← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

أحْكامَ الرَّهْنِ غيرُ ثَابِتَةٍ فيه، فإذا تَصَرَّفَ في النِّصابِ ثَمَّ (١١) أَخْرَجَ الزكاةَ من غيرِه، وإلَّا كُلِّفَ إخْرَاجَها، وإن لم يَكُنْ له كُلِّفَ تَحْصِيلَها، فإن عَجَزَ بَقِيَتِ الزكاةُ في ذِمَّتِه، كسائِرِ الدُّيُونِ، ولا يُؤْخَذُ من النِّصَابِ. ويَحْتَمِلُ أن يُفْسَخَ البَيْعُ في قَدْرِ الزكاةِ، وتُؤْخَذَ منه، ويَرْجِعُ البَائِعُ عليه بِقَدْرِها؛ لأنَّ على الفُقَرَاءِ ضَرَرًا في إتْمامِ البَيْعِ، وتَفْوِيتًا لِحُقُوقِهم، فوَجَبَ فَسْخُه؛ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ" (١٢). [وهذا أصَحُّ] (١٣). ٤٣٨ - مسألة؛ قال: (والزَّكَاةُ تجِبُ في الذِّمَّةِ بِحُلُولِ الحَوْلِ وإن تلِفَ المَالُ، فَرَّطَ أو لَمْ يُفَرِّطْ) هذه المَسْألَةُ تَشْتَمِلُ على أحْكامٍ ثلاثةٍ: أحدُها، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ في الذِّمَّةِ. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، وأحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ إخْرَاجَها من غيرِ النِّصَابِ جَائِزٌ، فلم تَكُنْ وَاجِبَةً فيه، كزكاةِ الفِطْرِ، ولأنَّها لو وَجَبَتْ فيه، لامْتَنَعَ تَصَرُّفُ المالكِ فيه، ولتَمَكَّنَ المُسْتَحِقُّونَ من إلْزَامِه أدَاءَ الزكاةِ من عَيْنه، أو ظَهَرَ شيءٌ من أحْكَامِ ثُبُوتِه فيه (١)، ولسَقَطَتِ (٢) الزكاةُ بِتَلَفِ النِّصَابِ مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، كسُقُوطِ أرْشِ الجِنايَةِ بِتَلَفِ الجَانِي. والثانية، أنَّها تَجِبُ في العَيْنِ. وهذا القَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وهذه الرِّوَايَةُ هِي الظَّاهِرَةُ عندَ بعضِ أصْحَابِنا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "فِي أرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ" (٣). وقَوْلِه: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ،

стр. 1787

وفِيمَا سُقِىَ بِدَالِيَةٍ أو نَضْحٍ نِصْفُ العُشْرِ" (٤). وغيرِ ذلك من الألْفَاظِ الوَارِدَةِ بِحَرْفِ "في" وهي لِلظَّرْفِيَّةِ. وإنَّما جَازَ الإخْراجُ من غيرِ النِّصابِ رُخْصَةً. وفَائِدَةُ الخِلَافِ أنَّها إذا كانت في الذِّمَّةِ، فحالَ على مَالِه حَوْلَانِ، لم يُؤَدِّ زَكَاتَهما، وَجَبَ عليه أدَاؤُها لما مَضَى، ولا تنْقُصُ (٥) عنه الزكاةُ في الحَوْلِ الثَّانِي، وكذلك إن كان أكْثَرَ من نِصَابٍ، لم تَنْقُصِ الزكاةُ، وإن مَضَى عليه أحْوَالٌ، فلو كان عنده أرْبَعُونَ شَاةً مَضَى عليها ثَلَاثَةُ أحْوَالٍ لم يُؤَدِّ زكَاتَها، وَجَبَ عليه ثلاثُ شِيَاهٍ، وإن كانت مائةَ دِينَارٍ، فعليه سَبْعَةُ دَنَانِيرَ ونِصْفٌ؛ لأنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في ذِمَّتِه، فلم يُؤَثِّرْ في تَنْقِيصِ (٦) النِّصابِ. لكنْ إن لم يَكُنْ له مالٌ آخَرُ يُؤَدِّي الزكاةَ منه، احْتملَ أن تَسْقُطَ الزكاةُ في قَدْرِها؛ لأنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا تَسْقُطُ الزكاةُ بهذا بحَالٍ؛ لأنَّ الشىءَ لا يُسْقِطُ نَفْسَهُ، وقد يُسْقِطُ غَيْرَه، بِدَلِيلِ أن تَغَيُّرَ الماءِ بالنَّجاسَة في مَحَلِّهَا لا يَمْنَعُ صِحَّةَ طَهارَتِها وإزَالَتِها به، ويَمْنَعُ إزَالَةَ نَجاسَةِ غيرِها. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الزكاةَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الأُولَى، وإن قُلْنَا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بِالعَيْنِ. وكان النِّصَابُ ممَّا تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِه، فحالَتْ (٧) عليه أحْوَالٌ لم تُؤَدَّ زكاتُها، تَعَلَّقَتِ الزكاةُ في الحَوْلِ الأوَّل من النِّصابِ

стр. 1788

بقَدْرِه (٨)، فإن كان نِصَابًا لا زِيَادَةَ عليه، فلا زكاةَ فيه، فيما بعد الحَوْلِ الأوَّلِ؛ لأنَّ النِّصابَ نَقَصَ فيه، وإن كان أكْثَرَ من نِصابٍ عَزَلَ قَدْرَ فَرْضِ الحَوْلِ الأوَّل، وعليه زكاةُ ما بَقِىَ. وهذا هو المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. وقال، في رِوَايَةِ محمدِ بن الحَكَمِ: إذا كانَتِ الغَنَمُ أرْبَعِينَ، فلم يَأْتِه المُصَدِّقُ عامَيْنِ، فإذا أخَذَ المُصَدِّقُ شَاةً، فليس عليه شىءٌ في الباقِي، وفيه خِلافٌ. وقال، في رِوَايَةِ صالِحٍ: إذا كان عند الرَّجُلِ مائتَا دِرْهَمٍ، فلم يُزَكِّهَا حتى حالَ عليها حَوْلٌ آخَرُ، يُزَكِّيها لِلْعَامِ الأوَّلِ؛ لأنَّ هذه تَصِيرُ مائتَيْنِ غيرَ خَمْسَةِ دَرَاهِم. وقال، في رَجُلٍ له أَلْفُ دِرْهَمٍ، فلم يُزَكِّها سِنِينَ: يُزَكِّي في أوَّل سَنَةٍ خَمْسَةً وعِشْرِينَ، ثم في كلِّ سَنَةٍ بِحِسابِ ما بَقِيَ. وهذا قولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبي عُبَيْدٍ. فإن كان عندَه أربَعُونَ من الغَنَمِ نُتِجَتْ سَخْلَةً في كل حَوْلٍ، وَجَبَ عليه في كل سَنَةٍ شَاةٌ؛ لأنَّ النِّصَابَ كَمَلَ بالسَّخْلَةِ الحَادِثَةِ، فإن كان نِتَاجُ السَّخْلَةِ بعدَ وُجُوبِ الزكاةِ عليه بِمُدَّةٍ، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ الثانِي مِن حِينَ نُتِجَتْ، لأنَّه حِينَئِذٍ كَمَلَ. فصل: فإن مَلَكَ خَمْسًا من الإِبِلِ، فلم يُؤَدِّ زكاتَها أحْوَالًا، فعليه في كلِّ سَنَةٍ شَاةٌ. نَصَّ عليه في رِوايَةِ الأثْرَمِ. قال في رِوَايَةِ الأثْرَمِ: المالُ غيرُ الإبِلِ إذا أُدِّيَ من الإِبِلِ، لم يَنْقُصْ، والخَمْسُ بِحالِها، وكذلك ما دُونَ خَمْسٍ وعِشْرينَ من الإِبِلِ، لا تَنْقُصُ زكاتُها فيما بعد الحَوْلِ الأوَّل؛ لأنَّ الفَرْضَ يَجِبُ من غَيْرِهَا، فلا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بالعَيْنِ. ولِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أحَدُهما، أنَّ زكاتَها تَنْقُصُ، كسائِرِ الأمْوَالِ، فإذا (٩) كان عندَه خَمْسٌ من الإِبِلِ، فمَضَى عليها أحْوَالٌ، لم تَجِبْ عليه (١٠) فيها إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأنَّها نَقَصَتْ بِوُجُوبِ الزكاةِ فيها في الحَوْلِ الأوَّل

стр. 1789

عن خَمْسٍ كَامِلَةٍ، فلم يَجِبْ عليه فيها شىءٌ، كما لو مَلَكَ أَرْبَعًا وجُزْءًا من بَعِيرٍ. ولَنا، أنَّ الوَاجِبَ من غَيْرِ النِّصابِ، فلم يَنْقُصْ به النِّصابُ، كما لو أدَّاهُ، وفَارَقَ سَائِرَ المالِ (١١)، فإنَّ الزكاةَ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بِعَيْنِه، فيَنْقُصه، كما لو أدَّاهُ من النِّصابِ، فعلَى هذا لو مَلَكَ خَمْسًا وعِشْرِينَ، فحالَتْ عليها (١٢) أحْوَالٌ، فعليه في الحَوْلِ الأوَّل بِنْتُ مَخَاضٍ، وعليه لِكُلِّ حَوْلٍ بعدَه أرْبَعُ شِيَاهٍ. وإن بَلَغَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ الواجِبَةِ أكْثَرَ من خَمْسٍ من (١٣) الإِبِلِ. فإن قيل: فإذا لم يَكُنْ في خَمْسٍ وعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، فالواجِبُ فيها من غيرِ عَيْنِها، فيَجِبُ أنْ لا تَنْقُصَ زكاتُها أيضًا في الأحْوَالِ كلِّها. قلنا: إذا أَدَّى عن خَمْسٍ وعِشْرِينَ أكْبَرَ من بِنْتِ مَخَاضٍ، جازَ، فقد أمْكَنَ تَعَلُّقُ الزكاةِ بِعَيْنِها، لإمْكانِ الأدَاءِ منها، بِخِلافِ عِشْرِينَ من الإِبِلِ، فإنَّه لا يُقْبَلُ منه وَاحِدَةٌ منها، فافْتَرَقا. فصل: الحُكْمُ الثَّانِي، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ بِحُلُولِ (١٤) الحَوْلِ، سَوَاءٌ تَمَكَّنَ من الأداءِ أو لم يَتَمَكَّنْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وهو أحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ. وقال في الآخَرِ: التَّمَكُّنُ من الأدَاءِ شَرْطٌ، فيُشْتَرَطُ لِلْوُجُوبِ ثلاثةُ أشياءَ: الحَوْلُ، والنِّصابُ، والتَّمَكُّنُ من الأدَاءِ. وهذا قولُ مَالِكٍ. حتى لو أتْلَفَ الماشِيَةَ بعد الحَوْلِ قبلَ إمْكانِ الأدَاءِ لا زكاةَ عليه، إذا لم يَقْصِد الفِرَارَ من الزَّكاةِ؛ لأنَّها عِبَادَةٌ، فيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِها إمْكانُ أدَائِها كسائِرِ العِباداتِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" (١٥). فمَفْهُومُه، وُجُوبُها عليه إذا حالَ الْحَوْلُ، ولأنَّه لو لم يَتَمَكَّنْ من الأدَاءِ حتى حالَ عليه حَوْلَانِ، وَجَبَتْ عليه زكاةُ الْحَوْلَيْنِ، ولا يجوزُ وُجُوبُ فَرْضَيْنِ في نِصابٍ واحِدٍ في حالٍ وَاحِدَةٍ،

стр. 1790

وقِيَاسُهم يَنْقَلِبُ عليهم، فإنَّنا نقولُ: هذه عِبادَةٌ، فلا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِها إمْكانُ أدَائِها، كسائِرِ العِبادَاتِ، فإنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ على الحائِضِ والمَرِيضِ العَاجِزِ عن أدَائِه، والصلاةُ تَجِبُ على المُغْمَى عليه والنَّائِمِ، ومن أدْرَكَ مِن (١٦) أوَّل الوَقْتِ جُزْءًا ثم جُنَّ أو حاضَتِ المَرْأَةُ، والحَجُّ يَجِبُ على من أيْسَرَ في وَقْتٍ لا يَتَمَكَّنُ من الحَجِّ فيه، أو مَنَعَهُ من المُضِيِّ مَانِعٌ. ثم الفَرْقُ بينهما، أنَّ تِلْكَ عِبادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ، يُكَلَّفُ فِعْلَها بِبَدَنِه، فأسْقَطَها تَعَذُّرُ فِعْلِهَا، وهذه عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ، يُمْكِنُ ثُبُوتُ الشَّرِكَةِ لِلْمَساكِينِ في مَالِه والوُجُوبِ في ذِمَّتِه مع عَجْزِه عن الأدَاءِ، كثُبُوتِ الدُّيُونِ في ذِمَّةِ المُفْلِسِ وتَعَلُّقِها بِمَالِه بِجِنايَتِه. فصل: الثالث، أنَّ الزكاةَ لا تَسْقُطُ بتَلَفِ المالِ، فَرَّطَ أو لم يُفَرِّطْ. هذا المَشْهُورُ عن أحمدَ، وحَكَى عنه الْمَيْمُونِيُّ أنَّه إذا تَلِفَ النِّصابُ قبلَ التَّمَكُّنِ من الأدَاءِ، سَقَطَتِ الزكاةُ عنه، وإن تَلِفَ بعدَه، لم تَسْقُطْ. وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ مَذْهَبًا لأحمدَ ﵁. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ، والحَسَنِ بن صالِح، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ. وبه قال مَالِكٌ، إلَّا في الماشِيَةِ، فإنَّه قال: لا شىءَ فيها حتى يَجِىءَ المُصَدِّقُ، فإن هَلَكَتْ قبلَ مَجِيئِهِ فلا شىءَ عليه. وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ الزكاةُ بِتَلَفِ النِّصابِ علَى كل حالٍ، إلَّا أن يكونَ الإمامُ قد طَالَبَه بها فمَنَعَها؛ لأنَّه تَلَف قبلَ مَحَلِّ الاسْتِحْقاقِ، فسَقَطَتِ الزكاةُ، كما لو تَلِفَتِ الثَّمَرَةُ قبلَ الجَذَاذِ، ولأنَّه حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، فسَقَطَ بتَلَفِها، كأَرْشِ الجِنَايَةِ في العَبْدِ الجانِي. ومن اشْتَرَطَ التَّمَكُّنَ، قال: هذه عِبَادَةٌ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بالمالِ، فيسْقُطُ (١٧) فَرْضُها بِتَلَفِه قبلَ إمْكانِ أدَائِها، كالحَجِّ. ومن نَصَرَ الأوَّلَ قال: مَالٌ وَجَبَ في الذِّمَّةِ، فلم يَسْقُطْ بِتَلَفِ النِّصابِ، كالدَّيْنِ، فلم (١٨) يُشْتَرَطْ في ضَمَانِه إمْكانُ الأدَاءِ، كثَمَنِ

стр. 1791

المَبِيعِ، والثَّمَرَةُ لا تَجِبُ زكاتُها في الذِّمَّةِ حتى تُحْرَزَ؛ لأنَّها في حُكْمِ غيرِ المَقْبُوضِ، ولهذا لو تَلِفَتْ بِجائِحَةٍ كانتْ في (١٩) ضمانِ البَائِعِ، على ما دَلَّ عليه الخَبَرُ. وإذا قُلْنَا بِوُجُوبِ الزكاةِ في العَيْنِ، فليس هو بِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ جُزْءٍ منه، ولهذا لا يُمْنَعُ التَّصَرُّفُ فيه، والحَجُّ لا يَجِبُ حتى يَتَمَكَّنَ من الأدَاءِ، فإذا وَجَبَ لم يَسْقُطْ بِتَلَفِ المالِ، بِخِلافِ الزكاةِ، فإنَّ التَّمَكُّنَ ليس بِشَرْطٍ لِوُجُوبِها، على ما قَدَّمْنَاهُ. والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللهُ، أنَّ الزكاةَ تَسْقُطُ بِتَلَفِ المالِ، إذا لم يُفَرِّطْ في الأدَاءِ؛ لأنَّها تَجِبُ على سَبِيلِ المُواسَاةِ، فلا تَجِبُ على وَجْهٍ يَجِبُ أداؤُها مع عَدَمِ المَالِ وفَقْرِ من تَجِبُ عليه، ومَعْنَى التَّفْرِيطِ، أنْ يَتَمَكَّنَ مِن إخْرَاجِها فلا يُخْرِجُها، وإنْ لم يَتَمَكَّنْ من إخْراجِها، فليس بِمُفَرِّطٍ، سَوَاءٌ كان ذلك لِعَدَمِ المسْتَحِقِّ، أو لِبُعْدِ المالِ عنه، أو لِكَوْنِ الفَرْضِ لا يُوجَدُ في المالِ، ويَحْتَاجُ إلى شِرَائِه، فلم يَجِدْ ما يَشْتَرِيه، أو كان في طَلَبِ الشِّرَاءِ، أو نحو ذلك. وإنْ قُلْنَا بِوُجُوبِها بعدَ تَلَفِ المالِ، فأمْكَنَ المالِكَ أدَاؤُها، أدَّاهَا، وإلَّا أُنْظِرَ بها إلى مَيْسَرَتِه، وتَمَكُّنِه من أدَائِها من غَيْرِ مَضَرَّةٍ عليه؛ لأنَّه إذا لَزِمَ إنْظَارُه بِدَيْنِ الآدَمِيِّ المُتَعَيَّن فبِالزكاةِ التي هي حَقُّ اللهِ تعالى أوْلَى. فصل: ولا تَسْقُطُ الزكاةُ بِمَوْتِ رَبِّ المالِ، وتُخْرَجُ من مالِه، وإن لم يُوصِ (٢٠) بها. هذا قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتَادَةَ، ومَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ. وقال الأوْزَاعِيُّ، واللَّيْثُ، تُؤْخَذُ من الثُّلُثِ، مُقَدَّمَةً (٢١) على الوَصَايَا، ولا يُجَاوِزُ الثُّلُثَ. وقال ابْنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وحَمَّادُ بنُ أبي (٢٢) سليمانَ، ودَاوُدُ بنُ أبي هِنْدٍ (٢٣)، وحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ،

стр. 1792

والمُثَنَّى، والثَّوْرِيُّ: لا تُخْرَجُ إلَّا أن يكونَ أوْصَى بها. وكذلك قال أصْحابُ الرَّأْي، وجَعَلُوها إذا أوْصَى بها وَصِيَّةً تُخْرَجُ من الثُّلُثِ، ويُزَاحَمُ بها أصْحابُ الوَصَايَا، وإذا لم يُوصِ بها سَقَطَتْ؛ لأنَّها عِبادَةٌ من شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فسَقَطَتْ بِمَوْتِ مَن هي عليه، كالصَّوْمِ. ولَنا، أنَّها حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الوَصِيَّةُ به، فلم تَسْقُطْ بِالمَوْتِ، كدَيْنِ الآدَمِيِّ، ولأنَّها حَقٌّ مَالِيٌّ وَاجِبٌ فلم يَسْقُطْ بِمَوْتِ مَن هو عليه، كالدَّيْنِ، ويُفَارِقُ الصَّوْمَ والصلاةَ، فإنَّهما عِبادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ لا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بهما، ولا النِّيابةُ (٢٤) فيهما. اهـ. فصل: وتجِبُ الزكاةُ على الفَوْرِ، فلا يجوزُ تَأْخِيرُ إخْرَاجِها مع القُدْرَةِ عليه، والتَّمَكُّنِ منه، إذا لم يَخْشَ ضَرَرًا. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وقال أبو حنيفةَ: له التَّأْخِيرُ ما لم يُطَالَبْ؛ لأنَّ الأمْرَ بأدَائِها مُطْلَقٌ، فلا يَتَعَيَّن الزَّمَنُ الأوَّلُ لأدَائِها دُونَ غيرِه، كما لا يَتَعَيَّنُ لذلك مَكانٌ دُونَ مَكانٍ. ولَنا، أنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يَقْتَضِي الفَوْرَ، على ما سيُذْكَرُ (٢٥) في مَوْضِعِه، ولذلك يَسْتَحِقُّ المُؤَخِّرُ لِلامْتِثَالِ (٢٦) العِقَابَ، ولذلك أخْرَجَ اللهُ تعالى إبْلِيسَ، وسَخِطَ عليه ووَبَّخَهُ، بِامْتِنَاعِهِ عن السُّجُودِ، ولو أنَّ رَجُلًا أمَرَ عَبْدَهُ أن يَسْقِيَه، فأخَّرَ ذلك، اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ، ولأنَّ جَوَازَ التَّأْخِيرِ يُنَافِي الوُجُوبَ، لِكَوْنِ الواجِبِ ما يُعَاقَبُ صاحبُه (٢٧) على تَرْكِه، ولو جَازَ التَّأْخِيرُ، لَجازَ إلى غيرِ غَايةٍ، فتنْتَفِي (٢٨) العُقُوبَةُ بالتَّرْكِ، ولو سَلَّمْنَا أنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ لا يَقْتَضِي الفَوْرَ، لاقْتَضَاهُ في مَسْألَتِنا، إذْ لو جازَ التَّأْخِيرُ هاهُنا

стр. 1793

لَأخَّرَهُ بِمُقْتَضَى طَبْعِه، ثِقَةً منه بأنَّه لا يَأْثمُ بالتَّأْخِيرِ، فيَسْقُطُ عنه بِالمَوْتِ، أو بتَلَفِ مَالِه، أو بِعَجْزِه عن الأدَاءِ، فَيَتَضَرَّرَ الفُقَرَاءُ، ولأنَّ هاهُنا قَرِينَةً تَقْتَضِي الفَوْرَ، وهو أنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ لحاجَةِ الفُقَرَاءِ، وهي نَاجِزَةٌ، فيَجِبُ أن يكونَ الوُجُوبُ، ناجِزًا (٢٩) ولأنَّها عِبادَةٌ تَتَكَرَّرُ، فلم يَجُزْ تَأْخِيرُها إلى وَقْتِ وُجُوبِ مِثْلِها، كالصلاةِ والصَّوْمِ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ سُئِلَ عن الرَّجُلِ يَحُولُ الحَوْلُ على مَالِه، فيُؤَخِّرُ عن وَقْتِ الزكاةِ؟ فقال: لا، ولم يُؤَخِّرُ إخْرَاجَها؟ وشَدَّدَ [في ذلك] (٣٠). قيل: فابْتَدَأ في إخْرَاجِها، فجَعَلَ يُخْرِجُ أوَّلًا فأوَّلًا. فقال: لا، بل يُخْرِجُها كُلَّها إذا حَالَ الحَوْلُ. فأمَّا إن (٣١) كانت عليه مَضَرَّةٌ في تَعْجِيلِ الإخْرَاجِ، مثل مَن يَحُولُ حَوْلُه قبلَ مَجِىءِ السَّاعِى، ويَخْشَى إنْ أخْرَجَهَا بِنَفْسِه أخَذَهَا السَّاعِى منه مَرَّةً أُخْرَى، فله تَأْخِيرُها. نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك إنْ خَشِىَ في إخْرَاجِها ضَرَرًا في نَفْسِه أو مَالٍ له سِوَاهَا، فله تَأْخِيرُها؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" (٣٢) ولأنَّه إذا جازَ تَأْخِيرُ قَضَاءِ دَيْنِ الآدَمِيِّ لذلك، فتَأْخِيرُ الزكاةِ أوْلَى. فصل: فإن أَخَّرَهَا لِيَدْفَعَها إلى مَن هو أحَقُّ بها، مِن ذِي قَرَابَةٍ، أو ذِي حاجَةٍ شَدِيدَةٍ، فإنْ كان شيئًا يَسِيرًا، فلا بَأْسَ، وإن كان كَثِيرًا، لم يَجُزْ. قال أحمدُ: لا يُجَزِّئُ على أقَارِبِه من الزكاةِ في كلِّ شَهْرٍ. يَعْنِي لا يُؤَخِّرُ إخْرَاجَها حتى يَدْفَعَها إليهم مُفَرَّقةً (٣٣)، في كلِّ شَهْرٍ شَيْئًا، فأمَّا إنْ عَجَّلَها فدَفَعَها إليهم، أو إلى غَيْرِهِم مُفَرَّقةً (٣٣) أو مَجْمُوعَةً، جازَ، لأنَّه لم يُؤَخِّرْهَا عن وَقْتِها، وكذلك إنْ كان عِنْدَه

стр. 1794

مَالَانِ، أو أمْوَالٌ، زَكَاتُها وَاحِدَةٌ، وتَخْتَلِفُ أحْوَالُها، مثل أن يكونَ عندَه نِصَابٌ، وقد اسْتَفَادَ في أثْنَاء الحَوْلِ من جِنْسِه دُونَ النِّصَابِ، لم يَجُزْ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ لِيَجْمَعَها كُلَّها؛ لأنَّه يُمْكِنُه جَمْعُها بِتَعْجِيلِها في أوَّل وَاجِبٍ منها. فصل: فإن أخْرَجَ (٣٤) الزكاةَ، فلم يَدْفَعْهَا إلى الفَقِيرِ حتى ضَاعَتْ، لم تَسْقُطْ عنه. كذلك قال الزُّهْرِيُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ. وبه قال الشَّافِعِيُّ، إلَّا أنه قال: إنْ لم يَكُنْ فَرَّطَ في إخْرَاجِ الزكاةِ، وفي حِفْظِ ذلك المُخْرَجِ، رُجِعَ إلى مَالِه، فإنْ كان فيما بَقِيَ زكاةٌ أخْرَجَ (٣٥)، وإلَّا فلَا. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: يُزَكِّي ما بَقِيَ، إلَّا أنْ يَنْقُصَ عن النِّصَابِ، فتَسْقُطُ الزكاةُ، فَرَّطَ أو لم يُفَرِّطْ. [وقال مَالِكٌ: أرَاهَا تُجْزِئُه إذا أخْرَجَها في مَحَلِّها، وإن أخْرَجَها بعد ذلك ضَمِنَها] (٣٦). وقال مَالِكٌ: يُزَكِّي ما بَقِيَ بِقِسْطِه، وإن بَقِيَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. ولَنا، أنه حَقٌّ مُتَعَيِّنٌ على رَبِّ المالِ، تَلِفَ قبلَ وُصُولِه إلى مُسْتَحِقِّه، فلم يَبْرَأْ منه بذلك، كَدَيْنِ الآدَمِيِّ. قال أحمدُ: ولو دَفَعَ إلى رجلٍ (٣٧) زكاتَه خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، فقبلَ أن يَقْبِضَها منه، قال: اشْتَرِ لِى بها ثَوْبًا أو طَعَامًا. فذَهَبَتِ الدَّرَاهِمُ، أو اشْتَرَى بها ما قال فضَاعَ منه، فعليه أن يُعْطِىَ مَكَانَها؛ لأنَّه لم يَقْبِضْها منه، ولو قَبَضَها منه ثم رَدَّها إليه، وقال: اشْتَرِ لي بها. فضَاعَتْ، أو ضَاعَ ما اشْتَرَى بها، فلا ضَمَانَ عليه إذا لم يَكُنْ فَرَّطَ. وإنَّما قال ذلك لأنَّ الزكاةَ لا يَمْلِكُها الفَقِيرُ إلَّا بِقَبْضِها، فإذا وَكَّلَهُ في الشِّرَاءِ بها كان التَّوْكِيلُ فَاسِدًا، لأنَّه وَكَّلَهُ في الشِّرَاءِ بما ليس له، وبَقِيَتْ على مِلْكِ رَبِّ المَالِ، فإذا تَلِفَتْ كانت مِن (٣٨) ضَمَانِه.

стр. 1795

فصل: ولو عَزَلَ قَدْرَ الزكاةِ، يَنْوِي (٣٩) أنَّه زَكَاةٌ، فتَلِفَ، فهو مِنْ (٤٠) ضَمَانِ رَبِّ المالِ، ولا تَسْقُطُ الزكاةُ عنه بذلك، سَوَاءٌ قَدَرَ على أن يَدْفَعَها إليه أو لم يَقْدِرْ، والحُكْمُ فيه كالمَسْأَلَةِ التي قَبْلَها. اهـ. ٤٣٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ رَهَنَ مَاشِيَةً، فحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، أدَّى مِنْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُؤَدِّى عَنْهَا، والبْاقِي رَهْنٌ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا رَهَنَ مَاشِيَةً، فحَالَ الحَوْلُ وهي في يَدِ المُرْتَهِنِ، وَجَبَتْ زكاتُها على الرَّاهِنِ؛ لأنَّ مِلْكَه فيها تَامٌّ، فإن أمْكَنَهُ أداؤُها مِن غيرِها، وَجَبَتْ؛ لأنَّ الزكاةَ من مُؤْنَةِ الرَّهْنِ، ومُؤْنَةُ الرَّهْنِ تَلْزَمُ الرَّاهِنَ، كَنَفَقَةِ النِّصابِ، ولا يُخْرِجُها من النِّصابِ، لأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ به تَعَلُّقًا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الرَّاهِنِ فيه، والزكاةُ لا يَتَعَيَّنُ إخْراجُها منه، فلم يَمْلِكْ إخْراجَها منه كزكاةِ مَالِ (١) سِوَاهُ، وإن لم يَكُنْ له ما يُؤَدِّى منه سِوَى هذا الرَّهْنِ، فلا يَخْلُو مِن أنْ يكونَ له مالٌ يُمْكِنُ قَضَاءُ الدَّيْنِ منه، ويَبْقَى بعد قَضائه نِصَابٌ كامِلٌ، مثل أن تكونَ الماشِيَةُ زَائِدَةٌ على النِّصابِ قَدْرًا يُمْكِنُ قَضَاءُ الدَّيْنِ منه، ويَبْقَى النِّصَابُ، فإنَّه يُخْرِجُ الزكاةَ من الماشِيَةِ، ويُقَدِّمُ حَقَّ الزكاةِ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، لأنَّ المُرْتَهِنَ يَرْجِعُ إلى بَدَلٍ، وهو اسْتِيفاءُ الدَّيْنِ، وحُقُوقُ الفُقَرَاءِ في الزكاةِ لا بَدَلَ لها. وإن لم يَكُنْ له مالٌ يَقْضِى به الدَّيْنَ، ويَبْقَى بعد قَضائِه نِصَابٌ، ففيه رِوَايتانِ: إحْدَاهما، تَجِبُ الزكاةُ أيضا. ولا يَمْنَعُ [الدَّينُ وُجُوبَ] (٢) الزكاةِ في الأمْوالِ الظَّاهِرَةِ، وهي المَوَاشِي والحُبُوبُ. قالَه في رِوَايَةِ الأثْرَمِ. قال (٣): لأنَّ المُصَدِّقَ لو جاءَ فوَجَدَ إبِلًا وغَنَمًا، لم يَسْألْ

стр. 1796

صَاحِبَها أيَّ شىءٍ عليك من الدَّيْنِ، ولكِنَّه يُزَكِّيها، والمالُ ليس كذلك، وهذا ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ هاهُنا؛ لأنَّ كلامَه عَامٌّ في كلِّ مَاشِيَةٍ، وذلك لأنَّ وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوَالِ الظَّاهِرَةِ آكَدُ؛ لِظُهُورِها، وتَعَلُّقِ قُلُوبِ الفُقَرَاءِ بها، لِرُؤْيَتِهم. إيَّاهَا، ولأنَّ الحاجَةَ إلى حِفْظِهَا أشَدُّ، ولأنَّ السَّاعِيَ يَتَوَلَّى أخْذَ الزكاةِ منها ولا يَسْأَلُ عن دَيْنِ صاحِبِها. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ؛ لا تَجِبُ الزَّكَاةُ فيها. ويَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوَالِ كُلِّها مِن الظَّاهِرَةِ والباطِنَةِ. قال ابْنُ أبي موسى: الصَّحِيحُ من مَذْهَبِه أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكاةِ على كلِّ حَالٍ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ. وَرُوِيَ ذلك عن ابْنِ عَبَّاسٍ، ومَكْحُولٍ، والثَّوْرِيِّ. وحَكَى ذلك ابْنُ المُنْذِرِ عنهم في الزَّرْعِ إذا اسْتَدَانَ عليه صَاحِبُه؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَي الزكاةِ، فيَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَها، كالنَّوْعِ الآخَرِ، ولأنَّ المَدِينَ مُحْتَاجٌ، والصَّدَقَةُ إنما تَجِبُ على الأغْنِياءِ، بقَوْلِه (٤) ﵇: "أُمِرْتُ أن آخُذَ الصَّدَقَةَ من أَغْنِيَائِهِم، فأَرُدَّهَا في فُقَرَائِهِم" (٥). وقَوْلِه ﵇: "لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى" (٦). ورَوَى أبو عُبَيْدٍ، في كتابِ "الأمْوَالِ" (٧)، عن السَّائِبِ بن يَزِيدَ، قال: سَمِعْتُ عثمانَ بنَ عَفَّانَ

стр. 1797

يقول: هذا شَهْرُ زَكَاتِكم فمَن كان عليه دَيْنٌ فلْيُؤَدِّه، حتى تُخْرِجُوا زكاةَ أمْوَالِكم، ومن لم يَكُنْ عندَه (٨) لم تُطْلَبْ منه، حتى يَأتيَ بها (٩) تَطَوُّعًا. قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: أراهُ يَعْنِي شهرَ رمضانَ. فصل: ولو أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ، وأقامَ بها سِنِينَ [لا يُؤَدِّي] (١٠) زَكَاةً، أو غَلَبَ الخَوَارِجُ على بَلْدَةٍ، فأقَامَ أهْلُه سِنِينَ لا يُؤَدُّونَ الزكاةَ، ثم غَلَبَ عليهم الإمامُ، أدَّوا [لما مَضَى] (١١). وهذا مذهبُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ. وقال أصْحَابُ الرَّأْيِ: لا زكاةَ عليهم لا مَضَى في المَسْأَلَتَيْنِ. ولَنا، أنَّ الزكاةَ مِن أرْكانِ الإسلامِ، فلم تَسْقُطْ عَمَّنْ هو في غيرِ قَبْضَةِ الإمامِ، كالصلاةِ والصِّيامِ. فصل: إذا تَوَلَّى الرَّجُلُ إخْراجَ زَكاتِه، فالمُسْتَحَبُّ أن يَبْدَأ بأقَارِبِه الذين يجوزُ دَفْعُ الزكاةِ إليهم؛ فإنَّ زينبَ (١٢) سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ : أيُجْزِئُ عَنِّي مِنَ الصَّدَقَةِ النَّفَقَةُ على زَوْجِي [وأيْتَامٍ في حِجْرِي] (١٣)؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ : "لها أجْرَانِ: أجْرُ الصَّدَقَةِ، وأجْرُ القَرَابَةِ". رَوَاهُ [البُخَارِيُّ، وابْنُ مَاجَه] (١٤). وفي لَفْظٍ: أيَسَعُنِي أنْ أَضَعَ صَدَقَتي في زَوْجِي وبَنِي أخٍ لي أيْتَام؟ فقال: "نَعَمْ، لَهَا

стр. 1798

أجْرَانِ: [أجْرُ الْقَرَابَةِ، وأجْرُ الصَّدَقَةِ"] (١٥). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١٦). ولمَّا تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بِحَائِطِه، قال النَّبيُّ ﷺ : "اجْعَلْهُ في قَرَابَتِكَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٧). ويُسْتَحَبُّ أن يَبْدَأ بالأقْرَب فالأقْرَب، إلَّا أن يكونَ مِنهم مَنْ هو أشَدُّ حاجَةً فيقَدِّمَهُ، ولو كان غيرُ القَرَابَةِ أحْوَجَ أعْطاهُ. قال أحمدُ: إنْ كانتِ القَرَابَةُ مُحْتاجَةً أعْطاهَا، وإن كان غيرُهم أحْوَجَ أعْطَاهم، ويُعْطِي الجِيرَانَ. وقال: إنْ كان قد عَوَّدَ قَوْمًا بِرًّا فيَجْعَلُهُ في مَالِه، ولا يَجْعَلُه مِن الزكاةِ، ولا يُعْطِى مِن (١٨) الزكاةِ مَن يَمُونُ، ولا مَن تَجْرِى عليه نَفَقَتُه، وإن أعْطَاهم لم يَجُزْ. وهذا -واللهُ أعلمُ- إذا عَوَّدَهُمْ بِرًّا مِن غيرِ الزَّكاةِ، وإذا أعْطَى مَن تَجْرِي عليه نَفَقَتُه شيئًا يَصْرِفُهُ في نَفَقَتِه، فأمَّا إن عَوَّدَهم دَفْعَ زكاتِه إليهم، أو أعْطَى مَن تَجْرِى عليه نَفَقَتُه تَطَوُّعًا شيئا من الزكاةِ يَصْرِفُه في غيرِ النَّفَقَة [من حَوَائِجِهِ] (١٩)، فلا بَأْسَ. وقال أبو دَاوُدَ: قلتُ لأحمدَ: يُعْطِي أخاهُ أو أُخْتَهُ من الزكاةِ؟ قال: نعم، إذا لم يَفِ (٢٠) به مَالَه، أو يَدْفَعْ به مَذَمَّةً. قيل لأحمدَ: فإذا اسْتَوَى فُقَرَاءُ قَرَاباتِي والمَسَاكِينُ؟ قال: فهم كذلك أوْلَى، فأمَّا إذا (٢١) كان غَيْرُهم أحْوَجَ، فإنَّما (٢٢) يُرِيدُ يُغْنِيهم ويَدَعُ غَيْرَهم،

стр. 1799

فَلَا. قِيلَ له: فيُعْطِي امْرَأةَ ابْنِهِ مِن الزكاةِ. قال: إنْ كان لا يُرِيدُ به (٢٣) كذا -شَيئا ذَكَرَهُ- فلا بَأْسَ به. كأَنَّه أَرَادَ مَنْفَعَةَ ابْنِه. قال أحمدُ: كان العُلَمَاءُ يَقُولُونَ في الزكاةِ: لا تُدْفَعُ بها مَذَمَّةٌ، ولا يُحَابَى بها قَرِيبٌ، ولا يَقِي (٢٤) بها مَالًا. وسُئِلَ أحمدُ عن رَجُلٍ له قَرَابَةٌ يُجْرِي عليها من الزكاةِ؟ قال: إن كان عَدَّهَا من عِيَالِه، فلا يُعْطِيها. قِيلَ له: إنَّمَا يُجْرِي عليها شيئا مَعْلُومًا في كلِّ شَهْرٍ، قال: إذًا كَفَاها ذلك. وفي الجُمْلَةِ، مَن لا يَجِبُ عليه الإنْفَاقُ عليه، فله دَفْعُ الزكاةِ إليه، ويُقَدِّمُ الأحْوَجَ فالأحْوَجَ، فإن تَسَاوَوْا قَدَّمَ من هو أقْرَبُ إليه، ثم مَن كان أقْرَبَ في الجِوَارِ وأَكْثَرَ دِينًا. وكيْفَ فَرَّقَها، بعد ما يَضَعُها في الأصْنَافِ الَّذِينَ سَمَّاهُم اللهُ تعالى، جازَ. واللهُ أعلمُ.

стр. 1800

بابُ زكاةِ الزُّرُوعَ والثِّمارِ والأصْلُ فيها الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإجْماعُ (٢٥)؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢٦) والزكاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢٧). وقال اللهُ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢٨). قال ابْنُ عَبَّاسٍ: حَقُّهُ: الزَّكَاةُ المَفْرُوضَةُ. وقال مَرَّةً: العُشْرُ، ونِصْفُ العُشْرِ. ومن السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَيْسَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوسُقٍ صَدَقَةٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٩). وعن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ وَكَانَ عَثَريًّا (٣٠) العُشْرُ، وفِيمَا سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ". أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وأبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٣١). وعن جَابِرٍ، أنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يقول: "فِيمَا سَقَتِ الأنْهَارُ والغَيْمُ العُشْرُ، وفِيمَا سُقِيَ بالسَّانيَةِ (٣٢) نِصْفُ العُشْرِ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ (٣٣). وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الصَّدَقَةَ وَاجِبَةٌ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ. قالَه ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عبدِ البَرِّ.

стр. 1801

٤٤٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وكُلُّ مَا أخرَجَ اللهُ مِنَ الْأرْضِ مِمَّا يَيْبَسُ ويَبْقَى، مِمَّا يُكَالُ ويَبْلُغُ خمْسَةَ أوْسُقٍ فَصَاعِدًا، فَفِيهِ العُشْرُ، إنْ كَانَ سَقْيُهُ مِنَ السَّمَاءِ والسُّيُوحِ (١)، وَإنْ كَانَ يُسْقَى بالدَّوَالِي والنَّوَاضِحِ ومَا فِيهِ الكُلَفُ (٢)، فَنِصْفُ العُشْرِ). هذه المَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ على أحْكامٍ؛ منها، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيما جَمَعَ هذه الأوْصاف: الكَيْل، والبَقَاء، واليُبْس، من الحُبُوبِ والثِّمَارِ، ممَّا يُنْبِتُه الآدَمِيُّونَ، إذا نَبَتَ في أرْضِه، سَوَاءٌ كان قُوتًا، كالحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والسُّلْتِ (٣)، والأُرْزِ، والذُّرَةِ، والدُّخْنِ (٤)، أو من القِطْنِيَّاتِ (٥)، كالبَاقِلَّا، والعَدَسِ، والمَاشِ (٦) والحِمَّصِ، أو من الأبَازيِرِ، كالكُسْفَرة (٧)، والكَمُّونِ، والكَرَاوْيَا، أو البُزُورِ، كبِزْرِ الكَتَّانِ، والقِثَّاءِ، والخِيَارِ، أو حَبِّ البُقُولِ، كالرَّشَادِ (٨)، وحَبِّ الفُجْلِ، والقِرْطِم (٩)، والتُّرْمُسِ، والسِّمْسِمِ، وسَائِرِ الحُبُوبِ، وتَجِبُ أيضًا فيما جَمَعَ هذه الأوْصاف من الثِّمَارِ، كالتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والقشْمشِ (١٠)، واللَّوْزِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ. ولا زكاةَ في سَائِرِ الفَوَاكِهِ،

стр. 1802

كالخَوْخِ، والإجَّاصِ (١١)، والكُمِّثْرَى، والتُّفَّاحِ، والمِشْمِشِ (١٢)، والتِّينِ، والجَوْزِ. ولا في الخُضَرِ، كالقَثَّاءِ، والخِيَارِ، والبَاذِنْجَان، واللِّفْتِ، والجَزَرِ. وبهذا قال عَطاءٌ في الحُبُوبِ كلِّها، ونحوُه قولُ أبي يوسفَ ومحمدٍ، فإنَّهما قالا: لا شىءَ فيما تُخْرِجُه الأرْضُ، إلَّا ما كانتْ له ثَمَرَةٌ باقِيَةٌ، يَبْلُغُ مَكِيلُها خَمْسَةَ أوْسُقٍ. وقال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ: لا شىءَ في الأبَازِيرِ، ولا البُزُورِ، ولا حَبِّ البُقُولِ. ولَعَلَّهُ لا يُوجِبُ الزكاةَ إلَّا فيما كان قُوتًا أو أُدْمًا (١٣)؛ لأنَّ ما عدَاهُ لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه فيَبْقَى على النَّفْي الأصْلِيِّ. وقال مالكٌ؛ والشَّافِعِيُّ: لا زكاةَ في ثَمَرٍ، إلَّا التَّمْرَ والزَّبِيبَ، ولا في حَبٍّ، إلَّا ما كان قُوتًا في حالَةِ الاخْتِيَارِ لذلك، إلَّا في الزَّيْتُونِ، على اخْتِلَافٍ. وحُكِيَ عن أحمدَ: إلَّا في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ. وهذا قولُ ابْنِ عمرَ، وموسى بن طَلْحَةَ (١٤)، والحسنِ، وابْنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، والحسنِ بن صالِحٍ، وابْنِ أبي لَيْلَى، وابْنِ المُبَارَكِ، وأبي عُبَيْدٍ. والسُّلْتُ: نَوْعٌ من الشَّعِيرِ. ووَافَقَهُم إبراهيمُ، وزَادَ الذرَةَ. ووَافَقَهم ابنُ عَبَّاسٍ، وزَادَ الزَّيْتُونَ؛ لأنَّ ما عَدا هذا لا نَصَّ فيه ولا إجْمَاعَ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، ولا المُجْمَعِ عليه، فيَبْقَى على الأصْلِ. وقد رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنَّه قال: إنَّما سَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الزكاةَ (١٥) في الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ والزّبِيبِ. وفي رِوَايةٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: " والعُشْرُ في التَّمْرِ

стр. 1803

والزَّبِيبِ، والْحِنْطَةِ والشَّعِيرِ". وعن موسى بن طَلْحَةَ، عن عمرَ، أنَّه قال: إنَّما سَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الزَّكاةَ في هذه الأرْبَعَةِ: الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ. وعن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى ومُعَاذٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهما إلى اليَمَنِ يُعَلِّمَانِ النّاسَ أمْرَ دِينِهم، فأمَرَهم أنْ لا يَأخُذُوا الصَّدَقَةَ إلَّا من هذه الأرْبَعَة: الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ. رَوَاهُنَّ كُلَّهُنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ (١٦). ولأنَّ غَيرَ هذه الأرْبَعَة لا نَصَّ فيها ولا إجْمَاعَ، ولا هو في مَعْنَاها في غَلَبَةِ الاقْتِيَاتِ بها، وكثْرَةِ نَفْعِها، وَوُجُودِها، فلم يَصِحَّ قِيَاسُه عليها، ولا إلْحَاقُه بها، فَيَبْقَى على الأصْلِ. وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ الزكاةُ في كلِّ ما يُقْصَدُ بزِرَاعَتِه نَماءُ الأرْضِ، إلَّا الحَطَبَ، والقَصَبَ، والحَشِيشَ؛ لِقَوْلِه ﷺ : "فِيما سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ" (١٧). وهذا عَامٌّ، ولأنَّ هذا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِه نَمَاءُ الأرْضِ، فأشْبَهَ الحَبَّ. وَوَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، أنَّ عُمُومَ قَوْلِه ﷺ : "فِيما سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ". وقَوْلِه ﷺ لِمُعَاذٍ: "خُذِ الْحَبَّ من الْحَبِّ" (١٨). يَقْتَضِي وُجُوبَ الزكاةِ في جَمِيعِ ما تَنَاوَلَهُ، خرَج منه ما لا يُكَالُ، وما ليسَ بِحَبٍّ، بِمَفْهُومِ قَوْلِه ﷺ : "لَيْسَ في حَبٍّ ولا تَمْرٍ صَدَقَةٌ، حتى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ والنَّسَائِيُّ (١٩).

стр. 1804

فدَلَّ هذا الحَدِيثُ على انْتِفَاءِ الزكاةِ ممَّا لا تَوْسِيقَ فيه، وهو مِكْيَالٌ، ففيما هو مَكِيلٌ يَبْقَى على العُمُومِ، والدَّلِيلُ على انْتِفَاءِ الزكاةِ ممَّا سِوَى ذلك ما ذَكَرْنَا من اعْتِبَارِ التَّوْسِيقِ. ورُوِىَ عن عليٍّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لَيْسَ فِي الخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ". وعن عائشةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لَيْسَ فيما أنبَتَتِ الْأرْضُ مِنَ الخَضِرِ صَدَقَةٌ". وعن موسى بن طَلْحَةَ، عن أبِيهِ، وعن أنَسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ مثلُه. رَوَاهُنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢٠). ورَوَى التِّرْمِذِيُّ (٢١)، بإسْنَادِهِ عن مُعَاذٍ، أنَّه كَتَبَ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُه عن الخَضْرَاوَاتِ، وهي: البُقُول، فقال: "لَيْسَ فِيهَا شَىْءٌ". وقال: يَرْوِيهِ الحسنُ بنُ عُمَارَةَ، وهو ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّه عن موسى بن طَلْحَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلٌ. وقال موسى بن طَلْحَةَ: جَاءَ الأثَرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ في خَمْسَةِ أشْيَاء: الشَّعِيرِ، والحِنْطَةِ، والسُّلْتِ، والزَّبِيبِ، والتَّمْرِ، وما سِوَى ذلك ممَّا أخْرَجَتِ الأرْضُ فلا عُشْرَ فيه (٢٢). وقال: إنَّ مُعَاذًا لم يَأخُذْ من الخَضِرِ صَدَقَةً (٢٣). ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ، أنَّ عَامِلَ عمرَ كَتَبَ إليه في كُرُومٍ، فيها من الفِرْسِكِ (٢٤) والرُّمَّانِ ما هوَ أكْثَرُ غَلَّةً من الكُرُومِ أضْعافًا، فكَتَبَ عمرُ: إنَّه ليس عليها عُشْرٌ، هي مِن العِضَاهِ (٢٥). فصل: ولا شىءَ فيما يَنْبُتُ من المُباحِ الذي لا يُمْلَكُ إلَّا بِأخْذِه، كالبُطْمِ (٢٦)، والعَفْصِ (٢٧)، والزَّعْبَلِ وهو شَعِيرُ الجَبَلِ، وبِزْرِ قَطُونَا (٢٨)، وبِزْرِ البَقْلَةِ، وحَبِّ

стр. 1805

الثُّمَامِ (٢٩)، والقَتِّ وهو بِزْرُ الأُشْنَانِ إذا أدْرَكَ وتَنَاهَى نُضْجُه حَصَلَتْ فيه مَرارَةٌ (٣٠) ومُلُوحَةٌ، وأشْبَاهِ هذا. ذَكَرَهُ ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه إنَّما يُمْلَكُ بِحِيَازَتِه، وأخْذُ الزكاةِ إنَّما تَجِبُ فيه إذا بَدَا صَلاحُهُ، وفي تلك الحَالِ لم يَكُنْ مَمْلُوكًا له، فلا يَتَعَلَّق به الوُجُوبُ، كالذي يَلْتَقِطُه اللَّقَّاطُ من السُّنْبُلِ، فإنَّه لا زكاةَ فيه. نَصَّ عليه أحمدُ. وذَكَرَ القاضي في المُبَاحِ أنَّ فيه الزكاةَ إذا نَبَتَ في أَرْضِه، ولَعَلَّه بَنَى [على هذا] (٣١) أنَّ ما نَبَتَ في أرْضِه من الكَلأ يكونُ مِلْكًا له، والصَّحِيحُ خِلافُه. فأمَّا إن نَبَتَ في أرْضِه ما يَزْرَعُه الآدَمِيُّونَ، مثل إن سَقَطَ في أرْضِ إنْسَانٍ حَبٌّ من الحِنْطَةِ أو الشَّعِيرِ، فنَبَتَ، ففيه الزكاةُ؛ لأنَّه يَمْلِكُه. ولو اشْتَرَى زَرْعًا بعدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فيه، أو ثَمَرَةً قد (٣٢) بَدَا صَلَاحُها، أو مَلَكَها بِجِهَةٍ من جِهاتِ المِلْكِ، لم تَجِبْ فيه الزكاةُ؛ لما ذَكَرنَا. فصل: ولا تَجِبُ فيما ليس بِحَبٍّ ولا ثَمَرٍ، سَوَاءٌ وُجِدَ فيه الكَيْلُ والادِّخَارُ أو لم يُوجَدْ، فلا تَجِبُ في وَرَقٍ مثل وَرَقِ السِّدْرِ والخَطْمِيِّ (٣٣) والأُشْنَانِ والصَّعْتَرِ (٣٤) والآسِ (٣٥) ونحوه؛ لأنَّه ليس بِمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ومَفْهُومُ قَوْلِه ﵇: "لَا زَكَاةَ في حَبٍّ ولا ثَمَرٍ [حَتَّى يَبْلُغ خَمْسَةَ أوسُقٍ] (٣٦) ". أنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في غَيْرِهِما. قال ابنُ عَقِيلٍ: [لا زكاةَ] (٣٧) في ثَمَرِ السِّدْرِ، فوَرَقُه أوْلَى. ولأنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في الحَبِّ المُباحِ، ففي الوَرَقِ أوْلَى. ولا زكاةَ في

стр. 1806

الأزْهارِ، كالزَّعْفَرَانِ، والعُصْفُرِ (٣٨)، والقُطْنِ؛ لأَنَّه ليس بِحَبٍّ ولا ثَمَرٍ، ولا هو بِمَكِيلٍ، فلم تَجِبْ فيه زكاة، كالخَضْرَاوَاتِ. قال أحمدُ: ليس في القُطْنِ شيءٌ. وقال: ليس في الزَّعْفَرَانِ زكاةٌ. وهذا ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيَارُ أبي بكرٍ. ورُوِيَ عن عليٍّ [﵁: ليس] (٣٩) في الفَاكِهَةِ والبَقْلِ والتَّوَابِلِ والزَّعْفَرَانِ زَكَاةٌ. وعن عمرَ أنَّه قال: إنَّما سَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الزكاةَ في الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ. وكَذَلِكَ عبد اللهِ بن عمرَ (٤٠). وحُكِىَ عن أحمدَ، في القُطْنِ والزَّعْفَرَانِ زَكَاةٌ. وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ في العُصْفُرِ والوَرْسِ (٤١) وَجْهًا، قِيَاسًا على الزَّعْفَرَانِ. والأوْلَى ما ذَكَرْنَاهُ، وهذا مُخَالِفٌ لأصُولِ أحمدَ؛ [فإنَّ الْمَرْوِيَّ] (٤٢) عنه رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُما، أنَّه لا زكاةَ إلَّا في الأرْبَعَةِ. والثانية: أنَّها إنَّما تَجِبُ في الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ والذُّرَةِ والسُّلْتِ والأُرْزِ والعَدَسِ، وكلِّ شىءٍ يَقُومُ مَقَامَ هذه حتى يُدَّخَرَ، ويَجْرِيَ فيه القَفِيزُ، مثل: اللُّوبِيا والحِمَّصِ والسَّماسِم والقِطْنِيَّاتِ؛ ففيه الزكاةُ. وهذا لا يَجْرِى فيه القَفِيزُ، ولا هو في مَعْنَى ما سَمَّاهُ. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الزَّيْتُونِ. فقال أحمدُ، في رِوايةِ ابْنِه صالِحٍ: فيه العُشْرُ إذا بَلَغَ -يعني خَمْسَةَ أَوْسُقٍ- وإن عُصِرَ قُوِّمَ ثَمَنُه؛ لأنَّ الزَّيْتَ له بَقاءٌ. وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، ومَالِكٍ، واللَّيْثِ، والثَّوْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ

стр. 1807

حَصَادِهِ﴾ (٤٣). في سِيَاقِ قَوْلِه: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ (٤٣). ولأنَّه يُمْكِنُ ادِّخَارُ غَلَّتِه، أشْبَه التَّمْرَ والزَّبِيبَ. وعن أحمدَ: لا زكاةَ فيه. وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ، وظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِيِّ. وهذا قولُ ابنِ أبِى لَيْلَى، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وأبي عُبَيْدٍ (٤٤)، وأحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه لا يُدَّخَرُ يَابِسًا، فهو كالخَضْرَاوَاتِ، والآيَةُ لم يُرَدْ بها الزكاةُ، لأنَّها مَكِّيَّةٌ، والزكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بالمَدِينَةِ، ولهذا ذُكِرَ الرُّمَّانُ ولا عُشْرَ فيه. وقال مُجَاهِدٌ: إذا حَصَدَ زَرْعَهُ ألْقَى لهم من السُّنْبُلِ، وإذا جَذَّ (٤٥) نَخْلَهُ أَلْقَى لهم من الشَّمَارِيخِ. وقال النَّخَعِيُّ وأبو جعفرٍ: هذه الآية مَنْسُوخَةٌ، على أنَّها مَحْمُولَةٌ على ما يَتَأَتَّى حَصَادُه، بِدَلِيلِ أنَّ الرّمَّانَ مَذْكُورٌ بعدَه، ولا زكاةَ فيه. اهـ. فصل: الحكم الثاني، أنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في شىءٍ من الزُّرُوعِ والثِّمَارِ حتى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ. هذا قولُ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، وجابِرٌ، وأبو أُمَامَةَ بن سَهْلٍ، وعمرُ بن عبدِ العزيزِ، وجابرُ بن زيدٍ، والحسنُ، وعطاءٌ، ومَكْحُولٌ، والحَكَمُ، والنَّخَعِيُّ، ومَالِكٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وابنُ أبي لَيْلَى، والشَّافِعِيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وسَائِرُ أهْلِ العِلْمِ. لا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَهم، إلا مُجَاهِدًا، وأبا حنيفةَ، ومن تَابَعَهُ، قالوا: تَجِبُ الزكاةُ في قَلِيلِ ذلك وكَثِيرِه؛ لِعُمُومِ قَوْلِه ﵇: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ". ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ له حَوْلٌ، فلا يُعْتَبَرُ له نِصابٌ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسة أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٦). وهذا خَاصٌّ يَجِبُ تَقْدِيمُه، وتَخْصِيصُ عُمُومِ ما رَوَوْهُ به، كما خَصَّصْنَا قولَه: "فِي سَائِمَةِ الإِبِلِ الزكاةُ" (٤٧) بِقَوْلِه: "لَيْسَ فيما

стр. 1808

دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ" (٤٨). وقَوْلَه: "في الرِّقَةِ (٤٩) رُبْعُ العُشْرِ" (٥٠) بِقَوْلِه: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ" (٤٨). ولأنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الصَّدَقَةُ، فلم تَجِبْ في يَسِيرِه كسائِرِ الأمْوَالِ الزَّكَائِيَّةِ، وإنَّما لم يُعْتَبَرِ الحَوْلُ؛ لأنَّه يَكْملُ نَمَاؤُهُ باسْتِحْصَادِهِ لا بِبَقَائِهِ، واعْتُبِرَ الحَوْلُ في غَيْرِه؛ لأنَّه مَظِنَّةٌ لِكَمَالِ النَّمَاءِ في سائِرِ الأمْوَالِ، والنِّصَابُ اعْتُبِرَ لِيَبْلُغَ حَدًّا يَحْتَمِلُ المُوَاسَاة منه، فلهذا اعْتُبِرَ فيه، يُحَقِّقُه أنَّ الصَّدَقَةَ إنَّما تَجِبُ على الأغْنِيَاءِ، بما قد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ، ولا يَحْصُلُ الغِنَى بدون النِّصَابِ، كسائِرِ الأمْوالِ الزَّكَائِيَّةِ. اهـ. فصل: وتُعْتَبَرُ خَمْسَةُ الأوْسُقِ بعدَ التَّصْفِيَةِ في الحُبُوبِ، والجَفَافِ في الثِّمَارِ، فلو كان له عَشْرَةُ أَوْسُقٍ عِنَبًا، لا يَجِىءُ منه خَمْسَةُ أَوسُقٍ زَبِيبًا، لم يَجِبْ عليه شىءٌ، لأنَّه حالُ وُجُوبِ الإخْرَاجِ منه، فاعْتُبِرَ النِّصَابُ بحَالِه. ورَوَى الأثْرَمُ عنه: أَنَّه يُعْتَبَرُ نِصابُ النَّخْلِ والكَرْمِ عِنَبًا ورُطَبًا، ويُؤْخَذُ منه مِثْلُ عُشْرِ الرُّطَبِ تَمْرًا. اخْتَارَهُ أبو بكرٍ. وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه أرادَ يُؤْخَذُ عُشْرُ ما يَجِىءُ (٥١) منه من التَّمْرِ إذا بَلَغَ رُطَبُها خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لأنَّ إِيجابَ قَدْرِ عُشْرِ الرُّطَبِ من التَّمْرِ إِيجَابٌ لأَكْثَرَ من العُشْرِ، وذلك يُخَالِفُ النَّصَّ والإجْماعَ، فلا يجوزُ أن يُحْمَلَ عليه كلامُ أحمدَ، ولا قَوْلُ إمامٍ. اهـ. فصل: والعَلَسُ: نَوْعٌ من الحِنْطَةِ يُدَّخَرُ في قِشْرِهِ، ويَزْعمُ أهْلُه أنَّه إذا أُخْرِجَ من قِشْرِه لا يَبْقَى بَقَاءَ غيْرِه من الحِنْطَةِ، ويَزْعمُونَ أنه يخرُج على النِّصْفِ فيُعْتَبَرُ

стр. 1809

نِصَابُه في قِشْرِه لِلضَّرَرِ في إخْرَاجِهِ، فإذا بَلَغَ بِقِشْرِهِ عَشرَةَ أَوْسُقٍ، ففيه العُشْرُ؛ لأنَّ فيه خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وإن شَكَكْنَا في بُلُوغِه نِصَابًا، خُيِّرَ صَاحِبُه بين إخْرَاجِ عُشْرِهِ وبين إخْرَاجِه من قِشْرِهِ، لِيُقَدِّرَهُ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ. كقَوْلِنا في مَغْشُوشِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، إذا شَكَكْنَا في بُلُوغِ ما فيهما (٥٢) نِصَابًا. ولا يجوزُ تَقْدِيرُ غيرِه من الحِنْطَةِ في قِشْرِه، ولا إخْرَاجُهُ قبل تَصْفِيَتِه؛ لأنَّ الحاجَةَ لا تَدْعُو إلى إبْقائِه (٥٣) في قِشْرِه، ولا العَادَةُ جَارِيَةٌ به، ولا يُعْلَمُ قَدْرُ ما يَخْرُجُ منه. فصل: وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّ نِصابَ الأُرْزِ مع قِشْرِه عَشرَةُ أَوْسُقٍ؛ لأنَّه يُدَّخَرُ مع قِشْرِه، وإذا أُخْرِجَ من قِشْرِهِ لم يَبْقَ بَقَاءَ ما في القِشْرِ، فهو كالعَلَسِ سَوَاءٌ فيما ذَكَرْنَا. وقال غيرُه: لا يُعْتَبَرُ نِصابُه بذلك، إلَّا أن يَقُولَ ثِقَاتٌ من أَهْلِ الخِبْرَةِ إنَّه يَخْرُجُ على النِّصْفِ فيكونُ كالعَلَسِ، ومتى لم يُوجَدْ ثِقَاتٌ يُخْبِرُونَ بهذا، أو شَكَكنَا (٥٤) في بُلُوغِه نِصَابًا، خَيَّرْنَا رَبَّهُ بين إخْرَاجِ عُشْرِهِ في قِشْرِهِ، وبين تَصْفِيَتِه لِيُعْلَمَ قَدْرُهُ مُصَفًّى، فإن بَلَغَ نِصَابًا أُخِذَ منه، وإلَّا فلَا؛ لأنَّ اليَقِينَ لا يَحْصُلُ إلَّا بذلك، فاعْتَبَرْنَاهُ كمَغْشُوشِ الأثْمانِ. اهـ. فصل: ونِصَابُ الزَّيْتُونِ خَمْسَةُ أوْسُقٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ صالِحٍ. ونِصَابُ الزَّعْفَرَانِ والقُطْنِ وما أُلْحِقَ بهما من المَوْزُونَاتِ، ألفٌ وسِتُّمائةِ رِطْلٍ بالعِرَاقِيِّ؛ لأنَّه ليس بمَكِيلٍ، فيَقُومُ وَزْنُه مَقَامَ كَيْلِه. ذَكَرَهُ القاضي، في "المُجَرَّدِ". وحُكِيَ عنه: إذا بَلَغَتْ قِيمَتُه نِصَابًا مِن أدْنَى ما تُخْرِجُه الأرْضُ ممَّا فيه الزكاةُ، ففيه الزكاةُ. وهذا قولُ أبي يوسفَ في الزَّعْفَرَانِ؛ لأنَّه لم يُمْكِنِ اعْتِبارُه بِنَفْسِه فاعْتُبِرَ بِغيرِه، كالعُرُوض تُقَوَّمُ بِأدْنَى النِّصَابَيْنِ من الأثْمانِ. وقال أصْحَابُ الشَّافِعِيِّ في الزَّعْفَرَانِ: تَجِبُ الزَّكاةُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه. ولا أعْلَمُ لهذه الأقْوَالِ

стр. 1810

دَلِيلًا، ولا أصْلًا يُعْتَمَدُ عليه. وَيرُدُّها قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَيْسَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" (٥٥). وإيجَابُ الزكاةِ في قَلِيلِه وكَثِيرِه مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ أموَالِ الزكاةِ، واعْتِبَارُه بغَيْرِه مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ ما يَجِبُ عُشْرُه، واعْتِبَارُه بأَقَلَّ ما فيه الزكاة قِيمَةً لا نَظِيرَ له أَصْلًا، وقِيَاسُه (٥٦) على العُرُوضِ لا يَصِحُّ، لأنَّ العُرُوضَ لا تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِها، وإنَّما تَجِبُ في قِيمَتِها، ويُؤَدَّى من القِيمَةِ التي اعْتُبِرَتْ بها، والقِيمَةُ يُرَدُّ إليها كُلُّ الأمْوالِ (٥٧) المُتَقَوّمَاتِ، فلا يَلْزَمُ من الرَّدِّ إليها الرَّدُّ إلى ما لم يُرَدَّ إليه شىءٌ أصْلًا، ولا تُخْرَجُ الزكاةُ منه، ولأنَّ هذا مَالٌ تُخْرَجُ الزكاةُ من جِنْسِه، فاعْتُبِرَ نِصابُه بِنَفْسِه، كالحُبُوبِ، ولأنَّه خَارِجٌ من الأرْضِ يَجِبُ فيه العُشْرُ أو نِصْفُه، فأشْبَه سَائِرَ ما يَجبُ فيه ذلك، ولأنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ، فلم يَجِبْ في قَلِيلِه وكَثِيرِه، كسَائِرِ الأمْوالِ، ولأنَّه لا نَصَّ فيما ذَكَرُوهُ، ولا إجْماعَ، ولا هو في [مَعْنَى واحدٍ منهما] (٥٨). فَوَجَبَ أن لا يُقالَ به، لِعَدَمِ دَلِيلِه. اهـ. فصل: الحُكْمُ الثَّالِثُ، أنَّ العُشْرَ يَجِبُ فيما سُقِىَ بِغيرِ مُؤْنَةٍ، كالذي يَشْرَبُ من السَّماءِ والأنْهارِ، وما يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، وهو الذي يُغْرَسُ في أرْضٍ مَاؤُها قَرِيبٌ من وَجْهِهَا، فتَصِلُ إليه عُرُوقُ الشَّجَرِ، فيَسْتَغْنِى عن سَقْي، وكذلك ما كانت عُرُوقُه تَصِلُ إلى نَهْرٍ أو سَاقِيةٍ. ونِصْفُ العُشْرِ فيما سُقِيَ بالمُؤَنِ، كالدَّوَالِي والنَّوَاضِحِ؛ لا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وهو قَوْلُ مَالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وأصْحَابِ الرَّأْيِ، وغيرِهم. والأصْلُ فيه قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ أو كان عَثَرِيًّا العُشْرُ، وما سُقِىَ بالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ".

стр. 1811

رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٩)، قال أبو عُبَيْدٍ (٦٠): العَثَرِيُّ: ما تَسْقِيهِ السَّمَاءُ، وتُسَمِّيه العَامَّةُ: العِذْيَ. وقال القاضي: هو الماءُ المُسْتَنْقِعُ في بِرْكَةٍ أو نَحْوها، يَصُبُّ إليه مَاءُ المَطَرِ في سَوَاقٍ تُشَقُّ له، فإذا اجْتَمَعَ سُقِيَ منه، واشْتِقَاقُه من العَاثُورِ، وهي السَّاقِيَةُ التي يَجْرِى فيها المَاءُ، لأنَّها يَعْثُرُ بها مَن يَمُرُّ بها. وفي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: "وَفِيمَا يُسْقَى بالسَّانِيَةِ نِصْفُ العُشْرِ" (٦١). والسَّوَانِي: هي النَّوَاضِحُ، وهي الإِبِلُ يُسْتَقَى بها لِشُرْبِ الأرْضِ. وعن مُعَاذٍ، قال: بَعَثَنِي رسولُ اللهِ ﷺ إلى اليَمَنِ، فأمَرَنِي أنْ آخُذَ ممَّا سَقَتِ السَّمَاءُ، أو سُقِيَ بَعْلًا، العُشْرَ، وما سُقِيَ بِدَالِيَةٍ، نِصْفَ العُشْرِ (٦٢). قال أبو عُبَيْدٍ (٦٣): البَعْلُ، ما شَرِبَ بِعُرُوقِهِ من غَيْرِ سَقْيٍ. وفي الجُمْلَةِ كل ما سُقِيَ بكُلْفَةٍ ومُؤنَةٍ، من دَالِيَةٍ أو سَانِيَةٍ أو دُولَابٍ أو نَاعُورةٍ أو غير ذلك، ففِيه نِصْفُ العُشْرِ، وما سُقِيَ بغَيْرِ مُؤْنَةٍ، ففيه العُشْرُ؛ لما رَوَيْنَا من الخَبَرِ، ولأنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا في إسْقاطِ الزَّكَاةِ جُمْلَةً، بِدَلِيلِ المَعْلُوفةِ (٦٤)، فبأَنْ يُؤَثِّرَ في تَخْفِيفِها أوْلَى، ولأنَّ الزكاةَ إنَّما تَجِبُ في المَالِ النَّامِى، ولِلْكُلْفَة تَأْثِيرٌ في تَقْلِيلِ (٦٥) النَّمَاءِ، فأثَّرَتْ في تَقْلِيلِ الواجِبِ فيها، ولا يُؤَثِّرُ حَفْرُ الأنْهَارِ والسَّوَاقِي في نُقْصَانِ الزكاةِ؛ لأنَّ المُؤْنَةَ تَقِلُّ، لأنَّها تكونُ من جُمْلَةِ إحْياءِ الأرْضِ ولا تَتَكَرَّرُ كُلَّ عامٍ، وكذلك لا يُؤَثِّرُ احْتِيَاجُها إلى سَاقٍ يَسْقِيها، ويُحَوِّلُ الماءَ في (٦٦)

стр. 1812

نَوَاحِيها، لأنَّ ذلك لابُدَّ منه في كُلِّ سقْيٍ بكُلْفَةٍ (٦٧)، فهو زِيَادَةٌ على المُؤْنَةِ في التَّنْقِيصِ، فجَرَى (٦٨) مَجْرَى حَرْثِ الأرْضِ وتَسْمِيتِها (٦٩). وإن كان الماءُ يَجْرِي من النَّهْرِ في سَاقِيَةٍ إلى الأرْضِ، ويَسْتَقِرُّ في مَكَانٍ قَرِيبٍ من وَجْهِهَا، لا يَصْعَدُ إلَّا بِغَرْفٍ أو دُولَابٍ، فهو من الكُلْفَةِ المُسْقِطَةِ لِنِصْفِ الزَّكَاةِ، على مَا مَرَّ؛ لأنَّ مِقْدَارَ الكُلْفَةِ وقُرْبَ الماءِ وبُعْدَه لا يُعْتَبَرُ، والضَّابِطُ لذلك هو أن يحْتَاجَ في تَرْقِيَةِ الماءِ إلى الأرْضِ بآلَةٍ من غَرْفٍ أو نَضْحٍ أو دَاليةٍ ونحو ذلك؛ وقد وُجِدَ. اهـ. فصل: فإنْ سَقَى نِصْفَ السَّنَةِ بكُلْفَةٍ، ونِصْفَها بغَيْرِ كُلْفَةٍ، ففيه ثلاثةُ أرْبَاعِ العُشْرِ. وهذا قَوْلُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما لو وُجِدَ في جَمِيعِ السَّنَةِ لأوْجَبَ مُقْتَضاه، فإذا وُجِدَ في نِصْفِها أوْجَبَ نِصْفَه، وإنْ سَقَى بأحَدِهِما أكْثَرَ من الآخَرِ اعْتُبِرَ أكْثَرُهما، فوَجَبَ مُقْتَضَاهُ، وسَقَطَ حُكْمُ الآخَرِ. نَصَّ عليه أحمدُ (٧٠). وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. وقال ابنُ حامِدٍ: يُؤْخَذُ بالقِسْطِ. وهو القولُ الثَّانِي للشَّافِعِيِّ؛ لأنَّهُما لو كانا نِصْفَيْنِ أُخِذَا (٧١) بالحِصَّةِ، فكذلك إذا كان أحَدُهما أكْثَرَ، كما لو كانتِ الثَّمَرَةُ نَوْعَيْنِ. وَوَجْهُ الأوَّل أنَّ اعْتِبَارَ مِقْدَارِ السَّقْي، وعَدَدِ مَرَّاتِه، وقَدْرِ ما يُشْرَبُ في كُلِّ سَقْيَةٍ يَشُقُّ ويَتَعَذَّرُ، فكان الحُكْمُ للأغْلَبِ منهما كالسَّوْمِ في المَاشِيَةِ. وإن جُهِلَ المِقْدَارُ، غَلَّبْنَا إيجابَ العُشْرِ احْتِيَاطًا. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ عبدِ اللهِ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ العُشْرِ، وإنَّما يَسْقُطُ بِوُجُودِ (٧٢) الكُلْفَةِ، فما لم يَتَحَقَّق المُسْقِطُ يَبْقَى على الأَصْلِ، ولأنَّ الأصْلَ

стр. 1813

عَدَمُ الكُلْفَةِ في الأكْثَرِ، فلا يَثْبُتُ وُجُودُها مع الشَّكِّ فيه، وإن اخْتَلَفَ السَّاعِي ورَبُّ المَالِ، في أيِّهما سُقِيَ به أكْثَرَ، فالقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ المَالِ بغيرِ يَمِينٍ، فإنَّ النَّاسَ لا يُسْتَحْلَفُونَ على صَدَقَاتِهم. اهـ. فصل: وإذا كان لِرَجُلٍ حَائِطانِ، سَقَى (٧٣) أحَدَهُما بِمُؤْنَةٍ، والآخَرَ بغيرِ مُؤْنَةٍ، ضَمَّ غَلَّةَ أحَدِهما إلى الآخَرِ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ، وأخْرَجَ (٧٤) مَن الذي سُقِيَ بغيرِ مُؤْنَةٍ عُشْرَه، ومن الآخَر نِصْفَ عُشْرِه، كما يَضُمُّ أحَدَ النَّوْعَيْنِ إلى الآخَرِ، ويُخْرِجُ من كلِّ وَاحِدٍ منهما ما وَجَبَ فيه. ٤٤١ - مسألة؛ قال: (والْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، والصَّاعُ خمْسَةُ أرْطَالٍ وثُلُثٌ بالعِرَاقِيِّ) أمَّا كَوْنُ الوَسْقِ سِتِّينَ صَاعًا، فلا خِلافَ فيه. قال ابنُ المُنْذِرِ: هو قولُ كلِّ مَن يُحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، عن سلمَةَ بن صَخْرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "الوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا". ورَوَى أبو سَعِيدٍ، وجَابِرٌ، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذلك. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١). وأمَّا كَوْنُ الصَّاعِ خَمْسَةَ أرْطَالٍ وثُلُثًا ففيه اخْتِلافٌ ذَكَرْنَاهُ في كتاب الطَّهَارَةِ (٢)، وبَيَّنَّا أَنَّه خَمْسَةُ أرْطَالٍ وثُلُثٌ بالعِرَاقِيِّ، فيكونُ مَبْلَغُ الخَمْسَةِ الأوْسُقِ ثَلَاثَمائة صَاعٍ، وهو ألْف وسِتُّمائةِ رَطْلٍ بالعِرَاقِيِّ، والرَّطْلُ العِرَاقِيُّ: مائةٌ وثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا وأرْبَعَةُ أسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَوَزْنُه بالمَثَاقِيلِ

стр. 1814

سَبْعُونَ مِثْقَالًا، ثم زِيدَ في الرِّطْلِ مِثْقَالٌ آخَرُ، وهو دِرْهَمٌ وثَلَاثَةُ أسْبَاعِ دِرْهَمٍ (٣) فصارَ إحْدَى وسَبْعين مِثْقَالًا، وكَمَلتْ زِنَتُه بالدَّرَاهِمِ مائةً وثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، والاعْتِبارُ بالأوَّل قبلَ الزِّيَادَةِ، فيَكُونُ الصَّاعُ بالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ، الذي هو سِتُّمائةِ دِرْهَمٍ، رَطْلًا وسُبْعًا، وذلك أوقِيَّةٌ وخَمْسَةُ أسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ، ومَبْلَغُ الخَمْسَةِ (٤) الأوْسُقِ بالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ، ثَلَاثُمائةِ رَطْلٍ واثْنَانِ وأرْبَعُونَ رَطْلًا وعَشْرُ أوَاقٍ وسُبْعُ أُوقِيَّةٍ، وذلك سِتَّةُ أسْباعِ رَطْلٍ. فصل: والنِّصابُ مُعْتَبَرٌ بالكَيْلِ، فإنَّ الأوْساقَ مَكِيلَةٌ، وإنَّما نُقِلَتْ إلى الوَزْنِ لِتُضْبَطَ وتُحْفَظَ وتُنْقَلَ، ولذلك تَعَلَّقَ وُجُوبُ الزكاةِ بالمَكِيلاتِ دون المَوْزُوناتِ، والمَكِيلاتُ تَخْتَلِفُ في الوَزْنِ، فمنها الثَّقِيلُ، كالحِنْطَةِ والعَدَسِ. ومنها الخَفِيفُ، كالشَّعِيرِ والذُّرَةِ، ومنها المُتَوَسِّطِ. وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أرْطَالٍ وثُلُثٌ من الحِنْطَةِ. ورَوَى جَمَاعَةٌ عنه، أنَّه قال: الصَّاعُ وَزَنْتُه فوَجَدْتُه خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وثُلُثَيْ رِطْلٍ حِنْطَةً. وقال حَنْبَلٌ: قال أحمدُ: أخَذْتُ الصَّاعَ من أبي النَّضْرِ (٥)، وقال أبو النَّضرِ: أَخَذْتُه من ابْنِ أبي ذِئْبٍ. وقال: هذا صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ الذي يُعْرَفُ بالمَدِينَةِ. قال أبو عبدِ اللهِ، فأَخَذْنَا العَدَسَ، فعَيَّرنا (٦) به، وهو أَصْلَحُ ما يُكَالُ به، لأنَّه لا يَتَجَافَى عن مَوَاضِعِه، فكِلْنَا به [ثم وَزَنَّاهُ] (٧)، فإذا هو خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثُلُثٌ. [قال: هذا أصْلَحُ] (٨) ما وَقَفْنَا عليه، وما بُيِّنَ لنا من صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ . وقال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: أجْمَعَ أهْلُ الحَرَمَيْنِ على أنَّ مُدَّ النَّبِيِّ

стр. 1815

- ﷺ رِطْلٌ وثُلُثٌ قَمْحًا من أَوْسَطِ القَمْحِ، فمتى بَلَغَ القَمْحُ ألْفًا وسِتَّمائةِ رِطْلٍ، ففيه الزكاةُ. وهذا يَدُلُّ على أنَّهُم قَدَّرُوا الصَّاعَ بالثَّقِيلِ، فأمَّا الخَفِيفُ فَتَجِبُ الزكاةُ فيه، إذا قَارَبَ هذا وإن لم يَبْلُغْهُ. ومتى شَكَّ في وُجُوبِ الزكاةِ فيه، ولم يُوْجَدْ مِكْيَالٌ يُقَدِّرُ به، فالاحْتِيَاطُ الإخْرَاجُ، وإن لم يُخْرِجْ فلا حَرَجَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الزكاةِ، فلا تَجِبُ بالشَّكِّ. فصل: قال القاضي: وهذا النِّصَابُ مُعْتَبَرٌ تَحْدِيدًا، فمتى نقَص شيئًا، لم تَجِب الزكاةُ، لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" (٩). والنَّاقِصُ عنها لم يَبْلُغْها، إلَّا أن يكونَ نَقْصًا يَسِيرًا يَدْخُلُ في المَكَايِيلِ، كالأُوقِيَّةِ ونَحْوِهَا، فلا عِبْرَةَ به؛ لأنَّ مِثْلَ ذلك يجوزُ أن يَدْخُلَ في المَكايِيلِ، فلا يَنْضَبِطُ، فهو كنَقْصِ الحَوْلِ ساعَةً أو ساعَتَيْنِ. فصل: ولا وَقَصَ (١٠) في نِصَابِ الحُبُوبِ والثِّمَارِ، بل مهما زادَ على النِّصابِ أخْرَجَ منه بالحِسَابِ، فيُخْرِجُ عُشْرَ جَمِيعِ ما عِنْدَهُ. فإنَّه لا ضَرَرَ في تَبْعِيضِه، بِخِلافِ المَاشِيَةِ، فإنَّ فيها ضَرَرًا، على ما تَقَدَّمَ. فصل: وإذا وَجَبَ عليه عُشْرٌ مَرَّةً، لم يَجِبْ عليه عُشْرٌ آخَرُ، وإن حَالَ عندَه أحْوَالًا؛ لأنَّ هذه الأمْوَالَ غَيْرُ مُرْصَدَةٍ لِلنَّمَاءِ في المُسْتَقْبَلِ، بل هي إلى النَّقْصِ أقْرَبُ، والزكاةُ إنَّما تَجِبُ في الأشْياءِ النَّامِيَةِ، لِيُخْرِجَ من النَّمَاءِ، فيكُونُ أسْهَلَ. فإن اشْتَرَى شَيْئًا من ذلك لِلتِّجَارَةِ صارَ عَرْضًا، تَجِبُ فيه زَكَاةُ التِّجَارَةِ إذا حَالَ عليه الحَوْلُ. واللَّه أعلمُ. فصل: وَوَقْتُ وُجُوبِ الزكاةِ في الحَبِّ إذا اشْتَدَّ، وفي الثَّمَرَةِ إذا بَدَا صَلاحُها. وقال ابنُ أبي موسى: تَجِبُ زكاةُ الحَبِّ يَوْمَ حَصَادِهِ؛ لِقَوْلِ اللهِ

стр. 1816

تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١١). وفائِدَةُ الخِلَافِ أنَّه لو تَصَرَّفَ في الثَّمَرَةِ أو الحَبِّ قَبْلَ الوُجُوبِ، لا شىءَ عليه؛ لأنَّه تَصَرَّفَ فيه قبلَ الوُجُوبِ، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ السَّائِمَةَ أو بَاعَها قبلَ الحَوْلِ، وإن تَصَرَّفَ فيها بعدَ الوُجُوبِ لم تَسْقُط الزكاةُ عنه، كما لو فَعَلَ ذلك في السَّائِمَةِ، ولا يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ على كِلَا القَوْلَيْنِ حتى تَصِيرَ الثَّمَرَةُ في الجَرِينِ (١٢)، والزَّرْعُ في البَيْدَرِ، ولو تَلِفَ قبلَ ذلك بغيرِ إتْلَافِه أو تَفْرِيطٍ منه فيه، فلا زَكَاةَ عليه. قال أحمدُ: إذا خُرِصَ وتُرِكَ في رُءُوسِ النَّخْلِ، فعليهم حِفْظُهُ، فإن أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَذَهَبَتِ الثَّمَرَةُ، سَقَطَ عنهم الخَرْصُ، ولم يُؤْخَذُوا به. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، على أنَّ الخَارِصَ إذا خَرَصَ الثَّمَرَةَ (١٣)، ثم أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فلا شىءَ عليه إذا كان قبلَ الجَذَاذِ، ولأنَّه قبلَ الجَذَاذِ في حُكْمِ ما لا تَثْبُتُ اليَدُ عليه، بِدَلِيلِ أنَّه لو اشْتَرَى ثَمَرَةً فَتَلِفَتْ بجَائِحَةٍ، رَجَعَ بها على البَائِعِ، وإن تَلِفَ بعضُ الثَّمَرَةِ، فقال القاضي: إنْ كان البَاقِي نِصَابًا ففيه الزكاةُ، وإلَّا فَلَا. وهذا القولُ يُوَافِقُ قَوْلَ مَن قال: لا تَجِبُ الزكاةُ فيه إلَّا يَوْمَ حَصَادِهِ؛ لأنَّ وُجُوبَ النِّصابِ شَرْطٌ في الوُجُوبِ، فمتى لم يُوجَدْ وَقْتَ الوُجُوبِ لم يَجِبْ. وأمَّا مَن قال: إنَّ الوُجُوبَ يَثْبُتُ (١٤) إذا بَدَا الصَّلَاحُ واشْتَدَّ الحَبُّ، فقِياسُ قولِه: إن تَلِفَ البَعْضُ. إن كان قبلَ الوُجُوبِ، فهو كما قال القاضي، وإن كان بعدَه، وَجَبَ في البَاقِي بِقَدْرِهِ، سَوَاءٌ كان نِصابًا أو لم يَكُن نِصَابًا؛ لأنَّ الْمُسْقِطَ اخْتَصَّ بالبَعْضِ، فاخْتَصَّ السُّقُوطُ به، كما لو تَلِفَ بعضُ نِصابِ السَّائِمَةِ

стр. 1817

بعدَ وُجُوبِ الزَّكاةِ فيها. وهذا فيما إذا تَلِفَ بغَيْرِ تَفْرِيطِه [ولا عُدْوانِه] (١٥). فأما إنْ أتْلَفَها، أو تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِه أو عُدْوَانِه بعدَ الوُجُوبِ، لم تَسقُطْ عنه الزكاةُ، وإن كان قبلَ الوُجُوبِ، سَقَطَتْ، إلَّا أن يَقْصِدَ بذلك الفِرَارَ من الزكاةِ، فيَضْمَنُها، ولا تَسْقُطُ عنه. ومتى ادَّعَى رَبُّ المَالِ تَلَفَها بغيرِ تَفْرِيطِه، قُبِلَ قَوْلُه من غيرِ يَمِينٍ، سَوَاءٌ كان ذلك قبلَ الخَرْصِ أو بعدَه، ويُقْبَلُ قَوْلُه أيضًا في قَدْرِها بغيرِ يَمِينٍ. وكذلك في سائِرِ الدَّعَاوَى. قال أحمدُ: لا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ على صَدَقَاتِهم. وذلك لأنَّه حَقٌّ للهِ تعالى، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالصلاةِ والحَدِّ. فصل: وإن جَذَّهَا وأحْرَزَها (١٦) في الجَرِينِ، أو جَعَلَ الزَّرْعَ في البَيْدَرِ، اسْتَقَرَّ وُجُوبُ الزكاةِ عليه، عندَ مَن لم يَرَ التَّمَكُّنَ من الأدَاءِ شَرْطًا في اسْتِقْرَارِ الوُجُوبِ. فإن تَلِفَتْ بعدَ ذلك، لم تَسْقُطِ الزَّكاةُ عنه، وعليه ضَمَانُها، كما لو تَلِفَ نِصابُ السَّائِمَةِ أو الأثْمَانِ بعد الحَوْلِ. وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، في كَوْنِ التَّمَكُّنِ من الأدَاءِ مُعْتَبَرًا، لا يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ فيها حتى تَجِفَّ الثَّمَرَةُ، ويُصَفَّى الحَبُّ، ويَتَمَكَّنَ من أدَاءِ حَقِّهِ، فلا يَفْعَلُ، وإن تَلِفَ قبلَ ذلك، فلا شىءَ عليه، على ما ذَكَرْنَا في غيرِ هذا. فصل: ويَصِحُّ تَصَرُّفُ المالِكِ في النِّصَابِ قبلَ الخَرْصِ، وبعدَه، بالبَيْعِ والهِبَةِ وغَيْرهِما. فإنْ بَاعَهُ أو وَهَبَهُ بعدَ بُدُوِّ صَلَاحِه، فصَدَقَتُه على البَائِعِ والوَاهِبِ. وبهذا قال الحسنُ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ. وبه قال اللَّيْثُ، إلَّا أن يَشْتَرِطَها على المُبْتَاعِ، وإنَّما وَجَبَتْ على البَائِعِ؛ لأنَّها كانتْ وَاجِبَةً عليه قبلَ البَيْعِ فبَقِيَ على ما كان عليه، وعليه إخْرَاجُ الزكاةِ من جِنْسِ المَبِيعِ والمَوْهُوبِ. وعن أحمدَ، أَنَّه مُخَيَّرٌ بين أن يُخْرِجَ ثَمَرًا أو من الثَّمَنِ. قال القاضي: والصَّحِيحُ

стр. 1818

أنَّ عليه عُشْرَ الثَّمَرَةِ؛ فإنَّه لا يجوزُ إخْرَاجُ القِيمَةِ في الزكاةِ، على صَحِيحِ المذهبِ، ولأنَّ عليه القِيَامَ بالثَّمَرَةِ حتى يُؤَدِّيَ الوَاجِبَ منها ثَمَرًا، فلا يَسْقُطُ ذلك عنه بِبَيْعِها ولا هِبَتِها. ويَتَخَرَّجُ أن تَجِبَ الزكاةُ على المُشْتَرِى، على قَوْلِ من قال: إن الزكاةَ إنَّما تَجِبُ يَوْمَ حَصادِهِ، لأنَّ الوُجُوبَ إنَّما تَعَلَّقَ بها في مِلْكِ المُشْتَرِى، فكان عليه. ولو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ثم بَدَا صَلاحُها في يَدِ المُشْتَرِي على وَجْهٍ صَحِيحٍ، مثل أنْ يَشْتَرِىَ شجرةً (١٧) مُثْمِرَةً، ويَشْتَرِطَ ثَمَرَتَهَا، أو وُهِبَتْ (١٨) له ثَمَرَةٌ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فبَدَا صَلاحُها في يَدِ [المُشْتَرِي أو] (١٩) المُتَّهِبِ، أو وَصَّى له بِثَمَرَةٍ (٢٠) فَقَبِلَها بعدَ مَوْتِ المُوصِي، ثم بَدَا صَلاحُها، فالصَّدَقَةُ عليه؛ لأنَّ سَبَبَ الوُجُوبِ وُجِدَ في مِلْكِهِ، فكان عليه، كما لو اشْتَرَى سَائِمَةً أو اتَّهَبَها، فحَالَ الْحَوْلُ عليها عِنْدَهُ. اهـ. فصل: وإذا اشْتَرَى ثَمَرَةً (٢٠) قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فتَرَكَها حتى بَدَا صَلاحُها، فإن لم يَكُنْ شَرَطَ القَطْعَ، فالبَيْعُ بَاطِلٌ، وهي بَاقِيَةٌ على مِلْكِ البائِعِ، وزكاتُها عليه، وإن شَرَطَ القَطْعَ، فقد رُوِيَ أنَّ البَيْعَ يبْطُلُ (٢١) أيضًا، ويكونُ الحُكْمُ فيها كما لو لم يَشْتَرِط القَطْعَ، وَرُوِيَ أنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ، ويَشْتَرِكَانِ في الزِّيَادَةِ. فعلى هذا يكونُ على المُشْتَرِي زكاةُ حِصَّتِه منها إن بَلَغَتْ نِصَابًا، فإن لم يَكُنِ المُشْتَرِي من أهْلِ الزكاةِ، كالمُكاتَبِ والذِّمِّيِّ، فلا زكاةَ (٢٢) فيها (٢٣)، وإن عادَ البائِعُ فَاشْتَرَاها بعدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أو غَيْرِه، فلا زكاةَ فيها، إلَّا أن يكونَ قَصَدَ بِبَيْعِهَا الفِرَارَ من الزكاةِ،

стр. 1819

فلا تَسْقُطُ. فصل: وإن تَلِفَتِ الثَّمَرَةُ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، أو الزَّرْعُ قبل اشْتِدَادِ الحبِّ، فلا زكاةَ فيه. وكذلك إن أَتْلَفَهُ المالِكُ، إلَّا أن يَقْصِدَ الفِرَارَ من الزكاةِ، وسَوَاءٌ قَطَعَها لِلأكْلِ، أو لِلتَّخْفِيفِ عن النَّخِيلِ لِتَحْسِينِ بَقِيَّةِ الثَّمَرَةِ، أو حِفْظِ الأُصُولِ (٢٤) إذا خافَ عليها العَطَشَ أو ضَعْفَ الْجُمَّار (٢٥)، فقَطَعَ الثَّمَرَةَ أو بَعْضَها، بحيثُ نَقَصَ النِّصابُ، أو قَطَعَها لغير غَرَضٍ، فلا زكاةَ عليه؛ لأنَّها تَلِفَتْ قبلَ وُجُوبِ الزكاةِ، وتَعَلُّقِ حَقِّ الفُقَرَاءِ بها، فأشْبَهَ ما لو هَلَكَتِ السَّائِمَةُ قبلَ الحَوْلِ، وإن قَصَدَ بقَطْعها الفِرَارَ من الزكاةِ، لم تَسْقُطْ عنه؛ لأنَّه قَصَدَ قَطْعَ حَقِّ مَن انْعَقَدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِه، فلم تَسْقُطْ، كمَن (٢٦) طَلَّقَ امْرَأتَه في مَرَضِ مَوْتِهِ. فصل: ويَنْبَغِي أن يَبْعَثَ الإمامُ سَاعِيَه إذا بَدَا صَلَاحُ الثِّمَارِ، لِيَخْرُصَهَا، ويَعْرِفَ قَدْرَ الزكاةِ ويُعَرِّفَ المالِكَ ذلك. ومِمَّنْ كان يَرَى الخَرْصَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وسَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ (٢٧)، ومَرْوَانُ (٢٨)، والقاسمُ بنُ محمدٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، وعبدُ الكريمِ بنُ أبي المُخَارِقِ (٢٩)، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ أنَّ الخَرْصَ بِدْعَةٌ. وقال أهْلُ الرَّأْيِ: الخَرْصُ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ، لا يَلْزَمُ به حُكْمٌ،

стр. 1820

وإنَّما كان الخَرْصُ تَخْوِيفًا لِلأَكَرَةِ (٣٠) لئلَّا يَخُونُوا، فأمَّا أن يَلْزَمَ به حُكْمٌ، فلا. ولَنا، ما رَوَى الزُّهْرِيُّ، عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، عن عَتَّابِ بنِ أسِيدٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَبْعَثُ على النَّاسِ مَن يَخْرُصُ عليهم كُرُومَهم وثِمَارَهم. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابْنُ مَاجَه، والتِّرْمِذِيُّ (٣١). وفي لَفْظٍ عن عَتَّابٍ، قال: أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ، كما يُخْرَصُ النَّخْلُ، وتُؤْخَذَ زَكَاتُه زَبِيبًا، كما تُؤْخَذُ زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا (٣٢). وقد عَمِلَ به النَّبِيُّ ﷺ فخَرَصَ على امْرَأَة بِوَادِي القُرَى (٣٣) حَدِيقَةً لها. رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ، في "مُسْنَدِهِ" (٣٤). وعَمِلَ به أبو بكرٍ [والخُلَفَاءُ بعدَه] (٣٥). وقالتْ عائشةُ، وهي تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَر: كان النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ إلى يَهُودَ، فَيَخْرُصُ عليهم النَّخْلَ حين يَطِيبُ قبلَ أن يُؤْكَلَ منه (٣٦). رَوَاه أبو

стр. 1821

دَاوُدَ (٣٧). وقَوْلُهُم: هو ظَنٌّ. قُلْنا: بل هو اجْتِهَادٌ في مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ وإدْرَاكِه بالخَرْصِ، الذي هو نَوْعٌ من المَقَادِيرِ والمَعَايِيرِ، فهو كتَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ. وَوَقْتُ الخَرْصِ حين يَبْدُو الصَّلاحُ (٣٨)، لِقَوْلِ عائشةَ، ﵂: كان (٣٩) يَبْعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ، فَيَخْرُصُ عليهم النَّخْلَ حين يَطِيبُ، قبلَ أن يُؤْكَلَ منه. ولأنَّ فائِدَةَ الخَرْصِ مَعْرِفَةُ الزكاةِ، وإطْلاقُ أَرْبابِ الثِّمارِ في التَّصَرُّفِ فيها، والحاجَةُ إنَّما تَدْعُو إلى ذلك حين يَبْدُو الصَّلاحُ، وتَجِبُ الزكاةُ فيه (٤٠). فصل: ويُجْزِئُ خَارِصٌ وَاحِدٌ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَبْعَثُ ابنَ روَاحَةَ، فيَخْرُصُ، ولم يَذْكُرْ معه غيرَه، ولأنَّ الخَارِصَ يَفْعَلُ ما يُؤَدِّيه اجْتِهَادُهُ إليه، فهو كالحاكِمِ والقائِفِ، ويُعْتَبَرُ في الخارِصِ أن يكونَ أمِينًا غيرَ مُتَّهَمٍ. فصل: وصِفَةُ الخَرْصِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الثَّمَرَةِ (٤١)، فإنْ كان نَوْعًا واحِدًا، فإنَّه يُطِيفُ بكلِّ نَخْلَةٍ أو شَجَرَةٍ، ويَنْطُرُ كَم في الجَمِيعِ رُطَبًا أو عِنَبًا، ثم يُقَدِّرُ ما يجىءُ منها (٤٢) تَمْرًا، وإنْ كان أنوَاعًا خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ على حِدَتِه؛ لأنَّ الأنْواعَ تَخْتَلِفُ، فمنها ما يَكْثُرُ رُطَبُهُ ويَقِلُّ تَمْرُهُ، ومنها ما يكونُ بِالعَكْسِ، وهكذا العِنَبُ، ولأنَّه يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِ كُلِّ نَوْعٍ، حتى يُخْرِجَ عُشْرَهُ، فإذا خَرَصَ

стр. 1822

على المالِكِ، وعَرَّفَهُ قَدْرَ الزكاةِ، خَيَّرَهُ بينَ أن يَضْمَنَ قَدْرَ الزكاةِ، ويَتَصَرَّفَ فيها بما شاءَ من أكْلٍ وغَيْرِه، وبينَ حِفْظِها إلى وَقْتِ الجَذَاذِ والجَفَافِ، فإن اخْتَارَ حِفْظَها ثم أتْلَفَها أو تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِه، فعليه ضَمَانُ نَصِيبِ الفُقَرَاءِ بِالخَرْصِ، وإنْ أتْلَفَها أجْنَبِيٌّ، فعليه قِيمَةُ ما أتْلَفَ. والفَرْقُ بينهما أنَّ رَبَّ المالِ وَجَبَ عليه تَجْفِيفُ هذا الرُّطَبِ، بخِلافِ الأجْنَبِيِّ، ولهذا قُلْنَا في مَن أتْلَفَ أُضْحِيتَهُ المُعَيَّنَةَ (٤٣): عليه أُضْحِيَةٌ مَكَانَها. وإن أتْلَفَها أجْنَبِيٌّ فعليه قِيمَتُها. وإن تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ من السَّماءِ، سَقَطَ عنهم الخَرْصُ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها تَلِفَتْ قبل اسْتِقْرَارِ زكاتِها، وإن ادَّعَى تَلَفَها بِغيرِ تَفْرِيطِه، فالقَوْلُ قَوْلُه بغيرِ يَمِينٍ، [على ما] (٤٤) تَقَدَّمَ، وإن حَفِظَها إلى وَقْتِ الإخْراجِ، فعليه زكاةُ المَوْجُودِ لا غيرُ، سَواءٌ اخْتَارَ الضَّمانَ، أو حَفِظَها على سَبِيلِ الأمانَةِ، وسَواءٌ كانت أكْثَرَ ممَّا خَرَصَهُ الخارِصُ أو أقَلَّ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: يَلْزَمُهُ ما قال الخَارِصُ، زَادَ أو نَقَصَ، إذا كانَتِ الزكاةُ مُتَقَارِبَةً؛ لأنَّ الحُكْمَ انْتَقَلَ إلى ما قال السَّاعِي، بِدَلِيلِ وُجُوبِ ما قال عندَ تَلَفِ المالِ. ولَنا، أنَّ الزكاةَ أمَانَةٌ، فلا تَصِيرُ مَضْمُونَةٌ بالشَّرْطِ كالوَدِيعَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الحُكْمَ انْتَقَلَ إلى ما قالَ (٤٥) السَّاعِي، وإنَّما يُعْمَلُ بِقَوْلِه إذا تَصَرَّفَ في الثَّمَرَةِ، ولم يَعْلَمْ قَدْرَها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ إصابَتُه. قال أحمدُ: إذا خَرَصَ على الرَّجُلِ، فإذا فيه فَضْلٌ كَثِيرٌ، مثل الضَّعْفِ، تَصَدَّقَ بالفَضْلِ؛ لأنَّه يَخْرُصُ بالسَّوِيَّةِ. وهذه الرِّوَايَةُ تَدُلُّ على مِثْلِ قَوْلِ مالِكٍ. وقال: إذا تَجَافَى السُّلْطَانُ عن شيْءٍ من العُشْرِ، يُخْرِجُه فيُؤَدِّيه. وقال: إذا حَطَّ من الخَرْصِ عن الأرْضِ، يَتَصَدَّقُ بِقَدْرِ ما نَقَصُوهُ من الخَرْصِ. وإن أخَذَ منهم أكْثَرَ من الوَاجِبِ عليهم، فقال أحمدُ: يُحْتَسَبُ لهم من الزكاةِ لِسَنَةٍ أُخْرَى. ونَقَلَ عنه أبو دَاوُدَ: لا يُحْتَسَبُ بالزِّيادَةِ، لأنَّ

стр. 1823

هذا غَاصِبٌ. وقال أبو بكرٍ: وبهذا أقُولُ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْمَعَ بين الرِّوَايَتَيْنِ، فيُحْتَسَبُ به إذا نَوَى صَاحِبُه به التَّعْجِيلَ، ولا يُحْتَسَبُ به إذا لم يَنْوِ ذلك. فصل: وإن ادَّعَى رَبُّ المالِ غَلَطَ الخارِصِ، وكان ما ادَّعاهُ مُحْتَمِلًا، قُبِلَ قَوْلُه بغيرِ يَمِينٍ، وإن لم يَكُنْ مُحْتَمِلًا، مِثْلَ أن يَدَّعِيَ (٤٦) غَلَطَ النِّصْفِ ونَحْوِه، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُ، فيُعْلَمُ كَذِبُه. وإن قال: لم يَحْصُلْ في يدي غيرُ كذا (٤٧). قُبِلَ منه بِغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّه قد يَتْلَفُ بَعْضُها بآفَةٍ لا نَعْلَمُها. فصل: وعلى الخارِصِ أن يَتْرُكَ في الخَرْصِ الثُّلُثَ أو الرُّبُعَ، تَوْسِعَةً على أربابِ الأمْوالِ؛ لأنَّهم يَحْتاجُونَ (٤٨) إلى الأكْلِ هم وأضْيَافُهم، ويُطْعِمُونَ جِيرَانَهم وأهْلَهم وأصْدِقَاءَهم وسُؤَّالَهم. ويكونُ في الثَّمَرَةِ السُّقاطةُ (٤٩)، ويَنْتَابُها الطَّيْرُ، وتَأْكُلُ منها (٥٠) المارَّةُ، فلو اسْتَوْفَى الكُلَّ منهم أضَرَّ بهم. وبهذا قال إسحاقُ، ونحوَه قال اللَّيْثُ، وأبو عُبَيْدٍ. والمَرْجِعُ في تَقْدِيرِ المَتْرُوكِ إلى السَّاعِى بِاجْتِهادِه، فإن رَأى الأكَلَةَ كَثِيرًا تَرَكَ الثُّلُثَ، وإن كانوا قَلِيلًا تَرَكَ الرُّبُعَ؛ لما رَوَى سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يقول: "إذا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا ودَعُوا الثُّلُثَ، فإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ". رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ، وأبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، والتِّرمِذِيُّ (٥١). ورَوَى أبو عُبَيْدٍ (٥٢)، بإسْنَادِهِ عن مَكْحُولٍ، قال: كان رسولُ

стр. 1824

اللهِ ﷺ إذا بَعَثَ الخُرَّاصَ قال: "خَفِّفُوا عَلَى النَّاسِ، فَإنَّ في الْمَالِ الْعَرِيَّةَ والْوَاطِئَةَ والأكَلَةَ". قال أبو عُبَيْدٍ: الوَاطِئَةُ: السَّابِلَةُ سُمُّوا بذلك لِوَطْئِهِم بِلادَ الثِّمَارِ مُجْتَازِينَ. والأكَلَةُ: أَرْبَابُ الثِّمَارِ وأهْلُوهم، ومَن لَصِقَ بهم. ومنه حَدِيثُ سَهْلٍ في مالِ سَعْدِ بن أبي سَعْدٍ، حين قال: لَوْلَا أَنِّي وَجَدْتُ فيه أرْبَعِينَ عَرِيشًا، لَخَرَصْتُه تِسْعَمائةِ وَسْقٍ، وكانت تلك العُرُشُ لِهؤلاءِ الأكَلَةِ (٥٣). والعَرِيَّةُ: النَّخْلَةُ أو النَّخلَاتُ يَهَبُ إنْسَانًا ثَمَرَتَها. فجاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لَيْسَ فِي العَرَايَا صَدَقَةٌ" (٥٤). ورَوَى ابْنُ المُنْذِرِ، عن عمَرَ، ﵁، أنَّه قال لِسَهْلِ بنِ أبي (٥٥) حَثْمةَ: إذا أتَيْتَ على نَخْلٍ قد حَضَرَها (٥٦) قَوْمٌ، فدَعْ لهم ما يَأْكُلُونَ (٥٧). والحُكْمُ في العِنَبِ كالحُكْمِ في النَّخِيلِ سواءٌ، فإن لم يَتْرُكْ لهم الخارِصُ شيئا، فلهم الأكْلُ بقَدْرِ ذلك، ولا يُحْتَسَبُ عليهم به. نَصَّ عليه؛ لأنَّه حَقٌّ لهم، فإن لم يُخْرِج الإمامُ خَارِصًا، فاحْتَاجَ رَبُّ المَالِ إلى التَّصَرُّفِ في الثَّمَرَةِ، فأخْرَجَ خَارِصًا، جازَ أن يَأْخُذَ بِقَدْرِ ذلك. ذَكَرَهُ القاضي. وإن خَرَصَ هو وأخَذَ بِقَدْرِ ذلك، جازَ. ويَحْتَاطُ في أنْ لا يَأْخُذَ أكْثَرَ مِمَّا له أخْذُهُ. فصل: ويُخْرَصُ النَّخْلُ والكَرْمُ؛ لما رَوَيْنَا من الأثَرِ فيهما، ولم يُسْمَعْ بِالخَرْصِ في غيرِهما، فلا يُخْرَصُ الزَّرْعُ [في سُنْبُلِه] (٥٨). وبهذا قال عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ،

стр. 1825

ومَالِكٌ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بِالخَرْصِ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، لأنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ والكَرْمِ تُؤْكَلُ رُطَبًا، فَيُخْرَصُ على أَهْلِه لِلتَّوْسِعَةِ عليهم، لِيُخَلِّيَ بينهم وبين أكْلِ الثَّمَرَةِ والتَّصَرُّفِ فيها، ثم يُؤَدُّونَ الزكاةَ منها على ما خُرِصَ، ولأنَّ ثَمَرَةَ الكَرْمِ والنَّخْلِ ظَاهِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فخَرْصُهَا أسْهَلُ من خَرْصِ (٥٩) غيرِها، وما عَدَاهما فلا يُخْرَصُ، وإنَّما على أهْلِه فيه الأمَانَةُ إذا صَارَ مُصَفًّى يَابسًا، ولا بَأْسَ أن يَأْكُلُوا منه ما جَرَتِ العادَةُ بِأكْلِه، ولا يُحْتَسَبُ عليهم. [وقد سُئِلَ أحمدُ عَمَّا يَأْكُلُ] (٦٠) أرْبَابُ الزُّرُوعِ من الفَرِيكِ؟ قال: لا بَأْسَ به أن يَأْكُلَ منه صَاحِبُه ما يَحْتَاجُ إليه. وذلك لأنَّ العادَةَ جَارِيَةٌ به، فأشْبَه ما يَأْكُلُه أرْبابُ الثِّمَارِ من ثِمَارِهم، فإذا صُفِّيَ الحَبُّ أخْرَجَ زكاةَ المَوْجُودِ كُلِّه، ولم يُتْرَكْ منه شىءٌ؛ لأنَّه إنَّما تُرِكَ لهم في الثَّمَرَةِ شىءٌ لِكَوْنِ النُّفُوسِ تَتُوقُ إلى أكْلِها رَطْبَةً، والعادَةُ جَارِيَةٌ به، وفي الزَّرْعِ إنَّما يُؤْكَلُ شيءٌ يَسِيرٌ، لا وَقْعَ له. فصل: ولا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، ولا غيرُ النَّخْلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ حَبَّهُ مُتَفَرِّقٌ في شَجَرِهِ، مَسْتُورٌ بِوَرَقِه، ولا حاجَةَ بأهْلِه إلى أكْلِه، بخِلافِ النَّخْلِ والكَرْمِ، فإنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ مُجْتَمِعَةٌ في عُذُوقِه، والعِنَبِ في عَنَاقِيدِه، فيُمْكِنُ أن يَأْتِيَ الخَرْصُ عليه، والحاجَةُ دَاعِيَةٌ إلى أكْلِهِما في حَالِ رُطُوبَتِهِما. وبهذا قال مَالِكٌ. وقال الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ: يُخْرَصُ؛ لأنَّه ثَمَرٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ، فيُخْرَصُ كالرُّطَبِ والعِنَبِ. ولَنا، أنَّه لا نَصَّ في خَرْصِهِ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فيَبْقَى على الأصْلِ. فصل: وَوَقْتُ الإخْراجِ لِلزَّكَاةِ بعدَ التَّصْفِيَةِ في الحُبُوبِ والجَفافِ في الثِّمَارِ؛ لأنَّه أوانُ الكَمالِ وحالُ الادِّخارِ. والمُؤْنَةُ التي تَلْزَمُ الثَّمَرَةَ إلى حينِ الإخْرَاجِ على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ كالمَاشِيَةِ، ومُؤْنَةُ المَاشِيَةِ وحِفْظُها وَرَعْيُها، والقِيَامُ
следующие страницы →