← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

دَاوُدَ (٣٧). وقَوْلُهُم: هو ظَنٌّ. قُلْنا: بل هو اجْتِهَادٌ في مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ وإدْرَاكِه بالخَرْصِ، الذي هو نَوْعٌ من المَقَادِيرِ والمَعَايِيرِ، فهو كتَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ. وَوَقْتُ الخَرْصِ حين يَبْدُو الصَّلاحُ (٣٨)، لِقَوْلِ عائشةَ، ﵂: كان (٣٩) يَبْعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ، فَيَخْرُصُ عليهم النَّخْلَ حين يَطِيبُ، قبلَ أن يُؤْكَلَ منه. ولأنَّ فائِدَةَ الخَرْصِ مَعْرِفَةُ الزكاةِ، وإطْلاقُ أَرْبابِ الثِّمارِ في التَّصَرُّفِ فيها، والحاجَةُ إنَّما تَدْعُو إلى ذلك حين يَبْدُو الصَّلاحُ، وتَجِبُ الزكاةُ فيه (٤٠). فصل: ويُجْزِئُ خَارِصٌ وَاحِدٌ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَبْعَثُ ابنَ روَاحَةَ، فيَخْرُصُ، ولم يَذْكُرْ معه غيرَه، ولأنَّ الخَارِصَ يَفْعَلُ ما يُؤَدِّيه اجْتِهَادُهُ إليه، فهو كالحاكِمِ والقائِفِ، ويُعْتَبَرُ في الخارِصِ أن يكونَ أمِينًا غيرَ مُتَّهَمٍ. فصل: وصِفَةُ الخَرْصِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الثَّمَرَةِ (٤١)، فإنْ كان نَوْعًا واحِدًا، فإنَّه يُطِيفُ بكلِّ نَخْلَةٍ أو شَجَرَةٍ، ويَنْطُرُ كَم في الجَمِيعِ رُطَبًا أو عِنَبًا، ثم يُقَدِّرُ ما يجىءُ منها (٤٢) تَمْرًا، وإنْ كان أنوَاعًا خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ على حِدَتِه؛ لأنَّ الأنْواعَ تَخْتَلِفُ، فمنها ما يَكْثُرُ رُطَبُهُ ويَقِلُّ تَمْرُهُ، ومنها ما يكونُ بِالعَكْسِ، وهكذا العِنَبُ، ولأنَّه يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِ كُلِّ نَوْعٍ، حتى يُخْرِجَ عُشْرَهُ، فإذا خَرَصَ

стр. 1822

على المالِكِ، وعَرَّفَهُ قَدْرَ الزكاةِ، خَيَّرَهُ بينَ أن يَضْمَنَ قَدْرَ الزكاةِ، ويَتَصَرَّفَ فيها بما شاءَ من أكْلٍ وغَيْرِه، وبينَ حِفْظِها إلى وَقْتِ الجَذَاذِ والجَفَافِ، فإن اخْتَارَ حِفْظَها ثم أتْلَفَها أو تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِه، فعليه ضَمَانُ نَصِيبِ الفُقَرَاءِ بِالخَرْصِ، وإنْ أتْلَفَها أجْنَبِيٌّ، فعليه قِيمَةُ ما أتْلَفَ. والفَرْقُ بينهما أنَّ رَبَّ المالِ وَجَبَ عليه تَجْفِيفُ هذا الرُّطَبِ، بخِلافِ الأجْنَبِيِّ، ولهذا قُلْنَا في مَن أتْلَفَ أُضْحِيتَهُ المُعَيَّنَةَ (٤٣): عليه أُضْحِيَةٌ مَكَانَها. وإن أتْلَفَها أجْنَبِيٌّ فعليه قِيمَتُها. وإن تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ من السَّماءِ، سَقَطَ عنهم الخَرْصُ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها تَلِفَتْ قبل اسْتِقْرَارِ زكاتِها، وإن ادَّعَى تَلَفَها بِغيرِ تَفْرِيطِه، فالقَوْلُ قَوْلُه بغيرِ يَمِينٍ، [على ما] (٤٤) تَقَدَّمَ، وإن حَفِظَها إلى وَقْتِ الإخْراجِ، فعليه زكاةُ المَوْجُودِ لا غيرُ، سَواءٌ اخْتَارَ الضَّمانَ، أو حَفِظَها على سَبِيلِ الأمانَةِ، وسَواءٌ كانت أكْثَرَ ممَّا خَرَصَهُ الخارِصُ أو أقَلَّ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: يَلْزَمُهُ ما قال الخَارِصُ، زَادَ أو نَقَصَ، إذا كانَتِ الزكاةُ مُتَقَارِبَةً؛ لأنَّ الحُكْمَ انْتَقَلَ إلى ما قال السَّاعِي، بِدَلِيلِ وُجُوبِ ما قال عندَ تَلَفِ المالِ. ولَنا، أنَّ الزكاةَ أمَانَةٌ، فلا تَصِيرُ مَضْمُونَةٌ بالشَّرْطِ كالوَدِيعَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الحُكْمَ انْتَقَلَ إلى ما قالَ (٤٥) السَّاعِي، وإنَّما يُعْمَلُ بِقَوْلِه إذا تَصَرَّفَ في الثَّمَرَةِ، ولم يَعْلَمْ قَدْرَها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ إصابَتُه. قال أحمدُ: إذا خَرَصَ على الرَّجُلِ، فإذا فيه فَضْلٌ كَثِيرٌ، مثل الضَّعْفِ، تَصَدَّقَ بالفَضْلِ؛ لأنَّه يَخْرُصُ بالسَّوِيَّةِ. وهذه الرِّوَايَةُ تَدُلُّ على مِثْلِ قَوْلِ مالِكٍ. وقال: إذا تَجَافَى السُّلْطَانُ عن شيْءٍ من العُشْرِ، يُخْرِجُه فيُؤَدِّيه. وقال: إذا حَطَّ من الخَرْصِ عن الأرْضِ، يَتَصَدَّقُ بِقَدْرِ ما نَقَصُوهُ من الخَرْصِ. وإن أخَذَ منهم أكْثَرَ من الوَاجِبِ عليهم، فقال أحمدُ: يُحْتَسَبُ لهم من الزكاةِ لِسَنَةٍ أُخْرَى. ونَقَلَ عنه أبو دَاوُدَ: لا يُحْتَسَبُ بالزِّيادَةِ، لأنَّ

стр. 1823

هذا غَاصِبٌ. وقال أبو بكرٍ: وبهذا أقُولُ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْمَعَ بين الرِّوَايَتَيْنِ، فيُحْتَسَبُ به إذا نَوَى صَاحِبُه به التَّعْجِيلَ، ولا يُحْتَسَبُ به إذا لم يَنْوِ ذلك. فصل: وإن ادَّعَى رَبُّ المالِ غَلَطَ الخارِصِ، وكان ما ادَّعاهُ مُحْتَمِلًا، قُبِلَ قَوْلُه بغيرِ يَمِينٍ، وإن لم يَكُنْ مُحْتَمِلًا، مِثْلَ أن يَدَّعِيَ (٤٦) غَلَطَ النِّصْفِ ونَحْوِه، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُ، فيُعْلَمُ كَذِبُه. وإن قال: لم يَحْصُلْ في يدي غيرُ كذا (٤٧). قُبِلَ منه بِغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّه قد يَتْلَفُ بَعْضُها بآفَةٍ لا نَعْلَمُها. فصل: وعلى الخارِصِ أن يَتْرُكَ في الخَرْصِ الثُّلُثَ أو الرُّبُعَ، تَوْسِعَةً على أربابِ الأمْوالِ؛ لأنَّهم يَحْتاجُونَ (٤٨) إلى الأكْلِ هم وأضْيَافُهم، ويُطْعِمُونَ جِيرَانَهم وأهْلَهم وأصْدِقَاءَهم وسُؤَّالَهم. ويكونُ في الثَّمَرَةِ السُّقاطةُ (٤٩)، ويَنْتَابُها الطَّيْرُ، وتَأْكُلُ منها (٥٠) المارَّةُ، فلو اسْتَوْفَى الكُلَّ منهم أضَرَّ بهم. وبهذا قال إسحاقُ، ونحوَه قال اللَّيْثُ، وأبو عُبَيْدٍ. والمَرْجِعُ في تَقْدِيرِ المَتْرُوكِ إلى السَّاعِى بِاجْتِهادِه، فإن رَأى الأكَلَةَ كَثِيرًا تَرَكَ الثُّلُثَ، وإن كانوا قَلِيلًا تَرَكَ الرُّبُعَ؛ لما رَوَى سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يقول: "إذا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا ودَعُوا الثُّلُثَ، فإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ". رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ، وأبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، والتِّرمِذِيُّ (٥١). ورَوَى أبو عُبَيْدٍ (٥٢)، بإسْنَادِهِ عن مَكْحُولٍ، قال: كان رسولُ

стр. 1824

اللهِ ﷺ إذا بَعَثَ الخُرَّاصَ قال: "خَفِّفُوا عَلَى النَّاسِ، فَإنَّ في الْمَالِ الْعَرِيَّةَ والْوَاطِئَةَ والأكَلَةَ". قال أبو عُبَيْدٍ: الوَاطِئَةُ: السَّابِلَةُ سُمُّوا بذلك لِوَطْئِهِم بِلادَ الثِّمَارِ مُجْتَازِينَ. والأكَلَةُ: أَرْبَابُ الثِّمَارِ وأهْلُوهم، ومَن لَصِقَ بهم. ومنه حَدِيثُ سَهْلٍ في مالِ سَعْدِ بن أبي سَعْدٍ، حين قال: لَوْلَا أَنِّي وَجَدْتُ فيه أرْبَعِينَ عَرِيشًا، لَخَرَصْتُه تِسْعَمائةِ وَسْقٍ، وكانت تلك العُرُشُ لِهؤلاءِ الأكَلَةِ (٥٣). والعَرِيَّةُ: النَّخْلَةُ أو النَّخلَاتُ يَهَبُ إنْسَانًا ثَمَرَتَها. فجاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لَيْسَ فِي العَرَايَا صَدَقَةٌ" (٥٤). ورَوَى ابْنُ المُنْذِرِ، عن عمَرَ، ﵁، أنَّه قال لِسَهْلِ بنِ أبي (٥٥) حَثْمةَ: إذا أتَيْتَ على نَخْلٍ قد حَضَرَها (٥٦) قَوْمٌ، فدَعْ لهم ما يَأْكُلُونَ (٥٧). والحُكْمُ في العِنَبِ كالحُكْمِ في النَّخِيلِ سواءٌ، فإن لم يَتْرُكْ لهم الخارِصُ شيئا، فلهم الأكْلُ بقَدْرِ ذلك، ولا يُحْتَسَبُ عليهم به. نَصَّ عليه؛ لأنَّه حَقٌّ لهم، فإن لم يُخْرِج الإمامُ خَارِصًا، فاحْتَاجَ رَبُّ المَالِ إلى التَّصَرُّفِ في الثَّمَرَةِ، فأخْرَجَ خَارِصًا، جازَ أن يَأْخُذَ بِقَدْرِ ذلك. ذَكَرَهُ القاضي. وإن خَرَصَ هو وأخَذَ بِقَدْرِ ذلك، جازَ. ويَحْتَاطُ في أنْ لا يَأْخُذَ أكْثَرَ مِمَّا له أخْذُهُ. فصل: ويُخْرَصُ النَّخْلُ والكَرْمُ؛ لما رَوَيْنَا من الأثَرِ فيهما، ولم يُسْمَعْ بِالخَرْصِ في غيرِهما، فلا يُخْرَصُ الزَّرْعُ [في سُنْبُلِه] (٥٨). وبهذا قال عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ،

стр. 1825

ومَالِكٌ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بِالخَرْصِ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، لأنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ والكَرْمِ تُؤْكَلُ رُطَبًا، فَيُخْرَصُ على أَهْلِه لِلتَّوْسِعَةِ عليهم، لِيُخَلِّيَ بينهم وبين أكْلِ الثَّمَرَةِ والتَّصَرُّفِ فيها، ثم يُؤَدُّونَ الزكاةَ منها على ما خُرِصَ، ولأنَّ ثَمَرَةَ الكَرْمِ والنَّخْلِ ظَاهِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فخَرْصُهَا أسْهَلُ من خَرْصِ (٥٩) غيرِها، وما عَدَاهما فلا يُخْرَصُ، وإنَّما على أهْلِه فيه الأمَانَةُ إذا صَارَ مُصَفًّى يَابسًا، ولا بَأْسَ أن يَأْكُلُوا منه ما جَرَتِ العادَةُ بِأكْلِه، ولا يُحْتَسَبُ عليهم. [وقد سُئِلَ أحمدُ عَمَّا يَأْكُلُ] (٦٠) أرْبَابُ الزُّرُوعِ من الفَرِيكِ؟ قال: لا بَأْسَ به أن يَأْكُلَ منه صَاحِبُه ما يَحْتَاجُ إليه. وذلك لأنَّ العادَةَ جَارِيَةٌ به، فأشْبَه ما يَأْكُلُه أرْبابُ الثِّمَارِ من ثِمَارِهم، فإذا صُفِّيَ الحَبُّ أخْرَجَ زكاةَ المَوْجُودِ كُلِّه، ولم يُتْرَكْ منه شىءٌ؛ لأنَّه إنَّما تُرِكَ لهم في الثَّمَرَةِ شىءٌ لِكَوْنِ النُّفُوسِ تَتُوقُ إلى أكْلِها رَطْبَةً، والعادَةُ جَارِيَةٌ به، وفي الزَّرْعِ إنَّما يُؤْكَلُ شيءٌ يَسِيرٌ، لا وَقْعَ له. فصل: ولا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، ولا غيرُ النَّخْلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ حَبَّهُ مُتَفَرِّقٌ في شَجَرِهِ، مَسْتُورٌ بِوَرَقِه، ولا حاجَةَ بأهْلِه إلى أكْلِه، بخِلافِ النَّخْلِ والكَرْمِ، فإنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ مُجْتَمِعَةٌ في عُذُوقِه، والعِنَبِ في عَنَاقِيدِه، فيُمْكِنُ أن يَأْتِيَ الخَرْصُ عليه، والحاجَةُ دَاعِيَةٌ إلى أكْلِهِما في حَالِ رُطُوبَتِهِما. وبهذا قال مَالِكٌ. وقال الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ: يُخْرَصُ؛ لأنَّه ثَمَرٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ، فيُخْرَصُ كالرُّطَبِ والعِنَبِ. ولَنا، أنَّه لا نَصَّ في خَرْصِهِ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فيَبْقَى على الأصْلِ. فصل: وَوَقْتُ الإخْراجِ لِلزَّكَاةِ بعدَ التَّصْفِيَةِ في الحُبُوبِ والجَفافِ في الثِّمَارِ؛ لأنَّه أوانُ الكَمالِ وحالُ الادِّخارِ. والمُؤْنَةُ التي تَلْزَمُ الثَّمَرَةَ إلى حينِ الإخْرَاجِ على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ كالمَاشِيَةِ، ومُؤْنَةُ المَاشِيَةِ وحِفْظُها وَرَعْيُها، والقِيَامُ

стр. 1826

عليها (٦١) إلى حين الإخْرَاجِ، على رَبِّها، كذا هاهُنا. فإنْ أخَذَ السَّاعِي الزكاةَ قبلَ التَّجْفِيفِ، فقد أساءَ، ويَرُدُّه إن كان رَطْبًا بِحَالِه، وإن تَلِفَ رَدَّ مِثْلَه، وإنْ جَفَّفَهُ وكان قَدْرَ الزكاةِ، فقد اسْتَوْفَى الوَاجِبَ، وإن كان دُونَه أخَذَ البَاقِيَ، وإن كان زَائِدًا رَدَّ الفَضْلَ. وإن كان المُخْرِجُ لها رَبَّ المَالِ، لم يُجْزِئْهُ، ولَزِمَهُ إخْرَاجُ الفَضْلِ بعد التَّجْفِيفِ؛ لأنَّه أخْرَجَ غَيْرَ الفَرْضِ، فلم يُجْزِئْهُ، كما لو أخْرَجَ الصَّغِيرَةَ (٦٢) من الماشِيَةِ عن الكِبارِ. فصل: وإن احْتِيجَ إلى قَطْعِ الثَّمَرَةِ قبل كَمالِها، للخوفِ (٦٣) من العَطَشِ، أو لِضَعْفِ الْجُمَّارِ، جازَ قَطْعُها؛ لأنَّ حَقَّ الفُقَراءِ إنَّما يَجِبُ على طَرِيقِ المُوَاساةِ، فلا يُكَلَّفُ الإنْسانُ من ذلك ما يُهْلِكُ أصْلَ مَالِه، ولأنَّ حِفْظَ الأصْلِ أَحْفَظُ لِلْفُقَرَاءِ من حِفْظِ الثَّمَرَةِ، لأنَّ حَقَّهُمْ يَتَكَرَّرُ بِحِفْظِها في كلِّ سَنَةٍ، فهم شُرَكاءُ رَبِّ (٦٤) النَّخْلِ. ثم إن كان يَكْفِي تَجْفِيفُ الثَّمَرَةِ دُونَ قَطْعِ جَمِيعِها، جَفَّفَها، وإن لم يَكْفِ إلَّا قَطْعُ جَمِيعِها (٦٥)، جَازَ. وكذلك إنْ أرَادَ قَطْعَ الثَّمَرَةِ لِتَحْسِينِ الباقِي منها جَازَ. وإذا أرادَ ذلك، فقال القاضي: يُخَيَّرُ السَّاعِي بين أن يُقاسِمَ رَبَّ المَالِ الثَّمَرَةَ قبلَ الجَذَاذِ بِالخَرْصِ، ويَأْخُذَ نَصيبَهُم نَخْلَةً مُفْرَدَةً، ويَأخُذَ ثَمَرَتَها، وبين أن يَجُذَّهَا، ويُقَاسِمَه إيَّاهَا بِالكَيْلِ، ويَقْسِمَ الثَّمَرَةَ في الفُقَرَاءِ، وبينَ أن يَبِيعَها من رَبِّ المَالِ أو مِن غَيْرِه قبل الجَذَاذِ أو بعدَه، ويَقْسِمَ ثَمَنَها في الفُقَرَاءِ. وقال أبو بكرٍ: عليه الزكاةُ فيه يَابِسًا. وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه. وكذلك الحُكْمُ في العِنَبِ الذي لا يَجِىءُ منه زَبِيبٌ، كالخَمْرِيِّ، والرُّطَبِ الذي لا يَجِىءُ منه

стр. 1827

تَمْرٌ جَيِّدٌ، كالبرنبا (٦٦) والهِلْبَاثِ (٦٧). فإن قِيلَ: فهَلَّا قُلْتُم لا زَكَاةَ فيه؛ لأنَّه لا يُدَّخَرُ، فهو كالخَضْرَواتِ، وطَلْعِ الفُحَّالِ (٦٨). قُلْنا: لأنَّه يُدَّخَرُ في الجُمْلَةِ، وإنما لم يُدَّخَرْ هاهُنا، لأنَّ أخْذَهُ رُطْبًا أنْفَعُ، فلم تَسْقُطْ منه الزكاةُ بذلك، ولا تَجِبُ فيه الزكاةُ حتى يَبْلُغَ حَدًّا يكونُ منه خَمْسَةُ أوْسُقٍ تَمْرًا أو زَبِيبًا، إلَّا على الرِّوَايَةِ الأُخْرَى. وإذا أتْلَفَ رَبُّ المالِ هذه الثَّمَرَةَ، فقال القاضي: عليه قِيمَتُها، كما لو أتْلَفَها غيرُ رَبِّ المالِ. وعلى قَوْلِ أبي بكرٍ: يَجِبُ في ذِمَّتِه العُشْرُ تَمْرًا، أو زَبِيبًا، كما في غيرِ هذه الثَّمَرَةِ. قال: فإنْ لم يَجِد التَّمْرَ، ففيه قَوْلَانِ: أحَدُهما، يُؤْخَذُ منه قِيمَتُه. والثاني: يكونُ في ذِمَّتِه، وعليه أنْ يَأْتيَ به. فصل: فأمَّا كَيْفِيَّةُ الإخْرَاجِ، فإن كان المالُ الذي فيه الزَّكاةُ نَوْعًا وَاحِدًا، أخَذَ منه جَيِّدًا كان أو رَدِيئًا؛ لأنَّ حَقَّ الفُقَرَاءِ يَجِبُ على طَرِيقِ المُوَاسَاةِ، فهم بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكاءِ، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. وإن كان أَنْوَاعًا، أخَذَ من كل نَوْعٍ ما يَخُصُّهُ. هذا قَوْلُ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: يُؤْخَذُ من الوَسَطِ. وكذلك قال أبو الخَطَّابِ، إذا شَقَّ عليه إخْراجُ زَكَاةِ كلِّ نَوْعٍ منه (٦٩). قال ابْنُ المُنْذِرِ: وقال غيرُهما (٧٠): يُؤْخَذُ عُشْرُ ذلك مِن كُلٍّ بِقَدْرِه. وهو أَوْلَى؛ لأنَّ الفُقَرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ، فيَنْبَغِي أنْ يَتَسَاوَوْا في كلِّ نَوْعٍ منه، ولا مَشَقَّةَ في ذلك، بِخِلافِ المَاشِيَةِ إذا كانت أنوَاعًا، فإنَّ إخْرَاجَ حِصَّةِ كلِّ نَوْعٍ منه يُفْضِي إلى تَشْقِيصِ الوَاجِبِ، وفيه مَشَقَّةٌ بخِلافِ الثِّمَارِ، ولهذا وَجَبَ في الزَّائِدِ بِحِسَابِه، ولا يَجُوزُ إخْرَاجُ الرَّدِىءِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٧١). قال أبو

стр. 1828

أُمَامَةَ [بنُ] (٧١) سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ، في هذه الآية: هو الجُعْرُورُ ولَوْنُ حُبَيْقٍ (٧٢)، فنَهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُؤْخَذَ (٧٣) في الصَّدَقَةِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وأبو عُبَيْدٍ (٧٤). قال: وهما ضَرْبَانِ من التَّمْرِ. أحَدُهما إنَّما يَصِيرُ قِشْرًا على نَوًى، والآخَرُ إذا أَثْمَرَ صارَ حَشَفًا. ولا يَجُوزُ أخْذُ الجَيِّدِ عن الرَّدِىءِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إيَّاكَ وكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ" (٧٥). فإن تَطَوَّعَ رَبُّ المالِ بذلك، جازَ، وله ثَوابُ الفَضْلِ، على ما ذَكَرْنَا في فَضْلِ المَاشِيَةِ. فصل: فأمَّا الزَّيْتُونُ، فإنْ كان ممَّا لا زَيْتَ له، فإنَّه يُخْرِجُ منه عُشْرَهُ حَبًّا، إذا بَلَغَ النِّصابَ (٧٦)، لأنَّه حالُ كَمَالِه وادِّخَارِه، [يُخْرِجُ منه، كما يَخْرُصُ الرَّطْبَ في حال رُطُوبَتِه] (٧٧)، وإن كان له زَيْتٌ أخْرَجَ منه زَيْتًا، إذا بَلَغَ الحَبُّ خَمْسَةَ أوْسُقٍ. وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ؛ ومالِكٍ، واللَّيْثِ. قالوا: يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، ويُؤْخَذ زَيْتًا صَافِيًا. وقال مَالِكٌ: إذا بَلَغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ أخَذَ العُشْرَ من زَيْتِهِ بعدَ أنْ يُعْصَرَ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يُخْرِجُ من حَبِّهِ كسائِرِ الثِّمارِ، ولأنَّه الحالَةُ التي تُعْتَبَرُ فيها الأوْسَاقُ، فكان إخْرَاجُهُ فيها كسائِرِ الثِّمَارِ. وهذا جَائِزٌ، والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه يَكْفِي الفُقَرَاءَ مُؤْنَتَهُ، فيَكُونُ أفْضَلَ، كتَجْفِيفِ

стр. 1829

التَّمْرِ، ولأنَّه حالُ كَمَالِه وادِّخَارِه، فيُخْرِجُ منه، كما يَخْرُصُ الرَّطْبَ في حالِ رُطُوبَتِه، ويُخْرِجُ منه إذا يَبِسَ. فصل: ومذهبُ أحمدَ أنَّ في العَسَلِ العُشْرَ. قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أبو عبدِ اللهِ: أَنْتَ تَذْهَبُ إلى أنَّ في العَسَلِ زكاةً؟ قال: نعم. أذْهَبُ إلى أنَّ في العَسَلِ زَكَاةً، العُشْرُ، قد أخَذَ عمرُ منهم الزكاةَ. قلتُ: ذلك على أنَّهم تَطَوَّعُوا به؟ قال: لا. بل أخَذَهُ منهم. ويُرْوَى ذلك عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، ومَكْحُولٍ، والزُّهْرِيِّ، وسليمانَ بن موسى، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ. وقال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وابنُ أبي لَيْلَى، والحسنُ بن صالحٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: لا زكاةَ فيه؛ لأنَّه مَائِعٌ خَارِجٌ من حَيَوانٍ، أشْبَهَ اللَّبَنَ. قال ابْنُ المُنْذِرِ: ليس في وُجُوبِ الصَّدَقَةِ في العَسَلِ خَبَرٌ يَثْبُتُ ولا إجْمَاعٌ، فلا زكاةَ فيه. وقال أبو حنيفةَ: إن كان في أرْضِ العُشْرِ ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا زكاةَ فيه. ووَجْهُ الأوَّل ما رَوَى عمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّهِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُؤْخَذُ في زَمَانِه من قِرَبِ العَسَلِ، مِن كلِّ [عَشْرِ قِرَبٍ] (٧٨) قِرْبَةٌ من أَوْسَطها. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ، والأثْرَمُ، وابْنُ مَاجَه (٧٩). وعن سليمانَ بن موسى، أنَّ أبَا سَيَّارَة الْمُتَعِيِّ (٨٠) قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ: إنَّ لِي نَحْلًا. قال: "أدِّ عُشْرَهَا". قال: فَاحْمِ إذًا جَبَلَها. فحَمَاهُ له. رَوَاهُ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ مَاجَه (٨١). ورَوَى الأثْرَمُ عن ابن أبي ذُبابٍ (٨٢)، عن أبِيهِ عن جَدِّهِ،

стр. 1830

أنَّ عمرَ، ﵁، أمَرَهُ في العَسَلِ بِالعُشْرِ. أمَّا اللَّبَنُ فإنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في أصْلِه، وهي السَّائِمَةُ، بِخِلافِ العَسَلِ. وقولُ أبي حنيفةَ يَنْبَنِي على أنَّ العُشْرَ والخَرَاجَ لا يَجْتَمِعَانِ، وسَنَذْكُرُ ذلك إنْ شاءَ اللهُ تعالى. فصل: ونِصابُ العَسَلِ عَشَرَةُ أفْرَاقٍ. وهذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ. وقال أبو يوسفَ، ومحمد: خَمْسَةُ أوْسَاقٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "ليْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوسُقٍ صَدَقَةٌ" (٨٣). وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ (٨٤) في قَلِيلِه وكَثِيرِه، بِنَاءً على أصْلِه في الحُبُوبِ والثِّمَارِ. ووَجْهُ الأوَّل ما رُوِيَ عن عمرَ، ﵁، أنَّ نَاسًا سَأَلُوهُ، فقالُوا: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ لنا وَادِيًا باليَمَنِ، فيه خَلَايَا مِن نَحْلٍ، وإنَّا نَجِدُ نَاسًا يَسْرِقُونَها. فقال عمرُ، ﵁: إنْ أدَّيْتُمْ صَدَقَتَها، مِن كلِّ (٨٤) عَشَرَةِ أفْرَاقٍ فَرَقًا، حَمَيْنَاهَا لكم. رَوَاهُ الجُوزَجَانِيُّ (٨٥). وهذا تَقْدِيرٌ من عمرَ، ﵁، فَيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إليه. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ الفَرَقَ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا بالعِرَاقِيِّ، فيكون نِصَابُه مائةً وسِتِّينَ رِطْلًا. وقال أحمدُ، في رِوَايَةِ أبي دَاوُدَ: قال الزُّهْرِيُّ، في عَشَرَةِ أفْرَاقٍ فَرَقٌ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا. وقال ابْنُ حامِدٍ: الفَرْقُ سِتُّونَ رِطْلًا، فيكونُ النِّصَابُ سِتَّمائةِ رِطْلٍ، فإنَّه يُرْوَى أنَّ الخَلِيلَ بن أحمدَ، قال: الفَرْقُ، بإسْكَانِ الرَّاءِ: مِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِن مَكايِيلِ أهْلِ العِرَاقِ. وقِيلَ: هو مائةٌ وعِشْرُونَ رَطْلًا، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ نِصَابُه ألْفَ رَطْلٍ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، أنَّه كان يُؤْخَذُ في زَمانِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن قِرَبِ العَسَلِ مِن كلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ من أَوْسَطِها (٨٦). والقِرْبَةُ عندَ الإطْلَاقِ مائِةُ رَطْلٍ، بِدَلِيلِ أنَّ

стр. 1831

القُلَّتَيْن خَمْسُ قِرَبٍ، وهى خَمْسُمائةِ رَطْلٍ. ورَوَى سَعِيدٌ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، أخْبَرَنِى عبدُ الرحمنِ بن الحارِثِ بن أبي ذُبابٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّه قال لِقَوْمِهِ: إنَّه لا خَيْرَ في مالٍ لا زكاةَ فيه. قال: فأخَذْتُ (٨٧) من كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً، فجِئْتُ بها إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، فأخَذَها، فجَعَلَها في صَدَقَاتِ المُسْلِمِينَ (٨٨). ووَجْهُ الأَوَّل قَوْلُ عمرَ: مِنْ كلِّ عَشَرَة أفْرَاقٍ فَرَقًا والفَرَقُ، بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ: سِتَةَ عَشَرَ رَطْلًا. قال أبو عُبَيْدٍ (٨٩): لا خِلافَ بين النَّاسِ أَعْلَمُه، في أنَّ الفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ. وقال النَّبِيُّ ﷺ لِكَعْبِ بن عُجْرَةَ: "أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ" (٩٠). فقد بيَّن أنَّه ثَلَاثَةُ آصُعٍ. وقالت عائشةُ: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ اللهِ ﷺ من إنَاءٍ، هو الفَرَقُ (٩١). هذا هو المَشْهُورُ فيَنْصَرِفُ الإِطْلاقُ إليه. والفَرْقُ: هو مِكْيَالٌ ضَخْمٌ لا يَصِحُّ حَمْلُه عليه؛ لِوُجُوهٍ: أحدُها، أنَّه غيرُ مَشْهُورٍ في كَلَامِهم، فلا يُحْمَلُ عليه المُطْلَقُ من كَلَامِهم. قال ثَعْلَبٌ: قُلْ فَرَقٌ ولا تَقُلْ فَرْقٌ. قال خِدَاشُ بنُ زُهَيْرٍ (٩٢): يأْخُذُون الأَرْشَ في إخْوَتِهمْ ... فَرَقَ السَّمْنِ وشاةً في الغَنَمْ (٩٣) الثانِى، أنَّ عمرَ، قال: مِن كلِّ عَشَرَة أفْرَاقٍ فَرَقٌ، والأفْرَاقُ جَمْعُ فَرَقٍ، بِفَتْحِ الرَّاءِ، وجَمْعُ الفَرْقِ (٩٤)، بإسْكَانِ الرَّاءِ، فُرُوقٌ، وفى القِلَّةِ أفْرُقٍ؛ لأنَّ ما

стр. 1832

كان على وَزْنِ فَعْلٍ سَاكِنَ العَيْنِ غيرَ مُعْتَلٍّ، فجَمْعُه في القِلَّةِ أفْعُلٍ، وفي الكَثْرَةِ فِعَالُ أو فُعُولٌ. والثالث، أنَّ الفَرْقَ الذى هو مِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِن مَكَايِيل أهْلِ العِرَاقِ لا يُحْمَلُ عليه كلامُ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، وإنَّما يُحْمَلُ كَلَامُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، على مَكَايِيل أهْلِ الحِجْازِ؛ لأَنَّه بها ومن أهْلِها، ويُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنَا تَفْسِيرُ الزُّهْرِيِّ له في نِصَابِ العَسَلِ بما قُلْنَاهُ، والإِمَامُ أحْمَدُ ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الاحْتِجاجِ به، فيَدُلُّ على أنَّه ذَهَبَ إليه. واللهُ أعلمُ. ٤٤٢ - مسألة؛ قال: (والأرْضُ أرْضَانِ (١): صُلْحٌ، وعَنْوَةٌ) وجُمْلَتُه أن الأرْضَ قِسْمانِ: صُلْحٌ وعَنْوةٌ، فأمَّا الصُّلْحُ فهو كُلُّ أَرْضٍ صالَحَ (٢) أهْلُها عليها لِتكونَ لهم، ويُؤَدُّونَ عنها (٣) خَرَاجًا مَعْلُومًا، فهذه الأرْضُ مِلْكٌ لأَرْبَابِها، وهذا الخَراجُ في حُكْمِ الجِزْيَةِ، متى أسْلَمُوا سَقَطَ عنهم، ولهم بَيْعُها وهِبَتُها ورَهْنُها؛ لأنَّها مِلْكٌ لهم، وكذلك إنْ صالَحُوا (٤) على أداءِ شىءٍ غيرِ مَوظَّفٍ على الأرْضِ، وكذلك كُلُّ أَرْضٍ أسْلَمَ عليها أهْلُها، كأرْضِ المَدِينَةِ وشِبْهِهَا، فهذه مِلْكٌ لأرْبَابِهَا، لا خَراجَ عليها، ولهم التَّصَرُّفُ فيها كيف شاءُوا. وأما الثَّانِى، وهو ما فُتِحَ عَنْوَةً، فهى ما أُجْلِىَ عنها أهْلُها (٥) بِالسَّيْفِ، ولم تُقَسَّمْ بين الغَانِمِينَ، فهذه تَصِيرُ وَقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ، يُضْرَبُ عليها خَرَاجٌ مَعْلُومٌ، يُؤْخَذُ منها في كل عَامٍ، يكونُ أُجْرَةً لها، وتُقَرُّ في أيْدِى أرْبَابِهَا، ما داموا يُؤَدُّونَ خَرَاجَها، سواء كانوا مُسْلِمِينَ أو من أَهْلِ الذِّمَّةِ، ولا يَسْقُطُ خَرَاجُها بإسلامِ أرْبَابِها، ولا بِانْتِقَالِها إلى مُسْلِمٍ؛ لأنَّه بِمَنْزِلَة أُجْرَتِهَا، ولم نَعْلَمْ أنَّ شَيْئًا ممَّا فُتِحَ عَنْوَةً قُسِمَ بين

стр. 1833

المُسْلِمِينَ إلَّا خَيْبَرَ، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَسَمَ نِصْفَها، فصَارَ ذلك لِأهْلِه، لا خَرَاجَ عليه، وسائِرُ ما فُتِحَ عَنْوَةً ممَّا فَتَحَهُ عمرُ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه، ومَن بعدَه، كأرْضِ الشَّامِ والعِرَاقِ ومِصْر وغيرها، لم يُقَسَّمْ منه شىءٌ، فَرَوَى أبو عُبَيْدٍ، في "الأمْوَالِ" (٦) أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قَدِمَ الجابِيَةَ (٧)، فأرَادَ قِسْمَةَ الأَرْضِ بين المُسْلِمِينَ، فقال له مُعَاذٌ: واللهِ إذًا لَيَكُونَنَّ ما تَكْرَهُ، إنَّك إن قَسَّمْتَها اليَوْمَ صارَ الرَّيْعُ العَظِيمُ في أيْدِى القَوْمِ، ثم يَبِيدُونَ فيَصِيرُ ذلك إلى الرَّجُلِ الوَاحِدِ والمَرْأَةِ، ثم يَأْتِى مِن (٨) بَعْدِهم قَوْمٌ (٩) يسُدُّون من الإِسْلَامِ مَسَدًّا وهم لا يَجِدُونَ شَيْئًا، فانْظُرْ أمْرًا يَسَعُ أوَّلَهم وآخِرَهم. فصارَ عُمَرُ إلى قَوْلِ مُعَاذٍ. وروَى أيضا (١٠)، قال: قال المَاجِشُون: قال بِلَالٌ لِعمرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، في القُرَى التى افْتَتَحُوها عَنْوَةً: اقْسِمْها بَيْنَنَا، وخُذْ خُمْسَهَا. فقال عُمَرُ: لا، هذا عَيْنُ المالِ، ولكنِّى أحْبِسُه فَيْئًا يَجْرِى عليهم وعلى المُسْلِمِينَ. فقال بِلَالٌ وأصْحَابُه لِعمرَ (١١): اقْسِمْها بَيْنَنَا. فقال عمرُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِى بِلَالًا وذَوِيهِ. قال فما حالَ الحَوْلُ ومنهم عَيْنٌ تَطْرِفُ. ورَوَى (١٢)، بإسْنَادِهِ عن سُفْيَانَ بن وَهبٍ الْخَوْلَانِيِّ، قال: لما افْتَتَحَ عَمْرُو بن العَاصِ مِصْرَ، قام (١٣) الزُّبَيْرُ، فقال: يا عَمْرُو ابن العَاصِ، اقْسِمْها. فقال عَمْرٌو: لا أقْسِمُها. فقال (١٣) الزُّبَيْرُ: لَتَقْسِمَنَّها كما قَسَمَ رَسولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ. فقال عَمْرٌو: لا أقْسِمُها حتى أكْتُبَ إلى أمِيرِ

стр. 1834

المُؤْمِنِينَ، فكَتَبَ إلى عمرَ، فكَتَبَ إليه عمرُ: أن دَعْهَا حتى يَغْزُوَ (١٤) منها حَبَلُ الحَبَلَةِ (١٥). قال القاضى: ولم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن أَحَدٍ من الصَّحَابَةِ أنَّه قَسَمَ أرْضًا عَنْوَةً إلَّا خَيْبَرَ. فصل: قال أحمدُ: ومَن يَقُومُ على أرْضِ الصُّلْحِ وأرْضِ العَنْوَةِ، ومِن أَيْنَ هِىَ، وإلى أَيْنَ هِىَ؟ وقال: أرْضُ الشَّامِ عَنْوَةٌ، إلَّا حِمْصَ ومَوْضِعًا آخَرَ. وقال: ما دُونَ النَّهْرِ صُلْحٌ، وما وَرَاءَه عَنْوَةٌ، وقال: فَتَحَ المُسْلِمُونَ السَّوَادَ عَنْوَةً، إلَّا ما كان منه صُلْحٌ، وهى أرْضُ الحِيرَةِ، وأرْضُ (١٦) بَانِقِيَا (١٧). وقال: أرْضُ الرَّيِّ (١٨) خَلَطُوا في أمْرِها، فأمَّا ما فُتِحَ عَنْوَةً فمِن (١٩) نَهَاوَنْدَ (٢٠) إلى طَبَرِسْتَانَ (٢١) خَرَاجٌ. وقال أبو عُبَيْدٍ: أرْضُ الشَّامِ عَنْوَةٌ، ما خَلَا مُدُنَها، فإنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، إلَّا قَيْسَارِيَّةَ (٢٢)، افْتُتِحَتْ عَنْوَةً، وأرْضُ السَّوَادِ والْجَبَلِ (٢٣) ونَهَاوَنْدَ والأهْوَازِ ومِصْرَ والمَغْرِبِ. قال موسى بن عليِّ بن رَبَاحٍ، عن أبِيهِ: المَغْرِبُ كلُّه عَنْوَةٌ. فأمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فأرْضُ هَجَرَ، والبَحْرَيْنِ (٢٤)، وأيْلَةَ (٢٥)، ودُومَةِ الجَنْدَلِ (٢٦)،

стр. 1835

وأَذْرُحَ (٢٧)، فهذه القُرَى التى أَدَّتْ إلى رسولِ اللَّه ﷺ الجِزْيَةَ، ومُدُن الشَّامِ ما خَلَا أرْضَها إلَّا قَيْسَارِيّةَ وبلادَ الجَزِيرَةِ كلَّها، وبِلَادُ خُرَاسَانَ كلُّها أو أكْثَرُها (٢٨) صُلْحٌ، وكلُّ مَوْضِعٍ فُتِحَ عَنْوَةً فإنَّه وَقْفٌ على المُسْلِمِينَ. فصل: وما اسْتَأْنَفَ المُسْلِمُونَ فَتْحَهُ، فإن فُتِحَ عَنْوَةً ففيه ثَلَاثُ رِواياتٍ: إحْدَاهُنَّ، أنَّ الإِمامَ مُخَيَّرٌ بين قِسْمَتِها على الغَانِمِينَ، وبين وَقْفِها (٢٩) على جَمِيعِ المُسْلِمِينَ؛ لأنَّ كِلَا الأَمْرَيْنِ قد ثَبَتَ فيه حُجَّةٌ عن النَّبِيِّ ﷺ ، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ نِصْفَ خَيْبَر، وَوَقَفَ نِصْفَها لِنَوَائِبِه (٣٠). وَوَقَفَ عمرُ الشَّامَ والعِرَاقَ ومِصْرَ وسَائِرَ ما فَتَحَهُ، وأَقَرَّهُ على ذلك عُلمَاءُ الصَّحَابَةِ، وأشَارُوا عليه به، وكذلك فَعَلَ مَنْ بعدَه مِن الخُلَفَاءِ، ولم يُعْلَمْ أحَدٌ منهم قَسَمَ شيئا من الأرْضِ التى افْتَتَحُوهَا. والثانية، أنَّها تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الاسْتِيلاءِ عليها؛ لاتِّفَاقِ الصَّحابَةِ عليه، وقسْمَةُ النَّبِيِّ ﷺ خَيْبَرَ كان في بَدْءِ الإِسلامِ، وشِدَّةِ الحاجَةِ، فكانَتِ المَصْلَحَةُ فيه، وقد تَعَيَّنَتِ المَصْلَحَةُ فيما بعدَ ذلك في وَقْفِ الأرْضِ، فكان ذلك هو الوَاجبَ. والثالثة، أنَّ الوَاجِبَ قِسْمَتُها. وهو قولُ مَالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذلك، وفِعْلُه أوْلَى من فِعْلِ غَيْرِه، مع عُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣١). الآية. يُفْهَمُ منها أنَّ أرْبَعَةَ أَخْمَاسِها لِلْغَانِمِينَ. والرِّوَايَةُ الأُولَى أَوْلَى؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا في خَيْبَرَ، ولأنَّ عمرَ قال: لَوْلَا آخرُ النّاس لَقَسَمْتُ الأَرْضَ كما قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ (٣٢). فقد وَقَفَ الأَرْضَ مع

стр. 1836

عِلْمِه بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَلَّ على أن فِعْلَهُ ذلك لم يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، كيف والنَّبِيُّ ﷺ قد وَقَفَ نِصْفَ خَيْبَرَ! ولو كانت لِلْغَانِمِينَ لم يَكُنْ له وَقْفُها. قال أبو عُبَيْدٍ (٣٣): تَوَاتَرَتِ الآثارُ في افْتِتَاحِ الأَرَضِينَ عَنْوَةً بِهذَيْنِ الحُكْمَيْنِ؛ حُكْمِ رسولِ اللَّه ﷺ في خَيْبَرَ حين قَسَمَهَا، وبه أشَارَ بِلَالٌ وأصْحَابُه على عمرَ في أرْضِ الشَّامِ، وأشَارَ به الزُّبَيْرُ في أرْضِ مِصْرَ، وحُكْمِ عمرَ في أرْضِ السَّوَادِ وغَيْرِه حِينَ وَقَفَهُ، وبه أشَارَ عليٌّ، ومُعَاذٌ، على عمرَ (٣٤)، وليس فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ رَادًّا لِفِعْلِ عمرَ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما اتَّبَعَ آيةً مُحْكَمَةً، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (٣٥). الآية. فكان كُلُّ وَاحِدٍ من الأمْرَيْنِ جَائِزًا، والنَّظَرُ في ذلك إلى الإِمامِ، فما رَأى من ذلك فَعَلَهُ. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأبى عُبَيْدٍ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ الاخْتِيَارَ المُفَوَّضَ إلى الإِمامِ اخْتِيَارُ (٣٦) مَصْلَحَةٍ، لا اخْتِيارُ تَشَهٍّ، فيَلْزَمُه فِعْلُ ما يَرَى المَصْلَحَةَ فيه، ولا يجوزُ له العُدُولُ عنه، كالخِيَرَةِ بينَ القَتْلِ والاسْتِرْقَاقِ، والفِدَاءِ والمَنِّ في الأسْرَى، ولا يَحْتَاجُ إلى النُّطْقِ بِالوَقْفِ، بَلْ تَرْكُه لها (٣٧) من غَيْرِ قِسْمَةٍ هو وَقْفُه لها، كما أنَّ قَسْمَها بين الغَانِمِينَ لا يَحْتاجُ معه إلى لَفْظٍ، لأنَّ (٣٨) عمرَ وغيرَه لم يُنْقَلْ عنهم في وَقْفِ الأرْضِ لَفْظُ الوَقْفِ، ولأنَّ مَعْنَى وَقْفِها هاهُنا، أنَّها بَاقِيَةٌ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، يُؤْخَذُ خَرَاجُها، ويُصْرَفُ في مَصَالِحِهم، ولا يُخَصُّ أَحَدٌ بِمِلْكِ شىءٍ منها، وهذا حَاصِلٌ بِتَرْكِها.

стр. 1837

فصل: فأمَّا ما جَلَا عنها أهْلُها خَوْفًا من المُسْلِمِينَ، فهذه تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عليها؛ لأنَّ ذلك مُتَعَيِّنٌ فيها، إذْ لم يَكُنْ لها غانِمٌ، فكان حُكْمُها حُكْمَ الفَىْءِ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهم. وقد رُوِىَ أنَّها لا تَصِيرُ وَقْفًا حتى يَقِفَها الإِمامُ، وحُكْمُها حُكْمُ العَنْوَةِ إذا وُقِفَتْ. وما صُولِحَ (٣٩) عليه الكُفَّار من أَرْضِهم، على أنَّ الأَرْضَ لَنَا، ونُقِرُّهُمْ فيها بِخَراجٍ مَعْلُومٍ، فهو وَقْفٌ أَيْضًا، حُكْمُه حُكْمُ ما ذَكَرْنَاهُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَتَحَ خَيْبَرَ، وصَالَحَ أَهْلَها على أن يَعْمُرُوا أَرْضَها، ولهم نِصْفُ ثَمَرَتِها، فكانت لِلْمُسْلِمِينَ دُونَهم (٤٠)، وصَالَحَ بَنِى النَّضِيرِ علَى أن يُجْلِيَهم من المَدِينَةِ، ولهم ما أَقَلَّتِ الإِبِلُ من الأمْتِعَةِ والأمْوَالِ، إلَّا الحَلْقَةَ (٤١) -يعنى السِّلَاحَ- فكانت مِمَّا أفَاءَ اللهُ على رَسُولِهِ. فأمَّا ما صُولِحُوا عليه، على أنَّ الأرْضَ لهم، ونُقِرُّهُم فيها بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ. فهذا الخَراجُ في حُكْمِ الجِزْيَةِ، تَسْقُطُ بِإسْلامِهِم، والأرْضُ لهم لا خَرَاجَ عليها؛ لأنَّ الخَرَاجَ الذى ضُرِبَ عليهم إنَّما كان من أَجْلِ كُفْرِهم، بِمَنْزِلَةِ الجِزْيَةِ المَضْرُوبَةِ على رُءُوسِهم، فإذا أَسْلَمُوا سَقَطَ، كما تَسْقُطُ الجِزْيَةُ، وتَبْقَى الأَرْضُ مِلْكًا لهم، لا خَرَاجَ عليها. ولو انْتَقَلَتِ الأَرْضُ إلى مُسْلِمٍ، لم يَجِبْ عليها خَرَاجٌ لذلك.

стр. 1838

فصل: ولا يجوزُ شِرَاءُ شىءٍ من الأرْضِ المَوْقُوفَةِ ولا بَيْعُهُ، في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْم؛ منهم عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عَبَّاسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرو (٤٢)، رَصِىَ اللَّه عنهم. ورُوِىَ ذلك عن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ (٤٣)، وقَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيبٍ، ومُسْلِمِ بن مِشْكَم (٤٤)، ومَيْمُونِ بن مِهْرَانَ، والأوْزَاعِيِّ، ومالِكٍ، وأبي إسحاقَ الفَزَارِيِّ (٤٥). وقال الأوْزَاعِيُّ: لم يَزَلْ أَئِمَّةُ المُسْلِمِينَ يَنْهَوْنَ عن شِراءِ أرْضِ الجِزْيَةِ، ويَكْرَهُه عُلَمَاؤُهم. وقال الأوْزَاعِيُّ: أجْمَعَ رَأْىُ عمرَ، وأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، لمَّا ظَهَرُوا على الشَّامِ، على إقْرَارِ أهْلِ القُرَى في قُرَاهم، على ما كان بِأيْدِيهِم من أرْضِهم، يَعْمُرُونَها، ويُؤَدُّونَ خَرَاجَها إلى المُسْلِمِينَ، ويَرَوْنَ أنَّه لا يَصْلُحُ لأحَدٍ من المُسْلِمِينَ شِرَاءُ ما في أيْدِيهِم من الأرْضِ طَوْعًا ولا كَرْهًا. وكَرِهُوا ذلك بما كان من اتِّفَاقِ عمرَ وأصْحَابِه في الأرَضِينَ (٤٦) المَحْبُوسَةِ على آخرِ هذه الأُمَّةِ من المُسْلِمِينَ، لا تُبَاعُ ولا تُورثُ، قُوَّةً على جهادِ مَن لم تظْهَرْ عليه بعدُ من المُشْرِكِين. وقال الثَّوْرِيُّ: إذا أقَرَّ الإِمامُ أهْلَ العَنْوَةِ في أرْضِهم، تَوَارثُوها وتَبَايَعُوهَا. وَرُوِىَ نَحْوُ هذا عن ابْنِ سِيرِينَ، والقُرْطُبِيِّ؛ لما رَوَى عبدُ الرحمنِ بن يَزِيدَ، أنَّ ابْنَ مَسعودٍ اشْتَرَى مِن دِهْقانَ أرْضًا، على أن يَكْفِيَهُ جِزْيَتَها (٤٧). وَرُوِىَ

стр. 1839

عنه أنَّه قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن التَّبَقُّرِ (٤٨) في الأهْلِ (٤٩) والمَالِ. ثم قال عبدُ اللهِ: فكَيْفَ بمَالٍ برَاذَانَ (٥٠)، وبكذا، وبكذا (٥١)! وهذا يَدُلُّ على أنَّ له مَالًا بِرَاذَانَ (٥٠). ولأنَّها أَرْضٌ لهم، فجازَ بَيْعُها. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن كان الشِّرَاءُ أَسْهَلَ يَشْتَرِى الرَّجُلُ ما يَكْفِيه ويُغْنِيهِ عن النَّاسِ، هو رَجُلٌ من المُسْلِمِينَ. وكَرِهَ البَيْعَ في أرْضِ السَّوَادِ. وإنَّما رَخَّضَ في الشِّرَاءِ -واللهُ أَعْلَمُ- لأنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ اشْتَرَى، ولم يُسْمَعْ عنهما البَيْعُ، ولأنَّ الشِّرَاءَ اسْتِخْلَاصٌ لِلْأَرْضِ، فيَقُومُ فيها مقَامَ مَن كانتْ في يَدِه، والبَيْعُ أَخْذُ عِوَضٍ عن مَا لا يَمْلِكُه ولا يَسْتَحِقُّه، فلا يجوزُ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّه رُوِىَ عن عمرَ، رَضىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أهْلِ الذِّمَّةِ، ولا أرْضَهم (٥٢). وقال الشَّعْبِيُّ: اشْتَرَى عُتْبَةُ بنُ فَرْقَدٍ أرْضًا على شَاطِئِ الفُرَاتِ، لِيَتَّخِذَ فيها قَصَبًا، فذَكَرَ ذلك لِعمرَ، فقال: ممَّن اشْتَرَيْتَها؟ قال: مِن أرْبَابِها. فلما اجْتَمَعَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، قال: هؤلاء أرْبَابُها، فهل اشْتَرَيْتَ منهم شيئا؟ قال: لا. قال: فارْدُدْها على مَن اشْتَرَيْتها منه، وخُذْ مَالَكَ (٥٣). وهذا قَوْلُ عمرَ في المهاجِرِينَ والأنْصارِ بِمَحْضرِ سادَةِ الصَّحابَةِ وأَئِمَّتِهِم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْمَاعًا، ولا سَبِيلَ إلى وُجُودِ إجْماعٍ أقْوَى مِن هذا وشِبْهه، إذْ لا سَبِيلَ إلى نَقْلِ قَوْلِ جَمِيعِ

стр. 1840

الصَّحابَةِ في مَسْأَلَةٍ، ولا إلى نَقْلِ قَوْلِ العَشَرَةِ، ولا يُوجَدُ الإِجْماعُ إلَّا القولَ المُنْتَشِرَ. فإن قيل: فقد خَالَفَهُ ابْنُ مسعودٍ بما ذَكَرْنَاهُ عنه. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ المُخَالَفَةَ. وقَوْلُهُم: اشْتَرَى. قلنا: المُرَادُ به: اكْتَرَى. كذلك قال أبو عُبَيْدٍ (٥٤). والدَّلِيلُ عليه قَوْلُه: على أن يَكْفِيَهُ جِزْيَتَها. ولا يكونُ مُشْتَرِيًا لها وجِزْيَتُها على غَيْرِه. وقد رَوَى عنه القاسمُ (٥٥) أنَّه قال: مَن أقَرَّ بالطَّسْقِ (٥٦) فقد أقَرَّ بالصَّغارِ والذُّلِّ (٥٧). وهذا يَدُلُّ على أن الشِّراءَ هاهُنا الاكْتِرَاءُ. وكذلك كلُّ مَن رُوِيَتْ عنه الرُّخْصَةُ في الشِّراءِ فمَحْمُولٌ على ذلك. وقَوْلُه: فَكَيْفَ بمَالٍ بِرَاذَانَ. فليس فيه ذِكْرُ الشِّراءِ، [ولا أنَّ] (٥٨) المَالَ أرْضٌ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ مَالًا من السَّائِمَةِ أو التِّجَارَةِ أو الزَّرْعِ أو غيرِه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرْضٌ اكْتَرَاها، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بذلك غَيْرَه، وقد يَعِيبُ الإِنْسانُ الفِعْلَ المَعِيبَ مِن غيرِه. جوابٌ ثانٍ، أنَّه تناوَلَ (٥٩) الشِّراءَ، وبَقِىَ قَوْلُ عمرَ في النَّهْىِ عن البَيْعِ غيرَ مُعَارَضٍ، وأمَّا المَعْنَى فِلأنَّها مَوْقُوفَةٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كسائِرِ الأحْبَاسِ والوُقُوفِ، والدَّلِيلُ على وَقْفِها النَّقْلُ والمَعْنَى؛ أمَّا النَّقْلُ، فما نُقِلَ من الأخْبَارِ، أنَّ (٦٠) عمرَ لم يَقْسِمِ الأرْضَ التى افْتَتَحَها، وتَرَكَها لِتكونَ مَادَّةً لأجْنادِ المُسْلِمِينَ الذِين يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وقد نَقَلْنَا بَعْضَ ذلك، وهو مَشْهُورٌ تُغْنِى شُهْرَتُه عن نَقْلِه. وأمَّا المَعْنَى، فلِأنَّها لو قُسِمَتْ لَكانتْ للذين افْتَتَحُوها، ثم لِوَرَثَتِهم، أو لمن انْتَقَلَتْ إليه عنهم، ولم تَكُنْ مُشْتَرَكَةً بين المُسْلِمِينَ، ولأنَّها لو قُسِمَتْ [لَنُقِلَ ذلك] (٦١)، ولم تَخْفَ

стр. 1841

بالكُلِّيَّةِ. فإنْ قِيلَ: فليس في هذا ما يَلْزَمُ منه الوَقْفُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه تَرَكَها لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، فيكون فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، والإِمامُ نَائِبُهُم، فيَفْعَلُ ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ، مِن بَيْعٍ أو غَيْرِه، ويَحْتَمِلُ أنَّه تَرَكَها لأرْبَابِها، كفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ. قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ عمرَ إنَّما تَرَكَ قِسْمَتَها لِتَكُونَ مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ كلِّهم، يَنْتَفِعُونَ بها، مع بَقَاءِ أصْلِها، وهذا مَعْنَى الوَقْفِ، ولو جازَ تَخْصِيصُ قَوْمٍ بأصْلِها لَكان الذين افْتَتَحُوهَا أحَقَّ بها، فلا يجوزُ أن يَمْنَعَها أهْلَها لِمَفسَدَةٍ، ثم يَخُصُّ بها غَيْرَهم مع وُجُودِ المَفْسَدَةِ المَانِعَةِ. والثاني أظْهَرُ فَسَادًا من الأَوَّل، فإنَّه إذا مَنَعَها المُسْلِمِينَ المُسْتَحِقِّينَ، كيف يَخُصُّ بها أهْلَ الذِّمَّةِ المُشْرِكِينَ الذين لا حَقَّ لهم ولا نَصِيبَ؟ فصل: وإذا قُلْنَا بِصِحَّةِ الشِّرَاءِ، فإنَّها تكونُ في يَدِ المُشْتَرِى على ما كانتْ في يَدِ البَائِعِ، يُؤَدِّى خَرَاجَها، ويكونُ مَعْنَى الشِّرَاءِ هاهُنا نَقْلَ اليَدِ من البَائِعِ إلى المُشْتَرِى بِعِوَضٍ. وإن شَرَطَ الخَرَاجَ على البائِعِ كما فَعَلَ ابنُ مسعودٍ، فيكون اكْتِرَاءً لا شِرَاءً، ويَنْبَغِى أن يَشْتَرِطَ بَيَانَ مُدَّتِهِ، كسَائِر الإِجارَاتِ. فصل: وإذا بِيعَتْ هذه الأرْضُ، فحَكَمَ بِصِحَّةِ البَيْعِ حاكِمٌ، صَحَّ؛ لأنَّه مُختَلَفٌ فيه، فَصَحَّ بِحُكْمِ الحاكِمِ، كسائِر المُجْتَهَداتِ. وإن باعَ الإِمامُ شيئًا لِمَصْلَحَةٍ رآهَا، مثل أن يكونَ في الأرْضِ ما يَحْتَاجُ إلى عِمارَةٍ لا يَعْمُرُهَا إلَّا من يَشْتَرِيهَا، صَحَّ أيضا؛ لأن فِعْلَ الإِمامِ كَحُكْمِ الحاكِمِ. وقد ذَكَرَ ابنُ عَائِذٍ (٦٢)، في كِتابِ "فُتُوحِ الشَّامِ"، قال: قال غيرُ واحِدٍ من مَشْيَخَتِنَا: إن النَّاسَ سَألُوا عبدَ المَلِكِ، والوَلِيدَ، وسليمان (٦٣)، أنْ يَأْذَنُوا لهم في شِراءِ الأرْضِ من أهْلِ

стр. 1842

الذِّمَّةِ، فأذِنُوا لهم على إدْخالِ أثْمَانِها في بَيْتِ المالِ، فلما وَلِىَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ أعْرَضَ عن تلك الأشْرِيَةِ؛ لاخْتِلاطِ الأُمُورِ فيها؛ لما وَقَعَ فيها منَ المَوارِيثِ ومُهُورِ النِّساءِ. وقَضاءِ الدُّيُونِ، ولم يَقْدِرْ على تَخْلِيصِه ولا مَعْرِفَةِ ذلك، وكَتَبَ كِتابًا قُرِئَ على النَّاسِ سَنَةَ المائةِ، أنَّ مَن اشْتَرَى شَيْئًا بعدَ سَنَة مائةٍ، فإنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ. وسَمَّى سنةَ مائةٍ سنةَ المُدَّةِ، فتَنَاهَى النّاسُ عن شِرائِها، ثم اشْتَرَوْا أشْرِيَةً كَثِيرَةً كانت بأيْدِى أهْلِهَا، تُؤَدِّى العُشْرَ ولا جِزْيَةَ عليها، فلما أفْضَى الأمْرُ إلى المَنْصُورِ رُفِعَتْ تلك الأشْرِيَةُ إليه، وأنَّ ذلك أَضَرَّ بالخَراجِ وكسَرَه (٦٤)، فأرادَ رَدَّها إلى أهْلِهَا. فَقِيلَ له: قد وَقَعَتْ في المَوَارِيثِ والمُهُورِ، واخْتَلَطَ أمْرُها. فَبَعَثَ المُعَدِّلينَ، منهم: عبدُ اللهِ بن يَزِيدَ إلى حِمْصَ، وإسماعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ إلى بَعْلَبَكَّ، وهِضَابُ بن طَوْق، ومُحْرِزُ (٦٥) بن زُرَيْق إلى الغُوطَةِ. وأمَرَهم أنْ لا يَضَعُوا على القَطائِعِ والأشْرِبَةِ العَظِيمَةِ (٦٦) القَدِيمَةِ خَرَاجًا، وَوَضَعُوا الخَراجَ على ما بَقِىَ بأيْدِى الأنْباطِ، وعلى الأشْرِبَةِ المُحْدَثَةِ مِن بعد سَنَةِ مائةٍ إلى السَّنَةِ التى عدّل فيها. فيَنْبَغِى أن يَجْرِىَ ما باعَهُ إمامٌ، أو بِيعَ بإذْنِه، أو تَعَذَّرَ رَدُّ (٦٧) بَيْعِه، هذا المجْرَى، في أن يُضْرَبَ عليه خَراجٌ بِقَدْرِ ما يحْتَمِلُه (٦٨)، ويُتْرَكَ في يَدِ مُشْتَرِيه، أو من انْتَقَلَ إليه، إلَّا ما بِيعَ قبلَ المائةِ السَّنَة، فإنَّه لا خَراجَ عليه، كما نُقِلَ في هذا الخَبَرِ. فصل: وحُكْمُ إقْطاعِ هذه الأرْضِ حُكْمُ بَيْعِها في أنَّ ما كان من عمرَ، أو ممَّا كان قبلَ مائةِ سَنَةٍ، فهو لِأهْلِه، وما كان بعدَها، ضُرِبَ عليه، كما فَعَلَ المَنْصُورُ، إلَّا أن يكونَ بِغَيْرِ إذْنِ الإِمامِ، فيكونُ بَاطِلًا، وذَكَرَ ابن عَائِذٍ، في

стр. 1843

كِتَابِه، بإسْنَادِه عن سليمانَ بن عُتْبَةَ (٦٩)، أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عبدَ اللهِ بن محمدٍ -أظُنُّه المَنْصُورَ- سَألَه في مَقْدَمِه الشَّامَ، سَنَةَ ثلاثٍ أو أرْبَعٍ وخَمْسِينَ، عن سَبَبِ الأرَضِينَ (٧٠) التى بِأيْدِى أبْناء الصَّحابَةِ، يَذْكُرُونَ أنَّها قَطَائِعُ لآبَائِهم قَدِيمَةٌ. فقلتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ اللهَ تعالى لمَّا أَظْهَرَ المُسْلِمِينَ على بِلادِ الشَّامِ، وصالَحُوا (٧١) أهْلَ دِمَشْقَ وأهْلَ حِمْصَ، كَرِهُوا أنْ يَدْخُلُوها دُونَ أن يَتِمَّ ظُهُورُهم، وإثْخَانُهم في عَدُوِّ اللهِ، فَعَسْكَرُوا في مَرْجِ بَرَدَى، بين المِزَّةِ إلى مَرْجِ شعبانَ، وجَنْبَتَىْ بَرَدَى مُرُوجٌ كانت مُبَاحَةً فيما بين أهْلِ دِمَشْقَ وقُرَاها، ليستْ لَأَحَدٍ منهم، فأقَامُوا بها حتى أَوْطَأَ اللهُ بهم المُشْرِكِينَ قَهْرًا وذُلًّا، فأحْيَا كُلُّ قَوْمٍ مَحَلَّتَهم، وهَيَّئُوا فيها (٧٢) بِناءً، [فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ] (٧٣)، فأمْضَاهُ لهم، وأمْضَاهُ عثمانُ مِن بعدِه إلى ولايةِ (٧٤) أمِيرِ المُؤْمِنِينَ. قال: وقد أَمْضَيْنَاهُ لهم. وعن الأحْوَصِ ابن حَكِيمٍ، أن المُسْلِمِينَ الذين فَتَحُوا حِمْصَ لم يَدْخُلُوهَا، وعَسْكَرُوا (٧٥) على نَهْرِ الأرْبَدِ، فأحْيَوْهُ، فأمْضاهُ لهم عمرُ وعثمانُ، وقد كان مِنْهُمْ أُنَاسٌ تَعَدَّوْا إذ ذاك إلى جِسْرِ الأرْبَدِ، الذى على بابِ الرَّسْتَنِ (٧٦)، فعَسْكَرُوا في مَرْجِهِ مَسْلَحَةً لمن خَلْفَهم من المُسْلِمِينَ، فلمَّا بَلَغَهُم ما أمْضاهُ عُمَرُ لِلْمُعَسْكِرِينَ على نَهْرِ الأرْبَد، سَألُوا أن يُشْرِكُوهم في تلك القَطائِع، وكتَبُوا إلى عمرَ فيه، فكَتَبَ أنْ يُعَوَّضُوا مِثْلَه من المُرُوجِ التى كانوا عَسْكَرُوا فيها على بابِ الرَّسْتَنِ، فلم تَزَلْ تلك القَطائِعُ على

стр. 1844

شاطِئ الأَرْبَدِ، وعلى بابِ حِمْصَ، وعلى بَابِ الرَّسْتَن، ماضِيَةً لِأهْلِها، لا خَرَاجَ عليها، تُؤَدِّى العُشْرَ. فصل: وهذا الذى ذَكَرْنَاهُ في الأرْضِ المُغِلَّةِ، أمَّا المَسَاكِنُ فلا بَأْسَ بِحِيَازَتِها وبَيْعِها وشِرَائِها وسُكْنَاها. قال أبو عُبَيْدٍ (٧٧): ما عَلِمْنَا أحَدًا كَرِهَ ذلك، وقد اقْتُسِمَتِ الكُوفَةُ خِططًا في زَمنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه بإِذْنِهِ، والبَصْرَةُ، وسَكَنَهما أصْحابُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وكذلك الشَّامُ ومِصْرُ وغيرُهما من البُلْدَانِ، فما عَابَ ذلك أحَدٌ ولا أنْكَرَهُ. ٤٤٣ - مسألة؛ قال: (فَمَا كَانَ مِنَ الصُّلْحِ، فَفِيهِ الصَّدقَةُ) يَعْنِى ما صُولِحُوا عليه، على أنَّ مِلْكَهُ لِأهْلِه، ولنا عليهم خَرَاجٌ مَعْلُومٌ، فهذا الخَراجُ في حُكْمِ الجِزْيَةِ، متى أسْلَمُوا سَقَطَ عنهم. وإن انْتَقَلَتْ إلى مُسْلِمٍ لم يكنْ عليهم خَراجٌ. وفى مِثْلِه جاءَ عن العَلَاءِ بنِ الحَضْرَمِيِّ، قال: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ ﷺ إلى البَحْرَيْنِ وإلى هَجَرَ، فَكُنْتُ آتِى الحائِطَ تكونُ بين الإِخْوَة، يُسْلِمُ أحَدُهم، فآخُذُ من المُسْلِمِ العُشْرَ، ومن المُشْرِكِ الخَرَاجَ. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١). فهذا في أحَدِ هذَيْنِ البَلَدَيْنِ؛ لأنَّهما فُتِحَا صُلْحًا، وكذلك كلُّ أرْضٍ أسْلَمَ أهْلُها عليها، كأرْضِ المَدِينَةِ، فهى مِلْكٌ لهم، ليس عليها خَرَاجٌ ولا شىءٌ. أمَّا الزكاةُ فهى وَاجِبَةٌ على كلِّ مُسْلِمٍ، ولا خِلافَ في وُجُوبِ العُشْرِ في الخارِجِ من هذه الأرْضِ. قال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ كُلَّ أرْضٍ أسْلَمَ أهْلُها عليها قبلَ قَهْرِهِمْ عليها، أنَّها لهم، وأنَّ أحْكَامَهم أحْكامُ المُسْلِمِينَ، وأنَّ عليهم فيما زَرَعُوا فيها الزكاةَ.

стр. 1845

٤٤٤ - مسألة؛ قال: (ومَا كَانَ عَنْوَةً أُدِّىَ عَنْهَا الخَرَاجُ، وَزُكِّى مَا بَقِىَ إذَا كَانَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وكَانَ لِمُسْلِمٍ) يَعْنِى ما فُتِحَ عَنْوَةً ووُقِفَ على المُسْلِمِينَ، وضُرِبَ عليه (١) خَراجٌ مَعْلُومٌ، فإنَّه يُؤَدَّى الخَرَاجُ مِن غَلَّتِه، ويُنْظَرُ في بَاقِيها، فإن كان نِصَابًا ففيه الزكاةُ إذا كان لِمُسْلِمٍ، وإن لم يَبْلُغْ نِصَابًا، [أو بَلَغَ نِصَابًا] (٢) ولم يَكُنْ لِمُسْلِمٍ، فلا زكاةَ فيه، فإنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ على غيرِ المُسْلِمِينَ. وكذلك الحُكْمُ في كلِّ أرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ. وهذا قولُ عمرَ بن عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِيِّ، ويحيى الأنْصَارِيِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزَاعِيِّ، ومَالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، ومُغِيرَةَ، واللَّيْثِ، والحسنِ بن صالِحٍ، وابْنِ أبي لَيْلَى، وابْنِ المُبارَكِ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا عُشْرَ في الأرْضِ الخَراجِيَّةِ؛ لِقَوْلِه ﵇: "لا يَجْتَمِعُ العُشْرُ والخَرَاجُ في أرْضِ مُسْلِمٍ" (٣). ولأنَّهما حَقَّانِ سَبَبَاهما مُتَنافِيانِ، فلا يَجْتَمِعانِ، كزكاةِ السَّوْمِ والتِّجَارَةِ، والعُشْرِ، وزكاةِ القِيمَةِ. وبَيَانُ تَنَافِيهما أنَّ الخَراجَ وَجَبَ عُقُوبَةً؛ لأنَّه جِزْيَةُ الأرْضِ، والزكاةُ وَجَبَتْ طُهْرَةً وشُكْرًا. ولنا: قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٤) وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ" (٥). وغَيْرُه من عُمُوماتِ الأخْبارِ. قال ابنُ المُبَارَكِ: يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. ثم قال: نَتْرُكُ القُرْآنَ لِقَوْلِ أبِى حنيفةَ! ولأنَّهما حَقَّانِ يَجِبانِ لِمُسْتَحِقِّينَ يجوزُ وُجُوبُ كلِّ وَاحِدٍ منهما على المُسْلِمِ، فجَازَ اجْتِمَاعُهُما كالكَفَّارَةِ والقِيمَةِ في الصَّيْدِ الحَرَمِيِّ المَمْلُوكِ، وحَدِيثُهم يَرْوِيهِ يحيى بنُ عَنْبَسَةَ، وهو ضَعِيفٌ، عن أبى حنيفةَ، ثم نَحْمِلُه على الخَراجِ الذى هو

стр. 1846

جِزْيَةٌ. وقَوْلُ الخِرَقِيِّ: "وكان لِمُسْلِمٍ" يَعْنِى أنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ على صَاحِبِ الأرْضِ إذا لم يَكُنْ مُسْلِمًا، وليس عليه في أَرْضِه سِوَى الخَراجِ. قال أحمدُ، ﵀: ليس في أرْضِ أهْلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، إنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٦). فأىُّ طُهْرةٍ لِلْمُشْرِكِينَ! وقَوْلُهم: إن سَبَبَيْهِمَا يَتَنافَيَانِ. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الخَرَاجَ أُجْرَةُ الأرْضِ، والعُشْرُ زكاةُ الزَّرْعِ، ولا يَتَنَافَيَانِ، كما لو اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فزَرَعَها، ولو كان الخَرَاجُ عُقُوبَةً لَما وَجَبَ على مُسْلِمٍ، كالجِزْيَةِ. فصل: فإنْ كان في غَلَّةِ الأرْضِ ما لا عُشْرَ فيه، كالثِّمَارِ التى لا زكاةَ فيها، والخَضْرَاوَاتِ، وفيها زَرْعٌ فيه الزكاةُ، جُعِلَ ما لا زكاةَ فيه في مُقَابَلَةِ الخَراجِ، وَزُكِّىَ ما فيه الزكاةُ، إذا كان ما لا زَكَاةَ فيه وَافِيًا بالخَرَاجِ. وإن لم يَكُنْ لها غَلَّةٌ (٧) إلَّا ما تَجِبُ فيه الزكاةُ، أُدِّىَ الخَرَاجُ من غَلَّتِها، وَزُكِّىَ ما بَقِىَ. وهذا قولُ عمرَ ابن عبدِ العزيزِ (٨). رَوَى أبو عُبَيْدٍ (٩)، عن إبراهيمَ بن أبي عَبْلَةَ، قال: كَتَبَ عمرُ ابنُ عبدِ العزِيزِ إلى عبدِ اللهِ بنِ أبي عَوْفٍ عَامِلِه على فِلَسْطِينَ، في مَن كانتْ في يَدهِ أرْضٌ بجِزْيَتِها (١٠) من المُسْلِمِينَ، أن يَقْبِضَ منها جِزْيَتَها، ثم يَأْخُذَ منها زَكَاةَ ما بَقِىَ بعد الجِزْيَةِ. قال ابْنُ أبي عَبْلَةَ: أنا ابْتُلِيتُ بذلك، ومِنِّى [أُخِذ. وذلك] (١١) لأنَّ الخَرَاجَ من مُؤْنَةِ الأَرْضِ، فيُمْنَعُ وُجُوبُ الزكَاةِ في قَدْرِهِ، كما قال أحمدُ: مَن اسْتَدَانَ ما انْفَقَ على زَرْعِه، واسْتَدَانَ ما أنْفَقَ على أهْلِه، يَحْتَسِبُ (١٢) ما أنْفَقَ على

стр. 1847

زَرْعِه دُونَ ما أنْفَقَ على أهْلِه. [فاحْتُسِبَ ممَّا أنْفَقَ على زَرْعِه] (١٣)؛ لأنَّه من مُؤْنَةِ الزَّرْعِ. وبهذا قال ابنُ عَبَّاسٍ. وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: يَحْتَسِبُ بالدَّيْنَيْنِ جَمِيعًا، ثم يُخْرِجُ ممَّا بَعْدَهما. وقد (١٤) حُكِىَ عن أحمدَ، أنَّ الدَّيْنَ كُلَّهُ يَمْنَعُ الزكاةَ في الأمْوَالِ الظَّاهِرَةِ. فعلَى هذه الرِّوَايَةِ يَحْسِبُ كُلَّ دَيْنٍ عليه، ثم يُخْرِجُ العُشْرَ ممَّا بَقِىَ إن بَلَغَ نِصَابًا، وإن لم يَبْلُغْ نِصَابًا فلا عُشْرَ فيه؛ وذلك لأنَّ هذا (١٥) الوَاجِبَ زَكَاةٌ، فمَنَعَ الدَّيْنُ وُجُوبَها، كزَكَاةِ الأمْوَالِ البَاطِنَةِ، ولأنَّه دَيْنٌ، فمَنَعَ وُجُوبَ العُشْرِ، كالخَرَاجِ، وما أنْفَقَهُ على زَرْعِهِ. والفَرْقُ بَيْنَهُما على الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّ ما كان من مُؤْنَةِ الزَّرْعِ، فالحَاصِلُ في مُقَابَلَتِه يَجِبُ صَرْفُه إلى غَيْرهِ، فكأنَّهُ لم يَحْصُلْ. فصل: ومن اسْتَأْجَرَ أرْضًا فزَرَعَها، فالعُشْرُ عليه دُونَ مَالِكِ الأرْضِ. وبهذا قال مَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وشُرَيْكٌ، وابنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: هو على مالِكِ الأرْضِ؛ لأنَّه من مُؤْنَتِها، فأشْبَه الخَرَاجَ. ولَنا، أنَّه واجِبٌ في الزَّرْعِ، فكان على مالِكِه، كزَكَاةِ القِيمَةِ فيما إذا أعَدَّهُ لِلتِّجَارَةِ، وكعُشْرِ زَرْعِه في مِلْكِه، ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه من مُؤْنَةِ الأَرْضِ. لأنَّه لو كان من مُؤْنَتِها لَوَجَبَ فيها وإن لم تُزْرَعْ، كالخَرَاجِ، ولَوَجَبَ على الذِّمِّيِّ كالخَرَاجِ، ولَتَقَدَّرَ بِقَدْرِ الأرْضِ لا بِقَدْرِ الزَّرْعِ، ولَوَجَبَ صَرْفُه إلى مَصارِف الفَىْءِ دون مَصْرِفِ الزكاةِ. ولو اسْتعارَ أرْضًا فزَرَعَها، فالزكاةُ على صاحِبِ الزَّرْعِ؛ لأنَّه مَالِكُه. وإن غَصَبَها فَزَرَعَها وأخَذَ الزَّرْعَ، فالعُشْرُ عليه أيضًا؛ لأنَّه ثَبَتَ على مِلْكِه. وإن أخَذَهُ مَالِكُها قبل اشْتِدَادِ حَبِّهِ، فالعُشْرُ عليه. وإن أخَذَهُ بعد ذلك، احْتَمَلَ أن يَجِبَ عليه أيْضًا؛ لأنَّ أخْذَهُ إيَّاهُ اسْتَنَدَ إلى أوَّل زَرْعِه، فكأنَّه

стр. 1848

أخَذَهُ من تلك الحالِ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ زَكَاتُه على الغَاصِبِ؛ لأنَّه كان مِلْكًا له حِينَ وُجُوبِ عُشْرِه، وهو حين اشْتِدَادِ حَبِّهِ. وإنْ زَارَعَ رَجُلًا مُزَارَعَةً فَاسِدَةً، فالعُشْرُ على مَن يَجِبُ الزَّرْعُ له. وإن كانتْ صَحِيحَةً، فعلَى كُلِّ وَاحِدٍ منهما عُشْرُ حِصَّتِه. وإن بَلَغَتْ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، أو كان له من الزَّرْعِ ما يَبْلُغُ بِضَمِّه إليها خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وإلَّا فلا عُشْرَ عليه. وإن بَلَغَتْ حِصَّةُ أحَدِهما دُونَ صَاحِبه النِّصَابَ (١٦)، فعلَى مَن بَلَغَتْ حِصَّتُه النِّصَابَ عُشْرُها، ولاشىءَ على الآخَرِ؛ لأنَّ الخُلْطَةَ لا تُؤَثِّرُ في غير السَّائِمَةِ، في الصَّحِيحِ. ونُقِلَ عن أحمدَ أنَّها تُؤَثِّرُ، فيَلْزَمُهما العُشْرُ إذا بَلَغَ الزَّرْعُ جَمِيعُه خَمْسَةَ أوْسُقٍ، ويُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ منهما عُشْرَ نَصِيبِه، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما مِمَّنْ لا عُشْرَ عليه، كالمُكاتَبِ والذِّمِّيِّ؛ فلا يلْزَمُ شَرِيكَهُ عُشْرٌ (١٧) إلَّا أن تَبْلُغَ حِصَّتُه نِصَابًا، وكذلك الحُكْمُ في المساقَاةِ. فصل: ويُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ بَيْعُ أرْضِه من ذِمِّيٍّ وإجارَتُها منه؛ لإِفْضَائِه إلى إسْقاطِ عُشْرِ الخَارِجِ منها. قال محمدُ بن موسى: سألتُ أبا عبدِ اللهِ، عن المُسْلِمِ يُؤَاجِرُ (١٨) أرْضَ الخَرَاجِ من الذِّمِّيِّ؟ قال: لا يُؤاجِرُ (١٨) من الذِّمِّيِّ، إنَّما عليه الجِزْيَةُ، وهذا ضَرَرٌ. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: لأنَّهم لا يُؤَدُّونَ الزكاةَ. فإن آجَرَها منه ذِمِّيٌّ، أو باعَ أرْضَه التى لا خَرَاجَ عليها ذِمِّيًّا، صَحَّ البَيْعُ والإِجارَةُ. وهذا مذهبُ الثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وشَرِيكٍ، وأبي عُبَيْدٍ، وليس عليهم فيها عُشْرٌ ولا خَرَاجٌ. قال حَرْبٌ: سألتُ أحمدَ عن الذِّمِّيِّ يَشْتَرِى أرْضَ العُشْرِ؟ قال: لا أعْلَمُ عليه شَيْئًا، إنَّما الصَّدَقَةُ كَهَيْئَةِ مَالِ الرَّجُلِ، وهذا المُشْتَرِى (١٩) ليس عليه. وأَهْلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ في هذا قَوْلًا حَسَنًا، يَقُولُونَ: لا نَتْرُكُ الذِّمِّيَّ يَشْتَرِى أرْضَ العُشْرِ.

стр. 1849

وأهْلُ البَصْرَةِ يَقُولُونَ قَوْلًا عَجِيبًا (٢٠). يقُولُونَ: يُضَاعَفُ عليهم. وقد رُوِىَ عن أحمدَ: أنَّهم يُمْنَعُونَ من شِرَائِها. اخْتَارَهَا الخَلَّالُ وصَاحِبُه. وهو قولُ مَالِكٍ، وصَاحِبِه. فإن اشْتَرَوْهَا ضُوعِفَ عليهم العُشْرُ، وأُخِذَ منهم الخُمْسُ؛ لأنَّ في إسْقاطِ العُشْرِ من غَلَّةِ هذه الأرْضِ إضْرَارًا بالفُقَرَاءِ، وتَقْلِيلًا لِحَقِّهم، فإذا تَعَرَّضُوا لذلك ضُوعِفَ عليهم العُشْرُ، كما لو اتَّجَرُوا بأمْوَالِهم إلى غير بَلَدِهم، ضُوعِفَتْ عليهم الزكاةُ، فأُخِذَ منهم نِصْفُ العُشْرِ. وهذا قولُ أهْلِ البَصْرَةِ، وأبى يوسفَ. ويُرْوَى ذلك عن الحسنِ، وعُبَيْدِ اللهِ بن الحسنِ العَنْبَرِيِّ. وقال محمدُ بن الحسنِ: العُشْرُ بحالهِ. وقال أبو حنيفةَ: تَصِيرُ أرْضَ خَراجٍ. ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ لا خَراج عليها، فلا يَلْزَمُ فيها الخَراحُ بِبَيْعِها، كما لو بَاعَها مُسْلِمًا، ولأنَّها مالُ مُسْلِمٍ يَجِبُ الحَقُّ فيه لِلْفُقَرَاءِ عليه، فلم يُمْنَعْ من بَيْعِه لِلذِّمِّيِّ كالسَّائِمَةِ، وإذا مَلَكَها الذِّمِّيُّ فلا عُشْرَ عليه فيما يَخْرُجُ منها؛ لأنها زَكَاةٌ، فلا تَجِبُ على الذِّمِّيِّ، كزَكَاةِ السَّائِمَةِ، وما ذَكَرُوهُ (٢١) يَبْطُلُ بالسَّائِمَةِ؛ فإنَّ الذِّمِّيَّ يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَها، وتَسْقُطُ الزكاةُ منها، وما ذَكَرُوهُ من تَضْعِيفِ العُشْرِ، تَحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه، ولا قِيَاسَ. ٤٤٥ - مسألة؛ قال: (وتُضَمُّ الحِنْطَةُ إلى الشَّعِيرِ، وتُزَكَّى إذَا كَانَتْ خمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ وكَذلِكَ القِطْنيَّاتُ، وكَذلِك الذَّهَبُ والفِضَّةُ) وعن أبي عبدِ اللهِ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها لا تُضَمُّ، وتُخْرَجُ من كلِّ صِنْفٍ [على انْفِرادِه] (١) إذا (٢) كان مُنْصِبًا لِلزَّكَاةِ. القِطْنيَّاتُ، بِكَسْرِ القَافِ (٣): جَمْعُ

стр. 1850

قِطْنِيَّةٍ؛ ويُجْمَعُ أيضا قَطَانِيّ. قال أبو عُبَيْدٍ (٤): هى صُنُوفُ الحُبُوبِ، من العَدَسِ، والحِمَّصِ، والأرُزِّ، والجُلَبَّانِ، والجُلْجُلَانِ (٥) -يَعْنِى السِّمْسِمَ- وزَادَ غَيْرُه: الدُّخْنَ، واللُّوبِيَا، والفُولَ، والماشَ. وسُمِّيَتْ قِطْنِيَّة، فِعْلِيَّة، من قَطنَ يَقْطُنُ في البَيْتِ، أى يَمْكُثُ فيه. ولا خِلافَ بين أهْلِ العِلْمِ، في غير الحُبُوبِ والأثْمانِ (٦)، أنَّه لا يُضَمُّ جِنْسٌ إلى جِنْسٍ آخَرَ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ. فالماشِيَةُ ثَلَاثَةُ أجْنَاسٍ: الإِبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، لا يُضَمُّ جِنْسٌ منها إلى آخَرَ. والثِّمَارُ لا يُضَمُّ جِنْسٌ إلى غَيْرِه، فلا يُضَمُّ التَّمْرُ إلى الزَّبِيبِ، ولا إلى اللَّوْزِ، والفُسْتُقِ، ولا يُضَمُّ شىءٌ من هذه إلى غَيْرِه، ولا تُضَمُّ الأثْمانُ (٧) إلى شىءٍ من السَّائِمَةِ، ولا من الحُبُوبِ والثِّمَارِ. ولا خِلافَ بينهم، في أنَّ أنْوَاعَ الأجْنَاسِ يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في إكْمَالِ النِّصَابِ. ولا [نعلمُ بينهم أيضا خِلافًا] (٨) في أنَّ العُرُوضَ تُضَمُّ إلى الأثْمَانِ، وتُضَمُّ الأثْمَانُ إليها، إلَّا أنَّ الشَّافِعِيَّ لا يَضُمُّها إلَّا (٩) إلى جِنْسِ ما اشْتُرِيَتْ به، لأنَّ نِصَابَها مُعْتَبَرٌ به. واخْتَلَفُوا في ضَمِّ الحُبُوبِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وفى ضَمِّ أحَدِ النَّقْدَيْنِ إلى الآخَر، فَرُوِىَ عن أحمدَ في الحُبُوبِ ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، لا يُضَمُّ جِنْسٌ منها إلى غَيْرِه، ويُعْتَبَرُ النِّصابُ في كلِّ جِنْسٍ منها مُنْفَرِدًا. هذا قولُ عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ، وابنِ أبِى لَيْلَى، والأوْزَاعِيِّ والثَّوْرِيِّ، والحسنِ ابنِ صالِحٍ، وشَرِيكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّها أجْناسٌ، فَاعْتُبِرَ النِّصابُ في كلِّ جِنْسٍ منها مُنْفَرِدًا، كالثِّمارِ (١٠)

стр. 1851

والمَوَاشِى. والرِّوَايَةُ الثانيةُ، أنَّ الحُبُوبَ كُلَّها تُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في إكْمالِ (١١) النِّصَابِ. اخْتَارَها أبو بكرٍ. وهذا قولُ عِكْرِمَةَ، وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن طَاوُس. وقال أبُو عُبَيْدٍ (١٢): لا نَعْلَمُ أحَدًا من الماضِينَ جَمَعَ بينهما إلَّا عِكْرِمَةَ. وذلك لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لَا زَكَاةَ فِى حَبٍّ ولا ثَمَرٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ" (١٣). ومَفْهُومُه وُجُوبُ الزَّكاةِ فيه إذا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ. ولأنَّها تَتَّفِقُ في النِّصَاب وقَدْرِ المُخْرَجِ، والمَنْبِتِ والحَصَادِ (١٤)، فَوَجَبَ ضَمُّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، كأنْواعِ الجِنْسِ. وهذا الدَّلِيلُ مُنْتَقِضٌ بالثِّمارِ. والثَّالِثَةُ، أنَّ الحِنْطَةَ تُضَمُّ إلى الشَّعِيرِ، وتُضَمُّ القِطْنِيَّاتُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ. نَقَلَها أبو الحارِثِ، عن أحمدَ، وحَكاهَا الخِرَقِيُّ. قال القاضى: وهذا هو الصَّحِيحُ. وهو مذهبُ مالِكٍ، واللَّيْثِ، إلَّا أنَّه زَادَ، فقال: السُّلْتُ، والذُّرَةُ، والدُّخْنُ، والأرُزُّ، والقَمْحُ، والشَّعِيرُ، صِنْفٌ واحِدٌ. ولَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بأنَّ هذا كُلَّه مُقْتَاتٌ، فيُضَمُّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، كأنْوَاعِ الحِنْطَةِ. وقال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ: تُضَمُّ الحِنْطَةُ إلى الشَّعِيرِ؛ لأنَّها تَتَّفِقُ في الاقْتِيَاتِ والمَنْبِتِ والحَصَادِ والمَنَافِعِ، فوَجَبَ ضَمُّها، كما يُضَمُّ العَلَسُ إلى الحِنْطَةِ، وأنْوَاعُ الجِنْسِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ. والرِّوَايَةُ الأُولَى أوْلَى، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّها أجْناسٌ يجوزُ التَّفَاضُلُ فيها، فلم يُضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ كالثِّمَارِ. ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على العَلَسِ مع الحِنْطَةِ؛ لأنَّه نَوْعٌ منها، ولا على أنْوَاعِ الجِنْسِ؛ لأنَّ [أنْواعَ الجِنْسِ] (١٥) كُلَّها جِنْسٌ وَاحِدٌ يَحْرُمُ التَّفَاضُل فيها، وثَبَتَ حُكْمُ الجِنْسِ في جَمِيعِها، بِخِلافِ الأَجْناسِ. وإذا انْقَطَعَ القِيَاسُ، لم يَجُزْ إيجَابُ الزكاةِ بالتَّحَكُّمِ، ولا بِوَصْفٍ غير مُعْتَبَرٍ، ثم هو بَاطِلٌ بالثِّمارِ (١٦)، فإنَّها

стр. 1852

تَتَّفِقُ فيما ذَكَرُوهُ، ولا يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، فما لم يَرِدْ بالإِيجابِ نَصٌّ أو إجْمَاعٌ أو مَعْنَاهُما، لا يَثْبُتُ الإِيجابُ (١٧)، واللهُ أعلمُ. ولا خِلافَ [فيما نَعْلَمُه] (١٨) في ضَمِّ الحِنْطَةِ إلى العَلَسِ؛ لأنَّه نَوْعٌ منها. وعلى قِيَاسِه السُّلْتُ يُضَمُّ إلى الشَّعِيرِ؛ لأنَّه منه. فصل: ولا تَفْرِيعَ على الرِّوايتيْنِ الأُولَيَيْنِ؛ لِوُضُوحِهما. فأمَّا الثَّالِثَةُ، وهى ضَمُّ الحِنْطَةِ إلى الشَّعِيرِ، والقِطْنِياتِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فإنَّ الذُّرَةَ تُضَمُّ إلى الدُّخْنِ، لِتَقارُبِهما في المَقْصِدِ، فإنَّهما يُتَّخَذَانِ خُبْزًا وأُدْمًا، وقد ذُكِرَا من جُمْلَةِ القِطْنِيَّاتِ أيضا، فيُضَمَّانِ إليها. وأمَّا البُزُورُ فلا تُضَمُّ إلى القِطْنِيَّاتِ، ولكنَّ الأبازِيرَ يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ؛ لِتَقَارُبِها في المَقْصِدِ، فأشْبَهَتِ القِطْنِيَّاتِ. وحُبُوبُ البُقُولِ لا تُضَمُّ إلى القِطْنِيَّاتِ، ولا إلى البُزُورِ، فما تَقَارَبَ منها ضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، وما لا فلا، وما شَكَكْنَا فيه لا يُضَمُّ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، واللهُ أعلمُ. فصل: وذَكَرَ الخِرَقِيُّ في ضَمِّ الذَّهَبِ إلى الفِضَّةِ رِوايتيْنِ. وقد ذَكَرْناهُما فيما مَضَى، واخْتَارَ أبو بكرٍ، أنَّه لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، مع اخْتِيَارِه الضَّمَّ في الحُبُوبِ؛ لاخْتِلافِ نِصَابِهما، واتِّفَاقِ نِصَابِ الحُبُوبِ. فصل: ومتى قُلْنَا بِالضَّمِّ، فإنَّ الزكاةَ تُؤْخَذُ من كُلِّ جِنْسٍ على قَدْرِ ما يَخُصُّهُ، ولا يُؤْخَذُ مِن جِنْسٍ في غَيْرِه، فإنَّنَا إذا قُلْنَا في أنْوَاعِ الجِنْسِ: يُؤْخَذُ من كل نَوْعٍ ما يَخُصُّهُ. فأوْلَى أن يُعْتَدَّ (١٩) ذلك في الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ، مع تَفَاوُتِ مَقَاصِدِهِا، إلَّا الذَّهَبَ والفِضَّةَ، فإنَّ في إخْراجِ أحَدِهما عن الآخَرِ رِوايتيْنِ.

стр. 1853

فصل: ويُضَمُّ زَرْعُ العامِ الواحِدِ بَعْضُه إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ زَرْعِه وإدْراكِه، أو اخْتَلَفَ. ولو كان منه صَيْفِيٌّ ورَبِيعِيٌّ، [ضُمَّ الصَّيْفِيُّ إلى الرَّبِيعِيِّ] (٢٠). ولو حُصِدَتِ الذُّرَةُ والدُّخْنُ، ثم نَبَتَ أُصُولُهما لَضُمَّ (٢١) أحَدُهما إلى الآخَرِ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ؛ لأنَّ الجَمِيعَ زَرْعُ عَامٍ واحِدٍ، فضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، كما لو تَقارَبَ زَرْعُه وإدْراكُه. فصل: وتُضَمُّ ثَمَرَةُ العامِ الوَاحِدِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ إطْلَاعِها وإدْرَاكِها، أو اخْتَلَفَ، فيُقَدَّمُ بَعْضُها على بَعْضٍ في ذلك. ولو أن الثَّمَرَةَ جُذَّتْ ثم أطْلَعَتِ الأُخْرَى وَجُذَّتْ، ضُمَّتْ إحْدَاهما إلى الأُخْرَى. فإن كان له نَخْلٌ يَحْمِلُ في السَّنَةَ حَمْلَيْنِ، ضُمَّ أحَدُهما إلى الآخَرِ. وقال القاضى: لا يُضَمُّ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه حَمْلٌ يَنْفَصِلُ عن الأوَّلِ، فكان حُكْمُه حُكْمَ حَمْلِ عامٍ آخَرَ. وإنْ كان له نَخْلٌ يَحْمِلُ مَرَّةً، ونَخْلٌ يَحْمِلُ مَرَّتَيْنِ (٢٢)، ضَمَمْنَا الحَمْلَ الأَوَّلَ إلى الحَمْلِ المُنْفَرِدِ، ولم يَجِبْ في الثاني شىءٌ، إلَّا أن يَبْلُغَ بِمُفْرَدِهِ نِصَابًا. والصَّحِيحُ أن أحَدَ الحَمْلَيْنِ يُضَمُّ إلى الآخَر. ذَكَرَهُ أبو الخَطَّابِ، وابْنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّهما ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ، فيُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، كَزَرْعِ العامِ الواحِدِ، وكَالذُّرَةِ التى تُنْبِتُ مَرَّتَيْنِ، ولأنَّ الحَمْلَ الثَّانِى يُضَمُّ إلى الحَمْلِ المُنْفَرِدِ لو لم يَكُنْ حَمْلٌ أوَّلُ، فكذلك إذا كان، فإنَّ وُجُودَ الحَمْلِ الأوَّل لا يَصْلُحُ أن يكونَ مَانِعًا، بِدَلِيلِ حَمْلِ الذُّرَةِ الأوَّل، وما ذَكَرَه من الانْفِصَالِ يَبْطُلُ بِالذُّرَةِ. واللهُ أعلمُ بِالصَّوابِ (٢٣).

стр. 1854

بابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وهى وَاجِبَةٌ بِالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإِجْماعِ. أمَّا الكِتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٤). [والآيةُ الأُخْرَى] (٢٥). ولا يُتَوَعَّدُ بهذه العُقُوبَةِ إلَّا على تَرْكِ وَاجِبٍ. وأمَّا السُّنَّةُ، فما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ ولَا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّها، إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِن نَارٍ، فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُه وَجَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ عَلَيْهِ، فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يَقْضِىَ اللهُ بَيْنَ الْعِبَادِ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٦). ورَوَى البُخَارِيُّ وغيرُه (٢٧)، في كِتابِ أَنَسٍ: "وفى الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ، فإنْ لَم يَكُنْ إلا تِسْعِينَ ومِائَةً، فلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، إلَّا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا". والرِّقَةُ: هى الدَّرَاهِمُ المَضْرُوبَةُ. وقال النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٨). وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ في مائتَىْ

стр. 1855

دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وعلى أنَّ الذَّهَبَ إذا كان عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وقِيمَتُه مائتَا دِرْهَمٍ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيه، إلَّا ما اخْتُلِفَ فيه عن الحسنِ. ٤٤٦ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ: (ولَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ [الْمِائَتَىْ دِرْهَمٍ] (١)، إلَّا أنْ يَكُونَ فِى مِلْكِهِ ذَهَبٌ أوْ عُرُوضٌ لِلتِّجَارَةِ، فَيتِمُّ بِهِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ نِصابَ الفِضَّةِ مِائتا دِرْهَمٍ، لا خِلافَ في ذلك بين عُلَماءِ الإِسلامِ، وقد بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ التى رَوَيْناها بِحَمْدِ اللهِ، والدَّرَاهِمُ التى يُعْتَبَرُ بها النِّصابُ هى الدَّرَاهِمُ التى كلُّ عَشَرَةٍ منها وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ بمِثْقَالِ الذَّهَبِ، وكُلُّ دِرْهَمٍ نِصْفُ مِثْقَالٍ وخُمْسُه، وهى الدَّرَاهِمُ الإِسلامِيَّةُ التى تُقَدَّرُ بها نُصُبُ الزكاةِ، ومِقْدَارُ الجِزْيَةِ، والدِّيَاتُ، ونِصابُ القَطْعِ في السَّرِقَةِ، وغيرُ ذلك، وكانت الدَّرَاهِمُ في صَدْرِ الإِسلامِ صِنْفَيْنِ، سُودًا، وطَبَرِيَّةً، وكانت السُّودُ ثَمانِيَةَ دَوَانِيقَ، والطَبَرِيَّةُ أرْبَعَةَ دَوَانِيقَ، فَجُمِعَا في الإِسلامِ، وجُعِلَا دِرْهَمَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، في كلِّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِيقَ، فَعَلَ ذلك بنو أُمَيَّةَ، فاجْتَمَعَتْ فيها (٢) ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحَدُها، أنَّ كُلَّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبْعَةٍ. والثاني، أَنَّه عَدْلٌ بين الصَّغِيرِ والكَبِيرِ. والثالث، أنَّه مُوَافِقٌ لِسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ودِرْهَمِهِ الذى قَدَّرَ به المَقَادِيرَ الشَّرْعِيَّةَ. ولا فَرْقَ في ذلك بين التِّبْرِ والمَضْرُوبِ. ومتى نَقَصَ النِّصابُ عن ذلك فلا زكاةَ فيه، سَوَاءٌ كان النَّقْصُ (٣) كثيرًا أو يَسِيرًا. هذا ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ الشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ، وابْنِ المُنْذِرِ، لِظاهِرِ قَوْلِه ﵇: "لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ" (٤). والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا. بغير خِلافٍ، فيكون ذلك مائتَىْ دِرْهَمٍ.

стр. 1856

وقال غيرُ الخِرَقِيِّ من أصْحَابِنَا: إن كانْ النَّقْصُ يَسِيرًا، كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْنِ، وَجَبَتِ الزكاةُ؛ لأنَّه لا يُضْبَطُ غَالِبًا، فهو كنَقْصِ الحَوْلِ ساعَةً أو ساعَتَيْنِ، وإن كان نَقْصًا بَيِّنًا، كالدَّانَقِ (٥) والدَّانَقَيْنِ، فلا زكاةَ فيه. وعن أحمدَ، أن نِصابَ الذَّهَبِ إذا نَقَصَ ثُلُثَ مِثْقَالَ زَكَّاهُ. وهو قولُ عمرَ بن عبدِ العزيزِ، وسُفْيَانَ. وإن نَقَصَ نِصْفًا لا زَكاةَ فيه. وقال أحمدُ، في مَوْضِعٍ آخَرَ: إذا (٦) نَقصَ ثُمْنًا لا زَكَاةَ فيه. اخْتَارَهُ أبو بكرٍ. وقال مالِكٌ: إذا نَقَصَتْ نَقْصًا يَسِيرًا يجوزُ جَوَازَ الوَازِنَةِ، وَجَبَتِ الزكاةُ، لأنَّها تجُوزَ جَوَازَ الوَازِنَةِ، أشْبَهَتِ الوَازِنَةَ. والأوَّلُ ظَاهِرُ الخَبَرِ، فيَنْبَغِى أن لا يُعْدَلَ عنه. فأمَّا قَوْلُه: "إلَّا أن يَكُونَ في مِلْكِه ذَهَبٌ أو عُرُوضٌ لِلتِّجَارَةِ فيُتِمُّ به". فإنَّ عُرُوضَ التِّجَارَةِ تُضَمُّ إلى كل وَاحِدٍ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويكْمُلُ به نِصَابُه. لا نَعْلَمُ فيه اخْتِلافًا. قال الخَطَّابِيُّ: لا أعْلَمُ عَامَّتَهم اخْتَلَفُوا فيه؛ وذلك (٧) لأنَّ الزكاةَ إنَّما تَجِبُ في قِيمَتِها، فتُقَوَّمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ منهما، فتُضَمُّ إلى كلِّ وَاحِدٍ منهما. ولو كان له ذَهَبٌ وفِضَّةٌ وعُرُوضٌ، وَجَبَ ضَمُّ الجَمِيعِ بَعْضِه إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ؛ لأنَّ العُرُوضَ (٨) مَضْمُومٌ إلى كُلِّ وَاحِدٍ منهما، فيَجِبُ ضَمُّهما إليه، وجَمْعُ الثَّلَاثَةِ. فأمَّا إنْ كان له مِن كُلِّ وَاحِدٍ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ ما لا يَبْلُغُ نِصَابًا بِمُفْرَدِه، أو كان له نِصَابٌ من أحَدِهما وأقَلُّ من نِصابٍ من الآخَرِ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ، في روَايَةِ الأثْرَمِ وجَمَاعَةٍ، وقَطَعَ في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، أنَّه لا زَكَاةَ عليه حتى يَبْلُغَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما نِصَابًا. وذَكَرَ الخِرَقِيُّ فيه رِوَايَتَيْنِ في البَابِ قَبْلَه، إحْدَاهُما لا يُضَمُّ. وهو قولُ ابْنِ أبى لَيْلَى، والحسنِ بنِ صَالِحٍ، وشَرِيكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ. واخْتَارَه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ؛

стр. 1857

لِقَوْلِه ﵇: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ" (٩). ولأنَّهما مالَانِ يَخْتَلِفُ نِصابُهما، فلا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، كأجْنَاسِ الماشِيَةِ. والثانية، يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَر في تَكْمِيلِ النِّصابِ. وهو قولُ الحسنِ، وقَتَادَةَ، ومالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ أحَدَهما يُضَمُّ إلى ما يُضَمُّ إليه الآخَرُ، فَيُضَمُّ إلى الآخَرِ. كأنْوَاعِ الجِنْسِ، ولأنَّ نَفْعَهما واحِدٌ، [والمقصودُ منهما مُتَّحِدٌ] (١٠)، فإنَّهما قِيَمُ المُتْلَفَاتِ، وأُرُوشُ الجِنَايَاتِ، وأَثْمَانُ البِياعاتِ، وحَلْيٌ لمن يُرِيدُهما لذلك، فأشْبَها (١١) النَّوْعَيْنِ، والحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِعَرْضِ التِّجَارَةِ، فَنَقِيسُ عليه. فإذا قُلْنَا بالضَّمِّ، فإنَّ أحَدَهما يُضَمُّ إلى الآخَر بالأجْزاءِ، يَعْنِى أنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما يُحْتَسَبُ من نِصابِه، فإذا كَمَلَتْ أجْزَاؤُهما نِصَابًا، وَجَبَتِ الزكَاةُ، مثل أن يكونَ عندَه نِصْفُ نِصابٍ من أحَدِهما، ونِصْفُ نِصابٍ أو أكْثَرُ من الآخَرِ، أو ثُلُثٌ منٍ أحَدِهما، وثُلُثَانِ أو أكْثَرُ من الآخَرِ. فلو مَلَكَ مائةَ دِرْهَمٍ وعَشَرَةَ دَنَانِيرَ، أو مائةً وخَمْسِينَ دِرْهَمًا وخَمْسَةَ دَنَانِيرَ، أو مائةً وعِشْرِينَ دِرْهَمًا وثَمَانِيَةَ دَنَانِيرَ، وَجَبَتِ الزكاةُ فيهما. وإن نَقَصَتْ أَجْزَاؤُهُما عن نِصابٍ فلا زَكاةَ فيهما. سُئِلَ أحمدُ، عن رَجُلٍ عنده ثَمانِيَةُ دَنانِيرَ ومائةُ دِرْهَمٍ؟ فقال: إنَّما قال مَن قال فيهما الزكاةُ، إذا كان عِنْدَه عَشَرَةُ دَنانِيرَ ومائةُ دِرْهَمٍ. وهذا قولُ مالِكٍ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ، والأوْزَاعِيِّ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما لا تُعْتَبَرُ قِيمَتُه في وُجُوبِ الزكاةِ إذا كان مُنْفَرِدًا، فلا تُعْتَبَرُ إذا كان عندَه (١٢) مَضْمومًا (١٣)،

стр. 1858

كالحُبُوبِ والثِّمَارِ وأنْوَاعِ الأجْناسِ كُلِّها. وقال أبو الخَطَّابِ: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، في رِوَايَةِ المَرُّوذِيِّ، أنَّها تُضَمُّ بالأحْوَطِ من الأجْزَاءِ والقِيمَةِ. ومَعْناهُ أنَّه يُقَوَّمُ الغَالِى منهما بِقِيمَةِ الرَّخِيصِ، فإذا بَلَغَتْ قِيمَتُهما بالرَّخِيصِ منهما نِصَابًا وَجَبَتِ الزكاةُ فيهما؛ فلو مَلَكَ مائةَ دِرْهَمٍ وتِسْعَةَ (١٤) دَنَانِيرَ قِيمَتُها مائةُ دِرْهَمٍ، أو عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وتسْعين (١٥) دِرْهَمًا قِيمتُها عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَجَبَتِ الزكاةُ فيها. وهذا قولُ أبى حنيفةَ في تَقْوِيمِ الدَّنَانِيرِ بالفِضَّةِ؛ لأنَّ كُلَّ نِصابٍ وَجَبَ فيه ضَمُّ الذَّهَبِ إلى الفِضَّةِ، ضُمَّ بالقِيمَةِ، كنِصَابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ، ولأنَّ أصْلَ الضَّمِّ لِتَحْصِيلِ حَظِّ الفُقَرَاءِ، فكذلك صِفَةُ الضَّمِّ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الأَثْمانَ تَجِبُ الزكاةُ في أعْيانِها، فلا تُعْتَبَرُ قِيمَتُها، كما لو انْفَرَدَتْ. ويُخَالِفُ نِصابَ القَطْعِ، فإنَّ [نِصابَ القَطْعِ] (١٦) فيه الوَرِقُ خَاصَّة في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وفى الأُخْرَى أنَّه لا يَجِبُ في الذَّهَبِ حتى يَبْلُغَ رُبْعَ دِينارٍ. واللهُ أعلمُ. ٤٤٧ - مسألة؛ قال: (وكَذَلِكَ دُونَ الْعِشْرِينَ مِثْقَالًا) يَعْنِى أنَّ ما دُونَ العِشْرِينَ لا زكاةَ فيه إلَّا أن يَتِمَّ بِوَرِقٍ أو عُرُوضِ تِجارَةٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الذَّهَبَ إذا كان عِشْرِينَ مِثْقَالًا قِيمَتُها مائتَا دِرْهَمٍ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها، إلَّا ما حُكِىَ عن الحسنِ، أنَّه قال: لا شىءَ (١) فيها حتى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، وأجْمَعُوا على أنَّه إذا كان أقَلَّ من عِشْرِينَ مِثْقَالًا ولا يَبْلُغُ مائتَىْ دِرْهَمٍ فلا زَكَاةَ فيه. وقال عامَّةُ الفُقَهاءِ: نِصابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِن غير

стр. 1859

اعْتِبَارِ قِيمَتِها، إلَّا ما حُكِىَ عن عَطاءٍ، وطَاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، وسليمانَ بن حَرْبٍ، وأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، أنَّهم قالوا: هو مُعْتَبَرٌ بالفِضَّةِ، فما كان قِيمَتُه مائتَىْ دِرْهَمٍ، ففيه الزكاةُ، وإلَّا فَلَا؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ عن النَّبِيِّ ﷺ تَقْدِيرٌ في نِصَابِه، فثَبَتَ أنَّه حَمَلَهُ على الفِضَّةِ. ولَنا، ما رَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَيْسَ فِى أَقَلَّ من عِشْرِينَ مِثْقَالًا من الذَّهَبِ، ولَا فِى أقَلَّ مِنْ مِائتَىْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ". رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ (٢). ورَوَى ابنُ مَاجَه (٣) عن [ابن] (٤) عمرَ، وعائشةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَأْخُذُ مِن كلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، ومن الأرْبَعِينَ دِينَارًا [دِينارًا] (٤). ورَوَى سَعِيدٌ، والأثْرَمُ، عن عليٍّ: "في كل أرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا، وفى كل عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفَ دِينَارٍ". ورَوَاهُ غَيْرُهما مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ (٥). ولأنَّه مَالٌ تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِه، فلم يُعْتَبَرْ بِغيرِه، كسائِرِ الأمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ (٦). فصل: ومَن مَلَكَ ذَهَبًا، أو فِضَّةً مَغْشوشًا (٧)، أو مُخْتَلِطًا بِغيرِه، فلا زَكاةَ فيه، حتى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ نِصابًا؛ لِقَوْلِه ﵇: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ

стр. 1860

خَمْسِ أَوَاقٍ من الوَرِقِ صَدَقَةٌ" (٨). فإن لم يَعْلَمْ قَدْرَ ما فيه منهما، وشَكَّ هل بَلَغَ نِصَابًا أو لا، خُيِّرَ بين سَبْكِهِما لِيَعْلَمَ قَدْرَ ما فيه منهما، وبين أن يَسْتَظْهِرَ ويُخْرِجَ، لِيَسْقُطَ الفَرْضُ بِيَقِينٍ. فإن أحَبَّ أن يُخْرِجَ اسْتِظْهَارًا، فأرَادَ إخْراجَ الزكاةِ من المَغْشُوشَةِ، نَظَرْتَ، فإن كان الغِشُّ لا يَخْتَلِفُ، مثلَ أن يكونَ الغِشُّ في كل دِينَارٍ سُدُسَه، وعَلِمَ ذلك، جازَ أن يُخْرِجَ منها؛ لأنَّه يكونُ مُخْرِجًا لِرُبْعِ العُشْرِ، وإن اخْتَلَفَ قدْرُ ما فيها، أو لم يُعْلَمْ، لم يُجْزِهِ الإِخْراجُ منها، إلَّا أن يَسْتَظْهِرَه (٩)، بحيثُ (١٠) يَتَيَقَّنُ أنَّ ما أخْرَجَهُ من الذَّهَبِ مُحِيطٌ بِقَدْرِ الزكاةِ. وإن أخْرَجَ عنها ذهَبًا لا غِشَّ فيه، فهو أفْضَلُ، وإن أرادَ إسْقاطَ الغِشِّ، وإخْراجَ الزكاةِ عن قَدْرِ ما فيه من الذَّهَبِ، كمَن معه أَرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ دِينارًا، سُدُسُها غِشٌّ، فأسْقَطَ السُّدُسَ أرْبَعَةً، وأخْرَجَ نِصْفَ دِينارٍ عن عِشْرِينَ، جازَ؛ لأنَّه لو سَبَكَها لم يَلْزَمْهُ إلَّا ذلك، ولأنَّ غِشَّها لا زَكاةَ فيه، إلَّا أن يكونَ فِضَّةً، وله من الفِضَّةِ ما يَتِمُّ به النِّصابُ، أو له نِصابٌ سِوَاهُ، فيكون عليه زَكَاةُ الغِشِّ حِينَئِذٍ. وكذلك إن قُلْنا بِضَمِّ أحَدِ النَّقْدَيْنِ إلى الآخَرِ. وإذا ادَّعَى رَبُّ المالِ أنه عَلِمَ (١١) الغِشَّ، أو أنَّه اسْتَظْهَرَه (١٢) وأخْرَجَ الفَرْضَ، قُبِلَ منه بِغَيْرِ يَمِينٍ. وإن زَادَتْ قِيمَةُ المَغْشُوشِ بالغِشِّ، فصارَتْ قِيمَةُ العِشْرِينَ تُسَاوِى اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، فعليه إخْرَاجُ رُبْعِ عُشْرِها ممَّا قِيمَتُه كقِيمَتِها؛ لأنَّ عليه إخْراجَ زَكاةِ المالِ الجَيِّدِ من جِنْسِه، بحيثُ لا يَنْقُصُ عن قِيمَتِه، واللهُ أعلمُ. ٤٤٨ - مسألة؛ قال: (فإذا تَمَّتْ، فَفِيهَا رُبْعُ العُشْرِ) يَعْنِى إذا تَمَّتِ الفِضَّةُ مائتَيْنِ، والدَّنَانِيرُ عِشْرِينَ، فالواجِبُ فيها رُبْعُ عُشْرِها.
следующие страницы →