). فمَدَّ إباحَةَ

стр. 1766

المَسْألةِ إلى وُجُودِ إصابَة القِوَامِ أو السِّدَادِ، ولأنَّ الحَاجَةَ هي الفَقْرُ، والغِنَى ضِدُّها، فمَنْ كان مُحْتَاجًا فهو فَقِيرٌ فيَدْخُلُ (١٤) في عُمُومِ النَّصِّ، ومَن اسْتَغْنَى دَخَلَ في عُمُومِ النُّصُوصِ المُحَرِّمَةِ، والحَدِيثُ الأوَّلُ فيه ضَعْفٌ، ثم يجوزُ أن تَحْرُمَ المَسْأَلَةُ ولا (١٥) يحرُم أخْذُ الصَّدَقَةِ إذا جَاءَتْهُ من غيرِ المَسْأَلَةِ، فإنَّ المَذْكُورَ فيه تَحْرِيمُ المَسْألَةِ، فنَقْتَصِرُ عليه. وقال الحسنُ وأبو عُبَيْدٍ: الغِنَى مِلْكُ أُوقِيَّةٍ، وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ لما رَوَى أبو سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ". وكانت الأُوقِيَّةُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا. رَواهُ أبو دَاوُدَ (١٦). وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: الغِنَى المُوجبُ لِلزَّكَاةِ هو المانِعُ من أخْذِها، وهو مِلْكُ نِصَابٍ تَجِبُ فيه الزكاةُ، من الأَثْمَانِ، أو العُرُوضِ المُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ، أو السَّائِمَةِ، أو غيرِها؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ: "أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ من أَغْنِيَائِهِمْ، فتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ" (١٧)، فجعَلَ الأغْنِياءَ مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ، فيَدُلُّ ذلك على أنَّ مَنْ تَجِبُ عليه غَنِيٌّ، ومَن لا تَجِبُ عليه ليس بِغَنِيٍّ، فيكونُ فَقِيرًا، فَتُدْفَعُ الزكاةُ إليه؛ لِقَوْلِه: "فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ". ولأنَّ المُوجِبَ لِلزكاةِ الغِنَى (١٨)، والأصْلُ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ، ولأنَّ مَن لا نِصَابَ له لا تَجِبُ عليه الزكاةُ فلا يُمْنَعُ منها، كمَنْ يَمْلِكُ دُونَ الخَمْسِينَ، ولا لَهُ ما يَكْفِيهِ. فيَحْصُلُ الخِلافُ بَيْنَنَا وبينهم في أُمُورٍ ثلاثةٍ: أحدُها، أنَّ الغِنَى المَانِعَ مِن الزكاةِ غيرُ المُوجِبِ لها عِنْدَنا. ودَلِيلُ ذلك حَدِيثُ ابْنِ مسعودٍ، وهو أخَصُّ من حَدِيثِهم. فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ولأنَّ حَدِيثَهم دَلَّ على الغِنَى المُوجِبِ، وحَدِيثُنَا

стр. 1767

دَلَّ على الغِنَى المَانِعِ، ولا تَعَارُضَ بينهما. فيجِبُ الجَمْعُ بينهما. وقَوْلُهم: الأصْلُ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ. قُلْنَا: قد قامَ دَلِيلُه بما ذَكَرْنَاهُ، فيَجِبُ الأخْذُ به. الثاني، أنَّ مَنْ له ما يَكْفِيهِ من مَالٍ غير زَكَائِيٍّ، أو مِن مَكْسَبِهِ، أو أُجْرَةِ عَقارٍ (١٩) أو غيرِهِ، ليس له الأخْذُ من الزكاةِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقال أبو يوسفَ: إن دَفَعَ الزكاةَ إليه فهو قَبِيحٌ، وأرْجُو أن يُجْزِئَهُ. وقال أبو حنيفةَ، وسَائِرُ أصْحابِه: يجوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إليه؛ لأنَّه ليس بِغَنِيٍّ، لما ذَكَرُوهُ في حُجَّتِهم. ولَنا، ما رَوَى الإمامُ أحمدُ، حَدَّثَنَا يحيى بنُ سَعِيدٍ، عن هِشامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيهِ، عن عُبَيْدِ اللهِ بن عَدِيِّ بن الْخِيَارِ، عن رَجُلَيْنِ من أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهما أتَيَا رسولَ اللهِ ﷺ ، فسَألاهُ الصَّدَقَةَ، فصَعَّد فيهما البَصَرَ، فرَآهُما جَلْدَيْنِ، فقال: "إنْ شِئْتُما أعْطَيْتُكمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ" (٢٠). قال أحمدُ: ما أجْوَدَهُ مِن حَدِيثٍ. وقال: هو أحْسَنُها إسْنَادًا. ورَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٢١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢٢). إلَّا أن أحمدَ قال: لا أعْلَمُ فيه شيئًا يَصِحُّ. قيل: فحَدِيثُ سَالِمِ بن أبي الجَعْدِ، عن أبي هُرَيْرَةَ (٢٣)؟ قال: سَالِمٌ لم يَسْمَعْ مِن أبي هُرَيْرَةَ. ولأنَّ له ما يُغْنِيهِ عن الزكاةِ. فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه، كمالِكِ النِّصابِ. الثالث، أنَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا زَكَائِيًّا، لا تَتِمُّ به الكِفَايَةُ من غيرِ الأثْمانِ، فله الأخْذُ مِن الزَّكاةِ. قال المَيْمُونِيُّ: ذَاكَرْتُ أبا عبدِ اللهِ، فقلتُ: قد يكونُ لِلرَّجُلِ الإِبلُ والغَنَمُ تَجِبُ فيها

стр. 1768

الزَّكاةُ، وهو فَقِيرٌ، ويكونُ له أرْبَعُونَ شَاةً، وتكونُ له الضَّيْعَةُ لا تَكْفِيهِ، فيُعْطَى من الصَّدَقَةِ؟ قال: نعم. وذَكَرَ قَولَ عمرَ: أعْطُوهُمْ، وإن رَاحَتْ عليهم من الإِبِلِ كذا وكذا (٢٤). قلتُ: فهذا (٢٥) قَدْرٌ من العَدَدِ أو الوَقْتِ؟ قال: لم أسْمَعْهُ. وقال، في رِوَايَةِ محمدِ بن الحَكَمِ: إذا كان له عَقَارٌ يَسْتَغِلُّه (٢٦) أو ضَيْعَةٌ تُسَاوِي عَشرَةَ آلافٍ أو أَقَلَّ أو أَكْثَرَ لا تُقِيمُه، يَأْخُذُ مِن الزكاةِ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: ليس له أن يَأْخُذَ منها إذا مَلَكَ نِصابًا زَكائِيًّا؛ لأنَّه تَجِبُ عليه الزكاةُ، فلم تَجِبْ له؛ لِلْخَبَرِ. ولَنا، أَنَّه لا يَمْلِكُ ما يُغْنِيهِ، ولا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَكْفِيهِ، فجازَ له الأخْذُ من الزكاةِ، كما لو كان ما يمْلِكُه (٢٧) لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، ولأنَّ الفَقْرَ عِبَارَةٌ عن الحاجَةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢٨). أي: المُحْتَاجُونَ إليه. وقال الشَّاعِرُ: فيَا رَبِّ إنِّي مُؤمِنٌ بِكَ عَابِدٌ ... مُقِرٌّ بِزَلَّاتِي إلَيْكَ فَقِيرُ وقال آخَرُ: *وإنِّي إِلَى مَعْرُوفِهَا لَفَقِيرُ* (٢٩) وهذا مُحْتاجٌ، فيكونُ فَقِيرًا غيرَ غَنِيٍّ، ولأنَّه لو كان ما يَمْلِكُهُ لا زكاةَ فيه لَكَانَ فَقِيرًا، ولا فَرْقَ في دَفْعِ الحَاجَةِ بين المَالَيْنِ، وقد سَمَّى اللهُ تعالى الَّذِين لهم سَفِينَةٌ

стр. 1769

في البَحْرِ مَساكِينَ، فقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٣٠). وقد بَيَّنّا بما ذَكَرْنَاهُ من قَبْلُ أنَّ الغِنَى يَخْتَلِفُ مُسَمَّاهُ، فيَقَعُ على ما يُوجِبُ الزكاةَ، وعلى ما يَمْنَعُ منها، فلا يَلْزَمُ من وُجُودِ أحَدِهما وُجُودُ الآخَر، ولا من عَدَمهِ عَدَمُهُ، فمَن قال: إن الغِنَى هو الكِفَايَةُ. سَوَّى بين الأثْمانِ وغيرِها، [وجَوَّزَ الأخْذَ لِكُلِّ مَنْ لا كِفايَةَ له، وإن مَلَكَ نُصُبًا من جَمِيعِ الأمْوَالِ. ومَن قال بالرِّوَايَةِ الأُخْرَى، فَرَّقَ بين الأثْمَانِ وغيرِها] (٣١)؛ لِخَبَرِ ابْنِ مسعودٍ، ولأنَّ الأثْمانَ آلةُ الإنْفاقِ المُعَدَّةُ له دُونَ غيرها، فَجَوَّزَ الأخْذَ لِمَنْ لا يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، أو قِيمَتَها من الذَّهَبِ، ولا ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ مِن مَكْسَبٍ، [أو أُجْرَةِ عَقَارٍ] (٣٢)، أو غيرِه، أو نَمَاءِ سَائِمَةٍ أو غيرِها. وإن كان له مَالٌ مُعَدٌّ لِلْإِنْفاقِ من غيرِ الأثْمَانِ، فيَنْبَغِي أن تُعْتَبَرَ الكِفايَةُ به في حَوْلٍ كَامِلٍ؛ لأنَّ الحَوْلَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الزكاةِ بِتَكَرُّرِهِ، فيأْخُذُ منها كُلَّ حَوْلٍ ما يَكْفِيهِ إلى مِثْلِه، ويُعْتَبَرُ وُجُودُ الكِفايَةِ له ولِعَائِلَتِه ومَن يَمُونُه؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ نهم مَقْصُودٌ دَفْعَ حَاجَتِه، فيُعْتَبَرُ له ما يُعْتَبَرُ لِلْمُنْفَرِدِ. وإن كان له خَمْسُونَ دِرْهَمًا، جازَ أن يَأْخُذَ لِعَائِلَتِه حتى يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهم خَمْسُونَ دِرْهَمًا (٣٣). قال أحمدُ، في رِوَايَةِ أبي دَاوُدَ، في مَن يُعْطِي الزكاةَ وله عِيَالٌ: يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ من عِيَالِهِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ. وهذا لأنَّ الدَّفْعَ إنَّما هو إلى العِيالِ؛ وهذا نَائِبٌ عنهم في الأخْذِ. فصل: وإذا (٣٤) كان لِلْمَرْأةِ الفَقِيرَةِ زَوْجٌ مُوسِرٌ يُنْفِقُ عليها، لم يَجُزْ دَفْعُ الزَّكاةِ إليها، لأنَّ الكِفايَةَ حَاصِلَةٌ لها بما يَصِلُها من النَّفَقَةِ (٣٥) الوَاجِبَةِ، فأشْبَهَتْ

стр. 1770

مَن له عَقَارٌ يَسْتَغْنِى بأُجْرَتِه. وإن لم يُنْفِقْ عليها، وتَعَذَّرَ ذلك، جازَ الدَّفْعُ إليها، كما لو تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ العَقَارِ. وقد نَصَّ أحمدُ على هذا. ٤٣١ - مسألة؛ قال: (ولا يُعْطِي إلَّا الثَّمَانِيَةَ الأصْنَاف الَّتِي سَمَّى اللهُ تعَالَى) يَعْنِي قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١) وقد ذَكَرَهُم الْخِرَقِيُّ في مَوْضِعٍ آخَرَ، فَنُؤَخِّرُ شَرْحَهم إليه. وقد رَوَى زِيادُ بنُ الحارِثِ الصُّدَائِيُّ. قال: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فبَايَعْتُه. قال: فأتاهُ رَجُلٌ فقال: أعْطِنِي من الصَّدَقَةِ. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ اللهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فيها هُوَ (٢)، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أجْزَاءٍ، فَإنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأجْزَاءِ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدُ (٣). وأحْكَامُهم كلُّهم (٤) بَاقِيَةٌ. وبهذا قال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، وأبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ. وقال الشَّعْبِيُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ: انْقَطَعَ سَهْمُ المُؤَلَّفَةِ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقد أعَزَّ اللَّه تعالى الإسلامَ وأغْناهُ عن أن يُتَأَلَّفَ عليه رِجَالٌ، فلا يُعْطَى مُشْرِكٌ تَأَلُّفًا بحَالٍ. قالوا: وقد رُوِيَ هذا عن عمرَ، ﵁. ولَنا، كتابُ اللهِ وسُنَّةُ رَسُولِه؛ فإنَّ اللَّه تعالى سَمَّى المُؤَلَّفَةَ في الأصْنافِ الذين سَمَّى الصَّدَقَة لهم، والنَّبِيُّ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَمَ فِيها، فجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أجْزَاءٍ". وكان يُعْطِي المُؤَلَّفَة قُلوبُهم (٥) كَثِيرًا، في أخْبَارٍ مَشْهُورَةٍ، ولم يَزَلْ كذلك حتى ماتَ، ولا يجوزُ تَرْكُ

стр. 1771

كتابِ اللهِ [ولا سُنَّةِ] (٦) رَسُولِه إلَّا بِنَسْخٍ، والنَّسْخُ لا يثْبُتُ بِالاحْتِمالِ. ثم إنَّ النَّسْخَ إنَّما يكونُ في حَياةِ النَّبيِّ ﷺ ، لأنَّ النَّسْخَ إنَّما يكونُ بِنَصٍّ، ولا يكونُ النَّصُّ بعدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وانْقِرَاضِ زَمَنِ الوَحْي، ثم إنَّ القُرآنَ لا يُنْسَخُ إلَّا بِقُرْآنٍ، وليس في القُرْآنِ نَسْخٌ كذلك ولا في السُّنَّةِ، فكيف يُتْرَكُ الكتابُ والسُّنَّةُ بمُجَرَّدِ الآرَاءِ والتَّحَكُّمِ، أو بِقَوْلِ صَحَابِيٍّ أو غيرِه! على أَنَّهم لا يَرَوْنَ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ (٧) حُجَّةً يُتْرَكُ لها (٨) قِيَاسٌ، فكيف يَتْرُكُونَ به القُرْآنَ (٩) والسُّنَّةَ! قال الزُّهْرِيُّ: لا أعْلَمُ شيئًا نَسَخَ حُكْمَ المُؤَلَّفَةِ. على أنَّ ما ذَكَرُوهُ من المَعْنَى لا خِلافَ بينه وبينَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، فإنَّ الغِنَى عنهم لا يُوجِبُ رَفْعَ حُكْمِهم، وإنما يَمْنَعُ عَطِيَّتَهُم حَالَ الغِنَى عنهم، فمتى دَعَتِ الحاجَةُ (١٠) إلى إعْطَائِهم أُعْطُوا، فكذلك جَمِيعُ الأصْنافِ، إذا عَدِمَ منهم صِنْفٌ في بعضِ الزَّمَانِ، سَقَطَ حُكْمُه في ذلك الزَّمَنِ خَاصَّةً، فإذا وُجِدَ عادَ حُكْمُه، كذا هُنا. فصل: ولا يجوزُ صَرْفُ الزكاةِ إلى غيرِ مَن ذَكَرَ اللهُ تعالى، من بِنَاءِ المَساجِدِ والقَناطِرِ والسِّقاياتِ وإصْلاحِ الطُّرُقَاتِ، وسَدِّ البُثُوقِ، وتَكْفِينِ المَوتى، والتَّوْسِعَةِ على الأضْيافِ، وأشْبَاهِ ذلك من القُرَبِ التي لم يَذْكُرْها اللَّه تعالى. وقال أنَسٌ، والحسنُ: ما أَعْطَيْتَ في الجُسُورِ والطُّرُقِ فهو (١١) صَدَقَةٌ مَاضِيَةٌ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِقَوْلِه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. "وإنَّما" لِلْحَصْرِ والإثباتِ، تُثْبِتُ المَذْكُورَ، وتَنْفِى ما عدَاهُ، والخَبَرُ المَذكُورُ. قال أبو

стр. 1772

دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ، وسُئِلَ: يُكَفَّنُ المَيِّتُ من الزكاةِ؟ قال: لا، ولا يُقْضَى من الزكاةِ دَيْنُ المَيِّتِ. وإنَّما لم يُجِزْ دَفْعَها في قَضَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ؛ لأنَّ الغارِمَ هو المَيِّتُ ولا يُمْكِنُ الدَّفْعُ إليه، وإن دَفَعَها إلى غَرِيمِه صارَ الدَّفْعُ إلى الغَرِيمِ لا إلى الغَارِمِ. وقال أيضا: يُقْضَى من الزكاةِ دَيْنُ الحَيِّ، ولا يُقْضَى منها دَيْنُ المَيِّتِ؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يَكُونُ غَارِمًا. قيل: فإنَّما يُعْطى أهْلُه. قال: إن كانتْ على أهْلِه فنَعْمَ. فصل: وإذا أعْطَى مَن يَظُنُّه فَقِيرًا فبانَ غَنِيًّا. فَعن أحمدَ فيه رِوايَتانِ: إحْدَاهُما، يُجْزِئُهُ. اخْتارَها أبو بكرٍ. وهذا قَوْلُ الحسنِ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطَى الرُّجَلَيْنِ الجَلْدَيْنِ، وقال: "إن شِئْتُما أعطَيْتُكُما مِنْهَا، ولَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، ولَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ" (١٢). وقال لِلرَّجُلِ الذي سَألَه الصَّدَقَةَ: "إنْ كُنْتَ مِن تِلْكَ الأجْزَاءِ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ" (١٣). ولو اعْتَبَرَ حَقِيقَةَ الغِنَى لَما اكْتَفَى بِقَوْلِهم. ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قال: "قال رَجُلٌ: لَأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِه، فَوَضَعَها في يَدِ غَنِيٍّ، فَأصْبَحُوا يتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ. فأُتِيَ فَقِيلَ له: أمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ (١٤)، لَعَلَّ الغَنِيَّ أن يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا أعْطَاهُ اللهُ". [مُتَّفَقٌ عليه] (١٥). والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لا يجْزِئُهُ؛ لأنَّه دَفَعَ الوَاجِبَ إلى غيرِ مُسْتَحِقِّهِ، فلم يَخْرُجْ مِن عُهْدَتِه، كما لو دَفَعَها

стр. 1773

إلى كافِرٍ، أو ذِي [قرابتِه، وكَدُيُونِ] (١٦) الآدَمِيِّينَ. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والحسنِ بن صالِحٍ، وأبي يوسفَ، وابْنِ المُنْذِرِ. ولِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كالرِّوَايَتَيْنِ. فأمَّا إن بانَ (١٧) الآخِذُ عَبْدًا، أو كَافِرًا، أو هَاشِمِيًّا، أو قَرابةً لِلْمُعْطِي مِمَنْ لا يجوزُ الدَّفْعُ إليه، لم يُجْزِهِ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةً؛ لأنَّه ليس بِمُسْتَحِقٍّ، ولا تَخْفى حَالُه غَالِبًا، فلم يُجْزِهِ الدَّفْعُ إليه، كدُيُونِ الآدَمِيِّينَ، وفارَقَ مَن بَانَ غَنِيًّا؛ فإنَّ (١٨) الفَقْرَ والغِنَى ممَّا يَعْسُرُ الاطِّلَاعُ عليه والمَعْرِفَةُ بِحَقِيقَتِه، قال اللهُ تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ (١٩). فاكْتَفَى بِظُهُورِ الفَقْرِ، ودَعْوَاهُ بخِلافِ غيرِه. ٤٣٢ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ يَتَوَلَّى الرَّجُلُ إخرَاجَهَا بِنَفْسِه، فَيَسْقُطُ العَامِلُ) وجُمْلَتُه أنَّ الرَّجُلَ إذا تَوَلَّى إخْرَاجَ زَكَاتِه بِنَفْسِه، سَقَطَ حَقُّ العامِلِ منها؛ لأنَّه إنَّما يَأخُذُ أجْرًا لِعَمَلِه، فإذا لم يَعْمَلْ فيها شيئا فلا حَقَّ له، فيَسْقُطُ، وتَبْقَى سَبْعَةُ أصْنافٍ، إن وَجَدَ جَمِيعَهم أعْطَاهم، وإن وَجَدَ بَعْضَهم اكْتَفَى بِعَطِيَّته، وإن أعْطَى البَعْضَ مع إمْكانِ عَطِيَّة الجَمِيعِ، جازَ أيضًا. ٤٣٣ - مسألة؛ قال: (وإنْ أعْطَاهَا كُلَّها في صِنْفٍ وَاحِدٍ، أجْزَأهُ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ إلَى الْغِنَى) وجُمْلَتُه أَنَّه يجوزُ أن يَقْتَصِرَ على صِنْفٍ وَاحِدٍ من الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، ويجوزُ أن يُعْطِيَهَا شَخْصًا وَاحِدًا. وهذا (١) قَوْلُ عمرَ، وحُذَيْفَةَ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وبه قال سعيدُ

стр. 1774

ابنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ، والنَّخَعِيُّ، وعَطَاءٌ، وإليه ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيْدٍ وأصْحابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عن النَّخَعِيِّ أنَّه قال: إن كان المالُ كَثِيرًا يَحْتَمِلُ الأصْنافَ، قَسَمَهُ عليهم، وإن كان قَلِيلًا، جازَ وَضْعُهُ في صِنْفٍ وَاحِدٍ. وقال مَالِكٌ: يَتَحرَّى مَوْضِعَ الحاجَةِ منهم، ويُقَدِّمُ الأَوْلَى فالأوْلَى. وقال عِكْرِمَةُ، والشَّافِعِيُّ: يَجِبُ أن يَقْسِمَ زكاةَ كُلِّ صِنْفٍ مِن مالِه، على المَوْجُودين (٢) من الأصْنَافِ السِّتَّةِ الَّذِينَ سُهْمَانُهم (٣) ثَابِتةٌ، قِسْمَةً على السَّوَاءِ، ثم حِصَّةَ كلّ صِنْفٍ منهم، لا تُصْرَفُ إلى أَقَلَّ من ثَلَاثَةٍ منهم، إن (٤) وَجَدَ منهم ثلاثةً أو أكثَرَ، فإن لم يَجِدْ إلَّا وَاحِدًا، صَرَفَ حِصَّةَ ذلك الصِّنْفِ إليه. ورَوَى الأثْرَمُ عن أحمدَ كذلك. وهو اخْتِيَارُ أبي بكرٍ، لأنَّ اللَّه تعالى جَعَلَ الصَّدَقَةَ لِجَمِيعِهم، وشَرَّك بينهم فيها، فلا يجوزُ الاقْتِصَارُ على بَعْضِهم كأهْلِ الخُمْسِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ: "أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ من أَغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ" (٥). فأخْبَرَ أنَّه مَأْمُورٌ بِرَدِّ جُمْلَتِها في الفُقَرَاءِ، وهم صِنْفٌ وَاحِدٌ، ولم يَذْكُرْ سِوَاهم، ثم أَتَاهُ بعد ذلك مَالٌ، فجَعَلَهُ في صِنْفٍ ثَانٍ سِوَى الفُقَرَاءِ، وهم المُؤَلَّفَةُ؛ الأقْرَعُ بنُ حَابِسٍ، وعُيَيْنَةُ بن حِصْنٍ، وعَلْقَمَةُ بن عُلَاثَةَ، وزَيْدُ الخَيْلِ، قَسَمَ فيهم الذُّهَيْبَةَ (٦) التي بَعَثَ بها إليه عليٌّ من اليَمَنِ (٧). وإنَّما يُؤْخَذُ

стр. 1775

من أهْلِ اليَمَنِ الصَّدَقَةُ. ثم أَتَاهُ مالٌ آخَرُ، فجَعَلَهُ في صِنْفٍ آخَرَ؛ لِقَوْلِه لِقبِيصَةَ بن المُخَارِقِ حين تَحَمَّلَ حَمَالَةً (٨)، فأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُه، فقال: "أقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِها" (٩). وفي حَدِيثِ سَلَمَةَ بن صَخْرٍ الْبَياضِيِّ، أنَّه أمَرَ له بِصَدَقَةِ قَوْمِه (١٠). ولو وَجَبَ صَرْفُها إلى جَمِيعِ الأصْنافِ لم يَجُزْ دَفْعُها إلى وَاحِدٍ، ولأنَّها لا يَجِبُ صَرْفُها إلى جَمِيعِ الأصْنافِ إذا أخَذَها السَّاعِي، فلم يَجِبْ دَفْعُها إليهم إذا فَرَّقَهَا المالِكُ، كما لو لم يَجِدْ إلَّا صِنْفًا وَاحِدًا، ولأنَّه لا يَجِبُ عليه تَعْمِيمُ أهْلِ كُلِّ صِنْفٍ بها، فجازَ الاقتِصَارُ على وَاحِدٍ، كما لو وَصَّى لِجَمَاعَةٍ لا يُمْكِنُ حَصْرُهم، ويُخَرَّجُ على هذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ الخُمْسُ، فإنَّه يَجِبُ على الإمامِ تَفْرِيقُهُ على جَمِيعِ مُسْتَحِقِّيهِ، واسْتِيعَابُ جَمِيعِهم به بِخِلافِ الزَّكاةِ، والآيةُ أُرِيدَ بها بَيانُ الأصْنَافِ الذين يجوزُ الدَّفْعُ إليهم، دُونَ غَيْرِهم. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ المُسْتَحَبَّ صَرْفُها إلى جَمِيعِ الأصْنافِ، أو إلى مَن أَمْكَنَ منهم؛ لأنَّه يَخْرُجُ بذلك عن الخِلافِ، ويَحْصُلُ الإجْزاءُ يَقينًا، فكان أوْلَى. فصل: قَوْلُ الخِرَقِيِّ: "إذا لم يُخْرِجْهُ إلى الغِنَى". يَعْنِي به الغِنَى المَانِعَ من أخْذِ الزَّكاةِ، وقد ذَكَرْنَاهُ. وظَاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّه لا يَدْفَعُ إليه ما يَحْصُلُ به الغِنَى، والمذهبُ أنَّه يجوزُ أن يَدْفَعَ إليه ما يُغْنِيهِ مِن غيرِ زِيَادَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ في مَواضِعَ. وذَكَرَهُ أصْحابُه، فيتَعَيَّنُ (١١) حَمْلُ كلامِ الخِرَقِيِّ على أنَّه لا يَدْفَعُ إليه زِيَادَةً على ما يَحْصُلُ به الغِنَى. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: يُعْطَى ألفا وأكْثَرَ إذا كان مُحْتَاجًا إليها، ويُكْرَهُ أن يزَادَ على

стр. 1776

المائتَيْنِ. ولَنا، أنَّ الغِنَى لو كان سَابِقًا مَنَعَ، فيَمْنَعُ إذا قارَنَ، كالجَمْعِ بين الأُخْتَيْنِ في النِّكاحِ. فصل: وكُلُّ صِنْفٍ من الأصْنافِ يُدْفَعُ إليه ما تَنْدَفِعُ به حَاجَتُه، مِن غيرِ زيادَةٍ، فالغَارِمُ والمُكَاتَبُ يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ منهما ما يَقْضِى به دَيْنَهُ وإن كَثُرَ، وابْنُ السَّبِيلِ يُعْطَى ما يُبْلِغُه إلى بَلَدِهِ، والغَازِي يُعْطَى ما يَكْفِيهِ لِغَزْوِهِ، والعَامِلُ يُعْطَى بِقَدْرِ [أُجْرَةِ عملِه] (١٢). قال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ، قِيلَ له: يَحْمِلُ في السَّبِيلِ بأَلْفٍ من الزكاةِ؟ قال: ما أعْطَى فهو جَائِزٌ، ولا يُعْطَى أحَدٌ من هَؤُلَاءِ زِيَادةً على ما تَنْدَفِعُ به الحاجَةُ؛ لأنَّ الدَّفْعَ لها، فلا يُزَادُ على ما تَقتَضيه. فصل: وأرْبَعَةُ أصْنافٍ يَأْخُذُونَ أخْذًا مُسْتَقِرًّا، فلا يُرَاعَى حَالُهم بعدَ الدَّفْعِ، وهم: الفُقَرَاءُ، والمَسَاكِينُ، والعامِلُونَ، والمؤَلَّفَةُ، فمتى أخَذُوها مَلَكُوها مِلْكًا دَائِمًا (١٣) مُسْتَقِرًّا، لا يَجِبُ عليهم رَدُّهَا بحَالٍ، وأربَعَةٌ منهم، وهم الغَارِمُونَ، [وفي الرِّقَابِ] (١٤)، وفي سَبِيلِ اللهِ، وابْنُ السَّبيلِ؛ فإنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أخْذًا مُرَاعًى، فإن صَرَفُوهُ في الجِهَةِ التي اسْتَحَقُّوا الأخْذَ لِأَجْلِها، وإلَّا اسْتُرْجِعَ منهم. والفَرْقُ بين هذه الأصْنافِ والتي قَبْلَها، أنَّ هؤلاء أخَذُوا لِمَعْنًى لم يَحْصُلْ بِأَخْذِهم لِلزكاةِ، والأوَّلُونَ حَصَل المَقْصُودُ بِأَخْذِهم، وهو غِنَى الفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ، وتَأْلِيفُ المؤَلَّفِينَ، وأدَاءُ أجْرِ العَامِلِينَ. وإن قَضَى هؤلاء حَاجَتَهم بها، وفَضَلَ معهم فَضْلٌ، رَدُّوا الفَضْلَ، إلَّا الغَازِي، فإنَّ ما فَضَلَ معه (١٥) بعدَ غَزْوِهِ فهو له. ذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ في غيرِ هذا المَوْضِعِ. وظَاهِرُ قَوْلِه في المُكَاتَبِ أنَّه لا يَرُدُّ ما فَضَلَ في يَدِهِ؛ لأنَّه قال: وإذا عَجَزَ المُكَاتَبُ ورُدَّ في الرِّقِّ، وكان قد تُصُدِّقَ عليه بِشىءٍ،

стр. 1777

فهو لِسَيِّدِهِ. ونَصَّ عليه أحمدُ أيضا، في رِوَايَةِ المَرُّوذِيِّ والكَوْسَج. ونَقَل (١٦) عنه حَنْبَلٌ: إذا عَجَزَ يَرُدُّ ما في يَدَيْهِ في المُكَاتَبِينَ. وقال أبو بكر عبدُ العزيزِ: إنْ كان بَاقِيًا بِعَيْنِه، اسْتُرْجِعَ منه؛ لأنَّه إنَّما دُفِعَ إليه لِيُعْتَقَ به ولم يَقَعْ. وقال القاضي: كَلَامُ الخِرَقِيِّ مَحْمُولٌ على أنَّ الذي بَقِيَ في يَدِه لم يكنْ عَيْنَ الزَّكاةِ، وإنَّما تَصَرَّفَ فيها، وحَصَلَ عِوَضُها وفَائِدَتُها. ولو تَلِفَ المالُ الذي في يَدِ هؤلاء بغيرِ تَفْرِيطٍ، لم يرجِعْ عليهم بِشىءٍ. ٤٣٤ - مسألة؛ قال: (ولَا يَجُوزُ نقْلُ الصَّدَقَةِ مِنْ بَلَدِها إلى بَلَدٍ تُقْصَرُ فِي مِثلِهِ الصَّلَاةُ) المذهبُ على أَنَّه لا يجوزُ نَقْلُ الصَّدَقَةِ مِن بَلَدِها إلى مَسَافَةِ القَصْرِ. قال أبو داودَ: سمعتُ أحمدَ سُئِلَ عن الزَّكاةِ يُبْعَثُ بها من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ؟ قال: لا. قيل: وإن كان قَرَابَتُه بها؟ قال: لا. وَاسْتَحَبَّ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ أنْ لا تُنْقَلَ من بَلَدِهَا. وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن مَعْمَرٍ، عن ابْنِ طَاوُسٍ، عن أبيهِ، قال في كِتَابِ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: مَنْ أخْرَجَ مِنْ مِخْلَافٍ (١) إلى مِخْلَافٍ، فإنَّ صَدَقَتَهُ وعُشْرَهُ تُرَدُّ إلى مِخْلَافِه (٢). وَرُوِيَ عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، أنَّه رَدَّ زَكَاةً أُتِيَ بها من خُرَاسَانَ إلى الشَّامِ، إلى خُرَاسَانَ (٣). وَرُوِيَ عن الحسنِ والنَّخَعِيِّ أنَّهما كَرِهَا نَقْلَ الزكاةِ من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، إلَّا لِذِى قَرَابَةٍ (٤). وكان أبو العَالِيَةِ يَبْعَثُ بِزَكَاتِه إلى المَدِينَةِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ: "أخْبِرْهُمْ أن عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ من أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في

стр. 1778

فُقَرَائِهِمْ" (٥). وهذا يَخْتَصُّ بِفُقَرَاءِ بَلَدِهم. ولمَّا بَعَثَ مُعَاذٌ الصَّدَقَةَ من اليَمَنِ إلى عمرَ، أنْكَرَ عليه ذلك عمرُ، وقال: لم أَبْعَثْكَ جَابِيًا، ولا آخِذَ جِزْيَةٍ، ولكن بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ من أَغْنِيَاءِ النَّاسِ، فَتَرُدَّ في فُقَرَائِهِمْ. فقال مُعَاذٌ (٦): ما بَعَثْتُ إليك بِشىءٍ وأنا أَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُه مِنِّي. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ في "الأمْوالِ" (٧). وَرُوِيَ أيضًا عن إبراهيمَ بن عَطاءٍ مَوْلَى عِمْرَانَ بن حُصَينٍ، أنَّ زِيَادًا، أو بَعْضَ الأُمَرَاءِ، بَعَثَ عِمْرانَ على الصَّدَقَةِ، فلمَّا رَجَعَ قال: أينَ المالُ؟ قال: ألِلْمَالِ بَعَثْتَنِى؟ أخَذْنَاهَا مِن حيثُ كُنَّا نَأْخُذُها على عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وَوَضَعْنَاهَا حيثُ كُنَّا نَضَعُها على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ (٨). ولأنَّ المَقْصُودَ إغْنَاءُ الفُقَرَاءِ بها، فإذا أبَحْنَا نَقْلَها أَفْضَى إلى بَقَاءِ فُقَرَاءِ ذلك البَلَدِ مُحْتَاجِينَ. فصل: فإن خَالَفَ ونَقَلَها، أجْزَأَتْه في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال القاضي: وظاهِرُ كلامِ أحمدَ يَقْتَضِي ذلك، ولم أَجِدْ عنه نَصًّا في هذه المَسْأَلَةِ، وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيها رِوَايَتَيْنِ: إحْداهُما، يُجْزِئُه. واخْتَارَهَا؛ لأنَّه دَفَعَ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فَبَرِيء منه كالدَّيْنِ، وكما لو فَرَّقَها في بَلَدِها. والأُخْرَى، لا تُجْزِئُه. اخْتَارَها ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه دَفَعَ الزكاةَ إلى غيرِ من أُمِرَ بِدَفْعِهَا إليه، أشْبَهَ ما لو دَفَعَها إلى غيرِ الأصْنافِ. فصل: فإن اسْتَغْنَى عنها فُقَرَاءُ أهْلِ بَلَدِها، جازَ نَقْلُها. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: قد تُحْمَلُ الصَّدَقَةُ إلى الإمام إذا لم يَكُنْ فيها (٩) فُقَرَاءُ أو كان فيها فَضْلٌ عن

стр. 1779

حَاجَتِهم، وقال أيضًا: لا تُخْرَجُ صَدَقَةُ قَوْمٍ عنهم من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، إلَّا أن يكون فيها فَضلٌ عنهم؛ لأنَّ (١٠) الذي كان يَجِىءُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعمرَ من الصَّدَقَةِ، إنَّما كان عن فَضْلٍ منهم (١١)، يُعْطَوْنَ ما يَكْفِيهم، ويُخْرَجُ الفَضْلُ عنهم. ورَوَى أبو عُبَيْدٍ، في كِتَابِ "الأمْوَالِ" (١٢)، بإسْنَادِهِ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، أنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ لم يَزَلْ بالجَنَدِ (١٣)، إذ بَعَثَه رسولُ اللهِ ﷺ حتى مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثم قَدِمَ على عمرَ، فَرَدَّهُ على ما كان عليه، فبَعَثَ إليه مُعَاذٌ بِثُلُثِ صَدَقَةِ النَّاسِ، فأنْكَرَ ذلك عمرُ، وقال: لم أبْعَثْكَ جَابِيًا، ولا آخِذَ جِزْيَةٍ، لكن بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ من أغْنِيَاءِ النَّاسِ، فتَرُدَّ (١٤) على فُقَرَائِهِم. فقال مُعاذٌ: ما بَعَثْتُ إليكَ بِشىءٍ وأنا أجِدُ أحَدًا يَأْخُذُه مِنِّي. فلمَّا كان العامُ الثَّانِي، بَعَثَ إليه بِشَطْرِ الصَّدَقَةِ، فتَرَاجَعَا بِمِثْلِ ذلك، فلمَّا كان العامُ الثَّالثُ بَعَثَ إليه بها كُلِّها، فرَاجَعَهُ عمرُ بمثلِ ما رَاجَعَهُ، فقال مُعَاذٌ: ما وَجَدْتُ أحَدًا يَأخُذُ مِنِّي شيئًا. وكذلك إذا كان بِبادِيَةٍ، ولم يَجِدْ من يَدْفَعُها إليه، فرَّقَها على فُقَرَاءِ أقْرَب البِلادِ إليه. فصل: قال أحمدُ، في رِوَايَةِ محمدِ بن الحَكَمِ: إذا كان الرَّجُلُ في بَلَدٍ، ومالُه في بَلَدٍ، فأحَبُّ إلَيَّ أن تُؤَدَّى حيثُ كان المالُ، فإن كان بَعْضُهُ حيثُ هو، وبَعْضُه في مِصْرٍ، يُؤَدِّي زَكَاةَ كُلِّ مَالٍ حيثُ هو. فإن كان غَائِبًا عن مِصْرِهِ وأَهْلِه، والمالُ معه، فأَسْهَلُ أن يُعْطِىَ بَعْضَه في هذا البَلَدِ، وبَعْضَه في البَلَدِ الآخَرِ. فأمَّا إذا كان المالُ في البَلَدِ الذي هو فيه حتى يَمْكُثَ فيه حَوْلًا تَامًّا، فلا يَبْعَثُ بِزَكَاتِه إلى بَلَدٍ

стр. 1780

آخَرَ. فإن كان المالُ تِجَارَةً يُسَافِرُ به، فقال القاضي: يُفَرِّقُ زكاتَهُ حيث حَالَ حَوْلُه، في أيِّ مَوْضِعٍ كان. ومَفْهُومُ كلامِ أحمدَ في اعْتِبَارِهِ الحَوْلَ التّامَّ، أنَّه يَسْهُلُ في أنْ يُفَرِّقَها في ذلك البَلَدِ، وغيرِه من البُلْدَانِ التي أقَامَ بها في ذلك الحَوْلِ. وقال في الرَّجُلِ يَغِيبُ عن أَهْلِه، فَتَجِبُ عليه الزكاةُ: يُزَكِّيهِ في المَوْضِعِ الذي كَثُرَ مُقَامُه فيه. فأمَّا زَكَاةُ الفِطْرِ فإنه يُفَرِّقُها في البَلَدِ الذي وَجَبَتْ عليه فيه، سَوَاءٌ كان مَالُه فيه أو لم يَكنْ؛ لأنَّه سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ، فَفُرِّقَتْ في البَلَدِ الذي سَبَبُها فيه. فصل: والمُسْتَحَبُّ تَفْرِقَةُ الصَّدَقَةِ في بَلَدِها، ثم الأقْرَبِ فالأقْرَبِ من القُرَى والبُلْدَانِ. قال أحْمدُ في رِوايَةِ صالِحٍ: لا بَأْسَ أن يُعْطِيَ زكاتَه في القُرَى التي حَوْلَه ما لم تُقْصَرِ الصلاةُ في أثْنَائِها، ويَبْدَأُ بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ. وإن نَقَلَها إلى البَعِيدِ لِتَحَرِّي قَرَابَةٍ، أو مَن كان أشَدَّ حَاجَةً، فلا بَأْسَ، ما لم يُجَاوِزْ مَسافَةَ القَصْرِ. فصل: وإذا أخَذَ السَّاعِي الصَّدَقَةَ، واحْتَاجَ إلى بَيْعِها لِمَصْلَحَةِ مَن كَلَّفَهُ في نَقْلِها أو مَرَضِهَا أو نَحْوِهما (١٥)، فَلَهُ ذلك؛ لما رَوَى قَيْسُ بنُ أبي حازِمٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى في إبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ (١٦)، فسَأَلَ عنها؟ فقال المُصَدِّقُ: إنِّي ارْتَجَعْتُها بِإِبلٍ. فسَكَتَ. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ، في "الأمْوَالِ" (١٧)، وقال: الرَّجْعَةُ أنْ يَبِيعَها، ويَشْتَرِىَ بِثَمَنِها مِثْلَها أو غيْرَها. فإن لم يَكُنْ حَاجَةٌ إلى بَيْعِها، فقال القاضي: لا يجوزُ، والبَيْعُ بَاطِلٌ، وعليه الضَّمَانُ. ويَحتَمِلُ الجَوَازَ؛ لِحَدِيثِ قَيْسٍ، فإنَّ النبيَّ ﷺ سَكَتَ حين أخْبَرَهُ المُصَدِّقُ بارْتِجَاعِها، ولم يَسْتَفْصِلْ.

стр. 1781

٤٣٥ - مسألة؛ قال: (وإذَا بَاعَ مَاشِيَةً قَبْلَ الحَوْلِ بمِثْلِها، زكَّاهَا إذَا تَمَّ حَوْلٌ مِنْ وَقْتِ مِلْكِهِ الْأوَّلِ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا باعَ نِصابًا لِلزكاةِ، ممَّا يُعْتَبَرُ فيه الحَوْلُ بِجِنْسِه، كالإِبِلِ بالإِبِلِ، أو البَقَرِ بالبَقَرِ، أو الغَنَمِ بالغَنَمِ، أو الذَّهَبِ بالذَّهَبِ، أو الفِضَّةِ بالفِضَّةِ، لم يَنْقَطِع الحَوْلُ، وَبنَى حَوْلَ الثَّانِي على حَوْلِ الأوَّل. وبهذا قال مَالِكٌ. وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَنْبَنِى حَوْلُ نِصابٍ على حَوْلِ غَيْرِه بِحَالٍ؛ لِقَوْلِه: "لا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ" (١). ولأنَّه أصْلٌ بِنَفْسِه، فلم يَنْبَنِ على حَوْلِ غيرِه، كما لو اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ. وَوَافَقَنَا أبو حنيفةَ في الأثْمَانِ. وَوَافَقَ الشَّافِعِيَّ فيما سِواهَا؛ لأنَّ الزكاةَ إنَّمَا وَجَبَتْ في الأثْمَانِ لِكَوْنِها ثَمَنًا، وهذا المَعْنَى يَشْمَلُها، بخِلَافِ غيرِها. ولَنا، أنَّه نِصَابٌ يُضَمُّ إليه نَماؤُهُ في الحَوْلِ، فبُنِىَ حَوْلُ بَدَلِهِ من جِنْسِه على حَوْلِهِ، كالعُرُوضِ، والحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بالنَّمَاءِ والرِّبْحِ والعُرُوضِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزَاعِ، والجِنْسانِ لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَر مع وُجُودِهما. فأوْلَى أنْ لا يُبْنَى حَوْلُ أحَدِهِما على الآخَرِ. فصل: قال أحمدُ بنُ سَعِيدٍ (٢): سألتُ أحمدَ، عن الرَّجُلِ يكونُ عندَه غَنَمٌ سَائِمَةٌ، فيَبِيعُها بِضِعْفِها من الغَنمِ، [أعليه أن يُزَكِّيَها] (٣) كُلَّها، أم يُعْطِىَ زكاةَ الأصْلِ؟ قال: بل يُزَكِّيها كُلَّها، على حَدِيثِ عمرَ في السَّخْلَةِ يَرُوحُ بها الرَّاعِى (٤)؛ لأنَّ نَمَاءَها معها. قلتُ: فإن كانت لِلتِّجَارَةِ؟ قال: يُزَكِّيها كُلَّها

стр. 1782

على حَدِيثِ حِمَاس (٥)، فأمَّا إن باعَ النِّصابَ بدون النِّصابِ انْقَطَعَ الحَوْلُ، وإن كان عندَه مائتانِ فباعَهما بمائةٍ فعليه زكاةُ مائةٍ وَحْدَها. ٤٣٦ - مسألة؛ قال: (وكَذَلِكَ إنْ أبْدلَ عِشْرِينَ دِينَارًا بمائتَيْ دِرْهَمٍ، أو مائتَيْ دِرْهَمٍ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، لم تَبْطُل الزَّكَاةُ بانْتِقَالِهَا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه متى أَبْدَلَ نِصَابًا [من غيرِ] (١) جِنْسِه، انْقَطَعَ حَوْلُ الزَّكاةِ واسْتَأْنَفَ حَوْلًا، إلَّا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ، أو عُرُوضَ التِّجَارَةِ؛ لِكَوْنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ كالمالِ الوَاحِدِ، إذْ هما أُرُوشُ الجِنَايَاتِ، وقِيَمُ المُتْلَفَاتِ، ويُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ في الزكاةِ. وكذلك إذا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ بِنصَابٍ من الأثْمانِ، أو باعَ عَرْضًا بِنِصَابٍ، لم يَنْقَطِع الحَوْلُ؛ لأنَّ الزكاةَ تَجِبُ في قِيمَةِ العُرُوضِ، لا في نَفْسِها، والقِيمَةُ هي الأثْمَانُ، فكانا جِنْسًا وَاحِدًا. وإذا قُلْنا: إنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى صَاحِبِه، لم يُبْنَ حَوْلُ أحَدِهما على حَوْلِ الآخَرِ؛ لأنَّهما مَالانِ لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، فلم يُبْنَ حَوْلُه على حَوْلِه، كالجِنْسَيْنِ من الماشِيَةِ. وأمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ، فإنَّ حَوْلَها يُبْنَى (٢) على حَوْلِ الأثْمَانِ بكُل حَالٍ. ٤٣٧ - مسألة؛ قال: (ومَنْ كَانَتْ عِنْدَه مَاشِيَةٌ، فبَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِدرَاهِمَ، فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ، لم تَسْقُط الزَّكَاةُ عَنْهُ) قد ذَكَرْنَا أنَّ إبْدَالَ النِّصَابِ بِغيرِ جِنْسِه يَقْطَعُ الحَوْلَ، ويَسْتَأْنِفُ حَوْلًا آخَرَ. فإن فَعَلَ هذا فِرَارًا من الزَّكاةِ، لم تَسْقُطْ عنه، سَوَاءٌ كان المُبْدَلُ مَاشِيَةً أو غَيْرَها من النُّصُبِ (١)، وكذلك لو أَتْلَفَ جُزْءًا من النِّصَابِ، قَصْدًا للتَّنْقِيص، لِتَسْقُطَ عنه

стр. 1783

الزكاةُ، لم تَسْقُطْ، وتُؤْخَذُ الزكاةُ منه في آخِرِ الحَوْلِ، إذا كان إبْدَالُه وإتْلَافُه عندَ قُرْبِ الوُجُوبِ. ولو فَعَلَ ذلك في أوَّل الحَوْلِ، لم تَجِب الزكاةُ؛ لأنَّ ذلك ليس بِمَظِنَّةٍ لِلْفِرَارِ. وبما ذَكَرْنَاهُ قال مَالِكٌ، والأوْزَاعِيُّ، وابنُ المَاجِشُون، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ: تَسْقُطُ عنه الزكاةُ؛ لأنَّه نَقَصَ قبلَ تَمَامِ حَوْلِه، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كما لو أتْلَفَهُ (٢) لِحَاجَتِه. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (٣). فعاقَبَهم اللهُ تعالى بذلك، لِفِرَارِهم من الصَّدَقَةِ، ولأنَّه قَصَدَ إسْقاطَ نَصِيبِ مَن انْعَقَدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِه، فلم يَسْقُطْ، كما لو طَلَّقَ امْرَأتَه في مَرَضِ مَوْتِه، ولأنَّه لمَّا قَصَدَ قَصْدًا فاسِدًا، اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ مُعَاقَبَتَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِه، كمَنْ قَتَلَ مَوْرُوثَه (٤) لِاسْتِعْجَالِ مِيرَاثِهِ، عَاقَبَهُ الشَّرْعُ بالحِرْمانِ، وإذا أتْلَفَهُ لِحَاجَتِه، لم يَقْصِدْ قَصْدًا فَاسِدًا. فصل: وإذا حالَ الحَوْلُ أخْرَجَ الزكاةَ من جِنْسِ المالِ المَبِيعِ، دُونَ المَوْجُودِ؛ لأنَّه الذي وَجَبَتِ الزكاةُ بِسَبَبِه، لَوْلَاهُ (٥) لم تَجِبْ في هذا زكاةٌ. فصل: فإن لم يَقْصِدْ بالبَيْعِ ولا بالتَّنْقِيصِ الفِرَارَ، انْقَطَعَ الحَوْلُ، واسْتَأْنَفَ بما اسْتَبْدَلَ به حَوْلًا، إن كان مَحَلًّا لِلزكاةِ، فإن وَجَدَ بالثانِي عَيْبًا، فَرَدَّهُ أو بَاعَهُ بِشَرْطِ الخِيَارِ، ثم اسْتَرَدَّهُ، اسْتَأْنَفَ أيضًا حَوْلًا؛ لِزَوَالِ مِلْكِه بِالبَيْعِ، قَلَّ الزَّمَانُ أو كَثُرَ، وقد ذَكَرَ (٦) الخِرَقِيُّ هذا في مَوْضِعٍ آخَرَ، فقال: والمَاشِيَةُ إذا بِيعَتْ

стр. 1784

بالخِيَارِ فلم يَنْقَضِ الخِيَارُ حتى رُدَّتْ، اسْتَقْبَلَ البَائِعُ بها حَوْلًا، سَوَاءٌ كان الخِيَارُ لِلْبَائِعِ أو لِلْمُشْتَرِي؛ لأنَّه تَجْدِيدُ مِلْكٍ. وإن حَالَ الحَوْلُ على النِّصَابِ الذي اشْتَرَاهُ وَجَبَتْ فيه الزكاةُ، فإن وَجَدَ به عَيْبًا قبلَ إخْرَاجِ زَكَاتِه فله الرَّدُّ، سَوَاءٌ قُلَنا الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، أو بِالذِّمَّةِ؛ لما بَيَّنَّا من أنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في العَيْنِ بِمَعْنَى اسْتِحْقاقِ الفُقَرَاءِ جُزْءًا منه، بل بِمَعْنَى تَعَلُّقِ حَقٍّ به، كتَعَلُّقِ الأرْشِ بالجانِي، فَيَرُدُّ النِّصابَ، وعليه إخْرَاجُ زَكَاتِه من مَالٍ آخَرَ. فإن أخْرَجَ الزكاةَ منه، ثم أرادَ رَدَّهُ، انْبَنَى على المَعِيبِ إذا حَدَثَ به عَيْبٌ آخَرُ عند المُشْتَرِى، هل له رَدُّهُ؟ على رِوَايَتَيْنِ، وانْبَنَى (٧) أيضا على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فإن قُلْنَا: يجوزُ. جَازَ الرَّدُّ هاهُنا، وإلَّا لم يَجُزْ. ومتى رَدَّهُ فعليه عِوَضُ الشَّاةِ المُخْرَجَةِ، تُحْسَبُ عليه بالحِصَّةِ من الثَّمَنِ، والقَوْلُ قَوْلُه في قِيمَتِها مع يَمينِه، إذا لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ؛ لأنَّها تَلِفَتْ في يَدِهِ، فهو أعْرَفُ بِقِيمَتِها، ولأنَّ القِيمَةَ مُدَّعاةٌ عليه، فهو غَارِمٌ، والقَوْلُ في الأُصُولِ قَوْلُ الغارِمِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ القَوْلَ قَوْلُ البائِعِ؛ لأنَّه يَغْرَمُ الثَّمَنَ، فيَرُدُّهُ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الغارِمَ لِثَمَنِ الشَّاةِ المُدَّعاةِ هو المُشْتَرِى. فإن أخْرَجَ الزَّكاةَ من غيرِ النِّصَابِ، فله الرَّدُّ وَجْهًا وَاحِدًا. فصل: فإن كان البَيْعُ فاسِدًا، لم يَنْقَطِعْ حَوْلُ الزكاةِ في النِّصابِ، وبَنَى على حَوْلِه الأوَّلِ؛ لأنَّ المِلْكَ ما انْتَقَلَ فيه إلَّا أن يَتَعَذَّرَ رَدُّهُ، فيَصيرَ كالمَغْصُوبِ، على ما مَضَى. فصل: ويجوزُ التَّصَرُّفُ في النِّصابِ الذي وَجَبَتِ الزكاةُ فيه، بالبَيْعِ والهِبَةِ وأنواعِ التَّصَرُّفَاتِ، وليس لِلسَّاعِي فَسْخُ البَيْعِ. وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ، إلَّا أَنَّه إذا امْتَنَعَ من أداءِ الزكاةِ نقَض البَيْعَ في قَدْرِهَا. وقال الشَّافِعِيُّ: في صِحَّةِ البَيْعِ قَوْلَانِ، أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّنا إن قُلْنا إن الزكاةَ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، فقد بَاعَ ما لا يَمْلِكُه، وإن

стр. 1785

قُلْنا تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، فَقَدْرُ الزكاةِ مُرْتَهَنٌ بها، وَبيْعُ الرَّهْنِ غيرُ جَائِزٍ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى عن بَيْعِ الثِّمَارِ حتى يَبْدُوَ صَلَاحُها. مُتَّفَقٌ عليه (٨). ومَفْهُومُه صَحَّةُ بَيْعِها إذا بَدَا صَلاحُها، وهو عامٌّ فيما وَجَبَتْ فيه الزكاةُ وغيرُه. ونَهَى عن بَيْعِ الحَبِّ حتى يَشْتَدَّ، وَبيْعِ العِنَبِ حتى يَسْوَدَّ (٩). وهما ممَّا تَجِبُ الزكاةُ فيه. ولأنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في الذِّمَّةِ، والمالُ خالٍ عنها، فصَحَّ بَيْعُه، كما لو باعَ مَالَه، وعليه دَيْنُ آدَمِيٍّ، أو زَكَاةُ فِطْرٍ. وإن تَعَلَّقَتْ بالعَيْنِ، فهو تَعَلُّقٌ لا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في جُزْءٍ من النِّصَابِ، فلم يَمْنَعْ بَيْعَ جَمِيعِه، كأرْشِ الجِنَايَةِ. وقَوْلُهم: باعَ ما لا يَمْلِكهُ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ المِلْكَ لم يَثْبُتْ لِلْفُقَراءِ في النِّصابِ، بِدَلِيلِ أنَّ (١٠) له أداءَ الزكاةِ من غيرِه، ولا يَتَمَكَّنُ الفُقَرَاءُ من إلْزَامِه أدَاءَ الزكاةِ منه، وليس بِرَهْنٍ، فإنَّ

стр. 1786

أحْكامَ الرَّهْنِ غيرُ ثَابِتَةٍ فيه، فإذا تَصَرَّفَ في النِّصابِ ثَمَّ (١١) أَخْرَجَ الزكاةَ من غيرِه، وإلَّا كُلِّفَ إخْرَاجَها، وإن لم يَكُنْ له كُلِّفَ تَحْصِيلَها، فإن عَجَزَ بَقِيَتِ الزكاةُ في ذِمَّتِه، كسائِرِ الدُّيُونِ، ولا يُؤْخَذُ من النِّصَابِ. ويَحْتَمِلُ أن يُفْسَخَ البَيْعُ في قَدْرِ الزكاةِ، وتُؤْخَذَ منه، ويَرْجِعُ البَائِعُ عليه بِقَدْرِها؛ لأنَّ على الفُقَرَاءِ ضَرَرًا في إتْمامِ البَيْعِ، وتَفْوِيتًا لِحُقُوقِهم، فوَجَبَ فَسْخُه؛ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ" (١٢). [وهذا أصَحُّ] (١٣). ٤٣٨ - مسألة؛ قال: (والزَّكَاةُ تجِبُ في الذِّمَّةِ بِحُلُولِ الحَوْلِ وإن تلِفَ المَالُ، فَرَّطَ أو لَمْ يُفَرِّطْ) هذه المَسْألَةُ تَشْتَمِلُ على أحْكامٍ ثلاثةٍ: أحدُها، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ في الذِّمَّةِ. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، وأحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ إخْرَاجَها من غيرِ النِّصَابِ جَائِزٌ، فلم تَكُنْ وَاجِبَةً فيه، كزكاةِ الفِطْرِ، ولأنَّها لو وَجَبَتْ فيه، لامْتَنَعَ تَصَرُّفُ المالكِ فيه، ولتَمَكَّنَ المُسْتَحِقُّونَ من إلْزَامِه أدَاءَ الزكاةِ من عَيْنه، أو ظَهَرَ شيءٌ من أحْكَامِ ثُبُوتِه فيه (١)، ولسَقَطَتِ (٢) الزكاةُ بِتَلَفِ النِّصَابِ مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، كسُقُوطِ أرْشِ الجِنايَةِ بِتَلَفِ الجَانِي. والثانية، أنَّها تَجِبُ في العَيْنِ. وهذا القَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وهذه الرِّوَايَةُ هِي الظَّاهِرَةُ عندَ بعضِ أصْحَابِنا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "فِي أرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ" (٣). وقَوْلِه: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ،

стр. 1787

وفِيمَا سُقِىَ بِدَالِيَةٍ أو نَضْحٍ نِصْفُ العُشْرِ" (٤). وغيرِ ذلك من الألْفَاظِ الوَارِدَةِ بِحَرْفِ "في" وهي لِلظَّرْفِيَّةِ. وإنَّما جَازَ الإخْراجُ من غيرِ النِّصابِ رُخْصَةً. وفَائِدَةُ الخِلَافِ أنَّها إذا كانت في الذِّمَّةِ، فحالَ على مَالِه حَوْلَانِ، لم يُؤَدِّ زَكَاتَهما، وَجَبَ عليه أدَاؤُها لما مَضَى، ولا تنْقُصُ (٥) عنه الزكاةُ في الحَوْلِ الثَّانِي، وكذلك إن كان أكْثَرَ من نِصَابٍ، لم تَنْقُصِ الزكاةُ، وإن مَضَى عليه أحْوَالٌ، فلو كان عنده أرْبَعُونَ شَاةً مَضَى عليها ثَلَاثَةُ أحْوَالٍ لم يُؤَدِّ زكَاتَها، وَجَبَ عليه ثلاثُ شِيَاهٍ، وإن كانت مائةَ دِينَارٍ، فعليه سَبْعَةُ دَنَانِيرَ ونِصْفٌ؛ لأنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في ذِمَّتِه، فلم يُؤَثِّرْ في تَنْقِيصِ (٦) النِّصابِ. لكنْ إن لم يَكُنْ له مالٌ آخَرُ يُؤَدِّي الزكاةَ منه، احْتملَ أن تَسْقُطَ الزكاةُ في قَدْرِها؛ لأنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا تَسْقُطُ الزكاةُ بهذا بحَالٍ؛ لأنَّ الشىءَ لا يُسْقِطُ نَفْسَهُ، وقد يُسْقِطُ غَيْرَه، بِدَلِيلِ أن تَغَيُّرَ الماءِ بالنَّجاسَة في مَحَلِّهَا لا يَمْنَعُ صِحَّةَ طَهارَتِها وإزَالَتِها به، ويَمْنَعُ إزَالَةَ نَجاسَةِ غيرِها. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الزكاةَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الأُولَى، وإن قُلْنَا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بِالعَيْنِ. وكان النِّصَابُ ممَّا تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِه، فحالَتْ (٧) عليه أحْوَالٌ لم تُؤَدَّ زكاتُها، تَعَلَّقَتِ الزكاةُ في الحَوْلِ الأوَّل من النِّصابِ

стр. 1788

بقَدْرِه (٨)، فإن كان نِصَابًا لا زِيَادَةَ عليه، فلا زكاةَ فيه، فيما بعد الحَوْلِ الأوَّلِ؛ لأنَّ النِّصابَ نَقَصَ فيه، وإن كان أكْثَرَ من نِصابٍ عَزَلَ قَدْرَ فَرْضِ الحَوْلِ الأوَّل، وعليه زكاةُ ما بَقِىَ. وهذا هو المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. وقال، في رِوَايَةِ محمدِ بن الحَكَمِ: إذا كانَتِ الغَنَمُ أرْبَعِينَ، فلم يَأْتِه المُصَدِّقُ عامَيْنِ، فإذا أخَذَ المُصَدِّقُ شَاةً، فليس عليه شىءٌ في الباقِي، وفيه خِلافٌ. وقال، في رِوَايَةِ صالِحٍ: إذا كان عند الرَّجُلِ مائتَا دِرْهَمٍ، فلم يُزَكِّهَا حتى حالَ عليها حَوْلٌ آخَرُ، يُزَكِّيها لِلْعَامِ الأوَّلِ؛ لأنَّ هذه تَصِيرُ مائتَيْنِ غيرَ خَمْسَةِ دَرَاهِم. وقال، في رَجُلٍ له أَلْفُ دِرْهَمٍ، فلم يُزَكِّها سِنِينَ: يُزَكِّي في أوَّل سَنَةٍ خَمْسَةً وعِشْرِينَ، ثم في كلِّ سَنَةٍ بِحِسابِ ما بَقِيَ. وهذا قولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبي عُبَيْدٍ. فإن كان عندَه أربَعُونَ من الغَنَمِ نُتِجَتْ سَخْلَةً في كل حَوْلٍ، وَجَبَ عليه في كل سَنَةٍ شَاةٌ؛ لأنَّ النِّصَابَ كَمَلَ بالسَّخْلَةِ الحَادِثَةِ، فإن كان نِتَاجُ السَّخْلَةِ بعدَ وُجُوبِ الزكاةِ عليه بِمُدَّةٍ، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ الثانِي مِن حِينَ نُتِجَتْ، لأنَّه حِينَئِذٍ كَمَلَ. فصل: فإن مَلَكَ خَمْسًا من الإِبِلِ، فلم يُؤَدِّ زكاتَها أحْوَالًا، فعليه في كلِّ سَنَةٍ شَاةٌ. نَصَّ عليه في رِوايَةِ الأثْرَمِ. قال في رِوَايَةِ الأثْرَمِ: المالُ غيرُ الإبِلِ إذا أُدِّيَ من الإِبِلِ، لم يَنْقُصْ، والخَمْسُ بِحالِها، وكذلك ما دُونَ خَمْسٍ وعِشْرينَ من الإِبِلِ، لا تَنْقُصُ زكاتُها فيما بعد الحَوْلِ الأوَّل؛ لأنَّ الفَرْضَ يَجِبُ من غَيْرِهَا، فلا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بالعَيْنِ. ولِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أحَدُهما، أنَّ زكاتَها تَنْقُصُ، كسائِرِ الأمْوَالِ، فإذا (٩) كان عندَه خَمْسٌ من الإِبِلِ، فمَضَى عليها أحْوَالٌ، لم تَجِبْ عليه (١٠) فيها إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأنَّها نَقَصَتْ بِوُجُوبِ الزكاةِ فيها في الحَوْلِ الأوَّل

стр. 1789

عن خَمْسٍ كَامِلَةٍ، فلم يَجِبْ عليه فيها شىءٌ، كما لو مَلَكَ أَرْبَعًا وجُزْءًا من بَعِيرٍ. ولَنا، أنَّ الوَاجِبَ من غَيْرِ النِّصابِ، فلم يَنْقُصْ به النِّصابُ، كما لو أدَّاهُ، وفَارَقَ سَائِرَ المالِ (١١)، فإنَّ الزكاةَ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بِعَيْنِه، فيَنْقُصه، كما لو أدَّاهُ من النِّصابِ، فعلَى هذا لو مَلَكَ خَمْسًا وعِشْرِينَ، فحالَتْ عليها (١٢) أحْوَالٌ، فعليه في الحَوْلِ الأوَّل بِنْتُ مَخَاضٍ، وعليه لِكُلِّ حَوْلٍ بعدَه أرْبَعُ شِيَاهٍ. وإن بَلَغَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ الواجِبَةِ أكْثَرَ من خَمْسٍ من (١٣) الإِبِلِ. فإن قيل: فإذا لم يَكُنْ في خَمْسٍ وعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، فالواجِبُ فيها من غيرِ عَيْنِها، فيَجِبُ أنْ لا تَنْقُصَ زكاتُها أيضًا في الأحْوَالِ كلِّها. قلنا: إذا أَدَّى عن خَمْسٍ وعِشْرِينَ أكْبَرَ من بِنْتِ مَخَاضٍ، جازَ، فقد أمْكَنَ تَعَلُّقُ الزكاةِ بِعَيْنِها، لإمْكانِ الأدَاءِ منها، بِخِلافِ عِشْرِينَ من الإِبِلِ، فإنَّه لا يُقْبَلُ منه وَاحِدَةٌ منها، فافْتَرَقا. فصل: الحُكْمُ الثَّانِي، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ بِحُلُولِ (١٤) الحَوْلِ، سَوَاءٌ تَمَكَّنَ من الأداءِ أو لم يَتَمَكَّنْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وهو أحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ. وقال في الآخَرِ: التَّمَكُّنُ من الأدَاءِ شَرْطٌ، فيُشْتَرَطُ لِلْوُجُوبِ ثلاثةُ أشياءَ: الحَوْلُ، والنِّصابُ، والتَّمَكُّنُ من الأدَاءِ. وهذا قولُ مَالِكٍ. حتى لو أتْلَفَ الماشِيَةَ بعد الحَوْلِ قبلَ إمْكانِ الأدَاءِ لا زكاةَ عليه، إذا لم يَقْصِد الفِرَارَ من الزَّكاةِ؛ لأنَّها عِبَادَةٌ، فيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِها إمْكانُ أدَائِها كسائِرِ العِباداتِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" (١٥). فمَفْهُومُه، وُجُوبُها عليه إذا حالَ الْحَوْلُ، ولأنَّه لو لم يَتَمَكَّنْ من الأدَاءِ حتى حالَ عليه حَوْلَانِ، وَجَبَتْ عليه زكاةُ الْحَوْلَيْنِ، ولا يجوزُ وُجُوبُ فَرْضَيْنِ في نِصابٍ واحِدٍ في حالٍ وَاحِدَةٍ،

стр. 1790

وقِيَاسُهم يَنْقَلِبُ عليهم، فإنَّنا نقولُ: هذه عِبادَةٌ، فلا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِها إمْكانُ أدَائِها، كسائِرِ العِبادَاتِ، فإنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ على الحائِضِ والمَرِيضِ العَاجِزِ عن أدَائِه، والصلاةُ تَجِبُ على المُغْمَى عليه والنَّائِمِ، ومن أدْرَكَ مِن (١٦) أوَّل الوَقْتِ جُزْءًا ثم جُنَّ أو حاضَتِ المَرْأَةُ، والحَجُّ يَجِبُ على من أيْسَرَ في وَقْتٍ لا يَتَمَكَّنُ من الحَجِّ فيه، أو مَنَعَهُ من المُضِيِّ مَانِعٌ. ثم الفَرْقُ بينهما، أنَّ تِلْكَ عِبادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ، يُكَلَّفُ فِعْلَها بِبَدَنِه، فأسْقَطَها تَعَذُّرُ فِعْلِهَا، وهذه عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ، يُمْكِنُ ثُبُوتُ الشَّرِكَةِ لِلْمَساكِينِ في مَالِه والوُجُوبِ في ذِمَّتِه مع عَجْزِه عن الأدَاءِ، كثُبُوتِ الدُّيُونِ في ذِمَّةِ المُفْلِسِ وتَعَلُّقِها بِمَالِه بِجِنايَتِه. فصل: الثالث، أنَّ الزكاةَ لا تَسْقُطُ بتَلَفِ المالِ، فَرَّطَ أو لم يُفَرِّطْ. هذا المَشْهُورُ عن أحمدَ، وحَكَى عنه الْمَيْمُونِيُّ أنَّه إذا تَلِفَ النِّصابُ قبلَ التَّمَكُّنِ من الأدَاءِ، سَقَطَتِ الزكاةُ عنه، وإن تَلِفَ بعدَه، لم تَسْقُطْ. وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ مَذْهَبًا لأحمدَ ﵁. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ، والحَسَنِ بن صالِح، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ. وبه قال مَالِكٌ، إلَّا في الماشِيَةِ، فإنَّه قال: لا شىءَ فيها حتى يَجِىءَ المُصَدِّقُ، فإن هَلَكَتْ قبلَ مَجِيئِهِ فلا شىءَ عليه. وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ الزكاةُ بِتَلَفِ النِّصابِ علَى كل حالٍ، إلَّا أن يكونَ الإمامُ قد طَالَبَه بها فمَنَعَها؛ لأنَّه تَلَف قبلَ مَحَلِّ الاسْتِحْقاقِ، فسَقَطَتِ الزكاةُ، كما لو تَلِفَتِ الثَّمَرَةُ قبلَ الجَذَاذِ، ولأنَّه حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، فسَقَطَ بتَلَفِها، كأَرْشِ الجِنَايَةِ في العَبْدِ الجانِي. ومن اشْتَرَطَ التَّمَكُّنَ، قال: هذه عِبَادَةٌ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بالمالِ، فيسْقُطُ (١٧) فَرْضُها بِتَلَفِه قبلَ إمْكانِ أدَائِها، كالحَجِّ. ومن نَصَرَ الأوَّلَ قال: مَالٌ وَجَبَ في الذِّمَّةِ، فلم يَسْقُطْ بِتَلَفِ النِّصابِ، كالدَّيْنِ، فلم (١٨) يُشْتَرَطْ في ضَمَانِه إمْكانُ الأدَاءِ، كثَمَنِ
следующие страницы →